تخطّي إلى المحتوى

لسماحة المرجع الديني
الشيخ صالح الطائي دام ظله

معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 275

المقدمـــة
إن الحمد لله تعالى ، نحمده ونستعينه ، ولا نعبد سواه وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ )( ).
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم عبده ورسوله ، أنزل عليه القرآن تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وجعله صاحباً يومياً لكل مسلم ومسلمة بتلاوتهم له خمس مرات في اليوم بحال خشوع وخضوع في الصلاة وبقصد القربة إلى الله تعالى لتعمر قلوبهم بإفاضات القرآن .
وينطق اللسان بكلماته وتسمعها الآذان ، وتكون ضياء ونبراساً لهم في مسالك العمل ، وهي الطريق إلى اللبث الدائم في الجِنان .
الحمد لله الذي تطمئن بذكره القلوب ، وتستريح النفوس لما أنزل من آياته ، وجعل تلاوتها والعمل بمضامينها درجة رفعة وثواباً في النشأتين.
الحمد لله على نعمة الخلق والرزق والزيادة في فضله علينا وعلى الناس جميعاً ، ليكون من وظائف المؤمنين شكر الله عز وجل على النعم العامة والنعمة الخاصة ، وتفضل ورضي سبحانه بكلمة الحمد لله في مقامات الثناء والشكر له سبحانه .
الحمد لله الذي جعل الحمد له سبحانه أول كلمة نطق بها آدم عليه السلام عندما خلقه ، ولتصاحب الناس في كل يوم وليلة ، وتكون آخر كلام أهل الجنة عندما يسألون أو يشتهون شيئاً فيستجيب الله لهم فيشكرون الله ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فليس الآخر هنا الإنتهاء من الدعاء لأنهم خالدون في الجنة ، ولكنه متجدد مع كل نعمة يرونها في الجنة ، ليكون قول المؤمن في الدنيا الحمد لله ذخيرة له في الآخرة .
فتفضل الله عز وجل على المسلمين لتلاوة كل واحد منهم سورة الفاتحة سبع عشرة مرة في اليوم والليلة عند أداء الصلاة اليومية الخمس التي تكون أولها عند طلوع الفجر ، وآخرها هي في صلاة العشاء .
وسورة الفاتحة هي أول سورة في ترتيب المصحف ، وتبدأ بعد البسملة بالحمد لله .
ومن أسمائها التي وردت عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنها سورة الحمد ، وسورة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
إذ ورد بالإسناد (عن أُبيّ بن كعب قال : كنت أُصلي فناداني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم أجبه ، فلما صلّيت أتيته .
فقال : ما منعك أن تجيبني ، قلت : كنت أُصلي ، قال : أو لم يقل الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ.
ثمّ قال : لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن نخرج من المسجد ، فأخذ بيدي فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت : يارسول الله إنك قلت لأعلمنك أعظم سورة في القرآن.
قال : نعم الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت)( ).
(وعن حذيفة بن اليمان أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : إنّ القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتماً مقضياً فيقرأ صبيّ من صبيانهم في الكتاب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فيسمعه الله تعالى فيرفع عنهم بذلك العذاب أربعين سنة)( ).
وهل المقصود القوم من المسلمين ، الجواب لا ، فالآية أعم ، وتشمل الأمم السابقة ، مما يدل على أن سورة الفاتحة موجودة في كتب سماوية سابقة .
وابتدأت أربع سور أخرى بعد البسملة بقوله تعالى [الْحَمْدُ لِلَّهِ] وهي :
الأولى : قوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ.
الثانية : قوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا.
الثالثة : قوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ.
الرابعة : قوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
لبيان فضل كلمة الحمد لله ، وليكثر المسلمون من قراءتها في الصلاة وخارجها .
الحمد لله الذي له الأسماء الحسنى ، وصفات الجلال والكمال والحمد لله على قدرته المطلقة ، واطلاعه على القلوب ، وإحصائه لكل شئ ، وإحسانه لكل الخلائق مجتمعة ومتفرقة .
إلى جانب الإحسان والنعمة الخاصة على كل إنسان والتي ينفرد بها من بين الناس من أيام آدم وإلى يوم القيامة ، وهو من بديع صنع الله وعظيم قدرته وسلطانه ، وفيه دعوة لكل إنسان للتدبر في نعم الله التي خصه بها ، والتي يشترك بها مع غيره من الناس ليقابلها بالشكر والحمد لله ، وبالصلاح في القول والعمل .
وقد أنعم الله علينا بصدور هذا السِفر في آية علمية لم يشهد لها التأريخ مثيلاً في حسن التفسير والتأويل مع إنشاء أكثر من (20800) قانوناً إلى الآن والحمد لله .
وهذا الجزء الذي بين يديك هو الخامس والسبعون بـعد المائتين من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) ويختص بتفسير الآية الأولى من سورة النساء.
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وبشكره تدوم النعم وهو الذي ييسر الأمور ، ويزيح الموانع دون أداء الوظائف العبادية وفعل الخيرات ، الذي يفعل ما يريد .
وعن الإمام (موسى بن جعفر العبد الصالح ، قال حدثني أبي جعفر بن محمد الصادق، قال حدثني أبي محمد بن علي الباقر، قال حدثني أبي علي بن الحسين زين العابدين، قال حدثني أبي الحسين بن علي الشهيد، قال حدثني أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام.
قال : كان رسول الله صلى الله عليه و آله إذا أتاه أمر يسره قال الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات و إذا أتاه أمر يكرهه قال الحمد لله على كل حال)( ).
اللهم اجعل ثواب قولنا (الحمد لله) يملأ ميزان الحسنات ، ويرجح كفتها على السيئات ، واهدنا للعمل الصالح ، وهل قول الحمد لله منه ، الجواب نعم.
الحمد لله الذي جعل المواظبة على حمده وشكره بالقول والعمل طريقاً إلى الجنة ، وسبباً لدخولها ، واللبث الدائم فيها .
وفي حديث الإسراء ورد بالإسناد عن عبد الله بن مسعود (قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لقيت إبراهيم عليه السلام ليلة اسرى بي فقال يا محمد أقرئ أمتك مني السلام .
وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)( ).
الحمد لله على كل أكلة وشربة وشهيق وزفير ، لا يتكرر ويتعدد في كل دقيقة إلا بمشيئة الله عز وجل .
وهل في قول الحمد لله إطالة للعمر ، وصرف لأسباب انخرامه ، الجواب نعم ، وهو من الثواب العاجل على الحمد والشكر لله .
الحمد لله الذي جعل قول [الْحَمْدُ لِلَّهِ] عبادة وزلفى إليه ، وسبباً لإستدامة النعم ، فتفضل الله وجعله في الصلاة وفي الدعاء وفي مناسك الحج .
وكانت تلبية النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك).
وجعل الله عز وجل أداء العبادات والمناسك من الحمد الفعلي له سبحانه.
الحمد لله في السراء والضراء ، والرخاء والشدة ، ونسأله تعالى صرف المكاره ومحو الذنوب ، وإن يجعل قولنا [الْحَمْدُ لِلَّهِ] واقية من الشدائد والإبتلاء المباغت .
الحمد لله حمداً كثيراً متصلاً في الدارين ، فنسأله تعالى استمرار حمدنا له تعالى ونحن في عالم البرزخ وفي يوم مقداره خمسين ألف سنة مما نعد رجاء إتصال مناجاتنا لله عز وجل ، وتجدد حبنا له تعالى ، وعدم إنقطاع ذكرنا له سبحانه.
الحمد لله الذي أمرنا بالتقوى والخشية منه تعالى ، لتكون واقية وسبيل نجاة في النشأتين .
وتضمنت آية البحث وهي الآية الأولى من سورة النساء التي يختص بها هذا الجزء من تفسيري للقرآن الأمر بتقوى الله مرتين مع قلة كلماتها في خطاب للناس جميعاً ، كما ورد الأمر [َاتَّقُوا اللَّهَ] مرتين في الآية الثامنة عشرة من سورة الحشر بقوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ.
فمن فضل الله ابتداء سورة النساء بالنداء العام يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ، لأن الله عز وجل أراد أن يطيعه الناس جميعاً ، لوجوه :
الأول : قانون طاعة الناس لله على نعمة خلقهم وإيجادهم ، قال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.
الثاني : قانون طاعة الناس لله شكر له على خلقهم وانتشارهم في الأرض.
الثالث : قانون طاعة الله طريق إلى الخلود في النعيم .
والنسبة بين تقوى الله وطاعته عموم وخصوص مطلق ، فتقوى الله أعم ، فمنها الذكر والتسبيح واجتناب المعصية وفعل السيئات ، لذا تضمنت آية البحث التحذير من المساءلة يوم القيامة بخصوص التقوى وحسن الصلة مع الأرحام وتمام آية البحث هو يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا.
ومن التقوى ترك المكروه ومقدمات الحرام خشية الوقوع فيه .
الحمد لله الذي أَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا وهو الذي يتفضل ويحسب لنا كل حسنة وإن كانت صغيرة ويضاعف أجرها ، قال تعالى فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.
ونسأل الله تعالى أن يمحو ويغفر لنا كل سيئة وان كانت كبيرة ، وإن يوفقنا لتعاهد قول الحمد لله رجاء أن يجعله واقية من مساءلة منكر ونكير في عالم البرزخ .
اللهم اجعل قول الحمد لله سبباً لبعث الرحمة في النفوس ، وواقية من الغضب والسخط والتعدي على الناس .
لقد ابتدأت سورة النساء بما فيه رحمة للناس جميعاً ، وهذا الجزء أول جزء من كتابي الموسوم (معالم الإيمان في تفسير القرآن) يختص بتفسيرها ، وفي تفسير الآية الأولى منها.
ويتجلى تقسيم التقوى في آية البحث تقسيماً استقرائياً إلى قسمين :
الأول : تقوى الله في العبادات .
الثاني : تقوى الله في المعاملات .
والجامع بينهما قوله تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ.
وهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من تقوى الله عز وجل ، الجواب نعم ، وهو من أبهى مظاهر العبودية لله ، والخشية منه ولا يختص التكليف به بالمسلمين .
لبيان أن التكليف بتقوى الله عام يشمل الناس جميعاً ، وأنه أصل من أصول التوحيد ، لوجوه :
الأول : قانون تقوى الله واجب على كل إنسان .
الثاني : قانون تقوى الله حاجة لكل إنسان .
الثالث : قانون تقوى الله طريق لفوز العبد بحب الله .
ويبين قوله تعالى بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ موضوعية قصد القربة والتقوى في عالم الأعمال ليفوز العبد بحب الله ، فنسأل الله تعالى أن يتقبل حمدنا وشكرنا له وأن يجعله من التقوى ، ونوع مقدمة للوفاء بالعهد العبادي والمعاملاتي .
و(عن أنس قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ألا لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له)( ).
ومن الوفاء بالعهد صلة الرحم ، وحفظ أموال اليتامى الذي نزلت الآية الثانية بخصوصها .
وكما أمرت آية البحث بصلة الإرحام فان آية أخرى نزلت بذم الفاسقين الذين ينقضون عهد الله ، ويقطعون الرحم ، ويجفون ذوي القربى ، قال تعالى الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ.
حرر في الخامس عشر من شهر محرم الحرام 1448هـ
30/6/2026

قوله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا] الآية الأولى من سورة النساء.
الإعراب واللغة
يا أيها الناس : يا : أداة نداء .
أي : منادى مبني على الضم في محل نصب .
ها : للتنبيه .
الناس : عطف بيان لأيّ أو صفة لأي مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره .
اتقوا ربكم : اتقوا : فعل أمر مبني على حذف النون ، لأن مضارعه من الأفعال الخمسة .
الواو : ضمير متصل في محل رفع فاعل .
رب : مفعول به منصوب بالفتحة .
الكاف : ضمير متصل في محل جر مضاف إليه ، والميم علامة جمع الذكور.
الذي خلقكم : الذي اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة للمفعول به [رَبَّكُمُ].
خلقكم : فعل ماض مبني على الفتح : والفاعل : ضمير مستتر جوازاً تقديره : هو .
الكاف : ضمير متصل في محل نصب مفعول به ، والميم علامة جمع الذكور .
وجملة [خَلَقَكُمْ] صلة الموصول لا محل لها من الإعراب .
من نفس : جار ومجرور ، متعلقان بخلقكم .
واحدة : صفة ، مجرور بالكسرة .
وخلق منها زوجها : الواو حرف عطف .
خلق : فعل ماض ، منها : جار ومجرور متعلقان بخلق .
زوجها : مفعول به منصوب بالفتحة ، وهو مضاف .
والضمير : الهاء مضاف إليه .
وبث منهما : الواو : حرف عطف ، بث : فعل ماض مبني على الفتح ، منهما : جار ومجرور متعلقان ببث .
رجالاً : مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة .
كثيراً : صفة منصوبة بالفتحة .
ونساءً : الواو حرف عطف مبني على الفتح ، و(نساء) معطوف منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة .
واتقوا : الواو : حرف عطف مبني على الفتح .
اتقوا : فعل أمر مبني على حذف النون ، لأن مضارعه من الأفعال الخمسة .
واو الجماعة : ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل .
الله : اسم الجلالة مفعول به ، منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
الذي : اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة .
تساءلون : فعل مضارع ، حذفت منه إحدى التائين ، مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة .
واو الجماعة : ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل ، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب .
به : الباء حرف جر مبني على الكسر ، الهاء : ضمير متصل مبني على الكسر في محل جر .
والأرحام : الواو حرف عطف مبني على الفتح ، الأرحام : معطوف على اسم الجلالة ، منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
إن الله : إن : حرف توكيد ونصب ، مبني على الفتح .
الله : اسم الجلالة اسم (إن) منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
كان عليكم : كان فعل ماض ناسخ مبني على الفتح ، واسم كان ضمير مستتر تقديره هو .
عليكم : (على) حرف جر مبني على السكون ، وكاف الخطاب ضمير متصل مبني على السكون في محل جر بحرف الجر .
رقيباً : خبر كان منصوب ، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة .
وجملة (كان) في محل رفع خبر (إن).
فضل سورة النساء
هذه السورة مدنية ، وعدد آياتها مائة وست وسبعون آية .
(وهي ستة عشر ألف وثلاثين حرفاً ، وثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وأربعين كلمة ومائة ، وست وسبعين آية)( ).
وهي السورة الرابعة في نظم القرآن بعد : الفاتحة ، البقرة ، آل عمران ، وقد تقدم تفسير هذه السور المباركة والحمد لله .
وسميت هذه السورة باسم سورة النساء ، لكثرة ما فيها من أحكام تتعلق بالنساء .
وسميت سورة النساء الكبرى في مقابل سورة الطلاق التي سميت بسورة النساء القصرى ، ولكن صفة (الكبرى) هنا زائدة .
و(عن أبي أُمامة عن أُبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من قرأ سورة النساء فكأنما تصدق على كل مؤمن ورث ميراثاً ، وأعطى من الأجر كمن اشترى محرراً( ) وبرئ من الشرك ، وكان في مشيئة الله من الذين يتجاوز عنهم)( ).
وعن عبد الله بن مسعود (قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اقرأ عليَّ قلت : يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل قال : نعم . إني أحب أن أسمعه من غيري . فقرأت سورة النساء حتى أتيت على هذه الآية فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا فقال : حسبك الآن . . فإذا عيناه تذرفان .
وأخرج الحاكم وصححه عن عمرو بن حريث قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعبد الله بن مسعود : اقرأ ، قال : أقرأ وعليك أنزل ، قال : إني أحب أن أسمعه من غيري . فافتتح سورة النساء حتى بلغ [فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ… الآية] فاستعبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكف عبد الله .
وأخرج ابن أبي حاتم والبغوي في معجمه والطبراني بسند حسن عن محمد بن فضالة الأنصاري وكان ممن صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتاهم في بني ظفر ومعه ابن مسعود ، ومعاذ بن جبل ، وناس من أصحابه ، فأمر قارئاً فقرأ ، فأتى على هذه الآية فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا فبكى حتى اضطرب لحياه وجنباه ، وقال : يا رب هذا شهدت على من أنا بين ظهريه فكيف بمن لم أره)( ).
وعن الإمام علي عليه السلام قال (أنه قال من قرأ سورة النساء في كل جمعة أومن من ضغطة القبر إذا أدخل في قبره)( ).
ومن إعجاز القرآن ما تضمنته هذه السورة من أحكام الأسرة ، واستقلال المرأة في مالها ، وحقوقها الزوجية ، وحصتها من الإرث سواء كانت أماً أو زوجة أو بنتاً ، والعناية والنساء مطلقاً ، وحفظ حقوق المطلقة وبيان صلة الرحم وقدسيتها ، ورابطة المصاهرة وموضوعيتها ، والتناصح والتراحم والتكافل ، وتعاهد الأسرة المسلمة بصلاح ، لبناء مجتمع سليم يتقوم بأداء الفرائض العبادية .
لقد كانت المرأة قبل الإسلام تحرم من حقوقها ، وليس لها من الميراث شيئاً ، وتتعرض للسبي والقهر والوطئ بذلٍ وبغير حق .
فاكرمها الله عز وجل في القرآن وذكر نصيباً لها في الإرث وسبل تدارك النشوز ، وأحكام النكاح والمهر والطلاق.
وجاءت السنة النبوية بالحث على العناية بالمرأة وبيان حقوق الزوجة ، والصبر عليها .
وعن الإمام الباقر عليه السلام (قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : أوصاني جبرئيل عليه السلام بالمرأة حتى ظننت أنه لا ينبغي طلاقها إلا من فاحشة مبينة)( ).
و(عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ، وَمَا زَالَ يُوصِينِي بِالنِّساءِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُحَرِّمُ طَلاَقَهُنَّ ، وَمَا زَالَ يُوصِينِي بِالمَمَالِيكِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيَجْعَلُ لَهُمْ مُدَّةً إذَا انْتَهَوْا إِلَيْها أُعْتِقُوا ، وَمَا زَالَ يُوصِينِي بِالسِّوَاكِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَن يُحْفِي فَمِي ، وَمَا زَالَ يُوصِينِي بِقِيَامِ اللَّيْلِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ خِيَارَ أُمَّتِي لَمْ يَنَامُوا لَيْلاً)( ).
ومعنى قوله (حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ) أي ظن النبي محمد بأن الوحي سينزل بتشريع أن الجار يرث جاره ، لبيان عظيم حق الجار .

في سياق الآيات
ابتدأت سورة النساء بالبسملة شأنها شأن سور القرآن الأخرى عدا سورة براءة .
ومن خصائص قول [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] وجوه :
الأول : قانون قراءة البسملة حرز وحصانة من الشيطان.
الثاني : قانون قراءة البسملة بركة حاضرة .
الثالث : قانون البسملة وقاية وشفاء .
الرابع : قانون الإبتداء بالبسملة شعار الإسلام .
الخامس : قانون ملازمة البسملة للأنبياء .
السادس : قانون الإبتداء بالبسملة منهاج الأنبياء .
السابع : قانون تلاوة البسملة مفتاح لقضاء الحوائج .
الثامن : تلاوة البسملة باب للأجر والثواب .
و(لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس عزم على الخروج الى أرض الحرم ، فتجهز للمسير واستصحب من الإنس والجنّ والشياطين والطيور والوحوش ما بلغ معسكره مائة فرسخ ، وأمر الريح الرخاء فحملتهم ، فلمّا وافى الحرم وأقام به ما شاء الله تعالى أن يقيم)( ).
(وقال لمن حضره من أشراف قومه : إنَّ هذا مكان يخرج منه نبيّ عربيّ صفته كذا وكذا ، يعطى النصر على جميع من ناواه ، وتبلغ هيبته مسيرة شهر بالقريب والبعيد عنده في الحق سواء لا تأخذه في الله لومة لائم.
قالوا : فبأي دين ندين يا نبي الله .
قال : بدين الحنيفية فطوبى لمن أدركه وآمن به وصدقه.
قالوا : وكم بيننا وبين خروجه يا نبي الله .
قال : زهاء ألف عام فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل وإن إسمه محمد في زمر الأنبياء.
قال : فأقام بمكة حتى قضى نسكه ثم أحب أن (يسعى) إلى أرض اليمن فخرج من مكة صباحاً وسار نحو اليمن يوم نجم سهيل فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر فرأى أرضاً وأزهر خضرتها وأحب النزول بها ليصلي ويتغدى .
فطلبوا الماء فلم يجدوا وكان الهدهد دليله على الماء ، كان يرى الماء من تحت الأرض كما يرى أحدكم كأسه بيده فينقر الأرض فيعرف موضع الماء وبُعده ثم يجيء الشياطين فيسلخونه كما يسلخ الإهاب ثم يستخرجون الماء.
قال سعيد بن جبير : ذكر ابن عباس هذا الحديث ، فقال له نافع بن الأزرق : فرأيت قولك الهدهد ينقر الأرض فيبصر الماء ، كيف يبصر هذا ولا يبصر (حبتي القمح) فيقع في عنقه.
فقال له ابن عباس : ويحك إن القدر إذا جاء حال دون البصر.
وروى قتادة عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم : لا تقتلوا الهدهد فإنه كان دليل سليمان على قرب الماء وبعده ، وأحب أن يعبد الله في الأرض حيث يقول وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً… ))( ).
ولما بعث سليمان عليه السلام الهدهد ليدلهم عن مكان الماء سواء كان ظاهراً أو في باطن الأرض ليحفروا الابار لإخراجه التقى الهدهد مع هدهد الملكة بلقيس إذ أخبره عن ملكها العظيم وكثرة القواد الذين تحت سلطانها .

الصلة بين البسملة وآية البحث
وفيها مسائل :
الأولى : ابتدأت آية البحث بقوله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] وهو نداء عام يشمل المسلمين وأهل الكتاب والذين كفروا في زمان البعثة النبوية وما بعده إلى يوم القيامة ، وهو من إعجاز القرآن ، من وجوه :
الأول : قانون تجدد خطابات القرآن في كل يوم من أيام الحياة الدنيا بتلاوة كل مسلم ومسلمة القرآن سبع عشرة مرة في اليوم والليلة .
الثاني : قانون بعث القرآن الناس على التدبر في آيات وسور القرآن .
الثالث : مضامين القرآن لواء سلم يتغشى الناس في ربوع الأرض.
وهل نداء [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] في أول آية البحث من آيات السلم السالمة من النسخ ، المختار ، نعم ، وهذا النداء من الشواهد على دعوة القرآن الناس جميعاً إلى الهدى والإيمان والأخلاق الفاضلة .
الثانية : من خصائص الجمع بين البسملة والنداء العام أول آية البحث ترغيب الناس بذكر الله ، ودعوتهم لتقديس مقام الربوبية ، وبيان قانون موضوعية البسملة عند الشروع في القول أو الفعل .
الثالثة : من منافع الإبتداء بالبسملة قبل النداء العام للناس بعثهم على الإنصات لآيات القرآن وما فيها من الأوامر والنواهي .
الرابعة : قانون البسملة واقية من الشيطان ، ومن منافع هذا القانون في المقام عدم حجب الشيطان والهوى والنفس الشهوية الإنسان عن التدبر في مضامين آيات القرآن .
الخامسة : الإبتداء بالبسملة إقرار بالعبودية لله عز وجل .
السادسة : قانون الإبتداء بالبسملة استعانة بالله عز وجل ، ورجاء الهداية للعمل بمضامين وأحكام آيات القرآن .
السابعة : بعد ابتداء آية البحث بالنداء العام [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] جاء الأمر بتقوى الله ، وتقدير الجمع بينه وبين البسملة : بسم الله الرحمن الرحيم اتقوا ربكم ، لبيان أن البسملة ابتداء باسم الله رب العالمين الذي خلق الناس والخلائق جميعاً ، والذي هو أقرب لكل واحد منا مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، ويشكر الله الذي يبتدأ باسمه في تلاوة القرآن وفي أموره وأعمالها كلها .
وهل من شكر الله عز وجل للعبد بعث الطمأنينة في قلبه ، الجواب نعم لقوله تعالى أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.
والبسملة من مصاديق ذكر الله فأراد الله تعالى أن تكون الألسنة رطبة بذكره لما فيه نفعهم في الدنيا والآخرة ، والله عز وجل غني عن العالمين .
الثامنة : من الآيات في البسملة والترغيب بتعاهدها مجئ صفتان من صفات الله فيها هما : الرحمن الرحيم ، فلم تقل البسملة : بسم الله القوي الجبار ، أو بسم الله العزيز القهار ، بل تتضمن الإخبار عن تغشي رحمة الله الناس جميعاً ، وهو من الإعجاز بمجئ النداء العام بعد البسملة في آية البحث ، ومن مصاديق [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ].
التاسعة : يمكن تقدير الجمع بين البسملة وكل شطر من آية البحث ، مثلاً :
الأول : بسم الله الرحمن الرحيم اتقوا ربكم .
الثاني : بسم الله الرحمن الرحيم ربكم الذي خلقكم .
الثالث : بسم الله الرحمن الرحيم الذي خلقكم من نفس واحدة .
الرابع : بسم الله الرحمن الرحيم الذي تساءلون به والأرحام .
الخامس : بسم الله الرحمن الرحيم اتقوا الله .
وهل النطق بالبسملة من مصاديق تقوى الله ، الجواب نعم ، وهي مدخل لتقوى اللسان والجوارح .
السادس : بسم الله الرحمن الرحيم إن الله كان عليكم رقيباً .
و(عن عبد الله بن عباس قال : أول ما نزل جبريل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا محمد، استعذ. قال : أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم .
ثم قال : قل : بسم الله الرحمن الرحيم ، ثم قال اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ قال عبد الله: وهي أول سورة أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وسلم، بلسان جبريل)( ).
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يجهر بالبسملة .
و(عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم)( ).
صلة خاتمة الآية بمضامينها
من إعجاز القرآن خواتيم الآيات وما فيها من القوانين الكلية من الإرادة التكوينية من جهات :
الأولى : بيان الأسماء الحسنى ، والصفات العلا لله عز وجل .
الثانية : الجمع بين البشارة والإنذار ، والرجاء والخوف للذين يمتثلون لأوامر الله عز وجل ، والإنذار للذين يعصون أوامره .
الثالثة : موضوعية خاتمة الآية القرآنية في مضامينها .
الرابعة : استنباط الدروس والمواعظ من الجمع بين كل كلمة وشطر من الآية وبين خاتمتها .
الخامسة : قد تأتي خاتمة آية قرآنية وتشمل أحكامها مضامين الآيات السابقة لها بدلالة إتحاد الموضوع أو لغة العطف بين الآيات.
وتكون خاتمة الآية بالأسماء الحسنى والصفات العلا على وجوه :
الأول : قانون ختم الآية بالأسماء الحسنى تثبيت للأحكام الواردة في الآية القرآنية ، وبيان الحكمة منها ، ومنه قوله تعالى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا .
الثاني: خاتمة الآية بلغة الشرط ومنه قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ باعث على العمل بمضامينها.
الثالث: خاتمة الآية لإرادة تقرير الأحكام والتوضيح ، قال تعالى وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا.
الرابع : خاتمة الآية للترغيب بتلاوتها ، والعمل بمضامينها .
الخامس : تكون خاتمة الآية على جهات :
الأولى : البشارة .
الثانية : الإنذار .
الثالثة : البشارة والإنذار معاً من غير تزاحم أو تعارض بينهما للتباين الجهتي بين المؤمنين الذين تتوجه إليهم البشارة والأمل ، وبين الكفار الذين يتوجه إليهم الإنذار والوعيد مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ.
السادس : قانون خاتمة الآية القرآنية باعث للسكينة في نفوس المؤمنين .
السابع : قانون خاتمة الآية القرآنية تخويف وترهيب للذين كفروا .
الثامن : بيان عظيم قدرة الله ، وبديع صنعه ، قال تعالى يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
التاسع : قانون خاتمة الآية القرآنية تأكيد سماوي لمضامينها .
العاشر : قانون خاتمة الآية القرآنية مدرسة كلامية لتعدد الأسماء الحسنى فيها.
الحادي عشر : قد يجتمع عدد من الوجوه أعلاه في خاتمة واحدة من خواتيم الآيات ، وهو الأكثر لبيان إعجاز القرآن ، وعجزنا عن الإحاطة بدلالة ألفاظه ، ومنه خاتمة آية البحث إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا إذ تتضمن الوجه الثالث والرابع والخامس والسادس أعلاه .
قانون النفخ من روح الله خير محض
من إعجاز القرآن تضمنه البيان ، وهل البسملة من قانون الإحتجاج على الناس بلطف ، الجواب نعم ، وكذا آية البحث التي هي إخبار عن خلق الله عز وجل الناس جميعاً من آدم عليه السلام ، الذي خلقه الله في الجنة وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ.
وهل من موضوعية لهذا النفخ في بلوغ أعداد الناس المليارات من الرجال والناس وانتشارهم في الأرض وعمارتهم لها ، الجواب نعم ، ليكون النفخ من روح الله في آدم وما ترشحت عنه من النعم من مصاديق قوله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا.
لقد كان النفخ في آدم من روح الله نعمة عظمى متجددة في باب حياة الناس وما رزقهم الله من العقل والنية والعزم على العمل ، ومن منافعه الرفق والإحسان والتكافل بين الناس .
لذا ابتدأت سورة النساء هذه بالبسملة التي هي خير محض لقانون مصاحبة البسملة لكل آية من آيات سور القرآن ، فصحيح أن البسملة ترد في أول السورة القرآنية باستثناء سورة براءة إلا أنه يصح تقدير النطق بها قبل الإبتداء بأي آية من القرآن ، بما فيها آيات سورة براءة التي تأتي بعد آيات البراءة من المشركين .
ويبين قوله تعالى وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ تفضل الله باكرام الإنسان من بين الخلائق بالنفخ فيه من روح الله ، لبيان أمور :
الأول : قانون النفخ من روح الله في آدم مقدمة لخلافته في الأرض .
الثاني : قانون أهلية الإنسان للخلافة في الأرض بالنفخ فيه من روح الله.
ونسبة الروح إلى الله كما في قول (بيت الله) (عبد الله) بلحاظ أن الروح قائمة في ذات مستقلة ، كما في جبرئيل ، وعيسى عليه- السلام لبيان الروح خلق من خلق الله ، كما في قوله تعالى [نَاقَةُ اللَّهِ].
الثالث : تعليم آدم عليه السلام الملائكة الأسماء كلها لنفخ الله فيه من روحه ، وقد تكرر قوله تعالى [وَنَفَخْتُ فِيهِ] مرتين في القرآن بتكرار ذات كلمات الآية في خطاب من الله إلى الملائكة فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ.
الرابع : تأتي الروح بمعنى النبوة لقوله تعالى يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، والروح خلق من خلق الله ، لا تشغل حيزاً لأنها جوهر لطيف ليست كالأجسام التي تشغل محلاً ، وسمي به لأنه رحمة على عباد الله .
الخامس : الروح خلق عظيم غير الملائكة .
وأتى رجل الإمام علي عليه السلام (يسأله عن الروح، أليس هو جبرئيل ، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : جبرئيل عليه السلام من الملائكة والروح غير جبرئيل ، فكرر ذلك على الرجل .
فقال له : لقد قلت عظيما من القول، ما أحد يزعم أن الروح غير جبرئيل .
فقال له امير المؤمنين عليه السلام : انك ضال تروي عن اهل الضلال ، يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ والروح غير الملائكة صلوات الله عليهم)( ).
ولم يقل له الإمام (انك ضال) إلا بعد أن أعاد السؤال بصيغة العناد والسؤال الإنكاري .
ولم يرد لفظ (بالروح) في القرآن إلا في الآية أعلاه .
نزول البسملة
لقد كان نزول قوله تعالى [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] من أول ما نزل به جبرئيل من القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو ابتداء مبارك لا يعلم منافعه في الدعوة إلى الله إلا هو سبحانه .
لقد شاء الله أن يجعل البسملة حرزاً عند المسلمين .
وعن الإمام علي عليه السلام (في قوله بسم الله : انه شفاء من كل داء وعون على كل داء واما الرحمن فهو عون لكل من آمن به وهو اسم لم يسم به غيره واما الرحيم فهو لمن تاب وآمن وعمل صالحا)( ).
ومن معاني ابتداء نزول القرآن بالبسملة أمور :
الأول : التسليم بنزول القرآن من عند الله عز وجل.
الثاني : قانون تلاوة القرآن جهاد والبسملة واقية .
الثالث : قانون البسملة فاتحة لخزائن القرآن .
الرابع : قانون البسملة فقاهة .
والبسملة عند أئمة أهل البيت آية في أول كل سورة عدا سورة براءة ، وكذا عن ابن عباس .
وقال الشافعي بأنها آية من سورة الفاتحة ، وقال مالك ليست آية من سورة الفاتحة ولا من غيرها .
وعن أنس (قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أظهرنا في المسجد، إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما، قلنا: ما أضحكك يا رسول الله .
قال : أنزلت علي آنفا سورة ، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ* فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ.
ثم قال : أتدرون ما الكوثر ، قلنا : الله ورسوله أعلم .
قال : فإنه نهر وَعَدنيه ربي عز وجل عليه خير كثير ، هو حوض تَرِدُ عليه أمتي يوم القيامة ، آنيته عدد النجوم فَيختلجُ العبد منهم ، فأقول: رب إنه من أمتي ، فيقول: إنك لا تدري ما أحدث بعدك .
وقد استدل به كثير من القراء على أن هذه السورة مدنية ، وكثير من الفقهاء على أن البسملة من السورة، وأنها منزلة معها)( ).
الدعوة لله بالبسملة
لقد جعل الله عز وجل البسملة مصاحبة للأنبياء ، مما يدل على محاكاة واقتداء أتباعهم بهم في تعاهد البسملة .
وفي قصة سليمان وبلقيس عندما القى الهدهد عليها كتاب سليمان قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وكانت وقومها يعبدون الشمس من دون الله .
وفي قوله تعالى [قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ] ذكر عن ابن عباس من غير اسناد (كان مع بلقيس مائة ألف قيل ، مع كلّ قيل مائة ألف ، والقيل تلك دون الملك الأعظم)( ).
أي يكون مجموع جنود جيش بلقيس عشرة مليارات وهو أمر بعيد عقلاً ووجداناً ، وعندما اثنوا على أنفسهم لم يذكروا كثرة عددهم ويتفاخروا بها ، إنما قالوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ أي في القتال وعند الحروب كما فوضوا الأمر إليها فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ.
ويبين كتاب سليمان عليه السلام إلى بلقيس وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أموراً :
الأول : قانون مصاحبة البسملة للأنبياء ، وهل هذه المصاحبة من الوحي أم باجتهاد من الأنبياء ، الجواب هو الأول ,ثم لتشع آية قرآنية خالدة على النفوس فتجذبها للإيمان.
الثاني : قانون تجلي البركة من البسملة في كل زمان .
الثالث : قانون البركة عون للأنبياء والمؤمنين في الدعوة إلى الله عز وجل.
و(روي عن عثمان بن عفان انه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم عن تفسير بسم الله الرحمن الرحيم فقال : أما الباء فبلاء الله وروحه ونضرته وبهاؤه .
وأما السين فسناء الله وأما الميم فملك الله .
وأما الله فلا إله غيره وأما الرحمن فالعاطف على البر والفاجر من خلقه.
وأما الرحيم فالرفيق بالمؤمنين خاصة)( ).
الرابع : اتخاذ الأنبياء البسملة دعوة إلى الإيمان .
الخامس : قانون نفاذ البسملة إلى شغاف القلوب ، ومعانقتها للفطرة الإنسانية ، فمع أن بلقيس وقومها كانوا يعبدون الشمس ، فقد قرأت البسملة ، وانـجذبت إليها ، ومنعت الملأ والقول من التحدي والسخط .
لماذا ذكرت بلقيس البسملة للقواد
يدل ذكر بلقيس البسملة للقواد والرؤساء من قومها على وقوفها عندها ، وتدبرها في معانيها .
ليكون قول بلقيس وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ على وجوه :
الأول : إظهار لميلها للتوحيد .
الثاني : مقدمة لقبول الدعوة إلى الإسلام .
الثالث : منع القواد والجنود من المناجاة بالقتال .
الرابع : حكمة بلقيس في عرشها .
الخامس : قانون انجذاب النفوس إلى القرآن طوعاً وقهراً وانطباقاً .
السادس : بيان منافع البسملة في الأمم السالفة .
السابع : إتخاذ الأنبياء السابقين البسملة شعاراً ، ودعوة إلى الله.
وفيه ترغيب للمسلمين بأمور :
الأول : الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم سواء في الصلاة أو خارجها ، ويأتي هذا الجهر اقتداء بالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وعن الإمام علي عليه السلام ، وعمار بن ياسر (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يجهر في المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم ويقنت في الفجر ، وكان يكبر من يوم عرفة صلاة الغداة ، ويقطعها صلاة العصر آخر أيام التشريق)( ).
الثاني : الدعوة إلى الله بالبسملة .
الثالث : قانون الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم حرب على الشرك ، وكان جهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالبسملة في البيت الحرام يغيظ مشركي قريش ، فكانوا يسبونه ويؤذونه ويقولون لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ.
الرابع : قانون البسملة طارد للشيطان ، وحصن من الإغواء .
الخامس : قانون البسملة سور الموجبة الكلية ، في النبوة ، فليس من نبي إلا وجاء بالبسملة ، قالت بلقيس ملكة سبأ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
السادس : قانون الجهر بالبسملة جهاد .
السابع : موضوعية البسملة في الصلاة .
الثامن : من معاني الجمع بين البسملة وأول آية البحث : يا أيها الناس قولوا بسم الله الرحمن الرحيم ، وهل هو من مصاديق قوله تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، الجواب نعم .
قانون البسملة تركة النبوة
لقد حرص أهل البيت والصحابة على تعاهد البسملة ، ولم يكن بينهم اختلاف في جزئيتها من القرآن ، وما فيها من الفيوضات والمنافع في النشأتين ، فهي كنز من كنوز العرش أنعم الله عز وجل بها على الأنبياء لما فيها من تقديس لمقام الربوبية ، وما تبعثه في النفوس من حب لله عز وجل .
وهي تركة وإرث من آدم عليه السلام ينفرد المسلمون بتلاوتها كل يوم إلى يوم القيامة .
وعن الشافعي باسناده عن عبيد بن رفاعة (أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم ولم يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) ولم يكبر إذا خفض وإذا رفع ، فناداه المهاجرون حين سلم والأنصار : أي معاوية ، سرقت صلاتك أين (بسم الله الرحمن الرحيم) وأين التكبير إذا خفضت وإذا رفعت ؟ فصلى بهم صلاة أخرى فقال ذلك فيها الذي عابوا عليه)( ).
ويدل الحديث على تسالم الصحابة على الجهر بالبسملة ، وموضوعية هذا الجهر بالصلاة ، فلم يطلب الصحابة من معاوية وهو في الحكم والملك المال والأمرة .
إنما انكروا عليه عدم ذكره بالبسملة ، وهذا لم يمنع من إنكارهم عليه أخذ الخلافة بالقهر والسلاح من الإمام علي عليه السلام .
وقال الرازي (وأما أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يجهر بالتسمية فقد ثبت بالتواتر ، ومن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى ، والدليل عليه قوله عليه السلام : اللهم أدر الحق مع علي حيث دار)( ).
(روى البيهقي في السنن الكبير عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم ، ثم إن الشيخ البيهقي روى الجهر عن عمر بن الخطاب ، وابن عباس ، وابن عمر ، وابن الزبير)( ).
البسملة من تقوى الله
التقوى هي العمل بطاعة الله ، واستحضار الأوامر والنواهي الإلهية عند الشروع بالقول أو العمل فيعمل الإنسان الصالحات ويترك المعاصي والسيئات رجاء الأجر والثواب وتيسير الأمور ، قال تعالى وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا.
وهل النطق بالبسملة وابتداء العمل بها من تقوى الله ، الجواب نعم ، لوجوه :
الأول : رجاء فضل الله وتعضيده وتأييده .
الثاني : إعلان الحرص على العمل في طاعة الله .
الثالث : حسن التوكل على الله ، والتسليم بالمشيئة المطلقة لله عز وجل.
الرابع : تجدد صيغة الإيمان بالبسملة ، فقد يؤتى بالبسملة في أمور يومية عامة تتعلق بالمأكل والمشرب والملبس والمعاملات والصلات الإجتماعية فتكون ذكرى وموعظة ، قال تعالى وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ.
الخامس : ابتدأت سورة النساء بالبسملة ، وتكرر الأمر بتقوى الله مرتين في الآية الأولى منها بقوله تعالى [اتَّقُوا رَبَّكُمُ] [اتَّقُوا اللَّهَ] ليفوز المسلمون بالإمتثال لأمر الله تعالى في هذه الآية بالخشية من الله بتلاوة البسملة في أولها وصلة الرحم .
وإدراك الإتحاد في الأبوة والأمومة بين الناس جميعاً ، وهذا الإدراك من مصاديق تقوى الله .
لتكون آية البحث رحمة عامة بالناس بلحاظ الأمر للناس جميعاً بتقوى الله ، والخشية منه في السر والعلانية ، وفيه شاهد على حاجة الناس مجتمعين ومتفرقين لتقوى الله والخوف منه ، والإجتهاد وبذل الوسع في طاعته .

صلة آية البحث بالآية التي بعدها
الآية التالية هي وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ، وفيها مسائل :
المسألة الأولى : ابتدأت آية السياق وهي الآية التالية بالأمر العام باعطاء اليتامى أموالهم ، وتحتمل جهة الخطاب وجوهاً :
الأول : إرادة الناس جميعاً للعطف بين آية السياق وآية البحث .
الثاني : المقصود المسلمون .
الثالث : إرادة الأولياء والأوصياء على أموال اليتامى .
الرابع : الحكام والعلماء والقضاة وأهل الحل والعقد .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق آية السياق ، لأن اليتيم والولاية على الأيتام مسألة ابتلائية عامة وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا.
فهذه الآية تجمع بين البشارة والإنذار ، البشارة للذين يتقيدون بأحكامها ، ويعيدون أموال اليتامى لهم عند بلوغهم بالأجر والثواب ، والإنذار للذين يأكلون أموال اليتامى .
لبيان علم جديد وهو مجئ اللفظ القرآني المتحد بالخطاب الخاص والعام في آن واحد ، كما في الجمع بين الآية الأولى والثانية من سورة النساء .
فيشمل الخطاب باعادة أموال اليتامى الناس جميعاً ، وهو من مصاديق لغة العموم في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، فأمر الله بالعدل والإحسان عام للناس جميعاً لمنع الظلم بأكل أموال اليتامى .
نعم يتولى المسلمون مسؤولية تعاهد أحكام الآية القرآنية ، والإمتثال لها ، باجتناب أكل المال بالباطل مطلقاً ، ومنه الإستحواذ على أموال اليتامى .
و(عن سعيد بن جبير قال : إن رجلاً من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم ، فلما بلغ اليتيم طلب ماله فمنعه عنه ، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
فنزلت وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ يعني الأوصياء يقول : أعطوا اليتامى أموالهم [وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ] يقول : لا تتبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم . يقول : لا تبذروا أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام)( ).
والمدار على عموم معنى الآية ، وليس سبب النزول وحده .
المسألة الثانية : وردت آية السياق بصيغة الإطلاق [وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ] والقرآن يفسر بعضه بعضاً ، فقد ورد البيان والتقييد بعد أربع آيات بقوله تعالى وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا.
ولكن لماذا ورد الإطلاق هنا ، الجواب إنه من إعجاز القرآن لبيان عدم انحصار إعادة أموال اليتامى لهم عند بلوغهم سن الرشد ، إنما يلزم الإنفاق عليهم من أموالهم في صباهم ، وفي تحصيلهم العلم وصلاحهم ، لبيان قانون حمل المطلق على إطلاقه مرة ، وعلى التقييد مرة أخرى بحسب الحال والمقتضي ، وعدم حصر موضوعه بالتقييد وحده .
وتقدير الآية على وجوه :
الأول : وآتوا اليتامى أموالهم بالإنفاق عليهم في صغرهم .
الثاني : وآتوا اليتامى أموالهم عند حاجتهم إليها .
الثالث : وآتوا اليتامى ما تبقى من أموالهم عند بلوغهم .
الرابع : وآتوا اليتامى أموالهم بتدبير من غير إسراف وتبذير .
الخامس : وآتوا اليتامى أموالهم بما يمنع من تآكلها ، فيصح الإستثمار والمضاربة فيها مع رجحان المنفعة ومصلحة اليتيم والضمان .
المسألة الثالثة : ظاهر الخطاب في آية السياق للذين تكون عندهم أموال اليتامى من الأوصياء والحكام ، فكيف يكون موضوعها عاماً ، الجواب من وجوه :
الأول : عمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال تعالى وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
الثاني : التكافل الإجتماعي بين المسلمين .
الثالث : الرفق باليتيم والإحسان إليه بالنصح له وللوصي ، قال تعالى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ.
الرابع : موضوعية ابتداء السورة بالنداء العام [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] لذا ورد حكم الناظر والقيم مع الوصي .
بحث فقهي
الحجر لغة هو المنع ، يُقال حجر عليه حجراً من باب قتل، أي منعه من التصرف، وقد ورد في التنزيل مادة حجر، قال تعالى وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا، وقال تعالى [هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ] ( ).
فسمي العقل حجراً لأنه يمنع صاحبه ويحجبه عن اتيان القبيح ومنهم من قيد الحجر بالمال أي المنع من التصرف في المال، ويمكن ان يكون هذا هو المعنى الاصطلاحي له ، وبغض النظر عن اسباب المنع في الجملة فأنه أخص من المعنى اللغوي والعرفي
(مسألة 1) اهم موجبات الحجر ستة وهي الصغر والجنون والرق والمرض والفلس والسفه.
الصغر : وهو عدم بلوغ الصبي حد البلوغ سواء كان رضيعاً او صبياً مميزاً او غير مميز، وهو محجور عليه شرعاً ولا تنفذ تصرفاته في امواله ببيع او صلح او هبة واقراض واعارة وايداع، وان كانت المعاملة باذن الولي والصبي مستقلاً في ايقاع المعاملة.
(مسألة 2) الحجر على الصبي لا ينحصر في ماله والمعاملات الجارية فيه وبالعاجل بل يشمل ما يكون في ذمته من الإقتراض او البيع بالسلم او الشراء بالنسيئة وان كان اوان الأداء موافقاً لزمان بلوغه، ولا ينفذ منه التزويج، ولا الطلاق ولا اجارة نفسه ولا جعل نفسه عاملاً في المضاربة او المزارعة او المساقاة.
(مسألة 3) يعرف البلوغ في الذكر والأنثى بأحد أمور ثلاثة:
الأول: نبات الشعر الخشن على العانة، ولا اعتبار بالزغب والشعر الضعيف.
الثاني: خروج المني سواء كان بجماع او احتلام او غيره.
الثالث: حد البلوغ وهو اكمال عمر الصبي تمام خمس عشرة سنة هلالية، وبالنسبة للبنت تسع سنين كما يتحقق فيها بالحيض فهو دليل على سبق البلوغ.
(مسألة 4) لا يكفي البلوغ في زوال الحجر عن الصبي، بل لابد معه من الرشد وعدم السفه.
(مسألة 5) الرشد هو اصابة الحق ومعرفة الصلاح والظاهر انه ليس كيفية فقط بل ملكة نفسانية يعسر زوالها تحول دون افساد المال وتجعل صرفه لا يتم الا في الوجوه المناسبة في نظر العقلاء.
الولاية على الصبي
(مسألة 1) تكون ولاية التصرف في مال الطفل والنظر في مصالحه وشؤونه لأبيه أو جده لأبيه، ومع فقدهما فللقيم اي الذي اوصى احدهــما بان يكون ناظــراً في امره، ومـع فقد الوصي سواء بعدم الوصية به من قبل الأب والجد او لفقده تكون الولاية والنظر للحاكم الشرعي.
(مسألة 2) لا ولاية على الصبي للأم وابيها اي الجد للأم، والأخ فلا وصاية للأخ الأكبر على اخيه الأصغر وليس له الحق في التصرف في ميراثه ونحوه، وكذا لا ولاية عليه للأعمام والأخوال.
(مسألة 3) الظاهر عدم اشتراط العدالة في ولاية الأب والجد، فلا ولاية للحاكم مع فسقهما، نعم لو ظهر للحاكم الشرعي اضرارهما للمتولى عليه وأمواله عزلهما ومنعهما من التصرف في أمواله، ولا يجب عليه الفحص عن عملهما وتتبع سلوكهما والبحث عن عوراتهما.
(مسألة 4) الأب والجد مستقلان في الولاية، فينفذ تصرف السابق منهما ويترك اللاحق، ولو اقترنا فالاقوى تقديم الأب لشدة اتصاله، كما يظهر في تقدمه بالإرث وحجبه للجد، وما ورد في باب النكاح فبدليل خاص.
(مسألة 5) الظاهــر عدم الفــرق في الجد القريب والبعيد بالنسبة للولاية على الصبي غير البالغ فلكل منهما الولاية لصدق اسم الجد عليهما.
(مسألة 6) يجوز للولي بيع عقار الصبي مع الحاجة واقتضاء المصلحة، اما لو كان الوصي هو البائع فلا يسجله الحاكم الا بعد ثبوت وجود راجح ومصلحة للصبي لاسيما مع النصوص الواردة في النهي عن بيع العقار، بل وللحاكم ان يتأكد من وجوه المصلحة وعدم المفسدة حتى في حال قيام الولي اباً كان او جداً ببيع عقار الصبي.
(مسألة 7) يجوز للولي المضاربة بمال الطفل وابضاعه بشرط وثاقة العامل وامانته وعدم ظهور امارات وقرائن على رجحان الخسارة وفساد المضاربة، ومع ثبوت التعدي او التفريط يكون الولي ضامناً.
العناية بالصبي وأمواله
(مسألة 1) للولي تسليم الصبي الى امين يعلمه الصنعة او القراءة والخط والحساب وعلوم العربية وحفظ القرآن، واحكام التلاوة وافعال الصلاة ونحوها من العلوم النافعة لدينه.
(مسألة 2) من وظائف الولي صيانة الصبي عما يفسد اخلاقه ويجنبه ما يضر بعقائده وهي من أهم أفراد الولاية.
(مسألة 3) يجوز لولي اليتيم إفراده بالمأكول والملبوس ، ويكون الإنفاق من مال الصبي كما يجوز ان يخلطه بعائلته ويحسبه كاحدهم فيوزع المصارف عليهم كل حسب حصته في المأكول والمشروب والسكن .
أما الكسوة فيحسب على كل شخص كسوته وكل بحسب حاله فاذا كان المولى عليه ذا شأن وله مال كانت كسوته بل وطعامه ومشربه بحسب حاله وبما ليس فيه مفسدة.
(مسألة 4) لو كان عند الولي عدد من الصبيان جاز له إفراد كل منهم او خلطهم في المأكول والمشروب مع توزيع النفقة عليهم، دون الكسوة فكل واحد بحسب ما يحتاج وما ينفق عليه.
(مسألة 5) اذا كان للصبي مال على غيره، فعلى الولي المطالبة به والسعي لأخذه وله المصالحة على بعض المال لحفظ الباقي ان استلزم الأمر وكان فيها مصلحة، وليس للولي اسقاط مال الصبي بحال.
(مسألة 6) ينفق الولي على الصبي بالإقتصاد ومن غير اسراف ولا تقتير مــع ملاحظة عــادته ونظرائه وشأنه، فيطعمه ويكسوه ما يليق بشأنه.
(مسألة 7) لو ادعى الولي الإنفاق على الصبي من ماله بالقدر اللائق وانكر الصبي بعد البلوغ اصل الإنفاق او كيفيته فالقول قول الولي مع اليمين اذا لم تكن عند الصبي بينة تثبت دعواه.
(مسألة 8) لو ادعى او أقر الصبي بالبلوغ لا يقبل قوله الا بالإختبار والبينة.
(مسألة 9) لو شك في بلوغ الصغير يحكم بعدمه ، ويقبل قول الولي في الصغر والكبر الا مع وجود البينة والعلامة التي تثبت البلوغ.
(مسألة 10) وردت النصوص بالإنذار والوعيد على اكل مال اليتيم وايذائه، وعقوبته لا تنحصر بالآخرة والعذاب في النار بل له آثار وضعية لا تلبث ان تظهـــر في الحياة الدنيا في الذريـــة والعقب .
و(عن قتادة قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : اتقوا الله في الضعيفين : اليتيم ، والمرأة ، أيتمه ثم أوصى به ، وابتلاه وابتلى به)( ).
وفي قوله تعالى وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ، ورد بالإسناد عن سماعة عن الإمام الصادق عليه السلام (ليخش ان اخلفه في ذريته كما صنع بهؤلاء اليتامى)( ).
الناظر
(مسألة 1) يجوز للموصي ان يجعـل ناظراً على الوصي وتكون وظيفته بحسب تعيين الموصي لكيفيتها وهي على قسمين :
الأول : الإستيثاق على وقوع ما اوصى به بحسب الوصية فتكون اعمال الوصي باطلاع الناظر فيعترض عــما يراه مخالفاً لما قرره الموصي .
الثاني : الإطمئنان لتنفيذ الوصي الوصية تنفيذاً تاماً .
(مسألة 2) لا يعمل الوصي شيئاً إلا وفق ما يراه الناظر من الصلاح وموافقة قصد الموصي فيكون الوصي غير مستقل في الرأي والنظر وان كان مستقلاً في التصرف.
(مسألة 3) لو تصرف الوصي وفق نظره من دون مراجعة الناظر واطلاعه وكان عمله على طبق ما قرره الموصي ، فالظاهر صحة عمله ونفاذه اذا كان الناظر للإستيثاق بخلاف ما لو كان رأي الناظر مقوماً لفعل الوصي.
بحث فقهي
تتعدد العناوين في المقام وفيه رحمة وبعث للسكينة في نفس المسلم على أولاده الصغار بعد وفاته ، وعلى تنفيذ وصيته وما فيها من ضروب الثواب التي تلحقه في الآخرة ، ومنع من لحوق الضرر بالأيتام والقاصرين :
الأول : الموصي : الذي يوصي وصية عهدية أو تمليكية في حقه من ماله وأموره بعد وفاته ، والوصية مستحبة استحباباً مؤكداً ، قال تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ وقول مشهور بنسخ العموم في هذه الآية بخصوص الوارث ، والمختار عدم ثبوت هذا النسخ خاصة وأنه ورد بخبر الواحد إلى جانب الآيات الأخرى التي جاءت مطلقة بخصوص الوصية .
الثاني : الوصي : وهو الذي يوصي له الإنسان ليقوم بما يلزم بعد وفاته.
الثالث : الولي : هو صاحب الولاية على الصغير بحسب الشريعة وهو الأب ، والجد للأب ، والمختار تقديم الأب ، وللولي التصرف في أموال القاصر والتصرف فيها حسب القواعد والضوابط الشرعية .
الرابع : الناظر : وهو الرقيب على عمل الوصي وفق مسائل الوصية والقواعد الشرعية العامة .
الخامس : القيم : وهو الذي يتم اختياره لإدارة أموال اليتيم والقاصر وغير القادر على تولي وإدارة شؤونه بنفسه ، ويعين القيم من قبل الحاكم ، ولا يتصرف القيم إلا باذن الحاكم .
وهل تعيين واختيار القيم من مصاديق قوله تعالى في آية السياق وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا، الجواب نعم .
شروط القيم
(مسألة 1) يشترط في القيم على الأطفال وناقص الأهلية كالمجنون والمعتوه ما يشترط في الوصي على المال ويشتد الإحتياط في موضوعية العدالة هنا وان قلنا بكفاية الأمانة ووجود الغبطة والمصلحة وعدم المفسدة.
(مسألة 2) لو عين الموصي أو الحاكم للقيم جهة خاصة وتصرفاً معيناً اقتصر عليه كالإشراف على دراسة اطفاله وتعليمهم فليس له الولاية على اموالهم بالبيــع والشــراء والإجارة ونحوها ولو اطلق في خصوص الأولاد وقال: فلان قيم على اولادي كان ولياً على جميع ما يتعلق بهم من تعاهد اموالهم واستنمائها واستيفاء ديونهم والإنفاق عليهم بالمعروف وايفاء ما عليهم واخراج الحقوق المتعلقة باموالهم كالخمس، وليس له الولاية على أموال الموصي بالبيع والإجارة والمزارعة او بالإنفاق ونحوه.
(مسألة 3) يجوز التعدد في الولاية على الأطفال فتكون لإثنين او اكثر بالإستقلال او الإشتراك وجعل الناظر على الوصي كما هو الحال في الوصية على المال.
(مسألة 4) انفاق الوصي على الصبي يكون من مال الصبي بشرط عدم الإسراف ولا التقتير، فيطعمه ويلبسه كامثاله ونظرائه فان أسرف ضمن الزيادة.

الخلاف بين الوصي والصبي
(مسألة 1) لو بلغ الصبي فانكر أصل الإنفاق وان الوصي لم ينفق عليه من امــواله التي عــنده اي عند الوصــي او ادعى تلفها بالإنفاق على الصبي فالقول قول الوصي مع يمينه لأنه أمين الا مع البينة على الخلاف، وكذا لو ادعى عليه الإســراف او انه باع ماله من غير حاجة ولا مصلحة.
(مسألة 2) لو اختلف الوصي والصبي في دفع المال الى الصبي بعد بلوغه فادعاه الوصي وانكره الصبي الذي بلغ ، قدم قول الأخير مع يمينه الا ان تكون عند الوصي بينة على حصول الدفع.
(مسألة 3) يجوز للقيم الذي يتولى امور اليتيم أن يأخذ من ماله أجرة مثل عمله سواء كان القيم غنياً او فقيراً والأحوط للغني التجنب.
(مسألة 4) اذا عين الموصي للوصي على الأموال اجرة على عمله صح واذا لم يعين اجرة فهناك صورتان:
الأولى : تعيين الموصي للمال والمصرف بما تكون فيه زيادة ونقيصة كما إذا أوصى في صرف ثلثه في تعمير مسجد فيجوز ان يأخذ الموصي اجرة المثل الا ان يكون المتعارف في مثلها التبرع.
الثانية: ان يكون المال الموصى به بمقدار مصرفه من غير زيادة كما لو أوصاه بصرف خمسين ديناراً في إطعام خمسين فقيراً أو ألف دينار لإستئجار عشر سنوات صلاة بحيث لا تبقى زيادة من المال الموصى به.
فظاهر الوصية أن عمل الوصي بلا أجرة فلا يستحق شيئاً لأن قبولها يلحق بالتبرع ورجاء الثواب.
المسألة الرابعة : لقد كان أهل الجاهلية لا يعطون للصبيان والنساء من الميراث شيئاً ، إنما يستحوذ عليه الولد الأكبر ، كما يلقي رداءه على زوجة أبيه التي هي ليست أمه فيتزوجها أو يمنعها من الزواج فنزل قوله تعالى وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا.
ترى لماذا ذكرت الآية اليتامى [وَآتُوا الْيَتَامَى] قيل إنه من باب الإستعارة فالمراد الدفع لهم عند البلوغ ، ولكن المختار هو المعنى الأعم ، منه الإنفاق على اليتامى في صباهم ، وإعطاؤهم بعض مالهم قبل البلوغ ، ثم دفع الباقي لهم عند البلوغ .
فذكر اليتامى في الآية ليس من باب الإستعارة وحدها إنما هو من حمل اللفظ على الحقيقة أيضاً من غير أن يتعارض مع قوله تعالى وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا، لإرادة دفع الباقي لهم ، لبيان أن هذا المورد من موارد إجتماع الحقيقة والمجاز في ذات اللفظ .
من مصاديق التقوى
لقد ورد الأمر الإلهي في آية البحث بتقوى الله مرتين ، مرة بقوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ، والثانية بقوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ] ، فمن مصاديق (تقوى الله) في المقام أمور :
الأول : حفظ أموال اليتامى
الثاني : المناجاة بحفظ أموال اليتامى وسلامتهم ودينهم
الثالث : النصح لليتامى ، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر
الرابع : اجتناب الإسراف والتبذير في أموال اليتامى
الخامس : الإمتناع عن البخل والشح على اليتامى في صغرهم ، فقد يكونون في حاجة إلى المال في صباهم أكثر منه عند البلوغ .
السادس : من خصائص حفظ مال اليتامى أمور :
الأول : إعاشة اليتامى بأموالهم والتركة الخاصة بهم ، وعدم صيرورتهم عالة على غيرهم .
الثاني : إصلاح اليتامى
الثالث : الأجر والثواب بالعناية باليتامى وحفظ أموالهم .
(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ مَنْ ضَمَّ يَتِيمًا بَيْنَ أَبَوَيْهِ فَلَهُ الْجَنَّةُ الْبَتَّةَ)( ).
أي قيام المسلم برعاية يتيم فقد أبويه ، فضمه إلى عياله ، يأكل مثلما يأكلون ، ويلبس مثلما يلبسون إلى أن يبلغ الرشد ، ويتولى شؤونه بنفسه فيكون جزاؤه في الآخرة اللبث الدائم في جنة النعيم .
فيض خاتمة الآية
يتغشى قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا في خاتمة الآية أعمال الناس جميعاً ، وهو من الإعجاز في اختتام آية البحث به ، لتتضمن آية السياق التكليف بالعناية بالأيتام وبأموالهم ، وعدم تبديلها بالأدنى منها ، لذا قال تعالى وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ومن معانيه :
الأول : إبدال الحلال بالحرام
الثاني : إبدال الجيد بالزائف ، كما لو كان مال اليتيم ذهباً خالصاً فابدله الوصي أو القيم أو الولي بذهب مخلوط بالنحاس بذات الوزن ، أو بقيمة أقل من الفضة
الثالث : إبدال السمين بالهزيل من الأنعام ، وإذا سئل قال شاة بشاة .
لتكون [اتَّقُوا رَبَّكُمُ] واقية من تبديل أموال اليتامى بما هو أدنى منها جودة ، فان قلت جاءت آية السياق معطوفة على الأمر بتقوى الله لقوله تعالى [وَآتُوا الْيَتَامَى].
والجواب إنه من عطف الخاص على العام ، والفرع على الأصل ، وبيان أمور :
الأول : قانون تقوى الله حرز وواقية من الظلم والتعدي .
الثاني : قانون تقوى الله أمان للناس ، فالذي يتقي الله يمتنع عن ظلم الناس ، والتجاوز على الحقوق .
الثالث : قانون تقوى الله حصانة وحفظ لحقوق وأموال اليتامى والمستضعفين
الرابع : قانون الأجر والثواب على تقوى الله في العبادات والمعاملات .
الخامس : قانون تقوى الله إصلاح للمجتمعات .
خلق حواء
بينت آية البحث خلق الله عز وجل لآدم ، وخلق حواء من آدم سواء خلقها من من فضل الطينة التي خلق منها آدم أو أنها خلقت من ضلعه الأيسر وهو نائم ، فاستيقظ فرآها فأعجبته ، أو المراد [َخَلَقَ مِنْهَا] أي من جنسها .
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ( إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عِوَج)( ).
والمعنى أعم ولا يختص بالزوجة ، ويدل عليه الحديث (استوصوا بالنساء خيراً فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج وإن أعوج ما في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء)( ) .
وعن ابن عباس (قال : خُلقَت المرأة من الرجل ، فجعل نَهْمَتَها في الرجل، وخلق الرجل من الأرض، فجعل نهمته في الأرض، فاحبسوا نساءكم)( ).
وعن الإمام محمد الباقر عليه السلام قال (إن الله خلق حواء من فضل الطينة التي خلق منها آدم)( ).
وتبين آية البحث أصل النوع البشري ، وأن الله عز وجل خلق آدم من تراب وخلقه سابق لخلق حواء .
العدالة الإجتماعية
ابتدأت آية البحث والتي هي أول آية من سورة النساء بالأمر وبتقوى الله وعبادته والخشية منه ، فهو الذي خلق الناس ، وجعلهم ينتشرون في الأرض ، وأمدهم بأنواع الرزق الكريم .
وجاءت الآية التالية بالعدالة الإجتماعية العامة ، والإنصاف لليتامى ، وحفظ أموالهم بقواعد التقوى التي هي تنزه عن الظلم .
وفيه ترغيب للناس لجمع الأموال بالحلال وتركه ميراثاً للأبناء خاصة القاصرين منهم ، وبعث الطمأنينة في النفوس بأن الذي يترك ميراثاً يقّيض الله له أناساً يحفظونه للأبناء والأيتام لحين بلوغهم فتدفع لهم أموالهم ، وفيه مسائل :
الأولى : كما أن الله عز وجل خلق الناس فانه سبحانه حفظ لهم أموالهم .
الثانية : الترغيب بالسعي والكسب في الدنيا للذات والعيال وبقاء تركة لهم .
الثالثة : ترك تركة للأبناء الصغار من تقوى الله التي أمرت آية البحث بها ، ومن صلة الأرحام كما في آية البحث وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ.
الرابعة : للأولاد حق تعليقي في مال أبيهم ، إذ تنتقل ملكيته لهم حال وفاته ، وكذا بالنسبة لمال الأم .
جواز الرجوع عن الوصية
استحباب كتابة الوصية ، وهي جائزة من طرف الموصي، فله ان يرجع عن وصيته جملة وتفصيلاً ما دام فيه الروح وتبديلها من اصلها او إجراء بعض التغيير عليها فله ان يغير مقدار الثلث الى الربع او الخمس او يغير العين التي جعلها ثلثاً او تبديل الوصي والموصى له والموصى به او تبديل القيم على اطفاله والناظر.
يتحقق الرجوع عن الوصية بالقول وهو كل لفظ دال عليه بحسب العرف ويصح بأي لغة وان كانت غير العربية واللغة التي كتبت بها الوصية الأولى .
ويكفي انه يقول رجعت عن وصيتي او ابطلتها او عدلت عنها او نقضتها، وكذا يصح بالفعل كالكتاب او اعدام موضوعها ونقلها الى الغير بعقد لازم كالبيع او بعقد جائز كالهبة مع القبض
ولو وكل شخصاً ببيع الدار الموصى بها ، ولكن الموصي مات قبل بيعها فهل تصبح تلك الوكالة رجوعاً عن الوصية .
الجواب نعم لإنتقال الملكية إلى الورثة الا ان يدل دليل او قرينة معتبرة ولو عرفية على الخلاف كما لو كان ابطال الوصية معلقاً على تحقق البيع خارجاً.
وتبقى الوصية على حالها وان طال عليها الزمان ما دام الوصي لم يرجع عنها ولو شك في الرجوع يحكم بأصالة عدمه ، نعم لو كانت الوصية مقيدة بسفر او مرض وانه كتبها لإحتمال طرو الهلاك والموت .
فتبطل الوصية بزوال وانقضاء سببها الا اذا فهم منها الإطلاق وان السفر او المرض مناسبة لكتابتها خصوصاً مع القرائن الدالة على ذلك كأن يشير الى تلك الوصية بعد عودته من السفر وشفائه من المرض او يحافظ عليها ويتعاهدها او يشهد عليها كوصية.
الوصية بالولاية لا تثبت الا بشهادة عدلين من الرجال سواء كانت على المال او على الأطفال .
و(الوصية : العهد بالشــيء وطلب اتيانه، يقال اوصى الرجل ووصــاه أي عهــد اليه، وهي اسم مصدر بمعنى العهد ومأخوذة من الفعل الرباعي المضاعف: وصى يوصّي ايصاء، او من الرباعي المهموز : اوصى يوصــي توصية، قال تعالى مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ.
وعن الشيخ في المبسوط والعلامة في التذكرة والمحقق في جامع المقاصد انها من الثلاثي: وصى يوصي وصياً،وعن الشهيد الثاني في الروضة البهية ان اصلها الوصل، لما فيه من وُصلة التصرف في حال الحياة بعد الوفاة، او وصلة القربة في تلك الحال بها في الحالة الأخرى، والظاهر انها تتعلق بعهد الإنسان وما يريد امضاءه، والوصل شطر من الوصية وموضوعها.
أقسام الوصية
الوصية على قسمين:
الأولى : تمليكية وهي ان يوصي الإنسان بشيء من ماله ليكون بعد وفاته لشخص او جهة او عنوان عام.
الثانية : الوصية العهدية: وهي الوصية بشيء يتعلق ببدنه او ماله كالوصية بانتفاع شخص من داره، او تسليط على حق خاص كحق القيمومة على صغاره او فك ملك كأن يوصي بعتق مملوكه، او الوصية بما يتعلق بتجهيزه عند موته.
(مسألة 2) تنقسم الوصية الى الأحكام الخمسة:
الأول : فالواجبة هي الوصية بتفريغ الذمة من الواجبات.
الثاني : الوصية المندوبة ومنها الوصية بالقربات والميراث.
الثالث : والمباحة كالوصية بالمباح بان يصير ابن له مهندساً مثلاً.
الرابع : المكروهة كالوصية بما فيه تفضيل لبعض الورثة على بعضهم الآخر بدون مرجح شرعي.
الخامس :الوصية بالمحرم مثل قطع الرحم وهو الذي أنذرت منه آية البحث بقوله تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ… .
الرابعة : أختتمت آية البحث بقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا، لبيان قانون من الإرادة التكوينية بعلم الله عز وجل بكل أعمال الناس ، وأنه سبحانه يحفظها ويحاسب ويجازي عليها ، مما يلزم التحلي بتقوى الله والخشية منه في الغيب ، وقال تعالى مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ.
قيل للإمام علي عليه السلام (كيف أصبحتَ ؟ قال (عليه السّلام) : كيف يصبح من كان لله عليه حافظان ، وعَلِم أن خطاياه مكتوبات في الديوان ، إن لم يرحمه ربه فمرجعه إلى النيران)( ).
لبيان أن الله يراقب ويحفظ أعمال العباد بنفسه ، وبالملائكة الذين يكتبون أعمال العباد .
ومن فضل الله تولي الملائكة الذين يكتبون أعمال بني آدم بحفظهم والذب عنهم ، قال تعالى وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ.

أقتران الإحسان للوالدين بطاعة الله
لقد جمعت آيات القرآن بين طاعة الله والرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.
وجمعت أربع آيات بين عبادة الله وحده والتنزه عن الشرك مع لزوم الإحسان إلى الوالدين ، قال تعالى وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا.
وجاءت آية البحث بالجمع بين تقوى الله عز وجل والأمر بصلة الأرحام ، والنسبة بينهما وبين الإحسان للوالدين عموم وخصوص مطلق ، فالأرحام أعم ، وتقوى الإرحام صلتها وتعاهد هذه الصلة حتى مع الجفاء والأذى منهم .
و(قال ابن عباس : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يقول الله تعالى : صلوا أرحامكم فإنه أبقى لكم في الحياة الدنيا ، وخير لكم في آخرتكم)( ).
ومن معاني الآية وجوه :
الأول : اتقوا الله في الأرحام والصلات النسبية .
الثاني : اتقوا الله فلا تقطعوا صلة الرحم .
الثالث : اتقوا الأرحام ففي صلتها ثواب وفي قطعها أثم وعقاب .

العطف على اليتيم
لقد فقد اليتيم حنان الأب والعز المترشح عن حضوره في حياته اليومية إلى جانب فقد مورد المعيشة والكسب الذي يأتي به الأب في سعيه على عياله ، فجاء القرآن بالعناية باليتامى .
ترى لماذا وردت الآية بصيغة الجمع وَآتُوا الْيَتَامَى، الجواب من وجوه :
الأول : كثرة اليتامى الذين لهم أموال .
الثاني : الحفاظ على أموال اليتامى مسألة ابتلائية عامة .
الثالث : دعوة المسلمين والحكام والناس جميعاً لحفظ أموال اليتامى .
الرابع : لفظ الأموال جامع للعروض والأعيان فيشمل النقد والعقارات والبساتين .
الخامس : جاء لفظ (التيامى) بصيغة جمع التكسير للمذكر والمقصود اليتامى من الذكور والإناث .
وأخرج (عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين . وأشار بالسبابة والوسطى)( ).
وورد مثله عن أنس بن مالك لم يرفعه( ).
(وأخرج أحمد عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : من مسح رأس يتيم لم يمسحه إلا لله كان له بكل شعرة مرت عليها يده حسنات ، ومن أحسن إلى يتيمة أو يتيم عنده كنت أنا وهو في الجنة كهاتين . وقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى)( ).
(وقال قوم: إن قول النبي صلى الله عليه واله (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة) إنما عنى به أبا طالب.
إن ما يرويه العامة من أن عليا وجعفرا لم يأخذا من تركة أبي طالب شيئا حديث موضوع ، ومذهب أهل البيت بخلاف ذلك، فإن المسلم عندهم يرث الكافر ولا يرث الكافر المسلم ولو كان أعلى درجة منه في النسب)( ).
والحديث النبوي أعلاه عام ، وحكمة متجددة للحث والترغيب في كفالة اليتيم ، وهي من مصاديق وتفسير آيات القرآن التي تحث على الإحسان إلى اليتامى .
وفي حديث (عمرو بن مالك القشيري . سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : من أعتق رقبة مسلمة فهي فداؤه من النار مكان كل عظم محرره بعظم من عظامه ، ومن أدرك أحد والديه ثم لم يغفر له فأبعده الله ، ومن ضم يتيماً من أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله وجبت له الجنة .
الإحسان إلى اليتيم
اليتيم هو الذي فقد أباه قبل البلوغ ، فاليتيم لفقد الأب وليس لفقد الأم مع أنها أكثر حناناً من الأب على الابن في الغالب إلا أن المدار على الإعالة والرعاية ، فيتطلع اليتيم إلى مسح رأسه وهذا المسح كناية عن العطف والرفق والرأفة .
النسبة بين الإحسان إلى اليتامى وبين دفع أموالهم لهم عموم وخصوص مطلق ، فالإحسان أعم ومنه النصح وكف الأذى ، قال تعالى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ.
ومن القهر الغلبة والإذلال بالقول أو الفعل أو الإشارة مثل قطب الحاجبين أي الجمع بينهما عبوساً في وجه اليتيم أو عند طلبه وسؤاله الحاجة.
وهل الإحسان إلى اليتامى من التقوى التي تكرر الأمر بها في آية البحث ، الجواب نعم .
وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (الولد كبد المؤمن إن مات قبله صار شفيعا له و إن مات بعد يستغفر له فيغفر الله له .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : خيركم خيركم لأهله)( ).
ومن معاني الإحسان إلى اليتامى إصلاحهم وتعليمهم الوظائف العبادية ، وإعانتهم في تنمية ملكة الإيمان في نفوسهم ، وقد يكون اليتيم من ذوي القربى فيشمله قوله تعالى في آية البحث وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ … فتكون وظيفة المسلم في المقام مضاعفة مع الإحتراز من التعدي على أموالهم ، وظاهرة وجود اليتامى في كل زمان ومكان ، ويزداد عدد اليتامى في أيام الحروب والكوارث.
وبعد أن هاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة أشعلت قريش معركة بدر في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة ، وقتل فيها أربعة عشر من الصحابة ، ثم معركة أحد في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة ، فسقط سبعون قتيلاً ، كما سقط في شهر واحد وهو شهر صفر من السنة الرابعة للهجرة سبعون شهيداً في بئر معونة بسبب الغدر ، وعشرة في بعثة الرجيع .
وعندما استشهد في معركة مؤتة جعفر الطيار ، وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة قادة جيش المسلمين يومئذ بالتعاقب ، ضم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أولاد جعفر الطيار الثلاثة إلى عياله ، وكان عمر أكبرهم وهو عبد الله بن جعفر ثماني سنوات وتولي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رعايتهم .
فحالما علم بنبأ مقتلهم جاء إلى منزلهم (فقال لأمهم أسماء بنت عميس ايتيني ببني وأخي فجىء بهم كأنهم أفرخ فجعل يقبلهم ويشمهم ويبكي فبكت أمهم فقال أتخافين عليهم العيلة وأنا وليهم في الدنيا والاخرة ثم أمر الحلاق فحلق رؤسهم)( ).
فقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأسوة في العناية بالأيتام ، وكان يكثر من التوصية بهم .
من التقوى التنزه عن الغش
تضمنت آية البحث الأمر بتقوى الله عز وجل مرتين ، وجاءت الآية التي بعدها بدفع أموال اليتامى لهم ثم تعقبه نهي عام بقوله تعالى وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ.
لبيان أن هذا التبديل خلاف تقوى الله ، والخشية منه ، ومن وجوه هذا التبديل :
الأول : تبديل الحرام بالحلال ، بالسطو على أموال اليتامى ، كما يجعل المهزول لليتيم ، وابداله بالسمين من مال اليتيم .
ومن الآيات أن اليتيم يلحظ هذا التباين ولا ينساه ، ولكن لا سلطان له ، فيزداد كآبة وحزناً ، لذا ذكرت في رسالتي العملية (الحجة) جواز مقاضاة اليتيم عند بلوغه الوصي عليه عند التفريط أو التعدي على ماله ، والحساب يوم القيامة أشد .
الثاني : لا تجعلوا الخسارة عند خلط الأموال على اليتامى .
الثالث : كان أهل الجاهلية لا يورثون الصغار والنساء ، إنما يستحوذ الرجل الأكبر على التركة ، فيكون أخذه لحصص الآخرين من أكل الخبيث ، وقد قال تعالى بخصوص حصص الأولاد لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وفي الأزواج قال وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ.
ولم يرد لفظ الثمن في القرآن إلا في الآية أعلاه ، وورد لفظ (الربع) مرة أخرى بخصوص حصة الزوج من الزوجة التي عندها أولاد .
لبيان موضوعية حصص الورثة من التركة في الشريعة الإسلامية وأموال اليتامى التي ذكرتها آية السياق ومنها بخصوص التركة بأن يموت الإنسان ويترك خلفه ذرية صغاراً .
نماء مال اليتيم
لقد أوصت آية البحث بصلة الأرحام ، وجاءت هذه الوصية بالتأكيد على تقوى الله وأن هذه الصلة فرع التقوى ، ولابد من إتقاء الأرحام لأنها موضوع للمساءلة يوم القيامة .
وأخبرت آية السياق بلزوم حفظ العهد والصلة مع الأموات بالعناية بأبنائهم الصغار الذين تركوهم من خلفهم ، ولزوم عدم التعدي على أموالهم ، فهذا التعدي ظلم عظيم يعلمه الله عز وجل ويحاسب عليه .
ولم تذكر آية البحث الأموال لأن كسبها بالحلال وحفظها من تقوى الله ، ولكن آية السياق ذكرتها ثلاث مرات ، مرتين بخصوص أموال اليتامى ، والأخرى بخصوص الأموال الخاصة للمسلمين .
وهل يدخل فيها بيت المال للنهي عن استحواذ المسلم على أموال اليتامى وكثرة الضرائب بخصوصها ، الجواب نعم .
إنما تدعو الآية ولاة الأمور لحفظ أموال اليتامى وتحصينها إلى حين بلوغهم من غير أن يتعارض هذا الحفظ مع مؤونتهم والإنفاق عليهم منها سنوات اليتم لعمومات قوله تعالى وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ.
فلا يبقى اليتيم في حاجة وفاقة ويجوز استثمار أموال اليتيم بما فيه النفع له ومن غير تعريض لها للضياع والخسارة ، قال تعالى وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
والخطاب في الآية أعلاه عام يشمل الوصي والناظر والقيم وغيرهم ومنهم الذي يريد المضاربة مع مال اليتيم أو استثماره .
ومن الأحسن التجارة فيها والنماء معها أو المضاربة بشرط عدم لحوق الخسارة لمال اليتيم ، ومن غير تعد أو تفريط ، فقد يكون ترك مال اليتيم على حاله وينفق منه على اليتيم سبباً لتآكله والنقص فيه ، وفي قيمته خاصة مع تغير السوق والأسعار ، فيكون توظيف مال اليتيم من الإحسان إليه ، إذا كان هذا التوظيف برداء تقوى الله والأمانة .
فيقوم بالتجارة الولي أو غيره باذن من الولي والقانون الوضعي ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول على المنبر (أُحَرِّجُ مال الضَّعِيفيْن : المرأة واليتيم)( ).
أي أحذركم من التعدي على أموال المرأة واليتيم ، وأوصيكم باجتناب أموالهما.
ومن تقوى الله التي أمر الله عز وجل بها في آية البحث الأمانة والصدق ، وحفظ العهد ، وعدم السطو على أموال اليتامى .
لتكون الآيات والأحاديث النبوية التي نزلت بخصوص الأيتام والعناية بهم وحفظ أموالهم سبباً لمغادرة ابيهم الحياة الدنيا وقلبه مطمئن على أولاده الصغار بأن الأولياء وعامة المسلمين يحفظونه ويمنعون من تضييعهم .
و(عن أبي برزة : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يبعث يوم القيامة القوم من قبورهم تَأَجَّج أفواههم نارا .
قيل : يا رسول الله من هم ، قال : ألم تر أن الله قال [إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا] ( ))( ).
العطف بين الآيات الأولى من سورة النساء
لقد ابتدأت سورة النساء بقوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ لبيان أمور:
الأول : قانون وجوب التقوى على كل إنسان ذكراً أو أنثى .
الثاني : قانون تقوى الله سور الموجبة الكلية الجامع للناس جميعاً .
الثالث : قانون استدامة الحياة الدنيا ، ونزول أرزاق الناس بالتقوى.
الرابع : قانون تحلي المؤمنين في كل زمان بتقوى الله .
الخامس : الثواب العظيم على تقوى الله .
ومن إعجاز نظم الآيات الأولى من سورة النساء أنها معطوفة على الآية الأولى منها من العناية بالأيتام ومن تعدد الزوجات وإعطاء الزوجة مهرها وعدم بخسها حقها ، وجواز هبتها لشطر من المهر والصداق ، والنهي عن اتيان الأموال للسفهاء مع لزوم العناية بهم .
وتذكير الناس باحتمال تعرض أبناء أي إنسان لليتم ولزوم استحضار تقوى الله مع الأيتام ليهيئ الله عز وجل من يحفظه في أولاده القصر ، إذ قال تعالى وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا.
وهل يشمل المرأة وميراثها النهي عن إتيان أموالها السفهاء ، الجواب نعم ، وكذا يلزم الولي والوصي والناظر حفظ أموال اليتامى ، وتقدير آية السياق :
ولا تؤتين السفهاء أموالكن التي جعل الله لكن قياماً .
واستمر العطف بين هذه الآيات بحرف العطف (الواو) وتارة بالعطف الموضوعي بلحاظ وحدة موضوع الآيات .
وكأن أحكام آيات الميراث الواردة في هذه الآيات من سورة النساء شاملة للناس جميعاً ، إلى أن ورد في الآية التاسعة عشرة من هذه السورة النداء الخاص بالمسلمين بقوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا.
إلا أن يرد دليل خاص بأن شطراً من الآيات التالية لآية البحث ليست معطوفة عليها وما فيها من وجوب التقوى على الناس جميعاً.
وهذا العطف بين الآيات الأولى من سورة النساء مبحث قرآني مستقل مستحدث في هذا السِفر يلزم وقوف العلماء عنده ، فهو من مصاديق عموم الأحكام التكليفية في المعاملات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشمولها للناس جميعاً ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ.
ومن معاني العطف بين هذه الآيات مع كثرتها بيان الضابطة الكلية في أحكامها ، وهي تقوى الله ، والخشية منه ، ومن مصاديق التقوى العامة العمل بأحكام هذه الآيات ، قال تعالى إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا.
الجمع بين خاتمتي الآيتين
من معاني الجمع بينهما وجوه :
الأول : الإحسان إلى اليتامى قربة إلى الله تعالى رجاء ثوابه.
الثاني: التنزه عن أكل مال اليتامى خشية من الله عز وجل ، وذكرت الآية اليتامى ، والمراد أعم، ويشمل المستضعفين والذين لا ولي لهم إلا الله عز وجل .
الثالث : السعي في الإصلاح والتهذيب ، وحسن العشرة مع اليتامى وغيرهم احتساباً ، ويدل عليه قوله تعالى وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
الرابع : من التقوى تقديم ما قدّمه الله ، والذي يصدق عليه قانون تقديم الأهم على المهم .
ويفيد الجمع بين الآيتين طلب المال الحلال ، والإخبار بأن التعدي على أموال اليتامى ، وإرجاء دفعها لهم فعل خبيث ، وكسب حرام ، وقد ضمن الله عز وجل للناس رزقهم بالحلال .
وقد يحجب طلب الخبيث من المال وأسباب المعاش الطيب والرزق الحلال بلحاظ أن الله عز وجل كتب للإنسان رزقاً معلوماً ، فاذا أخذه بالحرام حجب عن نفسه مجيؤه بالحلال إلا أن يشاء الله ، ويرزق الإنسان من فضله خاصة الذي يتدارك بالندامة والإستغفار ورد المظالم .
وسئل الإمام جعفرالصادق عليه السلام (عن رجل أكل مال اليتيم، هل له توبة ؟ فقال: يؤدي إلى أهله، لأن الله يقول إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ” وقال إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ))( ).
لبيان قانون الدنيا دار التدارك ، وقانون بقاء باب التوبة للناس مفتوحاً ، قال تعالى إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا.
ولم يرد لفظ [حُوبًا] في القرآن إلا في آية السياق ومعناه الإثم .
ويبعث الجمع بين خاتمتي الآيتين الخشية والخوف من الله عز وجل من التعدي على أموال اليتامى ، ومن الإقتراب إلى مواطن الإثم والتعدي.

تقدير الجمع بين الآيتين
وهو على وجوه :
الأول : يا أيها الناس اتقوا ربكم وآتوا اليتامى أموالهم .
بلحاظ أن حفظ أموال اليتامى وإعادتها إليهم من سنن التقوى .
الثاني : يا أيها الناس اتقوا ربكم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب .
لبيان لزوم إجتناب الكسب الحرام ، والإستحواذ على أموال اليتامى ظلماً ، وكان بعض الأوصياء على اليتامى يأخذون الجيد من أموال اليتامى ، ويجعلون محله الردئ وقليل القيمة وإن تساوى الجنس ، كما لو أبدلوا التمر الجيد بالدقل الذي يتصف باليبوسة وقلة لحمه ، أو بالذي خُزن بطريقة رديئة فتغيرت رائحته وطعمه ، أو المسوس بالديدان .
ليفيد الجمع بين الآيتين أن تبديل أموال اليتامى بما فيه بخس لهم خلاف تقوى الله ، ومع تضمن الآية النهي عن هذا التبديل فانها إنذار بالعقوبة .
الثالث : يا أيها الناس لا تأكلوا أموال اليتامى إلى أموالكم .
والنسبة بين قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا، وبين آية السياق عموم وخصوص مطلق .
فآية البحث أعم وتشمل الإنذار للناس جميعاً من التعدي على أموال اليتامى .
الرابع : يا أيها الناس لا تأكلوا أموال اليتامى إنه كان حوباً عظيماً ، أي ذنباً عظيماً ، ولم ترد كلمة (حوب) أو (حوباً) في القرآن إلا في آية السياق .
ومن مفاهيم آية السياق شكر اليتامى في صباهم وبعد أن يكبروا لله عز وجل على حفظ حقوقهم في القرآن ، هذا الحفظ المتجدد في كل زمان وهو من فضل الله عز وجل في سلامة القرآن من التحريف أو الزيادة أو النقصان ، قال تعالى لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.
ويتجلى هذا الشكر بتحلي الأيتام بعد البلوغ بالتقوى والصلاح ، والعمل بمضامين آيات القرآن .
قانون الإحسان إلى اليتامى من التقوى
بعد أن أمرت آية البحث الناس جميعاً بتقوى الله ، أمرت الآية التالية الناس بتسليم اليتامى أموالهم سواء تلك التي ورثوها عن آبائهم أو التي جاءتهم بعد وفاة آبائهم كأرباح أو عطايا ونحوها .
وتدل نسبة الأموال إلى اليتامى (أموالهم) على حلية هذه الأموال وأنها ليست من الحرام ، ليكون المهنأ للوارث ، والوزر على الميت إذا كانت كيفية الكسب خلاف الضوابط الشرعية ، والوارث لا يعلم بها .
وفيه إنذار للإنسان بأن لا يتمادى في كسب الحرام حرصاً على الدنيا ، ولجعل تركة لأولاده ، فالله عز وجل هو الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ.
وتبين الصلة بين آية البحث وآية التقوى والعطف بينهما أن التقوى على أقسام منها :
الأول : إتخاذ قصد القربة في عالم القول والفعل ، والنية الحسنة ، وقصد العمل الصالح .
الثاني : التقوى في العبادات وأداء الواجبات والمستحبات .
الثالث : ملكة النفرة من السيئات ، والإمتناع عن فعل المعاصي .
الرابع : تقوى الجوارح من اللسان والفرج واليدين والرجلين والسمع والبصر ، قال تعالى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
وتبين هاتان الآيتان الوظائف الأخلاقية ومضاعفتها على المرأة من جهة الحياة والحشمة والستر .
وفي وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبي ذر (يا أبا ذر من ملك ما بين فخذيه و ما بين لحييه دخل الجنة ، قلت يا رسول الله فإنا لنؤاخذ بما ننطق من ألسنتنا .
قال يا أبا ذر و هل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم إنك لا تزال سالما ما سكتَّ فإذا تكلمت يكتب لك أو عليك .
يا أبا ذر إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى فيكتب له بها رضوانه إلى يوم القيامة .
وإن الرجل ليتكلم بالكلمة في المجلس ليضحكهم بها فيهوي في جهنم ما بين السماء و الأرض)( ).
وعن (سهل بن سعد : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة)( ).
الأمر العام بخصوص اليتامى
لقد ابتدأت آية السياق بدفع أموال اليتامى لهم ، وجاء الخطاب للناس جميعاً مسلمين وغير مسلمين ، وفيه وجوه :
الأول : قانون دفع أموال اليتامى لهم عام شامل للناس جميعاً .
الثاني : يمكن انشاء علم خاص بالأوامر العامة التي تتوجه إلى الناس جميعاً ، وعلى رأسها التوحيد والإيمان بالله والتصديق بالنبوة والتنزيل ، والتنزه عن الشرك ، ومنها إعادة أموال اليتامى ، والإمتناع عن الزنا والربا والفواحش ما ظهر منها وما بطن .
الثالث : بيان القرآن للأحكام العامة التي تتغشى الناس كافة سواء الواجبة أو المحرمة .
الرابع : قانون لزوم إكرام الناس لليتامى .
الخامس : قانون التنزه العام عن الإستيلاء على أموال اليتامى وأكلها ، قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا.
السادس : قانون حفظ القرآن لأموال اليتامى .
السابع : الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة للذين يأكلون أموال اليتامى ، وهو من أسرار الخطاب العام للناس جميعاً في آية السياق ، وتقديرها بلحاظ العطف بين الآيتين (يا أيها الناس آتوا اليتامى أموالهم).

قانون تعاهد اليتامى
من خصائص هذا النداء العام شموله للأمراء والحكام في عموم الأرض ، وان اختلفت مللهم ومذاهبهم ، ووضع القوانين التي تضمن حفظ أموال اليتامى ، وهو من الشواهد على قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ لما في العناية بأموال اليتامى ودفعها لهم من إشاعة الإحسان ، والمنع من حدوث الظلم والتعدي والجرائم ضد اليتامى أو ضياعهم وتعديهم بعد أن يكبروا ويدركوا الظلم الذي لحقهم .
فمتى ما أدرك اليتيم حفظ الناس لحقوقه فان نفسه تطمئن ، وينشأ على حفظ الحقوق والتقيد بالقانون .
ومن الرحمة في عموم التكليف بحفظ أموال اليتامى سعي الناس في الكسب والتجارة ، مع الحرص على إحراز تركة وأموال لذريتهم مطلقاً والوصية لليتامى منهم ، أو اليتامى من الأرحام.
لذا جاءت آية البحث بالأمر بتعاهد الأرحام بقوله تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ.
ويدعو القرآن الناس جميعاً إلى تعاهد اليتامى والعناية بهم ، والنسبة بين هذا التعاهد وبين دفع أموالهم لهم عموم وخصوص مطلق ، لبيان أن القرآن كتاب الرأفة باليتامى .
ومن اليتامى من ليس لهم أموال أو تركة ، ومنهم ابناء شهداء من الصحابة ، فجاء القرآن بالإحسان اليهم والرأفة بهم ، وفيه وجوه :
الأول : قانون الإمتناع عن الإستيلاء على أموال اليتامى وعن أكلها .
الثاني: قانون إصلاح اليتامى .
الثالث : قانون التعاون العام للعناية باليتامى ، ويدل على العموم في المقام صيغة النداء العام في أول الآية [يَا أَيُّهَا النَّاسُ]والتي تتغشى الناس جميعاً.
الرابع : شمول وجوب وأحكام صلة الأرحام للمسلمين وأهل الكتاب وعامة الناس ، وتقدير الجمع بين أول الآية وقوله تعالى [وَالْأَرْحَامَ] : يا أيها الناس اتقوا أرحامكم .
وهل من تقييد في المقام ، الجواب نعم ، بأن تكون هذه صلة الأرحام في مرضاة الله، والصلاح ، ومن مصاديق الإحسان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو من أسرار اقتران ذكر الأرحام مع الأمر بتقوى الله ، وهو من عمومات قوله تعالى وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان .
الخطاب إلى بني إسرائيل
من مصاديق الأمر الإلهي العام بالعناية والرأفة باليتامى وأنه ميثاق سماوي للمؤمنين من أيام آدم ليحمل لواءه المسلمون بعد نزول القرآن وإلى يوم القيامة في المقام توجه الخطاب إلى بني إسرائيل في الكتب السماوية السابقة بالإحسان إلى اليتامى ، قال تعالى وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ.
وقد سأل المسلمون النبي محمداً عن اليتامى وكيفية المعاملة معهم فنزل القرآن بآية إعجازية إذ قال تعالى وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ.
لبيان أن الأولوية هي لإصلاح اليتامى ، وتكون النسبة بين هذا الإصلاح وبين إعادة أموال اليتامى لهم عموماً وخصوصاً مطلقاً ، وفي قوله تعالى وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا.
كنز اليتيمين
في حديث موسى عليه السلام والخضر عليه السلام ورد عن عبد الله بن عباس (حدثني أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أن موسى بني إسرائيل سأل ربه فقال : أي رب ، إن كان في عبادك أحد أعلم مني فدلني . قال : نعم ، في عبادي من هو أعلم منك ، فنعت له مكانه فأذن له في لقيه ، فخرج موسى ومعه فتاه ومعه حوت مليح .
قد قيل : إذا حيي هذا الحوت في مكان ، فصاحبك هنالك وقد أدركت حاجتك . فخرج موسى ومعه فتاه ومعه ذلك الحوت يحملانه ، فسار حتى جهده السير وانتهى إلى الصخرة وإلى ذلك الماء ، ماء الحياة من شرب منه خلد ، ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي .
فلما نزلا ومس الحوت الماء حيي فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا فانطلقا فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ موسى لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا قال الفتى وذكر أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا.
قال ابن عباس : فظهر موسى على الصخرة حين انتهيا إليها ، فإذا رجل ملتف في كسائه فسلم موسى عليه فرد عليه ثم قال له : ما جاء بك؟ إن كان لك في قومك لشغل؟ قال له موسى : جئتك لتعلمني مما علمت رشداً قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا.
وكان رجلاً يعلم علم الغيب قد علم ذلك ، فقال موسى : بلى .
قال وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا أي أن ما تعرف ظاهر ما ترى من العدل ولم تحط من علم الغيب بما أعلم.
قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا وإن رأيت ما يخالفني قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا.
خرق السفينة
انطلق موسى والخضر عليهما السلام على ساحل البحر يتعرضان الناس يلتمسان من يحملهما ، حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السفن شيء أحسن منها ولا أجمل ولا أوثق منها ، فسألا أهلها أن يحملوهما فحملوهما.
فلما اطمأنا فيها ولجت بهما مع أهلها ، أخرج منقاراً له ومطرقة ثم عمد إلى ناحية منها ، فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها ، ثم أخذ لوحاً فطبقه عليها ثم جلس عليها يرقعها .
فقال له موسى – ورأى أمراً أفظع به – قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا *قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا *قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ أي بما تركت من عهدك وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا.
ثم خرجا من السفينة فانطلقا حتى أتيا قرية ، فإذا غلمان يلعبون فيهم غلام ليس في الغلمان غلام أظرف منه ولا أوضأ منه ، فأخذ بيده وأخذ حجراً فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله .
فرآى موسى عليه السلام أمراً فظيعاً لا صبر عليه ، صبي صغير قتله لا ذنب له قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ أي صغيرة لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا *قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا أي قد عذرت في شأني فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا فهدمه ثم قعد يبنيه.

بيان الخضر لعلة ما فعله
فضجر موسى مما يراه يصنع من التكليف وما ليس عليه صبر ، فقال لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا أي قد استطعمناهم فلم يطعمونا ، واستضفناهم فلم يضيفونا .
ثم قعدت تعمل في غير صنيعة؟ ولو شئت لأعطيت عليه أجراً في عملك قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا صالحة [غَصْبًا] في قراءة أبي بن كعب : كل سفينة صالحة وإنما عيبها لطرده عنها فَسَلِمَتْ منه حين رأى العيب الذي صنعت بها وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا.
[فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي] ( ) أي ما فعلته عن نفسي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا فكان ابن عباس يقول : ما كان الكنز إلا علماً)( ).
لبيان فضل الله عز وجل في العناية بالأيتام ، خاصة أيتام المؤمن ، وفيه مسائل :
الأولى : بعث السكينة في نفس المؤمن على أولاده من بعده .
الثانية : إكرام الله للمؤمن في ذريته .
الثالثة : الترغيب بالإيمان ، وبيان منافعه للإنسان في الدنيا والآخرة.
لقد ابتدأ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حديثه بأن وصف موسى عليه السلام بانه (موسى بني إسرائيل) لتكون هذه الصفة علماً له ومن خصائصه لأنه نبي رسول ، وللتمييز بينه وبين الذين لهم مثل اسمه وإن كانوا من بني إسرائيل .
صلة آية البحث بالآية الخامسة
وهو قوله تعالى وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا.
وفيه مسائل :
الأولى : الأوامر في الآيتين : لقد تضمنت آية البحث ثلاثة أوامر متوجهة إلى الناس وهي :
الأول : وجوب تقوى الله رب العالمين.
الثاني : تؤكيد تقوى الله.
الثالث : إتقاء الإرحام بحسن صلتها ، والإمتناع عن قطيعة الرحم ، وعن الإمام الرضا عليه السلام عن آبائه (عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لا يدخل الجنة قاطع رحم)( ).
وقد أختتمت الآية بالإخبار عن رقابة الله عز وجل على الناس في أفعالهم والجزاء عليها ، أما آية السياق فابتدأت بالنهي ، النهي عن إعطاء وتسليم الأموال الخاصة للسفهاء ، ثم تعقب هذا النهي ثلاثة أوامر ذات صلة بهم ،وهي :
الأول : إطعام السفهاء والصبيان والأيتام .
الثاني : إكساء الصبيان والأيتام بالمتعارف واللائق وما فيه الحشمة .
الثالث : اللطف والإحسان بالقول والوعد الجميل ، والدعاء لهم ، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر .
ترى ما المراد من السفهاء في آية السياق ، السفهاء جمع سفيه وهو ضعيف الرأي ، ولا يحسن الفعل والتمييز بين المصالح والمضار في القول والفعل ، وضد السفيه الحليم .
وعن(ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ : مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِىَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيُمَارِىَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ)( ).
ومعنى يماري السفهاء أي يجادلهم ويخاصمهم مغالطة لإظهار غلبته وعجزهم من غير أن يقصد الحق وبلوغ الحقيقة .
ومن معاني السفهاء في آية السياق : النساء غير الرشيدات والصبيان، وهو لا يشمل الأموال الخاصة للمرأة ، فهي مسلطة على مالها ، لأن المراد من أموالكم أي الخاصة للناس .
نعم تشمل الآية على هذا المعنى الأمر إلى المرأة أن لا تجعل أموالها بيد غيرها من النساء أو الصبيان ،وإن كانوا أبناءها لعمومات صيغة الأمر في آية السياق قاعدة السلطنة ، فالناس مسلطون على أموالهم ، وهناك شواهد عديدة في كل زمان على ضياع الأموال عندما تكون بيد الصبيان .
مصاديق التقوى في آية السياق
لقد ابتدأت آية البحث والتي هي أول آيات سورة النساء بالأمر إلى الناس جميعاً بتقوى الله ، مع الترغيب بالتقوى بلغة الحجة والبرهان بأن الله عز وجل رب الناس جميعاً ، الذي خلقهم من نفس واحدة ، ثم أكدت على التقوى بقوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ]ولزوم العناية بالأرحام ، أما آية السياق فأبتدأت بأداة النهي (لا) قبل أن تتعقبها ثلاثة أوامر .
لقد نهت آية السياق الناس عن ترك الأموال بيد الصبيان وناقصي العقول لمنع الإسراف والتبذير ، وضياع الأموال ، ليكون من مصاديق التقوى في آية السياق وجوه :
الأول : الحفاظ على الأموال من تقوى الله لأنها رزق من عنده تعالى .
الثاني : قانون الإنتفاع الأمثل من الأموال ، ويدل عليه قوله تعالى الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا .
الثالث : وجوب الإنفاق على العيال وإعانة الأيتام وكسوتهم .
الدعاء للأولاد
الدعاء للأولاد أفضل هدية لهم بأن يرزقهم الله عز وجل الحكمة ، ويزين أخلاقهم ، ويكرمهم بالتقوى والصلاح ، ولينعم عليهم بالعافية وطول العمر .
ويبعث تضمن آية البحث وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً على الدعاء من وجوه :
الأول : سؤال الله عز وجل كثرة الأولاد واتصافهم بالصلاح ، وفي قوله تعالى فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا .
الثاني :كما بث الله عز وجل الناس من آدم وحواء ، فأنه قادر على أن يبث منك ومن زوجك رجالاً ونساءً ، ويأتي معهم رزقهم لقانون اقتران الرزق بالخلق بفضل من الله .
الثالث : الدعاء للأولاد بالسلامة من السفاهة ، والوقاية من خفة العقل ، لبيان العموم في الدعاء والمسألة بقوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
الرابع : لقد تكرر الأمر بتقوى الله في آية البحث ، ويحمل على الوجوب ، وهل من تقوى الله الدعاء للأولاد بالهداية وتقوى الله، الجواب نعم ، ليتجلى قانون توارث تقوى الله والخشية منه .
الخامس : الدعاء للأولاد بأن لايأتوا السفهاء أموالهم ، فيغادر الأب الحياة الدنيا ويبقى دعاؤه مصاحباً لأولاده مدداً لهم في مسالك الإيمان وسبباً غيبياً لحفظ أموالهم .
السادس : سؤال الله عز وجل الرزق الكريم للأعانة على الإنفاق على العيال ، وسد حاجات الأولاد ذكوراً وإناثاً .
السابع : إعانة الأولاد بأداء الفرائض العبادية ، وتنمية ملكة الدعاء عندهم ، فكما يرثون المال فأنهم يرثون الدعاء وأداء الصلاة ، والصيام ، والزكاة ، وحج البيت الحرام .
وهل الدعاء للأولاد من مصاديق اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ… الجواب نعم .

تقدير الجمع بين الآيتين
وهو على وجوه :
الأول : يا أيها الناس اتقوا الله في أموالكم التي جعل الله لكم قياماً .
الثاني : يا أيها الناس لا تؤتوا السفهاء أموالكم .
لبيان عدم اختصاص النهي الوارد في آية السياق بالمسلمين ، إنما يحذر الله عز وجل الناس جميعاً ذكوراً وإناثاً من إتيان السفهاء أموالهم .
وورد لفظ (السفهاء) في آية السياق بصيغة الجمع ، والمفرد السفيه ، والمراد العنوان الشامل للذكور والإناث ، السفهاء والسفيهات ، ولكن ورد لفظ (السفهاء) لتغليب المذكر ، قال المتنبي :
(ومَا التأنيثُ لاِسْمِ الشمسِ عَيْبٌ … ولا التذكيرُ فَخْرٌ للهلالِ)( ).
الثالث : يا أيها الناس اتقوا الله ولا تبخلوا في الإنفاق على العيال .
الرابع : يا أيها الناس اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام في أموالكم فانفقوا على الأبناء والعيال منها ، قال تعالى وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا.
الخامس : يا أيها الناس لا تؤتوا السفهاء أموالكم .
السادس : يا أيها الناس اتقوا الله الذي خلقكم وخلق آباءكم وابناءكم.
السابع : يا أيها الناس لا تؤتوا السفهاء أموالكم إن الله كان عليكم رقيباً.
الثامن : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولا تؤتوا السفهاء أموالكم .
لبيان تلقي المسلمين النداء في أول آية البحث على نحو متعدد ، فمرة يتلقونه كأمة من الناس ، وأخرى بصفة الإيمان وقيامهم بالتقيد بالأحكام التي وردت في القرآن والسنة النبوية ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ.
التاسع : يا أيها الناس اتقوا ربكم وقولوا قولاً معروفاً.
لبيان قانون القول الحسن والمعروف من التقوى ، وقانون وجوب القول المعروف على الناس جميعاً ، وهل يختص بالإحسان إلى اليتامى الذي تذكره آية السياق ، أم هو عام .
الجواب هو الثاني لأن القول الحسن من تقوى الله ، قال تعالى في أمر إلى بني إسرائيل وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا.
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال (جاءت فاطمة تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بعض أمرها فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وآله كربة .
وقال: تعلمي ما فيها، فإذا فيها: من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليقل خيرا أو ليسكت)( ).
والكربة مفرد الكرب وهي أصول السعف وكانت مما يكتب عليها القرآن أيام التنزيل لقلة الورق .
وعن الصحابي أبي شريح الخزاعي (ت68 هجرية) (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)( ).

إكرام المرأة
هل تتضمن آية السياق التحذير من حرية تصرف الزوجة بمال الزوج ، الجواب نعم ، إلا أنه لا يعني ذماً لها ، بدليل بيان آية السياق لماهية الأموال ، وهو أن الله عز وجل جعله لَكُمْ قِيَامًا أي في سعادتكم وأمور دينكم ومعاشكم ، وقال الحسن البصري في آية السياق (النساء والصغار، والنساء أسفه السفهاء)( ).
وقال الضحاك (عن الضحاك قوله:”ولا تؤتوا السفهاء أموالكم”، يعني بذلك: ولد الرجل وامرأته، وهي أسفه السفهاء.)( ).
وهذا القول ليس بتام ، وخلاف إكرام القرآن والسنة للمرأة ، وكان أهل الجاهلية يحرمونها من الميراث ، وورد في التنزيل أخذ شعيب بمشورة ابنته وبيانها لعلة هذه المشورة يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، فاستأجر موسى ثم زوجها إياه .
ثم أن النساء مخاطبات بالآية وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ، ومن وجوه تقدير الآية : ولا تأتين السفهاء أموالكن .
فنزل القرآن يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فان قلت لماذا جعل الله عز وجل سهم البنت أقل من سهم الولد ، الجواب من وجوه:
الأول : لا يعلم علل الأحكام إلا الله عز وجل ، وهو سبحانه لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ.
الثاني : البنت لها زوج أو ولي ينفق عليها ، أما الولد فأنه ينفق على نفسه وعلى عياله .
الثالث : حفظ الإنسان والشأن يكون بالولد الذكر في الغالب ، وتدل الآية أعلاه وهي من سورة النساء على شأن البنات أيضاً ، كما أكرم الله الأم ولها الثلث ولأبيه الثلثان إن لم يكن للميت ولد ، ولها السدس مع وجود الولد للميت ، ووجود إخوة له يحجبونها عن الثلث إلى السدس ، كما حفظ الله حق الزوجة وجعل لها من زوجها الربع مع عدم وجود ولد له ، والثمن مع وجود الولد ، قال تعالى وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ.
وهل تتحمل المرأة أماً كانت أو بنتاً أو زوجة مسؤولية في تنفيذ وصية الميت ، الجواب نعم ، إذا كانت هي الوصية أو الناظر على الوصي ، وإلا يكون عملها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وحفظ المال ،كما يتوجه لهن الخطاب والأمر بالوصية والذي يحمل على الإستحباب بقوله تعالى فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ .
وتبين آية البحث وجوب إكرام المرأة لأنه شعبة من تقوى الله ، ومصداق لصلة الأرحام ، نعم هذا الإكرام لا يمنع من الحفاظ على الأموال من أجل الإنفاق على الزوجة والابن والبنت .
فمن معاني الجمع بين آية البحث وآية السياق وجوب حسن تدبير المعيشة ، والإنفاق باقتصاد ، وعدم جعل الإنسان ما رزقه الله من المال بيد الصبيان والأبناء الذين لم يبلغوا الرشد .
إعجاز الآية الذاتي
هذه الآية هي أول آية من سورة النساء بعد البسملة وابتدأت بالخطاب العام إلى الناس جميعاً ، ويحتمل موضوع الخطاب وجوهاً :
الأول : انبساط هذا الخطاب [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] على جميع آيات سورة النساء ،فمثلاً يكون تقدير الآية التالية وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ. يا أيها الناس أتوا اليتامى أموالهم .
الثاني : شمول صبغة النداء العام الآيات التالية المعطوفة على آية البحث سواء الآية الثانية أو الثالثة أو الرابعة إلى الآية التاسعة ، فكل آية منها تبدأ بالحرف الواو الذي يفيد العطف ، باستثناء واحدة وهي مشمولة بالعطف الموضوعي ، قال تعالى لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا.
الثالث : اختصاص النداء العام بذات آية البحث .
الرابع : إرادة جزء من آية البحث في موضوع النداء العام .
الخامس : لحاظ موضوع الآيات وهل يشملها العطف الموضوعي بالنداء العام في آية البحث [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] .
الجواب نعم ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا .
المختار أن لكل نداء عام في آيات القرآن حكمه الخاص ، فقد يختص بذات الآية ، وقد يشمل آيات أخرى معطوفة عليها حسب السياق والموضوع ووحدة الحكم ، وفي المقام يشمل الخطاب العام الآية التالية .
ومن إعجاز الآية الذاتي تكرار الأمر بتقوى الله ، مرة بصيغة الربوبية المطلقة [اتَّقُوا رَبَّكُمُ] وأخرى بذكر الإلوهية [وَاتَّقُوا اللَّهَ] وهو الأكثر في القرآن ، فلم يرد[اتَّقُوا رَبَّكُمُ] في القرآن إلا أربع مرات ، وسيأتي مزيد كلام في علم المناسبة .
لقد بينت آية البحث حقيقة في خلق الناس ، وهي خلقهم جميعاً من نفس واحدة من آدم الذي خلقه الله عز وجل في الجنة ، لبيان أن تلك النفس الواحدة لم تكن إلا بعد أن نفخ الله عز وجل فيه من روحه ، قال تعالى فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَوإذ ورد اسم آدم في القرآن فلم يرد اسم حواء ، إنما ورد ذكرها بصفة الزوجة لآدم.
وتقدير الآية :
الأول : يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة خلقها في الجنة .
الثاني : يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة خلقها من طين .
الثالث : يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة نفخ فيها من روحه .
وهل فيه تأديب للناس بالستر في الاسم والمسمى للمرأة ، الجواب نعم ، مع جواز بيان هذا الاسم كما ذكر مريم عليها السلام بالذات مرة ، وأخرى كونها أم عيسى عليه السلام ، وحتى آدم لم يذكر بالاسم في آية البحث إنما ورد بصفة نفس واحدة .
وجاءت آية أخرى لبيان علة خلق الزوجة بقوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا.
وبينت آية أخرى المودة والتراحم بين الزوجين ، قال تعالى وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.
وأختتمت الآية بالإخبار عن قرب الله عز وجل من الناس مجتمعين ومتفرقين ، ويتجلى هذا القرب بوقاية من الله عز وجل للناس في أفعالهم وصلاتهم ، وفيه ترغيب للعمل بمضامين الآية وتقوى الله .
وتعاهد عبادته وعمل الصالحات وصلة الإرحام ، والتنزه عن الفساد ، وفي القرآن عام وخاص ، ومطلق ومقيد ، فاللفظ العام هو اللفظ الشامل المستغرق لجميع أفراده من غير حصر ، ومنه كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ كما في آية البحث [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ] حيث يتجلى العموم من جهات :
الأولى : النداء العام .
الثانية : الأمر بتقوى الله في السر والعلانية .
الثالثة : الله عز وجل رب الناس جميعاً .
وأما اللفظ الخاص فهو ضد العام ، الذي يدل على أمر محصور بفرد أو عدد مخصوص ، ومنه وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فلفظ (بدر) خاص بمعركة بدر التي وقعت في اليوم السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة النبوية .
وقد يجتمع العام والخاص في الآية القرآنية بلحاظ سبب النزول وهو خاص ، ومعنى الآية عام .
والمدار على عموم المعنى لأن الآية القرآنية وأحكامها باقية إلى يوم القيامة .
ويمكن تسمية آية البحث آية [اتَّقُوا رَبَّكُمُ] الذي ورد أربع مرات في القرآن ،ثلاثة منها بلفظ [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ] ، وهي :
الأولى : آية البحث وهي يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا.
الثانية : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ.
الثالثة : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ.
الرابعة : خطاب للمسلمين قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

بحث إعجازي
تضمنت آية البحث الأمر باتيان اليتامى أموالهم سواء تلك التي هي تركة لهم أو جاءتهم بالوصية أو بارباح حاضرة ومتجددة أو هبات ، والملاك أن الأموال تعود لذات اليتامى ، وقالوا أن ذكر اليتامى من باب المجاز المرسل لأن إتيانهم الأموال عند البلوغ وتحقق الرشد .
والمجاز المرسل هو إستعمال الكلمة في غير معناها الحقيقي لعلاقة وقرينة صارفة عن المعنى الحقيقي مثل إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًاوالمراد عصير العنب لأن الخمر مرحلة بعد العصر .
فاطلاق الخمر وإرادة العنب مجاز مرسل لبيان علاقته بالحال التي يكون عليه لاحقاً .
ومنه ما ورد في التنزيل حكاية عن نوح عليه السلام وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا، ويولد الطفل على الفطرة ، والمراد سيكونون مثل آبائهم وأجدادهم كفاراً .
ومن فوائد المجاز الإيجاز ، والبديع ، وقوة الأثر ، وجمال اللغة ، وبعث السامع على التفكر في اللفظ ، وإسلوبه وعلاقته بالمعنى الحقيقي .
والمختار جمع قوله تعالى وَآتُوا الْيَتَامَى بين الحقيقة والمجاز ، وأن المراد على أقسام :
الأول : الإنفاق على اليتامى في صغرهم من أموالهم في المأكول والمشروب والملبوس .
وفي رسالتي العملية الحجة الجزء الرابع ((مسألة 15) يجوز لولي اليتيم افراده بالمأكول والملبوس ويكون الإنفاق من مال الصبي كما يجوز ان يخلطه بعائلته ويحسبه كاحدهم فيوزع المصارف عليهم كل حسب حصته في المأكول والمشروب والسكن .
اما الكسوة فيحسب على كل شخص كسوته وكل بحسب حاله ، فاذا كان المولى عليه ذا شأن وله مال كانت كسوته بل وطعامه ومشربه بحسب حاله وبما ليس فيه مفسدة.
(مسألة 16) لو كان عند الولي عدد من الصبيان جاز له إفراد كل منهم أو خلطهم في المأكول والمشروب مع توزيع النفقة عليهم، دون الكسوة فكل واحد بحسب ما يحتاج وما ينفق عليه.
(مسألة 17) اذا كان للصبي مال على غيره، فعلى الولي المطالبة به والسعي لأخذه وله المصالحة على بعض المال لحفظ الباقي ان استلزم الأمر ، وكان فيها مصلحة ، وليس للولي إسقاط مال الصبي بحال)( ).
الثاني : حفظ مال اليتيم حتى البلوغ ، وحفظ ما بقي منه عند الإنفاق عليه في صغره .
الثالث : دفع بعض المال للصبي قبل البلوغ بما يقضي حاجاته من غير إسراف ولا تفريط .
لبيان أن قوله تعالى [وَآتُوا الْيَتَامَى]، جامع للحقيقة والمجاز معاً ، وهو من إعجاز القرآن بأن يعطي اليتامى وينفق عليهم من أموالهم قبل البلوغ باقتصاد حقيقة ، وأما دفع الباقي لهم بعد بلوغهم فهو من المجاز في آية البحث .
إعجاز الآية الغيري
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزول القرآن بالخطاب والنداء العام للناس جميعاً [يَا أَيُّهَا النَّاسُ]والذي ورد في القرآن عشرين مرة ، ليتساوى المسلم والكتابي والكافر في تلقي هذا الخطاب بعرض واحد ، وتكليف مشترك .
فيفوز المسلمون بالعمل بمضامين هذا النداء ، ولا يقف الأمر عند هذا العمل ، بل تبقى مضامين هذا النداء تتوجه إلى أهل الكتاب والناس جميعاً كل يوم ، وهو من أسرار تلاوة كل مسلم ومسلمة القرآن سبع عشرة مرة في كل يوم في الصلاة الواجبة .
ومن الإعجاز الغيري في آية البحث الأمر العام بتقوى الله والخشية منه بالغيب لبيان أمور :
الأول : خلق الله عز وجل الناس ليتقوه .
الثاني : قانون التقوى واجب على كل إنسان .
وهل فيه دليل على أن غير المسلمين مكلفون بالفروع كتكليفهم بالأصول ، أم أن المسألة أجنبية عن هذا المبحث الأصولي ، المختار أن تقوى الله من أصول الدين ومن أصول وعلة الخلق ، كما تدل عليه آية البحث .
الثالث : قانون تقوى الله باب للرزق الوافر الكريم ، قال تعالى وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ.وفي سبب نزول هذه الآية ذكر أنها نزلت (في عوف بن مالك الأشجعي، وذلك أنّ المشركين أسروا ابناً له يسمّى : سالماً، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول اللّه إنّ العدوّ أسر ابني وشكا إليه أيضاً الفاقة،
فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ما أمسى عند آل محمد إلاّ مُدْ فاتّق اللّه واصبر وأكثر من قول : لا حول ولا قوة إلاّ باللّه ففعل الرجل ذلك ، فبينا هو في بيته إذ أتاه ابنه وقد غفل عنه العدو فأصاب إبلا وجاء بها إلى أبيه وكان فقيراً وقال الكلبي في رواية يوسف بن مالك : قدم ابنه ومعه خمسون بعيراً)( ).
الرابع : قانون تقوى الله طريق النجاة والفوز في الآخرة .
الخامس : قانون التقوى أمن من كربات وساعة الإحتضار ، وواقية من لهيب النار .
ومن خصائص خاتمة آية البحث بعث المسلم على عمل الصالحات ، وإجتناب السيئات خشية من الله لأنه رقيب على الناس .
فمن الإعجاز الغيري لخاتمة آية البحث استحضار الإنسان رقابة الله عز وجل لعمله كل ساعة ، وهو من أسرار تلاوة كل مسلم ومسلمة آيات من القرآن سبع عشرة مرة في اليوم والليلة وما فيها من تذكير المسلمين بأن الله رقيب عليهم وعلى عامة الناس .
الآية سلاح
يدل ابتداء آية البحث بالنداء العام على جذب عنايتهم إلى مضامين هذه الآية ، وما فيها من الأحكام ، وهل يشمل الخطاب الذين كفروا والذين حاربوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم .
الجواب نعم ، وتجيب الآية عن السؤال عن كيفية الخلق ، وبداية انتشار الناس في الأرض ، وأنهم من أصل واحد ، وما تكاثرهم وانتشارهم في الأرض إلا باعجاز وعناية ولطف من عند الله عز وجل مما يستلزم تقوى الله والإجتهاد في عبادته ، وطاعته لذا تكرر الأمر بتقوى الله مرتين في آية البحث .
ليكون من معاني الآية أنها سلاح في جعل الناس مسلمين وغير مسلمين يتدبرون في معاني الآية وأنها تأمر بالعدل والإحسان ، وتمنع من الظلم والتعدي ، والإستحواذ على أموال اليتامى ، وكل إنسان معرض أن يترك أولاده يتامى مما يكون سبباً وعلة لآية البحث ، وإدراكه بعدالة أحكام الإسلام ، وحمايتها للإنسان في حياته وبعد مماته .
وأختتمت الآية بالإخبار عن رقابة الله عز وجل للناس وما يعتقدون ويفعلون لبيان أن الله لم يخلق الناس ويتركهم وشأنهم ، بل إنه يحصي أعمالهم ليوم الحساب ورحمة الله عز وجل الناس في آية البحث بالحث على صلة الرحم ،ومنها بر الوالدين .
وهل تشمل صلة الإنسان بأرحامه الناس جميعاً لأن الأصل خلقهم من نفس واحدة ، الجواب لا ، إذ ورد ذكر النفس الواحدة بالخطاب العام إلى الناس ، أما المراد من الأرحام في الآية فهم صلة القرابة من الوالدين والإخوة والأخوات ، والأعمام ، والأخوال ، وأبنائهم ، وعموم الأقارب من النسب سواء من الأب أو الأم ، وتدخل فيهم الصلة بالرضاع ويدخل أقارب الزوجة بعنوان السبب والمصاهرة ، لأن الصلة سببية بعقد النكاح .
ومن صلة الأرحام الإحسان إليهم ، وزيارتهم وإعانتهم وعبادة المرضى ، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ، قال تعالى وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )( ).
والنسبة بين الرحم والمحارم عموم وخصوص مطلق ، فالأرحام أعم ، وكذا الصلة بين الأرحام والميراث .
(عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده قال : قلت يا رسول الله ، من أبر؟ قال : أمك .
قلت : من أبر؟ قال : أمك . قلت : من أبر؟ قال : أمك . قلت : من أبر؟ قال : أباك ، ثم الأقرب فالأقرب)( ).
ومن صلة الأرحام حفظ أيتام الأقارب ، فهم من الأرحام من جهتين :
الأولى : جهة الآباء والأمهات .
الثانية : جهة الأيتام أنفسهم ، فهم من الأقارب ، وتشملهم صلة الأرحام ، والعناية بهم ، وتربيتهم بنشأة إيمان ، ومنع التعدي عليهم وعلى أموالهم حتى من قبل الوصي نفسه ، والناظر على فرض وجودها والإمتناع عن قطيعة الرحم .
وهل من مصاديق وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ تنمية ملكة صلة الأرحام عند الأبناء والأيتام ، الجواب نعم ، ليتوارث المسلمون هذه الصلة فهي من سنن التقوى وتترشح عنها البركة .
وتضمنت آية البحث التحذير والإنذار من التقصير في صلة الأرحام لأنها مما يسأل الله عز وجل الناس عنها يوم القيامة ، قال تعالى وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ.
مفهوم الآية
تتعدد معاني النفس منها الروح ، والجسد ، والحس ، والذات ، وعين الشئ ، والجسد ، والجامع بين الجسم والروح ، والمختار أن المراد من النفس في قوله تعالى [خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ].
هو ذات آدم والجامع بين الجسم والروح ، قال تعالى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ.
لبيان تفرع الناس من أصل وإنسان واحد ، واتحاد صبغة البشرية ، فلم يخلق الناس من جنس آخر ، ولمنع القول بأي نظرية تقول بأن الناس تحولوا من جنس آخر على مرّ آلاف السنين .
ولبيان قانون الملازمة بين خلق الإنسان والتقوى ، فآدم عليه السلام من سادة المتقين إذ جعله الله عز وجل نبياً رسولاً وفيه مسائل :
الأولى : اتبداء عمارة الأرض بالتقوى والخشية من الله عز وجل.
الثانية : إقامة الحجة على الناس بأن الأصل هو الهدى ، وفي التنزيل فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ.
الثالثة : الأصل هو أن الناس أمة واحدة وإن تفرقوا في أقطار الأرض ، قال تعالى إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ.
الرابعة : قانون مصاحبة الوحي لابتداء الوجود الإنساني في الأرض ، وهو من مصاديق قوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.
وهل التقوى ووجوبها من مصاديق الأسماء في قوله تعالى وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ، الجواب نعم .
وكما ذكرت آية البحث تقوى الله مرتين ، فقد ذكرت الخلق ثلاث مرات:
الأولى : خلق آدم .
الثانية : خلق حواء من آدم .
الثالثة : خلق ذرية آدم من الذكور والإناث .
ولبيان أن صيرورة الولادات ذكوراً وإناثاً وليس جنساً واحداً آية من بديع الخلق لا يقدر عليها إلا الله عز وجل .
وأخبرت الآية عن تكاثر الناس منهما بالنكاح المنفرد ، فلا يستطيع آدم الزواج من امرأة ثانية لانتفاء الموضوع.
وقد أنعم الله عز وجل عليه أن رأى كثرة الأولاد والأحفاد قبل أن يغادر الحياة الدنيا .

إفاضات الآية
يبعث ابتداء الآية بالنداء العام [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] المسلمين للتآخي والمودة واللطف بالناس جميعاً وفيه تأكيد لعالمية رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكون من معاني قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ وجوه :
الأول : [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ] بالخطاب العام يا أيها الناس .
الثاني : مجئ الخطاب العام في القرآن مقدمة ومدخلاً للتكاليف العامة في أصول وفروع الدين .
الثالث : قانون وجوب تقوى الله على كل إنسان .
الرابع : قانون تقوى الله شكر لله تعالى على بديع صنعه وخلقه الناس من نفس واحدة .
ومن إفاضات آية البحث وجوب الإحسان لعموم ذوي القربى بغض النظر عن ملتهم ومذهبهم لما في هذا الإحسان من أسباب التراحم ، ونشر شآبيب المودة بين الناس ، وإزاحة الغم والكدورات وفق المبادئ العامة لتقوى الله الإغاثة وعدم إعانة الإرحام على الباطل والحرام ، لقانون التضاد بين تقوى الله والإعانة على الباطل والحرام .
وبالإسناد (عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : انصر أخاك ظالما أو مظلوما .
قيل : يا رسول الله، هذا نصرته مظلوما، فكيف أنصره ظالما .
قال : تمنعه من الظلم، فذاك نصرك إياه)( ).
ومن خصائص الآية القرآنية أمور :
الأول : إفاضة الآية القرآنية بالحكمة المتعالية .
الثاني : بعث الآية القرآنية المسلمين على الإرتقاء في سلم المعارف ، وزيادة الإيمان .
الثالث : قانون الآية القرآنية وتلاوتها نور للعقل والقلب .
ويدل تكرار الأمر بتقوى الله في آية البحث على موضوعية طاعة الله والخشية منه في الحياة الدنيا والآخرة ، وفيه وجوه :
الأول : قانون استدامة الحياة الدنيا بتقوى الله .
الثاني : قانون حاجة كل إنسان إلى التحلي بتقوى الله ، وهو من مصاديق ابتداء آية البحث بالنداء العام [يَا أَيُّهَا النَّاسُ].
الثالث : ترشح التقوى في آية البحث من جهات :
الأولى : ربوبية الله المطلقة للناس والخلائق كلها .
الثانية : الوهية الله العامة ، ووجوب عبادته وحده ، والتنزه عن الشرك ومفاهيم الضلالة .
الثالثة : معجزة خلق وتكاثر الناس والتي لا يقدر عليها إلا الله عز وجل فلا يولد إنسان إلا بمشيئة من عند الله عز وجل.
الرابعة : معجزة ولادة الناس ذكوراً وإناثاً وما يشبه التساوي بين الجنسين ، مع رجحان كفة عدد الذكور لتلف وزهوق الأرواح في الحروب وفي العمل الشاق .
و(عَنْ عَبْد الله بن مسعود قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : وهو الصادق المصدوق : إِنَّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثُمَّ يكون علقة مثل ذَلِكَ، ثُمَّ يكون مضغة مثل ذَلِكَ، ثُمَّ يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح .
ويؤمر بأربع كلمات، يكتب رزقة، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد.
فوالذي لا إله غيره، إِنَّ أحدكم ليعمل بعمل أَهْل الْجَنَّة حتى مَا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الْكِتَاب فيعمل بعمل أَهْل النَّار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أَهْل النَّار حتى مَا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الْكِتَاب فيعمل بعمل أَهْل الْجَنَّة فيدخلها) ( ).
ليكون من إفاضات آية البحث جذب الإنسان إلى مقامات الهدى ، وتقريبه من الجنة ، وإنقاذه من اتباع الهوى والإثم والضلالة وأسباب دخول النار .
الآية لطف
لقد أراد الله عز وجل بآية البحث حفظ الناس وذراريهم ، ومنع أسباب الإبادة الجماعية والفناء العام .
وحينما نزلت آية البحث لم يخطر على بال الناس صناعة الأسلحة المدمرة التي تهلك الناس دفعة واحدة .
فنزلت آية البحث لطفاً من عند الله ، وتحذيراً متقدماً زماناً من أسباب القتل الجماعي ، والعشوائي ، إذ تصل الرحم بين الناس إلى آدم وحواء ، فالناس جميعاً من أب وأم واحدة .
وحتى إذا لم يكن هذا المعنى من صلة الأرحام فهو إخبار عن اتحاد أصل الناس ليتحلى الناس بالتراحم فيما بينهم .
وفي وصية الإمام علي عليه السلام لمالك الأشتر عندما ولاه على مصر في وصف الناس والرعية قال (فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق .
يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه .
فإنك فوقهم ووالي الامر عليك فوقك والله فوق من ولاك وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم)( ).
وهل النداء العام [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] في أول آية البحث لطف من عند الله عز وجل ، الجواب نعم ، من وجوه :
الأول : إنه لطف بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمجئ الأوامر والنواهي للناس جميعاً بواسطة نزول القرآن على صدره .
الثاني : إكرام الناس بذكر الله لهم في القرآن بالنداء العام ، وفيه حجة عليهم ، ورجاء هدايتهم للإيمان .
الثالث : اللطف العام بالناس بنزول القرآن بالخطاب لهم ، مع التكاليف وبيان وجوب عبادة الله والتقرب إليه بطاعته .
ووردت أغلب الأوامر بتقوى الله في القرآن بخصوص الذين آمنوا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ.
ورد الأمر من الأنبياء لقومهم بتقوى الله كما في نوح فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ.
كما ورد في لوط وإنذاره لقومه وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ.
لبيان فضل الله عز وجل على أجيال الناس المتعاقبة بنزول القرآن ومجئ الخطاب العام فيه للناس بتقوى الله كما يتجلى اللطف في دعوة الناس لصلة الأرحام والتي لا تختص بالمسلمين .
وكل الملل والكتب السماوية جاءت بصلة الأرحام ، وهي شعبة من الفطرة الإنسانية لما فيها من تزكية للنفوس ، ونماء الأموال ، وصرف ضروب البلوى ، وهي منسأة في الأجل .
وكما ابتدأت آية البحث بالنداء العام فانها اختتمت بحكم عام وهو أن الله عز وجل رقيب على كل ما يعمل الناس وحفيظ لأعمالهم لتكون حاضرة في يوم الحساب وعالم الجزاء ، قال تعالى وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا.
ومن لطف الله في آية البحث إخبار الناس عن مسألة من علم الغيب وهي خلق الناس جميعاً مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، لبعثهم على التوادد ، وإجتناب سفك الدماء والإرهاب وإخافة بعضهم بعضاً خاصة وأن الله عز وجل قد كفل رزقهم ، وليس من فرد أو جماعة أو أمة إلا وقد زاد الله عليهم من فضله وإحسانه.
ثم جاءت العلوم والإكتشافات الحديثة لتعلن عن ذخائر في باطن الأرض من الذهب والنفط والمعادن النفيسة التي تعيش معها أجيال من الناس برغد عيش ، سواء أهل ذات البلد أم الذين يعملون في صناعة وتجارة واستثمار هذه المعادن.
الآية بشارة
ابتدأت آية البحث بالأمر إلى الناس جميعاً بتقوى الله ، وإخلاص العبادة لله ، والخشية منه في السر والعلانية ، وفي الليل والنهار ، وفيه بشارة الأجر العظيم لمن يتحلى بالتقوى ، ويتخذها جلباباً .
وتتجلى مصاديق من التقوى بما ورد (عن أبي الدرداء : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، واعدد نفسك من الموتى .
وإياك ودعوة المظلوم فانها تستجاب ، ومن استطاع منكم أن يشهد الصلاتين العشاء والصبح ولو حبواً فليفعل)( ).
وتضمنت آية البحث الدعوة إلى التآلف بين الناس ، والمبادرة إلى الإحسان والرفق والعفو لوحدة الأصل ، إذ خلق الله عز وجل الناس من آدم ، ولو شاء لخلق الملايين دفعة واحدة وجعلهم ينتشرون في الأرض ، ولكنه سبحانه أبى إلا أن يبين بديع صنعه في كل ذرة من الخلائق .
وفي الآية بشارة زيادة النسل ، والتكاثر بين الناس بالزواج كقرين شرعي ، لقوله تعالى وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا.
وتدعو آية البحث إلى صلة الأرحام ، لما فيها من أسباب الصلاح في الدنيا ، والثواب العظيم في الآخرة .
وتتضمن خاتمة آية البحث إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا البشارة للمؤمنين الذين يتقون الله عز وجل ، ويمتثلون لأوامره ويجتنبون معاصيه لأن الله عز وجل يحصي ما يفعلون من الصالحات .
و(عن عبد الله بن عمرو يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء ، الرحم شجنة من الرحمن فمن وصلها وصله ومن قطعها قطعه .
وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود قال : انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في قبة من أدم حمراء في نحو من أربعين رجلاً فقال : إنه مفتوح لكم وإنكم منصورون ومصيبون .
فمن أدرك منكم ذلك فليتق الله وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر وليصل رحمه ، ومثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل البعير يتردى فهو يتردى بذنبه)( ).
ومن البشارة في آية البحث إخبارها عن استدامة انتشار الناس في الأرض وتكاثرهم وإزدياد أعدادهم ، ليشكر الناس الله عز وجل على نعمة الخلق وعمارة الأرض مع سعتها .
الآية إنذار
من مصاديق البشارة والإنذار في آية البحث ابتداؤها بالنداء العام [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] إذ نزل هذا النداء والناس على أقسام :
الأول : مسلمون .
الثاني : أهل كتاب .
الثالث : كفار .
فأراد الله عز وجل بآية البحث قيام الصلة بينه وبين كل إنسان بتقوى الله والخشية منه تعالى .
وآية البحث مدد سماوي لتقريب الناس إلى منازل الهداية وترغيبهم بتقوى الله واتيان العبادات ، وهي إنذار لمن يصر على الكفر والجحود ، ووعيد لمن يرتكب المعاصي ، ويمتنع عن تقوى الله والخشية منه تعالى .
ثم أن الآية تدعو إلى صلة الأرحام وهي مركبة من أمرين :
الأول : صلة القربى .
الثاني : طاعة الله .
وصلة القربى عامة بين الناس.
و(عن عمرو بن عبسة قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أول ما بعث ، وهو بمكة فقلت : ما أنت؟ قال : نبي . قلت : بم أرسلت؟ قال : بأن تعبد الله وتكسر الأصنام وتصل الأرحام بالبر والصلة)( ).
ومن الأحاديث النبوية التي هي مرآة للغة الإنذار في آية البحث ما ورد (عن سعيد بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الرحم شجنة من الرحمن فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله)( ).
وخاتمة آية البحث [إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا] ( ) إنذار للذين كفروا في الدنيا ، ووعيد لهم في الآخرة لتخلفهم عن تقوى الله ، قال تعالى وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ.
ويدل النداء العام وتكرار وجوب تقوى الله في آية البحث على إنذار الذين كفروا وسوء عاقبتهم .
ومع تضمن آية البحث الإخبار عن انتشار الناس في أقطار الأرض بفضل ونعمة من عند الله عز وجل .
فهل تتضمن صيغة الماضي [وَبَثَّ مِنْهُمَا] الإنذار من إنقطاع الحياة الدنيا بالنفخ في الصور ، الجواب نعم .
لبيان وجوب مبادرة الناس إلى تقوى الله بأداء الفرائض العبادية ، والإمتناع عن المعاصي ، وهو من أهم أسباب إرجاء أوان النفخ في الصور.
لذا عندما ألح الناس على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإخبار عن أوان قيام القيامة لم يجبهم لأنه من علم الغيب الذي اختص الله تعالى به نفسه ، قال تعالى يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.
وقد ورد لفظ (يسألونك) خمس عشرة مرة في القرآن .
كما ورد يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ مرة واحدة في القرآن .
و[يَسْأَلُكَ النَّاسُ] مرة واحدة أيضاً بقوله تعالى [يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا] ( ).
فمثلما يسأل الناس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الساعة نزلت آية البحث بالنداء لهم جميعاً لبيان سبل النجاة عند قيام الساعة بتقوى الله وصلة الأرحام وبر الوالدين .
وتقوى الله سور الموجبة الكلية للإيمان وعمل الصالحات ، لذا ورد الأمر بتقوى الله مكرراً مرتين في آية البحث .
وقال تعالى وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ.
من مصاديق الإنذار في آية البحث
من خصائص الأمر بتقوى الله أنه بشارة وإنذار ، بشارة للنجاح والفلاح في النشأتين ، وإنذار من ترك تقوى الله والخشية منه ، ومن تقوى الله بلحاظ آية السياق طاعة الله في حفظ المال والملك الشخصي وعدم تركه بيد الصبيان والذين سرعان ما يغرر بهم ،ويفتنون .
وفي الآية تحذير من إباحة التصرف في الأموال للذين يعرضونها للضياع والفساد .
وهل تدل آية السياق على أن الرزق محدود فاذا فرط الإنسان وترك ماله بيد السفهاء ، وتم تبذيره لا يأتي غيره ، الجواب لا ، فصحيح أن الله عز وجل جعل لكل إنسانا رزقاً مكتوباً إلا أن عنده فضل عظيم زائد عن الرزق الحلال وعما مكتوب للناس جعله الله لمن يدعوه ويسأله ، وفيه وجوه :
الأول : قانون الدعاء من التقوى .
الثاني :قانون التقوى واقية من الإسراف والتبذير .
الثالث : من التقوى الإنفاق على العيال لذا يستحب معه قصد القربة.
وهل يدل قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (اتقوا الله في الضعيفين اليتيم والمرأة ) على أنهما من السفهاء ، الجواب لا ، للتباين الموضوعي ، فهذا الحديث مصداق لما ورد في آية البحث من الصلة بالأرحام ، وما جاء في آية السياق بقوله تعالى وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا.
الصلة بين أول وآخر الآية
آية البحث أول آية من سورة النساء بعد البسملة وابتدأت بالنداء العام [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] وهو من مصاديق عالمية رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومصاديق قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا.
وتجتمع البشارة والإنذار بالنداء العام كما في قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا…، فمن يعمل بأحكام ومضامين آيات النداء العام يفوز بالثواب العظيم ، ومن يمتنع عن العمل بها يلقى العذاب في الآخرة.
وبعد النداء العام للناس جميعاً في آية البحث جاء الأمر بتقوى الله والخشية منه تعالى الذي جعل الدنيا دار امتحان واختبار ، وميداناً لعبادته ودعائه ، ثم بينت الآية من أسباب تقوى الله وهو أن الله هو الذي خلق الناس وخلقهم من نفس واحدة وهو آدم فتكاثروا بفضل ومشيئة من عند الله .
ولم يغادر آدم الدنيا إلا وقد بلغ أبناؤه وأحفاده أربعين ألفاً ، إذ عمر آدم نحو ألف عام .
وذكرت آية البحث الله عز وجل بصفة الربوبية المطلقة والعامة للناس ، لجعل النفوس تحب الله عز وجل وتدرك وجوب عبادته ، والثناء عليه ، شكراً له على نعمة الخلق ، وكثرة الناس ذكوراً وإناثاً .
ثم ذكرت الآية تقوى الله بذكر اسم الجلالة ، لبيان استحقاق الله عز وجل الخشية منه لربوبيته للناس ، ولأن له ملك السموات والأرض ، وأن الناس يذكرونه في لغة التخاطب والمناشدة والمعاملات ومنه أسالك بالله ، أسالكم بالله والرحم .
ثم ذكرت آية البحث الأرحام وصلات القربى ، ولزوم تعاهدها بالسلام والمودة والإعانة والتكافل والتعاضد في أمور الصلاح ، وسبل الهداية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وأختتمت الآية بالإخبار بأن الله عز وجل يرقب أقوال وأعمال الناس جميعاً ، وهي حاضرة عنده ، وهذه الرقابة ليست مجردة بل يأتي معها الجزاء العاجل ، وتكون مادة للحساب والثواب في الآخرة ، فمنها إحصاء أعمال الناس .
وتدل خاتمة الآية بالدلالة التضمنية على علم الله عز وجل بكل ما يفعل الناس ، مما يلزم معه الخشية منه تعالى .
ومن خصائص آية البحث جمعها بين أمور :
الأول : تقوى الله .
الثاني : بيان بداية خلق الله .
الثالث : ذكر الله في آية البحث ثلاث مرات ، مرة بعنوان الربوبية العامة للناس ، واثنتين بذكر اسم الجلالة .
الرابع : العناية بالأرحام ، ترى ما هي الصلة بين ذكر بداية خلق الناس من نفس واحدة ، والأمر بصلة الأرحام ، الجواب إرادة التوسعة بصلة الرحم ، وعدم حصرها بالأقربين من الأبوين والإخوة ، بل يشمل العمومة والخولة .
وتقدير الجمع بين مضامين آية البحث على وجوه :
الأول : [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ] فذات ربوبية الله عز وجل المطلقة للناس تستلزم منهم طاعته والخوف من عقابه .
الثاني : [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ] ليجمع هذا الشطر بين سببين من أسباب تقوى الله ، فمع الربوبية المطلقة تذكر الآية فضل الله عز وجل على الناس بخلقهم جميعاً وانتشارهم في الأرض ، لبيان بديع صنع الله من جهات :
الأولى : قانون كل إنسان مخلوق من عند الله عز وجل .
الثانية : قانون ولادة كل إنسان بمشيئة من عند الله عز وجل .
الثالثة : قانون لزوم شكر الله عز وجل على نعمة الخلق بتقواه والخشية منه .
الثالث : يا أيها الناس من المسلمين وأهل الكتاب وغيرهم اتقوا ربكم .
الرابع : يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي بث رجالاً كثيراً ونساءً من نفس واحدة .
الخامس : يا أيها الناس اتقوا الله .
السادس : يا أيها الناس إنكم تساءلون بالله والأرحام .
السابع : يا أيها الناس تساءلوا بالله والأرحام
الثامن : يا أيها الناس إن الله كان عليكم رقيباً .
ابتدأت آية البحث بلغة النداء العام للناس جميعاً [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] وأمرت بتقوى الله ، ثم أخبرت عن ربوبية الله المطلقة ، وخلقه للناس ببديع صنعه تعالى إذ أن مليارات الناس مخلوقون من نفس واحدة ، وجعلهم الله ينتشرون في الأرض طلباً للرزق .
ثم عادت الآية بالأمر بتقوى الله توكيداً ، ولبيان أن الله عز وجل هو رب الناس والخلائق كلها .
ولتكون التقوى سور الموجبة الكلية الذي يشمل الناس جميعاً.
من غايات الآية
لقد توجهت خطابات القرآن إلى الناس جميعاً ، وهل يدل قوله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] على حفظ وسلامة القرآن من التحريف ، الجواب نعم ، لأن الله عز وجل أراد بالقرآن مخاطبة أجيال الناس المتعاقبة إلى يوم القيامة .
وفي هذا الخطاب مسائل :
الأولى : الرحمة العامة بالناس ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
الثانية : تذكير الناس جميعاً بوجوب تقوى الله ، وعبادته وفق ما أمر به.
الثالثة : تلاوة كل مسلم ومسلمة القرآن كل يوم دعوة للناس للإيمان ، فمن هذه التلاوة آية البحث ، والآيات التي تخاطب الناس جميعاً ، لذا يقرأ المسلمون القرآن جهرة في صلاة الصبح ، والمغرب والعشاء .
الرابعة : آية البحث بلاغ للناس جميعاً ، قال تعالى هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ.
ولم تأمر الآية الناس ببذل الأموال والنفوس إنما أمرتهم بتقوى الله ، نعم من التقوى أداء الصلاة والزكاة والصيام ليعم الأمن والسلم المجتمعات.
و(عن عكرمة في قوله الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ قال : قال ابن عباس : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يقول الله تعالى : صلوا أرحامكم فإنه أبقى لكم في الحياة الدنيا ، وخير لكم في آخرتكم)( ).
لبيان أن صلة الأرحام منسأة في الأجل ، وإطالة في العمر وكتابة الحسنات هذا في الدنيا ، أما في الآخرة فالأجر والثواب .
ومن صلة الأرحام الإجتهاد في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ، ويدل عليه قوله تعالى وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، في خطاب وأمر من الله إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
والخطاب في الآية خاص لفظاً ، وهل هو عام في معناه ، الجواب نعم ، فكل مسلم يلزمه إنذار عشيرته الأقربين ، ومنه صلة الأرحام بالإنذار من الإبتعاد عن تقوى الله التي جاءت بها آية البحث ، وهذا الإبتعاد سبب للعذاب في الآخرة .
وعن عبد الله بن عباس عن الإمام علي بين أبي طالب عليه السلام (لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال لي : يا عليُّ إنَّ الله أمَرَنِي أنْ أُنْذِرْ عَشِيرَتِي الأقْرَبِين .
قال : فضقت بذلك ذرعا، وعرفت أنى متى ما أنادهم بهذا الأمر أَرَ منهم ما أكره، فصمتُّ حتى جاء جبرائيل، فقال: يا محمد، إنك إلا تفعل ما تؤمر به يعذّبك ربك .
فاصنع لنا صاعا من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واملأ لنا عسا من لبن ، ثم اجمع لي بني عبد المطلب، حتى أكلمهم، وأبلغهم ما أمرت به.
ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم له، وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه، فيهم أعمامه : أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب.
فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم، فجئت به. فلما وضعته تناول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حِذْية من اللحم فشقها بأسنانه ، ثم ألقاها في نواحي الصحفة .
قال : خذوا باسم الله ، فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة، وما أرى إلا مواضع أيديهم; وايم الله الذي نفس علي بيده إن كان الرجل الواحد ليأكل ما قدمت لجميعهم .
ثم قال : اسْقِ النَّاسَ ، فجِئْتُهُمْ بذلك العس، فشربوا حتى رووا منه جميعا، وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله; فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكلمهم .
بدره أبو لهب إلى الكلام، فقال : لَهَدَّ ما سحركم به صاحبكم ، فتفرّق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فقال : الغد يا عليّ، إن هَذَا الرَّجُل قدْ سَبَقَنِي إلى ما قَدْ سَمِعْتَ مِنَ القَوْلِ، فَتفرّق القوم قبلَ أنْ أُكَلِّمَهُمْ فأعِدَّ لَنا مِنَ الطَّعَامِ مِثْلَ الَّذِي صَنَعْتَ ، ثُمَّ اجْمَعْهُمْ لِي .
قال : ففعلت ثم جمعتهم، ثم دعاني بالطعام، فقرّبته لهم، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا حتى ما لهم بشيء حاجة .
قال : اسقهم ، فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعًا، ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ ، إنِّي والله ما أعْلَمُ شابا فِي العَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بأفْضَلَ ممَّا جئْتُكُمْ بِهِ، إنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا والآخِرَة ِ، وَقَدْ أمَرَنِي الله أنْ أدْعُوكُمْ إلَيْهِ، فَأيُّكُمْ يُؤَازِرُني عَلى هَذَا الأمْرِ، عَلى أنْ يَكُونَ أخِي”وكَذَا وكَذَا ؟
قال: فأحجم القوم عنها جميعا، وقلت وإني لأحدثهم سنا، وأرمصهم عينا، وأعظمهم بطنا، وأخمشهم ساقا. أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك، فأخذ برقبتي .
ثم قال : إن هذا أخي”وكذا وكذا، “فاسمعوا له وأطيعوا .
قال : فقام القوم يضحكون ، ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع)( ).
ولو حلف شخص على القطيعة مع أحد أرحامه أخبرت آية البحث ببطلان هذه اليمين ويكفر عنها ، ولا يحتج عندما يؤمر بالصلح بالقول عليّ يمين .
آية البحث فقاهة في أصل الخلق
لقد أخبرت آية البحث بأن الناس خلقوا من نفس واحدة وهو آدم ، لبيان قانون من الإرادة التكوينية وهو وحدة جنس الناس في أصل خلقهم ، ولمنع الجدال وإدعاء بأن أصل الناس من جنس آخر ، ولا عبرة بالقليل النادر في المقام أي بما يدعيه بعضهم خلاف هذا القانون ، فمثل هذا الإدعاء سرعان ما يخفت وينطفئ ومن أسبابه اجتماع العقل والتنزيل على الأنبياء على قانون اتحاد سنخية البشر .
وتبين آية البحث بيان كيفية بداية خلق الناس بأنهم من نفس واحدة ، وقد تقدم في بدايات سورة البقرة كيفية خلق الله عز وجل لآدم والنفخ فيه من روحه ، فانتشار الناس في الأرض معجزة متعددة لا يقدر عليها إلا الله ، وأمر الله الناس بشكره والثناء عليه بالتقوى .
وفي قوله تعالى قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ورد عن ابن عباس (كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة من جميع قريش ، فلما كذبوه وأبوا أن يبايعوه ، قال : يا قوم : إذا أبيتم أن تبايعوني فاحفظوا قرابتي فيكم ولا يكون غيركم من العرب أولى بحفظي ونصرتي منكم)( ).
والخطاب في الآية أعلاه أعم من سبب النزول .
وبالإسناد (عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لما نزلت قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى قالوا : يارسول الله من قرابتك هؤلاء الّذين وجبت علينا مودّتهم، قال : علي وفاطمة وأبناءهما)( ).
وورد لفظ (ابناءهما) بصيغة الجمع وليس بصيغة التثنية مما يدل على شموله لأئمة أهل البيت عليهم السلام .
(وعن زيد بن علي بن حسين، عن أبيه، عن جده علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال : شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حسد النّاس لي ، فقال : أما ترضى أن تكون رابع أربعة ، أول من يدخل الجنّة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمالنا ، وذريتنا خلف أزواجنا وشيعتنا من ورائنا)( ).
وفي الآية مسائل :
الأولى : جاءت كلمة [بَثَّ مِنْهُمَا] بصيغة الماضي للأخبار على كثرة ذرية آدم وحواء ، والبشارة باستمرار الحياة الدنيا بشرط تقوى الله.
الثانية : لقد تفضل الله عز وجل وقرن الإحسان للوالدين وصلة الرحم بطاعته ، قال تعالى وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا.
ونزلت آية البحث لتوكيد صلة الأرحام وحضورها في المعاملات والصلات العامة ، وإعانتهم والوصية لهم ، وكف الأذى عنهم .
الثالثة : وجوب اقرار الناس بأن الله عز وجل رقيب عليهم ، ويعلم بأفعالهم ، ليحضر هذا الإقرار عند الإنسان عند اتيانه فعلاً معيناً ، فينتظر هل هذا الفعل يرضي الله ، هل فيه تقوى الله ، وليسعى في صلة الإرحام ونشر مفاهيم المودة واللطف بين الناس.
التفسير
تفسير [يَا أَيُّهَا النَّاسُ]
نداء عام للناس جميعاً مع اختلاف مللهم ومذاهبهم لبيان أن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأجيال الناس المتعاقبة في كل زمان ، إذ يتفضل الله عز وجل ويخاطب الناس جميعاً في القرآن ليقوم النبي محمد بالتبليغ ، وفيه شاهد على المسؤولية العظمى التي انفرد بها الرسول محمد من بين الأنبياء والرسل بقيامه بالتبليغ العام ، والسعي لإيصال آيات وأحكام القرآن إلى الأبيض والأسود والأحمر .
و(عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض ، فجاء بنو آدم على قدر الأرض . جاء منهم الأحمر ، والأبيض ، والأسود ، وبين ذلك والسهل ، والحزن ، والخبيث ، والطيب)( ).
وورد نداء [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] عشرين مرة في القرآن وهي :
 مرتان في سورة البقرة الآيتان 21 و168 .
 مرتان في سورة النساء آية البحث ، والآية 133 .
كما ورد قوله تعالى [أَيُّهَا النَّاسُ] في هذه السورة من غير أداة نداء بقوله تعالى إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا.
 أربع مرات في سورة يونس ، الآيات (23 و 57 و 104 و108) وهذه السورة مكية .
 أربع مرات في سورة الحج ، الآيات (1 و5 و49 و73) وهذه السورة مكية .
 مرة واحدة في سورة لقمان ، الآية (33).
 ثلاث مرات في سورة فاطر ، الآيات (3 و5 و15).
 مرة واحدة في سورة الحجرات ،الآية (13) .
وكما ابتدأت آية البحث بالأمر إلى الناس جميعاً بتقوى الله بينت آية أخرى وجوب عبادة الله بقوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
وتبين الآية أعلاه أن النسبة بين التقوى والعبادة عموم وخصوص مطلق ، فالتقوى أعم ، وكما ورد الأمر بتقوى الله في آية البحث للناس جميعاً ، فقد ورد بخصوص المسلمين بقوله تعالىقُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
لبيان توجه الأمر بتقوى الله مرتين للمسلمين ،إذ يشتركون مع عامة الناس في آية البحث ،ويستقلون بالآية أعلاه لتأكيد وظائفهم العبادية .
وهل تدل هذه الآية على أن غير المسلمين لم يكلفوا بالفروع ، الجواب لا .
ويدل النداء العام [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] في القرآن على رحمة الله عز وجل بالناس جميعاً لوجوه:
الأول : قانون النداء العام في القرآن تقريب للإيمان .
الثاني : قانون النداء العام في القرآن رحمة ولطف من عند الله .
الثالث : قانون تساوي المسلم وغير المسلم ، بالنداء العام في القرآن ، ويمتاز المسلم بتلقي النداء ومضامين آياته بالقبول والعمل والإمتثال .
الرابع : قانون تجدد النداء العام القرآني في كل زمان وإلى يوم القيامة .
الخامس : النداء العام من بركات رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السادس: النداء العام في القرآن ترغيب للناس للإنصات لآياته ،والتدبر في معانيها ودلالاتها .
نداء [يَا أَيُّهَا النَّاسُ]
ورد نداء [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] في القرآن عشرين مرة ابتدأت بالآية الواحدة والعشرين من سورة البقرة يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
وورد مرة واحدة خطاباً من سليمان إلى الناس في بيان معجزات آل داود وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ.
ومرة واحدة من غير (يا) النداء بقوله تعالى إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا.
ليشمل المسلم والكتابي وغيرهما إلى يوم القيامة ، ويرد خطاباً للناس من غير واسطة كما في أول آية البحث ، كما يأتي بصيغة الأمر إلى النبي محمد بأن يخاطب الناس على نحو العموم الإستغراقي .
وقد ورد [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] تسعين مرة في القرآن .
والنسبة بين موضوع الندائين وجهة الخطاب فيها عموم وخصوص مطلق ، فنداء [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] أعم ويشمل الناس جميعاً ، أما نداء [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] فيختص بالمسلمين والمسلمات .
علم المناسبة
الناس اسم جنس لآدم وحواء وذريتهما ، مفرده إنسان ، وورد لفظ (الناس) في القرآن مائتين وأربعين مرة ، وورد فيه النداء [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] عشرين مرة.
لبيان عالمية رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وعموم أحكام التنزيل وتغشيها الناس جميعاً ، وأنهم مكلفون في الدنيا ، ولا يتوقف التكليف على الإيمان كما أمر الله عز وجل المسلمين بالإحسان إلى الناس جميعاً ، ومنه قوله تعالى [وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا] ( )، ومن الحسن في المقام أمور :
الأول : الدعوة إلى الله وبيان وجوب عبادته .
الثاني : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الثالث : إفشاء السلام .
الرابع : الكلام الطيب .
الخامس : قانون الحض على التحلي بالتقوى .
وتدل الآية أعلاه على النهي عن القول القبيح وعن السب والشتم ، قال تعالى وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
وعندما تعددت جراحات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أحد (قيل يا رسول الله ، ألا تلعن قريشاً بما أتوا إليك .
فقال : لم أبعث لعاناً إنما بعثت رحمة ، يقول الله وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ))( ).
وكما ذكرت آية البحث وجوب تقوى الناس لله وأنه سبحانه خلقهم من نفس واحدة ، فقد أخبرت آية أخرى بأن الله خلق الناس جميعاً بقوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
للزجر عن القول بأن الله خلق آدم وحواء ثم ترك ذريتهما تتكاثر بانتظام وقانون سابق من الإرادة التكوينية .
إذ تبين الآية أعلاه قانون لا يولد مولود إلا بأمر وإذن من عند الله ، وأن الصلة بين الله عز وجل وبين كل إنسان هي صلة الخالق والمخلوق ، والرب والمربوب ، والغني والفقير ، والمعبود والعابد ، والمالك والعبد ، كما بينت أن الناس في الأجيال السابقة هم من خلق الله عز وجل .
وأن الله عز وجل خلق الناس لعبادته ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ.
وجاءت آية أخرى بالنداء للناس جميعاً بأن ينتفعوا من نعم الله عز وجل في الأرض ، فمن أسرار خلق الله عز وجل للناس جعلهم محتاجين للأكل والشرب ، ويميلون لطيب المذاق منه ، فأخبر الله عز وجل بأن الطيب هو الجامع بين الحلية واللذة ، قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
فلا يجوز للإنسان أن يسخر النعم الإلهية للمعصية ومحاكاة إبليس في إمتناعه عن طاعة الله .
ترى ما هي النسبة بين [اتَّقُوا رَبَّكُمُ] في آية البحث و[اعْبُدُوا رَبَّكُمُ] في الآية أعلاه ، المختار أنها العموم والخصوص المطلق ، فالتقوى أعم .
تفسير [اتَّقُوا رَبَّكُمُ]
بعد النداء العام لأجيال الناس المتعاقبة إلى يوم القيامة جاء الأمر لهم بتقوى الله الذي يتغشاهم على نحو العموم الإستغراقي والمجموعي والإفرادي ، فلابد أن يتقي الناس الله مجتمعين ومتفرقين ، وهذه التقوى من الشكر لله على خلقهم ، قال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.
وذكرت الآية الله عز وجل بصفة الربوبية المطلقة ، وفيه مسائل :
الأولى : لزوم إقرار الناس جميعاً بأن الله رب كل شئ .
الثانية : الله عز وجل هو خالق الناس ، والذي ينفرد بالعلم بما في الأكوان .
الثالثة : لا يقدر على تدبير شؤون العوالم مجتمعة ومتفرقة إلا الله عز وجل.
الرابعة : الله عز وجل هو الذي يرزق الناس ، وبيده الحياة والموت ، وشفاء المرضى ، وفي التنزيل وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ.
الخامسة : لقد تفضل الله عز وجل وأرسل الأنبياء والرسل ، وأنزل الكتب السماوية ليقر الناس بربوبيته ، ومن إعجاز القرآن وجوه :
الأول : قانون كل آية قرآنية دعوة سماوية لتقوى الله .
الثاني : من مصاديق قوله تعالى وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ بيان آية البحث لوجوب الإيمان بالله عز وجل إلهاً ورباً وخالقاً ومالكاً ، ولزوم تقواه وطاعته .
الثالث : تنفي آية البحث الإستثناء والتخصيص ، فيجب على كل إنسان تقوى الله عز وجل ، وفيه شاهد على أن قاعدة ما من عام إلا وقد خص ليس بتامة ، ومن الأدلة ورود صيغة العموم الإستغراقي في أول آية البحث بقوله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ] وجوه :
الأول : النداء العام للناس رجالاً ونساءً .
الثاني : الأمر بتقوى الله والخشية منه .
الثالث : ربوبية الله المطلقة .
وآية البحث حرب على الشرك ومفاهيم الضلالة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام :
الأول : الجهاد لإزاحة الشرك من الجزيرة .
الثاني: هدم الأصنام التي كانت منصوبة في البيت الحرام وفي المدن والقرى والطرق العامة .
الثالث : قانون تنزيه الأرض من الأصنام إلى يوم القيامة .
تبين آية البحث قانون لزوم التقوى على كل إنسان ، فلا تختص بالذين آمنوا ، وعلى الإنسان طاعة الله واجتناب غضبه وسخطه وعقابه الأليم ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوصي الناس بتقوى الله سواء في خطبه أو مجالسه وأحاديثه أو في وصاياه العامة والخاصة.
و(عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اتقِ الله حيثما كنت ، واتبعِ السيئة الحسنة تمحُها ، وخالقِ الناس بخلق حسن)( ).
النبي (ص) يحض على التقوى
أراد معاذ بن جبل (سفرا فقال : يا رسول الله أوصني قال : اعبد الله ولا تشرك به شيئا قال : يا رسول الله زدني قال : واذا أسأت فأحسن قال : يا رسول الله زدني قال : استقم ولتحسن خلقك)( ).
لبيان أن النبي محمداً يدعو للتحلي بسنن التقوى في الحل والترحال.
ومصاديق تقوى الله من وجوه :
الأول : قانون ملازمة المسلم لعبادة الله.
الثاني : قانون لزوم التنزه عن الشرك ، وهذا القانون شامل للناس جميعاً ، ويدل عليه أول آية البحث [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ] .
الثالث : قانون تدارك الإساءة بالإحسان واللطف ، وتقوى الله ، قال تعالى وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ.
الرابع : تفضل النبي محمد بزيادة أفراد التوصية لما فيه من البعث على عمل الصالحات ، وبيان قانون إقتران عبادة الله بالأخلاق الحسنة .
وهل هذا الإقتران من مصاديق تقوى الله ، الجواب نعم .
لبيان تجلي التقوى في كل فعل يقوم به الإنسان ، ومنه التعرض لأسباب المغفرة ، لذا تكرر الأمر بتقوى الله في آية البحث .
و(عن جَرِيرِ بنِ عبد اللَّهِ قال : كُنْتُ عند رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم في صدر النهار ، قال : فجاءَه قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ متقلِّدي السُّيُوف ، عَامَّتِهِم مِنْ مُضَرَ ، بلِ كلُّهم مِنْ مُضَرَ .
فتمعَّر وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لِمَا رَأَى بهم مِن الفَاقَةِ ، فدخل ثُمَّ خرج ، فأمر بلالاً ، فأَذَّن وأقَام ، فصلَّى ثم خَطَبَ ، فقال يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِلى آخر الآية [إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا] والآية التي في سورة الحشر اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ تَصَدَّقَ رَجُلٌ؛ مِنْ دِينَارِهِ ، مِنْ دِرْهَمِهِ ، مِنْ ثَوْبِهِ ، مِنْ صَاعِ بُرِّه ، مِنْ صَاعِ تَمْره .
حَتَّى قَالَ : وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَة .
قَالَ : فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجَزُ عَنْهَا ، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ ، قَالَ : ثُمَّ تتابَعَ النَّاسُ ، حَتَّى رأَيْتُ كُومَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ؛ حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةُ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً ، فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجُورِهِمْ شَيْءٌ ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً ، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ)( ).
التفسير بالتقدير
يكون تقدير هذا الشطر من الآية على وجوه :
الأول : يا أيها الناس اتقوا ربكم الله الذي له ملك السموات والأرض.
الثاني : اتقوا ربكم بعبادته وطاعته .
الثالث : اتقوا ربكم حَقَّ تُقَاتِهِ.
الرابع : اتقوا ربكم في السر والعلانية .
الخامس : اتقوا ربكم لتنجوا يوم القيامة .
السادس : اتقوا ربكم تتغشاكم الرحمة والبركة .
السابع : اتقوا ربكم ولا تخافوا الظالمين .
الثامن : اتقوا ربكم لقانون التقوى طريق دخول الجنة .
التاسع : اتقوا ربكم للنجاة من شدة مساءلة منكر ونكير في القبر.
العاشر : يا أيها الناس اتقوا ربكم مجتمعين ومتفرقين .
الحادي عشر : اتقوا ربكم الله فان التقوى لا تختص بالذين آمنوا .
الثاني عشر : اتقوا ربكم ليستجيب دعاءكم وييسر أموركم .
الثالث عشر : اتقوا ربكم باتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
الرابع عشر : اتقوا ربكم بالتنزه عن الشرك وعبادة الأوثان .
الخامس عشر : اتقوا ربكم بالطاعة ، قال تعالى وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ.
السادس عشر : اتقوا ربكم بالعمل بأحكام التنزيل ، وسنن النبوة .
السابع عشر : اتقوا ربكم بعمل الصالحات ، قال تعالى فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ.
الثامن عشر : يا أيها الناس تعاونوا على تقوى الله ، وهذا التعاون من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
التاسع عشر : اتقوا ربكم فان الله عز وجل يحب المتقين .
العشرون : اتقوا ربكم الله الذي لا إله إلا هو .
الواحد والعشرون : اتقوا الله بالسعي إلى دخول الجنة ، والحذر من العقوبة بالنار .
(وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز قال : ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل ، والتخليط فيما بين ذلك ، ولكن تقوى الله ، ترك ما حرم الله ، وأداء ما افترض الله ، فمن رزق بعد ذلك خيراً فهو خير إلى خير)( ).
الثاني والعشرون : اتقوا ربكم برحمة الآخرين والعفو عنهم ، والإمتناع عن الإضرار بهم .
وعن سعيد المقبري (قال : بلغنا أن رجلاًً جاء إلى عيسى فقال : يا معلم الخير كيف أكون تقياً لله كما ينبغي له؟ قال : بيسير من الأمر . تحب الله بقلبك كله ، وتعمل بكدحك وقوتك ما استطعت ، وترحم ابن جنسك كما ترحم نفسك .
قال : مَن ابن جنسي يا معلم الخير؟ قال : ولد آدم كلهم ، وما لا تحب أن يؤتى إليك فلا تأته إلى أحد فأنت تقي لله حقاً)( ).
الثالث والعشرون : اتقوا الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الرابع والعشرون : اتقوا الله باتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي التنزيل قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، لبيان قانون لزوم اقتران حب العبد لله عز وجل باتباع رسوله .
وأسأل الله عز وجل إصداري جزء من (معالم الإيمان) خاصاً بالتفسير بعلم التقدير ، في شواهد من القرآن ومنها [الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ].

التقوى خلق حميد
من معاني التقوى العزوف والتحامي عن المعاصي والذنوب ، ومنها الظلم والتعدي ، ووقاية النفس عن دنس الإثم والإساءة للناس ، ليكون من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ ترسيخ الأخلاق والسنن الحميدة بين الناس ، وهو الذي تجلى في الواقع أيام بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، من وجوه :
الأول : تنزه الناس عن شرب الخمر وعن الزنا والفواحش ، والعقاب عليها .
الثاني : وقف القتال بين القبائل ، وأسباب النهي والسلب والإغارة على الآمنين في الليل وعند ظلمة الفجر ، فبعد التعصب للقبيلة والحمية والثأر تغشت الناس قوانين وقواعد إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ.
الثالث : تحريم الوأد ، وقتل البنات ، ومن الإعجاز في المقام قضاء رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على أسباب الوأد ، إذ كان شطر من العرب يئد المولودة خشية تعرضها للسبي وصيرورة هذا السبي سبة وعاراً عليهم .
فانقطع الغزو بين القبائل وإلى الأبد بنزول القرآن وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : تحريم الظلم والتعدي مع شدة وتوالي الإنذارات القرآنية والنبوية على الظلم .
الخامس : الترغيب بعمل الصالحات والثواب العظيم على إتيانها .
السادس : تحلي المسلم بتقوى الله ظاهراً وباطناً ، وفي العلانية والسر ، قال تعالى وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ.
السابع : الإنفاق في سبيل الله ، والمبادرة إلى العفو والصفح .
الثامن : سيادة الأخلاق الحميدة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الناس .
ومن معاني قوله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ] دعوة الناس للإقتداء بالمسلمين بسنن التقوى ، ومنها الإرتقاء في المعارف والتهذيب ، وتحقيق السلم المجتمعي ونشر ألوية الأمن العام .
تقوى الله والأحكام التكليفية (بحث أصولي)
الأحكام التكليفية الشرعية خمسة وهي ثلاثة في باب الأمر وهي الوجوب والمندوب والإباحة ، واثنان في باب النهي وهما التحريم والكراهة مع فارق رتبي بين أفراد كل منهما :
الأول : الوجوب : وهو الفعل العبادي الذي يلزم المكلف إتيانه ، ويثاب فاعله ، ويعاقب تاركه مثل وجوب الصلاة والصيام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
والفرق بين الوجوب والواجب أن المراد من الوجوب هو الخطاب الشرعي وتعلقه بافعال المكلفين ، وهو حكم تكليفي معناه الإلزام ، كما في قوله تعالى أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا.
أما الواجب فهو متعلق الوجوب أي الفعل المطلوب بنحو اللزوم ، وذات فعل المكلف ، فاذا زالت الشمس عن كبد السماء ثبت واجب صلاة الظهر على المكلف وكذا بالنسبة لصلاة المغرب عند دخول وقتها .
فالوجوب وصف بالإلزام ، أما الواجب فهو وصف للفعل المطلوب مثل الصلاة في وقتها والنفقة على الزوجة .
وإذا تمت رؤية هلال شهر رمضان ثبت وجوب الصيام لقوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ. فالوجوب صيغة الأمر ، ومقتضى الأمر ، أما الواجب فهو الفعل المأمور به الذي يقع عليه هذا الإلزام .
ولا يجب تحصيل المال والإستطاعة لأداء فريضة حجة الإسلام ولكن إن حصلت الإستطاعة من الزاد والراحلة ونحوها وجب حج بيت الله الحرام ، ومثله في الزكاة لا يجب تحصيل المال الذي يبلغ نصاباً ليزكي ، لكن إذا تحقق النصاب وجب إخراج زكاته لقاعدة انه لا يتوجه الخطاب التكليفي في العبادات والمعاملات والعقود إلا بتوفر شروطها ، وانتفاء موانعها ، عندئذ يتحقق وجوب المقتضي وفقد المانع .
ويمكن القول أن الوجوب والواجب مما إذا اجتمعا افترقا ، وإذا افترقا اجتمعا .
وتقوى الله التي تكرر الأمر بها في آية البحث من الوجوب والإلزام على الناس جميعاً ، ومصاديقها الخارجية بأفعال العباد من الواجب .
الثاني : المندوب : وهو الفعل العبادي الذي يستحب إتيانه ، ويثاب على فعله ، ولا يؤثم أو يعاقب تاركه ، مثل الصلاة المندوبة ، والحج المندوب غير حجة الإسلام الواجبة .
الثالث : المباح : وهو الذي لم يتوجه طلب خاص من الشارع بخصوصه ، ولم ينه عنه ، وإنما يكون المكلف مخيراً بين فعله أو تركه من الأكل والشرب من الحلال ، ومثل المشي فانه مباح .
ولكن عندما يكون مقدمة عقلية للوصول إلى المسجد وأداء الصلاة يكون مستحباً ، سواء مع قصد القربة أو بدونها ومنه حلية وطئ الزوجة ليلة أيام الصيام ، قال تعالى أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ، أما إتخاذ المشي مقدمة لفعل معصية كالسرقة فهو محرم ، لحرمة المقدمة لحرمة ذيها .
وقطع المسافة لأداء حجة الإسلام عند تحقق الإستطاعة واجب ، لوجوب المقدمة لوجوب ذيها .
ومن أسماء المباح : الحلال ، والمطلق ، والجائز.
وإن كانت هذه الأسماء عناوين جامعة للواجب والمستحب والمباح .
وتأتي الإباحة في القرآن والسنة بألفاظ متعددة أخرى منها لفظ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.
و(عن جابر بن عبد الله، أن رجلاً جاء فقال: يا رسول الله، حلقت قبل أن أنحر. فقال: انحر ولا حرج ، قال: يا رسول الله، نحرت قبل أن أرمي. قال: ارم ولا حرج)( ).
ومنها [لَا جُنَاحَ] كما في قوله تعالى لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ.
ومنها لفظ الإذن والسكوت وعدم النهي عن الفعل ، ووجوه من السنة النبوية التقريرية .
أقسام الإباحة
يمكن تقسيم الإباحة إلى أقسام :
الأول : الإباحة الشرعية ، قال تعالى أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ.
الثاني : الإباحة العقلية ، وتتعلق بما لم يأت دليل بتحريمه على نحو الخصوص ، ويسمى في علم الأصول بأصالة البراءة ، مثل أكل الطيبات ، ولبس الثياب من القطن والكتان ونحوه ، بخلاف الحرير مثلاً الذي يحرم على الرجال .
الثالث : الإباحة العرفية ، وهي التي تعارف وتسالم الناس عليها من غير انكار أو مخالفة للشريعة فلابد للعرف من الإحتكام لأحكام الحلال والحرام ، وعدم الخروج عن الكتاب والسنة .
الرابع : المكروه : وهو في اصطلاح علم الأصول ما نهى الكتاب أو السنة عنه نهياً غير جازم ، وأخبر بأن تركه خير من فعله ، ولا يعني أن الله عز وجل يكره هذا الفعل ، فهو ليس بعرض واحد مع المحرم والكبائر والمفاسد التي يترتب عليها الإثم والعقاب ، وقد يقترب المكروه من مرتبة المباح مع وضوح الفارق بينهما .
وفي الحديث المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أبغض الحلال إلى الله عز وجل الطلاق)( ).
أقسام الحرام
الخامس : الحرام : وهو أمر الله عز وجل ورسوله بترك الشئ واجتنابه على نحو الحتم والإلزام ، كالزنا ، والخمر ، وعقوق الوالدين ، وجاء الإنذار بالعقاب عليه في الآخرة ، أو في الدنيا والآخرة .
يقال (وقد حَرُمَ عليه الشيء حُرْماً وحَراماً وحَرُمَ الشيءُ بالضم حُرْمَةً وحَرَّمَهُ الله عليه)( ).
ويمكن تقسيم الحرام إلى :
الأول : الحرام بالذات ، والذي ورد النهي عنه على نحو التعيين ،وأم الكبائر هو الشرك بالله ، ومنها قتل النفس ، وزواج المحارم ، والزنا وعقوق الوالدين ، والنسبة بين المساءلة عن الأرحام التي ذكرتها آية البحث وبين عقوق الوالدين عموم وخصوص مطلق ، قال تعالى وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
الثاني : الحرام بالعرض : وهو الذي يتعلق به التحريم والنهي الجازم لأمور خارجة عن ذاته ، ومنه ما يكون مقدمة للحرام ، كالسفر من أجل السرقة لذا حرم الإسلام الغزو والنهب والسلب بين القبائل .
وهل حرمة الزواج من أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حرمة بالذات أم بالعرض ، قال تعالى النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ.
المختار أنها حرمة بالعرض ، فاذا تزوج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم امرأة انتشرت حرمة زواجها من غير النبي ، سواء فارقها بطلاق أو عند موته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى .
وقد توفى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن تسع زوجات كن في عصمته وهن : سودة بنت زمعة ، وعائشة ، وحفصة ، وأم سلمة هند بنت أبي أمية ، وزينب بنت جحش ، وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان ، وجويرية بنت الحارث ، وصفية بنت حيي بن أخطب ، وميمونة بنت الحارث.
لذا إذا ورد سؤال ماهو الشئ الذي حرمه الله ولم يفعله أحد ، فانه الزواج من أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم تتزوج أي منهن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو من خصائصه في التنزيل والسنة والإكرام الخاص له .
وللضرورة أحكام في جواز استباحة بعض المحرم لما فيه حفظ الضروريات من حفظ الدين والمال والنفس والعقل والعرض كما في أكل الميتة لسد الرمق عند الضرورة وبقدرها ، قال فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
علم المناسبة
يمكن تسمية القرآن كتاب التقوى ، لما فيه من التوكيد على تقوى الله والخشية منه التي هي مادة صلاح للإنسان وتهذيب عمله ، وتحسين خلقه ، وهي منهاج حياة يومي ورقيب ذاتي يكون واقية في الآخرة .
والتقوى مصدر ، والأصل اللغوي لكلمة التقوى الجذر (وقى) يقال وقاه الله يقيه وقاية .
ويتضمن الوقاية والحفظ والستر والصيانة .
والتقوى في الإصطلاح هي الإمتثال لأوامر الله ، واجتناب ما نهى الله عنه خشية منه تعالى ، وللنجاة من عذابه ليكون من معاني التقوى الوقاية بطاعة الله من عقوبته .
وكما جاءت الأوامر الإلهية في القرآن بوجوب تقوى الله ، فقد وردت أحاديث نبوية عديدة تحث الفرد والجماعة على تقوى الله ، تارة بذكر التقوى بالاسم وأخرى بالدلالة والمعنى .
و(عن أبي ذر الغفاري رحمه الله(، قال قال رسول الله )صلى الله عليه و آله( اتق الله حيث ما كنت، و خالق الناس بخلق حسن، و إذا عملت سيئة فاعمل حسنة تمحوها)( ).
ومن تقوى الله بر الوالدين والإحسان إليهما ، و(عن أنس : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : إني أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه ، فقال : هل بقي أحد من والديك؟ قال : أمي .
قال : فاتق الله فيها ، فإذا فعلت ذلك فأنت حاج ومعتمر ومجاهد ، فإذا دعتك أمك فاتق الله وبرّها .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لنومك على السرير بين والديك تضحكهما ويضحكانك أفضل من جهادك بالسيف في سبيل الله)( ).
وفيه إشارة نبوية إلى قانون إظهار الإسلام وسيادته وإن تخلف أناس من المسلمين عن نصرته في ميادين القتال ، وأن مصاديق الجهاد متعددة منها ما يخص الإنسان في أسرته .
وقد توجه الخطاب والأمر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن بتقوى الله مرتين ، قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا .
فمن إعجاز سورة الأحزاب ابتداؤها بالأمر إلى النبي محمد بتقوى الله ، وهو خطاب خاص ، ومعناه عام شامل للمسلمين في أجيالهم المتعاقبة .
وقد ورد قوله تعالى [اتَّقُوا اللَّهَ] أربع مرات في القرآن ، وهذه الآيات هي:
الأولى : آية البحث .
الثانية : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيم.
الثالثة : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ.
الرابعة : قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
واختتمت هذه الآية بالنداء إلى المسلمين بلزوم تقوى الله ربهم ، فهل الصلة بين هذه الآيات من العموم والتخصيص ، الجواب لا ، إنما هو لبيان المسؤولية الإضافية على المسلمين ، فيأتيهم الأمر والتكليف من جهتين :
الأولى : النداء العام للناس ، ومنهم المسلمون .
الثانية : النداء الخاص للمسلمين .
مع موضوعية مضامين كل آية من هذه الآيات ، لتخبر الآية أعلاه من سورة الزمر البعث والترغيب بالإحسان للناس ، مما يلزم المسلمين اللطف والإحسان للناس ، والثناء على المحسن .
قانون تقوى الله واجب
تكرر الأمر من الله إلى الناس جميعاً بتقوى الله وصحيح أنه أمر قد يتبادر بأنه يتعلق بالواجب ، إلا أنه أعم .
فتقوى الله عز وجل تشمل الأحكام التكليفية الخمسة ، ويكون تقدير آية البحث على وجوه :
الأول : يا أيها الناس اتقوا ربكم واعملوا بالواجبات التي أمركم بها ، ومنها تقوى الله وصلة الأرحام .
الثاني : يا أيها الناس اتقوا ربكم بالمبادرة إلى المستحبات .
الثالث : يا أيها الناس لكم الانتفاع من المباح .
الرابع : يا أيها الناس من الأولى ترك المكروهات .
الخامس : يا أيها الناس اتركوا ما حرم الله ورسوله ، قال تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
ومن تقوى الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يشمل الوجوه الخمسة أعلاه .
قانون الحاجة العامة لتقوى الله
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ.
لبيان أن بديع صنع الله بخلق الناس جميعاً من نفس واحدة دعوة لهم لفعل ما أمر الله عز وجل به والإبتعاد عن المعاصي شكراً له تعالى على فضله في خلقنا جميعاً ، ومخافة سخطه وعذابه .
ويصح تقدير الآية على جهات :
الأولى : اتقوا الله رب السموات والأرض الذي خلقكم .
الثانية : اتقوا الذي خلقكم من نفس واحدة .
الثالثة : اتقوا الذي خلق من نفس واحدة زوجها .
لبيان تعدد أسباب تقوى الله عز وجل ، وقد تقدمت أربعة وعشرون وجهاً في تقدير الآية .
وتدل آية البحث على وجوب تقوى الله على الناس جميعاً ، وهل هي حاجة لهم ، الجواب نعم ، فهي حاجة للناس مجتمعين ومتفرقين في الدنيا والآخرة ، قال تعالى تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.
وأيهما يكون الناس فيه أكثر حاجة إلى تقوى الله :
الأولى : قانون حاجة الناس إلى تقوى الله في الحياة الدنيا .
الثانية : قانون حاجة الناس إلى تقوى الله في عالم البرزخ .
الثالثة : قانون حاجة الناس إلى تقوى الله يوم القيامة .
والصحيح هو الأخير لشدة أهوال يوم القيامة وطوله ،وكثرة مواطن الحساب والجزاء فيه ، لذا قال تعالى إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ، وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ.
وعن الإمام علي عليه السلام (يساق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا انتهوا إلى باب من أبوابها وجدوا عنده شجرة يخرج من تحت ساقها عينان تجريان ، فعمدوا إلى إحداهما فشربوا منها ، فذهب ما في بطونهم من أذى أو قذى وبأس ، ثم عمدوا إلى الأخرى فتطهروا منها ، فجرت عليهم نضرة النعيم .
فلن تغير أبشارهم بعدها أبداً ولن تشعث أشعارهم كأنما دهنوا بالدهان ، ثم انتهوا إلى خزنة الجنة فقالوا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ.
ثم تلقاهم الْوِلْدَان يطوفون بهم كما يطيف أهل الدنيا بالحميم ، فيقولون : ابشر بما أعد الله لك من الكرامة ، ثم ينطلق غلام من أولئك الولدان إلى بعض أزواجه من الحور العين ، فيقول : قد جاء فلان باسمه الذي يدعى به في الدنيا
فتقول : أنت رأيته؟ فيقول : أنا رأيته ، فيستخفها الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها ، فإذا انتهى إلى منزله نظر شيئاً من أساس بنيانه فإذا جندل اللؤلؤ فوقه أخضر ، وأصفر ، وأحمر ، من كل لون .
ثم رفع رأسه فنظر إلى سقفه فإذا مثل البرق . ولولا أن الله تعالى قدر أنه لا ألم لذهب ببصره .
ثم طأطأ برأسه فنظر إلى أزواجه وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ* وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ فنظر إلى تلك النعمة ، ثم اتكأ على أريكة من أريكته.
ثم قال الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا ثم ينادي منادٍ : تحيون فلا تموتون أبداً ، وتقيمون فلا تظعنون أبداً ، وتصحون فلا تمرضون أبداً)( ).
الأمر بالمعروف من التقوى
تقوى الله سور جامع لعالم القول والفعل ، وتدل آية البحث على حاجة الناس لاستحضارها في العبادات والمعاملات ، ومن أهم مصاديق التقوى اتباع الأنبياء ، والعمل بأحكام التنزيل ، وكما كان آدم أول البشر وهو الذي ذكرته آية البحث بقوله تعالى مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ.
ومن فضل الله وحجته البالغة على الناس أن آدم كان أول المتقين وكذا حواء ، لبيان أن أول من عمَّر الأرض المتقون .
وهل كانت تقوى آدم وحواء بمرتبة واحدة ، لأنهما خلقا في الجنة وعاشا فيها واختلط بالملائكة برهة من الزمن أم أن تقوى آدم هي الأكثر ، الجواب هو الثاني ، لوجوه :
الأول : النفخ من روح الله في آدم .
الثاني : تكليم الله عز وجل لآدم من غير واسطة ، وفي التنزيل قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ.
وهل كان تكليم الله عز وجل لآدم في الآية أعلاه قبل خلق حواء أم بعده ، الجواب هو الأول .
الثالث : كان آدم عليه السلام نبياً رسولاَ .
و(عن أبي ذر: قال: قلت: يا رسول الله : أريت آدم ، أنبيًّا كان؟ قال: نعم، نبيا رسولا كلمه الله قِبَلا فقال اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ))( ).
ويدل النداء العام في آية البحث [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] على عمل الناس مجتمعين ومتفرقين بسنن التقوى والخشية من الله عز وجل ، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وكل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب مستقل بذاته ، كما أنهما مجتمعان واجب آخر للملازمة بينهما ، وتدعو آية البحث الناس للتفقه في المعارف الإلهية ، ومعرفة مصاديق المعروف ، وأفراد المنكر ولو على نحو الإجمال .
وتفضل الله عز وجل وجعل القرآن تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، ومن هذا البيان معرفة مصاديق الأحكام التكليفية الخمسة التي هي الأصل في مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ليكون من تقدير آية البحث وجوه :
الأول : يا أيها الناس اتقوا ربكم بالأمر بالمعروف .
الثاني : يا أيها الناس اتقوا ربكم بالنهي عن المنكر .
الأمر بالمعروف طريق إلى التقوى
كما يتجلى قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من تقوى الله ، يتجلى قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طريق للذات والغير إلى مقامات تقوى الله ، من غير أن يلزم الدور أو التزاحم أو التعارض بينهما.
وهذا من بديع صنع الله عز وجل ، وتقريب الناس إلى منازل التقوى ، فمن لطف الله عز وجل أنه يأمر بالشئ ثم يقرب الناس لإتيانه ، وينهى عن الشئ ويتفضل ويجعل حجباً دون اتيانه .
وهل يصح القول بقانون كل آية قرآنية تقرب الناس إلى عمل المعروف ، وتبعدهم عن ارتكاب المنكر ، الجواب نعم .
ومن معاني الأمر العام للناس بتقوى الله السعي لمعرفة أفضل القربات ، وأظهر المهمات ومنها الإعانة على فعل الخير ، والتناصح بين الناس ، وصلة الأرحام والصبر في طاعة الله .
وهل من الأمر بالمعروف الدعوة إلى الإيمان والتصديق بنزول القرآن والعمل بأحكامه ، الجواب نعم .
فاصل المعروف هو توحيد الله عز وجل واتيان الفرائض العبادية ، وأصل المنكر الذي يجب التنزه عنه هو الشرك ، لذا كانت الأولوية في دعوة الأنبياء التوحيد .
ترى لماذا يلازم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الناس في عباداتهم ومعاملاتهم وفي الأسواق والمنتديات والبيوت ، الجواب لأنه الأصل في سنن التقوى .
وقد ذم الله عز وجل طائفة من الأمم السابقة ممن تركوا فعل المعروف ، والأمر به ، وارتكبوا المعاصي ، وامتنعوا عن النهي عن المنكر ، فجاءتهم اللعنة على لسان داود وعيسى بن مريم عليهما السلام ، لبيان قانون التقوى حرز وواقية دون اللعنة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جهاده في سبل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وفي فتح مكة في شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة قام بهدم ثلاثمائة وستين صنماً معلقة في البيت الحرام.
لتنتهي إلى الأبد عبادة الأوثان أو التزلف والتقرب إليها في الأرض.
وليكون قيام الفرد أو الجماعة أو الطائفة أو الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبباً لنزول الرحمة والرزق الكريم من عند الله عز وجل إلى جانب تدوين الملائكة لكل من الأمر والنهي ودعائهم للمؤمنين الذين يعملون الصالحات ، قال تعالى وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
التقوى في السنة النبوية
لقد كان قول وفعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مرآة وتفسيراً عملياً لآيات القرآن ، وهي أسمى مراتب التقوى والصلاح ، ترى ما هي النسبة بين قوله تعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وبين تقوى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب هو العموم والخصوص المطلق.
فتشمل التقوى العبادة وساعات الإنقطاع إلى الناس وحسن الخلق الذي هو شعبة من الوحي ، ولقد تحنث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في غار حراء حيث كان يتعبد الله فيه قبل بعثته بعيداً عن قومه وعبادتهم الأوثان ، وأكلهم الميتة ، وإنتشار الزنا والربا ، ووأد البنات والعادات المذمومة بينهم .
إذ كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ينكرعليهم هذا الأفعال ، وكان يتصف بالصدق والأمانة، ويتفكر في غار حراء في بديع خلق السموات والأرض .
وحراء غار صغير في جبل النور على بعد 4 كم عن المسجد الحرام ، ويصل ارتفاعه إلى نحو 634 م عن مستوى الأرض .
وبعد أن نزلت آيات القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يرجع إلى غار حراء، وعدم الرجوع هذا بالوحي وللقيام بوظائف النبوة ، ولم يذهب إليه الصحابة بعد البعثة ، لذا قيل بعدم مشروعية ما يفعله عُمار المسجد الحرام من إتخاذ غار حراء مزاراً والصلاة فيه .
ولكن زيارة هذا الغار تسليم برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وبيان موضوعية الإنقطاع إلى الله ، والسير في البقاع التي سار بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجاء الأجر والثواب .
وهل يشمل الخطاب في أول الآية يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ النبي محمداً أم أنه خارج بالتخصيص ، الجواب هو الأول لورود النداء في الآية شاملاً للناس على نحو العموم الإستغراقي ، نعم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإمام في التقوى في العبادات والمعاملات ، لذا فان العمل بسنته حاجة للناس ، قال تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا .
(عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَّ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَ عَطَاءً أَنَّهُ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَمَرَ امْرَأَتَهُ فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَأَخْبَرَتْهُ امْرَأَتُهُ فَقَالَ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يُرَخَّصُ لَهُ فِي أَشْيَاءَ( ) فَارْجِعِي إِلَيْهِ فَقُولِي لَهُ فَرَجَعَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ .
فَقَالَتْ قَالَ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يُرَخَّصُ لَهُ فِي أَشْيَاءَ فَقَالَ أَنَا أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِ اللَّهِ)( ).
ومن إعجاز القرآن منع آياته الإختلاف بين العلماء خاصة وأن بعضها يفسر بعضاً ، وإذ تكرر الأمر في آية البحث إلى الناس جميعاً بتقوى الله ، فقد ورد الأمر الخاص إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتقوى الله بقوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا.
وهل هذا الأمر الخاص لفظاً خاص حكماً أيضاً ، الجواب لا ، بل يشمل أجيال المسلمين والمسلمات جميعاً، وهل يشمل الخطاب في الآية أعلاه الناس جميعاً، الجواب لا، لما في الآية من النهي عن طاعة الكافرين والمنافقين ، وقد جاء النداء والأمر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعموم المسلمين بآيات متعددة تتضمن الأمر إليهم بتقوى الله ، منها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ.
وفي قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ .
(أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ] أن يطاع فلا يعصى ، ويذكر فلا ينسى)( ).
قانون توارث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
من خصائص الحياة الدنيا وجود أمة من المسلمين في كل زمان ، ويزداد عدد أفراد هذه الأمة مع بعثة كل نبي أو رسول ، ليكونوا من الذين يبادرون إلى التصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند بعثته .
وكان الأنبياء أئمة الناس بالأمر المعروف والنهي عن المنكر ، وتبعهم الصالحون في ذات النهج ، وفي التنزيل ورد عن لقمان في وصيته لابنه يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ.
لبيان أولوية العبادة البدنية والمالية ، إذ قدمت الآية إقامة الصلاة كصلة بين العبد وبين خالقه ، كما أنها تحجب صاحبها عن فعل المنكر ، وهل تحجب غيره ، الجواب نعم ، وهو من عمومات قوله تعالى إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
فأداء الصلاة واجب بالذات وهو من الأمر بالمعروف العملي وليس القولي وحده .
وفي حديث الإسراء ورد (عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : رأيت ليلة أُسري بي رجالاً تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت رجعت .
فقلت لجبريل : من هؤلاء؟ قال : هؤلاء خطباء من أمتك ، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ))( ).
لبيان أن الذين يأمرون بالمعروف والبر والإحسان ويتركونه ولا يأتونه يلقون العذاب الإبتدائي في عالم البرزخ ، ويوم القيامة يلقون في النار كما ورد (عن أسامة بن زيد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقولُ : يُجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار ، فتندلق به أقتابه ، فيدور بها كما يدور الحمار برحاه .
فيطيف به أهل النار فيقولون : يا فلان ما لك ، ما أصابك ، ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ، فيقول : كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه ، وأنهاكم عن المنكر وآتيه)( ).
فنزلت آية البحث لتأمر الناس بتقوى الله ، ومنها التحلي بأمور من سنن التقوى وهي :
الأول : قانون الملازمة بين العمل بالمعروف والبر والأمر به ، ليكون الآمر أسوة للناس ، وحجة في عمل الخير وحسنه الذاتي .
الثاني : قانون إجتناب المعصية وقبائح الأفعال ، والنهي عنها .
وفي أوامر لقمان الأربعة لابنه كما في الآية أعلاه دلالة على التقوى وتوارثها ، فان لقمان كان عبداً صالحاً ، وهبه الله الحكمة والفطنة والتقوى والصبر والقيام بالموعظة والإنذار من الشرك وعقوق الوالدين .
ولقمان عبد أسود البشرة من أهل النوبة من السودان جاءت آية من القرآن باسمه .
الثالث : حسن السمت وأداء الفرائض العبادية ترغيب للناس بالمعروف ، وبعث للنفرة في النفوس من القبائح.
الأوائل
تتضمن آية البحث في معناها ودلالتها أن أول الناس هو آدم ثم حواء ، وهما أول من عمّر الأرض ، وآدم أول نبي ، وهو نبي رسول كما في حديث أبي ذر عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن الأوائل :
 أول بيت في الأرض بني للعبادة هو المسجد الحرام .
 أول قتل في الأرض هو قتل قابيل ابن آدم لأخيه هابيل .
 أول من عذبت أمة نوح عليه السلام لأنهم ردوا دعوته المتكررة إلى الإسلام .
 نوح عليه السلام أول الرسل الخمسة أولي العزم .
 أول من خط بالقلم هو إدريس عليه السلام .
وقال مقاتل (إبراهيم أول من هاجر ومعه لوط) لما ورد في التنزيل إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ( ).
والمختار أن هجرة الأنبياء سبقت أيام بعثة إبراهيم .
 إبراهيم عليه السلام هو أول من وضع الأنصاب وعلامات أطراف وحدود الحرم بأمر من جبرئيل عليه السلام .
 أول من آمن بالنبي محمد هو خديجة والإمام علي عليهما السلام .
و(عن ابن عباس قال : لعلي أربع خصال ليست لأحد : هو أول عربي وأعجمي صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو الذي كان لواؤه معه في كل زحف ، والذي صبر معه يوم المهراس ، وهو الذي غسله وأدخله قبره)( ).
 أول شهيد في الإسلام هي سمية بنت خباط أم عمار بن ياسر .
 أول سورة نزلت من القرآن هي سورة العلق اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ *اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.
 أول معركة في الإسلام هي معركة بدر وكان المشركون فيها هم الغزاة المعتدون .
 أول من وضع نقط المصحف هو أبو الأسود الدؤلي بأمر من الإمام علي عليه السلام أيام خلافته في الكوفة .
وبالإسناد (عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن الحسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب عليهم السلام أنه قال أول من هشم من العرب جميعا جدنا هاشم .
 وأول من عرقب جعفر بن أبي طالب ذو الجناحين يوم موتة .
 وأول من ارتبط فرسا في سبيل الله تبارك وتعالى المقداد بن الأسود الكندي .
 وأول من رمى سهما في سبيل الله تبارك وتعالى سعد بن أبي وقاص.
 وأول شهيد في الإسلام مهجع .
 وأول مولود في الإسلام عبد الله بن الزبير .
 وأول من كاتب( ) لقمان الحكيم وكان عبدا حبشيا)( ).
والنسبة بين تقوى الله وكل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عموم وخصوص مطلق ، لذا فان قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ أمر إلهي للناس بالقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأن كلاً من هذا الأمر والنهي لا يختص بأهل ملة بل هو شامل للناس جميعاً .
وهل فيه شاهد على تكليف غير المسلمين بالفروع كتكليفهم بالأصول ، المختار نعم ، لأن المراد من [اتَّقُوا رَبَّكُمُ] في القول والفعل .
وتقوى الله من الأصول ، أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهما من فروع الدين ، ولابد من معرفة مصاديق المعروف ، وضدها من أفراد المنكر ولو إجمالاً ، للفوز بتقوى الله في القول والعمل .

مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار امتحان واختبار وابتلاء ، وهي مزرعة للآخرة بتعاهد تقوى الله التي ابتدأت آية البحث بالأمر بها للناس على نحو العموم الإستغراقي بفعل الصالحات وجني الحسنات ، والإحسان عن السيئات والمعاصي ، ومنها الأمر والنهي في مرضاة الله .
وفي الحديث المشهور عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان)( ).
لتكون مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على وجوه :
المرتبة الأولى : الإنكار باليد والفعل مع القدرة ، وانتفاء الضرر على الذات أو الغير ، ولا يعني الأمر باليد الضرب والقهر .
فذات الأمر باليد من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً ، وهل من الأمر باليد الإنفاق في موارد المعروف وتيسير أداء الناس الواجبات العبادية ، والإبتعاد عن السيئات والمعاصي ، الجواب نعم.
وهل من موضوعية للتقيد بأحكام القوانين الوضعية في البلد بخصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الجواب نعم .
فيجب أن لا يتعارض هذا الأمر والنهي مع القوانين السائدة ، نعم وظيفة العلماء البيان والتنبيه للحكام وعامة الناس والإنتفاع من وسائل الإعلام لبيان الحسن الذاتي للصالحات وأضرار المنكر .
ومن أضرار فعل المعاصي والسكوت عنه نزول البلاء العام بالناس ، فلذا ابتدأت آية البحث بالأمر إلى الناس جميعاً بتقوى الله عز وجل بقوله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ] لبيان مسائل :
الأولى : قانون تقوى الله نجاة من البلاء العام .
الثانية : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الوظائف العامة .
الثالثة : دعوة الناس للتعاون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وفي تفسير الإمام العسكري (ولقد أوحى الله فيما مضى قبلكم إلى جبرئيل، وأمره أن يخسف ببلد يشتمل على الكفار والفجار فقال جبرئيل: يارب أخسف بهم إلا بفلان الزاهد؟ ليعرف ماذا يأمر الله به.
فقال الله عزوجل: بل اخسف بفلان قبلهم.
فسأل ربه، فقال: يا رب عرفني لم ذلك وهو زاهد عابد؟ قال: مكنت له وأقدرته، فهو لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر، وكان يتوفر على حبهم في غضبي لهم.
فقالوا: يا رسول الله وكيف بنا ونحن لا نقدر على إنكار ما نشاهده من منكر .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر، أو ليعمنكم عقاب الله، ثم قال: من رأى منكم منكرا فلينكره بيده إن استطاع، فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه، فحسبه أن يعلم الله من قلبه إنه لذلك كاره)( ).
الأمر والنهي باللسان
المرتبة الثانية : الأمر والنهي بالقول واللسان ، وهل منه تلاوة آيات القرآن مطلقاً ومنه آية البحث والآيات الخاصة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الجواب نعم لقانون تلاوة القرآن والجهر بها من مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ.
وهذه المرتبة هي أوسع مراتب الأمر والنهي في المقام لشمولها الموعظة والقصة والإعتبار والتجربة والبرهان مع تقديم الرفق والإحسان ، وقد تكون الكناية ابلغ من التصريح .
و(عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله رفيق يحبّ الرفق في الأمر كله ويحبّ كل قلب خاشع حليم رحيم يعلّم الناس الخير ويدعوا إلى طاعة الله ويبغض كل قلب قاس ينام الليل كله فلا يذكر الله تعالى ولايدري يرد عليه روحه أم لا)( ).
وقال تعالى ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
وورد الخطاب في الآية خاصاً لفظاً ولكنه عام يشمل المسلمين والمسلمات ، وفيه دعوة للتفقه في الدين ، للحاجة العامة والخاصة لسلاح الحكمة ومعرفة مادة وكيفية الموعظة ، والجدال بالأحسن ، وهل من الجدال بالأحسن تحمل الإساءة اثناء الجدال ، المختار نعم .
وعندما يقابل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان القتال مع المشركين وكان لا يبدأ قتالاً ، إنما كان ينادي بين الصفين (قولوا لا إله إلا الله) ولم يقل وقولوا أني رسول الله ، مع أنه حقاً رسول من عند الله.
لبيان أن التوحيد سور الموجبة الذي يجب أن يلتقي عنده الناس لذا نزلت آية البحث بالأمر إلى الناس جميعاً بالتقوى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ.
الأمر والنهي بالقلب
المرتبة الثالثة : إذا عجز المسلم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان أو أن أسباباً حالت دونها كالتقية ، أو احتمال الضرر على الذات أو الغير ، أو عدم استماع الطرف الآخر للأمر والنهي يكون الإنكار بالقلب ، والإعراض عن مخالطة ومجالسة أهل المنكر .
وهل الإنكار في القلب من تقوى الله الوارد في آية البحث ، الجواب نعم ، ويرضى الله عز وجل بالقليل ، ويعطي عليه الكثير .
وهل الدعاء لإصلاح الناس أو جماعة أو فرد مخصوص منهم من تغيير المنكر باللسان أم بالقلب ، الجواب هو الأول .
و(روي عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال: لتأمرن بالمعروف، ولتنهن عن المنكر، أو ليسلطن الله شراركم على خياركم، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم، ومن تاريخ الخطيب باسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: سألت الله أن لا يستجيب دعاء حبيب على حبيبه)( ).
وهل الصبر والإحتساب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقلب ، الجواب إنه أعلى مرتبة .
وقد يكون الأمر بالمعروف والنهي المنكر واجباً كفائياً ، أو واجباً عينياً على السلطان أو على الأب بالنسبة لزوجته أو ابنه ، أو العكس .
ليكون من صلة الأرحام التي أكدت عليها آية البحث وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ.
وقد تقدم في الجزء الرابع والثلاثين بعد المائة وجوه :
أولاً : قانون تقديم المسلمين لإخوة الإيمان في القول والفعل والصلات العامة، وهو من مصاديق قوله تعالى[إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( ).
ثانياً : قانون عدم إنصات المسلمين للذين كفروا مع أنهم أخوتهم في الرحم والنسب.
ثالثاً : دعوة المسلمين لتحذير وإنذار الذين كفروا ، ونهيهم عن صدّهم عن سبيل الله، وفي خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال الله تعالىوَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ.
وهل يمكن القول بعموم التكليف في هذه الآية الجواب نعم، وتقدير الخطاب فيها على وجوه:
الأول : يا أيها المسلم أنذر عشيرتك الأقربين.
الثاني : يا أيتها المسلمة أنذري عشيرتك الأقربين.
الثالث : يا أيها الذين آمنوا أنذروا عشيرتكم الأقربين.
الرابع : يا أيها الناس أنذروا عشيرتكم الأقربين .
بلحاظ أن الأمر بالمعروف والنهي عن النكر من تقوى الله ، وقال تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ.
رابعاً : تأكيد صدق إيمان المسلمين , ومع أن إخوتهم بقوا على الكفر فانهم لم ينصتوا لهم ولم يرتدوا، ولم يتركوا منازل الهدى .
التوحيد
الحمد لله الذي ليس من إله غيره سواء في السماء أو الأرض وما بينهما ، وليس في الوجود إلى خالق ومخلوق ، والأصل في التوحيد واحد ، قال بعضهم في هذا الزمان بتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام تقسيماً لا أصل له .
والأشق في المقام أنه بني على هذا التقسيم تفريق المسلمين ببدعة في التصنيف والتقييم .
فقد يقال لبعض المسلمين : صحيح أنك مؤمن بوجود الله ، وأنه الخالق المدبر الرازق ، وهذا توحيد الربوبية ، ولكن الواجب أيضاً توحيد الإلوهية وتوحيد الأسماء والصفات ، وبما يصل إلى التجسيم والتشبيه ، وأنت لست مسلماً إلا أن تتبعنا في هذه المعاني لتتنزه عن الشرك إلى التوحيد بأقسامه الثلاثة وهي :
الأول : توحيد الربوبية ، وهو الإعتقاد بتفرد الله عز وجل بخلق الخلائق كلها ، وأنه الرزاق والملك ومدبر الأكوان ، وله المشيئة المطلقة ، واالرحمة والنفع والضر ، ومن توحيد الربوبية بعثة الأنبياء والرسل ، وقانون مصاحبة المعجزة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : توحيد الإلوهية : وهو اختصاص الله عز وجل بعبادة الملائكة والإنس والجن له وحده ، فلا تصرف لغيره ، فمتعلق توحيد الإلوهية أفعال العباد ، فلا يعيدون الأصنام ونحوها ، ولا يتوكلون إلا على الله .
ومن أجل تثبيت هذا التقسيم قالوا : أن الذين كفروا قالوا بتوحيد الربوبية كما في قوله تعالى وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ.
ولكنهم امتنعوا عن توحيد الإلوهية فقد امتنع المشركون عنه إنما عبدوا الأوثان ، وقربوا لها الأضاحي ، ونذرو لها ، وحرصوا على الوفاء بالنذر ، وإذا وعظهم وأنذرهم الرسول الذي بعثه الله لهم أعرضوا ، قال تعالى وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ.
وصاروا يفترون على الله عز وجل كما ورد في التنزيل وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
الثالث :توحيد الأسماء والصفات لإفادة الإقرار بالأسماء الحسنى والصفات العلا لله عز وجل ، وينقسم إلى قسمين :
الأول: إثبات ما أثبته الله عز وجل لنفسه في القرآن ،وما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الأسماء الحسنى والصفات ، وبما يتعلق بجلالة الله سبحانه ، ومن غير تعطيل لحقائقها ، أو تحريف لمضامينها القدسية.
الثاني: التنزيه ، وهو إثبات صفات الكمال والجلال المطلق لله عز وجل ، وتنزيهه عن كل نقص ، وعن المماثلة لخلقه ، وفي التنزيل لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ .
الصفات الحسنى
وصفات الله عز وجل على قسمين :
الأول: الصفات الذاتية كالعلم والقدرة .
الثاني : الصفات الفعلية التي إن شاء الله فعلها ، وإن شاء لم يفعلها مثل محو الذنب والخلق والرزق.
وفي تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية وتوحيد الإلوهية مسائل :
الأولى : لا أصل لتقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية ، وتوحيد الإلوهية ،ولا مانع من استقرائه من الآيات والسنة النبوية مع أنها جاءت باتحاد التوحيد .
وعن (ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن ، قال : إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب ، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم ، وإذا فعلوها فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم ، فترد على فقرائهم ، فإذا أطاعوا بهذا فخذ منهم ، وتوق كرائم أموال الناس)( ).
والتوقي : التجنب والإبتعاد ، وكرائم الأموال: أي أفضلها وأحبها إلى أهلها ، وتركها وعدم جعلها من أموال الصدقات والزكاة لا يتعارض مع قوله تعالى مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ.
والآية أعلاه وإن وردت بخصوص كفارة اليمين ، إلا أنها عامة خاصة وقد وردت ذم الإنفاق من الصنف الردئ من المال .
وعن ابن عباس (في هذه الآية قال : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لهم : إنّ لله في أموالكم حقّاً فإذا بلغ حق الله في أموالكم فاعطوا منه، وكان الناس يأتون أهل الصدقة بصدقاتهم ويضعونها في المسجد فإذا اجتمعت قسّمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهم.
قال : فجاء رجل ذات يوم بعد مارَقّ أهل المسجد وتفرّق هامهم بعذق حشف فوضعه في الصدقة، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبصره فقال : مَنْ جاء بهذا العذق الحشف قالوا : لا ندري يارسول الله.
قال : بئسما صنع صاحب هذا الحشف فأنزل الله تعالى هذه الآية)( ).
الثانية : لا بد من البيان بأن هذا التقسيم لا أصل له من الكتاب والسنة ، والسلف وأنه مستحدث.
الثالثة : قيام بعضهم بتسخير هذا التقسيم للإشكال على شطر من المسلمين في أعمالهم ،ولتكفير الملايين منهم بغير حق .

الانبياء يأمرون بالتقوى
من سنن الأنبياء أمرهم قومهم بتقوى الله ، وقد ورد قوله تعالى [فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ] عشر مرات في القرآن ، وتبين هذه الكثرة بعث الأنبياء بتقوى الله عز وجل لبيان أمور:
الأول : قانون السلامة في الحياة الدنيا بتقوى الله .
الثاني : قانون ملازمة الدعوة لتقوى الله للأنبياء .
الثالث: قانون الأنبياء أئمة الناس في التقوى .
الرابع: قانون الملازمة بين تقوى الله وطاعة الأنبياء والرسل .
ومن مصاديق هذه الطاعة العمل بنسخ الذي يأتي به الرسول اللاحق لبعض أحكام الشريعة السابقة ، وبخصوص ما ورد على لسان عيسى عليه السلام وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ … فانه شاهد على نسخ عيسى عليه السلام لبعض شريعة التوراة ،وهو لا يتعارض مع قوله تعالى وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ.
الخامس : حب الله عز وجل للمتقين ، وقد تكرر قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ثلاث مرات في القرآن ، ونزلت آية البحث بالأمر العام للناس بتقوى الله ، مع إقامة الحجة عليهم بأنه ربهم جميعاً ، وهو الذي خلقهم .
السادس : هذه الآيات شاهد على قانون مصاحبة الوحي للأنبياء ، فلم يأمروا الناس بطاعتهم إلا لأنهم يأمرون وينهون بالوحي .
وهذا البيان والكثرة من لطف الله عز وجل ، وتقريب الناس لمنازل الهدى والإيمان.
ولبيان قانون ليس من نبي إلا وجاء بالأمر بتقوى الله وطاعته ،كما كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يؤكد في سنته على التقوى ، وبحث على إتيان مصاديقها ، وكان أحياناً يستشهد بآية البحث للحث على التقوى.
وعن (جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم جُلُوسًا فِى صَدْرِ النَّهَارِ.
فَجَاءَ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِى النِّمَارِ عَلَيْهِمُ الْعَبَاءُ أَوْ قَالَ مُتَقَلِّدِى السُّيُوفِ عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ.
فَرَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَتَغَيَّرُ لِمَا يَرَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ فَدَخَلَ ، ثُمَّ خَرَجَ فَأَمَرَ بِلاَلاً فَأَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ فَخَطَبَ ، ثُمَّ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِلَى آخِرِ الآيَةِ .
ثُمَّ قَالَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ مِنْ دِرْهَمِهِ مِنْ ثَوْبِهِ مِنْ صَاعِ بُرِّهِ مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ . حَتَّى قَالَ : وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ .
قَالَ : فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ قَدْ كَادَتْ كَفُّهُ أَنْ تَعْجِزَ عَنْهَا بَلْ قَدْ عَجَزَتْ عَنْهَا فَدَفَعَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَتَتَابَعَ النَّاسُ فِى الصَّدَقَاتِ .
فَرَأَيْتُ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ وَجَعَلَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ وَقَالَ :مَنْ سَنَّ فِى الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا ، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْتَقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَىْءٌ)( ).
وعن ابن عباس قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ولو أن قطرة من الزقوم قطرت لأمرت على أهل الأرض عيشهم ، فكيف ممن ليس له طعام إلا الزقوم)( ).
منافع الأمر بالتقوى
لقد بعث الله عز وجل مائة وأربعة وعشرين ألف نبي ، وأولهم آدم عليه السلام وختمت النبوة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا.
وكل نبي إمام في تقوى الله ، وحث الناس على التقوى ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مجيؤه بالمعجزة العقلية وهو القرآن ليكون عضداً له في رسالته إلى يوم القيامة .
وآية البحث تعضيد للنبي محمد والمسلمين والمسلمات في البعث على تقوى الله وتعاهدها.
ترى ما هي منافع وآثار أمرالأنبياء الناس بتقوى الله ، الجواب من وجوه:
الأول : قانون توارث المسلمين ومن أيام آدم لتقوى الله .
الثاني : تقوى الله ضابطة كلية في معرفة عمل الصالحات .
الثالث: قانون الملازمة بين التصديق بالأنبياء والتقوى .
الرابع: قانون التقوى عهد الله في الأرض .
الخامس: قانون التقوى من سنن الخلافة في الأرض ، فعندما قال الله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً تفضل وقرب وأصلح الناس بالنبوة والتنزيل للتقوى والخشية منه تعالى بالغيب .
وذكر أن الصحابي (أبا الدرداء لما رأى ما أحدث المسلمون في الغُوطة من البنيان ونصب الشجر، قام في مسجدهم فنادى: يا أهل دمشق، فاجتمعوا إليه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ألا تستحيون! ألا تستحيون! تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون، وتأملون ما لا تدركون.
إنه كانت قبلكم قرون، يجمعون فيرعون، ويبنون فيوثقون ، ويأملون فيطيلون، فأصبح أملهم غرورًا، وأصبح جمعهم بورًا، وأصبحت مساكنهم قبورًا.
ألا إن عادًا ملكت ما بين عدن وعمان خيلا وركابًا، فمن يشتري مني ميراث عاد بدرهمين)( ).
قانون التقوى إخلاص وإحتراز
لقد أراد الله عز وجل للناس عبادته والإخلاص في طاعته ، وهذا الإخلاص واقية واحتراز من وسوسة الشيطان ، ومن إغواء النفس الأمارة بالسوء.
وقال تعالى وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا والمخرج هنا لفظ عام يشمل فتح أبواب الرزق الكريم ، وتيسير الأمور ، والآية أعلاه من الإرادة التكوينية ، وقانون تقوى الله في القول والفعل باب لقضاء الحوائج ، ويدل على هذا العموم ما ورد في سبب نزول الآية أعلاه .
و(عن ابن عباس قال : جاء عوف بن مالك الأشجعي فقال يا رسول الله : إن ابني أسره العدوّ وجزعت أمه فما تأمرني؟ قال : آمرك وإياها أن تستكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله.
فقالت المرأة : نعم ما أمرك ، فجعلا يكثران منها فتغفل عنه العدو فاستاق غنمهم فجاء بها إلى أبيه ، فنزلت [وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن إسحق مولى أبي قيس بن مخرمة قال : جاء مالك الأشجعي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له : أسر ابن عوف ، فقال له : ارسل إليه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمرك أن تستكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله وكانوا قد شدوه بالقد فسقط القد عنه ، فخرج فإذا هو بناقة لهم ، فركبها فأقبل.
فإذا بسرح للقوم الذين كانوا أسروه ، فصاح بها فأتبع آخرها أولها فلم يفجأ أبويه إلا وهو ينادي بالباب ، فأتى أبوه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأخبره ، فنزلت [وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا]الآية)( ).
وظاهر حديث آخر أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم تلا هذه الآية لمناسبة هذه الواقعة وليست هي سبباً لنزولها ، إذ ورد عن عبد الله بن مسعود (قال : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أراه عوف بن مالك فقال : يا رسول الله إن بني فلان أغاروا عليّ فذهبوا بابني ، وبكى فقال : اسأل الله ، فرجع إلى امرأته .
فقالت له : ما رد عليك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فأخبرها ، فلم يلبث الرجل أن رد الله إبله وابنه أوفر ما كان ، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فأخبره فقام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، وأمرهم بمسئلة الله والرغبة له ، وقرأ عليهم وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ))( ).
وفي الدعاء (يا من تحل به عقد المكاره، ويا من يفثأ به حد الشدائد ويا من يلتمس منه المخرج إلى محل الفرج، ذلت لقدرتك الصعاب،وتسببت بلطفك الأسباب، وجرى بطاعتك القضاء)( ).
لقد أراد الله عز وجل للناس الإخلاص في عبادته ، والذي يتجلى بعمل الصالحات بقصد القربة إليه تعالى ، والتنزه عن فعل السيئات .
ومن معاني تقوى الله وجوه:
الأول : إخلاص العبادة لله عز وجل.
الثاني: اتيان الواجبات العبادية بقصد القربة إلى الله .
الثالث : النفرة من المعاصي ، والإحتراز عن اتيانها طاعة لله عز وجل .
الرابع: من إخلاص العبادة لله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
قانون شهادة التقوى على الإيمان
لقد تفضل الله عز وجل بالأمر إلى الناس جميعاً بتقواه وطاعته ، والخشية منه إذ ابتدأت سورة النساء بقوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ….
ترى لماذا لم تقل الآية (اتقوا الله) الجواب من وجوه :
الأول : تذكيرالناس بأن الله ربهم جميعاً وإليه المصير .
الثاني : قانون الملازمة بين العبودية لله وبين طاعته، فما دام الإنسان مخلوقاً ومربوباً ، فيلزمه طاعة الله الذي خلقه لعبادته ، وهذه العبادة علة الخلق .
الثالث : تضمنت آية البحث أيضاً الأمر بتقوى الله ، إذ ذكر اسم الجلالة مرتين في آية البحث ، ويكون عدد ذكر الله عز وجل باسم الجلالة والرب والضمائر الظاهرة والمستترة في آية البحث سبع مرات ، لبيان التأكيد على تقوى الله وهي من مصاديق قوله تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ.
ويمتنع انفكاك المعلول عن علته التامة وتمامها وجود المقتضي وفقد المانع ، لذا ترى الوعيد بالعذاب الإليم لمن يعصي أوامر الله ، ويتخلف عن طاعته والإمتثال لأوامره ، لعدم تخلف المعلول عن علته موضوعاً وزماناً .
فحالما يبلغ الإنسان سن التكليف والحلم في السنة الخامسة عشرة من العمر بالنسبة للذكر مع إختلاف في سن البلوغ للبنت على أقوال ، إتمام تسع سنوات هلالية أو نزول الحيض أو الحمل أو إكمالها خمس عشرة سنة .
وعند البلوغ تهيج شهوة البطن والفرج ، فلا يحجزها إلا التقوى والتي تجعل العقل حاكماً على الشهوة ، وزاجراً لها ، فتفضل الله عز وجل بآية البحث رحمة للناس جميعاً بوجوب تقوى الله ، وهذه التقوى واقية من التعدي والظلم والإنقياد إلى الشهوة وفيه مسائل :
الأولى : قانون التقوى شاهد على الإيمان .
الثانية : قانون التقوى مرتبة سامية من مراتب الإيمان .
الثالثة : قانون التقوى إخلاص في النية ، وصلاح في الجوارح .
الرابعة : قانون التقوى مرآة للإيمان الذي هو التصديق بالجنان ، والعمل بالأركان ، والخشية من عذاب يوم القيامة .

قانون الملازمة بين التقوى والسكينة
التقوى لغة هي الوقاية ، وحفظ الشئ عما يضره ، ومنه قوله تعالى إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ.
لبيان أن تقوى الله في الدنيا تؤدي إلى الثواب العظيم في الآخرة ، والسلامة والحفظ من دخول النار .
وتترشح عن التقوى السكينة وهدوء القلب لأداء الوظائف العبادية ، وإجتناب المعصية ، فلا يدب الإضطراب إلى القلب وينعكس على السلوك ، لأن الجوارح امتنعت عن الذنوب والفواحش .
والسكينة رحمة من عند الله ، وجزاء عاجل على الإيمان وعمل الصالحات .
فقد ابتدأت آية البحث بالإخبار عن خلق الله عز وجل للناس ، ومن مصاديق هذا الخلق خضوع القلب والجوارح للمشيئة الإلهية ، فتأتي السكينة مع التقوى .
وعن (أم سلمة تحدّث: أن رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يكثر في دعائه أن يقول: اللهم مُقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك .
قالت: قلتُ: يا رسول الله، وإن القلب ليقلَّب؟ قال: نعم، ما خلق الله من بني آدم من بشر إلا وقلبه بين إصبعين من أصابعه، فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه.
فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدَانا، ونسأله أن يهبَ لنا من لدنه رحمةً إنه هو الوهاب .
قالت: قلتُ: يا رسول الله، ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: بلى؛ قولي: اللهم ربّ النبي محمدٍ، اغفر لي ذنبي، وأذهب غَيظَ قلبي، وأجرني من مُضِلات الفتن)( ).
والسكينة على وجوه :
الأول : قانون السكينة كنز وثروة تطلب بالإجتهاد في طاعة الله وطلب مرضاته .
الثاني : السكينة نعمة يسعى كل انسان إلى نيلها ، فتفضل الله عز وجل ودعا الناس إلى سبيل الفوز بها وهو تقوى الله .
الثالث : قانون مصاحبة السكينة للنبوة والوحي .
و(عن زيد بن ثابت قال : كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فغشيته السكينة ، فوقعت فخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على فخذي فما وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
ثم سري عنه : فقال : اكتب ، فكتبت في كتف (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) إلى آخر الآية .
فقال ابن أم مكتوم – وكان رجلاً أعمى – لما سمع فضل المجاهدين : يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين.
فلما قضى كلامه غشيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم السكينة ، فوقعت فخذه على فخذي ، فوجدت ثقلها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى ، ثم سري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : اقرأ يا زيد . فقرأت [لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ] فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اكتب غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ))( ).
فتكرر الأمر إلى الناس جميعاً بتقوى الله وأخبر سبحانه بأنه رقيب وشهيد على الناس في أفعالهم ، ويتفضل على المؤمنين بالسكينة والطمأنينة وعدم اضطراب القلب .
ويدل قوله تعالى اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ مجئ الأجر والثواب في الدنيا باصلاح الأعمال مع المغفرة التي هي طريق إلى الإقامة في الجنة ، قال تعالى وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.
تفسير [الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ]
من مصاديق الربوبية المطلقة لله عز وجل جعله الإقرار بأنه الخالق في قرارة كل إنسان ، ولا عبرة بالقليل النادر الجاحد في كل زمان الذي سرعان ما يهلك ويزول ، فان قلت هناك ما يكون الكفر شائعاً وليس نادراً كما في قوم نمرود وقوم فرعون ، والجواب من جهات :
الأول : دلالة الوقائع التأريخية على قصر وقلة أيام دولة الكفر والجحود.
الثاني : قانون الكفر ماحق لأيام الدول , قال تعالى وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ….
الثالث : قانون قيام الحجة على الناس ، وتعدد تبليغهم وإنذارهم ، قال تعالى وَفِي عَادٍ إِذْ أهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ.
الرابع : العذاب الأليم في الآخرة للذين كفروا ، ومنه عذاب البرزخ ، وفي آل فرعون قال تعالى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ.
ولا يختص هذا العذاب بآل فرعون لإرادة جنس رؤساء الكفر والجحود ليكون من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ أنه برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انقطع إدعاء الطواغيت والملوك الربوبية إلى يوم القيامة .
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار عمل بلا حساب ، وجعل الآخرة دار حساب بلا عمل لبيان تعلق سنخية الحساب وما يترتب عليه الجزاء في الآخرة بالعمل في الدنيا .
فنزلت آية البحث لتكون منهاج عمل في الدنيا ، وباعثاً للصلاح ، ومنه تعاهد صلة الأرحام ، وتقوى الله حرز وواقية في الآخرة ، وعليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل .
ومن معاني الآية وجود صلة بين الناس جميعاً ، من وجوه :
الأول : خلق الله عز وجل للناس جميعاً ، وعلى فرض صناعة الإنسان بالإستنساخ البشري وهو بعيد وفيه أضرار ، وهل تنطبق عليه الآية وأنه من خلق الله والخطاب فيها ، الجواب نعم لأن هذا الإستنساخ من خلية بشرية.
الثاني : اتحاد سنخية البشر .
الثالث : وجود الروح من عند الله في الإنسان لذا فان الإنسان مركب من جسد وروح .

قانون الأصل المتحد للناس
من خصائص آية البحث أنها مدرسة وعلم بأصل نشأة الناس ، ولا يعلم منافع هذه الآية في فقاهة الناس بأن أصلهم شخص واحد وهو آدم عليه السلام إلا الله عز وجل ، وفيه وجوه :
الأول : فضل الله بالقرآن على الناس جميعاً .
الثاني : دعوة الناس للإيمان .
الثالث : الخلق من نفس واحدة زاجر عن الحروب والإقتتال .
الرابع : إدراك حق الإنسان على أخيه الإنسان اجتماعهم في النسب وإن اختلفت الملة والمذهب والبلد.
الخامس : الله عز وجل الذي خلق الناس من نفس واحدة هو الذي بعث النبي محمداً للناس جميعاً لهدايتهم للإيمان .
السادس : جاء العلم الحديث باستنساخ النعجة (دوللي) من خلية جسمية ، لبيان بديع صنع الله في خلق الناس من نفس واحدة ، وهو وحده الذي حفظ الجنس البشري ، وصيرورته بالمليارات ، ورزق الإنسان العلم ، وفي التنزيل عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.
وتفضل الله واختار من الناس أنبياء ورسلاً وعضدهم بالتنزيل الذي هو نور وهدى ، وأخبر الله الناس بالتقائهم بابوة وأمومة واحدة للتناصف والتوادد والتكافل والتكاتف .
بداية الخلق في التوراة
بيان أن ذات خلق الله عز وجل الناس من نفس واحدة سبب لتقوى الله ، وعباده وطاعته والتصديق بالرسل الذين بعثهم لهداية الناس .
لذا بعد صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسائل إلى ملوك عصره يدعوهم إلى التوحيد والإسلام.
فبعث إلى ملك الروم قيصر ، وإلى ملك فارس كسرى ، وإلى المقوقس ملك مصر ، وإلى ملك اليمامة ، وإلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك تخوم الشام .
ونص رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى النجاشي اصحمة بن أبجر ملك الحبشة ، والنجاشي لقب يطلق على ملوك الحبشة (بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللّهِ إلَى النّجَاشِيّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ أَسْلِمْ أَنْتَ فَإِنّي أَحْمَدُ إلَيْكَ اللّهَ الّذِي لَا إلَهَ إلّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدّوسُ السّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ.
وَأَشْهَدُ أَنّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رُوحُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ الْبَتُولِ الطّيّبَةِ الْحَصِينَةِ فَحَمَلَتْ بِعِيسَى فَخَلَقَهُ اللّهُ مِنْ رُوحِهِ وَنَفَخَهُ كَمَا خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ وَإِنّي أَدْعُوكَ إلَى اللّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَالْمُوَالَاةِ عَلَى طَاعَتِهِ.
وَأَنْ تَتْبَعَنِي وَتُؤْمِنَ بِاَلّذِي جَاءَنِي فَإِنّي رَسُولُ اللّهِ وَإِنّي أَدْعُوكَ وَجُنُودَكَ إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ .
وَقَدْ بَلّغْتُ وَنَصَحْت فَاقْبَلُوا نَصِيحَتِي وَالسّلَامُ عَلَى مَنْ اتّبَعَ الْهُدَى وَبَعَثَ بِالْكِتَابِ مَعَ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ)( ).
قد جاء الكتب السماوية السابقة كالتوارة والإنجيل بفضل الله في خلق آدم وحواء ، ولكن ليس بالبيان ولغة الإعجاز التي وردت في القرآن.
وفي سفر التكوين (1: 31 وراى الله كل ما عمله فاذا هو حسن جدا وكان مساء وكان صباح يوما سادسا .
2: 1 فاكملت السماوات والارض وكل جندها .
2: 2 وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل .
2: 3 وبارك الله اليوم السابع وقدسه لانه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقا .
2: 4 هذه مبادئ السماوات والارض حين خلقت يوم عمل الرب الاله الارض والسماوات .
2: 5 كل شجر البرية لم يكن بعد في الارض وكل عشب البرية لم ينبت بعد لان الرب الاله لم يكن قد امطر على الارض ولا كان انسان ليعمل الارض .
2: 6 ثم كان ضباب يطلع من الارض ويسقي كل وجه الارض.
2: 7 وجبل الرب الاله ادم ترابا من الارض ونفخ في انفه نسمة حياة فصار ادم نفسا حية.
2: 8 وغرس الرب الاله جنة في عدن شرقا ووضع هناك ادم الذي جبله)( ).
ومشيئة الله عز وجل بالكاف والنون إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فليس من جهد واستراحة في أوامر الله عز وجل ، قال تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ، أي ليس من إعياء أو تعب أو نصب .
(وعن عكرمة أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وآله: ما يوم الاحد ، قال: فيه خلق الله الارض وكبسها، قالوا: الاثنين .
قال خلق فيه وفي الثلثاء الجبال والماء وكذا وكذا وما شاء الله. قالوا: فيوم الاربعاء .
قال : الاقوات ، قالوا : فيوم الخميس ، قال : فيه خلق الله السماوات ، قالوا : يوم الجمعة .
قال: خلق في ساعتين الملائكة وفي ساعتين الجنة والنار، وفي ساعتين الشمس والقمر والكواكب، وفي ساعتين الليل والنهار. قالوا: السبت، وذكروا الراحة، فقال: سبحان الله.
فأنزل الله وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ، وعن ابن عباس أيضا نحوه)( ).
قانون التقوى نجاة وأمن
وعن الإمام علي عليه السلام قال في التقوى (هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل ، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل)( ).
لبيان أن الإيمان هو اعتقاد بالجنان ، وإقرار باللسان وعمل بالجوارح والأركان ، ليتجلى قانون تقوى الله قول وعمل .
ووردت الآية بصيغة الجمع لعدم حصر موضوع التقوى بالعمل على نحو القضية الشخصية بل لابد من أن تتغشى صبغة الإيمان لتقوى عمل المجتمع .
وسمي بعض العلماء من التابعين (وجنة الفقهاء) لأنهم اكتفوا بتعريف الإيمان بالإعتقاد أو الإعتقاد والقول مع تأخير وارجاء العمل بالتقوى وسنن الإيمان عن مسمى الإيمان .
أرادوا منع تكفير أهل القبلة في مقابلة الخوارج والمعتزلة الذين قالوا إن الأعمال ليست من الإيمان .
منهم حماد بن أبي سليمان من فقهاء الكوفة (ت120 هجرية) وهو أستاذ أبي حنيفة وتتلمذ أبو حنيفة على يد الإمام جعفر الصادق عليه السلام .
وبالإسناد (عن علي بن موسى ،عن أبيه موسى بن جعفر ، عن أبيه جعفر بن محمد ، عن أبيه محمد بن علي ، عن علي بن الحسين ، عن الحسين بن علي ، عن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : الايمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالاركان)( ).
وتبين آية البحث غنى الله عز وجل عن الناس ، وأنه قادر على هلاك الناس ، إنما تكون تقوى الله هي الواقية من هذا الهلاك .
وفي التنزيل أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وتذكر آية البحث هذه ببدائع صنع الله في عالم الأكوان ، وعظيم قدرته وخلقه لكل شئ وانعدام الشريك له ، قال تعالى في الثناء على نفسه بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
وهل خلق الناس من نفس واحدة من بديع صنع الله ، الجواب نعم ، فلم يكن مخلوق مثله من بين أجناس الخلائق ، ثم تفضل الله عز وجل وجعله فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.
وجاءت آيات أخرى تبين أسباباً للزوم تقوى الله ، منها ما ورد على لسان الرسول هود في الموعظة وإنذار قومه عاد وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ* أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ.

معنى النفس
ورد لفظ (النفس) ومشتقاته في مائتين وتسعين موضعاً من القرآن .
ومن معاني النفس :
الأول : الذات المقدسة ، قال تعالى [وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ] .
الثاني : الروح .
الثالث :الذات .
الرابع :الدم .
الخامس : نفس الشئ أي ذاته ، يقال : رأيت فلاناً نفسه .
السادس : القلب .
السابع : الإنسان ، قال تعالى مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا .
وأنفس جمع قلة للنفس، ونفوس جمع الكثرة .
والمختار أن المراد بـ(نفس واحدة) في آية البحث ذات آدم عليه السلام بروحه وبدنه .
فلم تخلق حواء إلا بعد أن نفخ الله في آدم من روحه ، وعطس ، وتعلم الأسماء من عند الله ، وعلمها الملائكة ، وفي التنزيل قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ.

آية خلق آدم
من بديع صنع الله عز وجل أن آدم لم يخلق من نكاح إنما بآية وفضل من عند الله عز وجل.
وعن الإمام محمد الباقر عليه السلام (لو علم الناس كيف كان ابتداء الخلق لما اختلف إثنان. فقال : إن الله تبارك وتعالى قبل أن يخلق الخلق قال: كن ماءا عذبا أخلق منك جنتي وأهل طاعتي. وقال: كن ماءا ملحا أجاجا أخلق منك ناري وأهل معصيتي .
ثم امرهما فامتزجا، فمن ذلك صار يلد المؤمن كافرا والكافر مؤمنا، ثم أخذ طين آدم من أديم الارض فعركه عركا شديدا فإذا هم في الذر يدبون، فقال لاصحاب اليمين: إلى الجنة بسلام .
وقال لاصحاب النار: إلى النار ولا أبالي، ثم أمر نارا فأسعرت فقال لأصحاب الشمال: ادخلوها، فهابوها وقال لاصحاب اليمين: ادخلوها، فدخلوها: فقال كوني بردا وسلاما فكانت بردا وسلاما ; فقال أصحاب الشمال: يا رب أقلنا .
فقال: قد أقلتكم فادخلوها، فذهبوا فهابوها، فثم ثبتت الطاعة والمعصية، فلا يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء ولا هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء)( ).
لقد خلق الله عز وجل آدم من أديم الأرض ، فسمي آدم ، ومن عذب الأرض ومالحها ، فخرج الناس مختلفين في الهيئة والصورة ، وعالم الأفعال وأسباب الهداية والرشاد .
و(عن أبي ذر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن آدم خلق من ثلاث تربات : سوداء ، وبيضاء ، وحمراء)( ).
وعن الإمام علي عليه السلام قال (إن آدم خلق من أديم الأرض . فيه الطيب ، والصالح ، والرديء ، فكل ذلك أنت راء في ولده) ( ).
النداء العام
من إعجاز آية البحث مجيؤها بالخطاب والنداء العام من الله عز وجل إلى الناس جميعاً على اختلاف مشاربهم رحمة بهم ، ولبيان أن الله عز وجل لم يترك الناس وشأنهم بعد الخلق والبث والإنتشار في الأرض إنما أقام الحجة والبرهان عليهم بالآيات الكونية والتنزيل وتوالي النعم من غير عناء وتعب ، والإبتلاء الذاتي في البدن بالدرن ونحوه .
فتمادت بعض الأمم بالجحود والكفر فارسل لهم الرسل يدعونهم إلى طاعة الله والتنزه عن معصيته ، فنزل العذاب بالذين أصروا على الكفر.
ثم بعث الله عز وجل النبي محمداً بالقرآن معجزة عقلية خالدة ، والمعجزات الحسية المتعددة لهداية الناس للإيمان وعبادة الله وحده فتلقته سيوف المشركين الذين يصرون على البقاء على عبادة الأوثان ، وظنوا سهولة الإجهاز على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في معركة بدر ، وأحد ، والخندق لقلة عددهم وعدتهم وأسلحتهم .
فجاء المدد والنصر من عند الله عز وجل ، قال تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
ومع أن عدد جيش المشركين أكثر من ثلاثة أضعاف صحابة النبي محمد في ميدان معركة بدر ، وحضر المشركون المعركة مستعدين لها بالسلاح والخيل والمؤن والعزيمة ، أما المسلمون فكانوا في كتيبة استطلاع وعرض للإيمان .
فقد سقط سبعون قتيلاً من المشركين ، وأسر المسلمون مثلهم ، وخسر المسلمون أربعة عشر شهيداً .
ونزلت آية البحث والنداء والأمر العام فيها بتقوى الله لزجر المشركين عن القتال ، وتذكيرهم بأصل خلق الناس من نفس واحدة ، وأن الله عز وجل الذي خلق الناس هو الذي بعث النبي محمداً رسولاً إليهم يدعوهم لعبادته ، ويكفل لهم معها دخول الجنة ، قال تعالى وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا.
ومن معاني الإعجاز العقلي للقرآن أن آيات النداء العام التي تدعو الناس للإيمان بالقول والعمل سبب في هداية جماعات كثيرة من الناس أيام النبوة ، وهي عون للقضاء على الردة بعد مغادرة النبي محمد إلى الرفيق الأعلى ، وتكون آية البحث وآيات النداء العام في القرآن حاضرة في الوجود الذهني للمسلمين ، والواقع اليومي لهم ولغيرهم من الناس لتلاوتها في الصلاة خمس مرات في اليوم ، ولقانون بعث تلاوة القرآن القارئ والسامع لها على التدبر في مضامينها القدسية ومعانيها ودلالتها .
قانون حرمة محاربة الأنبياء
من الآيات أن النفس الواحدة التي ذكرت في القرآن هو آدم وكان نبياً رسولاً ، ولم يحاربه أحد ، لأن الجميع أبناءه وذريته ، لبيان أمور :
الأول : قانون مصاحبة النبوة لأول إنسان خلقه الله .
الثاني : قانون حرمة الصدود عن الأنبياء وسل السيوف عليهم ، قال تعالى وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ.
الثالث : قانون نصر الله عز وجل للأنبياء ، وهل كان مشركو قريش يعلمون بهذا القانون ، الجواب نعم ، لذا حاولوا إيهام وإغواء الناس بانكار نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإستهزاء بالمعجزات الحسية والعقلية ، قال تعالى وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ.
فرحم الله عز وجل الناس بتوالي معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا التوالي وما فيه من المقاصد السامية من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ .
المراد من النفس الواحدة
يدل قوله تعالى [وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا] على إرادة ذات آدم عليه السلام من قوله تعالى [مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ] فلم تقل الآية : وخلق منها نفس زوجها ، إنما ذكرت الزوجة على نحو العموم الشامل للبدن والروح فبعد أن تفضل الله عز وجل بالنفخ في آدم من روحه دبت فيه الحياة ، وصار إنساناً متكاملاً.
لبيان أن الخلق الإبتدائي ونفخ الروح وصيرورة الإنسان متحركاً ناطقاً خاص بآدم عليه السلام .
ولما خلق الله عز وجل الروح في آدم عليه السلام ودبّ في أعضائه استوى جالساً (فعطس آدم فقال الله: يا آدم قل الحمد لله رب العالمين، فقال: الحمد لله رب العالمين. قال الله: يرحمك الله ! لهذا خلقتك لتوحدني وتعبدني وتحمدني وتؤمن بي ولا تكفر بي ولا تشرك بي شيئا)( ).
لبيان أن العلة الشخصية والنوعية في خلق الناس هي الإقرار بالتوحيد وعبادة الله عز وجل ، وحمل آدم المسؤولية الأولى بصفة النبوة لقانون ابتداء خلق الإنسان بالتكامل بالتكليف ، وحسن الإمتثال من قبل آدم ، لتكون تقوى آدم حجة على ذريته في لزوم الإقتداء به .
ثم تفضل الله عز وجل وبعث الأنبياء بالمعجزات الحسية لجذب الناس للإيمان سواء الذين في زمان الأنبياء أو التابعين لهم في الأزمنة اللاحقة ليبعث الله عز وجل النبي محمداً بالمعجزات الحسية والعقلية ومنها آية البحث وإخبارها عن ابتداء خلق الإنسان ووجوب تقوى الله .
ويلتقي عامة الناس مع آدم وزوجه بأن الله عز وجل هو الذي خلقهم ، لبيان أن الولادة من أبوين خلق جديد لم يتم إلا بفضل ونعمة من عند الله ، ويجب أن تقابل بطاعة الله والإمتناع عن المعاصي .
و(عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : لما نفخ الله في آدم الروح فبلغ الروح رأسه عطس فقال (الحمد لله رب العالمين) فقال له تبارك وتعالى : يرحمك الله)( ).
قانون الخلق من نفس واحدة زجر عن الحروب
لقد ابتدأت آية البحث بالنداء العام [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] ليشمل كل إنسان ذكراً أو أنثى إلى يوم القيامة بلحاظ وجوه :
الأول : قانون تجدد الخطاب القرآني في كل زمان .
الثاني : قانون بقاء آيات القرآن غضة طرية إلى يوم القيامة .
الثالث : صيغة العموم الإستغراقي في النداء القرآني [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] وفيه ترغيب للناس جميعاً للإصغاء لآيات القرآن ، والتدبر في معانيها منها الأخوة الإنسانية ، واتحاد رابطة الخلق بين الناس مع اختلاف مللهم ومذاهبهم .
الرابع : قانون وحدة علة الخلق ، وهي عبادة الناس لله عز وجل .
وفي قوله تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ قال الإمام علي عليه السلام (معناه إلاّ لآمرهم أن يعبدون ، وأدعوهم إلى عبادتي)( ).
وجاءت آية البحث بالأمر بتقوى الله رب العالمين .
وهل من تقوى الله نشر شآبيب السلم في الأرض والإصلاح بين الناس ، واجتناب القتال ، الجواب نعم .
والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو إمام المتقين وخاتم المرسلين ، وكان يمتنع عن ابتداء المشركين القتال ، وكان يدعوهم إلى قول كلمة التوحيد [لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ] فمن باب الأولوية اجتناب المسلمين للإقتتال فيما بينهم.
وكذا القتال بين المسلمين وأهل الكتاب ، وأهل الكتاب فيما بينهم ، وتداخلت الأديان والمذاهب بين الشعوب والأمصار في هذا الزمان ، ففي كل بلد هناك مسلمون ، وتحكم أهله قوانين يتساوى فيها الناس في الواجبات والحقوق في الجملة لتكون تقوى الله هي الواجب السماوي الذي يتغشى الناس جميعاً .
ولأن الخطاب إلى الناس جميعاً ، فجاء الإستدلال على وجوب تقوى الله من جهات :
الأولى : الله رب الناس والخلائق كلها .
الثانية : الله عز وجل هو الذي خلق الناس جميعاً .
الثالثة : خلق أجيال الناس من نفس واحدة .
الخلق من نفس واحدة دعوة سماوية للسلام
من الدلائل على وحدة التنزيل وأن الله عز وجل هو الذي أنزل التوراة والإنجيل والقرآن إخبار كل كتاب منها بأن الناس خلقوا من نفس واحدة ، ولا يمكن الإقرار عقلاً بان مليارات الناس من نفس وشخص واحد هو آدم لولا مجئ التنزيل به من عند الله عز وجل .
وفيه دعوة للعلماء للتفسير وبيان هذه الحقيقة الإعجازية في خلق الناس وما يمتازون به عن الخلائق الأخرى ، ولا يمكن القول بان الملائكة خلقوا من نفس واحدة ، للتباين في الهيئة ولبيان عظيم قدرة الله بخلق التعدد من جنس واحد بالكاف والنون ، وخلق المليارات من نفس واحدة .
لقد أخبرت آية البحث الناس جميعاً بأن أباهم واحد وهو آدم ، وفيه دعوة للسلم المجتمعي والنظر للرحم والأخوة بالمعنى الأعم ، والذي يترتب عليه الإمتناع عن الحروب والإقتتال ومقدماته ، وهو من مصاديق تساؤل الملائكة عن الإقتتال بين الناس مع أنهم أبناء لأب وأم واحدة عندما أخبرهم الله عز وجل بقوله تعالى وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
وهل تدل الآية أعلاه على أن المراد من الخليفة اسم الجنس وإرادة الناس ، الجواب لا ، لأن احتجاج الملائكة لم يكن على الخليفة حصراً إنما على عامة الناس [أَتَجْعَلُ فِيهَا].
وخلافاً لمشهور المفسرين الذين قالوا أن الملائكة احتجوا على هذه الخلافة فانهم لم يحتجوا ولن يحتجوا على أمر الله عز وجل إذ أن وظيفتهم الإستجابة المطلقة كما في قوله تعالى بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ* لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ.
إنما إرادوا رجاء عمل الناس بأحكام ومفاهيم الإخوة بينهم بالتراحم والتوادد والتكافل .

من ذخائر هذه الآية
من معاني قوله تعالى خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ حسن السمت والصلات بين الناس وإن تباعد النسب .
لذا ترى الذين يدخلون الحروب بحماس يندمون على فعلهم ، وعلى زهوق الأرواح ، ومنهم من يسعى للصلح ويتعجل في عقده بعد أن يرى أضرار الحروب الفادحة في النفوس والإنفاق وتعطيل التجارات ، وكثرة الأيتام والأرامل .
لتتجلى لغة العموم الزماني والمكاني في قوله تعالى وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وهو من اسرار مجئ الآية بصيغة الجملة الاسمية وليس الفعل الماضي أو الحاضر.
فجاء استفهام الملائكة سؤالاً لله عز وجل بتنزيه الأرض من الحروب فاجابهم الله إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ بأن الدنيا والخلافة فيها دار امتحان واختبار وأن من وراء الناس عالم الحساب والجزاء.
لبيان سبب ومادة من الفرق والتباين بين الملائكة والناس ، فالملائكة عقول بلا شهوة ، ومنقطعون إلى التسبيح وطاعة الله ، ولا ينتظرهم حساب ، إنما تكون طائفة منهم خزنة النار ، لا يشعرون بحرارتها ، وعدم الشعور هذا سبب لحسرة أخرى لأهل النار .
وهل في معجزة إبراهيم عليه السلام بقوله تعالى يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، شاهد على سلامة الملائكة خزنة النار وغيرهم من حرها ، الجواب نعم .
وكذا العكس فان هذه السلامة حجة وبرهان في نجاة إبراهيم من النار خاصة وأن جبرئيل جاءه وهو في النار .
وعن السدي قال قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ قال : فحبسوه في بيت، وجمعوا له حطبا، حتى إن كانت المرأة لتمرض فتقول: لئن عافاني الله لأجمعنّ حطبا لإبراهيم، فلما جمعوا له، وأكثروا من الحطب حتى إن الطير لتمرّ بها فتحترق من شدة وهجها .
فعمدوا إليه فرفعوه على رأس البنيان، فرفع إبراهيم صلى الله عليه وسلم رأسه إلى السماء، فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا، إبراهيم يحرق فيك، فقال: أنا أعلم به، وإن دعاكم فأغيثوه .
وقال إبراهيم حين رفع رأسه إلى السماء : اللهم أنت الواحد في السماء، وأنا الواحد في الأرض ليس في الأرض أحد يعبدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل ، فقذفوه في النار .
فناداها فقال يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ فكان جبريل عليه السلام هو الذي ناداها)( ).
مناداة نار إبراهيم (ع)
المختار أن الله عز وجل هو الذي نادى النار من غير واسطة ملك في قوله تعالى قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، لوجوه :
الأول : التبادر ، وهو من علامات الحقيقة .
الثاني : صيغة الجمع (قلنا) التي تعود لله عز وجل لما فيها من التعظيم.
وقد ورد لفظ (قلنا) أربع عشرة مرة من غير أن يسبقه حرف عطف.
ويتألف هذا اللفظ من فعل ماض وفاعل وهو الله عز وجل ، منه وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ.
لبيان إطلاع وعلم الملائكة بخلق أجيال الناس وهيئاتهم على نحو الإجمال.
وورد لفظ (وقلنا) باضافة حرف العطف الواو في القرآن ست مرات كلها لله إلا واحدة تتجلى فيها صبغة الجماعة والمتعدد ، قال تعالى قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ.
وورد بلفظ (فقلنا) ست مرات أيضاً كلها لله عز وجل لموضوعية الفورية والتعقيب فاختص الله عز وجل بها ، وفي تحذير آدم وحواء من إبليس ، قال تعالى فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى.
وفي قصة البقرة وإحياء الميت يجزء من البقرة والموعظة العامة منها ، قال تعالى فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.

بحث كلامي
الصفات الذاتية والفعلية ، والصفات العلا لله عز وجل,والسياحة فيها من مصاديق عبوديتنا لله عز وجل ، ورجاء الإرتقاء في المعارف الإلهية ، وتقسم الصفات الثبوتية إلى قسمين :
القسم الأول : الصفات الذاتية ، وهي الصفات الملازمة للذات الإلهي والتي لا تنفك عنها في الأزل والأبد.
ومن الصفات الذاتية الحياة ، العلم ، القدرة ، السمع ، البصر ، وقد ثبت في الفلسفة قانون الذاتي لا يعلل ، إذ أن وجوده مستغن عن العلة والسبب ، وتثبت الزوجية للأربعة ،وأنها مؤلفة من زوجين من غير تعليل أو إيجاد علة ، وقال تعالى هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فان الخصومة والتباين بين في الإقرار بالربوبية والجحود بها لا يستلزم التحليل للتضاد بينهما .
وعن السدي في الآية أعلاه قال (نزلت في علي وحمزة وعبيدة بن الحارث، وفي عتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وشيبة بن ربيعة، بارزهم يوم بدر علي وحمزة وعبيدة بن الحارث .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه وآله: هؤلاء الثلاثة يوم القيامة كواسطة القلادة في المؤمنين، وهؤلاء الثلاثة كواسطة القلادة في الكفار)( ) .
وري عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (الشقي من شقي في بطن أُمّه، والسعيد من سعد في بطن أُمّه)( ).
مع بساطة جميع الكمالات واتحادها ، وأن تغايرت بالمعنى والمفهوم .
و(عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: لم يزل الله عز وجل ربنا والعلم ذاته ولا معلوم ، والسمع ذاته ولا مسموع ، والبصر ذاته ولا مبصر والقدرة ذاته ولا مقدور.
فلما أحدث الاشياء وكان المعلوم ، وقع العلم منه على المعلوم والسمع على المسموع والبصر على المبصر والقدرة على المقدور .
قلت : فلم يزل الله متحركا ، فقال تعالى الله [عن ذلك] إن الحركة صفة محدثة بالفعل ، قلت : فلم يزل الله متكلما .
فقال : إن الكلام صفة محدثة ليست بأزلية كان الله عزوجل ولا متكلم.
محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال : سمعته يقول : كان الله عز وجل ولا شئ غيره ولم يزل عالما بما يكون، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه)( ).
وقال المعتزلة بنيابة الذات عن الصفات فقالوا هو عالم بذاته ، سميع بذاته ، بصير بذاته .
وقال الأشاعرة أن لله تعالى صفات وهي قديمة وزائدة على ذاته ، فهو عالم بعلم ، سميع قادر بقدرة ، قوي بقوة ،وفي التنزيل أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا.
والخلاف صغروي للعجز عن إدراك كنه واجب الوجود ، ولأن هذه الخلافات ليست من التكاليف .
القسم الثاني : الصفات الفعلية ، وهي الصفات الحسنى التي تتعلق بمشيئة الله عز وجل إن شاء فعل ، وإن شاء لم يفعل مثل الخلق ، والرزق ، والرضا والسخط ، والبسط والغضب ، وهداية من يشاء ، والإحياء ، والإماتة ، قال تعالى يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ومنه قوله تعالى يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
ومنهم من جعل قسيماً ثالثاً وهو الجامع للصفات الذاتية الفعلية مثل المغفرة ، كما في قوله تعالى [وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا] ومنه خلق الخلائق ، وكان الله ولم يكن معه شئ تبارك الله عما يصفون .
بحث منطقي
من معاني علم المنطق استحضار مبادئ الإستدلال السليم ، والفصل والتمييز بين الحجة والبرهان ، وبين المغالطة والخطأ في الإستدلال .
والمنطق لغة مأخوذ من الفعل (نطق) لإفادة أن موضوعه هو الكلام السليم ، والإفصاح عما يدور في خلد الإنسان .
وقال الإمام علي عليه السلام (اللسان سبع إن خلي عنه عقر .
وقال عليه السلام : هانت عليه نفسه من أمر عليها لسانه .
وقال عليه السلام : إذا تم العقل نقص الكلام .
وقال عليه السلام : المرء مخبوء تحت لسانه .
وقال عليه السلام: لاخير في الصمت عن الحكم، كما أنه لاخير في القول بالجهل .
وقال عليه السلام : من كثر كلامه كثر خطأه، ومن كثر خطأه قل حياؤه ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار .
وقال عليه السلام : من علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه.
وقال عليه السلام : الكلام في وثاقك ما لم تتكلم به فإذا تكلمت به صرت وثاقه فاخزن لسانك كما تخزن ذهبك وورقك، فرب كلمة سلبت نعمة (وجلبت نقمة))( ).
ويعرف المنطق بأنه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في التفكير.
ومن علوم المنطق الإنتقال من المقدمات الواقعية إلى نتائج صحيحة ، ومن منافع علم المنطق ترتيب الأوليات ، وتقديم الأهم على المهم ، والإبتعاد عن العشوائية ومن المنطق اجتناب المغالطة .
وجعل بعضهم المنطق من فروع الفلسفة السبعة وهي : المنطق ، والميتافزيقا (أي ما وراء الطبيعة) ، وعلم القيم ، ونظرية المعرفة ، والأخلاق ، والفلسفة السياسية ، وعلم الجمال .
ويدخل المنطق في قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ لما فيه من الحجة على الناس ، وأن الله هو الذي خلقهم وعلمهم الكلام والمنطق .
وقد احتج الله عز وجل على الملائكة بتعليم آدم لهم الأسماء ، قال تعالى وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
وتتضمن آيات القرآن مخاطبة العقول واثبات التوحيد ، ودعوة الناس للإيمان بالمنطق العقلي والفطري والعملي .
والنسبة بين الحكمة والمنطق عموم وخصوص مطلق ، قال تعالى وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ.
وتدعو خاتمة آية البحث إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا إلى وجوب ضبط الناس لما يقولون ، والصدور عن التنزيل فيما يفعلون ، لأن الله عز وجل يحصي عليهم أعمالهم.
تفسير [وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا]
لقد تكررت مسألة الخلق في آية البحث في ثلاثة أمور وهي :
الأول : خلق الله عز وجل لآدم عليه السلام في الجنة لقوله تعالى [مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ].
الثاني : خلق الله عز وجل حواء ، إذ ذكرتها الآية بصفة الزوجة لآدم.
وفيه قطع وجزم بأن حواء لا تتزوج غير آدم ، وأن الوظيفة الأساس للمرأة هي الزوجية ، وحسن التبعل ، وهو لا يمنع من قيام المرأة بوظائف أخرى اجتماعية وسياسية فاثبات شئ لشئ لا يدل على نفيه عن غيره.
الثالث : خلق ذرية آدم من الناس جميعاً ، ليكون كل إنسان مشمول بأحكام هذه الآية ولزوم تقوى الله شكراًَ لله عز وجل على نعمة الخلق وطول العمر المقترن بالرزق الكريم من عند الله عز وجل ، قال تعالى خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ.
ترى لماذا هذا التكرار ، فيه وجوه :
الأول : بيان فضل الله عز وجل على الناس .
الثاني : إظهار بديع صنع الله عز وجل وأنه الذي خلق الناس كلهم .
الثالث : منع الأقاويل والنظريات الباطلة في خلق الناس ، وأصلهم إذ تبين الآية أن أصل حياة الإنسان من جنس واحد .
ولم يأت بالإرتقاء من أجناس أخرى ، إنما خلق الله آدم من الطين ، وخلق حواء من آدم .
الرابع : معجزة تكاثر الناس بالنكاح لينتشروا في أقطار الأرض وذات تكون الجنين في الرحم آية من عند الله عز وجل فهو الذي يتعاهده في غذائه إلى أن يولد ، وما بعد الولادة ، وعندما يصل إلى سن البلوغ يتوجه إليه الخطاب التكليفي بتقوى الله ، ولزوم عبادته .
بعث الآية على المودة والتراحم
في الآية مسائل :
الأولى : تدعو آية البحث إلى الرأفة والتراحم بين الرجال والنساء .
الثانية : بيان الإعجاز في نمو وتجدد المودة بين الزوجين ، قال تعالى وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وفي هذه المودة وجوه:
الأول : استدامة الحياة الإنسانية في الأرض .
الثاني : المودة سبب للإصغاء للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الثالث : بيان معجزة في فضل الله على الناس في الكيفية النفسانية العامة ذات الحسن .
الرابع : قانون المودة بين الناس واقية من الكدورات وغلبة النفس الغضبية ، نعم لقد حذر الله عز وجل المسلمين ومنعهم من المودة للذين كفروا ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ.
الثالثة : من أسرار خلق حواء من آدم ومن طينته توارث أجيال الناس التراحم والمودة والشفقة واللين والتسامح ، وقد فاز المؤمنون بأسمى مراتب المودة فيما بينهم لبيان النفع العام للإيمان ، قال تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)( ).
بحث فلسفي
خلق آدم وحواء حقيقة
تدل آية البحث على قانون قصص القرآن حقيقية وثابتة ، وليست هي من باب المجاز، ومن مصاديق الحقيقة فيها أنها من أحسن القصص ، قال تعالى نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِولا تعارض بين كونها حقيقة وأنها من باب المثال ، والمثال هنا فرع الحقيقة ، لأن عدد الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألف نبي ، وفيه وجوه :
الأول : جاء ذكر قصص خمسة وعشرين نبياً في القرآن من باب المثال لعموم قصص الأنبياء .
الثاني : قانون كل قصة وواقعة ذكرت في القرآن هي حقيقة وصدق.
الثالث : من إعجاز القرآن بقانون إنطباق مصداق الجزء على الكل.
الرابع : قانون قصص القرآن موعظة يومية متجددة ، وهو من أسرار تلاوة كل مسلم ومسلمة القرآن سبع عشرة مرة كل يوم .
الخامس : قانون جمع آيات القرآن للبشارة والإنذار .
السادس : قانون التشابه بين قصص الأنبياء التي في القرآن وقصص الأنبياء الآخرين ، قال تعالى وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ.
بالإضافة إلى البيان الإضافي عن قصص الأنبياء الذي ورد على لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وأنفرد آدم وحواء بالخلق في السماء ثم الهبوط إلى الأرض في آية من بديع صنع الله عز وجل وعن (جندب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لقي آدم موسى فقال موسى يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وأسكنك جنته ونفخ فيك من روحه .
قال آدم يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وآتاك التوراة وكلمك وقربك نجيا فأنا أقدم أم الذكر .
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فحج آدم موسى فحج آدم موسى)( ).
وفي بداية بناء البيت الحرام ورد عن عبد الله بن عمر (قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : بعث الله جبريل عليه السلام إلى آدم وحواء ، فقال لهما : ابنيا لي بناء ، فخط لهما جبريل عليه السلام .
فجعل آدم يحفر وحواء تنقل حتى أجابه الماء ، نودي من تحته : حسبك يا آدم فلما بنياه أوحى الله تعالى إليه أن يطوف به .
وقيل له : أنت أول الناس ، وهذا أول بيت ، ثم تناسخت القرون حتى حجه نوح ، ثم تناسخت القرون حتى رفع إبراهيم القواعد منه)( ).
ومن أخبار آدم وحواء التي وردت على لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن جابر قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لما مات ابن آدم ، قال آدم لامرأته حواء : إنه قد مات ابنك ، قالت : وما الموت ؟ قال : لا يطعم ، ولا يشرب ، ولا يمشي ، ولا يبطش ، فلما قال ذلك صرخت ، فقال : الرنة عليك وعلى بناتك ، وأنا وبني برآء ، فصارت المواتيم على النساء)( ).
كيفية خلق حواء
لقد ابتدأت آية البحث بالأمر الإلهي للناس جميعاً بوجوب تقوى الله ، التي تتجلى بعبادته ، وهذه العبادة مصداق التقوى ، ومادة الوقاية من عذاب الله لأن الدنيا دار اختبار وامتحان .
وأخبرت الآية عن خلق الله عز وجل لآدم عليه السلام أبي البشر ، وخلق حواء منه لبيان أن وجوب تقوى الله شكراً له تعالى على نعمة الخلق .
أما كيفية خلق حواء فقد جاءت للبيان ، وهذا لا يمنع من التفكر بكيفية خلقها وتتبع النصوص بهذا الخصوص مع لزوم التقوى .
و(عن ابن عباس قال : إنما سميت حواء لأنها أم كل شيء حي)( ).
وفي الحديث النبوي (إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبتَ تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عِوَج)( ).
وعلى القول بأن حواء خلقت من ضلع من أضلاع آدم فانه جرى تغيير وتحويل لمادة هذا الضلع فيكون كالاستحالة ، وإذا تبدل الموضوع تغير الحكم.
وروي مثله عن ابن عباس وعن الإمام محمد الباقر عليه السلام (خُلِقَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ ، فَجَعَلَ نَهْمَتَهَا فِي الرِّجَالِ ، وَخُلِقَ الرَّجُلُ مِنَ الأَرْضِ، فَجَعَلَ نَهْمَتَهُ فِي الأَرْضِ، فَاحْبِسُوا نِسَاءَكُم)( ).
وروي عن الإمام محمد الباقر عليه السلام حديث آخر وهو (أن الله خلق حواء من فضل الطينة التي خلق منها آدم)( ).
وفي حديث للإمام جعفر الصادق عليه السلام ينفي زواج ابني آدم من بنتيه (ثم سئل عليه السلام عن خلق حواء وقيل له : إن اناسا عندنا يقولون : إن الله عز وجل خلق حواء من ضلع آدم الأيسر الأقصى .
قال : سبحان الله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا يقول من يقول هذا: إن الله تبارك وتعالى لم يكن له من القدرة ما يخلق لآدم زوجة من غير ضلعه، وجعل لمتكلم من أهل التشنيع سبيلاً إلى الكلام .
يقول : إن آدم كان ينكح بعضه بعضا إذا كانت من ضلعه، ما لهؤلاء ؟ حكم الله بيننا وبينهم .
ثم قال : إن الله تبارك وتعالى لما خلق آدم من طين أمر الملائكة فسجدوا له وألقى عليه السبات ثم ابتدع له خلقا ، ثم جعلها في موضع النقرة التي بين ركبتيه ، وذلك لكي تكون المرأة تبعا للرجل .
فأقبلت تتحرك فانبته لتحركها فلما انتبه نوديت أن تنحي عنه ، فلما نظر إليها نظر إلى خلق حسن يشبه صورته غير أنها انثى، فكلمها فكلمته بلغته.
فقال لها: من أنت ؟ فقالت: خلق خلقني الله كما ترى، فقال آدم عند ذلك: يا رب من هذا الخلق الحسن الذي قد آنسني قربه والنظر إليه .
فقال الله: هذه أمتي حواء، أفتحب أن تكون معك فتؤنسك وتحدثك وتأتمر لأمرك ؟ قال: نعم يا رب ولك بذلك الشكر والحمد ما بقيت .
فقال تبارك وتعالى : فاخطبها إلي فإنها أمتي وقد تصلح أيضا للشهوة ، وألقى الله عليه الشهوة ، وقد علم قبل ذلك المعرفة .
فقال : يا رب فإني أخطبها إليك فما رضاك لذلك .
قال: رضاي أن تعلمها معالم ديني، فقال: ذلك لك يا رب إن شئت ذلك، فقال عزوجل: قد شئت ذلك وقد زوجتكها فضمها إليك، فقال: أقبلي، فقالت: بل أنت فاقبل إلي، فأمر الله عزوجل لآدم أن يقوم إليها فقام، ولولا ذلك لكن النساء هن يذهبن إلى الرجال حين خطبن على أنفسهن فهذه قصة حواء صلوات الله عليها)( ).
ليكون في الآية حذف ، ومعنى [وَخَلَقَ مِنْهَا] أي من الطينة التي خلق الله منها آدم ، ويكون تقدير الآية : وخلق من طينتها زوجها .
وفي سفر التكوين (3: 20 ودعا ادم اسم امراته حواء لانها ام كل حي)( ).
وهل يدل خلق المرأة من فضل طينة الرجل ، أم من ضلعه الأيسر على أفضلية الرجل على المرأة وانه من مصاديق قوله تعالى الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
المختار نعم ، وهذا لا يمنع من ظهور نساء متميزات في اختصاصهن وأهليتهن للقيام بالأعمال بجدارة .
وجاءت آية البحث بالأمر لهن بتقوى الله بعرض واحد ومرتبة واحدة مع الرجال .
وتتساوى النساء والرجال في التكاليف العبادية إلا ما خرج بالدليل مثل سقوط الجهاد من المرأة ، وسقوط الصلاة عنها أيام حيضها ، مع قضاء صيام أيامه .
النفخ في آدم من روح الله
تدل آية البحث على أمور :
الأول : خلق الله لآدم أولاً .
الثاني : خلق حواء من آدم أو من فضل طينته .
الثالث : اتحاد جنس آدم وحواء وعامة البشر .
الرابع : لم يخلق آدم من جنس آخر .
وقد أخبرت آيات القرآن بأن الله عز وجل نفخ من روحه في آدم عليه السلام .
فهل نفخ الله من روحه في حواء مثلما نفخ في آدم ، الجواب إن الله عز وجل على كل شئ قدير ، فان شاء نفخ فيها من روحه وإن خلقت من آدم أو من فاضل طينته .
والمختار أن النفخ من روح الله عز وجل اختص به آدم وحده ، وانتقل إلى حواء وذريتهما .
وفي التنزيل فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ.
خلق حواء في التوراة والإنجيل
وفي سفر التكوين (2: 22 و بنى الرب الاله الضلع التي اخذها من ادم امراة و احضرها الى ادم
2: 23 فقال ادم هذه الان عظم من عظامي و لحم من لحمي هذه تدعى امراة لانها من امرء اخذت
2: 24 لذلك يترك الرجل اباه و امه و يلتصق بامراته و يكونان جسدا واحدا .
2: 25 و كانا كلاهما عريانين ادم و امراته و هما لا يخجلان)( ).
وفي انجيل برنابا (فلما رأى الله الإنسان وحده قال : ليس حسنا أن يكون وحده ، فلذلك نوّمه ، وأخذ ضلعا من جهة القلب ، وملأ الموضع لحما ، فخلق من تلك الضلع حواء ، وجعلها امرأة لآدم ، وأقام الزوجين سيدي الجنة .
وقال لهما : أنظروا إني أعطيكما كل ثمر لتأكلا منه خلا التفاح والحنطة .
ثم قال : احذروا أن تأكلا شيئا من هذه الأثمار ، لأنكما تصيران نجسين ، فلا اسمح لكما بالبقاء هنا بل أطردكما ويحل بكما شقاء عظيم)( ).
لقاء آدم ليلة المعراج
لقد أخبرت آية البحث عن خلق الله عز وجل لآدم ثم خلق زوجته وتوالت الولادات .
ولما بعث الله عز وجل النبي محمداً رزقه الإسراء من مكة إلى بيت المقدس في السنين الأولى من البعثة النبوية ، قال تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
وصلى النبي محمد بالأنبياء في بيت المقدس ثم عرج به إلى السماوات وأقربها إلى الأرض السماء الدنيا ، والتقى بها النبي بآدم عليه السلام .
و(عن أنس قال : ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مسجد الكعبة ، جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام ، فقال أولهم : أيهم هو .
فقال أوسطهم : هو خيرهم . فقال أحدهم : خذوا خيرهم . فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى ، فيما يرى قلبه ، وتنام عيناه ولا ينام قلبه ، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم.
فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم ، فتولاه منهم جبريل فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه ، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه .
ثم أتى بطست من ذهب محشواً إيماناً وحكمة فحشا به صدره ولغاديده – يعني عروق حلقه -.
ثم أطبقه ثم عرج به إلى السماء الدنيا ، فضرب باباً من أبوابها فقيل : من هذا.
قال : جبريل . قيل : ومن معك؟ قال : محمد ، قيل : وقد بعث إليه.
قال : نعم . قالوا : مرحباً به وأهلاً .
ووجد في السماء الدنيا آدم ، فقال له جبريل : هذا أبوك آدم فسلم عليه ، فسلم عليه ورد عليه آدم وقال : مرحباً وأهلاً بإبني نعم الإبن أنت .
فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان فقال : ما هذان النهرين يا جبريل؟ قال : هذا النيل والفرات عنصرهما .
ثم مضى به في السماء فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد ، فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر . قال : ما هذا يا جبريل؟ قال : هذا الكوثر الذي خبأ لك)( ).
ماذا أُعطي النبي (ص) في المعراج
لقد أخبر القرآن عن إسراء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من البيت الحرام إلى بيت المقدس ، وعروجه في السماء بآية إعجازية من عند الله عز وجل ، قال تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
وبخصوص المعراج ورد قوله تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى.
وعن عبد الله بن مسعود (لما أسريَ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج من الأرواح فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها [ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى] ( ) قال : فراش من ذهب .
قال : وأعطي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثاً : أعطي الصلوات الخمس ، وأعطي خواتيم سورة البقرة ، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئاً من أمته المقحمات)( ).
وفي رواية (وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئاً من المقحمات)( ).
وفي الحديث إنذار ووعيد من ارتكاب الذنوب العظام والكبائر الأخرى غير الشرك بالله .
لقانون العقوبة الأخروية لمن يرتكب المعاصي الكبيرة وإن كان مسلماً إلا أن يشاء الله العفو عنه ومغفرة ذنوبه ، لذا قيد القرآن هذه المغفرة بالمشيئة الإلهية إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ.
نسأل الله عز وجل أن تكون أمة محمد من الذين تنالهم المغفرة من عند الله ، وأن يكتبهم من الذين اتقوا الله ، لما ورد في آية البحث من الأمر للناس جميعاً بتقوى الله .
والمراد من المقحمات كبائر الذنوب التي تلقي وتقحم صاحبها في النار.
ومن الآيات الكبرى التي رآها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليلة المعراج أنه رآى جبرئيل بصورته الحقيقية وله ستمائة جناح .
تعيين عدد ركعات الصلاة اليومية
وفي حديث الإسراء عن أنس عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال (ثم عرج بي إلى السماء السابعة فاستفتح قيل من هذا ، قال : جبريل . قيل : ومن معك؟ قال : محمد . قال : وقد أرسل إليه؟ قال : نعم .
ففتح فإذا إبراهيم ، قال مرحباً بالابن والرسول . ثم مضى حتى جاء الجنة فاستفتح فقيل : من هذا؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك؟ قال : محمد . قال : وقد أرسل إليه؟ قال : نعم .
ففتح الباب . قال : فدخلت الجنة فأُعْطِيتُ الكوثر ، فإذا نهر في الجنة عضادتاه بيوت مجوفة من لؤلؤ ، ثم مضى حتى جاء سدرة المنتهى فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ففرض عليّ وعلى أمتي خمسين صلاة ، فرجعت حتى أمر موسى فقال : كم فرض عليك وعلى أمتك؟ قلت : خمسين صلاة .
قال : فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك . فرجعت إليه فوضع عني عشراً ، فمررت على موسى فقال : كم فرض عليك وعلى أمتك؟ فقلت : أربعين صلاة . قال : فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك . فرجعت إليه فوضع عني عشراً .
فمررت على موسى فقال : كم فرض عليك وعلى أمتك؟ قلت : ثلاثين صلاة . قال : فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك . فرجعت إليه فوضع عني عشراً ، فرجعت إلى موسى فقال : كم فرض عليك وعلى أمتك؟ قلت : عشرين صلاة . قال : فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك .
فرجعت فوضع عني عشراً ، ثم مررت على موسى فقال : كم فرض عليك وعلى أمتك؟ قلت : عشر صلوات . قال : فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك . فرجعت فوضع عني خمساً .
ثم قال : إنه لا يبدل قولي ولا ينسخ كتابي ، تخفيفها عنكم كتخفيف خمس صلوات ، وإنها لكم كأجر خمسين صلاة .
فمررت على موسى فقال : كم فرض عليك وعلى أمتك؟ قلت : خمس صلوات . قال : فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك . فإن بني إسرائيل قد أُمِرُوا بأيسر من هذا فلم يطيقوه . قال : لقد رجعت إلى ربي حتى إني لأستحي منه)( ).
ومعنى قوله تعالى قَابَ قَوْسَيْنِ بيان لغاية القرب ، وشدة الدنو.
والآية بخصوص حديث الإسراء وعروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء وقربه من شجرة المنتهى أو من الحجب .
و(عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم في قوله فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى قال قدر ذراعين أو أدنى من ذراعين)( ).
وعن الإمام علي بن الحسين عليه السلام في الآية (قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله دنا من حجب النور فرآى ملكوت السماوات.
ثم تدلى فنظر من تحته إلى ملكوت الارض حتى ظن أنه في القرب من الارض كقاب قوسين أو أدنى .
وقد يأتي للإخبار عن أمر شارف على الوقوع .
و(قاب) هو مقدار المسافة وقصرها .
و(قوسين) جمع قوس ، وهو أداء رمي السهام .
أي أن المسافة بطول قوسين عندما تمدهما وتصل أحدهما بالآخر إشارة إلى قصر المسافة .
ويتألف قوس الرماية من المقبض والأطراف ، والذراعين ، والوتر .
قانون حرب النبوة على الأصنام
من خصائص الأنبياء محاربة الشرك وعبادة غير الله ، واتفق في حياة عدد من الأنبياء وجود أصنام فجاهدوا لمحاربة عبادتها والتزلف لها ، ولكن لا يلبث الناس للعودة إلى عبادتها أو أنهم لا يستجيبون لدعوة نبي زمانهم في نبذ الأصنام إلا القليل منهم.
كما في إبراهيم عليه السلام ، فقد جاهد بنفسه لمحاربة الأصنام وعبادة الطاغوت ،فلاقى أشد الأذى من قومه لولا آية من عند الله عز وجل ، ورد حكاية عنه في التنزيل أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ.
فتناجوا بينهم باحراق إبراهيم قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ.
(قال ابن عمر : الذي قال هذا رجل من الأكراد قيل اسمه هيزن فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة . وقيل : قاله نمرود بن كنعان بن سنحاريب بن نمرود بن كوش بن حام بن نوح)( ).
و(قال ابن عمر : إنّ الذي أشار عليهم بتحريق إبراهيم رجل من الأكراد.
قال شعيب الجبّائي : اسمه هيزن فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة)( ).
ولكن الآية وردت بصيغة الجمع (قالوا) مما يدل على كثرة القائلين والداعين إلى حرقه .
ويدل سياق الآيات على أن القائلين من قومه في مدينة كوثى من العراق لقوله تعالى إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ.
ومدينة كوثى سومرية في العراق .
(قالوا : فلمّا جمع نمرود قومه لإحراق إبراهيم حبسوه في بيت وبنوا بنياناً كالحظيرة فذلك قوله {قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِى الْجَحِيمِ} ثم جمعوا له صلاب الحطب من أصناف الخشب حتى إن كانت المرأة لتمرض فتقول لئن عافاني لأجمعنّ حطباً لإبراهيم .
وكانت المرأة تنذر في بعض ممّا تطلب ممّا تحبّ أن تدرك لئن أصابته لتحتطبنّ في نار إبراهيم التي يحرق بها احتساباً في دينها.
قال ابن إسحاق : كانوا يجمعون الحطب شهراً .
قالوا : حتى إذا أكثروا وجمعوا منه ما أرادوا أشعلوا في كلّ ناحية من الحطب ، فاشتعلت النّار واشتدّت حتّى أنْ كان الطّير لتمرّ بها فتحرق من شدّة وهجها ، ثمّ عمدوا إلى إبراهيم فرفعوه على رأس البنيان وقيّدوه ، ثم اتخذوا منجنيقاً ووضعوه فيه مقيّداً مغلولاً.
فصاحت السموات والأرض ومن فيهما من الملائكة وجميع الخلق إلاّ الثّقلين صيحة واحدة : أي ربنّا ، إبراهيم ليس في أرضك أحد يعبدك غيره يُحرق فيك فائذن لنا في نصرته .
فقال الله سبحانه وتعالى لهم : إنِ استَغاث بشيء منكم أودعاه فلينصره ، فقد أذنت له في ذلك ، وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به ، وأنا وليّه فخلوا بيني وبينه فلمّا أرادوا إلقاءه في النّار أتاه خازن المياه.
فقال : إن أردت أخمدت النّار فإنّ خزائن الأمطار بيدي ، وأتاه خازن الرياح فقال : إن شئت طيّرت النار في الهواء ، فقال إبراهيم : لا حاجة لي إليكم .
ثم رفع رأسه إلى السّماء فقال : اللهمّ أنتَ الواحد في السّماء وأنا الواحد في الأرض ، ليس في الأرض أحد يعبدك غيري ، حسبي الله ونعم الوكيل)( ).
العكوف في المساجد
من خصائص رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما يدل عليه ورود لفظ [عَاكِفُونَ] في القرآن مرتين ، إذ ورد مرة في إقامة قوم إبراهيم على عبادة الأصنام .
ولفظ (عاكفين) ثلاث مرات في القرآن اثنتين في ذم الذين كفروا وعبادتهم الأصنام ، وواحدة في الثناء على المسلمين وتعاهدهم لعمارة البيت الحرام ، بعد تطهير إبراهيم وإسماعيل لهما البيت ، قال تعالى وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ.
وعندما بعث الله عز وجل النبي محمداً صار المسلمون عاكفين في المساجد ، قال تعالى وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ، وهو من الشواهد على وراثة المسلمين لسنن الأنبياء .
ليتجلى عدم اجتماع الضدين في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلم تجتمع المساجد مع الأصنام لقانون إزاحة المساجد الأصنام ، وهو من أسرار انتشار المساجد في المدن والقرى والإجهار بالأذان خمس مرات في اليوم .
ترى هل من مصاديق [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ] الوارد في أول آية البحث الحرب على الأصنام ومفاهيم الشرك ، الجواب نعم .
لقد انقطعت برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عبادة الأوثان ، والتقرب بها إلى الله ، وتقديم النذور والذبائح لها ، لتبقى آيات القرآن تجاهد لحفظ وسلامة الناس من مفاهيم الضلالة والجحود بالنعم الإلهية ، ومنها آية البحث .
فمن لطف الله عز وجل النداء العام في آية البحث للناس جميعاً بتقوى الله ، وعدم حصر هذا النداء على المسلمين وحدهم لتكون الآية حجة على الناس لوجوه :
الأول : قانون لزوم تحلي الناس بتقوى الله.
الثاني : قانون الملازمة بين الإسلام والتقوى .
الثالث : القرآن كتاب التقوى والهداية إليها .
الرابع : تفضل الله بتقريب الناس لمنازل التقوى .
قانون الملازمة بين الكفر والوهن
من خصائص حرب القرآن على الأصنام إصابة الذين كفروا بالوهن والضعف والتفرق والتشتت ، وعدم الحماس لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهل تدخل قصة إبراهيم عليه السلام والأنبياء الآخرين في هذه الحرب ، الجواب نعم .
لقد أدرك رؤساء الكفر من قريش وحلفائهم أن القرآن ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يأتيان على عبادة الأوثان وعلى الجاه والأموال التي تأتيهم بحال جهالة الناس ، فاتفقوا على قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في فراشه ، مع اشتراكهم جميعاً بهذا القتل ، فتم اختيار شاب مفتول العضلات من كل قبيلة من قبائل وبيوتات قريش .
وكما جعل الله عز وجل النار بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ فقد نزل جبرئيل في ذات اليوم الذي أرادت قريش قتل النبي محمد في ليلته وأمره أن يهاجر إلى المدينة وأن يبيت الإمام علي عليه السلام في فراشه ، وعندما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة التفت مودعاً لها .
و(عن عبدالله بن عدي بن الحمراء قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو على ناقته واقف بالحزورة يقول لمكة : والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أخرجت منك ما خرجت)( ).
لقد هاجر إبراهيم عليه السلام بعد أن أراد قومه إحراقه ، وبنى الكعبة والتي كانت موجودة من أيام آدم عليه السلام لذا ورد قوله تعالى وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
ليكون هذا البناء مقدمة لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويدل عليه دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
ومن التزكية في المقام التنزه عن عبادة الأوثان ، وخذلان وتخاذل الذين كفروا فيما بينهم ، فعندما هاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة صار المهاجرون يفدون إليها تباعاً ، وانتشرت في مكة أخبار بناء المساجد في المدينة ، فتغير الاسم والمسمى .
فبعد أن كانت تسمى يثرب صارت تسمى المدينة وطيبة ، ودخل الإسلام كل بيت من بيوت الأوس والخزرج فيها ، واختار عدد من يهود المدينة الإسلام ، ومن بقي منهم على دينهم عقد معهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ميثاق المدينة ، وفيه فضح وخزي لكفار قريش الذين آذوا النبي محمداً وأهل بيته وأصحابه مع أنهم عشيرته .
لبيان أمور :
الأول : قانون تعضيد قصص الأنبياء للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : التشابه في عمل الذين كفروا في كل زمان .
الثالث : الحاجة لاستئصال عبادة الأوثان في الأرض ، وبيان فضل الله عز وجل برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقضاء على عبادة الأصنام .
الرابع : قانون بعث آيات القرآن النفرة في النفوس من عبادة الأوثان .
الخامس : قانون إكرام آية البحث للناس بتوجيه الخطاب العام لهم بتقوى الله ، ومنها التنزه عن عبادة الأوثان .
السادس : قانون آيات القرآن مدد للناس ووسيلة سماوية جذبهم لمنازل التوحيد .
تحريم الشرائع الربا
لقد نزل القرآن بحرمة الربا والقرض بالفائدة وبيان حرمته في آيات متعددة منها قوله تعالى وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا .
لتأكيد حرمة الربا في أفراد الزمان المتعاقبة ، وأن الأنبياء جاءوا بحرمته وقوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )( ).
وفي الجمع بين هاتين الآيتين وجوه :
الأول : نزول الكتب السماوية بحرمة الربا ، وفي سفر الخروج من التوراة (22: 25 ان اقرضت فضة لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له كالمرابي لا تضعوا عليه ربا)( ).
وفي سفر حزقيال (18: 13 واعطى بالربا واخذ المرابحة افيحيا لا يحيا قد عمل كل هذه الرجاسات فموتا يموت دمه يكون على نفسه)( ).
الثاني : حرمة الربا من الأحكام الثمانية في الشرائع السماوية ، ولا تقبل النسخ .
الثالث : تأكيد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سنته القولية والفعلية على حرمة الربا ، وتأكيده هذه الحرمة في خطبته في حجة الوداع.
و(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يأتي آكل الربا يوم القيامة مختبلاً يجر شقيه ، ثم قرأ [لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ] ( ))( ).
وقال عمر بن يزيد للإمام الصادق عليه السلام (جعلت فداك ان الناس يزعمون ان الربح على المضطر حرام وهو من الربا .
فقال: وهل رأيت احدا اشترى غنيا أو فقيرا إلا من ضرورة، يا عمر قد أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا واربح ولا ترب ، قلت : وما الربا.
قال: دراهم بدراهم مثلين بمثل وحنطة بحنطة مثلين بمثل)( ).

تفسير [وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً]
في الآية بيان لعظيم قدرة الله عز وجل في خلق الناس وانتشارهم في الأرض من أب وأم واحدة .
وجاء الفعل (بث) في الآية ليتضمن وجوهاً :
الأول : الخلق .
الثاني : النشر .
الثالث : التفريق الواسع .
الرابع : الرزق الكريم للناس في الأرض مع سعتها .
فاينما يصلوا ويقيموا يجدوا رزق الله عز وجل ، وكانوا في انتشارهم في الأرض يقصدون الكلأ والماء والأمن .
ويتجلى قانون تحقق الأمن في الجزيرة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
والضمير في (منهما) يعود لآدم وحواء ، لبيان خلق الناس بالنكاح ونوع مفاعلة بين الرجل والمرأة ، وحاجة الناس للمرأة.
وهل في آية البحث زجر عن وأد البنات ، الجواب نعم .
ولبيان أنه لم تكن لآدم زوجة إلا حواء ، والإعجاز في تباين صفات وألوان وهيئات وأطوار ولغات الناس مع أن تكاثرهم كان من رجل وامرأة ، وفيه نهي عن القيافة .
وهي الفراسة في معرفة الإنسان بالحاق الأشخاص بآبائهم حسب ملامح الوجه والأعضاء ، قال تعالى وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ، وهو لا يمنع من تحليل الحامض النووي (DNA) لاثبات النسب ، نعم قاعدة الفراش مقدمة على التحليل .
قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (الولد للفراش ، وللعاهر الحجر).
نعمة الإنتشار في الأرض
تبين آية البحث نعمة ومعجزة خلق آدم عليه السلام وزوجته حواء ، ومعجزة نشر الناس في أقطار الأرض ، ومن منافع تذكير الناس بها وجوه :
الأول : الشكر والحمد لله على نعمة الخلق من نفس واحدة ، لذا تفضل الله عز وجل على المسلمين والمسلمات وجعل كل واحد منهم يتلو الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ سبع عشرة مرة في اليوم في الصلاة اليومية لتكون شكراً لله عز وجل على نعمة الخلق ، ورجاء استدامة النعم عليهم وعلى الناس جميعاً لما فيها من وجود أمة تحمد وتشكر الله عز وجل كل يوم .
الثاني : الإقرار بأنه لا يقدر على خلق الإنسان من العدم ثم خلق الناس بالنكاح والتناسل إلا الله عز وجل .
الثالث : وجوب تقوى الله والخشية منه بالغيب الذي ابتدأت به آية البحث مع بيان علة وسبب من أسباب هذا الوجوب .
الرابع : الشكر لله عز وجل على نعمة الإنتشار في الأرض ، مع انتفاء المانع دونه ، فليس من جنس آخر في الأرض يمنع الناس من الإنتشار في أقطارها ، ويحصرهم في جزء وقارة واحدة أو أقل منها ، ليكون من مصاديق قوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً الوعد من عند الله عز وجل للناس بعدم وجود جنس منافس لهم في الأرض .
الخامس : الشكر لله عز وجل على تعيينه الأرض من بين مليارات الكواكب والنجوم والمجرات لتكون مستقراً للناس.
ومن عظيم قدرة الله عز وجل أنه يرقب الناس في جميع أقطار الأرض والكائنات في السموات في آن واحد ، وفي التنزيل أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ.
معجزة تعاقب الأجيال
المراد من رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً الأجيال المتعاقبة من ذرية آدم وهل نحن مشمولون بهذه الآية ، الجواب نعم .
وكذا الأجيال اللاحقة لتجدد اللفظ القرآني وان جاء بصيغة الفعل الماضي.
وتقدير الآية (وبث ويبث منهما رجالاً ونساءً).
لبيان أن كل تكوُن وولادة إنسان هو معجزة في الخلق وفضل من عند الله عز وجل .
وفي الآية دعوة للتدبر بكيفية توالد المليارات من الناس من أب واحد وأم واحدة ، وانه لم يتم إلا بعناية من عند الله عز وجل.
وفي الآية شاهد بأن الله لم يترك الناس بعد خلقهم في نظام تكويني ثابت مستقل إنما لا يقع أمر صغير أو كبير ، دقيق أو عظيم إلا بإذن ومشيئة من عند الله عز وجل ،سواء على نحو القضية أو العامة أو النوعية وهو من مصاديق اللطف الإلهي ، وقوله تعالى يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
لبيان حاجة الخلائق إلى الله عز وجل في كل دقيقة من وجودها ، وهو الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض ، ويسّير الرياح ، وينزل الغيث من السماء في كل بقعة بقدر ليجتهد الناس في الدعاء والتضرع إليه تعالى .
ومن فضل الله أن خزائنه لا تنفد ، وعنده مزيد إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
الحياة في الكواكب الأخرى
لم يرد لفظ [بَثَّ مِنْهُمَا] في القرآن إلا في آية البحث ، لإنفراد الآية بانتشار بني آدم في الأرض ، بينما ورد قوله تعالى بخصوص الأرض وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ.
وورد قوله تعالى وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ.
وهل تدل الآية أعلاه على وجود حياة في الكواكب والأفلاك السماوية ، الجواب نعم ، وهذا الأمر الذي يجتهد علماء الفضاء لمعرفته ، وتقدير الآية على وجوه :
الأول : وما بث الله في السموات من دابة .
الثاني : وما بث الله في الأرض من دابة .
الثالث : وما بث الله بين السموات والأرض من دابة .
والمراد من [مِنْ دَابَّةٍ] تعدد المصاديق من أفراد الأجناس المتعددة .
ويسعى علماء الأحياء الفلكي بواسطة المركبات الفضائية والمناظير الخارقة (التلسكوبات) لرصد الحياة في الكواكب والأجرام السماوية البعيدة وما تتركب منه ، مما يعد صالحاً لحياة البشر .
منها كوكب يبعد 124 سنة ضوئية ، وتساوي السنة الضوئية 9,46 تريليون كيلو متر ، والسنة الضوئية وحدة قياس للمسافة بين الأرض والسموات العلا وليس وحدة للزمن وأيام السنة .
ومعناه أننا نحتاج إلى عام كامل لقطع سنة ضوئية واحدة إذا كان سفرنا بسرعة الضوء أي 300 ألف كيلو متر .
وهل يدل قوله تعالى وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ على وجود عباد لله عز وجل في السموات يقرون بالربوبية والإلوهية المطلقة لله ، الجواب تتعدد هيئات وأشكال الخلائق ، ولا يعني هذا وجود جنس مثل البشر في السموات .
وتدل الآية أعلاه من سورة الشورى على عدم انحصار سكان السموات بالملائكة ، لتأكيدها على انتشار الدواب في السموات والملائكة أجسام نورانية وليست دواباً .
ووجود حياة في الكواكب الأخرى من مصاديق قوله تعالى بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ومن الشواهد على ربوبية الله المطلقة .
وعلى فرض امكان الحياة في الكواكب الأخرى فهو من فضل الله ، على الناس للإنتقال من الأرض ، والهروب من الحروب فيها ، بما يفيد استدامة حياة الناس وعبادتهم لله في الأرض وفي السماء .
لماذا كثرة الرجال دون النساء
ومن الإعجاز في آية البحث وصف الرجال بالكثرة دون النساء ، ومن أسراره وجوه :
الأول : بعث العلماء والناس جميعاً على التدبر في هذه الآية .
الثاني : ذكر الوجوه المحتملة فيها .
الثالث : استنباط المسائل من الآية .
الرابع : لحاظ موضوعية كلمات آية البحث الأخرى في معنى هذا الشطر منها ، إذ ابتدأت الآية بالنداء إلى الناس جميعاً بوجوب تقوى الله والخشية منه ، وأنه سبحانه الذي خلق الناس جميعاً .
الخامس : هل يتجلى بيان وتفسير الآية يوم القيامة ، الجواب نعم ، وهو من مصاديق قوله تعالى في خطاب إلى الإنسان مطلقاً فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.
وفي الآية مسائل :
الأولى : من معاني الآية وفق علم التفسير بالتقدير الذي أسسته : وبث منهما رجالاً ونساء كثيرات ، ترك التصريح به اكتفاء بالوصف الأول .
الثانية : تجلي كثرة الرجال والنساء في الواقع العملي ومنه جواز زواج الرجل من أربعة نسوة ، وموضوع الآية ليس عدد الولادات وحده ، ولا الذي يموت دارجاً أي صغيراً لم يتزوج .
لذكر الآية الرجال بقوله تعالى [رِجَالًا كَثِيرًا] ومقتضى الدقة العقلية في الآية كثرة الرجال والنساء من أبناء آدم الصلبيين وأحفاده ولم يغادر آدم الدنيا إلا وقد بلغ أولاده وأحفاده أربعين ألفاً .
الثالثة : بيان معجزة في الخلق ، فلا يعلم عدد الناس من ذرية آدم إلا الله عز وجل الذي أَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ومن إحصاء الله عز وجل للناس بلحاظ هذه الآية أن المواليد الذكور على مر التأريخ أكثر من البنات .
الرابعة : بيان هلاك شطر من الناس بالحروب ، وبالهلاك بسبب تكذيب الرسل ، وبسبب الأعمال الشاقة وكثرة الأسفار وما فيها من الأخطار ، فان قلت هذه الأمور تقع بعد الخلق والولادة ، بينما ذكرت آية البحث معجزة ونعمة الخلق .
والجواب إن الله عز وجل يعلم ما يقع للناس ، وأراد استدامة فضله عليهم ، واستمرار خلافتهم في الأرض بطمأنينة وأنظمة وسنن نافعة.
كثرة الرجال
ذكرت الآية الرجال بصفة الكثرة دون النساء بقوله تعالى رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً، وفيه وجوه :
الأول : الإخبار عن الإعجاز في كثرة الرجال بالنسبة للنساء .
الثاني : يحتمل معنى الآية الإيجاز بالحذف ، وتقدير الآية : رجالاً كثيراً ونساءً كثيرات ، تركت الآية تكرار الكثرة اكتفاء بالوصف الأول .
الثالث : الجامع للوجهين أعلاه ، وهو المختار .
ولا يعلم إحصاء عدد الناس من أيام آدم وإلى يوم القيامة إلا الله عز وجل وكذا نسبة النساء إلى الرجال ، وأنهم أكثر عدداً ليس في المواليد فقط لذكر الآية (الرجال) على نحو التعيين والنساء .
ثم عادت الآية بالأمر بتقوى الله لبيان لزوم الخشية من الله عز وجل لمقام الربوبية المطلقة وعلى خلقه للناس ، ولأن الله عز وجل رب السموات والأرض فلابد من طاعته والخشية منه ، وهو الذي يسأل الناس بعضهم بعضاً به بالقول : أسألك بالله ، وأسألك بالله والرحم .
ولبيان أن صلة الأرحام فرع تقوى الله ، للتحذير من قطعها ، ولا يعلم الأضرار التي تتفرع عن قطع الرحم الخاص والعام إلا الله عز وجل .
والمقصود بقطع الرحم الخاص ، القضية الشخصية ، بقيام إنسان بعدم صلة الأرحام ، أما العام فهو اتصاف السلوك العام للمجتمع بقطع الأرحام ، وهو أكثر ضرراً وخطراً فلذا جاءت الآية بصيغة الجمع من جهة لغة الخطاب للناس جميعاً وقوله تعالى [وَالْأَرْحَامَ].
وقيل أصل [تَسَاءَلُونَ] (تتساءلون) فادغمت التاء الثانية في السين( ).
ولكن المعنى مختلف .
والمختار أن من معاني [تَسَاءَلُونَ] هو سؤال الناس بينهم في الدنيا ، وسؤالهم عند الحساب يوم القيامة عن صلة أرحامهم ، وعدم اختصاص هذا السؤال بالمسلمين بل هو شامل للناس جميعاً ، وفيه وجوه :
الأول : ابتداء الآية بالنداء العام من عند الله عز وجل [يَا أَيُّهَا النَّاسُ].
الثاني : ذات بداية آية البحث هي بداية للسورة .
الثالث : ليس للناس رب إلا الله عز وجل ، وتنفي آية البحث الشريك لله ، وتمنع من الشرك .
الرابع : بيان بديع صنع الله بأنه هو الذي خلق الناس جميعاً .
الخامس : أصل الخلق من نفس واحدة ، ولو شاء الله عز وجل لخلق عدداً من الرجال والنساء دفعة واحدة .
بحث بلاغي
من بدائع اللغة العربية سعة البيان مع اختلاف وجوهه ، بصحة الإطناب وصحة الإيجاز إذا كان كل فرد منهما في محله وكذا صحة المساواة ، وهي :
الأولى : المساواة : هي أداء المعنى بكلام وبيان مساو له بما يفهمه عامة الناس من غير حاجة إلى الإطناب وإن لم يرتقوا إلى مرتبة البلاغة ، ومن خصائص المساواة في الآية القرآنية معرفة الناس لها عند الترجمة على نحو الإجمال كما في أول آية البحث يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ.
فيدرك أهل كل لغة وملة أنهم وغيرهم مقصودون في هذا النداء ، وعليهم الإصغاء لمضامينه ، وكذا معرفتهم بأن الله عز وجل ربهم جميعاً ، وليس من رب للناس في مشارق ومغارب الأرض إلا الله عز وجل لبيان التقاء ووحدة الناس في العبودية لله عز وجل وهو تشريف لهم ، وترغيب بالتقوى التي أمرت بها الآية .
الثانية : الإطناب : وهو بيان المعنى المقصود بعبارة زائدة عنه لفائدة في هذه الزيادة ، ومن صور الإطناب في القرآن آيات المواريث لفائدة تفقه الناس في الدين ، وتقيدهم بأحكام الشريعة ، والتنزه عن أكل الميراث .
فقد ورد مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ أربع مرات في القرآن ، وكلها في آيتين متجاورتين وهي مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ، ومِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ، ومِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ، ومِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ.
لإفادة التكرار في المقام البيان والوضوح وتثبيت الحكم ، وإقامة الحجة على الناس وتيسير عمل الحكام والعلماء ، ومنع الإيهام والإبهام .
ومن الإطناب ما ورد في التنزيل بخصوص موسى عليه السلام قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى.
أما إذا كان الإطناب خالياً من الفائدة فيكون تطويلاً وحشواً ، والقرآن والسنة منزهان عنه .
الثالثة : الإيجاز : وهو الإتيان بعبارة لقصد معنى أعم منها مع وفاء هذه العبارة بالغرض ومنه قوله تعالى [اتَّقُوا رَبَّكُمُ] في آية البحث إذ تتضمن الآية الأمر إلى الناس بوجوب الخشية من الله بالعمل بأوامره وإجتناب نواهيه ، وأن الناس متساوون في العبودية لله عز وجل .
وبالإسناد عن الإمام (جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا ترفعوني فوق حقي فان الله تعالى اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبيا)( ).
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال (إن الله تبارك وتعالى اتخذ إبراهيم عبدا قبل أن يتخذه نبيا وإن الله اتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسولا ، وإن الله اتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا .
وإن الله اتخذه خليلا قبل أن يجعله إماما، فلما جمع له الاشياء قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ، قال : فمن عظمها في عين إبراهيم قال قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ، قال: لا يكون السفيه إمام التقي)( ).
وأيهما أكثر في القرآن الإطناب أم المساواة أم الإيجاز ، الجواب إنه الإيجاز ذو المعاني المتعددة لدلالة الكنوز الكامنة في اللفظ القرآني .
لذا ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأوتيت جوامع الكلم وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، وبعث كل نبي إلى خاص من الناس وبعثت إلى الأسود والأحمر)( ).
منافع الإيجاز القرآني
من الإيجاز في القرآن قوله تعالى وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً لبيان نسبة الناس جميعاً إلى آدم وحواء مع كثرة الوسائط .
ومن منافع الإيجاز :
الأول : تيسير حفظ آيات القرآن والأحاديث النبوية .
الثاني : تجلي إعجاز القرآن في كل آية منه .
الثالث : فتح باب التفسير بالتقدير الذي أسسته في هذا السِفر على نحو التفصيل والبيان .
الرابع : وضوح المعنى للقارئ والمستمع للآية القرآنية .
الخامس : حضور الآية القرآنية وما فيها من الأحكام في الوجود الذهني لتنعكس في سلوك وتصرف الإنسان .
السادس : تجلي الإيجاز في السور المكية للإنذار والوعيد .
السابع : إحاطة كلمات القرآن المحدودة بالوقائع والأحداث غير المتناهية.
الثامن : بيان الإعجاز في الجمع بين الإيجاز القرآني وقوله تعالى وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ.
التاسع : موضوعية تفسير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن ، حث النبي محمد العلماء وعامة المسلمين بالصدور عن السنة النبوية وعدم الإعراض عنها .
ورد (عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته ، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول : لا ندري . . . ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)( ).
زواج أولاد آدم
لقد أخبرت آية البحث عن بث الناس من آدم وحواء ، وظاهر الآية أنه ليس من جنس آخر ، ولا آولاد وبشر آخرين من غير آدم وحواء .
لذا ورد عن عبد الله بن مسعود (عن ناس من الصحابة . أنه كان لا يولد لآدم مولود ألا ولد معه جارية ، فكان يزوّج غلام هذا البطن لجارية البطن الآخر ، ويزوّج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر ، حتى ولد له ابنان يقال لهما قابيل وهابيل ، وكان قابيل صاحب زرع ، وكان هابيل صاحب ضرع .
وكان قابيل أكبرهما وكانت له أخت أحسن من أخت هابيل ، وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل فأبى عليه وقال : هي اختي ولدت معي وهي أحسن من أختك وأنا أحق أن أتزوّج بها . فأمره أبوه أن يتزوّجها هابيل فأبى ، وإنهما قَرَّبَا قرباناً إلى الله أيهما أحق بالجارية ، وكان آدم قد غاب عنهما إلى مكة ينظر إليها .
فقال آدم للسماء : احفظي ولدي بالأمانة فأبت ، وقال للأرض فأبت ، وقال للجبال فأبت ، فقال لقابيل فقال : نعم ، تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك . فلما انطلق آدم قربا قرباناً ، وكان قابيل يفخر عليه فقال : أنا أحق بها منك ، هي أختي وأنا أكبر منك وأنا وصي والدي ، فلما قربا قرب هابيل جذعة سمينة ، وقرب قابيل حزمة سنبل ، فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها فأكلها .
فنزلت النار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل ، فغضب وقال : لأقتلنك حتى لا تنكح أختي . فقال هابيل إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ يقول : إثم قتلي إلى إثمك الذي في عنقك .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر بسند جيد عن ابن عباس قال : نهى أن ينكح المرأة أخاها توأمها ، وأن ينكحها غيره من اخوتها ، وكان يولد له في كل بطن رجل وامرأة ، فبينما هم كذلك ولد له امرأة وضيئة وأخرى قبيحة ذميمة ، فقال أخو الذميمة : انكحني أختك وأنكحك أختي . قال : لا ، أنا أحق بأختي ، فقربا قرباناً ، فجاء صاحب الغنم بكبش أبيض وصاحب الزرع بصبرة من طعام ، فتقبل من صاحب الكبش .
فخزنه الله في الجنة أربعين خريفاً وهو الكبش الذي ذبحه إبراهيم ، ولم يقبل من صاحب الزرع ، فبنو آدم كلهم من ذلك الكافر)( ).
وعلى فرض صحة زواج ابن آدم من أخته التي هي من بطن أخرى فهذا لا يعني إنحصار أولاد آدم بذرية قابيل ، لولادة حواء بطوناً عديدة ، كل مرة تلد توأماً ذكراً وانثى ببديع صنع الله عز وجل .
وقال ابن عباس (لم يمت آدم عليه السلام حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفاً ، ورأى آدم عليه السلام فيهم الزنا وشرب الخمر والفساد)( ).
ويذكر في الحديث أعلاه (بلغ ولده وولد ولده) مما يدل على كثرة أولاد آدم الصلبيين غير قابيل وهابيل ، ومنهم نبي الله شيث .
ولقد عمر آدم نحو ألف سنة ، لذا ذكر أن جميع ما ولدته حواء أربعين بطناً ذكر وانثى في عشرين بطناً إلا شيث فانها ولدته مفرداً( ).
ولم يرد النص على زواج أبناء آدم من أخواتهم في الكتاب أو في السنة النبوية ، وقد يقال أن بعض الصحابة أخذوه من الإسرائيليات .
ووفق علم الوراثة فان الزواج من المحارم يؤدي إلى إنقطاع النسل بعد خمسة أو ستة أجيال ثم ولادة أجنة ميتة ، أو أطفال مشوهة .
وقد ورد عن أئمة أهل البيت أن حواء خلقت من فضل طينة آدم وأن الله عز وجل أنزل لولدي آدم حوريتين .
وعن (أبي المقدام، عن أبيه قال: سألت أبا جعفر عليه السلام: من أي شئ خلق الله حواء ؟ فقال : أي شئ يقول هذا الخلق ؟ قلت: يقولون: إن الله خلقها من ضلع من أضلاع آدم، فقال: كذبوا، كان يعجزه أن يخلقها من غير ضلعه ؟ فقلت: جعلت فداك يابن رسول الله من أي شئ خلقها ؟ فقال: أخبرني أبي، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله: إن الله تبارك وتعالى قبض قبضة من طين فخلطها بيمينه – وكلتا يديه يمين – فخلق منها آدم)( ).
وسئل الإمام جعفر الصادق عليه السلام (عن بدء النسل من آدم كيف كان وعن بدء النسل عن ذرية آدم فان أناسا عندنا يقولون ان الله عزوجل أوحى إلى آدم يزوج بناته ببنيه وان هذا الخلق كله أصله من الاخوة والاخوات؟ فقال أبوعبدالله عليه السلام: تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا يقول من قال هذابان الله عزوجل خلق صفوة خلقه واحبائه وأنبيائه ورسله والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات من حرام ولم يكن له من القدرة ما يخلفهم من حلال وقد أخذ ميثاقهم على الحلال الطهر الطاهر الطيب، فوالله لقد تبينت ان بعض البهائم تنكرت له أخته فلما نزاعليها ونزل كشف له عنها فلما علم أنها أخته أخرج عزموله ثم قبض عليه باسنانه حتى قطعه فخر ميتا، وآخر تنكرت اله أمه ففعل هذا بعينه فكيف الانسان في انسيته وفضله وعلمه…الحديث)( ).
باب فتح مرة واحدة
وعلى فرض زواج ولد آدم من أخواتهم من البطون الأخرى وهو ظاهر آية البحث فانه باب فتحه الله عز وجل مرة واحدة ثم غلقه وحرمه إلى يوم القيامة .
وعلى فرض نزول حوريتين فهل يتعارض مع نص آية البحث وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً، الجواب لا ، قال تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا.
ومن الإعجاز في الآية أعلاه أنها معطوفة على الآيات التي تخاطب المسلمين بقوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا.
ولا يعني هذا حصر هذا التحريم بالمسلمين إنما ورد في التوراة والإنجيل والكتب السماوية السابقة .
ويبقى خلق آدم وانتشار ذريته في الأرض معجزة ومن بديع خلق الله الذي يلزم مقابلته بالشكر لله عز وجل والإخلاص في عبادته وهو الذي نزلت آية البحث بخصوصه في خطاب للناس جميعاً يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ.
تفسير [وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ]
يذكر الله عز وجل الناس بالمناشدة بينهم بالله عز وجل بالقول ، أسألك بالله ، ناشدتك بالله ، أعزم عليك بالله .
تعظيماً لله عز وجل في المعاملات رجاء قضاء الطرف الآخر وهو المناشَد بقضاء حاجة ، وتلبيه طلب ، فكذا يجب على الناس طاعة الله واتيان ما أمر ، وإجتناب ما نهى عنه ، والخشية من عقابه ، إذ يأتي هذا العقاب من التخلف عن طاعة الله ، ومن الإصرار على فعل المعصية .
فمن معاني آية البحث إقامة الحجة على الناس في المناشدة بالله عز وجل.
وهل كان أهل الجاهلية يناشدون بالله ، الجواب نعم ، وهو من مصاديق ابتداء آية البحث بالنداء العام [يَا أَيُّهَا النَّاسُ].
وهل في الآية ترغيب بالمساءلة بالله عز وجل ، الجواب نعم ، ومن وجوه تقدير الآية (تساءلوا بالله والأرحام) وفي الآية نبذ للأصنام وعدم المساءلة بها أو ذكرها.
وفي الآية تذكير للناس بوجوب الخشية من الله الذي يناشد بعضهم بعضاً بربوبيته وجعله شفيعاً بينكم لقضاء الحوائج ، لبيان قانون الملازمة بين تقوى الله والمناشدة بين الناس به وبربوبيته .
وتكرار الأمر بتقوى الله للناس جميعاً فضل منه تعالى وتذكير بوجوب التقوى ، وطرد الغفلة الخاصة والعامة عنها .
وعن أبي موسى قال (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم فقال : يا أيها الناس، اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل .
فقال له من شاء الله أن يقول : فكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله.
قال : قولوا : اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه ، ونستغفرك لما لا نعلمه)( ).
وهل من معاني صيغة الأمر إلى الناس جميعاً بتقوى الله تحذير قريش وحلفائهم وعامة الذين كفروا من محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر ، وأحد ، والخندق ، وحنين ، الجواب نعم .
ومن معاني هذه الآية المبادرة إلى الإيمان لقانون التصديق بالنبوة من أبهى مصاديق تقوى الله .

تكرار تقوى الله في الآية
التكرار مشتق من (الكر) بمعنى الرجوع ، وإعادة الشئ يقال كر على العدو هجم وحمل وأغار عليه وفر من العدو : هرب وانسحب .
فيهجم على العدو ثم يتراجع لاحتمال الضرر ولدفعه ، ثم يكر من جديد عندما يرى فرصة وثغرة وسبب للمباغتة ، وكان العرب قبل الإسلام يحسنون ويجتهدون بالكر والفر في الغارات والغزو والبطش بالآخر .
فنزل القرآن بحرمة التعدي ، ونادى بالإخوة بين المسلمين ، قال تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ.
ويقال كررت عليه الحديث إذا ردتته عليه .
لقد أنذر الأنبياء قومهم بالتبليغ والقول ، كما في الأنبياء نوح ، وهود ، وصالح ، وشعيب ، وعيسى عليهم السلام ، إذ ورد على لسان كل واحد منهم فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وتعدد الأمر من الله عز وجل للمسلمين بتقوى الله منها [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ].
ومن خصائص النبي محمد حمله الناس على تقوى الله بالقول والفعل والسيف دفاعاً .
وتكرر في آية البحث الأمر إلى الناس جميعاً بتقوى الله للربوبية والإلوهية المطلقة ، ولم يرد في آية أخرى تكرار الأمر إلى الناس جميعاً بتقوى الله .
وتبين آية البحث شاهداً سماوياً بأن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للناس جميعاً ، قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ.
ترى لماذا تكرر الأمر بتقوى الله مرتين في آية البحث ، الجواب من وجوه :
الأول : ابتدأت الآية بتقوى الله لربوبيته المطلقة للناس والذي خلقهم جميعاً ، وجاء الأمر الثاني بتقوى الله إله الخلائق كلها ، وبيده الحياة والموت ، وفي التنزيل لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ.
الثاني : بيان موضوعية تقوى الله في حياة الناس ومنافعها في الدنيا والآخرة لإفادة التكرار التأكيد ، والنسبة بين التكرار والتأكيد عموم وخصوص مطلق ، فالتكرار أعم .
الثالث : تجديد الإنذار والوعيد للذين كفروا .
الرابع : وجوب تعظيم مقام الربوبية .
الخامس : بيان الفصاحة والبلاغة في القرآن ، مع التسليم بأن قوله تعالى قوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ] يتضمن معاني اضافية غير [اتَّقُوا رَبَّكُمُ].
السادس : من الإعجاز في تكرار اللفظ في القرآن تعدد وزيادة المعاني خاصة مع إعطاء التكرار في سياق آية أو آيات معاني أخرى غير المفهوم من اللفظ الأول .
السابع : دعوة المسلمين والناس جميعاً إلى تتبع آيات التقوى في القرآن ودلالتها .
الثامن : قانون حاجة الناس لتقوى الله ، وقد تلا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم آية البحث في خطبة الحاجة .
وعن عبد الله بن مسعود عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (قال علمنا خطبة الحاجة الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهد الله فلا مضل له .
ومن يضلل فلا هادي له أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
ثم تقرأ ثلاث آيات يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ))( ).
التاسع : قانون تكرار الأمر بتقوى الله في القرآن رحمة بالناس وحجة عليهم .
العاشر : تكرار الأمر بتقوى الله في آية البحث تعضيد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته ، وهو من مصاديق التبليغ العام بالتوحيد ، قال تعالى قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ.
تفسير [وَالْأَرْحَامَ]
من مصاديق الأبوة المتحدة للناس جميعاَ يناشد بعضهم بعضاً بصلة الرحم ، والتذكير به كسؤال الأخ لأخيه ، وابن العم لابن عمه ، والمرأة لقريبها وبالعكس .
وفي عدة الداعي (قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أوصي الشاهد من أمتي والغائب منهم ومن في أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى يوم القيامة أن يصل الرحم وإن كان منه على مسيرة سنة فإن ذلك من الدين.
وقال عليه السلام حافتا الصراط يوم القيامة الأمانة والرحم فإذا مر الوصول للرحم المؤدي للأمانة نفذ إلى الجنة ، وإذا مر الخائن للأمانة القطوع للرحم لم ينفعه معهما عمل ويكفا يلقى به الصراط في النار)( ).
ومن وصية الإمام علي عليه السلام العامة (انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب، الله الله في الأيتام، فلا تعنوا أفواههم، ولا يضيعن بحضرتكم. والله الله في جيرانكم، فإنهم وصية نبيكم صلى الله عليه وسلم، ما زال يوصي به حتى ظننا أنه سيورثه. والله الله في القرآن؛ فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم، والله الله في الصلاة، فإنها عمود دينكم)( ).
وهل في الآية إنذار لقريش من محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي بعثه الله عز وجل من أوسطهم وبين ظهرانيهم ، الجواب نعم ، لذا ظهر الجدال بين رجالات قريش يوم بدر بالتذكير بالرحم وأن النبي محمداً من قريش لمنع القتال .
إذ (قَامَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ خَطِيبًا ، فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، إنّكُمْ وَاَللّهِ مَا تَصْنَعُونَ بِأَنْ تَلَقّوْا مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ شَيْئًا ، وَاَللّهِ لَئِنْ أَصَبْتُمُوهُ لَا يَزَالُ الرّجُلُ يَنْظُرُ فِي وَجْهِ رَجُلٍ يَكْرَهُ النّظَرَ إلَيْهِ قَتَلَ ابْنَ عَمّهِ أَوْ ابْنَ خَالِهِ أَوْ رَجُلًا مِنْ عَشِيرَتِهِ فَارْجِعُوا وَخَلّوا بَيْنَ مُحَمّدٍ وَبَيْنَ سَائِرِ الْعَرَبِ ، فَإِنْ أَصَابُوهُ فَذَاكَ الّذِي أَرَدْتُمْ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ أَلْفَاكُمْ وَلَمْ تَعَرّضُوا مِنْهُ مَا تُرِيدُونَ)( ).

عدم جواز حرمان البنت من الميراث
قال تعالى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
لم يرد لفظ (يوصيكم) في القرآن إلا في هذه الآية , وفيه بيان لوجوب العناية بالأولاد وحفظ حقوقهم في الميراث.
وإجماع علماء الإسلام مع تعدد مذاهبهم بأن للبنت نصف حصة وسهام أخيها سواء في المنقول أو غير المنقول ، فهي ترث من الأرض والبساتين والمزارع والبناء والأموال والعروض.
ولكن الذي أود بيانه الإستدلال الفقهي بهذه الآية ، إذ قال عدد من الفقهاء بجواز تقسيم الرجل تركته في حال حياته على الذكور فقط بعد أن تنازل لهم عن الثلث وهو مسلط على أمواله وله أن يحرم الإناث منها .
والمختار أن الآية أعلاه [يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ] تزجر عن تقسيم الملك على الأولاد الذكور فقط وفي حياة الأب نفسه ، وقاعدة السلطنة لا تعمل هنا وإن استدل بها بعض العلماء لقانون أشرعه هنا وهو الآية القرآنية مقدمة على قاعدة السلطنة المستنبطة من النصوص بالإضافة إلى أصالة الإطلاق في الآية القرآنية الحكم الشرعي إلا مع الدليل على التقييد وهو مفقود في المقام.
إذ تبين الآية أن البنات لهن حق تعليقي في مال الأب في حياته ، فقد رزقه الله عز وجل المال له ولأبنائه من بعده ذكوراً وإناثاً .
وهذه الآية لا تخص التركة بعد موت الوارث ، بل تتوجه بالخطاب للآباءفي حياتهم بأن يحفظوا حقوق أبنائهم ذكوراً وإناثاً ولا يصح تقسيم التركة بين الأبناء الذكور فقط ، قال تعالى وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ.
نعم للأب أن يوصي بالثلث .
والجمهور على أنه لا وصية لوارث لحديث نبوي يذكرونه .
ومختار الإمامية جواز الوصية للوارث عملاً باطلاق الآية الكريمة وقوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ.
ويختص هذا الجزء بتفسير الآية الأولى من سورة النساء ومنها وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ.
وحفظ حق البنات متزوجات أو غير متزوجات في المال والتركة من مصاديق التقوى وصلة الأرحام وأبين قانوناً وهو حاجة الفقيه والمجتهد إلى القرآن وآيات الأحكام منه أكثر من حاجته إلى علم الأصول .
وفي آية البحث دعوة لحرص الأب على بقاء حصة بناته من ملكه وإن كن متزوجات من أجنبي ، وهذه التركة حق لهن ، وفيه عز لهن في حياة أبيهن وبعد وفاته ولعله من أسباب بِرهن به في حياته وبعد مماته ، قال تعالى آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا.
وكانوا في الجاهلية يحرمون البنات والأبناء الصغار من الميراث ، وإذا مات الرجل القى ابنه الأكبر رداءه على زوجته التي هي غير أمه وان شاء تزوجها ، أو تركها كالمعلقة أو ساومها على تركها وشأنها .
فجاء الإسلام وجعل لها الثمن من التركة مع الولد ، وحرم على ابن الميت الزواج منها ، قال تعالى وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا.
صلة الموتى من الأرحام
تؤكد آية البحث صلة الأرحام ، وعدم اختصاص هذه الصلة بالمؤمنين منهم ، نعم الأولوية للمؤمنين ، وإذ جاءت الكتب السماوية السابقة باكرام الوالدين في الدنيا ، فقد نزل القرآن بالمعنى الأعم من جهات :
الأولى : بر الوالدين ، وعدم الإساءة لهما ، قال تعالى فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا.
الثانية : بر الوالدين بعد مماتهما .
الثالثة : الإحسان إلى ذوي القربى الأحياء ، وكذا الأموات بالإستغفار لهم ، والتصدق نيابة عنهم ، واهداء الصلاة وتلاوة القرآن ، وحج بيت الله الحرام نيابة عن الوالدين وعن عموم ذوي القربى.
وهل يتطلع أهل القبور لذوي قرباهم من الأحياء لذكرهم واهداء الصالحات لهم ، الجواب نعم ، لما فيها من مغفرة الذنوب ، وتسليم الأحياء بالحياة في عالم البرزخ ، وعالم الحساب والجزاء .
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (إن الميت ليفرح بالترحم عليه والاستغفار له، كما يفرح الحي بالهدية تهدى إليه)( ).
ليكون من معاني قوله تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ من الأحياء والأموات .
قانون الانتفاع من الأهداء للميت
أيهما أكثر انتفاعاً من الهدية كالصلاة والصدقة والحج ، هل هو الحي الذي يهدي إلى الميت أم الميت الذي يتلقى الهدية ، المختار هو الحي لقوله تعالى مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا.
وتستحضر النية في إهداء الصلاة والصدقة للميت بذكر اسمه عند الأداء ويستحب الدعاء له ، كما لو صلى زيد ركعتين هدية لأبيه فيقول : اللهم اجعل ثواب هاتين الركعتين لأبي وأغفر له ، وكذا بالنسبة للصدقة بالمال نيابة عن الميت .
وعن أبي قتادة (قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يقول : خير ما يخلف الرجل بعده ثلاث : ولد صالح يدعو له ، وصدقة تجري يبلغه أجرها ، وعلم ينتفع به من بعد)( ).
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا مناسبة ووعاء لعمل الصالحات وجني الحسنات ، ومنها الهدية للأموات والصدقة نيابة عنهم ، وفيه إقرار بالحياة والبعث في العالم الآخر قال تعالى أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.
صلة صفية زوج النبي (ص) لرحمها
ذهبت جارية لأم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب وهي من بني النضير إلى عمر بن الخطاب فقالت (إن صفية تحب السبت ، وتصل اليهود).
وصفية من ذرية هارون أخي موسى عليه السلام ، تزوجها سلام بن مشكم وهو فارس بني قريظة ، ومن كبار شعرائهم .
ثم تزوجها كنانة بن أبي الحقيق الذي قتل يوم خيبر ، فوقعت في السبي ، وخيرها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين الإسلام وإمساكها لنفسه وزواجه منها ، وبين البقاء على اليهودية ، فاختارت الإسلام ، فاعتقها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتزوجها وجعل صداقها عتقها ، لتفوز بمرتبة النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ.
ورأى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (بوجهها أثر خضرة قريبا من عينها فقال: ما هذا؟ قالت: يا رسول الله رأيت في المنام قمرا أقبل من يثرب حتى وقع في حجري فذكرت ذلك لزوجي كنانة فقال: تحبين أن تكوني تحت هذا الملك الذي يأتي من المدينة.
فضرب وجهي واعتدت بحيضة. ولم يخرج رسول الله من خيبر حتى طهرت من حيضتها، فخرج رسول الله من خيبر ولم يعرس بها، فلما قرب البعير لرسول الله ليخرج وضع رسول الله رجله لصفية لتضع قدمها على فخذه فأبت ووضعت ركبتها على فخذه وسترها رسول الله وحملها وراءه، وجعل رداءه على ظهرها ووجهها ثم شده من تحت رجلها وتحمل بها وجعلها بمنزلة نسائه.
فلما صار إلى منزل يقال له تبار على ستة أميال من خيبر مال يريد أن يعرس بها فأبت عليه فوجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نفسه من ذلك.
فلما كان بالصهباء وهي على بريد من خيبر قال: رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، لأم سليم: عليكن صاحبتكن فامشطنها. وأراد رسول الله أن يعرس بها هناك.
قالت أم سليم: وليس معنا فسطاط ولا سرادقات فأخذت كسائين أو عباءتين فسترت بينهما إلى شجرة فمشطتها وعطرتها. قالت أم سنان الأسلمية: وكنت فيمن حضر عرس رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، بصفية مشطناها وعطرناها .
وكانت جارية تأخذ الزينة من أوضأ ما يكون من النساء وما وجدت رائحة طيب كان أطيب من ليلتئذ، وما شعرنا حتى قيل رسول الله يدخل على أهله وقد نمصناها( ) ونحن تحت دومة؟
وأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمشي إليها فقامت إليه، وبذلك أمرناها، فخرجنا من عندهما وأعرس بها رسول الله هناك وبات عندها، وغدونا عليها وهي تريد أن تغتسل.
فذهبنا بها حتى توارينا من العسكر فقضت حاجتها واغتسلت، فسألتها عما رأت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت أنه سر بها ولم ينم تلك الليلة ولم يزل يتحدث معها.
وقال لها: ما حملك على الذي صنعت حين أردت أن أنزل المنزل الأول فأدخل بك؟ فقالت: خشيت عليك قرب يهود. فزادها ذلك عند رسول الله، وأصبح رسول الله فأولم عليها هناك وما كانت وليمته إلا الحيس( )، وما كانت قصاعتهم إلا الأنطاع.
فتغدى القوم يومئذ ثم راح رسول الله فنزل بالقبيصة وهي على ستة عشر ميلا)( ).
وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاءت جارية لصفية بنت حيي إلى عمر بن الخطاب ، وقالت : إن صفية تحب السبت ، وتصل اليهود ، فبعث إليها فسألها (فقالت: أما السبت فلم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحماً، فأنا أصلها، ثم قالت للجارية: ما حملك على ما صنعت ، قالت : الشيطان ، قالت : فاذهبي فأنت حرة)( ).
لبيان صلة الرحم بالمعنى الأعم ، وشمولها لغير المسلم ، وهو الذي يتجلى من إطلاق الآية بقوله تعالى [وَالْأَرْحَامَ] مع أولوية المؤمن من الرحم القريب .
توفيت صفية سنة خمسين للهجرة عن ستين سنة ، ودفنت في البقيع.
وفيه شاهد بوجود عدد من اليهود في المدينة حتى بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
صلة الأرحام في التوراة والإنجيل
من الثوابت في الكتب السماوية المنزلة الحث على صلة الأرحام ، وقد جاءت التوراة والإنجيل بوجوب إكرام الوالدين مع بيان منافعه منها في سفر التثنية من التوراة (5: 16 اكرم اباك وامك كما اوصاك الرب الهك لكي تطول ايامك ولكي يكون لك خير على الارض التي يعطيك الرب الهك.
5: 17 لا تقتل
5: 18 ولا تزن
5: 19 ولا تسرق
5: 20 ولا تشهد على قريبك شهادة زور
5: 21 ولا تشته امراة قريبك ولا تشته بيت قريبك ولا حقله ولا عبده ولا امته ولا ثوره ولا حماره ولا كل ما لقريبك)( ).
وفي انجيل متى (19: 19 اكرم اباك وامك واحب قريبك كنفسك)( ).
وفي انجيل لوقا (وقريبك مثل نفسك)( ).
والمراد من القريب في النسب وفي المكان والجوار وذو القرابة هو القريب في النسب خاصة مع موضوعية الأسرة ومنها إكرام الأب والأم .
وتبين قصص الإنجيل الذي يصبح قريباً بالمداراة والإحسان .
(10: 29 واما هو فاذ اراد ان يبرر نفسه قال ليسوع ومن هو قريبي.
10: 30 فاجاب يسوع و قال انسان كان نازلا من اورشليم الى اريحا فوقع بين لصوص فعروه وجرحوه ومضوا وتركوه بين حي وميت .
10: 31 فعرض ان كاهنا نزل في تلك الطريق فراه وجاز مقابله.
10: 32 وكذلك لاوي ايضا اذ صار عند المكان جاء و نظر وجاز مقابله.
10: 33 ولكن سامريا مسافرا جاء اليه ولما راه تحنن .
10: 34 فتقدم وضمد جراحاته وصب عليها زيتا وخمرا واركبه على دابته واتى به الى فندق واعتنى به .
10: 35 وفي الغد لما مضى اخرج دينارين واعطاهما لصاحب الفندق وقال له اعتن به ومهما انفقت اكثر فعند رجوعي اوفيك .
10: 36 فاي هؤلاء الثلاثة ترى صار قريبا للذي وقع بين اللصوص.
10: 37 فقال الذي صنع معه الرحمة فقال له يسوع اذهب انت ايضا واصنع هكذا)( ).
صلة الأرحام
لقد بينت آية البحث موضوعية صلة الأرحام ، وهذا البيان من جهات :
الأولى : اقتران ذكر الأرحام مع ذكر الله عز وجل .
الثانية : قانون صلة الأرحام من تقوى الله وفق قواعد وقوانين جلية للتقوى ، ويدل عليه ما ورد عن عبد الله بن مسعود (قال : انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في قبة من أدم حمراء في نحو من أربعين رجلاً فقال : إنه مفتوح لكم وإنكم منصورون ومصيبون فمن أدرك منكم ذلك فليتق الله وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر وليصل رحمه ، ومثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل البعير يتردى فهو يتردى بذنبه)( ).
الثالثة : قانون المساءلة العامة عن صلة الأرحام في الآخرة .
الرابعة : الإنذار للناس جميعاً بعموم المساءلة عن الإرحام يوم القيامة ، وعدم حصر صلة الأرحام بالإيمان ، إذ تدل آية البحث على قانون تكليف كل إنسان بصلة الرحم .
قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء ، الرحم شجنة من الرحمن فمن وصلها وصله ومن قطعها قطعه)( ).
والشجنة : الشعبة .
ومنه الحديث ذو شجون : أي أطراف وأعراض وشعب ، ليشير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديث الرحم إلى التقارب بين ذوي القربى ، وأن الصلة بينهم لا تختص بالأقربين .
و(عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إنكم ستفتحون مصر وهي أرض يسمى فيه القيراط فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمة ورحما أو قال ذمة وصهرا.
فإذا رأيتم رجلين يختصمان فيها في موضع لبنة فاخرج منها قال فرأيت عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة وأخاه ربيعة يختصمان فيها في موضع لبنة فخرجت منها)( ).
إن إخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن فتح المسلمين لمصر معجزة له ، وهو إخبار من علوم الغيب له دلالات عديدة من وجوه :
الأول : إنه شعبة من الوحي .
الثاني : بيان قوة الإسلام وإتساع حكمه في الأقطار .
الثالث : سهول ويسر فتح البلدان بالحجة والبرهان .
الرابع : قانون رفق المسلمين بالناس ، وأهل الأمصار .
وقد صدر في كتابي الموسوم (تفسير سورة يوسف) المسجل بدار الكتب والوثائق في بغداد برقم 272 لسنة 1991 وجاء قوله تعالى ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ حكاية عن يوسف عليه السلام لأبويه وإخوته ومن معاني الآية بشارة فتح المسلمين مصر بيسر وأمان ، لبيان تثبيت سنن التقوى في الأرض باقامة الصلاة اليومية والعمل بأحكام الحلال والحرام التي في القرآن .
الخامس : إخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن مصاهرة ونسب بعيد إذ أن هاجر زوجة إبراهيم عليه السلام من مصر ، وهي أم إسماعيل النبي جد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
لبيان السعة في صلة الرحم ، وعندما أخبر جيش المسلمين في السنة التاسعة عشرة للهجرة وفد القبط بما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تدارسا بينهما ثم قالا (قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الأنبياء واتباع الأنبياء وذكرا أن هاجر معروفة عندهم شريفة .
قالا كانت ابنة ملكنا وكان من أهل منف والملك فيهم فأذيل عليهم أهل عين شمس فقتلوهم وسلبوا ملكهم واغتربوا فلذلك صارت إلى إبراهيم عليه السلام)( ).
معجزة صلة الرحم
لقد نزل القرآن بالتأكيد على صلة الأرحام ، كما في آية البحث التي أخبرت بأن الناس جميعاً يُسألون يوم القيامة عن حسن صلتهم بأرحامهم.
ومن معاني قوله تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ترتب الثواب والعقاب على صلة الأرحام على اختلاف الملل والمذاهب .
وهل يُسأل المشرك والكافر عن صلة الأرحام ، الجواب نعم ، لصبغة العموم في آية البحث وابتداؤها بالنداء إلى الناس جميعاً ، نداء تكليف وأمر ، ويؤثم ويعاقب الذي يتخلف منهم عن صلة الأرحام ويصد عن ذوي القربى ولا يمد لهم يد العون والمساعدة ، ولكن هل يثاب الكافر على صلة الرحم ، المختار لا ، لقانون الكفر حاجب عن الثواب ، وفي التنزيل قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تأكيده على صلة الأرحام في سنته القولية والفعلية .
ترى ما هي النسبة بين صة الأرحام وبر الوالدين ، الجواب إنها العموم والخصوص المطلق ، قال تعالى وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا.
فيدخل بر الوالدين في صلة الأرحام مع بيان أولويته إذ قرنه الله تعالى بعبادته في آيات عديدة ، ومنع من التأفف من أمر الوالدين .
و(عن أبي بكرة قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا : بلى يا رسول الله . قال : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وكان متكئاً فجلس فقال : ألا وقول الزور . ألا وشهادة الزور ، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت)( ).
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (واما قوله إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ، قال : ان اضجراك فلا تقل لهما أف ، ولا تنهرهما ان ضرباك .
قال [وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا] قال : يقول لهما : غفر الله لكما . فذلك منك قول كريم.
وقال وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ قال لا تملاء عينيك من النظر اليهما الا برحمة ورقة ولا ترفع صوتك فوق اصواتهما ولا يديك فوق ايديهما ولا تتقدم قدامهما)( ).
نصب الأرحام
نصب الأرحام على تقدير : واتقوا الأرحام .
(وقرأ حمزة والأرحام بالكسر)( ).
ولا يختص تقوى الأرحام بالنهي عن قطعها إنما يشمل تعاهد صلة الأرحام ، والإنفاق والإحسان إلى الأرحام ، وبذل الوسع في إعانتهم ، واستدامة الصلة معهم ، إذ أن صلة الأرحام من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً .
فأداء التحية والسلام صلة للرحم ، لكن الأعلى رتبة منه هو التكافل والتعضيد وقضاء الحوائج ، وإزاحة الكدورات ، ومنع المنغصات ، مع الرفق والعفو والصفح ، لذا يقال : أسألك بالله والرحم .
وعن عبد الله بن مسعود (علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطبة الصلاة وخطبة الحاجة . فأما خطبة الصلاة فالتشهد .
وأما خطبة الحاجة فإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
ثم يقرأ ثلاث آيات من كتاب الله اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ثم تعمد حاجتك)( ).
ومن معاني الآية : واتقوا الله في ذوي الأرحام ، لبيان أن صلة الرحم من طاعة الله ومصاديق الخشية منه .
وتبين خاتمة الآية أن الأوامر في الآية ليست للإباحة والجواز إنما هي للوجوب والإستحباب لما في قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا] من البشارة والإنذار ، البشارة للذي يتقي الله ، ويعتني بالأرحام ، ويتواصل معهم ، والإنذار للذي يعصي الله ولا يخشاه بالغيب ، ومن يصد عن ذوي قرباه ، ولا يلتفت إلى حاجتهم له .

وجوبُ بر الأب بأبنائه
قال تعالى وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا.
لقد نزل القرآن بالتأكيد على بر الوالدين وقرن الله الإحسان إليهما بطاعته .
وجاءت السنة النبوية بالحض على بر الوالدين والإعانة عليه، وأن عقوق الوالدين من الكبائر .
و(عن عبد الله بن عمرو ، قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : يا رسول الله أجاهد ، فقال : لك أبوان ، قال : نعم ، قال : ففيهما فجاهد)( ).
ويجب على الأب البر بأبنائه ، وهل يلزم الدور ببر كل واحد منهما الآخر ، الجواب لا ، للتباين الموضوعي فبر الأبناء بالأب غير بر الأب بأبنائه موضوعاً وحكماً .
ويبدأ هذا البر من حين الزواج باختيار المرأة العفيفة الصالحة .
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (تخيروا لنطفكم فان العرق دساس).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم أقل من الدين تكن (حرا وأقل من الذنوب يهن عليك الموت وانظر في أي نصاب تضع ولدك فإن العرق دساس)( ).
وعن أبي سعيد الخدري أن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال (إياكم وخضراء الدمن ، فقيل : يا رسول الله ، وما خضراء الدمن ، قال : المرأة الحسناء في المنبت السوء)( ).
والدِمن : مطارح الزبالة ، ومحل القذارات ، فقد ينبت منها ما يعجب الناظر .
ثم تحسين أسماء الأبناء ، وأفضلها ما ورد بالعبودية لله كعبد الله ، وبأسماء النبي محمد والأئمة الأطهار .
وقد اشتهر عند الناس قول : خير الأسماء ما حمد وعبد ، أي بالعبودية لله ، ولم يرد هذا القول عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو الأئمة عليهم السلام أو الصحابة .
والأهم في بر الوالد لولده حسن التأديب والتربية الصالحة ، وتلبية حقوقه وفق الشريعة ، وتمرينه على أداء العبادات من صغره فيستحب أن يصلي ، وأن يصوم شطراً من النهار قبل البلوغ .
والعدل بين الأولاد إلا مع وجود راجح شرعي وبقدره ، كما لو كان أحد الأبناء في الدراسة أو يتحلى بالورع والتقوى ، مع المساواة بينهم في المحبة والرحمة والنفقة .
وقد جعل الله عز وجل سورة يوسف موعظة وعبرة للمسلمين فابناء نبي حسدوا أخاهم يوسف فالقوه في غيابت الجب أي في قعر بئر مظلم بحيث لا يسمع استغاثته رجال القوافل المارة .
ومن بر الوالد بأولاده في هذا الزمان حجبهم عن البرامج القبيحة والضارة في عقيدة التوحيد وفي الأخلاق ، ومنه الإمتناع عن القسوة والتعنيف الجسدي والإهانات والشتائم ، أو التركيز الدائم على أخطاء الابن والإستخفاف به .
وفي الصحيفة السجادية الدعاء الرابع والعشرون في دعاء الإمام السجاد لولده والذي يبدأ بـ(اللهم ومن عليّ ببقاء ولدي ، وبإصلاحهم لي ، وبإمتاعي بهم ، إلهي أمدد لي في أعمارهم ، وزد لي في اجالهم ، ورب لي صغيرهم ، وقو لي ضعيفهم .
وأصح لي أبدانهم وأديانهم وأخلاقهم ، وعافهم في أنفسهم وفي جوارحهم وفي كل ما عنيت به من أمرهم ، وأدرر لي وعلى يدي أرزاقهم ، واجعلهم أبرارا أتقياء بصراء سامعين مطيعين لك)( ).
وقد ذكرت هذا الدعاء وشرحه في الجزء الثالث من كتابي الموسوم (بحوث في الصحيفة السجادية) والمطبوع في بغداد سنة 1996م.
بر الوالدين بعد وفاتهما
من فضل الله عز وجل على الناس في الحياة الدنيا الهداية والتأديب والبعث إلى الأخلاق الحميدة ومنها بر الوالدين وإمكان التدارك في العبادات والمعاملات ، ومنه قضاء ما فات من الصلاة والصيام والزكاة والحج والخمس ، ومنه أداء حقوق الناس عن الذات وعن الوالدين بعد موتهما .
وقد ورد قوله تعالى [وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا] أربع مرات في القرآن مقترناً في كل مرة مع وجوب عبادة الله عز وجل ونفي الشريك عنه منه قوله تعالى وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا.
وقد أسست علماً جديداً في التفسير اسمه (التفسير بالتقدير) ليكون تقدير (وبالوالدين إحسانا) على وجوه :
الأول : وبالوالدين إحسانا في حياتهما .
الثاني : وبالوالدين إحساناً بالإنفاق عليهما مع مسمى حاجتهما من غير إيذاء ، قال تعالى فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ.
الثالث : وبالوالدين إحسانا بالرفق والرحمة لذويهما في حياتهما وبعد وفاتهما من الأعمام والأخوال .
الرابع : وبالوالدين إحسانا بالإستغفار لهما ، وقضاء ديونهما العبادية والمالية .
الخامس : وبالوالدين إحسانا باجتناب عقوقهما في حياتهما وبعد وفاتهما.
ومن بر الوالدين والإحسان إليهما بعد وفاتهما وجوه :
الأول : الإكثار من الإستغفار للوالدين .
الثاني : قضاء ما في ذمتهما من العبادات الفائتة ، وصحيح أن الولد الأكبر يتحمل أداء ما في ذمة والده إلا أنه يستحب للأولاد الآخرين قضاؤها.
الثالث : قضاء ما على الوالدين من الديون .
الرابع : الصدقة والصلاة نيابة عن الوالدين .
الخامس : إهداء قراءة القرآن للوالدين ، واطعام الطعام في ثوابهما، أثناء غذاءك تنوي ثوابه لوالديك ، وبعد الإنتهاء منه تقرأ الفاتحة وتهدي ثوابها إلى والديك يدخل نسيم لهما في القبر ، وتنزل عليهما البركة من غير إنفاق إضافي .
وهذه الحسنات يأتي بها الأولاد الذكور والإناث وقد تكون البنت أكثر براً بأبيها ، وهو من مصاديق قوله تعالى آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ومن كان منهم باراً بوالديه أو عاقاً لهما في حياتهما يستطيع التدارك وأن يكون باراً لهما بعد وفاتهما .
فهل البر بالوالدين بعد وفاتهما من مصاديق هذه الآية وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ، الجواب إنه منها ، ومن فضل الله تأتي بعض المنامات لتذكير الإنسان بهذا الحق.
وفي صحيحة محمد بن مسلم عن الإمام الباقر عليه السلام قال (إن العبد ليكون بِرا بوالديه في حياتهما ثم يموتان فلا يقضي عنهما ديونهما ولا يستغفر لهما فيكتبه الله عاقا، وإنه ليكون عاقا لهما في حياتهما غير بار بهما فإذا ماتا قضى دينهما واستغفر لهما فيكتبه الله عز وجل بارا)( ).
ومن إعجاز القرآن حضور بعض آياته في الحياة اليومية للمسلمين ويعرفها الكبير والصغير والرجل والمرأة ، منها سورة الفاتحة وآية الكرسي ومنها قوله تعالى فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ.
وهل في (بر الوالدين) ثواب ، الجواب نعم ، سواء في برهما في حياتهما أو بعد وفاتهما ، لما فيه من الإمتثال لأمر الله ونشر شآبيب التراحم بين الناس وإكرام الكبير والشكر للوالدين على الإنجاب والتربية والإنفاق ، وهو من عمومات قوله تعالى مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ.
قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (ما يمنع أحدكم أن يبر والديه حيين وميتين يصلي عنهما ويتصدق عنهما ويصوم عنهما فيكون الذي صنع لهما وله مثل ذلك فيزيده الله ببره خيراً كثيرا)( ).
لبيان أمور :
الأول : قانون الصلة بين أهل الدنيا وأهل الآخرة ، وهل هي من طرف واحد ، بما يهديه الأحياء إلى الأموات ، أم من الطرفين وأن الأموات في عالم البرزخ يدعون للأحياء الذين يهدون لهم الصالحات ، ومنه شواهد في عالم الرؤيا بالبشارات والإنذارات ، الجواب هو الأول ، نعم يتجلى قانون إثابة الله عز وجل للذي يهدي العمل الصالح للأموات ويستغفر لهم .
ولكن رحمة الله تنزل للحي الذي يبر والديه ويصل ذوي القربى بعد وفاتهم وهو الذي يدل عليه الحديث أعلاه (فيزيده الله ببره خيراً كثيراً).
الثاني : ذكر الوالدين في الحديث أعلاه من باب الفرد الأهم والأقرب ، وذكر الأموات من ذوي القربى أعم ، وهو الذي جاءت به آية البحث بذكر الأرحام على نحو الإطلاق .
الثالث : إرادة إمتثال المسلمين الأمثل لقوله تعالى [وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا].
الرابع : بر الوالدين بعد وفاتهما دليل على التسليم بالعالم الآخر ، وأن الإنسان ينتفع بعد موته مما يهدي له الأحياء .
الخامس : الإستغفار للوالدين والصلاة والتصدق عنهما من مصاديق قوله تعالى في آية البحث وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ.
وهل يصح إهداء الصالحات للمؤمنين والمؤمنات ، الجواب نعم .
وعن الإمام الصادق عليه السلام (إن الصلاة والصوم والصدقة والحج والعمرة وكل عمل صالح ينفع الميت حتى ان الميت ليكون في ضيق فيوسع عليه ويقال : هذا بعمل ابنك فلان ، وبعمل أخيك فلان أخوك في الدين)( ).
ومن إعجاز آية البحث ذكرها لانتساب الناس لأب واحد ثم دعت لصلة الأرحام بمعناها الأعم ، وليس مراتب الإرث الثلاثة وحدها.
في الرسالة العملية (الحجة)
ومع صدور رسالتي العملية (الحجة) قبل خمس وعشرين سنة أي في سنة الفين وواحدة فقد أضفت لها باباً اسمه بر الوالدين وهو أمر مستحدث في الرسائل العملية ، ولأن هذا الأمر غير متعارف في الرسائل فاذكر الأسباب الموجبة :
الأول : تأكيد القرآن على وجوب الإحسان للوالدين .
الثاني : بيان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام في نصوص مستفيضة بأن عقوق الوالدين من الكبائر .
الثالث : رجاء الثواب من عند الله ، لبيان أن بر الوالدين غنيمة في الدنيا وسعادة في الآخرة .
الرابع : عسى أن يكتب الله عز وجل لي بعد وفاتي الثواب بانتفاع المسلمين والمسلمات في الأجيال اللاحقة منها .
الخامس : فتح باب التوسعة في الرسائل العملية للفقهاء ، وفق الكتاب والسنة .
السادس : يؤكد تأسيس باب بر الوالدين في الرسالة العملية حاجة الفقيه والمجتهد إلى التفقه في علوم القرآن والتدبر في خزائن آياته وموضوعيتها في الواقع اليومي للمسلمين والناس جميعاً ، فقوله تعالى [وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا] خطاب من الله عز وجل للناس جميعاً .
السابع : لقد جاءت كل الملل السماوية السابقة بالحض على بر الوالدين ومنه وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ .
الثامن : اقتران الإحسان للوالدين بعبادة الله عز وجل في أربع مواضع من القرآن في خطابات عامة للناس جميعاً كما ورد ذكره في آية الميراث وفي آية البحث وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ .
وعن النوفلي، عن السكوني، عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الولد الصالح ريحانة من رياحين الجنة.
وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سعادة الرجل الولد الصالح)( ).
ومن أسماء الحسن والحسين عليهما السلام ريحانتا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي سماهما بهذا الاسم.
وأخرج البخاري والترمذي وسأل رجل ابن عمر (عن دم البعوض فقال ممن أنت قال من أهل العراق قال انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول هما ريحانتاي في الدنيا)( ) .
وليس كل أهل العراق اشتركوا بقتل الإمام الحسين عليه السلام ، إنما هم جنود يزيد وعبيد الله بن زياد ، وكان من أهل العراق من سقط شهيداً مدافعاً عن الحسين في كربلاء .
ويطلق الريحان على كل بنت طيب الرائحة ، وشم وضم الولد يبعث السكينة في النفس .
تفسير [إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا]
من أسماء الله عز وجل الحسنى [الْحَيُّ الْقَيُّومُ] ومن أسمائه (الرقيب) فهو الذي يطلع على كل فعل يقوم به الفرد أو الجماعة ويحصي أعمال الناس لتحضر معهم يوم القيامة ، ويعلم ما يضمره الإنسان في نفسه .
و(عن أم معبد قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم طهر قلبي من النفاق ، وعملي من الرياء ، ولساني من الكذب ، وعيني من الخيانة ، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ قال : قادر على أن يقضي بالحق وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يقدرون على أن يقضوا بالحق)( ).
فجاءت خاتمة آية البحث للبشارة والإنذار ، البشارة للمؤمنين الذين يعملون الصالحات والإنذار للذين كفروا وضيعوا وقطعوا أرحامهم ، وحاربوا النبوة والتنزيل .
لقد وردت الآية بصيغة التأكيد بالحرف (إن) لبيان القطع والجزم بأن الله يرى كل فعل يصدر من الناس .
ويرى ويتعاهد سير الكواكب وعالم الأفلاك والدواب ونمو النبات ، وقد ورد قوله تعالى وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا.
لبيان قانون حضور الأشياء كلها عند الله عز وجل ، ورقابة الناس والأشياء غير علم الله بخلقهم السابق لإيجادهم .

خاتمة الآية
ترى لماذا وردت الآية بصيغة الماضي [إِنَّ اللَّهَ كَانَ] الجواب من جهات:
الأولى : يأتي الفعل الماضي ويراد به أفراد الزمان الطولية ، الماضي والحاضر والمستقبل.
الثانية : ما يفعله الناس في علم الله قبل أن يخلقوا .
الثالثة : الآية من مصاديق احتجاج الله عز وجل على الملائكة في قوله تعالى إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
فمن علم الله عز وجل في الآية أعلاه رقابة الله عز وجل لأفعال الناس وإحصاؤها ومحاسبتهم عليها ، قال تعالى يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.
وتدل الآية على إحصاء الله عز وجل للناس وأموالهم وأفعالهم ، لتكون حاضرة يوم القيامة في صحائف الأعمال ، قال تعالى وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ.وقال تعالى وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًاوقال تعالى وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا.

علم وإطلاع الله عز وجل على أعمال العباد
أختتمت آية البحث بقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا واختتمت آية السياق بقوله إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا لبيان تقدم الإنذار والوعيد على الظلم والتعدي ، فيما يخص الأيتام وحقوقهم .
وقد ورد لفظ [رَقِيبًا] خاصاً بالله عز وجل مرتين ، إذ ورد في آية البحث وفي قوله تعالى من سورة الأحزاب وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا .
والنسبة بين موضوع الآيتين العموم والخصوص المطلق ، إذ أخبرت الآية أعلاه عن رقابة وإطلاع الله عز وجل على كل شئ ، وكل فعل بينما ذكرت آية البحث إطلاع الله عز وجل على أفعال الناس جميعاً ، وفيه مسائل :
الأولى : الغبطة والسعادة والثواب العظيم للذين يتقون الله .
الثانية: الأجر العظيم للذين يقرون بأن الله عز وجل هو خالقهم وربهم وتجب طاعته .
الثالثة : الإنذار والوعيد من أكل أموال اليتامى ، والتعدي على حقوقهم ، وإكراههم على فعل شئ لا يرغبون به وإن كان حلالاً مثل إكراههم على العمل، أو على زواج مخصوص .
الرابعة : رقابة وإطلاع الله عز وجل على كل فعل من العباد سواء الذي هو من تقوى الله ، أو أنه مخالف لتقوى الله .
الخامسة : حاجة الإنسان إلى التحلي بسنن التقوى .
السادسة : توالي النعم على المتقين في الدنيا ، والسعادة الدائمة في الآخرة ، وجاءت آية التباين بين المتقين وأصحاب المعاصي ، إذ قال تعالى أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ .
وخاتمة آية البحث ترغيب للناس بالتقوى واستحضار ذكر الله عز وجل عند الإقدام على الفعل ، وإدراكهم بأن الله يعلم ما يفعلون .
علم المناسبة (رقيبا)
يدل قوله تعالى وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ على إحصاء الله عز وجل لأعمال العباد ، ومحاسبتهم عليها يوم القيامة .
وهل تنحصر الرقابة الإلهية المذكورة في آية البحث بالحساب في الآخرة بلحاظ الآية أعلاه من سورة الصافات ، الجواب لا .
فتأتي أنواع من الجزاء في الدنيا ثواباً وعقاباً .
ومن معاني الرقيب : الحفيظ ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإستشهاد بقصص القرآن وما ورد بخصوص الأنبياء في القرآن إذ ذكر عيسى عليه السلام لما ورد عنه في التنزيل فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ.
فقد ورد (عن ابن عباس قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلاً ، ثم قرأ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ.
ثم قال : ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال .
فأقول : يا رب أصحابي أصحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك .
فأقول كما قال العبد الصالح وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ فيقال : أما هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم مذ فارقتهم)( ).
ومن الإعجاز في خاتمة آية البحث اجتماع المتضادين بها ، إذ تجمع بين أمرين :
الأول : الوعد بالأجر والثواب للذين يتقون الله ، ويحفظون أموال اليتامى ، ويصلون أرحامهم .
و(عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله قال : من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أجله فليصل رحمه)( ).
الثاني : الوعيد بالعقاب الأليم للذين كفروا والذين يأكلون أموال اليتامى ، ويقطعون أرحامهم .
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (ان رجلا من خثعم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله اخبرني ما افضل الاسلام؟ قال: الايمان بالله قال: ثم ماذا.
قال : صلة الرحم قال : ثم ماذا ، قال : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال: فقال الرجل: فاي الأعمال ابغض إلى الله عز وجل.
قال : الشرك بالله قال: ثم ماذا؟ قال: قطيعة الرحم قال: ثم ماذا؟ قال: الامر بالمنكر والنهي عن المعروف)( ).
ويدل الجمع بين أول وآخر الآية أن الله عز وجل لم يترك الناس بعد أن خلقهم إنما يرقبهم ويعلم أسرارهم ، ويحصي أعمالهم ، لتحضر معهم يوم القيامة .
وقد ابتدأت آية البحث بصيغة الخطاب ، ووردت خاتمة الآية بذات الصيغة العامة للحث على تعاهد تقوى الله ، والعمل بمضامين آية البحث.
صدور الجزء (274) من معالم الإيمان
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، الحمد الله الذي واهب العطايا .
الحمد لله على نعمه التي لاتعد ولا تحصى ونسأله تعالى الزيادة من فضله.
الحمد لله الذي بنعمته صدر الجزء الرابع والسبعون بعد المائتين من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) ويختص بقانون آيات السلم محكمة غير منسوخة في جهاد علمي لدفع المشهور في علم التفسير بأن آية السيف نسخت مائة وأربعاً وعشرين آية وما يترتب عليه سياسياً وإجتماعياً .
وقد بينت انتفاء الأصل لهذا القول ، ومخالفته للغة الدليل والبرهان ، إذ يتضمن هذا الجزء بيان الإحكام وإثبات أحكام عدد من آيات السلم بالشواهد.
وأقوم بالتأليف والتصحيح والمراجعة لكتبي في التفسير والفقه والأصول بمفردي بفضل ومدد وعون من عند الله عز وجل قال تعالى لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ.
ويتضمن الجزء (274) ثمانية وثلاثين ومائتي قانوناً ، بينما يتضمن هذا الجزء الذي بين أيدينا (214) ثلاثة عشر ومائتي قانوناً.
ومن مواضيع الجزء السابق :
الأول : شواهد السنة النبوية على سلامة آيات السلم من النسخ .
الثاني : قلة الآيات المنسوخة .
الثالث : سرعة انهاء القتال في السنة النبوية .
الرابع : قانون الصلح سلم وأمن .
الخامس : القائلون بنسخ آيات من آيات السلم والصلح .
السادس : الإسلام دين الرحمة والسلم .
السابع : قانون الأمل شعبة من الفطرة .
الثامن : مصاديق الصفح يوم الفتح .
التاسع : حج البيت نداء للسلم المجتمعي العام.
العاشر : معجزة انتشار الناس في أقطار الأرض ، بلحاظ أنهم من أب واحد ، وأم واحدة.
آية البحث من آيات السلم
وهذا الكتاب الذي بين يديك هو الجزء الخامس والسبعون بعد المائتين من تفسيري للقرآن ويختص بتفسير الآية الأولى من سورة النساء يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا.
وهل الآية أعلاه وهي آية البحث في هذا الجزء من آيات السلم ، الجواب نعم ، وإن لم يقل به أحد .
والإجماع على أن آية البحث محكمة غير منسوخة ، ومن معاني السلم في الآية وجوه :
الأول : اتحاد الناس في النداء [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] وهو من وجوب عبادة الناس لله ونبذ الشرك ومفاهيم الضلالة وأسباب الاقتتال .
الثاني : لقد ورد قوله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] واحدة وعشرين مرة في القرآن ، وفيه إكرام وتشريف للناس ، وحجة عليهم ، سواء بذات هذا النداء أو بالأحكام والأوامر التي تأتي معه ، ومنها الأمر بتقوى الله في آية البحث وهي على ثلاثة شعب :
الأولى : النداء من الله إلى الناس من غير واسطة نبي .
الثانية : النداء للناس على نحو العموم الإستغراقي بواسطة الأمر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة : قول سليمان إلى الناس في قوله تعالى وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ.
الثالث : تقوى الله هو الجامع المشترك بين الناس .
الرابع : تقدير قوله تعالى [وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً] أي ليتقوا الله الذي خلقهم .
الخامس : التضاد بين تقوى الله والحروب وسفك الدماء ، وحينما أخبر الله عز وجل الملائكة بأنه يجعل فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً تساءل الملائكة أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ فأجابهم الله [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ].
ومن علم الله عز وجل نزول آية البحث بالأمر المتكرر إلى الناس جميعاً بتقواه وطاعته والعمل بأحكام الحلال والحرام .
السادس : تقوى الله سلام دائم ، وحرز وواقية من الفتن ، قال تعالى وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ.
زواج النورين
قال تعالى يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا بياناً لوظيفة المرأة والأسـباب التكوينية في وجودها كزوجة وأم ووعاء لتكاثر بني آدم في الأرض كي يعبدوا الله عز وجل كما في قوله تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ.
واثبات شئ لشئ لا يفيد النهي عن غيره من وظائف المرأة الأخرى حسب الزمان والمكان ، وخرجت بعض الصحابيات ومنهن فاطمة عليها السلام وعائشة إلى معركة أحد ، لمداواة الجرحى وسقاية العطش وشاركت بعضهن في الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واصيبت بجراحات .
وسعي النساء في هذا الزمان باكتساب المعارف والإختصاص بطائفة من العلوم والسياسية .
ومنهن أم عمارة نسيبة بنت كعب ، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد (ما التفت يميناً ولا شمالاً إلا وأنا أراها تقاتل دوني)( ).
بخلاف نساء كفار قريش اللاتي حضرت معهم يومئذ إذ سئلت أم عمارة (هل كن نساء قريش يومئذٍ يقاتلن مع أزواجهن؟ فقالت: أعوذ بالله، ما رأيت امرأة منهن رمت بسهمٍ ولا بحجر، ولكن رأيت معهن الدفاف والأكبار، يضربن ويذكرن القوم قتلى بدر، ومعهن مكاحل ومراود، فكلما ولى رجلٌ أو تكعكع ناولته إحداهن مروداً ومكحلةً .
ويقلن: إنما أنت امرأة! ولقد رأيتهن ولين منهزماتٍ مشمراتٍ ولها عنهن الرجال أصحاب الخيل، ونجوا على متون الخيل يتبعن الرجال على الأقدام، فجعلن يسقطن في الطريق. ولقد رأيت هند بنت عتبة، وكانت امرأة ثقيلة ولها خلقٌ، قاعدةً خاشيةً من الخيل ما بها مشيٌ، ومعها امرأة أخرى.
حتى كر القوم علينا فأصابوا منا ما أصابوا، فعند الله نحتسب ما أصابنا يومئذٍ من قبل الرماة ومعصيتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم)( ).
والزهراء عليها السلام مع عظيم منزلتها في السماء والأرض هي أيضاً امرأة تقع عليها في هذا المقام مسؤولية عظيمة تشهدها الأرض الا وهي إظهار لواء الإمامة وحمل الإمامين الذين قال فيهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الحسن والحسين إمامان قاما او قعدا( ).
وقد ورد عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وام سلمة وسلمان الفارسي : ان فاطمــة بنت رسـول الله صلى الله عليه وآله وسـلم لما أدركت مدرك النســاء خطبهــا أكابــر قريش من أهل الفضل والسابقة في الإسلام والشرف والمال .
وكان كلما ذكرها رجل من قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعرض عنه بوجهه حتى كان الرجل منهم يظن في نفسه انه ساخط عليه او قد نزل عليه فيه وحي من السماء، ولقد خطبها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابو بكر فقال له: امرها الى ربها، وخطبها بعد أبي بكر عمر بن الخطاب فقال له: كمقالته لأبي بكر.
وفي رواية عن بريدة( ) ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لكل منهما انها صغيرة.
ثم اتفق عدد من الصحابة على تكليم الإمام علي عليه السلام بخطبة فاطمة خاصة وأنه لم يكلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكلموه ، فقال والله ان فاطمة لموضع رغـبة وما مثـلي قعد عن مثلها غير انه يمنعني من ذلك قلة ذات اليد.
ولعل في الخبر إشارة الى أن الإمام ينتظر الوقت المناسب لما فيه من الحجة والتوثيق.
ثم توجه الإمام علي عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان في بيت أم سلمة القرشية المخزومية تزوجها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في جمادى الآخرة من السنة الرابعة بعد وفاة زوجها وابن عمها ابو سلمة الذي كانت قد هاجرت معه إلى الحبشة ، وهي التي نزلت آية التطهير في بيتها إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.
تبتل المرأة
بالإسناد عن عبد الصمد بن بشير قال: دخلت امرأة على الإمام الصادق عليه السلام: فقالت: اصلحك الله اني امرأة متبتلة فقال: وما التبتل عندك قالت: لا اتزوج قال: ولم؟ قال: التمس بذلك الفضل، فقال: انصرفي فلو كان ذلك فضلاً لكانت فاطـمة احق به منك انه ليس احد يســبقها الى الفضل( ).
ليكون هذا الحديث من تفسير نعت المرأة من أول خلقها بأنها زوجة كما في آية البحث [وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا] فلم تقل الآية : وخلق منها نفساً مؤمنة أو وخلق منها المرأة.
لقد سأل الإمام عليه السلام عن مفهوم التبتل عند المرأة لأنه في الإصطلاح الإسلامي يعني الإنقطاع الى الله تعالى واخلاص النية وفي التنزيل وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً سأل عنه مسائل :
الأولى : معرفة اعتقاد المرأة وما تذهب اليه في قولها.
الثانية : لبيان مفهوم حقيقة التبتل.
الثالثة : للمنع من الغلو والتفريط.
الرابعة : للحيلولة دون انتشار مثل هذه المفاهيم بين النساء والرجال.
الخامسة : الاتعاظ والاستدلال بسيرة الزهراء عليها السلام وان عملها كان حجة على المؤمنات.
ويستحب التعجيل بزواج البنت حال بلوغها والمبادرة الى القاء حجب الستر عليها بالزواج لما فيه من معالم العز والعفة والإبتعاد عن الفاحشة ودروب الخطيئة والتوجــه الى قـبول احكام الدين باذن صاغية ونفس مستجيبة واعية، وفي مرسلة الكليني عنه عليه السلام: ان الله عز وجل لم يترك شيئاً مما يحتاج اليه الا وعلمه نبيه وكان من تعليمه اياه انه صعد المنبر ذات يوم فحمد الله واثنى عليه.
ثم قال: ايها الناس ان جبرئيل اتاني عن اللطيف الخبير، فقال: ان الابكار بمنزلة الثمر على الشجر اذا ادرك ثمارها فلم تجتن افسدته الشمس ونثرته الرياح وكذلك الأبكار اذا ادركن ما يدرك النســاء فليس لهن دواء الا البعـولة والا لم يؤمن عليهـن الفسـاد لأنهن بشر.
قال : فقام اليه رجل فقال: يا رسول الله فمن نزوج؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: الإكفاء قال: ومن الأكفاء؟ فقال: المؤمنون بعضهم اكفاء بعض، وروي عن الإمام الرضا عليه السلام قريباً منه( ).
لقد كانت حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم واهل بيته الميدان التطبيقي الأول لمبادئ الإسلام فمنها يطلع المسلمون على الوجه العملي للأحكام الشرعية اذ يقومـــون بمحاكاتها وفق صيغ تتبع الأثر، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ملتفتاً لسنن المحاكاة ومؤيداً في المقام بالوحي، فبزواج الزهراء اخذ المسلمون يتسابقون في تزويج بناتهم ويجتنبون التسويف والتردد في الأمر.
وتلقت الشابات من المسلمات الأمر بالقبول والرضا، لتتجلى بركات سيرة أهل البيت إلى الحياة الخاصة والأسرية للمسلمين ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.
من مصاديق القضاء على الوأد
لقد ســاهم زواج الزهــراء عليها الســلام من امير المؤمنين عليه السلام في القضاء على وأد البنات بالتوظيف الحسن للبنت في كيان الإسلام وبيان عدم امكانية الإستغناء عنها بل والحاجة اليها في مراحل بنائه الأولى ، قال تعالى [وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ] ( ) ، وفيه مسائل :
الأولى : بيان استحباب الزواج والحث عليه .
الثانية : الحسن الذاتي والوضعي لقلة المهر .
الثالثة : الزهراء أسوة حسنة للمسلمات في حسن التبعل .
و(عن المِسْوَر بنِ مَخرَمَةَ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني)( ).
مبارزة الفرقان
عنوان ومصطلح جديد وهو مقتبس من الجمع بين قوله تعالى هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ.
وقوله تعالى يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وسبب نزوله خصوص واقعة بدر .
ومن منافع إنشاء هذا المصطلح تخصيص دراسات لهذه المبارزة ومقدماتها ومنافعها وآثارها ، واستنباط المواعظ منها .
وقد صدر لي الجزء الواحد والسبعون بعد المائتين بعنوان (لم يغز النبي محمد (ص)أحدا).
وهذه الآية نزلت بخصوص أول مبارزة بين المسلمين والمشركين في واقعة بدر في السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة .
ولم يخرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ للمعركة إنما خرج للإستطلاع ونشر الإسلام والصلاة في أفواه القرى ، وكان يمر على المشركين وأنعامهم فلم يتعرض لهم .
ولكن أبا سفيان رئيس قافلة قريش القادمة من الشام أرسل إلى قريش ضمضم بن عمرو يخبرهم بأن محمداً وأصحابه يتعرضون لقافلتهم وكانت هذه القافلة مؤلفة من ألف بعير قادمة من الشام ومحملة بالذهب والفضة والقماش والقمح والشعير .
ولم يكن أهل بيت من مكة إلى وقد شاركوا فيها ، وكأن هذه المشاركة مكيدة ومكر وإرادة تهييج الناس ضد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وخروجهم للقاء عندما يأتي من يستنفرهم للخروج.
ومن المكر في المقام مسائل :
الأولى : كان عدد رجال القافلة ثلاثين رجلاً وقيل أربعين .
الثانية : كان في القافلة عمرو بن العاص ، وهو من الدهاة وأهل المكر .
الثالثة : سرعة النفير في مكة والخروج في ثلاث ليال .
الرابعة : خروج أكثر من ألف من أهل مكة لقتال النبي محمد في معركة بدر ، وقد رجع جماعة منهم إلى مكة من الطريق منهم من بني هاشم ، ورجع بنو زهرة من الجحفة عندما وصل رسول أبي سفيان يخبر عن نجاة القافلة وأنها قريبة من مكة ، ولكن أبا جهل وأصحابه أصروا على الذهاب إلى بدر وهي بئر تلتقي عندها القوافل للتزود بالماء.
وعند اللقاء أصر المشركون على القتال ، ونهي النبي محمد وأصحابه عن الإبتداء بالقتال ، وقتل أحد أصحابه بالنبال وهو مِهجَع الفكي.
فصبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكان النبي محمد ينادي قولوا لا إله إلا الله تفلحوا .
فاصر المشركون على القتال ، فبرز عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وابنه الوليد بن عتبة وطلبوا المبارزة .
وهذه الأسباب والمقدمات تدل على أن المشركين هم الغزاة في معركة بدر ، ومع هذا تسمى غزوة بدر من غزوات النبي محمد .
برز عتبة بن ربيعة بين أخيه وابنه ، وعتبة هذا هو أبو هند زوجة أبي سفيان .
(فلما توسطوا بين الصفين دعوا إلى البراز، فخرج إليهم فتية من الانصار ثلاثة، وهم عوف ومعاذ ابنا الحارث وأمهما عفراء، والثالث عبدالله بن رواحة فيما قيل، فقالوا: من أنتم ؟ قالوا رهط من الانصار.
فقالوا: ما لنا بكم حاجة .
وفى رواية فقالوا: أكفاء كرام، ولكن أخرجوا إلينا من بنى عمنا، ونادى مناديهم: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا.
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا على)( ).
ليلتقوا في مبارزة الفرقان .
أول مبارزة في الإسلام
وكان الصحابي الجليل أبو ذر (يقسم قسماً إن هذه الآية [هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ] إلى قوله إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ نزلت في الثلاثة والثلاثة الذين تبارزوا يوم بدر وهم : حمزة بن عبد المطلب ، وعبيدة بن الحارث ، وعليّ بن أبي طالب ، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ، والوليد بن عتبة)( ).
إذ طلب المشركون الثلاثة المبارزة فبرز لهم ثلاثة فتية من الأنصار فأرادوا أكفاءهم من قريش يرجون قتل بعضهم فيشيع الخبر في مكة ، فيمتنع الناس عن دخول الإسلام وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
فقتل الإمام علي الوليد ، ورأى اعتناق حمزة وشيبة فنادى المسلمون الإمام علي عليه السلام فقال : ياعم طأطئ رأسك وكان حمزة أطول من شيبة فادخل حمزة رأسه في صدره ، فضربه علي فطرح نصفه ، ثم جاء إلى عتبة وبه رمق فأجهز عليه .
وفي رواية أخرى كما في البحار للمجلسي( )، أنه قتل حمزة عتبة ، وقتل علي الوليد ، وقتل عبيدة شيبة إلا أنه ضرب رجل عبيدة فاستنقذه حمزة وعلي وحملا عبيدة وكان عمره سبعين سنة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فاستعبر .
فقال يا رسول الله ألست شهيد ، وقال : بلى أنت أول شهيد من أهل بيتي .
لقد أنزل الله عز وجل ألفاً من الملائكة يوم بدر لنصرة النبي محمد وأصحابه كما في قوله تعالى إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ.
فكانوا أهم سبب للنصرة يوم بدر إذ نزل جبرئيل في خمسمائة من الملائكة من جانب ، وميكائيل في خمسمائة من الملائكة من جانب .
وأسأل سؤالاً مستحدثاً فهل كان لهؤلاء الملائكة موضوعية ومدداً في هذه المبارزة بالذات ، هل كانوا عوناً للإمام علي وحمزة وعبيدة أثناء مبارزة الفرقان أم أن تصد الإمام علي وحمزة وعبيدة بمدد وعون ومشيئة من الله لهم خاصة من غير واسطة الملائكة .
إذا كان الملائكة تدخلوا في هذه المبارزة فكيف كان تدخلهم هل باعانة الإمام علي وحمزة وعبيدة أم ببعث الوهن في نفوس المشركين الثلاثة وشلّ أيديهم .
المختار أن للملائكة موضوعية في مبارزة الفرقان ، لأن الملائكة نزلوا من أول المعركة مع المدد الخاص من عند الله ومن غير واسطة الملائكة ، ولأن الله عز وجل إذا أعطى يعطي بالأوفى والأتم ، وقال تعالى وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى.
جزئية البسملة من القرآن
من فضل الله عز وجل على الناس عامة والمسلمين خاصة قوله تعالى [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] في القرآن ومجيئه في أول القرآن ، وأول كل سورة عدا التوبة وتعاهد المسلمين اليومي له في الصلاة وخارجها .
واجماع المسلمين على جزئية البسملة من القرآن ثم اختلف على أقوال :
الأول : البسملة آية من سورة الفاتحة دون غيرها من السور ، لذا تجدها بالعد الكوفي آية من سورة الفاتحة برواية حفص بن سليمان عن عاصم بن أبي النجود عن أبي عبد الرحمن السلمي عن الإمام عليه السلام وهي النسخة المشهورة في المصاحف .
الثاني : نزلت البسملة للفصل بين السور ، والتبرك ، وليست هي آية من سورة الفاتحة أو غيرها ، وبه قال مالك .
الثالث : البسملة جزء من كل سورة إلا سورة التوبة .
وتردد الشافعي مرة قال أنها آية من كل سورة من القرآن ، ومرة قال ليست آية إلا من الفاتحة.
وفي حال تبديل السورة الثانية بعد الإتيان بالبسملة هل نعتمد نفس البسملة للسورة أم تعاد قراءتها ، الجواب تعتمد ذات البسملة لعدم موضوعية الجزئية في القراءة ، ولأن البسملة من الكلي الطبيعي الذي ينبسط على كل سور القرآن ، ولمنع التشديد على النفس .
لذا لا يجب تعيين السورة عند الشروع بالبسملة والمختار حتى مع التعيين ثم تبديل النية لا تلزم إعادة البسملة .
وقال الشوكاني في فتح القدير (وقد جزم قرّاء مكة ، والكوفة بأنها آية من الفاتحة ومن كل سورة .
وجاء هذا الجزء من التفسير بتفسير الآية الأولى من سورة النساء وتسبقها البسملة في دعوة للناس لتقوى الله ، ورجاء إعانته ومدده في تيسير عملنا بالتقوى ، وتقريبنا منها ، وتقريبها منا ، وإزاحة الموانع التي بينها وبين التقوى وسننها ، لبيان قانون إجتماع صيغة الدعاء مع تلاوة الآية القرآنية .
وبلحاظ الجمع بين البسملة وآية البحث هل رجاء رحمة الله في الدنيا والآخرة من تقوى الله لأن البسملة ذكرت ثلاثة أسماء من أسماء الله الحسنى ، وفيها بشارة الرحمة للناس والخلائق كلها ، الجواب نعم .
أخلاق النبوة
قال تعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
خطاب خاص لفظاً موجه من الله عز وجل إلى رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ كانت أخلاق رسول الله بياناً عملياً لآيات القرآن ، وفي الآية مسائل استحدثتها هنا :
المسألة الأولى : هل الخلق العظيم الذي يتصف به النبي محمد شعبة من الوحي أم أنه باجتهاد وفطنة ورياضة من النبي ، الجواب إنه من الوحي ، قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
ولبيان فضل الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن يعطيه الله أعظم الهبات ثم يثني عليه بهذه الهبات ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا، وكذا يهدي الله عز وجل الناس للإيمان بالبينات والبراهين والنبوة والتنزيل ثم يدخلهم الجنة ثواباً على الهداية التي هي فضل ومنً ولطف من عند الله تعالى .
المسألة الثانية : هل كل الأنبياء على خلق عظيم أم الآية خاصة بخاتم النبيين ،المختار هو الأول ، لقانون ملازمة الخلق العظيم للوحي والتنزيل.
المسألة الثالثة : هل الخلق العظيم من الكلي المتواطئ الذي يكون على مرتبة واحدة عند الأنبياء أم أنه من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً .
الجواب هو الأول ليتجلى قانون كل نبي ورسول ذو خلق عظيم .
المسألة الرابعة : هل الأئمة من أهل البيت عليه السلام ذوو خلق عظيم وإذا كان الوحي انقطع بانتقال النبي محمد إلى الرفيق الأعلى فكيف يكون الأئمة ذوي خلق عظيم .
الجواب إنه بالتحديث فهم محدثون ، وبالإقتداء بسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا الإقتداء معروف للصحابة والتابعين وعموم المسلمين ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.
المسألة الخامسة : ماهي مصاديق الخلق العظيم عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب تتجلى بسنته القولية والفعلية وتقوى الله حق تقاته ، وطاعة الله والعمل بأحكام القرآن من الأوامر والنواهي ، والأمانة والصدق ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يسمى قبل البعثة (الصادق الأمين) .
لتكون هذه التسمية مقدمة لتصديق الناس برسالته والأمر بصلة الأرحام ، والتواضع ، والعفاف ، والكرم ، وإعانة الفقراء واليتامى ، والأرامل ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وحسن السمت مع العيال ، (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : خيركم خيركم لاهله وأنا خيركم لاهلي)( ).
المسألة السادسة : ما هي مكارم الأخلاق في آية البحث ، الجواب تقوى الله في القول والعمل ، ومن التقوى تعاهد الفرائض العبادية ، وصلة الأرحام ، ومن التقوى قانون إستحضارنا الدائم لرقابة الله عز وجل لنا .
البحث الخارج في التفسير
في البحث الخارج لعلم التفسير والذي ابتدأت بتدريسه في الحوزة العلمية الشريفة منذ سنة ألفين للميلاد أي قبل ست وعشرين سنة ومن غير انقطاع والحمد لله اختار أحد الفضلاء اليوم آية وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.
لأقوم بتفسيرها عن ظهر قلب ، ومن غير الرجوع إلى كتاب وإن كان هو الأفضل للمنهجية المتوارثة في البحث الخارج مع أني ذكرت تفسيرها في الجزء الثامن والتسعين من معالم الإيمان.
وابتدأت الآية بحرف العطف (الواو) مما يدل على اتصالها بالآية التي قبلها وهي وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ.
أي اجتنبوا دخول النار التي أعدها الله عز وجل للذين كفروا فلا تعرضوا معهم على النار بسوء الأفعال فيعيركم أهل النار .
وهذه الآية أيضاً معطوفة على الآية التي قبلها والتي ابتدأت بنداء الإيمان يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
ومن فضل الله عز وجل صدور أربعة أجزاء من تفسيري للقرآن خاصة بتفسير هذه الآية مع قلة كلماتها وهي الأجزاء : 94- 95 – 96 -97. والمراد من الذين آمنوا في الآية هم الذين نطقوا بالشهادتين ويدخل فيه المؤمنون والمؤمنات والمنافقون والمنافقات والضلال ، وأيضاً الذين تخلفوا عن أداء الفرائض العبادية.
والنسبة بين الذين آمنوا والمؤمنين عموم وخصوص مطلق ، فالمؤمنون أخص ، لذا جاءت آية البحث بالأمر لعموم المسلمين بالعمل بأحكام القرآن والسنة النبوية.
وهل ساهمت آية البحث في تناقص وتضاؤل النفاق والرياء في الإسلام ، الجواب نعم ، وهو من الإعجاز الغيري للآية .
ولما جاءت الآية السابقة بخصوص اجتناب الجحود والمعاصي التي تسوق صاحبها إلى النار، جاءت هذه الآية بخصوص الأعمال التي تنزل بها شآبيب الرحمة على العبد.
وجاءت الآية التالية بالإنذار والوعيد بالنار ، ولم تقف الآيات عند لغة الإنذار بل تعقبها الأمر بطاعة الله والرسول والبشارة بالمغفرة والجنة لمن يعمل الصالحات بقوله تعالى وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.
وتفيد الألف واللام في الرسول العهد لإرادة خصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لورود الآية بصيغة الأمر الدال على المضارع ، وكما في قوله تعالى يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ التي نزلت في بيعة الغدير كسبب للنزول ، وموضوع الآية أعم ، وليس من رسول بعد عيسى عليه السلام إلا الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبينهما نحو ستمائة سنة .
وتستلزم طاعة الله معرفة الأوامر والنواهي الإلهية ومضامين آيات الأحكام في القرآن، ويملي وجوب طاعة الرسول على المسلمين الإحاطة بالسنة النبوية ولو على نحو الإجمال والإنصات لأقوال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتدارس سيرته وسنته وأفعاله المباركة التي هي جزء من الوحي واتباعها، قال تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
ترى لماذا لم تقل آية البحث واطيعوا الله والنبي ، والجواب لبيان أن الرسول محمداً صاحب شريعة مبتدأة نسخت الشرائع السابقة .
السنة النبوية والمغيبات
من الدلائل على الربوبية المطلقة لله عز وجل اختصاصه تعالى بعلم الغيب ، وفي الثناء على الله ورد التنزيل هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ لبيان التوحيد واتصاف الله عز وجل بالعلم بالغيب وسعة الرحمة .
وقد أمر الله عز وجل النبي محمداً بالإخبار عن عدم علمه بالغيب ،فعلم الغيب خاص بالله عز وجل عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا.
وورد الإستثناء والتخصيص بقوله تعالى قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ .
لتكون هذه الآية شاهداً قرآنياً على صدق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في إخباره عن المغيبات ، وهذا الإخبار بالوحي ليكون موعظة ودعوة للناس لإتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والإنتفاع من العلوم السماوية التي جاء بها ،وفيه مسائل :
الأولى : إكرام الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : إعانة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أداء رسالته .
الثالثة : ترغيب الناس بالإصغاء لما يقوله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواء في خطبه على المنبر أو في حديثه .
الرابعة : تنمية ملكة الصبر عند المسلمين .
الخامسة : من منافع إخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن المغيبات إقامة الحجة على الذين كفروا ، وزجر المنافقين ، وبيان قبح النفاق ، وهل هذا الإخبار مدد من عند الله للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ الجواب نعم.
السادسة : نجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من محاولات الإغتيال باخباره للذي يريد قتله بما يضمره من نية السوء ، وبما جاء به من الشر ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ .
ولقد سعى المشركون عدة مرات لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ،وهو في مكة قبل الهجرة النبوية ، ومنها اجتماع قريش على قتله في الليلة التي هاجر فيها فنزل جبرئيل وأمره بالهجرة ليلتئذ .
وفي طريق الهجرة إلى المدينة أراد سراقة بن جشعم قتله طمعاً بالدية التي جعلتها قريش لمن يقتل النبي وصاحبه ، وهي مائة ناقة عن كل منهما.
وبعد معركة بدر بعث صفوان بن أمية عمير بن وهب لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة ، وهو من أشد رجالات قريش عداوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عما جاء له ، وعن حديثه مع صفوان في حجر إسماعيل فدخل الإسلام في الحال .
وفي معركة أحد التي وقعت في النصف من شهر شوال من السنة الثالثة أراد أبي بن خلف قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان في مكة يتوعد النبي محمداً وأراد عامر بن الطفيل وصاحبه إربد الغدر بالنبي وقتله أثناء الحديث معه ، فحال الله دون ذلك ، قال تعالى وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
وتمنع آية البحث من العزم على إغتيال وقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه :
الأول : ابتداء الآية بالخطاب العام للناس جميعاً بالتقوى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ، ومن التقوى طاعة واتباع الرسول وليس قتله وإغتياله .
الثاني : تأكيد الآية على الناس بتقوى الله بقوله تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ، فمقام الربوبية يستحق التقوى والخشية من الله .
الثالث : إتقاء الأرحام ، ولزوم صلة الرحم ، وفيه دعوة لقريش للتصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعدم إيذائه لأنه من أوسطهم وأعزهم بيتاً .
الرابع : رقابة الله عز وجل لأفعال الناس ، وهو الذي يحول بين الناس والإضرار بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
شواهد من المغيبات
تجلي شواهد من توبة المنافقين لكشف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما يضمرونه من سوء النية ، وعلم النبي بالمغيبات من مصاديق قوله تعالى ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ.
وإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المغيبات من الوحي ، وما أخبره الله عز وجل به ، وفيه مسائل :
الأولى : إنه من اللطف الإلهي بالناس لتصديقهم برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : تقريب الناس إلى منازل الهدى والرشاد .
الثالثة : زيادة إيمان المسلمين .
الرابعة : نجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من محاولات الاغتيال بالمعجزة .
الخامسة : إنقاذ الناس من الآثام والتعدي على النبوة والتنزيل ، وهذا الإنقاذ من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
السادسة : دعوة الناس لدخول الإسلام ، وكم من إنسان وجماعة دخلوا الإسلام لما رأوا علم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمغيبات.
السابعة :تجلي شواهد من تربة المنافقين لكشف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما يضمرون من سوء النية ، وعلم النبي بأمور من الغيب تعضيد من الله لرسالته .
أقسام علم النبي (ص) بعلوم الغيب
علم الناس والملائكة مجتمعين ومتفرقين بالمغيبات كالقطرة من البحر أزاء علم الله تعالى بالغيب ، وقد أنعم الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى الأنبياء بعلوم من الغيب .
ويمكن تقسيم علم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمغيبات إلى أقسام :
من علم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بوقائع حدثت قبل بعثته ومنها قصص للأنبياء لم تذكر في القرآن لبيان أن عدد الأنبياء أكثر من الذين ذكرت أسماؤهم في القرآن وهم خمسة وعشرون نبياً وهم :
الأول : آدم عليه السلام .
الثاني : نوح عليه السلام .
الثالث : النبي أدريس عليه السلام .
الرابع : النبي صالح عيه السلام .
الخامس: النبي هود عليه السلام .
السادس : النبي إبراهيم عليه السلام .
السابع : النبي لوط عليه السلام .
الثامن : النبي إسماعيل عليه السلام .
التاسع : النبي إسحاق عليه السلام .
العاشر : النبي يعقوب عليه السلام .
الحادي عشر : النبي يوسف عليه السلام .
الثاني عشر : النبي شعيب عليه السلام .
الثالث عشر : النبي أيوب عليه السلام .
الرابع عشر : النبي هارون عليه السلام .
الخامس عشر : النبي موسى عليه السلام .
السادس عشر : النبي ذو الكفل عليه السلام ووردت بعض الأخبار بأنه عبد صالح ولم ينل مرتبة النبوة .
السابع عشر : النبي داود عليه السلام .
الثامن عشر : النبي سليمان عليه السلام .
التاسع عشر : النبي اليسع عليه السلام .
العشرون : النبي إلياس عليه السلام .
الواحد والعشرون: النبي يونس عليه السلام .
الثاني والعشرون: النبي زكريا عليه السلام .
الثالث والعشرون : النبي يحيى عليه السلام .
الرابع والعشرون : النبي عيسى عليه السلام .
الخامس والعشرون: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن إعجاز القرآن ذكر أسماء ثمانية عشر نبياً في أربع آيات متجاورات من سورة مكية وهي سورة الأنعام ، قال تعالى وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ.
ومجموع الأنبياء مائة الف وأربع وعشرين ألفاً .
ويدل على كثرتهم وجهاد شطر منهم بالسيف قوله تعالى وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ .
ومع ذكر لقمان مرتين في القرآن بالثناء عليه ، وتسمية سورة باسمه فانه ليس نبياً ، إنما هو عبد صالح رزقه الله الحكمة والتقوى .
ليكون قوله تعالى [اتَّقُوا اللَّهَ] في آية البحث دعوة سماوية للإقتداء بالأنبياء والصالحين ، قال تعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ.
الإخبار عن قصة آدم وحواء
لقد أخبرت آية البحث عن خلق الله عز وجل للناس من نفس واحدة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا لتأتي السنة النبوية ببيان قصة خلق آدم وحواء على نحو التفصيل وفيه تأكيد وتعضيد نبوي لآية البحث ، لأن هذا البيان شعبة من الوحي ، وفيه إعانة للناس للإمتثال لأمر الله عز وجل في أول آية البحث بتقوى الله .
ومن علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بوقائع حدثت قبل بعثته إخبار عن وقائع حدثت لآدم وحواء وهما في الجنة وعلة هبوطهما إلى الأرض .
إذ ورد عن عبد الله بن مسعود (عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن آدم لما أكل من الشجرة أوحى الله إليه : اهبط من جواري . وعزتي لا يجاورني من عصاني . فهبط إلى الأرض مسوداً ، فبكت الأرض وضجت.
فأوحى الله : يا آدم صم لي اليوم يوم ثلاثة عشر . فصامه فأصبح ثلثه أبيض ، ثم أوحى الله إليه : صم لي هذا اليوم يوم أربعة عشر . فصامه فأصبح ثلثاه أبيض .
ثم أوحى الله إليه صم لي هذا اليوم يوم خمسة عشر . فصامه فأصبح كله أبيض . فسميت أيام البيض)( ).
ومن الحديث النبوي أخبار خروج آدم من الجنة وكثرة ذريته ووصيته لهم .
إذ ورد (عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لما أهبط الله آدم إلى الأرض مكث فيها ما شاء الله أن يمكث ، ثم قال له بنوه : يا أبانا تكلم .
فقام خطيباً في أربعين ألفاً من ولده وولد ولده فقال : إن الله أمرني فقال : يا آدم أقلل كلامك ترجع إلى جواري)( ) .
ومنها إخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن وقائع تحدث في أيام بعثته والإخبار عن حال بعض الأشخاص وما يضمرون ، وما يأتون به أو الإخبارعن حال السرايا التي يبعثها .
(قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَلَمّا أُصِيبَ الْقَوْمُ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيمَا بَلَغَنِي : أَخَذَ الرّايَةَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَقَاتَلَ بِهَا حَتّى قُتِلَ شَهِيدًا ، ثُمّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَقَاتَلَ بِهَا حَتّى قُتِلَ شَهِيدًا .
ثُمّ صَمَتَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى تَغَيّرَتْ وُجُوهُ الْأَنْصَارِ ، وَظَنّوا أَنّهُ قَدْ كَانَ فِي عَبْدِ اللّهِ بْنِ رَوَاحَةَ بَعْضُ مَا يَكْرَهُونَ ثُمّ قَالَ ثُمّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَاتَلَ بِهَا حَتّى قُتِلَ شَهِيدًا .
ثُمّ قَالَ لَقَدْ رُفِعُوا إلَيّ فِي الْجَنّةِ ، فِيمَا يَرَى النّائِمُ عَلَى سُرُرٍ مِنْ ذَهَبٍ فَرَأَيْت فِي سَرِيرِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ازْوِرَارًا عَنْ سَرِيرَيْ صَاحِبَيْهِ فَقُلْت : عَمّ هَذَا ؟ فَقِيلَ لِي : مَضَيَا وَتَرَدّدَ عَبْدُ اللّهِ بَعْضَ التّرَدّدِ ثُمّ مَضَى)( ).
ليتبين بعد أيام صدق ما أخبر به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعض الأحوال الخاصة لأهل بيته وأصحابه وما يصيبهم .
الملاحم والفتن
إخبار النبي محمد عن أحداث تقع بعد وفاته وبشارات بالفتح ووقائع آخر الزمان وما يسمى بالملاحم والفتن .
وعلامات الساعة الصغرى التي قبلها بمدة طويلة وعلامات الساعة الكبرى التي يكون وقوعها قبل الساعة بقليل منها ما ورد عن ابن عباس (قال : حج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حجة الوداع ثم أخذ بحلقة باب الكعبة فقال : أيها الناس ألا أخبركم بأشراط الساعة؟ فقام إليه سلمان فقال : أخبرنا فداك أبي وأمي يا رسول الله .
قال : إن من أشراط الساعة إضاعة الصلاة ، والميل مع الهوى ، وتعظيم رب المال . فقال سلمان : ويكون هذا يا رسول الله؟ قال : نعم والذي نفس محمد بيده ، فعند ذلك يا سلمان تكون الزكاة مغرماً والفيء مغنماً ، ويصدق الكاذب ، ويكذب الصادق ، ويؤتمن الخائن ، ويخون الأمين ، ويتكلم الرويبضة .
قال : وما الرويبضة؟ قال : يتكلم في الناس من لم يتكلم ، وينكر الحق تسعة أعشارهم ، ويذهب الإِسلام فلا يبقى إلا اسمه ، ويذهب القرآن فلا يبقى إلا رسمه ، وتحلى المصاحف بالذهب وتتسمن ذكور أمتي وتكون المشورة للإِماء ويخطب على المنابر الصبيان وتكون المخاطبة للنساء ، فعند ذلك تزخرف المساجد كما تزخرف الكنائس والبيع .
وتطول المنائر وتكثر الصفوف ، مع قلوب متباغضة وألسن مختلفة وأهواء جمة . قال سلمان : ويكون ذلك يا رسول الله؟ قال : نعم والذي نفس محمد بيده ، عند ذلك يا سلمان يكون المؤمن فيهم أذل من الأمة يذوب قلبه في جوفه كما يذوب الملح في الماء مما يرى من المنكر فلا يستطيع أن يغيره ، ويكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء .
ويغار على الغلمان كما يغار على الجارية البكر ، فعند ذلك يا سلمان يكون أمراء فسقة ووزراء فجرة وأمناء خونة يضيعون الصلوات ويتبعون الشهوات ، فإن أدركتموهم فصلوا صلاتكم لوقتها .
عند ذلك يا سلمان يجيء سبي من المشرق وسبي من المغرب جثاؤهم جثاء الناس وقلوبهم قلوب الشياطين لا يرحمون صغيراً ولا يوقرون كبيراً ، عند ذلك يا سلمان يحج الناس إلى هذا البيت الحرام تحج ملوكهم لهواً وتنزهاً وأغنياؤهم للتجارة ومساكينهم للمسألة وقراؤهم رياء وسمعة .
قال : ويكون ذلك يا رسول الله؟ قال : نعم والذي نفسي بيده ، عند ذلك يا سلمان يفشو الكذب ويظهر الكوكب له الذنب ، وتشارك المرأة زوجها في التجارة وتتقارب الأسواق . قال : وما تقاربها؟ قال : كسادها وقلة أرباحها عند ذلك يبعث الله ريحاً فيها حيات صفر فتلتقط رؤساء العلماء لما رأوا المنكر فلم يغيروه قال : ويكون ذلك يا رسول الله؟ قال : نعم والذي بعث محمداً بالحق)( ).
هل ذو الكفل نبي ؟
مثلما ورد ذكر لقمان مرتين في القرآن فقد ورد ذكر ذي الكفل مرتين في القرآن مع الفارق بأن ذي الكفل ورد ذكره فيهما مع الأنبياء ، قال تعالى وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ، وقوله تعالى وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ.
وقد اختلف هل ذو الكفل نبي أو لا .
وقال الشيخ الطوسي (وأختلفوا في ذي الكفل، فقال ابوموسى الاشعري، وقتادة، ومجاهد: كان رجلا صالحا، كفل لنبي بصوم النهار، وقيام الليل، وألا يغضب، ويقضي بالحق، فوفى لله بذلك، فأثنى الله عليه.
وقال قوم: كان نبيا، كفل بأمر وفى به.
وقال الحسن: هو نبي اسمه ذو الكفل.
وقال الجبائي: هو نبي، ومعنى وصفه بالكفل أنه ذو الضعف أي ضعف ثواب غيره، ممن في زمانه لشرف عمله)( ).
ولم يذكر قولاً للأئمة بخصوص ذي الكفل ، والظاهر أن الطبرسي كذلك في مجمع البيان .
وسأل الشامي الإمام علي عليه السلام (عن خمسة من الأنبياء تكلموا بالعربية، فقال: هود، وصالح، وشعيب، وإسماعيل، ومحمد صلوات الله عليهم.
وسأله من ولد من الأنبياء مختونا ؟ فقال: خلق الله آدم مختونا ، وولد شيث مختونا ، وإدريس ونوح وسام ابن نوح وإبراهيم وداود وسليمان ولوط وإسماعيل وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم.
وسأله عن ستة لم يركضوا في رحم، فقال: آدم وحواء وكبش إبراهيم وعصا موسى و ناقة صالح والخفاش الذي عمله عيسى بن مريم وطار بإذن الله عز وجل.
وسأله عن ستة. من الأنبياء لهم اسمان فقال: يوشع بن نون وهو ذوالكفل، ويعقوب وهو إسرائيل، والخضر وهو تاليا، ويونس وهو ذوالنون، وعيسى وهو المسيح، ومحمد وهو أحمد صلوات الله عليهم)( ).
وعن الإمام محمد الجواد عليه السلام (بعث الله تعالى جلّ ذكره مائة ألف نبيّ وأربعة وعشرين ألف نبيّ ، المرسلون منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ، وأنّ ذا الكفل منهم صلوات الله عليهم ، وكان بعد سليمان بن داود ، وكان يقضي بين النّاس كما كان يقضي داود ولم يغضب إلاّ الله عزّ وجلّ وكان اسمه : عويديا وهوالّذي ذكره الله تعالى جلّت عظمته في كتابه حيث قال [وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ] ( ))( ).
و(عن أبي موسى الأشعري قال : ما كان ذو الكفل بنبي ، ولكن كان في بني إسرائيل رجل صالح يصلي كل يوم مائة صلاة . فتوفي فتكفل له ذو الكفل من بعده . فكان يصلي كل يوم مائة صلاة فسمي ذا الكفل)( ).
أما الحديث الوارد (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مِرَارٍ وَلَكِنْ قَدْ سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ كَانَ الْكِفْلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يَتَوَرَّعُ مِنْ ذَنْبٍ عَمِلَهُ.
فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَأَعْطَاهَا سِتِّينَ دِينَارًا عَلَى أَنْ يَطَأَهَا فَلَمَّا قَعَدَ مِنْهَا مَقْعَدَ الرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ أَرْعَدَتْ وَبَكَتْ فَقَالَ مَا يُبْكِيكِ أَكْرَهْتُكِ قَالَتْ لَا وَلَكِنْ هَذَا عَمَلٌ لَمْ أَعْمَلْهُ قَطُّ وَإِنَّمَا حَمَلَنِي عَلَيْهِ الْحَاجَةُ.
قَالَ فَتَفْعَلِينَ هَذَا وَلَمْ تَفْعَلِيهِ قَطُّ قَالَ ثُمَّ نَزَلَ فَقَالَ اذْهَبِي فَالدَّنَانِيرُ لَكِ ثُمَّ قَالَ وَاللَّهِ لَا يَعْصِي اللَّهَ الْكِفْلُ أَبَدًا فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ فَأَصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلَى بَابِهِ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْكِفْلِ)( ).
فهو حديث ضعيف سنداً ، كما أن المراد منه غير ذي الكفل الذي ذكره الله بين عدد من الأنبياء كما في موضعين من القرآن ، إذ قال تعالى وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ.
وقوله تعالى وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ.
وقال الكلبي (اسمه عويدياً من سبط يهود بن يعقوب)( ).
وقال الرازي في تفسيره (قيل إن ذا الكفل زكريا وقيل يوشع وقيل إلياس ، ثم قالوا خمسة من الأنبياء سماهم الله تعالى باسمين : إسرائيل ويعقوب ، إلياس وذو الكفل ، عيسى والمسيح ، يونس وذو النون ، محمد وأحمد)( ).
(وقال كعب : كان في بني إسرائيل ملك كافر فمر ببلاده رجل صالح فقال : والله إن خرجت من هذه البلاد حتى أعرض على هذا الملك الإسلام فعرض عليه فقال : ما جزائي ؟ قال : الجنة – ووصفها له – قال : من يتكفل لي بذلك ؟ قال : أنا فأسلم الملك وتخلى عن المملكة وأقبل على طاعة ربه حتى مات فدفن فأصبحوا فوجدوا يده خارجة من القبر .
فيها رقعة خضراء مكتوب فيها بنور أبيض : إن الله قد غفر لي وأدخلني الجنة ووفى عن كفالة فلان ، فأسرع الناس إلى ذلك الرجل بأن يأخذ عليهم الإيمان ويتكفل لهم بما تكفل به للملك ففعل ذلك فآمنوا كلهم فسمي ذا الكفل.
وقيل : كان رجلا عفيفا يتكفل بشأن كل إنسان وقع في بلاء أو تهمة أو مطالبة فينجيه الله على يديه وقيل : سمي ذا الكفل لأن الله تعالى تكفل له في سعيه وعمله بضعف عمل غيره من الأنبياء الذين كانوا في زمانه والجمهور على أنه ليس بنبي وقال الحسن : هو نبي قبل إلياس)( ).
وروي في تسميته (أن أليسع جمع بني إسرائيل فقال من يتكفل لي بصيام النهار وقيام الليل وأن لا يغضب وأوليه النظر للعباد بعدي ، فقام إليه شاب فقال أنا لك بذلك فراجعه ثلاثاً في كل ذلك يقول أنا لك بذلك فاستعمله ، فلما مات أليسع قام بالأمر فجاء إبليس ليغضبه وكان لا ينام إلا في القائلة .
فكان يأتيه وقت القائلة أياماً فيوقظه ويشتكي ظلامته ويقصد تضييق صدره فلم يضق به صدراً ومضى معه لينصفه.
فلما رأى إبليس ذلك غلس عنه وكفاه الله شره فسمي (ذا الكفل) لأنه تكفل بأمر فوفى به)( ).
ارادة اغتيال النبي (ص) في ذات الرقاع
في كتيبة ذي الرقاع التي وقعت في شهر جمادى الأولى من السنة الرابعة نحو قبيلة محارب وبني أنمار فهزمهم الله عز وجل وصعد عدد منهم على التلال .
ونزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ووضعوا أسلحتهم ، وجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ظل شجرة ، فبصر به غورث بن الحارث المحاربي وكان رجلاً فتاكاً ، فحرشه أصحابه على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجاء خلسه ، ولم يشعر النبي إلا وغورث قائم على رأسه وقد سلّ سيفه من غمده .
(وقال: يا محمد من يعصمك مني الآن .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الله .
فانكب عدو الله لوجهه.
فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فأخذ سيفه، وقال: يا غورث من يمنعك مني الآن .
قال : لا أحد، قال: أتشهد أن لا إله إلا الله، وأني عبد الله ورسوله ؟ قال: لا، ولكني أعهد أن لا أقاتلك أبدا، ولا أعين عليك عدوا، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وآله سيفه .
فقال له غورث: والله لانت خير مني، قال صلى الله عليه وآله: إني أحق بذلك ، وخرج غورث إلى أصحابه .
فقالوا: يا غورث لقد رأيناك قائما على رأسه بالسيف فما منعك منه .
قال : الله، أهويت له بالسيف لاضربه فما أدري من زلخني بين كتفي فخررت لوجهي وخر سيفي وسبقني إليه محمد فأخذه)( ).
ولم يصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نطقه بالشهادتين ، ولم يحبسه أو يعاقبه .
ثم نادى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه وأخبرهم خبره بحضوره ، ولتكون هذه الحادثة شاهداً على التأريخ ، ومصداقاً لقوله تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ.
وهل يمكن القول بأن نزول وتلاوة المسلمين لآية البحث زاجر عن محاولات اغتيال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب نعم .
محاولة عمير بن وهب قتل النبي (ص)
لقد كانت معركة بدر فيصلاً بين الحق والباطل بما يتضمن فضح المشركين ، قال تعالى يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ لبيان رجحان كفة المسلمين عند اللقاء وإلحاق الخزي بالذين كفروا ، وتجدد هذا الخزي إلى يوم القيامة بتوثيق القرآن لهذه المعركة بذكرها في القرآن بقوله تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
وفي الآية مسائل :
الأولى : حضور المشيئة الإلهية في الفصل في معركة بدر .
الثانية : نسبة نصر المسلمين في هذه المعركة إلى الله عز وجل ومنها نزول ألف من الملائكة لنصرتهم .
قال ابن عباس (لما كان يوم بدر واصطف القوم للقتال قال أبو جهل: اللهم أولانا بالنصر فانصره .
واستغاث المسلمون ، فنزلت الملائكة ونزل قوله إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ إلى آخره ، وقيل : إن النبي صلى الله عليه وآله لما نظر إلى كثرة عدد المشركين وقلة عدد المسلمين استقبل القبلة.
وقال : اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الارض .
فما زال يهتف ربه مادا يديه حتى سقط رداؤه من منكبه ، فأنزل الله تعالى إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام)( ).
ليكون من معاني صيغة الجمع في قوله تعالى [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ] اجتهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدعاء والتضرع إلى الله مع دعاء أصحابه ، ولم تقل الآية (إذ تدعون ربكم) أو تستنصرون ، أو تستجيرون ، أو تستعينون.
إنما قال تعالى [تَسْتَغِيثُونَ] لأن المستغيث مسلوب وفاقد القدرة ، أما المستعين فهو ضعيف القدرة .
فقد كان جيش المشركين أكثر من ثلاثة أضعاف عدد المسلمين في الميدان ، أما بالنسبة للأسلحة والمؤن فأكثر من هذه الأضعاف ، وفي الخيل كان عند المشركين مائة فرس ، ولم يكن عند المسلمين إلا فرسان .
و(عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن عليا قال له: ما كان معنا إلا فرسان: فرس للزبير وفرس للمقداد بن الاسود، يعنى يوم بدر)( ).
فجاء نصر المسلمين لبيان أن السموات والأرض وما فيهن ملك لله عز وجل وهو ملك تصرف ومشيئة .
الثالثة : وثقت آية (ببدر) حقيقة ضعف المسلمين والنقص في أسلحتهم ، لتكون معجزة نصرهم جلية واضحة للأجيال .
الرابعة : أمر الله عز وجل المسلمين بتقوى الله والخشية منه ، مثلما أمرتهم والناس جميعاً آية البحث بقوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ .
ويمكن القول أن تقوى الله من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً ، وأدنى مراتب التقوى تنهى عن محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعن محاولة قتله والغدر به .
وعندما عادت فلول قريش إلى مكة صاروا يعدون العدة للثأر والإنتقام وقاموا بتسخير أموال قافلة أبي سفيان للمعركة القادمة وهي معركة أحد ، وصار عدد من رؤسائهم يطوفون على القبائل يحرضون حلفاءهم على قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتذكير بالأحلاف والعهود التي بينهم ، وبالقصائد والأشعار ، ومنها ما يتضمن الذم للنبوة والتنزيل والتعريض بالصحابة .
كما كانت محاولات انتقام خاصة من قبل بعض رجالات قريش ، منها سعي صفوان بن أمية وهو رئيس بني جمح من قريش بعد قتل أبيه وأخيه في معركة بددر ، والمصيبة الكبرى التي نزلت بقريش لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يخرج صفوان لمعركة بدر.

التخطيط للإغتيال في حجر اسماعيل
جلس صفوان بن أمية في حجر إسماعيل بعد معركة بدر بأيام وجلس معه عمير بن وهب الجمحي وهو من شياطين قريش وكان يؤذي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة قبل الهجرة .
وكان قد أحصى عدد المسلمين إجمالاً يوم بدر ، وطاف حول معسكرهم وحرّش بين الجيشين ورمى بنفسه عن فرسه ، واشترك في المعركة هو وابنه وهب فأسر المسلمون وهباً .
فذكر صفوان قتل قريش في معركة بدر والمصيبة الأخرى بالقائهم في القليب أي البئر التي جف ماؤها فقال (وَاَللّهِ إنْ فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ خَيْرٌ قَالَ لَهُ عُمَيْرٌ صَدَقَتْ وَاَللّهِ أَمَا وَاَللّهِ لَوْلَا دَيْنٌ عَلَيّ لَيْسَ لَهُ عِنْدِي قَضَاءٌ وَعِيَالٌ أَخْشَى عَلَيْهِمْ الضّيْعَةَ بَعْدِي ، لَرَكِبْتُ إلَى مُحَمّدٍ حَتّى أَقْتُلَهُ فَإِنّ لِي قِبَلَهُمْ عِلّةً ابْنِي أَسِيرٌ فِي أَيْدِيهِمْ)( ).
وكان عمير من بني جمح أيضاً ، فبادر صفوان إلى القول عليّ دينك ، أنا اقضيه عنك ، وأضم عيالك إلى عيالي ، لبيان تساويهم مع عياله في المأكل والملبس .
وطلب عمير من صفوان أن يستر الأمر ويبقى سراً بينهما ، فوافق صفوان لعلمهما بوجود مسلمين في مكة يخفون إسلامهم خشية بطش قريش ، وإزدياد عددهم بعد معركة بدر لتجلى الإعجاز بالنصر فيها .
وهل بلغتهم الآيات القرآنية التي تخص معركة بدر ، الجواب نعم ، خاصة مع وجود مسلمين ومسلمات في مكة يتلقون أخبار التنزيل ، وكثرة الآيات التي نزلت بخصوصها حتى سميت سورة الأنفال بسورة بدر لما فيها من بيان وتفصيل لأحداث المعركة ، وسنن الدفاع ، ونصر الله عز وجل للمسلمين والشهادة لهم بالإيمان ، وأحكام الغنائم بعد سؤال المسلمين النبي محمداً عنها ، لقوله تعالى في أول آية منها يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ.
ولم يرد لفظ الأنفال في القرآن إلا مرتين في هذه الآية ، فسميت باسمها.
والأنفال : جمع نفل وتعني العطية والزيادة ، والمراد في المقام غنائم الحرب التي تركها المشركون خلفهم من الإبل والمؤن لمنع الخلاف والخصومة بين الصحابة .
والمراد من الآية أعم من سبب الوقوع ، وفيها بشارة عن تكرار وتوالي وقوع الغنائم بيد الصحابة .
وزوده صفوان بالمال فشحذ سيفه وجعل فيه السم ثم ركب راحلته وتوجه إلى المدينة ، وقد بلغ أهل مكة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجلس في المسجد النبوي مع أصحابه ، ويصلي بهم الصلوات الخمس ، فأناخ راحلته في باب المسجد ودخله متوشحاً بسيفه ، فرآه الصحابة وعرفوه شريراً ، وأرادوا نزع سلاحه ، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال دعوه ، وقد تقدم ذكر هذه الحادثة .
إذ أخبره النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن اتفاقه مع صفوان بن أمية بأن يأتي لقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاسلم عمير لأنه يعلم بعدم إطلاع أحد من الناس على حديثه واتفاقه مع صفوان وهو من مصاديق قوله تعالى وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ، ولبيان أمور :
الأول : قانون الوحي للأنبياء جذب للناس لمنازل التقوى .
الثاني : قانون تعدد منافع اطلاع النبي محمد على بعض علوم الغيب .
الثالث : بيان مصداق لقوله تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ.
تعدد أجزاء التفسير الخاصة ببعض الآيات
بفضل وفيض ولطف من عند الله عز وجل تصدر أجزاء هذا السِفر بمنهجية وأبواب عديدة مستحدثة في علم التفسير لذا ترى الجزء يختص بآية واحدة .
ومن الآيات ما أفردت لها خمسة أجزاء وهو قوله تعالى هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ إذ اختصت بتفسيرها الأجزاء :
 الجزء الخامس بعد المائة .
 الجزء السادس بعد المائة .
 الجزء السابع بعد المائة .
 الجزء الثامن بعد المائة .
 الجزء التاسع بعد المائة .
ومنها أربعة أجزاء في آية واحدة كما في قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وهذه الأجزاء هي :
 الجزء الرابع والتسعون .
 الجزء الخامس والتسعون .
 الجزء السادس والتسعون .
 الجزء السابع والتسعون .
ومن الآيات ما اختصت ثلاثة أجزاء في تفسيرها وهو قوله تعالى وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ، وهي :
 الجزء المائة .
 الجزء الواحد بعد المائة .
 الجزء الثاني بعد المائة .
أو جزءان في تفسيرها إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وهي :
 الجزء الحادي عشر بعد المائة .
 الجزء الثاني عشر بعد المائة .
أجزاء الصلة بين آيتين
صدرت أجزاء من هذا السِفر بالصلة بين آيتين ، أو بين شطرين من آيتين في آية علمية مستحدثة تبين الخزائن العلمية المكنونة في الصلة بين كل آيتين من القرآن ، وتفتح آفاقاً من العلم وتؤسس لقوانين وقواعد كلية وأدلة عقائدية وشرعية .
وهذه الأجزاء هي :
الأول : الجزء السادس والسبعون ، ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 64-69 من سورة آل عمران.
الثاني : الجزء السابع والسبعون ، ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 70-77 من سورة آل عمران.
الثالث : الجزء الثامن والسبعون ، ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 78-84 من سورة آل عمران.
الرابع : الجزء التاسع والسبعون ، ويختص بصلة الآية110 بالآيات 85-93 من سورة آل عمران.
الخامس: الجزء الثمانون ، ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 94-102 من سورة آل عمران.
السادس : الجزء الواحد والثمانون ، ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 103-109 من سورة آل عمران.
السابع : الجزء الخامس والعشرون بعد المائة ، ويختص بصلة الآية 152 بالآية 151 من سورة آل عمران.
الثامن : الجزء السادس والعشرون بعد المائة ، ويختص بالقسم الأول من تفسير 153 ويختص بصلة شطر من الآية 153 بشطرمن الآية 151 من سورة آل عمران .
التاسع : الجزء التاسع والعشرون بعد المائة ، ويختص بالقسم الأول من تفسير الآية 154 وبصلة شطر من هذه الآية بشطر من الآية 153 من سورة آل عمران.
العاشر : الجزء الواحد والخمسون بعد المائة ، ويختص بصلة شطر من الآية 161 بشطر من 164 من سورة آل عمران .
الحادي عشر : الجزء الثاني والتسعون بعد المائة ، ويختص بالصلة بين الآية 180 والآية 181 من سورة آل عمران .
ومن فضل الله عز وجل أسستُ باباً في تفسير كل آية أسميته (في سياق الآيات) يتضمن الصلة بين آية البحث ثلاثة أو أربعة من الآيات المجاورة لها ، وفي هذا الجزء ذكرت صلة آية البحث بآيتين هما الآية الثانية والخامسة من سورة النساء ، لبيان ذخائر من علم الصلة بين الآيات ، وأسرار الجمع بينها موضوعاً وحكماً .

أجزاء في علوم مستحدثة
صدرت ستة أجزاء بخصوص تفسير نداء الإيمان وهو [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وهي الأجزاء (135-136-137-138-139-140).
كما صدرت ثلاثون جزء بعنوان (لم يغز النبي (ص) أحداً) وهي الأجزاء :
(164-165-166-168-169-
170-171-172-174-176-
177-178-180-181-182-
183-187-193-194-196-
204-212-216-221-229-
239-256-261-266-271).
وسيأتي عدد آخر من الأجزاء بهذا الخصوص إن شاء الله وفق تواريخ الوقائع والكتائب التي خرج بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودافع وأصحابه فيها عن بيضة الإسلام .
ومن اللطف الإلهي صدور عشرين جزء من هذا السِفر بخصوص (التضاد بين القرآن والإرهاب) وهو علم جديد وعنوان مستحدث في تأريخ الإسلام.
ولم يكن هذا العنوان مجرداً أو أن مضامينه محصورة بجزء واحد بل توالت الأجزاء لبيان أن القرآن كتاب السلم المجتمعي ، والكتاب السماوي للصفح والعفو وحقن الدماء .
وهذه الأجزاء هي :
184-185-188-195-198
199-203-210-211-219
235-236-238-243-244
246-252 -263 -267-270).
ومشهور المفسرين نسخ آية السيف فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لأكثر من مائة آية من آيات السلم والصلح والموادعة والصفح .
ولا أصل لهذه الشهرة ، ويمتنع نظم القرآن عن نسخ آية واحدة لأكثر من مائة آية .
وقد صدرت اثنا عشر جزءً من هذا السِفر بعنوان (آيات السلم محكمة غير منسوخة) وهي :
206-207-208-214
215-233-240-241
242-248-260-274
كما صدرت خمسة أجزاء بعنوان (النزاع المسلح بين القرآن والإرهاب) وهي (223 و223و224و227و230).
لبيان فضل الله عز وجل على المسلمين والناس جميعاً بمنع آيات القرآن للقتل العشوائي والتكفير وإراقة الدماء بسبب الحمية والعصبية وغلبة النفس الغضبية .
وصدرت ثلاثة أجزاء بعنوان (علم الإحصاء القرآني غير متناه) لبيان بديع قدرة الله الذي أَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، وهذه الأجزاء هي:
245 و247 و258 .
وصدر جزءان بعنوان (تفسير النبي (ص) للقرآن) وهما : 253 و254.
وصدر جزء من هذا السِفر بعنوان (مئات المعجزات الحسية المستحدثة للنبي محمد).
فكما انفرد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزات العقلية وهي آيات وسور القرآن فانه جاء بالكثير من المعجزات الحسية ، وتتجدد معجزاته الغيرية في كل زمان .
منهجية هذا الجزء
بمدد وفضل من عند الله تتعدد الأبواب المستحدثة في هذا التفسير إذ تكون المنهجية المباركة فيه كالآتي :
الأول : الإعراب واللغة : لما للإعراب ومعاني كلمات التنزيل من موضوعية في علم التفسير واستنباط المسائل والقوانين منها .
الثاني : في سياق الآيات : بحث وجوه الصلة بين آية البحث وبين ثلاث آيات أو أربع مجاورة لها ، والمسائل والقوانين المستنبطة من هذه الصلة .
الثالث : إعجاز الآية الذاتي : لبيان الذخائر في إعجاز كلمات ومضامين آية البحث ، مع اختيار اسم للآية ، وغالباً ما يكون أول كلماتها ، ومن الآيات ما يكون توقيفياً فأذكره .
الرابع : إعجاز الآية الغيري : ويختص بمنافع الآية القرآنية محل البحث ، واتخاذها وسيلة لجلب المصالح ودفع المضار .
الخامس : الآية سلاح : في الصبر والوقاية من الأذى والكيد ، ومنها اتخاذ الآية موضوعاً وحكماً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
السادس : مفهوم الآية : ينقسم معنى اللفظ إلى شعبتين :
الأولى : المنطوق : وهو المعنى المستقرأ من اللفظ من جهة النطق به ، كما في وجوب الخشية من الله عز وجل على الناس جميعاً كما في قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ، لما فيه من معنى ظاهر وجلي بوجوب طاعة الله والتنزه عن المعاصي التي نهى عنها .
ويشمل المنطوق : النص ، والظاهر ، والمجمل والمبين ، والعام والخاص ، والمطلق والمقيد ، والأمر والنهي .
وتنقسم الدلالة إلى ثلاثة أقسام وهي :
الأول : المطابقية وهي دلالة اللفظ على تمام المعنى الذي وضع له كدلالة [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] في أول آية البحث على توجه الخطاب الإلهي إلى الناس جميعاً مع تعدد مللهم ومذاهبهم لتساويهم بأنهم مخلوقون ، وأن الله عز وجل هو الذي خلقهم .
الثاني : الدلالة التضمنية : وهي دلالة اللفظ على معنى يتضمنه ومستقرأ منه ، مثل دلالة قوله تعالى [وَالْأَرْحَامَ] على صلة الأرحام وتعاهدها ولو بالتحية والسلام .
وهاتان الدلالتان من باب المنطوق .
الثالث : الدلالة الإلتزامية ، وهي دلالة اللفظ على لازم معناه وتشمل دلالة الإقتضاء ودلالة الإشارة ، ولالة الإيحاء ، والتنبيه .
والمشهور والمختار أن هذه الدلالة من المفهوم وليس من المنطوق .
الثانية : المفهوم : وهو لغة المعنى المستفاد من اللفظ المنطوق ، فهو اسم مفعول من الفهم بمعنى العلم ، أما في إصطلاح علم الأصولر فهو دلالة اللفظ على معنى ليس في محل النطق ، ليكون المفهوم قسيماً للمنطوق في الدلالة اللفظية .
وهذا المعنى الإصطلاحي هو المقصود في باب مفهوم الآية أو بالجمع بينها وبين آية أخرى كما في قوله تعالى وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا، وقوله تعالى وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ. على أن أقل الحمل ستة أشهر .
السابع : الفيض واللطف في الآية القرآنية .
الثامن : إفاضات الآية : لقد أراد الله عز وجل أن يكون لكلامه حضور بين الناس ، ويتجلى في السنة النبوية وأفعال المؤمنين الذين يحرصون على الصدور عن القرآن بمظاهر إخلاص العبادة لله والصلاح والإحسان للغير والتنزه عن المعاصي.
وينظر في تفسير الآية القرآنية إلى ما تبعث إليه من التعاون والتكافل وصيغ التوبة والإنابة .
ومن إفاضات الآية القرآنية أنها تتضمن الوعد الكريم سواء في منطوقها أو مفهومها أو دلالتها .
التاسع : الآية لطف : بيان فضل الله في نزول الآية محل البحث بتقريب الناس لسبل الهداية ، وصيرورتها برزخاً دون الضلالة والغواية ، ومن أسماء الله عز وجل اللطيف ، وفي التنزيل وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
فالله سبحانه أحاط بالعباد وأفعالهم علماً ، وهو الذي يرفق بهم ، ويسوق النفع والخير لهم مجتمعين ومتفرقين ، مع تفضله على المؤمنين بنعمة الوقاية الظاهرة والخفية ، ومنها الآية القرآنية فعند تفسير الآية أنظر بوجوه اللطف الإلهي فيها بايجاد الدواعي التي تقرب العبد من الإيمان ، وتبعده عن مفاهيم الشرك والضلالة والأسباب التي تيسر له سبل التوبة والإنابة.
العاشر : الآية بشارة : من خصائص الآية القرآنية أنها تتضمن البشارة وهي على وجهين :
الأول : البشارة في الدنيا ، وهي على جهات :
الأولى : البشارة الشخصية .
الثانية : البشارة الخاصة بالمؤمنين .
الثالثة : البشارة على التوبة ، قال تعالى إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ.
الرابعة : البشارة العاجلة .
الثاني : البشارة الأخروية : وهي على شعب :
الأولى : البشارة في عالم البرزخ ، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (القَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النيران)( ).
الثانية : البشارة يوم القيامة وتسلم الكتاب باليمين ، قال تعالى فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا.
الثالثة : البشارة للمؤمنين الذين يعملون الصالحات بدخول الجنة ، قال تعالى وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ.
الحادي عشر : الآية إنذار : لقد جعل الله عز وجل الدنيا دار امتحان واختبار وابتلاء ، وتفضل وأنزل القرآن للإنذار من الوقوع في الهلكة ، والوعيد على فعل الكبائر ومطلق الموبقات ، ويتجلى الإنذار بخواتيم الآيات ، وفي صيغ الإنذار ، ومفاهيمه ، والدلالة المستقرأة من الآية القرآنية .
ومن الإعجاز في خواتيم الآيات أنها تجمع في الغالب بين البشارة والإنذار كما في آية البحث وقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا.
الثاني عشر : الصلة بين أول وآخر الآية : وهذا الباب علم مستحدث في التفسير ويتضمن بيان الصلة بين كلمات الآية وبين أولها ووسطها وآخرها ، واستخراج المواعظ والقوانين من هذه الصلة ، مع الشواهد الإعجازية التي تستقرأ منها .
لبيان قانون استحداث الأبواب في علم التفسير مادة لتجلي علوم من إعجازه ، وشواهد على صدق نزوله من عند الله مع استدامة قانون الإقرار بأن أكثر علوم القرآن لم تكتشف بعد في كل زمان.
الثالث عشر : من غايات الآية : وهو علم مستحدث في التفسير أيضاً ، وفيه سبر لأغوار مضامين الآية القرآنية ، وسعي ابتدائي للغايات الحميدة من كل آية قرآنية ، وقيدته بالإبتدائي للتطلع إلى جهود واجتهاد العلماء في الأجيال اللاحقة في التوسعة في فتح خزائن الآية القرآنية .
الرابع عشر : التفسير : ثم ابدأ بتفسير الآية القرآنية ومعانيها ودلالتها مع القيام بتقسيم الآية في التفسير حسب تركيب الكلمات والجمل ، فآية البحث مثلاً قسمتها إلى :
الأولى : تفسير [يَا أَيُّهَا النَّاسُ].
الثانية : تفسير [اتَّقُوا رَبَّكُمُ].
الثالثة : تفسير [الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ].
الرابعة : تفسير [وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا].
الخامسة : تفسير [وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً].
السادسة : تفسير [وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ].
السابعة : تفسير [وَالْأَرْحَامَ].
الثامنة : تفسير [إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا].
مع قوانين ومواضيع مستقلة تتعلق بكلمات الآية وتفسيرها .
الخامس عشر : علم المناسبة : وهو علم يجمع بين أفراد ذات الكلمة في آيات القرآن وعددها ، ودلالة هذا الجمع والمسائل المستنبطة منه .
السادس عشر : بحث بلاغي : من إعجاز القرآن بلاغته .
ومع إن معجزات القرآن كثيرة وفي أبواب متعددة ، ومنها ما لم يتبين للناس ، فان إعجازه البلاغي صاحب نزوله لأن العرب كانوا أهل فصاحة وارتقاء في البلاغة ونقاء في الشعر ، فنزلت آيات القرآن ليصابوا بالذهول ويدركوا تخلفهم عن بلاغته ، والتي جاءت مستقلة ومتصلة مع وجوه متعددة من الإعجاز تخاطب العقول .
واذكر في تفسير الآية القرآنية بحثاً أو أكثر في بلاغة الآية ، مع أنها تستلزم أضعافه .
السابع عشر : يأتي أحياناً في تفسير الآية القرآنية في هذا السِفر بحث أصولي يتعلق بمضامينها إذ جعل الله عز وجل القرآن تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ.
ولبيان قانون استنباط العلوم والقواعد من القرآن ، وقانون تسخير العلوم في تفسير القرآن .
الثامن عشر : يتضمن تفسير الآية القرآنية أحياناً بحثاً نحوياً أو بحثاً كلامياً أو فقهياً أو فلسفياً أو منطقياً ، على نحو الإختصار لتكون نواة للتوسعة في علم التفسير والتأويل .
وتضمن هذا الجزء :
الأول : بحث فقهي .
الثاني : بحث أصولي .
الثالث : بحث كلامي .
الرابع : بحث إعجازي .
الخامس : بحث منطقي .
السادس : بحث فلسفي .
السابع : بحث بلاغي .

معجزات عيسى في آية واحدة
لقد خصّ الله عز وجل النبي محمداً بالمعجزة العقلية من بين الأنبياء ، إذ كانت معجزاتهم حسية مثل سفينة نوح ، وناقة صالح ، وعصا موسى ، ومعجزات عيسى المتعددة التي وردت في قوله تعالى إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ، منها :
الأولى : النداء من الله عز وجل إلى عيسى ، ونسبته إلى أمه لبيان أنه ولد من غير أب ، إنما نفخ جبرئيل في جيبها .
الثانية : نعمة الله عز وجل الخاصة على عيسى ، ونعمته الخاصة على مريم بما لم يرزق أحداً من الناس بمثلها .
المراد من روح القدس
الثالثة : لقد أمر الله عز وجل روح القدس بتأييد وتعضيد وتقوية عيسى في دعوته إلى الله ، وروح القدس هو جبرئيل ، و(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ [إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ] قال : الْقُدُسُ : الْمُطَهَّرُ)( ).
(عن ابن عباس (وأيدناه بروح القدس)، قال: هو الاسم الذي كان يحيي عيسى به الموتى)( ).
وعن السدي (وقال ابن زيد القدس هو الله، وايده بروحه، واحتج بقوله (الملك القدوس) وقال القدوس والقدس واحد)( ).
وفي قوله تعالى لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
إذ أن طائفة من أهل الكتاب يقولون (اب وابن وروح القدس إله واحد).
وفي رواية أبي الجارود عن الإمام الباقر عليه السلام (روح القدس قال هو جبرئيل عليه السلام والقدس الطاهر)( ) .
أما القول بأن المراد من القدس في قوله تعالى رُوحُ الْقُدُسِ بأنه الله فهو بعيد ، نعم القدوس من أسماء الله ،وهو غير القدس ونسبة الروح للقدس .
وقد ورد لفظ (روح الله) مرتين في القرآن وفي آية واحدة من سورة يوسف بقوله تعالى يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ.
و[مِنْ رَوْحِ اللَّهِ] أي من رحمة وفرج الله.
ولا يختص تأييد روح القدس بعيسى عليه السلام به الله انبياء آخرين .

تكليم الناس في المهد
الرابعة : من معجزات عيسى عليه السلام تكليمه الناس وهو في المهد ، وهو الذي وثقه القرآن إلى يوم القيامة بقوله تعالى فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا.
وبيان عيسى لعبوديته لله إنذار من إتخاذه رباً وإلهاً ، ثم جاء التوكيد بأنه نبي من أنبياء الله عز وجل .
ومن منافع تكليم عيسى الناس وهو في المهد والخرق صغيراً دعوة الناس للتصديق برسالته عندما يبعثة الله رسولاً ، ودفع الظنة عن أمه لولادته من غير أب ، وفي مدة كلامه في المهد وجوه :
الأول : تكلم في المهد ساعة واحدة ، ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغ النطق ، عن ابن عباس( ).
الثاني : كان يتكلم في المهد دائماً .
الثالث : كان يكلم أمه وهو مرضع .
الرابع : كان يتكلم في المهد عند الحاجة وإقامة الحجة .
وتدل صيغة المضارع وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ على التعدد في كلامه في المهد .
والمختار هو الثالث والرابع أعلاه .
الرابعة : نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان وقتله للدجال ، إذ ينزل عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ، فيقول للناس كما قال في المهد: إني عبد الله .
تعليم عيسى (ع) الكتاب
الخامسة : من معجزات عيسى كما في الآية المتقدمة تعليم الله عز وجل له الكتاب ، والمشهور المراد من [عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ] أي الكتابة بالقلم وقيل الكتاب : الشريعة .
والمختار أنه الوحي بأحكام الشريعة من اللوح المحفوظ ، وهل يصح القول أنه الإنجيل في هذه الآية ، الجواب قد ورد ذكر الإنجيل معطوفاً على الكتاب بقوله تعالى وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ويدل العطف على المغايرة بينهما .
ولو دار الأمر في التعليم من الله بين التمام والجزء فالأصل هو تمام العلم النبوي لأن الله عز وجل يعطي بالأتم والأوفى ، وما عند عيسى عليه السلام هو عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السادسة : تعليم الله عز وجل عيسى عليه السلام الحكمة أي الفقه والفهم ، والعمل بالعلم والوحي ومعجزات حسية بصيغة الحكمة وتأويل التنزيل .
السابعة : تعليم الله عز وجل عيسى عليه السلام شريعة موسى وما أنزل الله من التوراة سالمة من التحريف ، وهو من بديع صنع الله في تعلم الرسول اللاحق أحكام الكتاب النازل على الرسول السابق لتجديدها وبيان المنسوخ منها في الشريعة الناسخة .
ثم ليأتي القرآن جامعاً لأحكام الشريعة ، ، وكاشفاً عن التحريف الذي لحقها ، قال تعالى وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ….
الثامنة : تفضل الله عز وجل بانزال الإنجيل على عيسى عليه السلام ، وقد جمعت الآية الكتاب والتوراة والإنجيل بصيغة التعليم وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ…. وبلحاظ اللف والنشر يكون المعنى تفقه عيسى عليه السلام بالتوراة والإنجيل ودراساتهما ، ونزول الإنجيل عليه ، لبيان إرتقاء عيسى عليه السلام في الكمالات الإنسانية وأهليته لدعوة بني إسرائيل للتوحيد ولإتباعه .
التاسعة : تفضل الله عز وجل برزق عيسى عليه السلام آية حسية بأن يصنع من الطين كهيئة الطير بإذن الله عز وجل ثم ينفخ فيه فيطير في السماء إلى مسافة بما ينفي عنه احتمال السحر، لأن الساحر لا يستطيع إحياء الجماد ، لتكون من التحدي النبوي لذا قال عيسى عليه السلام أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ.
وقيل لم يخلق عيسى إلا الخفاش ويخر ميتاً بعد الطيران لأمتار ، وقيدت الآية معجزة طيران الطير من الطين بأنه بإذن الله ، لمنع الإفتتان بعيسى ونسبة الربوبية أو البنوة له .
إبراء الأكمه
العاشرة : لقد رزق الله عز وجل عيسى عليه السلام آية عظمى وهي إبراء الأكمه أي الذي ولد أعمى إذ اشتهر في زمان عيسى عليه السلام الطب ، وارتقى الأطباء فيه ، ولكنهم عجزوا وإلى يومنا هذا عن ابراء الأكمه .
فجاءت آية عيسى للتحدي وإثبات صدق نبوته على مداواة وإعادة البصر للأكمه .
وهل في الآية إخبار وبشارة عن إمكان إرتقاء علم الطب لإعادة البصر للأكمه وشفاء الأبرص والأمراض الجلدية .
الجواب نعم لأن الله عز وجل إذا أنعم بنعمة على أهل الأرض فانه أكرم من أن يرفعها، وبالصلاح والدعاء يقرب الله أوان تحقق هذه الآيات بالعلم الكسبي والتحصيل ، وبعكسه فان شيوع الكفر والفسوق يبعد أوانها.
وقوله [أُبْرِئُ]أي أشفي وظاهر الكلام أن الشفاء من غير حالات علاج (وقال الأصمعي: برات من المرض بُروءا، لغة تميم، واهل الحجاز يقولون: برات من المرض بَرْءً؛ وأبراه الله من مرضه ابراءً.
وقال أبو زيد، برات من المرض، لغة أهل الحجاز، وسائر العرب يقولون: بَرِئت من المرض)( ).
إبراء الأبرص
الحادية عشرة : لقد تفضل الله عز وجل على الناس بابراء عيسى عليه السلام المصاب بمرض البرص وهو داء جلدي يسبب بياضاً في الجلد ، وكان يتعذر على الأطباء آنذاك شفاء هذا المرض .
وكان عيسى يشافي الأكمه والأبرص من غير دواء وعلاج ، إنما يمسح على محل العينين أو محل البرص مع الدعاء وسؤال الله الشفاء ، فيتم الشفاء ، والمسح لبيان ووضوح المعجزة ، والدعاء لدعوة الناس للإيمان .
وعن(وهب قال : لما صار عيسى ابن اثنتي عشرة سنة اوحى الله إلى أمه وهي بأرض مصر – وكانت هربت من قومها حين ولدته إلى أرض مصر – أن اطلعي به إلى الشام ففعلت .
فلم تزل بالشام حتى كان ابن ثلاثين سنة ، وكانت نبوّته ثلاث سنين ، ثم رفعه الله إليه .
وزعم وهب أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى في الجماعة الواحدة خمسون ألفاً . من أطاق منهم أن يبلغه بلغه ، ومن لم يطق ذلك منهم أتاه فمشى إليه ، وإنما كان يداويهم بالدعاء إلى الله تعالى)( ).
وللزجر عن الغلو بشخص عيسى عليه السلام ، فلذا تكرر في الآية قوله تعالى [بِإِذْنِ اللَّهِ] ( ).
وروي أنه كان يجتمع إلى عيسى عدد من العميان والبرصاء فيدعو لهم فيبرأوا .
وذكر الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ في الآية لبيان إبراء عيسى عليه السلام لأمراض العيون ، وللأمراض الجلدية ومنها المزمنة والمستعصية إلى يومنا هذا مثل الصدفية والبهاق والإكزيما ، لبيان أمور :
الأول : قانون شهادة العصر والزمان على معجزات الأنبياء الحسية .
الثاني : قانون تحدي القرآن كمعجزة عقلية الناس في كل زمان .
الثالث : قانون المعجزات النبوية دعوة للناس للإيمان .
الرابع : قانون شهادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين على معجزات الأنبياء .
إحياء عيسى (ع) الموتى
الثانية عشرة : إحياء عيسى عدداً من الموتى باذن الله عز وجل ، وهي آية وبرهان على صدق نبوته ، وأنه رسول من عند الله عز وجل يجب إتباعه، ويحرم الطعن به أو بأمه مريم من جهة ولادته من غير أب .
ويبين تعدد المعجزات التي جرت على يد عيسى عليه السلام غلظة الذين بعث معهم من بني إسرائيل ، ورحمة الله عز وجل بهم بالإكثار من معجزات عيسى عليه السلام لهدايتهم وصلاحهم واتباع أوامره .
و(عن ابن عباس قال : كانت اليهود يجتمعون إلى عيسى ويستهزئون به ويقولون له : يا عيسى ما أكل فلان البارحة ، وما ادخر في بيته لغد . فيخبرهم فيسخرون منه حتى طال ذلك به وبهم ، وكان عيسى عليه السلام ليس له قرار ولا موضع يعرف إنما هو سائح في الأرض ، فمر ذات يوم بامرأة قاعدة عند قبر وهي تبكي فسألها.
فقالت : ماتت ابنة لي لم يكن لي ولد غيرها . فصلى عيسى ركعتين ثم نادى : يا فلانة قومي بإذن الرحمن فاخرجي فتحرك القبر ، ثم نادى الثانية فانصدع القبر ، ثم نادى الثالثة فخرجت وهي تنفض رأسها من التراب.
فقالت أماه ما حملك على أن أذوق كرب الموت مرتين؟ يا أماه اصبري واحتسبي فلا حاجة لي في الدنيا ، يا روح الله سل ربي أن يردني إلى الآخرة ، وأن يهوّن علي كرب الموت . فدعا ربه ، فقبضها إليه فاستوت عليها الأرض .
فبلغ ذلك اليهود فازدادوا عليه غضباً ، وكان ملك منهم في ناحية في مدينة لها نصيبين جباراً عاتياً ، وأمر عيسى بالمسير إليه ليدعوه وأهل تلك المدينة إلى المراجعة .
فمضى حتى شارف المدينة ومعه الحواريون فقال لأصحابه : ألا رجل منكم ينطلق إلى المدينة فينادي فيها فيقول : إن عيسى عبد الله ورسوله .
فقام رجل من الحواريين يقال له يعقوب فقال : أنا يا روح الله . قال : فاذهب فأنت أول من يتبرأ مني ، فقام آخر يقال( ) له توصار وقال له : أنا معه قال : وأنت معه ومشيا .
فقام شمعون فقال : يا روح الله أكون ثالثهم فائذن لي أن أنال منك أن اضطررت إلى ذلك؟ قال : نعم .
فانطلقوا حتى إذا كانوا قريباً من المدينة قال لهما شمعون : ادخلا المدينة فبَلَّغا ما أُمِرْتُمَا ، وأنا مقيم مكاني ، فإن ابتليتما أقبلت لكما .
فانطلقا حتى دخلا المدينة وقد تحدث الناس بأمر عيسى ، وهم يقولون فيه أقبح القول وفي أمه .
فنادى أحدهما وهو الأول : ألا أن عيسى عبدالله ورسوله ، فوثبوا إليهما من القائل أنْ عيسى عبدالله ورسوله؟ فتبرأ الذي نادى .
فقال : ما قلت شيئاً فقال الآخر : قد قلت وأنا أقول : إن عيسى عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم ، وروح منه فآمنوا به يا معشر بني إسرائيل خيراً لكم.
فانطلقوا به إلى ملكهم وكان جباراً طاغياً فقال له : ويلك ما تقول .
قال : أقول : إن عيسى عبدالله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم ، وروح منه .
قال : كذبت . فقذفوا عيسى وأمه بالبهتان ثم قال له : تبرأ ويلك من عيسى وقل فيه مقالتنا . قال : لا أفعل .
قال : إن لم تفعل قطعت يديك ورجليك ، وسمرت عينيك . فقال : افعل بنا ما أنت فاعل . ففعل به ذلك فألقاه على مزبلة في وسط مدينتهم .
ثم أن الملك همّ أن يقطع لسانه إذ دخل شمعون وقد اجتمع الناس فقال لهم : ما بال هذا المسكين .
قالوا : يزعم أن عيسى عبدالله ورسوله فقال شمعون : أيها الملك أتأذن لي فادنو منه فأسأله؟ قال : نعم .
قال له شمعون : أيها المبتلى ما تقول؟ قال : أقول ان عيسى عبدالله ورسوله . قال : فما آية تعرفه؟ قال{ يبرئ الأكمه والأبرص } والسقيم لقوله تعالى وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ.
قال : هذا يفعله الأطباء فهل غيره؟ قال : نعم { يخبركم بما تأكلون وما تدخرون } قال : هذا تفعله الكهنة فهل غير هذا؟ قال : نعم { يخلق من الطين كهيئة الطير } قال : هذا قد تفعله السحرة يكون أخذه منهم . فجعل الملك يتعجب منه وسؤاله . قال : هل غير هذا؟ قال : نعم (يحيي الموتى) .
قال : أيها الملك إنه ذكر أمراً عظيماً وما أظن خلقاً يقدر على ذلك إلا بإذن الله ، ولا يقضي الله ذلك على يد ساحر كذاب ، فإن لم يكن عيسى رسولاً فلا يقدر على ذلك ، وما فعل الله ذلك لأحد إلا لإبراهيم حين سأل ربه أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى ومن مثل إبراهيم خليل الرحمن)( ).
ترى كيف كان عيسى عليه السلام يحيى الموتى ، الجواب كان يصلي ركعتين ويضرب الميت أو القبر بعصاه ، وكان يخبر الناس عما أكلوا وما أدخروا في بيوتهم .
والمختار في المقام أمور :
الأول : إحياء عيسى عليه السلام الموتى بالدعاء .
الثاني : قلة عدد الذين أحياهم عيسى عليه السلام .
الثالث : الذين أحياهم عيسى عليه السلام على شعبتين:
الأولى : الذين عادوا إلى الموت .
الثانية :الذين عاشوا وعمروا إذ أحيا عيسى عليه السلام أربعة نفر :
الذين أحياهم عيسى (ع)
الأول : عازر ، وكان صديقاً له ، فلما بلغه أنه مات ذهب هو وأصحابه إليه ، فأخبر بأنه قد مرت أيام على دفنه، فدعا الله عز وجل ، فقام بأذن الله .
الثاني : ابن عجوز مر به النبي عيسى عليه السلام وهو يحمل في التابوت فدعا له عيسى عليه السلام فقام بإذن الله تعالى ، ولبس ثيابه ، وحمل التابوت على عنقه ورجع إلى أهله في معجزة تجعل كل إنسان يتمنى أن يحيى بعد الموت .
الثالث : ابنة من بنات العاشر( ) ، ماتت وأتى عليها ليلة فدعا الله تعالى ، فعاشت وولد لها .
الرابع: (سام بن نوح ، لأن القوم قالوا له : إنك تحيي من كان موته قريباً ، فلعلهم لم يموتوا ، وأصابتهم سكتة ، فأحيي لنا سام بن نوح .
فقال : دلوني على قبره ، فخرج وخرج القوم معه حتى انتهوا إلى قبره ، فدعا الله تعالى ، فأحياه وخرج من قبره قد شابت رأسه .
فقال له عيسى : كيف شابت رأسك ولم يكن في زمانكم شيب؟ فقال : يا روح الله إنك لما دعوتني ، سمعت صوتاً يقول أَجِبْ روحَ الله ، فظننت أن القيامة قد قامت ، فمن ذلك الهول شابت رأسي .
فسأله عن النَّزْع . فقال له : يا روح الله إن مرارة النزع لم تذهب عن حنجرتي ، وقد كان من وقت موته أكثر من أربعة آلاف سنة .
ثم قال للقوم : صدقوه فإنه نبي الله ، فآمن به بعضهم ، وكذب به بعضهم .
وقالوا : هذا ساحر ، فأرنا آية نعلم أنك صادق ، فأخبرنا بما نأكل في بيوتنا ، وما نَدَّخر للغد ، فأخبرهم . فقال : يا فلان أنت أكلت كذا وكذا ، وأنت أكلت كذا وكذا ، وادّخرت كذا وكذا ، فذلك قوله عز وجل وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ فمنهم من آمن به ، ومنهم من كفر)( ).
وكان عيسى عليه السلام يلبس الشَعر ، ويأكل الشجر ، ولا يدخر شيئاً لغد ، إنما أدركه الليل بات ، ولم يكن له بيت فيخرب ، ولا ولد فيموت .
وقد أحيى عيسى عليه السلام سام بن نوح بالدعاء وباسم الله الأعظم ، فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه ، فقال : قد قامت القيامة ، قال عيسى : لا ، ولكني دعوتك باسم الله الأعظم .
(ولم يكونوا يشيبون في ذلك الزّمان. وكان سام قد عاش خمسمائة سنة وهو شاب ، ثم قال : مُت .
فقال : بشرط أن يعيذني اللّه من سكرات الموت. فدعا اللّه عز وجّل ففعل.
قال الكلبي : كان عيسى عليه السلام يحيي الأموات بـ(يا حىّ يا قيّوم))( ).
الإخبار عن المدخرات
الثالثة عشرة : من معجزات عيسى عليه السلام إخباره بني إسرائيل بما يأكلون في بيوتهم وما يدخرون من الأطعمة ، وكان وهو في الكتّاب مع الصبيان يخبرهم بما أكل أهليهم .
ويقول للصبي أن أهلك إدخروا كذا طعام فيأتيهم ويبكي عليهم حتى يخرجوا لهم ما أدخروه ، ويقولون له : من أخبرك بما تأكل وما ندخره .
فحبسوا صبيانهم عن عيسى وحذروهم منه وأنه ساحر وامتلأت صدورهم غيظاً وحنقاً على عيسى عليه السلام ، فخافت عليه أمه فحملته على حمار لها ، وهربت به إلى مصر .
وجاء ذكر هذه المعجزات مجتمعة لعيسى عليه السلام في آيتين من القرآن إحداهما من سورة المائدة وقد تقدم ذكرها ، والأخرى هي الآية التاسعة والأربعون من سورة آل عمران والتي تقدم تفسيرها في الجزء الستين من هذا السِفر .
والتي اختتمت بقوله تعالى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ .
وورد لفظ (آية) في أول الآية وفي آخرها ، والمراد اسم جنس لتعدد الآيات وأفرادها ليراها أكثر عدد من بني إسرائيل وليتناقلها الناس فيؤمن برسالته من لم يره ، ثم نزل القرآن ووثق هذه المعجزات إلى يوم القيامة ، لسلامة القرآن من التحريف أو الزيادة أو النقصان .
وفي آية أخرى أخبر عيسى عليه السلام عن تصديقه لنزول التوراة من عند الله ، ونسخه لبعض الأحكام بقوله وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، من لحم الإبل والشحوم والثروب ، مع إباحة العمل يوم السبت.
ولا يتعارض هذا النسخ مع التصديق بالتوراة كما في نسخ بعض آيات القرآن لآيات أخرى منها ، لبيان قانون الشريعة اللاحقة تخفيف عن الناس ، ولبيان وجود محرمات في التوراة بقيت على ذات الحكم .
الجمع بين الصحبة والآل
الصحابي لغة هو الملازم والمعاشر .
أما في الإصطلاح فالمشهور أنه الذي رأى النبي محمداً واجتمع به في حياته وهو المسلم سواء طالت صحبته ومجالسته النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو قصرت ، ومات على الإسلام .
والتقييد بالإسلام ليخرج كفار قريش ونحوهم من صفة الصحابي وإن رأوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتحدثوا معه .
وعدد الصحابة الذين توفى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عنهم مائة ألف وأربعة عشر ألفاً .
وعن الرافعي قال (قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون ستون ألفاً ثلاثون ألفاً بالمدينة ، وثلاثون ألفاً في قبائل العرب وغيرهم).
يقسم الذين عاصروا النبي محمداً إلى قسمين :
الأول : الصحابة .
الثاني : أهل البيت .
ويمكن أن اضيف لهما قسمين :
الثالث : الجامع للصحبة والآل ، وهو أمر ينفرد به علي عليه السلام وفاطمة والحسن والحسين لآية التطهير وتفسير النبي محمد .
و(عن عمر بن أبي سلمة، قال: نزلت هذه الآية على النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم وهو في بيت أم سلمة إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا فدعا حسنا وحسينا وفاطمة فأجلسهم بين يديه، ودعا عليا فأجلسه خلفه، فتجلل هو وهم بالكساء ثم قال : هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي ، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا ، قالت أم سلمة : أنا معهم قال ( )مكانك، وأنت على خير)( ).
وفي رواية القرطبي (وقالت أم سلمة أدخلت رأسي في الكساء وقلت : أنا منهم يا رسول الله قال : نعم .
وقال الثعلبي : هم بنو هاشم فهذا يدل على أن البيت يراد به بيت النسب فيكون العباس وأعمامه وبنو أعمامه)( ).
الرابع : الجامع بين الصحبة والزوجية ، وهو خاص بأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
والمراد من أهل البيت لغة وجوه :
الأول : أهل الرجل .
الثاني : ذووا القربى .
الثالث : الزوجة والأولاد .
الرابع : الذين يسكنون في بناء خاص أو يجمعهم مأوى متحد .
وورد لفظ [أَهْلَ الْبَيْتِ] مرتين في القرآن مرة بخصوص إبراهيم عليه السلام وقول الملائكة لزوجته قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
وأخرى قوله تعالى إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.
وورد لفظ [أَهْلِ بَيْتٍ] في قصة موسى عليه السلام وإخبار أخته آل فرعون بوجود مرضعة له وهي أمه كما ورد في التنزيل وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ.
والمراد من أهل البيت في الإصطلاح هم أهل بيت النبوة علي عليه السلام ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ، ويلحق بهم الائمة التسعة المعصومون من ذرية الحسين عليه السلام .
ومن خصائص أهل البيت إنفرادهم بالجمع بين صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين أنهم آل الرسول وأهل بيته ، وهذا الجمع تشريف وإكرام خاص يملي على المسلمين إكرامهم والإنصات لهم وحبهم وولايتهم .
وهل فاطمة الزهراء والحسن والحسين من الصحابة ، الجواب نعم.
ليكون في آية التطهير وهذا الجمع إنذار وزجر عن كل من :
الأول : ظلم آل محمد .
الثاني : محاربة الإمام علي عليه السلام في الجمل وصفين والنهروان .
الثالث : اغتيال الإمام علي عليه السلام في مسجد الكوفة في التاسع عشر من شهر رمضان من السنة الأربعين للهجرة الموافق 29/1/661م بسيف مسموم .
و(عن الضحاك بن مزاحم قال : قال رسول الله عليه السلام : يا عليّ أتدري مَنْ أشقى الأوّلين ، قال : قلت : الله ورسوله أعلم.
قال : عاقر الناقة .
قال : أتدري مَنْ أشقى الآخرين ، قال : الله ورسوله أعلم ، قال : قاتلك)( ).
وبخصوص ناقة صالح ورد قوله تعالى إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا* فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا* فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : انبعث لها رجل عزيز عارك منيع في قومه قالوا : هو قدار بن سالف ، جعلت له امرأة من قومه ابنتها إن عقر الناقة ، ففعل فكان أشقى الأولين ، أما أشقى الأخرين : عبد الرحمن بن ملجم المرادي فقد جعلت له امرأة من بني عجل اسمها قطام نفسها إن قتل الإمام علي .
فالمناسبة بينهما من جهات :
الأولى : قتل آية الله وإمام معصوم في خلافته .
الثانية : الإصرار على الجريمة .
الثالثة : الغواية من قبل امرأة ، وشهوة فرج .
الرابعة : الإلتقاء بصفة أشقى الناس من الأولين والآخرين .
وأطلق عليهما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذه الصفة وهو من علم الغيب وللإنذار من قتل الإمام علي عليه السلام وقوله هذا شعبة من الوحي ، قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
ويبين هذا الحديث حرمة محاربة أهل البيت والإعتداء عليهم .
الرابع : الإنذار والزجر عن دس السم للإمام الحسن بن علي عليه السلام .
الخامس : الإنذار والزجر والتخويف من قتل الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه في العاشر من محرم الحرام من السنة الواحدة والستين للهجرة الموافق ليوم 12/10/680م.
قوانين الجزء (275)
وفيه القوانين التالية :
الأول : قانون طاعة الناس لله على نعمة خلقهم وإيجادهم ، قال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.
الثاني : قانون طاعة الناس لله شكر له على خلقهم وانتشارهم في الأرض.
الثالث : قانون طاعة الله طريق إلى الخلود في النعيم .
الرابع : قانون تقوى الله واجب على كل إنسان .
الخامس : قانون تقوى الله حاجة لكل إنسان .
السادس : قانون تقوى الله طريق لفوز العبد بحب الله .
السابع : قانون قراءة البسملة حصانة من الشيطان.
الثامن : قانون قراءة البسملة بركة حاضرة .
التاسع : قانون البسملة وقاية وشفاء .
العاشر : قانون الإبتداء بالبسملة شعار الإسلام .
الحادي عشر : قانون ملازمة البسملة للأنبياء .
الثاني عشر : قانون الإبتداء بالبسملة منهاج الأنبياء .
الثالث عشر: قانون تجدد خطابات القرآن في كل يوم من أيام الحياة الدنيا بتلاوة كل مسلم ومسلمة القرآن سبع عشرة مرة في اليوم والليلة .
الرابع عشر : قانون بعث القرآن الناس على التدبر في آيات وسور القرآن .
الخامس عشر : قانون موضوعية البسملة عند الشروع في القول أو الفعل.
السادس عشر : قانون البسملة واقية من الشيطان .
السابع عشر : قانون عدم حجب الشيطان والهوى والنفس الشهوية الإنسان عن التدبر في مضامين آيات القرآن.
الثامن عشر : قانون الإبتداء بالبسملة استعانة بالله عز وجل .
التاسع عشر : قانون تلاوة البسملة رجاء الهداية للعمل بمضامين وأحكام آيات القرآن .
العشرون : قانون ختم الآية بالأسماء الحسنى تثبيت للأحكام الواردة في الآية القرآنية ، وبيان الحكمة منها.
الواحد والعشرون : قانون خاتمة الآية القرآنية باعث للسكينة في نفوس المؤمنين .
الثاني والعشرون : قانون خاتمة الآية القرآنية تخويف وترهيب للذين كفروا .
الثالث والعشرون : قانون خاتمة الآية القرآنية تأكيد سماوي لمضامينها .
الرابع والعشرون : قانون خاتمة الآية القرآنية مدرسة كلامية لتعدد الأسماء الحسنى فيها.
الخامس والعشرون : قانون النفخ من روح الله خير محض.
السادس والعشرون : هل البسملة من قانون الإحتجاج على الناس بلطف ، الجواب نعم .
السابع والعشرون : قانون مصاحبة البسملة لكل آية من آيات سور القرآن .
الثامن والعشرون : قانون النفخ من روح الله في آدم مقدمة لخلافته في الأرض .
التاسع والعشرون : قانون أهلية الإنسان للخلافة في الأرض بالنفخ فيه من روح الله.
الثلاثون : قانون تلاوة القرآن جهاد والبسملة واقية .
الواحد والثلاثون : قانون البسملة فاتحة لخزائن القرآن .
الثاني والثلاثون : قانون البسملة فقاهة .
الثالث والثلاثون : قانون مصاحبة البسملة للأنبياء .
الرابع والثلاثون : قانون تجلي البركة من البسملة في كل زمان .
الخامس والثلاثون : قانون البركة عون للأنبياء والمؤمنين في الدعوة إلى الله عز وجل.
السادس والثلاثون : قانون نفاذ البسملة إلى شغاف القلوب ، ومعانقتها للفطرة الإنسانية .
السابع والثلاثون : قانون انجذاب النفوس إلى القرآن طوعاً وقهراً وانطباقاً .
الثامن والثلاثون : قانون الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم حرب على الشرك .
التاسع والثلاثون : قانون البسملة طارد للشيطان ، وحصن من الإغواء .
الأربعون : قانون البسملة سور الموجبة الكلية ، في النبوة ، فليس من نبي إلا وجاء بالبسملة ، قالت بلقيس ملكة سبأ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
الواحد والأربعون : قانون الجهر بالبسملة جهاد .
الثاني والأربعون : قانون البسملة تركة النبوة .
الثالث والأربعون : قانون حمل المطلق على إطلاقه مرة ، وعلى التقييد مرة أخرى بحسب الحال والمقتضي ، وعدم حصر موضوعه بالتقييد وحده .
الرابع والأربعون : قانون تقوى الله حرز وواقية من الظلم والتعدي .
الخامس والأربعون : قانون تقوى الله أمان للناس ، فالذي يتقي الله يمتنع عن ظلم الناس ، والتجاوز على الحقوق .
السادس والأربعون : قانون تقوى الله حصانة وحفظ لحقوق وأموال اليتامى والمستضعفين .
السابع والأربعون : قانون الأجر والثواب على تقوى الله في العبادات والمعاملات .
الثامن والأربعون : قانون تقوى الله إصلاح للمجتمعات .
التاسع والأربعون : قانون من الإرادة التكوينية بعلم الله عز وجل بكل أعمال الناس ، وأنه سبحانه يحفظها ويحاسب ويجازي عليها .
الخمسون : قانون وجوب التقوى على كل إنسان ذكراً أو أنثى .
الواحد والخمسون : قانون تقوى الله سور الموجبة الكلية الجامع للناس جميعاً .
الثاني والخمسون : قانون استدامة الحياة الدنيا ، ونزول أرزاق الناس بالتقوى.
الثالث والخمسون : قانون تحلي المؤمنين في كل زمان بتقوى الله .
الرابع والخمسون : من التقوى تقديم ما قدّمه الله ، والذي يصدق عليه قانون تقديم الأهم على المهم .
الخامس والخمسون : قانون الدنيا دار التدارك .
السادس والخمسون : قانون بقاء باب التوبة للناس مفتوحاً ، قال تعالى إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا.
السابع والخمسون : قانون الإحسان إلى اليتامى من التقوى .
الثامن والخمسون : قانون دفع أموال اليتامى لهم عام شامل للناس جميعاً .
التاسع والخمسون : قانون لزوم إكرام الناس لليتامى .
الستون : قانون التنزه العام عن الإستيلاء على أموال اليتامى وأكلها ، قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا.
الواحد والستون : قانون حفظ القرآن لأموال اليتامى .
الثاني والستون : قانون تعاهد اليتامى .
الثالث والستون : قانون الإمتناع عن الإستيلاء على أموال اليتامى وعن أكلها .
الرابع والستون : قانون إصلاح اليتامى .
الخامس والستون : قانون التعاون العام للعناية باليتامى ، ويدل على العموم في المقام صيغة النداء العام في أول الآية [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] والتي تتغشى الناس جميعاً.
السادس والستون : قانون الإنتفاع الأمثل من الأموال ، ويدل عليه قوله تعالى الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا .
السابع والستون : قانون اقتران الرزق بالخلق بفضل من الله .
الثامن والستون : قانون توارث تقوى الله والخشية منه .
التاسع والستون : قانون القول الحسن والمعروف من التقوى .
السبعون : قانون وجوب القول المعروف على الناس جميعاً .
الواحد والسبعون : قانون التقوى واجب على كل إنسان .
الثاني والسبعون : قانون تقوى الله باب للرزق الوافر الكريم .
الثالث السبعون : قانون تقوى الله طريق النجاة والفوز في الآخرة .
الرابع والسبعون : قانون التقوى أمن من كربات وساعة الإحتضار .
الخامس والسبعون : قانون تقوى الله واقية من لهيب النار .
السادس والسبعون : قانون الملازمة بين خلق الإنسان والتقوى ، فآدم عليه السلام من سادة المتقين إذ جعله الله عز وجل نبياً رسولاً .
السابع والسبعون : قانون مصاحبة الوحي لابتداء الوجود الإنساني في الأرض.
الثامن والسبعون : قانون وجوب تقوى الله على كل إنسان .
التاسع والسبعون : قانون تقوى الله شكر لله تعالى على بديع صنعه وخلقه الناس من نفس واحدة .
الثمانون : قانون التضاد بين تقوى الله والإعانة على الباطل والحرام .
الواحد والثمانون : قانون الآية القرآنية وتلاوتها نور للعقل والقلب .
الثاني والثمانون : قانون استدامة الحياة الدنيا بتقوى الله .
الثالث والثمانون : قانون حاجة كل إنسان إلى التحلي بتقوى الله ، وهو من مصاديق ابتداء آية البحث بالنداء العام [يَا أَيُّهَا النَّاسُ].
الرابع والثمانون : قانون الدعاء من التقوى .
الخامس والثمانون : قانون التقوى واقية من الإسراف والتبذير .
السادس والثمانون : قانون كل إنسان مخلوق من عند الله عز وجل .
السابع والثمانون : قانون ولادة كل إنسان بمشيئة من عند الله عز وجل .
الثامن والثمانون : قانون لزوم شكر الله عز وجل على نعمة الخلق بتقواه والخشية منه .
التاسع والثمانون : قانون من الإرادة التكوينية وهو وحدة جنس الناس في أصل خلقهم .
التسعون : قانون النداء العام في القرآن تقريب للإيمان .
الواحد والتسعون : قانون النداء العام في القرآن رحمة ولطف من عند الله .
الثاني والتسعون : قانون تساوي المسلم وغير المسلم ، بالنداء العام في القرآن ، وقانون تلقي المسلم بتلقي النداء ومضامين آيات القرآن بالقبول والعمل والإمتثال .
الثالث والتسعون : قانون تجدد النداء العام القرآني في كل زمان وإلى يوم القيامة .
الرابع والتسعون : قانون الحض على التحلي بالتقوى .
الخامس والتسعون : قانون الحض على التحلي بالتقوى .
السادس والتسعون : قانون سابق من الإرادة التكوينية .
السابع والتسعون : قانون لا يولد مولود إلا بأمر وإذن من عند الله .
الثامن والتسعون : قانون كل آية قرآنية دعوة سماوية لتقوى الله .
التاسع والتسعون : قانون تنزيه الأرض من الأصنام إلى يوم القيامة .
المائة : قانون لزوم التقوى على كل إنسان ، فلا تختص بالذين آمنوا.
الواحد بعد المائة : قانون ملازمة المسلم لعبادة الله.
الثاني بعد المائة : قانون لزوم التنزه عن الشرك ، وهذا القانون شامل للناس جميعاً ، ويدل عليه أول آية البحث [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ] .
الثالث بعد المائة : قانون تدارك الإساءة بالإحسان واللطف ، وتقوى الله ، قال تعالى وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ.
الرابع بعد المائة : قانون إقتران عبادة الله بالأخلاق الحسنة .
الخامس بعد المائة : قانون التقوى طريق دخول الجنة .
السادس بعد المائة : قانون لزوم اقتران حب العبد لله عز وجل باتباع رسوله .
السابع بعد المائة : قانون إظهار الإسلام وسيادته .
الثامن بعد المائة : قانون تقوى الله واجب .
التاسع بعد المائة : قانون الحاجة العامة لتقوى الله .
العاشر بعد المائة : قانون حاجة الناس إلى تقوى الله في الحياة الدنيا .
الحادي عشر بعد المائة : قانون حاجة الناس إلى تقوى الله في عالم البرزخ .
الثاني عشر بعد المائة : قانون حاجة الناس إلى تقوى الله يوم القيامة .
الثالث عشر بعد المائة : قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من تقوى الله .
الرابع عشر بعد المائة : قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طريق للذات والغير إلى مقامات تقوى الله .
الخامس عشر بعد المائة : قانون كل آية قرآنية تقرب الناس إلى عمل المعروف ، وتبعدهم عن ارتكاب المنكر .
السادس عشر بعد المائة : قانون التقوى حرز وواقية دون اللعنة .
السابع عشر بعد المائة : قانون توارث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الثامن عشر بعد المائة : قانون الملازمة بين العمل بالمعروف والبر والأمر به ، ليكون الآمر أسوة للناس ، وحجة في عمل الخير وحسنه الذاتي .
التاسع عشر بعد المائة : قانون إجتناب المعصية وقبائح الأفعال ، والنهي عنها .
العشرون بعد المائة : قانون تقوى الله نجاة من البلاء العام .
الواحد والعشرون بعد المائة : قانون تلاوة القرآن والجهر بها من مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثاني والعشرون بعد المائة : قانون تقديم المسلمين لإخوة الإيمان في القول والفعل والصلات العامة، وهو من مصاديق قوله تعالى[إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( ).
الثالث والعشرون بعد المائة : قانون عدم إنصات المسلمين للذين كفروا مع أنهم إخوتهم في الرحم والنسب.
الرابع والعشرون بعد المائة : قانون مصاحبة المعجزة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس والعشرون بعد المائة : قانون السلامة في الحياة الدنيا بتقوى الله.
السادس والعشرون بعد المائة : قانون ملازمة الدعوة لتقوى الله للأنبياء.
السابع والعشرون بعد المائة : قانون الأنبياء أئمة الناس في التقوى .
الثامن والعشرون بعد المائة : قانون الملازمة بين تقوى الله وطاعة الأنبياء والرسل .
التاسع والعشرون بعد المائة : قانون مصاحبة الوحي للأنبياء .
الثلاثون بعد المائة : قانون ليس من نبي إلا وجاء بالأمر بتقوى الله وطاعته .
الواحد والثلاثون بعد المائة : قانون توارث المسلمين ومن أيام آدم لتقوى الله .
الثاني والثلاثون بعد المائة : قانون الملازمة بين التصديق بالأنبياء والتقوى .
الثالث والثلاثون بعد المائة : قانون التقوى عهد الله في الأرض .
الرابع والثلاثون بعد المائة : قانون التقوى من سنن الخلافة في الأرض ، فعندما قال الله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً تفضل وقرب وأصلح الناس بالنبوة والتنزيل للتقوى والخشية منه تعالى بالغيب .
الخامس والثلاثون بعد المائة : قانون التقوى إخلاص وإحتراز .
السادس والثلاثون بعد المائة : قانون تقوى الله في القول والفعل باب لقضاء الحوائج .
السابع والثلاثون بعد المائة : قانون شهادة التقوى على الإيمان .
الثامن والثلاثون بعد المائة : قانون الملازمة بين العبودية لله وبين طاعته، فما دام الإنسان مخلوقاً ومربوباً ، فيلزمه طاعة الله الذي خلقه لعبادته ، وهذه العبادة علة الخلق .
التاسع والثلاثون بعد المائة : قانون التقوى شاهد على الإيمان .
الأربعون بعد المائة : قانون التقوى مرتبة سامية من مراتب الإيمان .
الواحد والأربعون بعد المائة : قانون التقوى إخلاص في النية ، وصلاح في الجوارح .
الثاني والأربعون بعد المائة : قانون التقوى مرآة للإيمان الذي هو التصديق بالجنان ، والعمل بالأركان ، والخشية من عذاب يوم القيامة .
الثالث والأربعون بعد المائة : قانون الملازمة بين التقوى والسكينة .
الرابع والأربعون بعد المائة : قانون السكينة كنز وثروة تطلب بالإجتهاد في طاعة الله وطلب مرضاته .
الخامس والأربعون بعد المائة : قانون مصاحبة السكينة للنبوة والوحي .
السادس والأربعون بعد المائة : قانون الكفر ماحق لأيام الدول , قال تعالى وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ….
السابع والأربعون بعد المائة : قانون قيام الحجة على الناس ، وتعدد تبليغهم وإنذارهم ، قال تعالى وَفِي عَادٍ إِذْ أهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ.
الثامن والأربعون بعد المائة : قانون الأصل المتحد للناس .
التاسع والأربعون بعد المائة : قانون التقوى نجاة وأمن .
الخمسون بعد المائة :
الواحد والخمسون بعد المائة : قانون تقوى الله قول وعمل .
الثاني والخمسون بعد المائة : قانون بعث تلاوة القرآن القارئ والسامع لها على التدبر في مضامينها القدسية ومعانيها ودلالتها .
الثالث والخمسون بعد المائة : قانون حرمة محاربة الأنبياء .
الرابع والخمسون بعد المائة : قانون مصاحبة النبوة لأول إنسان خلقه الله.
الخامس والخمسون بعد المائة : قانون حرمة الصدود عن الأنبياء وسل السيوف عليهم ، قال تعالى وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ.
السادس والخمسون بعد المائة : قانون نصر الله عز وجل للأنبياء ، وهل كان مشركو قريش يعلمون بهذا القانون ، الجواب نعم.
السابع والخمسون بعد المائة : قانون ابتداء خلق الإنسان بالتكامل بالتكليف ، وحسن الإمتثال من قبل آدم ، لتكون تقوى آدم حجة على ذريته في لزوم الإقتداء به .
الثامن والخمسون بعد المائة : قانون الخلق من نفس واحدة زجر عن الحروب .
التاسع والخمسون بعد المائة : قانون تجدد الخطاب القرآني في كل زمان .
الستون بعد المائة : قانون بقاء آيات القرآن غضة طرية إلى يوم القيامة .
الواحد والستون بعد المائة : قانون وحدة علة الخلق ، وهي عبادة الناس لله عز وجل .
الثاني والستون بعد المائة : قد ثبت في الفلسفة قانون الذاتي لا يعلل ، إذ أن وجوده مستغن عن العلة والسبب.
الثالث والستون بعد المائة : قانون المودة بين الناس واقية من الكدورات وغلبة النفس الغضبية .
الرابع والستون بعد المائة : قانون قصص القرآن حقيقية وثابتة ، وليست هي من باب المجاز، ومن مصاديق الحقيقة فيها أنها من أحسن القصص .
الخامس والستون بعد المائة : قانون كل قصة وواقعة ذكرت في القرآن هي حقيقة وصدق.
السادس والخمسون بعد المائة : من إعجاز القرآن قانون إنطباق مصداق الجزء على الكل.
السابع والستون بعد المائة : قانون قصص القرآن موعظة يومية متجددة ، وهو من أسرار تلاوة كل مسلم ومسلمة القرآن سبع عشرة مرة كل يوم .
الثامن والستون بعد المائة : قانون جمع آيات القرآن للبشارة والإنذار .
التاسع والستون بعد المائة : قانون التشابه بين قصص الأنبياء التي في القرآن وقصص الأنبياء الآخرين .
السبعون بعد المائة : قانون العقوبة الأخروية لمن يرتكب المعاصي الكبيرة وإن كان مسلماً إلا أن يشاء الله العفو عنه ومغفرة ذنوبه.
الواحد والسبعون بعد المائة : قانون حرب النبوة على الأصنام.
الثاني والسبعون بعد المائة : قانون إزاحة المساجد الأصنام .
الثالث والسبعون بعد المائة : قانون انتشار ودوام المساجد في المدن والقرى .
الرابع والسبعون بعد المائة : قانون الإجهار بالأذان خمس مرات في اليوم من سنن التقوى .
الخامس والسبعون بعد المائة : قانون لزوم تحلي الناس بتقوى الله.
السادس والسبعون بعد المائة : قانون الملازمة بين الإسلام والتقوى .
السابع والسبعون بعد المائة : قانون الملازمة بين الكفر والوهن .
الثامن والسبعون بعد المائة : قانون تعضيد قصص الأنبياء للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
التاسع والسبعون بعد المائة : قانون بعث آيات القرآن النفرة في النفوس من عبادة الأوثان .
الثمانون بعد المائة : قانون إكرام آية البحث للناس بتوجيه الخطاب العام لهم بتقوى الله .
الواحد والثمانون بعد المائة : قانون التنزه عن عبادة الأوثان من سنن وقواعد التقوى .
الثاني والثمانون بعد المائة : قانون آيات القرآن مدد للناس ووسيلة سماوية جذبهم لمنازل التوحيد .
الثالث والثمانون بعد المائة : قانون تحقق الأمن في الجزيرة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع والثمانون بعد المائة : قانون الملازمة بين تقوى الله والمناشدة بين الناس بربوبيته .
الخامس والثمانون بعد المائة : قانون التصديق بالنبوة من أبهى مصاديق تقوى الله .
السادس والثمانون بعد المائة : قانون حاجة الناس لتقوى الله ، وقد تلا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم آية البحث في خطبة الحاجة .
السابع والثمانون بعد المائة : قانون تكرار الأمر بتقوى الله في القرآن رحمة بالناس وحجة عليهم .
الثامن والثمانون بعد المائة : قانون حاجة الفقيه والمجتهد إلى القرآن وآيات الأحكام منه أكثر من حاجته إلى علم الأصول .
التاسع والثمانون بعد المائة : قانون الانتفاع من الأهداء للميت.
التسعون بعد المائة : قانون صلة الأرحام من تقوى الله وفق قواعد وقوانين جلية للتقوى .
الواحد والتسعون بعد المائة : قانون المساءلة العامة عن صلة الأرحام في الآخرة .
الثاني والتسعون بعد المائة : تدل آية البحث على قانون تكليف كل إنسان بصلة الرحم .
الثالث والتسعون بعد المائة : قانون رفق المسلمين بالناس ، وأهل الأمصار .
الرابع والتسعون بعد المائة : قانون الكفر حاجب عن الثواب ، وفي التنزيل قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ.
الخامس والتسعون بعد المائة : قانون الصلة بين أهل الدنيا وأهل الآخرة ، وهل هي من طرف واحد ، بما يهديه الأحياء إلى الأموات ، أم من الطرفين وأن الأموات في عالم البرزخ يدعون للأحياء الذين يهدون لهم الصالحات ، ومنه شواهد في عالم الرؤيا بالبشارات والإنذارات ، الجواب هو الأول .
السادس والتسعون بعد المائة : قانون إثابة الله عز وجل للذي يهدي العمل الصالح للأموات ويستغفر لهم .
السابع والتسعون بعد المائة : قانون حضور الأشياء كلها عند الله عز وجل ، ورقابة الناس والأشياء غير علم الله بخلقهم السابق لإيجادهم .
الثامن والتسعون بعد المائة : قانون إجتماع صيغة الدعاء مع تلاوة الآية القرآنية .
التاسع والتسعون بعد المائة : قانون ملازمة الخلق العظيم للوحي والتنزيل.
المائتان : قانون كل نبي ورسول ذو خلق عظيم .
الواحد بعد المائتان : قانون الخلق العظيم تركة الأنبياء للناس .
الثاني بعد المائتان : قانون إستحضارنا الدائم لرقابة الله عز وجل لنا .
الثالث بعد المائتين : قانون الوحي للأنبياء جذب للناس لمنازل التقوى .
الرابع بعد المائتين : قانون تعدد منافع اطلاع النبي محمد على بعض علوم الغيب .
الخامس بعد المائتين : قانون استحداث الأبواب في علم التفسير مادة لتجلي علوم من إعجازه ، وشواهد على صدق نزوله من عند الله .
السادس بعد المائتين : قانون الإقرار بأن أكثر علوم القرآن لم تكتشف بعد في كل زمان.
السابع بعد المائتين : بيان قانون استنباط العلوم والقواعد من القرآن .
الثامن بعد المائتين : قانون تسخير العلوم في تفسير القرآن .
التاسع بعد المائتين : قانون شهادة العصر والزمان على معجزات الأنبياء الحسية .
العاشر بعد المائتين : قانون تحدي القرآن كمعجزة عقلية للناس في كل زمان .
الحادي عشر بعد المائتين : قانون المعجزات النبوية دعوة للناس للإيمان .
الثاني عشر بعد المائتين : قانون شهادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين على معجزات الأنبياء .
الثالث عشر بعد المائتين : قانون الشريعة اللاحقة تخفيف عن الناس ، ولبيان وجود محرمات في التوراة بقيت على ذات الحكم .
الرابع عشر بعد المائتين : قانون تلاوة البسملة مفتاح لقضاء الحوائج.

المحتويات
المقدمـــة 2
الإعراب واللغة 11
فضل سورة النساء 13
في سياق الآيات 16
الصلة بين البسملة وآية البحث 18
صلة خاتمة الآية بمضامينها 20
قانون النفخ من روح الله خير محض 22
نزول البسملة 25
الدعوة لله بالبسملة 26
لماذا ذكرت بلقيس البسملة للقواد 28
قانون البسملة تركة النبوة 29
البسملة من تقوى الله 30
صلة آية البحث بالآية التي بعدها 32
بحث فقهي 34
الولاية على الصبي 36
العناية بالصبي وأمواله 37
الناظر 38
بحث فقهي 39
شروط القيم 40
الخلاف بين الوصي والصبي 41
من مصاديق التقوى 42
فيض خاتمة الآية 43
خلق حواء 44
العدالة الإجتماعية 45
جواز الرجوع عن الوصية 46
أقسام الوصية 47
أقتران الإحسان للوالدين بطاعة الله 50
العطف على اليتيم 51
الإحسان إلى اليتيم 52
من التقوى التنزه عن الغش 54
نماء مال اليتيم 55
العطف بين الآيات الأولى من سورة النساء 57
الجمع بين خاتمتي الآيتين 59
تقدير الجمع بين الآيتين 61
قانون الإحسان إلى اليتامى من التقوى 62
الأمر العام بخصوص اليتامى 64
قانون تعاهد اليتامى 65
الخطاب إلى بني إسرائيل 66
كنز اليتيمين 67
خرق السفينة 68
بيان الخضر لعلة ما فعله 70
صلة آية البحث بالآية الخامسة 71
مصاديق التقوى في آية السياق 72
الدعاء للأولاد 73
تقدير الجمع بين الآيتين 75
إكرام المرأة 77
إعجاز الآية الذاتي 79
بحث إعجازي 83
إعجاز الآية الغيري 84
الآية سلاح 86
مفهوم الآية 88
إفاضات الآية 90
الآية لطف 92
الآية بشارة 94
الآية إنذار 96
من مصاديق الإنذار في آية البحث 98
الصلة بين أول وآخر الآية 99
من غايات الآية 102
آية البحث فقاهة في أصل الخلق 105
التفسير 107
تفسير [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] 107
نداء [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] 109
علم المناسبة 110
تفسير [اتَّقُوا رَبَّكُمُ] 112
النبي (ص) يحض على التقوى 114
التفسير بالتقدير 116
التقوى خلق حميد 119
تقوى الله والأحكام التكليفية (بحث أصولي) 120
أقسام الإباحة 122
أقسام الحرام 123
علم المناسبة 125
قانون تقوى الله واجب 127
قانون الحاجة العامة لتقوى الله 128
الأمر بالمعروف من التقوى 130
الأمر بالمعروف طريق إلى التقوى 131
التقوى في السنة النبوية 133
قانون توارث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 135
الأوائل 137
مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 140
الأمر والنهي باللسان 141
الأمر والنهي بالقلب 142
التوحيد 144
الصفات الحسنى 146
الانبياء يأمرون بالتقوى 148
منافع الأمر بالتقوى 150
قانون التقوى إخلاص وإحتراز 151
قانون شهادة التقوى على الإيمان 153
قانون الملازمة بين التقوى والسكينة 155
تفسير [الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ] 157
قانون الأصل المتحد للناس 159
بداية الخلق في التوراة 159
قانون التقوى نجاة وأمن 162
معنى النفس 164
آية خلق آدم 165
النداء العام 166
قانون حرمة محاربة الأنبياء 167
المراد من النفس الواحدة 168
قانون الخلق من نفس واحدة زجر عن الحروب 169
الخلق من نفس واحدة دعوة سماوية للسلام 170
من ذخائر هذه الآية 172
مناداة نار إبراهيم (ع) 173
بحث كلامي 175
بحث منطقي 177
تفسير [وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا] 179
بعث الآية على المودة والتراحم 180
بحث فلسفي 181
خلق آدم وحواء حقيقة 181
كيفية خلق حواء 183
النفخ في آدم من روح الله 186
خلق حواء في التوراة والإنجيل 186
لقاء آدم ليلة المعراج 187
ماذا أُعطي النبي (ص) في المعراج 188
تعيين عدد ركعات الصلاة اليومية 190
قانون حرب النبوة على الأصنام 192
العكوف في المساجد 194
قانون الملازمة بين الكفر والوهن 195
تحريم الشرائع الربا 197
تفسير [وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً] 200
نعمة الإنتشار في الأرض 201
معجزة تعاقب الأجيال 202
الحياة في الكواكب الأخرى 203
لماذا كثرة الرجال دون النساء 204
كثرة الرجال 206
بحث بلاغي 207
منافع الإيجاز القرآني 210
زواج أولاد آدم 211
باب فتح مرة واحدة 214
تفسير [وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ] 215
تكرار تقوى الله في الآية 217
تفسير [وَالْأَرْحَامَ] 219
عدم جواز حرمان البنت من الميراث 221
صلة الموتى من الأرحام 223
قانون الانتفاع من الأهداء للميت 224
صلة صفية زوج النبي (ص) لرحمها 224
صلة الأرحام في التوراة والإنجيل 227
صلة الأرحام 228
معجزة صلة الرحم 230
نصب الأرحام 232
وجوبُ بر الأب بأبنائه 234
بر الوالدين بعد وفاتهما 236
في الرسالة العملية (الحجة) 240
تفسير [إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا] 242
خاتمة الآية 243
علم وإطلاع الله عز وجل على أعمال العباد 244
علم المناسبة (رقيبا) 245
صدور الجزء (274) من معالم الإيمان 247
آية البحث من آيات السلم 248
زواج النورين 250
تبتل المرأة 252
من مصاديق القضاء على الوأد 254
مبارزة الفرقان 255
أول مبارزة في الإسلام 257
جزئية البسملة من القرآن 259
أخلاق النبوة 260
البحث الخارج في التفسير 262
السنة النبوية والمغيبات 264
شواهد من المغيبات 267
أقسام علم النبي (ص) بعلوم الغيب 268
الإخبار عن قصة آدم وحواء 270
الملاحم والفتن 272
هل ذو الكفل نبي ؟ 273
ارادة اغتيال النبي (ص) في ذات الرقاع 277
محاولة عمير بن وهب قتل النبي (ص) 278
التخطيط للإغتيال في حجر اسماعيل 281
تعدد أجزاء التفسير الخاصة ببعض الآيات 283
أجزاء الصلة بين آيتين 284
أجزاء في علوم مستحدثة 286
منهجية هذا الجزء 288
معجزات عيسى في آية واحدة 294
المراد من روح القدس 294
تكليم الناس في المهد 296
تعليم عيسى (ع) الكتاب 297
إبراء الأكمه 298
إبراء الأبرص 299
إحياء عيسى (ع) الموتى 300
الذين أحياهم عيسى (ع) 303
الإخبار عن المدخرات 305
الجمع بين الصحبة والآل 306
قوانين الجزء (275) 310
من الردود الكريمة على عدد من أجزاء هذا السِفر المبارك 325

رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد
76 لسنة 2026