بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الذي جعل أحكام الإسلام جلية متكاملة تتغشاها صبغة السماحة والقواعد الإمتنانية لتكون حجة على الناس ودعوة لهم للإيمان ، قال تعالى[وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ] ( )( ).
ولقد أجهد العلماء أنفسهم في تأسيس القواعد الفقهية والأصولية إقتباساً من القرآن والسنة وتبويب أبواب علم الفقه والأصول بدقة وتدبر وتنسيق مع بيان وجوه الترابط والتداخل بينها , وتبويب مسائل الأصول مما ساهم في بيانها وأعان طلبة العلم في الكسب والتحصيل وإستنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية ومنع الجهالة والغرر ورد الفروع إلى أصولها بالدليل والحجة التي تتقوم بها ملكة الإجتهاد والفتوى.
وهذا هو الجزء الثاني من كتابنا الموسوم (معراج الأصول) ويتضمن شطراً من محاضرتنا في البحث الخارج الأصولي على فضلاء الحوزة العلمية والذي بدأ منذ عام (2000)م.
وجاء الجزء الأول والثاني من هذا الكتاب باعتماد كتاب كفاية الأصول الجزء الأول متناً للبحث الخارج، مع محاضرات مستقلة لنا في البحث الخارج الأصولي.
وتعلم علم الأصول حاجة لطالب العلم وقيل (من حرم الأصول حرم الوصول).
وقد يقال بعدم الحاجة إلى علم الأصول لوجوه:
الأول : لم يدون علم الأصول إلا بعد زمان الأئمة عليهم السلام، ولم يكن أصحابهم وما يليهم من طبقات الرواة يعرفون مسائل علم الأصول أو يولونها عناية خاصة، وأستدل بمقبولة عمر بن حنظلة، ومعنى المقبولة تلقي مضمونها بالقبول في الجملة ولا يعني الحكم عليها بالصحة في كل أجزائها.
قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك .
إلى أن قال عمر بن حنظلة : قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران إلى من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فانما استخف بحكم الله وعلينا رد( ).
ولكن يدل الحديث على الإحتراز وملكة الفقاهة بدليل قوله عليه السلام: نظر في حلالنا وحرامنا( ). ومنه ما هو أبعد أي إرادة الإستنباط وإستخراج الأحكام .
وقد تشير إليه رواية عبد الله بن يعفور قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنه ليس كل ساعة ألقاك ، ولا يمكن القدوم ، ويجيء الرجل من أصحابنا فيسألني ، وليس عندي كل ما يسألني عنه ، فقال : ما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي ، فانه سمع من أبي ، وكان عنده وجيها( ).
وأصحاب الأئمة هؤلاء لم يكونوا عالمين بمسائل علم الأصول وعلى التفصيل الذي عليه الآن، ولكن كانت عندهم الإحاطة بمضامينه.
الثاني : لم يعهد أن تكون قواعد ومسائل علم الأصول دليلاً يستدل به.
الثالث : تقتضي الوظيفة الشرعية العمل بالأوامر والنواهي الشرعية، قال تعالىوَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، وقد تحققت هذه الطاعة في القرون الأولى في العهد الإسلامي من دون لحاظ لمسائل علم الأصول والجواب هذا صحيح .
ولكن علم الأصول ليس مستحدثاَ في مسائله فاكثرها مستقرأ من الكتاب والسنة وقواعده مقتبسة من الشريعة، ومنها ما يتعلق بمعاني الألفاظ مثل الأمر للوجوب أو الندب، وإفادة الألف واللام في المعرف العهد أو الإستغراق، والعموم، والتخصيص، والمطلق، والمقيد، والشرط، والإستثناء.
ومنها ما يصدق عليه أنه أبواب مستحدثة في ذات العلم مثل خبر الواحد وهل هو حجة أم لا، والمختار الأول ويستدل عليه بمفهوم قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ، وهل يقتضي الأمر بالشيء وجوب مقدمته ، والتي هي على قسمين :
الأول : مقدمة الوجوب ، وتسمى المقدمة الوجوبية والتي يتوقف عليها وجوب التكليف ، كما في الإستطاعة في أشهر الحج ، قال تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وقال تعالى الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ، ولا يلزم السعي إلى هذه المقدمة.
فلا يلزم السعي لجمع الإستطاعة المالية وأسباب الحج لأدائه ، ولكن إن إجتمعت وجب الحج لتحقق الإستطاعة .
الثاني : مقدمة الواجب وتسمى المقدمة الوجودية ، ويتعلق بها تنجز الواجب كما في الوضوء للصلاة ، فلابد من تحصيل الطهارة مقدمة للدخول في الصلاة ، وتجلى بوضوح في الوضوء في قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ.
ويلزم السعي لهذه المقدمة من غير حرج , لذا خفف الله عز وجل عن المسلمين وجعل الطهارة الترابية بديلاً عن الطهارة المائية ، قال تعالى يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ، وهذه الآية وإن وردت في آيات الصيام وأحكامه إلا أنها قانون عام من الإرادة التكوينية( ).
ومن مسائل علم الأصول تعلق الأمر والنهي بشيء واحد , كما في الصلاة في المكان المغصوب.
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: إن القرآن نزل أربعة أرباع: ربع حلال وربع حرام وربع سنن وأحكام وربع خبر ما كان قبلكم ونبأ ما يكون بعدكم وفصل ما بينكم( ).
ويستلزم استنباط المسائل من آيات الأحكام العلم بها والتفقه في الدين، وعلم الأصول في ذاته من الفقاهة، وفيه تقييد ومنع من التفسير بالرأي وعن الإمام الباقر عليه السلام: خذوا بالمجمع عليه ، فإن المجمع عليه لا ريب فيه( ).
لذا فان علم الأصول من مفاخر العلوم الإسلامية، ويمكن القول بوجوه من غير تعارض أو دور أو تسلسل بينهما :
الأول : علم الأصول متمم لعلم الفقه .
الثاني : علم الأصول فرع علم الفقه .
الثالث : علم الأصول مقدمة لعلم الفقه .
الرابع : التداخل بين علم الفقه والأصول وكأنهما مما إذا اجتمعاً افترقا وإذا افترقا اجتمعا.
ومن خصائص بحثي الخارج في علم الأصول الإتيان بالأمثلة المناسبة للموضوع من القرآن والسنة ، مع تقريب المدركات العقلية بشواهد حسية .
وقد صدر لي والحمد الله الجزء السابع والستون بعد المائتين من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) وأجزاء هذا التفسير كلها تأويل واستنباط .
ولا يخرج علم الأصول عن الإستدلال بظاهر وأدلة القرآن والسنة النبوية والإجماع , ولا يكون بديلا عن أي منها , قال تعالىوَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
حرر في النجف الأشرف
أقسام الدلالة
وتنقسم الدلالة الى قسمين:
الأول :الدلالة اللفظية : كدلالة اسم البقرة على الحيوان المعروف ، كما في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً.
الثاني :الدلالة غيراللفظية : كما في قوله تعالى مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ ومنه إشارات المرور.
والدلالة اللفظية تنقسم الى اقسام :
الأول : الدلالة اللفظية الطبعية : وهي التي يكون الدال فيها شيئاً طبيعياً او ملازمة طبيعية تتعلق بطبع الإنسان مثل دلالة الأنين على الألم.
الثاني : الدلالة اللفظية الوضعية : وهي الدلالة التي تترشح من وضع اللفظ او استعماله في المعنى الموضوع له مثل دلالة لفظ الطعام على الحنطة، ودلالة لفظ العبادة على الصلاة، وهذه الدلالة هي التي تكون غاية للمنطقي لأنها المستعملة في الصنائع والمحاورات وقد قسمت الى ثلاثة اقسام هي:
أ- الدلالة المطابقية : وهي الدلالة التي يدل اللفظ فيها على تمام المعنى الموضوع له مثل: القرآن كتاب الله النازل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ب- الدلالة التضمنية: وهي الدلالة التي يدل اللفظ فيها على جزء المعنى الموضوع له مثل دلالة لفظ المسلم على المؤمن، او دلالة الطواف على الحج.
ج- الدلالة الإلتزامية: وهي الدلالة التي يدل اللفظ فيها على امر ملازم ذهنياً للمعنى الموضوع له اللفظ، فهو خارج عنه مثل دلالة الشمس على الضياء، ودلالة المطر على السحاب.
الثالث : الدلالة اللفظية العقلية : وهي الدلالة التي يكون الدال فيها هو الإستدلال والحكم العقلي مثل مصاديق العلة والمعلول، والسبب والمسبب، والأثر والمؤثر.
الرابع : الدلالة غير اللفظية وهي الدلالة بغير اللفظ كما لو كانت بالإشارة او العرض المفاجئ او النظر.
وهي على ثلاثة اقسام :
الأول : الدلالة غير اللفظية الطبعية: وهي التي يكون الدال فيها شيئاً طبيعياً مثل دلالة انتفاخ العينين عند الغضب، واحمرار الوجه عند الخجل، والحزن عند المصيبة، والخوف عند توقع المكروه.
الثاني : الدلالة غير اللفظية الوضعية: وهي الدلالة التي يكون الدال فيها شيئاً مصطلحاً او متعارفاً عند الناس بوضعهم له مثل حدود البلدان.
الثالث : الدلالة غير اللفظية العقلية: وهي الدلالة التي يكون الدال فيها حكم العقل مثل دلالة امتلاء الآفاق بالضياء على طلوع الشمس، ودلالة الحرب على القتل والضرر.
ولا بأس بايجاد اصطلاح آخر للدلالة غير اللفظية كما لو كانت تسميتها بالدلالة الذاتية، او قسمتها الى الدلالة الذاتية والدلالة العرضية التي تتعلق بالاعراض الدائمة غير اللفظية كالألوان.
عن الفتح بن يزيد الجرجاني، عن أبي الحسن عليه السلام قال: إن لله إرادتين ومشيئتين: إرادة حتم وإرادة عزم، ينهى وهو يشاء ويأمر وهو لا يشاء، أو ما رأيت أنه نهى آدم وزوجته أن يأكلا من الشجرة وشاء ذلك ولو لم يشأ أن يأكلا لما غلبت مشيئتهما مشيئة الله تعالى، وأمر إبراهيم أن يذبح إسحاق ولم يشأ أن يذبحه ولو شاء لما غلبت مشيئة إبراهيم مشيئة الله تعالى( ).
وعنه عليه السلام : امر الله ولم يشأ، وشاء ولم يأمر، أمر ابليس ان يسجد لآدم وشاء ان لا يسجد، ولو شاء لسجد، ونهى آدم عن اكل الشجرة وشاء ان يأكل منها ولو لم يشأ لم يأكل .
فعلم الله تعالى في المعلومات ثابت، كما يمكن ان يستدل بهذه الأحاديث في تقسيم الارادة، وان الإرادة المتحدة مع الطلب هي ارادة الحتم وهي المقصودة في المقام، ومن اقسام الارادة ما لا تتعلق بالأمر الى المخلوقين، بل تتعلق بالخلق والايجاد.
ويمكن استقراء تقسيم للإرادة من هذا الحديث على قسمين :
الأول : ارادة حتم سواء كانت تكوينية او تشريعية وهذه الإرادة لا راد لها .
الثاني : ارادة عزم ، ومنها التكليف في الدنيا .
أما الإرادة التشريعية فهي العلم بوجود المصلحة في فعل العبد وصدورها عنه باختياره من غير إكراه ولا اجبار لأنها عبارة عن بعث العبد للفعل باحداث الداعي لإيجاد الفعل خارجاً باختياره مما يعني ان علتها التامة ليست الإرادة التكوينية بل ارادة الفعل واختياره.
وجاء مزيد بيان في الجزء الثلاثين بعد المائتين من كتابي (معالم الإيمان في تفسير القرآن).
فالطب والإرادة متحدان في الإرادة التكوينية والتكاليف وانها جدية وليست صورية وان تخلف شطر من الناس عن الإمتثال، فالإرادة التكوينية لا تخلف في متعلقها سواء بالنسبة للنظام الأحسن او لفعل العبد، وقد توجه الأمر الى العبد ولكن فعله ليس جزء من الإرادة التشريعية المحضة بل يكون جزء علة منه فعل العبد.
ونشكل على الماتن في قوله (وما لا محيص عنه في التكليف انما هو هذه الإرادة التشريعية لا التكوينية فاذا توافقتا فلابد من الإطاعة والإيمان، واذا تخالفتا فلا محيص عن ان يختار الكفر والعصيان) ، فلا تعارض او مخالفة بين الإرادتين خصوصاً وان التقسيم استقرائي، ومتعلق الإرادة التشريعية اعم، وكأن فعل العبد يتعلق بالإرادة التشريعية واختياره لسنة جعلها الله في الخلق، والإتحاد بين الطلب والإرادة بالمعنى الحقيقي واصل توجه الخطاب التكليفي.
إشكال ودفع : أما الاشكال ، فهو إنه يلزم بناء على اتحاد الطلب والارادة ، في تكليف الكفار بالايمان ، بل مطلق أهل العصيان في العمل بالاركان ، إما أن لا يكون هناك تكليف جدي ، إن لم يكن هناك إرادة ، حيث أنه لا يكون حينئذ طلب حقيقي ، وإعتباره في الطلب الجدي ربما يكون من البديهي ، وإن كان هناك إرادة ، فكيف تتخلف عن المراد ؟ ولا تكاد تتخلف ، إذا أراد الله شيئا يقول له : كن فيكون . وأما الدفع ، فهو إن إستحاله التخلف إنما تكون في الارادة التكوينية وهي العلم بالنظام على النحو الكامل التام ، دون الارادة التشريعية ، وهي العلم بالمصلحة في فعل المكلف . وما لا محيص عنه في التكليف إنما هو هذه الارادة التشريعية لا التكوينية ، فإذا توافقتا فلابد من الاطاعة والايمان ، وإذا تخالفتا ، فلا محيص عن أن يختار الكفر والعصيان (1).
اتحاد الطلب والإرادة
(1) ما يذهب اليه الإمامية والمعتزلة واتبعهم الماتن فيه القول باتحاد الطلب والإرادة، ويرد عليه اشكال ذكره الماتن وذكر رده ودفعه، وموضوع الإشكال هو تكليف الكفار بالإيمان، وتكليف أهل المعصية بلزوم العمل بالأركان، فبناء على القول باتحاد الطلب والإرادة يحتمل أمران:
الأول : التكليف صوري لأن الأمر والطلب صدرا الى الكفار بالإيمان، ولكنهم لم يستجيبوا، فلو كانت الإرادة متحدة مع الطلب لما تخلفوا عن ارادته ومشيئته سبحانه.
الثاني : اذا كان التكليف جدياً فان المراد من الطلب متخلف عن الإرادة.
فمفاد الإشكال هو ثبوت الطلب للكفار بالأصول والفروع ولكنهم لم يعملوا، مما يعني عدم وجود ارادة لفعلهم مع وجود الطلب بلحاظ أن الله تعالى لو اراد شيئاً فانه لا يتخلف ولا يمتنع لعمومات قوله تعالى إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
فلو كان الطلب هو عين الإرادة، فثبوت انتفاء الإرادة يعني انتفاء الطلب والحال انه موجود وظاهر مما يدل على المغايرة بين الطلب والإرادة بحسب استدلال الأشاعرة واشكالهم على اتحاد الطلب والإرادة.
اما دفع هذا الإشكال فيتلخص ببيان قسمي الإرادة وهي الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية، والإرادة هي اختيار كون الشيء في وقته، وصفة تقتضي ترجيح احد طرفي المقدور بالوقوع اما إرادة الله تعالى فانه تعالى هو المختار الذي لم يغلب ولم يقهر وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
وفي تعريف ارادته تعالى أقوال ومنها :
الأول : انها صفة قديمة زائدة على الذات قائمة به كالصفات الأخرى، عن الأشاعرة.
الثاني : صفة زائدة قائمة بمحل، عن الجبائية.
الثالث : صفة سلبية فالفاعل ليس بمكره ولا ساه، عن النجار.
الرابع : العلم بالنظام الأكمل، عن الفلاسفة.
الخامس : العلم بما في الفعل عن المصلحة، عن بعض محققي المعتزلة.
السادس : صفة زائدة مغايرة للقدرة والعلم، مخصصة للفعل عن النافع يوم الحشر، حكاية عن الأشاعرة وغيرهم.
السابع : هي في فعل الله تعالى العلم بما فيه من المصلحة، وفي فعل غيره الأمر به، عن كشاف اصطلاحات الفنون.
إن قلت : إذا كان الكفر والعصيان والاطاعة والايمان ، بإرادته تعالى التي لا تكاد تتخلف عن المراد ، فلا يصح أن يتعلق بها التكليف ، لكونها خارجة عن الاختيار المعتبر فيه عقلا قلت : إنما يخرج بذلك عن الاختيار ، لو لم يكن تعلق الارادة بها مسبوقة بمقدماتها الاختيارية ، وإلا فلا بد من صدورها بالاختيار ، وإلا لزم تخلف إرادته عن مراده ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا (1).
(1) هذا بيان لإشكال قد يرد على اتحاد الطلب والإرادة، فاذا كان فعل العبد متعلقاً بارادته تعالى ومعلولها لا يتخلف عنها فيجب ان لا يتوجه له التكليف لأنه سالبة بانتفاء الموضوع لثبوت صفة الكفر والعصيان، او ثبوت الإيمان والطاعة عند العبد ويكون ملتجأ أو مضطراً الى الكفر او الى الإيمان فلا اختيار له في فعله فيسقط التكليف والإبتلاء لفقدان القدرة على الإداء والإختيار باعتبار تعلق ارادته تعالى بطاعة العبد او معصيته.
فاجاب الماتن على هذا الإشكال بنفي الجبر والإكراه في فعل العبد مما يدل بداهة على عدم تعلق فعل العبد بارادته التكوينية سبحانه، فلو اراد الله عز وجل من العبد ان يفعل لما تخلف عن ذلك، واجماع المسلمين على عدم تخلف إرادة الله تعالى عن مراده .
ولكن الإرادة التشريعية هنا متعلقة باختيار العبد وما يقوده اليه عقله، ومما هو ثابت عنه المليين ان التكليف ابتلاء يمتحن به الله الناس مما يعني موضوعية اختيار العبد فيخرج بالتخصص من مسألة اتحاد الطلب والإرادة، او ان الإرادة تتعلق بالأمر وانه هو الطلب ، وفعل العبد امر اضافي لأن فيه موضوعية لاختياره.
إن قلت : إن الكفر والعصيان من الكافر والعاصي ولو كانا مسبوقين بإرادتهما ، إلا أنهما منتهيان إلى ما لا بالاختيار، كيف وقد سبقهما الارادة الازلية والمشية الالهية، ومعه كيف تصح المؤاخذة على ما يكون بالاخرة بلا اختيار قلت : العقاب إنما بتبعة الكفر والعصيان التابعين للاختيار الناشئ عن مقدماته ، الناشئة عن شقاوتهما الذاتية اللازمة لخصوص ذاتهما ، فإن (السعيد سعيد في بطن أمه ، والشقي شقي في بطن أمه ) (1).
دفع شبهة الجبر
(1) ذكر الماتن اشكالاً يرد على قوله بموضوعية ارادة الكافر والعاصي ومفاد الإشكال: ان ارادتهما لا تؤثر في موضوعية الإرادة الإلهية لأن المنتهى اليها.
إذ ان العبد مخلوق ممكن، وكل الممكنات مستجيبة لله تعالى مما يعني بالنهاية ان افعاله ليست اختيارية، لأن ارادة العبد في المحصلة الأخيرة ليست اختيارية، فلا يمكن ان تكون ارادته مخالفة لمشيئة الله الأزلية سبحانه، لذلك يكون التكليف غير اختياري ولا يصح العقاب على الكفر والعصيان لان فعل العبد خاضع لإرادته تعالى .
فمع ثبوت الجبر في افعال العبد فانه لا يستحق العقاب على المعاصي، والعقاب بالإصطلاح هو الضرر المستحق المقارن للإستخفاف.
لقد قام الماتن بدفع شبهة الجبر هذه والتي ترشحت عن القول بعدم اتحاد الطلب والإرادة، ولكنه لم يدفعها بما اورده من التعليل بالسعادة والشقاوة الذاتيتين، بل انه مناسبة للجبري للإستدلال به او تفنيده.
فقد عزا الماتن المعصية الى مقدمات ناشئة عن الشقاوة الذاتية من الميل والشوق وسلطان النفس الشهوية والغضبية لخصوص الذات .
ولكن الإنسان ممكن ومن خلق الله تعالى، والأمر يتعلق بالطلب الإلهي له بالإيمان واتيان الفرائض، وهذه المقدمات لا تكون سبباً للفصل بين الإرادة والطلب، انها خاضعة لإرادته تعالى ، بل ان الناس بينهم لا يتخذون من هذه المقدمات عذراً للعبد عندما يخالف مولاه، فلا يقال انه لا يستحق العقاب لخبثه الذاتي، ولا يجعل الصلاح الذاتي شرطاً في شراء العبيد، وتحديد قيمتهم.
والشقاوة الذاتية امر لم يثبت دوامه، لأن الإنسان ممكن وكل ممكن متغير وقابل للحوادث، فلابد من تأويل الحديث خصوصاً وان الله عز وجل جعل عنده العقل واللوم النفسي لذا فان نوعاً من النفوس يسمى النفس اللوامة قال تعالى وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ، أي النفس التي تندم على ما فات ، وتلوم عليه ولا يختص هذا اللوم بالكافرين ، بل إن المؤمن يلوم نفسه على التقصير ، والتخلف عن الإجتهاد في إحراز الحسنات .
وقد عرفت في الإصطلاح الكلامي بانها تميل مرة الى النفس الأمارة أي القوة الشيطانية التي تستجتمع جميع الرذائل، وتارة تلوم نفسها وتميل الى المطمئنة ذات الإعتقادات اليقينية الصحيحة ولا يصدر منها ذنب نهائياً.
والظاهر ان النفس اللوامة أعم من ان تكون نوعاً وقسماً على مرتبة متواطئة ومستقرة من النفوس بل ان النفس الأمارة والبهيمية والسبعية تكون احياناً لوامة وانها برزخ وواسطة للإنتقال الى النفس المطمئنة، وما ورد في توحيد الصدوق عن الإمام عليه السلام: “ان الشقي من شقى في بطن أمه، والسعيد من سعد في بطن أمه” .
وما ورد عن ابن ابي عمير قال: “سألت ابا الحسن عليه السلام عن معنى قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من سعد في بطن أمه، فقال: الشقي من علم الله وهو في بطن أمه انه سيعمل اعمال الأشقياء، والسعيد من علم الله وهو في بطن أمه انه سيعمل اعمال السعداء( ).
فهو من علم الله مطلقاً ، ومن الأمورالعرضية للسعادة والشقاوة في عالم الذر وان الله عز وجل جعل عند العبد ما يدرك ضمناً او بالالتزام ما ينتظره في الآخرة بلحاظ سلوكه وافعاله وسجاياه النفسية لعمومات أدلة الهداية فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ.
فيشعر الانسان بالسعادة لميله للإيمان وحيازته لملكة الهدى، ويشعر بالشقاوة لميله للعصيان والاخلاق الذميمة والافعال القبيحة، والتأويل ظاهر بلحاظ النصوص الأخرى والإرادة التشريعية وان المراد منه هو علم الباري عز وجل بما يفعله العبد في حياته قبل ان يولد .
فالحديث يدل على سابق علم الله تعالى بالأفعال واحاطته باحوال الخلائق وان علمه تعالى عين ذاته، وللجبرية ان يستدلوا به على اقوالهم ان اخذوه بمعزل عن الآيات القرآنية الأخرى والنصوص، وفي توحيد الصدوق عن اليماني عن الإمام الصادق عليه السلام قال : ان الله خلق الخلق فعلم ما هم صائرون اليه، وامرهم ونهاهم، فما امرهم به من شيء فقد جعل لهم السبيل الى اخذه، وما نهاهم عنه من شيء فقد جعل لهم السبيل الى تركه( ).
الاختيار وعدم ثبوت الجبر
اخبار الطينة والفطرة والقضاء والقدر لا تثبت الجبر، لقد جعل الله عز وجل للعبد الإختيار في الأفعال ليترتب عليها الثواب والعقاب، وذلك من نواميس الأرض منذ ان هبط اليها آدم وحواء .
فالذنب حينما يرتكبه العبد يكون هو فاعله حقيقة وبإرادته وباشتياق اليه، والله عز وجل يعلم به، الا ترى ان العبد لو جاء بفعل بالإكراه لا يؤاخذ عليه .
وفي صحيحة حريز عن الصادق عليه السلام (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : رفع عن امتي تسعة أشياء : الخطأ ، والنسيان ، وما أكرهوا عليه ، وما لا يعلمون ، وما لا يطيقون ، وما اضطروا إليه ، والحسد ، والطيرة ، والتفكر في الوسوسة في الخلوة ما لم ينطقوا بشفة)( ).
ومن أصول التكليف العامة الإختيار فاذا كان الإكراه من العباد الآخرين رافعاً للعقاب ومانعاً من ترتب المؤاخذة فمن باب اولى لو كان هناك اكراه بارادته تعالى على العبد لما ترتب عليه العقاب( ).
وفي رواية العرش عن الإمام الرضا عليه السلام قال : سألته فقلت: الله فوض الأمر الى العباد، قال: الله اعز من ذلك، قلت: فجبرهم على المعاصي، قال: الله اعدل واحكم من ذلك، قال: ثم قال الله تعالى يا ابن آدم انا اولى بحسناتك منك، وانت اولى بسيئاتك مني، عملت المعاصي بقوتي التي جعلتها فيك( ).
أي ان اللوم يتوجه الى العبد لأنه اساء توظيف فضل الله تعالى في خلقه وجعله قادراً على الإختيار بخصوص الفعل.
الدنيا دار امتحان واختبار
انه جزء من فلسفة الحياة الدنيا كدار ابتلاء وامتحان واختبار ، والأصل عدم الإبتعاد عن الطلب الأساسي في البحث وهو اتحاد الطلب والإرادة او عدمه وقول الماتن “والذاتي لا يعلل” مبني على فهم قول الإمام عليه السلام: “السعيد سعيد في بطن أمه، والشقي شقي في بطن أمه”، على ظاهره، وهذا الإستدلال قد ينافي القول باتحاد الطلب والإرادة الذي يذهب اليه ان لم تخرج افعال العباد من الإرادة الإلهية.
والذاتي الإيساغوجي( ) وكتاب الكليات الخمسة، والذاتي البرهاني الذي ينتزع عن نفس الذات ولا يصلح النسبة له في المقام .
والذاتي هو المحمول الذي تتقوم ذات الموضوع به غير خارج عنها، سواء كان هو نفس الماهية كالإنسان، او كان جزء منه كما يوصف الإنسان بانه حيوان ناطق فهو جزء ماهية ويسمى ذاتياً.
فالمراد من الذاتي يشمل النوع والجنس والفصل، لأن النوع نفس الماهية لذات الأفراد ويقابله العرضي وهو المحمول الخارج عن ذات الموضوع، ويحل به كاللون والحال او حال الضحك للإنسان.
فالسعادة والشقاوة عرضان وليس ذاتيين بل انهما نتيجة واثر لفعل او لجزاء حسن، ثواباً كان الجزاء او عقاباً.
اما وصف الناس بانهم معادن فلبيان اختلاف الناس في الطينة والسجايا والأخلاق والصفات، والخبر مع ضعف سنده جاء لبيان الإختلاف في السنخية والسلوك، ولتحذير المؤمنين من النظر الى الآخرين بمنظار الذات فيخدعون بالمنافق والكذاب، وهما لا يثبتان الجبر وجاءا اعم من مسألة الإرادة.
أقسام الفاعل
والفاعل على قسمين :
الأول : ما منه الوجود وهو العلة التامة للوجود ، ومنحصر بالله تعالى سبحانه.
الثاني : ما به الوجود: أي المباشر للعمل المؤثر فيه والذي صدر الفعل منه على سبيل الإختيار كصناعة النجار للكرسي وخياطة الخياط للثوب.
وهناك تقسيم آخر للفاعل بلحاظ الفعل منها :
الأول : الفاعل بالطبع : وهو الذي يصدر منه الفعل لا عن قصد خاص لذات الفعل بل انه يأتي ملائماً لطبعه الأصلي، كالذي اعتاد كثرة اليمين، او اكل وجبة غذاء في وقت محدد لا عن جوع او رغبة، وكالذي اعتاد التدخين مع انه لا يرى أي فائدة فيه.
الثاني : الفاعل بالرضا : وهو الذي يكون علمه بذاته سبباً لوجود شيء، وعلمه بوجود الشيء ذات علمه بوجوده كما في تصورات الإنسان واحلامه.
الثالث : الفاعل بالقسر: هو الذي يصدر الفعل منه، وليس من شأنه الإختيار، ويكون فعله على خلاف طبعه وماهيته كالحجر الذي يلقى الى الأعلى.
الرابع : الفاعل الموجب : وهو الذي يصدر الفعل عنه من غير ان يمتلك القدرة على منعه وعدم صدوره وليس له داع الى احد الطرفين الفعل او عدمه والمصباح في ضيائه والنار في احراقها، والفيضان في تغطيته لسطح الأرض ، وقيل : الأعميان : السيل والحريق .
الإنسان فاعل مختار
وهو الذي يؤثر في غيره وبامكانه ان لا يؤثر وان لا يفعل ولا يفيد الوجود.
فالإنسان ليس فاعلاً موجباً بل انه فاعل مختار ومؤثر في الأمور وذلك الفعل جاء معلولاً لخلق تعالى له وجعله قادراًعلى الفعل وفي طريقين متباينين وهما الخير والشر وبصورة محدودة وليست مطلقة ، قال تعالى إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا.
والا فان كثيراً من اهل الخير يود ان يؤتى ما يجعله يفعل أضعاف ما يقوم به ولكن كسبه قدراته محدودة بالنسبة للأشرار.
انها فلسفة الإمتحان في النشأة الأولى، والإنتهاء الى ارادته تعالى انما هي في فعل العبد لا تعني الجبر للتمييز بين الفاعل القريب والفاعل البعيد، فقد جعل الله عند العبد حق الإختيار، وان مسألة القضاء والقدر لا تعني الجبر والإكراه.
وعن الإمام الحسين عليه السلام (كان أمير المؤمنين عليه افضل الصلاة والسلام جالساً بالكوفة بعد منصرفه من صفين اذ أقبل شيخ فجثا بين يديه، ثم قال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا الى الشام أبقضاء من الله وقدره.
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أجل يا شيخ، ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد الا بقضاء من الله وقدره .
فقال له الشيخ: عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين، فقال له: مه يا شيخ، فوالله لقد عظم الله لكم الأجر في مسيركم وأنتم سائرون، وفي مقامكم وأنتم مقيمون، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين، ولا اليه مضطرين .
فقال له الشيخ: وكيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين ولا اليه مضطرين ، وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا .
فقال له : وتظن انه كان قضاءً وقدراً لازماً انه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي والزجر من الله، وسقط معنى الوعد والوعيد، فلم تكن لائمة للمذنب، ولامحمدة للمحسن .
ولكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن، ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب تلك مقالة اخوان عبدة الاوثان،وخصماء الرحمن، وحزب الشيطان، وقدرية هذه الأمة ومجوسها .
ان الله تبارك وتعالى كلف تخييراً، ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يطع مكرهاً، ولم يملك مفوضاً، ولم يخلق السموات والارض وما بينهما باطلاً، ولم يبعث النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ عبثاُ، وذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار، فأنشأ الشيخ يقول:
أنت الإمام الذي نرجو بطاعتــه يوم النجاة من الرحمن غفرانا
أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا جزاك ربك عنا فيه إحسانا( )
وتقريب الإستدلال بهذا الخبر هو ان أمير المؤمنين عليه السلام لم يرض للشيخ الإطلاق في فهم القضاء والقدر حينما قال: عند الله احتسب عنائي، وكأن المسير امر حتمي وقهري وان القضاء ليس حتمياً كي لا يبطل الثواب والعقاب ولكنه لا يعني التفويض بل منزلة بين المنزلتين.
فالإحسان والثواب لمن سار وجاهد في سبيل الله تعالى، والعقاب لمن تخلف او خرج على الإمام، والأمر على نحو الإقتضاء وليس الإمضاء.
و(عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : القدرية مجوس هذه الأمة ، إن مرضوا فلا تعودوهم ، وإن ماتوا فلا تشهدوهم)( ).
وسبب التشبيه بالمجوس هو اشتراكهما في سلب الإختيار عن العبد، فالمجوس ينسبون فعل الخير الى الله تعالى، والشر الى ابليس.
إخبار الطينة
ومنها اخبار الطينة والميثاق منها ما رواه فضيل بن الزبير عن أبي جعفر عليه السلام قال (يا فضيل أما علمت ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إنا أهل بيت خلقنا من عليين وخلق قلوبنا من الذي خلقنا منه، وخلق شيعتنا من أسفل ذلك، وخلق قلوب شيعتنا منه، وان عدونا خلقوا من سجين، وخلق قلوبهم من الذي خلقوا منه، وخلق شيعتهم من اسفل من ذلك، وخلق قلوب شيعتهم من الذي خلقوا منه، فهل يستطيع أحد من أهل عليين ان يكون من أهل سجين؟ وهل يستطيع أهل سجين ان يكونوا من أهل عليين)( ).
والخبر يدل على خلق الناس من طين متباين ولابد من تأويل هذه الأحاديث بما يتناسب وقواعد الإبتلاء في الدنيا وما جعله الله عز وجل عند الإنسان من اسباب الهداية والتوبة، واحاديث الطينة مدرسة اخلاقية تضيف امراً الى المؤثر في سجايا وخلق الإنسان الى جانب الوراثة والبيئة وتجعل موضوعية لأصل الخلق.
أقسام الهداية
والهداية دعوة الله تعالى للخلق الى الإيمان بالحجة والبرهان واللطف والآيات الباهرات ، وهي الدلالة الموصلة الى المطلوب والهداية في الإصطلاح على ثلاثة قسمين :
الأول : الهداية التكوينية : وهي إفاضة الوجود وإيجاد الخلائق وقد تقدمت الاشارة إليها.
الثاني : الهداية التشريعية : وهي هداية الناس الى الطاعات بارسال الرسل وانزال الكتب، ولطف من الله لإرشاد الناس لأداء الطاعات , ومن وجوه الهداية التشريعية تقريب العباد الى الطاعات وتهيئة اسبابها بما يساعدهم على أداء العبادات كالولادة من أبوين مؤمنين ومقدمات الإيمان ومنها الطينة وايجاد اسباب الإنذار والتخويف للحذر من السيئات، ومن لطف الله تعالى انه تفضل على بعض خلقه من حين اصل الخلق بنوع الطينة الا ان هذا لا يعني انه على نحو الحتم والقطع، كما ان الحديث يتضمن المراتب التشكيكية المتعددة بين عليين وسجين.
وتأتي هذه الأحاديث للرد على المفوضة، وهناك آيات تدل على ارجاع فعل العبد الى مشيئة الله تعالى كقوله يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ .
الا انه لابد من تأويلها مع احكام التكليف الواردة في آيات القرآن وان الهداية والضلالة يتعلقان بالأسباب والمقدمات ايضاً وبحكمة من الله تعالى وابتناء الهداية والضلالة على فعل العبد ونيته وعزمه، واساس التفويض ليس هو تخيل عدم حاجة الممكن في بقائه الى العلة وكفاية علة الحدوث.
بل ان الأمر مستقل ومن يقول بالتفويض يقر بالخلق وبارادته تعالى التكوينية الا انه يدعي تفويض الفعل للعباد للحجة والإختبار والبرهان.
وهم ودفع : لعلك تقول : إذا كانت الارادة التشريعية منه تعالى عين علمه بصلاح الفعل ، لزم – بناء على أن تكون عين الطلب – كون المنشأ بالصيغة في الخطابات الالهية هو العلم ، وهو بمكان من البطلان (1).
(1) هذا بيان لإشكال آخر لمن يقول بالمغايرة بين الإرادة والطلب باتخاذ الإرادة واسطة للقول بان الطلب هو العلم وهو خلاف، فالطلب انشاء ولفظ ونحوه .
أما العلم فهو صفة نفسانية فكيف يكون هو المنشأ بالأوامر الشرعية الإلهية، والعلم ليس قابلاً للإنشاء بالصيغة أي ان هذا الإشكال يبتنى على القياس الإقتراني، وهو اذا كانت الإرادة التشريعية هي العلم والإرادة عين الطلب فالنتيجة ان الطلب هو العلم، وهذه النتيجة لم يقل بها احد مما يعني بطلان اتحاد الإرادة والطلب.
فاجاب الماتن على هذا الإشكال بنعته بالوهم تضعيف له، وبان الإتحاد بين الإرادة التشريعية والعلم بالصلاح يتعلق بالمصداق، فمصداق الإرادة هو نفسه مصداق العلم وليس الإتحاد في المفهوم.
اصطلاح المفهوم
المراد من المفهوم في الإصطلاح على أقسام :
الأول : المعنى المدلول من اللفظ سواء كان على نحو الحقيقة او المجاز.
الثاني : ما يقابل المصداق: فيكون المراد منه هو المعنى الأعم الذي يفهم منه بالتبادر او بالواسطة سواء كان مدلولاً للفظ او لا.
الثالث : ما يقابل المنطوق وهو يتعلق بالدلالة الإلتزامية مما لا يتضمنه معنى اللفظ ولا يكون مقصوداً له، فمع اتحاد الإرادة والعلم في المصداق فانهما لا يتحدان في المفهوم لأن الطلب يتعلق بالمفهوم فهو القابل للإيجاد باللفظ وليس الطلب الخارجي .
فالطلب الخارجي ليس هو العلم ، لإفادة الإقرار بالمغايرة بين الإرادة الحقيقية والطلب الإنشائي .
فالطلب الخارجي مبرز خارجي انشائي.
واكد الماتن على اتحاد الإرادة والعلم عيناً وخارجاً أي ان الطلب الإنشائي امر آخر يخرج بالتخصيص من الإتحاد بين الإرادة والطلب فلا تصل النوبة الى اتحاده مع العلم كما ذكر في الإشكال.
واتحاد الإرادة والعلم لأن صفاته تعالى عين ذاته وواجب الوجود بسيط ليس مركباً ومن مقومات التوحيد اتحاد الذات ، قال الإمام علي عليه السلام: فمن وصفه قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزاه( ).
وفي خبر ابن بكير عن الإمام الصادق عليه السلام لما سئل عن علم الله ومشيئته، هما مختلفان ام متفقان قال: العلم ليس هو المشيئة الا ترى انك تقول سافعل كذا ان شاء الله، ولا تقول سأفعل كذا ان علم الله تعالى،
فقولك ان شاء الله دليل على انه لم يشأ فاذا شاء كان الذي شاء كما شاء، وعلم الله السابق للمشيئة( ).
الفرق بين القاعدة الفقهية والمسألة الفقهية
بينهما عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء هي أن نتيجة كل واحدة منهما حكم جزئي عملي بخصوص فعل المكلف بالذات ومن غير واسطة .
أما مادة الإفتراق فان المحمول في القاعدة الفقهية هو شموله لمصاديق موضوعات متعددة من ذات الجنس يجمعها حكم واحد كأصالة التجاوز فتشمل الشك في غسل أو مسح عضو من الوضوء .
والشك في إتيان جزء من الصلاة كالقراءة أو السجود .
والشك في الإمساك قبل طلوع الفجر بالنسبة للصيام . وكقاعدة ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده التي تتغشى مختلف المعاوضات.
أما المسألة الفقهية فان الحكم الجزئي فيها يخص فعلاً أو موضوعاً معينا كمسألة وجوب الحج مع الإستطاعة وإن جاءت الآية بصيغة الجملة الخبرية [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً] ( )، ومسألة حرمة الربا على المربي والمقترض بالفائدة ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
وقد صدرت أجزاء وهي (94-95-96-97) من تفسيري للقرآن (معالم الإيمان) خاصة بتفسير هذه الآية الكريمة .
و(قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لعن الله عشراً : آكل الربا ، وموكله ، وكاتبه ، وشاهده ، والمحلل ، والمحلل له ، والواشم ، والمتوشم ، ومانع الزكاة( ).
ومن القواعد الفقهية ما تبين الموقف العملي أزاء الحكم الشرعي المجهول ، إذ يبذل الفقيه قصارى جهده لإستنباط الحكم الشرعي وإقامة الدليل عليه ، ولكن عند المجهول يلجأ إلى الأصول العملية ، منها أصالة البراءة وهي أن كل إيجاب أو تحريم لا دليل عليه ، ولا يجب على المكلف الإحتياط من جهته.
والنسبة بين الدليل والأصل العملي ليست هي التساوي العرضي بينهما إنما هناك تباين رتبي فالأصل هو الدليل وحجيته ، ولا ينتقل إلى الأصل العملي إلى عند ثبوت عدم الدليل .
فادلة البراءة مثلاً ليست حكماً شرعياً بل البراءة نوع طريق لحكم ونوع العمل ، يقوم الفقيه بالعمل به في الموارد الجزئية كقاعدة اليد والتجاوز والفراغ ،بما ينطبق ظاهراً بالحكم الجزئي ، وليس التوسط الإثباتي الذي تتصف به القاعدة الأصولية ، ثم أن الأصول العملية مستقرأة من الدليل مثل قاعدة الإستصحاب وقوله عليه السلام (ولا تنقض اليقين أبداً بالشك)( ).
الإتجاه العقلي
وكانت مدرسة أهل البيت تزجر عن الإتجاه العقلي المطلق ومدرسة الرأي ، وتبين أيضاً موضوعية العقل والرجوع إليه وفق قواعد الشريعة.
وكأنه من معنى الوسطية في الإسلام وقاعدة لا إفراط ولا تفريط فمنهم من أنكر وظيفة العقل مطلقاً كما في مذهب داود بن علي بن خلف الاصبهاني الظاهري في أواسط القرن الثالث.
إذ أنه يدعو إلى العمل بظاهر الكتاب والسنة ويرفض الرجوع إلى العقل، وقال الأشاعرة بعدم قدرة العقل على التمييز بين الحسن والقبيح من الأفعال ، فالعدل والظلم لا يعرفان إلا من الشرع ولكن ورد عن أهل البيت عليهم السلام القول : أن لله على الناس حجتين، حجة ظاهرة وحجة باطنة ، فاما الظاهرة فهي الرسل والأنبياء والأئمة، وأما الباطنة فهي العقول، وموضوع الحجة أعم من الدليل المخصوص على حكم معين، قال تعالىفَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ.
المندوحة في المسألة الأصولية
أضيف مبدأ آخر إلى المسألة الأصولية وهو عدم إختصاصها بباب دون آخر ، قيل يرد عليه قاعدة لا ضرر ولا حرج فانهما غير مختصتين بباب دون آخر ، ولم يكن منتجاً لحكم كلي.
وينتج عن المسألة الأصولية حكم فرعي كلي كما في المثل الآتي:
الكبرى : حجية خبر الثقة .
الصغرى : دلالة خبر الثقة على وجوب شئ .
النتجة : هذا الشئ واجب.
لتكون النتيجة حجية خبر الثقة كما يقال وجوب الختان سنة أخبر بها الثقة وكلما أخبر به الثقة فهو حجة.
أما القاعدة الفقهية فأنها لا تنتج إلا حكماً جزئياً ، كقاعدة اليد فيقال:
الكبرى : كل ما بيدك فهو ملكك ظاهراً .
الصغرى : هذا القلم بيدك .
النتيجة : هذا القلم ملك لك .
فهو لم ينتج إلا حكماً جزئياً .
أو الحكم بطهارة ماء مخصوص مثل :
الكبرى : كل ماء طاهر.
الصغرى : هذا ماء.
النتيجة : هذا الماء طاهر.
تطبيق القواعد الأصولية على مصاديقها أمر يعود للمجتهد وليس للمقلِد ، فاذا كانت هناك قاعدة أصولية مثلا حلية ما لا نص فيه , فان إنطباقها على التدخين مثلاً أمر يرجع إلى المجتهد فهو الذي يفحص النصوص , ويخبر عن عدم وجود نص فيه لأنه مثلاً مكتشف في القرن الثامن الهجري كما قيل . أي بعد الغيبة الكبرى.
فيحكم المجتهد بأنه لا نص فيه ، فهو حلال إلا مع الضرر , وليس كل ما ليس فيه نص حلال بلحاظ الاسم.
أما المسألة الفقهية ، فان تطبيقها بيد المقلد كحرمة الخمر .
وتطبيق الخمر في الخارج أمر راجع إلى المقلد ، وقد تقع شبهة موضوعية فيرى المقلد أنه خل ، فالمدار فيها على الرجوع إلى أهل الخبرة ، ولا يرجع الى المجتهد إلا من باب الرجوع إلى العادل.
ومسألة القاعدة الأصولية والفقهية إضطربت فيها كلمات الأصوليين ومنهم مثلاً يجعل الإستصحاب من المسائل الأصولية وآخر من القواعد الفقهية ، والأولى هو التفصيل.
فالإستصحابات الجارية في الشبهات الحكمية من المسائل الأصولية .
أما الإستصحابات الجارية في الشبهات الموضوعية فمن القواعد الفقهية.
وقيل أن سائر العلوم تكّون المبادئ والمقدمات والمعدات لاستنتاج الأحكام الشرعية، ولا تقع إلا في صغرى قياس الإستنباط .
وأما المسألة الأصولية فهي الجزء الأخير لعلة الإستنباط، وتصلح لأن تقع كبرى القياس ، فعلم النحو والصرف يتكفلان تشخيص الظاهر اللغوي، أما المبحوث في المسألة الأصولية فهو حجية الظواهر .
فمثلاً البحث عن الصعيد بقوله تعالى فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا، هل هو ظاهر في مطلق وجه الأرض وأنه من المبادئ ولكن ذكر في علم الأصول استطراداً ، لأنه لم يبحث عنه في علم آخر.
وكذا علم الرجال وهو أقرب العلوم إلى الإستنباط بعد علم الأصول، فانه يتولى تشخيص خبر الثقة عن غيره، ويقع في صغرى قياس الإستنباط كما في خصوص خبر الثقة وليس الخبر مطلقاً.
ليكون نوع طريقية، لأننا نتوصل بعلم الرجال إلى معرفة أن هذا الخبر أخبر به الثقة فلابد من إتباعه وليس كل الأخبار.
لذا انكر أكثر القدماء حجية خبر الواحد كابن بابويه، والسيد المرتضى، وإبن زهرة، وإبن إدريس.
الفصل الثاني
فيما يتعلق بصيغة الأمر ، وفيه مباحث :
الاول : إنه ربما يذكر للصيغة معان قد استعملت فيها، وقد عد منها : الترجي ، والتمني ، والتهديد ، والانذار ، والاهانة ، والاحتقار ، والتعجيز ، والتسخير ، إلى غير ذلك (1).
(1) قال الماتن (ربما) وهو هنا للتقليل والإحتمال ، واراد الماتن البيان وان معاني كثيرة ذكرت لصيغة افعل وبلحاظ ما ذكره في الفصل الأول من ذكر سبع معان للفظ الأمر، ومنهم من جعلها اثنين وعشرين معنى يظهر معها الفرق بين مادة الأمر وصيغته .
والنسبة بينهما عموم وخصوص مطلق ، فكل صيغة افعل هي من مادة الأمر ، وليس كل موضوع لمادة الأمر هو من الصيغة .
فالصيغة لم تستعمل في هذه المعاني كالتهديد والتمني والترجي، فاذا اراد شخص ان يتمنى او يتوعد فان التهديد ليس هو الصيغة لأن الصيغة تعني البعث والتحريك نحو المطلوب الواقعي .
أما هذه الأمور من الترجي والتعجيز والإحتقار ونحوها، فتصلح ان تكون باعثاً للفعل والتحريك نحو المطلوب، ولكنها ليست صيغة بل انها عناوين مستقلة تكون داعياً لإنشاء الطلب، وكأنها تدل في مفهومها على الصيغة والتصريح بالصيغة هو المنطوق.
ومن المعاني التي ذكروها الترجي والتمني والإهانة كقوله تعالى أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا، والتهديد [لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ ] ( )، والإنذار هَذَا بَلاَغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ، والإهانة وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ، والتسخير كما في قوله تعالى فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ .
بحث في صيغة الأمر
تأتي صيغة الأمر (افعل) ونحوه مطلقة من غير تقييد بارادة الفورية او التراخي ومع عدم وجود القرينة الدالة على احدهما، ففيه أقوال ووجوه:
الأول : تفيد صيغة أفعل التراخي وعدم لزوم المبادرة للإمتثال، ويكون المكلف في مندوحة في وقت الأداء وله ان يمتثل بالزمن الأول للأمر، ووله ان يؤخره الى الزمن الثاني والثالث وهكذا.
الثاني : تفيد الفورية.
الثالث : فيها دلالة على التوقف من غير قطع بارادة الفورية او التراخي.
الرابع : افادة الصيغة للتراخي.
الخامس : الصيغة ليست موضوعة للفور او التراخي ، ولا تتضمن الدلالة على احدهما.
ومنهم من قال بلزوم التقديم لأن الإشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني، ولكن قاعدة الإشتغال لا تدل على الفورية لعدم الملازمة بينهما، وقاعدة الإشتغال تعني تحقق الوجوب على المكلف ولزوم الإمتثال ولا تدل على اكثر من الطبيعة المهملة.
والمراد من الفورية هو الإمتثال على الفور ومن غير تأخير او ابطاء او تسويف اوان الإمكان ، اما التراخي فيعني جواز الإبطاء والتأخر في الإمتثال عن قصد وصيغة الأمر التي لا تتضمن احدهما.
واستدل على الفورية بوجود دليل آخر خارج الصيغة يدل على الفورية بالإضافة الى الصيغة جاء للتأكيد والبرهان الخارجي، وبذا تكون الفورية هي الأصل الا ان يرد دليل آخر خارج الصيغة يدل على التراخي ، واستدل على الفورية بآيتين هما :
الأولى : قوله تعالى وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، فالمسارعة الى المغفرة تعني المبادرة الى التوبة واتيان الأفعال التي تؤدي الى المغفرة, والآية حث على الفورية والتعجيل في طلب مرضاة ومغفرة الله تعالى .
الثانية : قوله تعالى فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ )( )، وفيها حث على الإسراع, وعدم التواني في ولوج أبواب الصالحات واتيان الواجبات.
وأشكل على هذا الإستدلال بأن أسباب المغفرة كما في موضوع الآية الأولى، والخيرات كما في الآية أعلاه من سورة البقرة تصدق على الواجبات وعلى المستحبات, فكلها أسباب للمغفرة, وباب للرحمة، ولكن المستحبات لا تجب المسارعة فيها لأنه يجوز تركها اصلاً، فيكون من باب أولى عدم وجوب المسارعة اليها فتضمنها للمستحبات والمسارعة فيها بحسب الآيتين يعني ان طلب المسارعة ليس على نحو الإلزام.
كما أستدل على عدم صحة الإستدلال بالآيتين بوجهين:
الأول : لم ترد الآيتان الا للبعث نحو المسارعة الى المغفرة، من دون استتباع تركهما للغضب والشر.
أي ان الآيتين خاليتان مما يدل على ان ترك المسارعة يؤدي الى نزول الغضب الإلهي لأنه ليس من تحذير وانذار في الآيتين.
الثاني : كثرة تخصيص الأمر بالفور بالمستحبات ، وببعض الواجبات الموسعة في وقتها، لأن الواجب ينقسم الى :
الأول : موقت مؤقت.
الثاني : وغير موقت مؤقت.
والموقت وينقسم غير الموقت المؤقت ينقسم الى فوري وغير فوري، فرد السلام مثلاً فوري اما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقالوا انه ليس فورياً، ولكن بعض مصاديق الأمر بالمعروف تكون في فوريتها وكثرة حسناته ثوابها أهم من رد السلام مثلا.
واشكل بانه اذا كان التخصيص هو الأكثر باجتماع عموم المستحبات وكثير من الواجبات فلا يصح افادة الفورية منهما لأنه لم يبق تحت عنوان العام الا القليل فيكون قرينة على صرف ظاهر الآيتين عن الوجوب الظاهر فيهما فيحمل الأمر فيهما على استحباب الفورية الا ما دل الدليل على وجوب فوريته او حملهما على مطلق الرجحان.
ونجيب على الإشكال على الإستدلال الأول أعلاه :
الأول : ثبوت الفورية او عدمها لا يتوقف على استتباع الترك بالغضب والشر ، اذ ان الآية القرآنية لها منطوق ومفهوم فمنطوقها يدل الأمر فيه على المسارعة .
اما مفهومها فيدل على العقاب لمن يتخلف عن امتثال أمر الله تعالى، وتلك قاعدة كلامية معروفة عند المليين والعقلاء عامة، وتدل عليه ايضاً شواهد قرآنية، فالترغيب بفعل الصالحات يدل في مفهومه على المؤاخذة لمن يعصي الله ، وقال بعض الأصوليين ان الأمر بالشيء يدل على النهي عن ضده، ولم تثبت كقاعدة كلية.
الثاني : اما الإستدلال الثاني الذي ذكره الكثير من الأصوليين فانه غير مناسب للموضوع، لأن الأمر ليس من العام والمخصص المتصل الذي يكون قرينة على ارادة ما عدا الخاص من العموم ومنه الإستثناء .
(قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : كل عين باكية يوم القيامة إلآ ثلاث أعين : عين بكت من خشية الله تعالى ، وعين غضت من محارم الله تعالى ، وعين باتت ساهرة في سبيل الله تعالى)( ).
وللشرط والصفة أو المخصص المنفصل الذي يرد في كلام آخر مستقل قبله او بعده موضوعية في الدلالة .
وفي القرآن عام وخاص، ولكن المسارعة الى الخيرات في الآية من باب السبر والتقسيم أي ان المسارعة ذاتها فعل مأمور به اما بالنسبة للخيرات فتنقسم الى واجب ومندوب، فتكون المسارعة للواجبات على نحو الفورية والوجوب، وتكون المسارعة الى المستحبات فورية مستحبة ولا تعارض بينهما لتعدد الموضوع.
ولأن القرآن بكلماته المحدودة يحيط باللامحدود من الوقائع والأشياء، ولأننا لم نجد من يرد على هذا الإشكال بل اتخذ اقوى دليل على ابطال القول بالفورية بأن الأصل في الواجبات تقسيمها الى واجبات مؤقتة وغير مؤقتة والأول ينقسم الى موسع ومضيق، المؤقت الى فوري وغير فوري.
فيكون معنى الفورية من الآيتين هو اتيان الموسع بأول أوقاته على نحو الإستحباب واثناء وقته على نحو الوجوب كصلاة الظهر فان وقتها يدخل عند الزوال ويستمر الى ما قبل غروب الشمس بمقدار اربع ركعات، فافضل اوقاتها المبادرة الى اتيانها باول وقتها، الا ان تأخيرها الى العصر تصدق معه الفورية، أي ان الفورية لها مراتبها من الفضل فهو من الكلي المشكك.
بمعنى ان الآيتين تدلان على الفورية كل بحسبه ودليله وحكمه التكليفي من الوجوب والإستحباب الا ان يرد مخصص لذات الفعل ويجوز معه تأخيره سواء كان المخصص من القرآن او السنة ، أو ما يتحصل معه الرجوع الى دليل آخر لمعرفة الفورية او التراخي، وبذا يكون الوصول الى مرتبة القيد ليس فورياً ومباشراً بل بالواسطة وبعد التدبر ويمكن الإستدلال بالآيتين على ان الأصل بالواجبات هو الفورية الا ان يرد دليل على التراخي.
وهذا لا يتعارض مع قول الماتن بأن قضية اطلاق الصيغة جواز التراخي) ( ) إذ أن المتكلم في مقام البيان وليس من دليل على تقييد المطلوب بقيد الفور او التراخي.
مسائل في الفورية
وهناك مسائل:
الأولى : لو أخل بالفورية في الزمان الأول فيجب ان يأتي به في الزمان الثاني، أي ان الوجوب يكون فوراً ففوراً، بلحاظ ان الإخلال لم يحصل الا بزمان الفور الأول فيتجدد الخطاب والوجوب بل ويبقى المأمور به على حاله لتعدد المطلوب والمراد من الفورية، فالمصلحة تتقوم بأمرين:
الأول : الفورية.
الثاني : ذات الفعل.
فلا يسقط الأمر بسقوط الإخلال بالفورية، نعم عدم الإتيان به على الفور مفوت لمرتبة من مراتب المصلحة مع عدم انتفائها بل تبقى بمراتب أدنى مع كل آن من آنات الفعل.
الثانية : التداخل بين المصلحة القائمة بنفس الطبيعة وبين المصلحة في الفورية والأداء في الزمان الأول، فاذا لم يأتِ بالمأمور به في الزمان الأول فتنتفي المصلحة في الفعل، لأنها متقومة بالفورية وتفوت بفواتها.
وهذا هو المراد (بوحدة المطلوب) وكأنه من عمومات انتفاء المشروط بانتفاء شرطه.
ويمكن ان نضيف وجهاً ثالثاً، وهو بقاء الأمر وموضوعه مع سقوط الفورية، فلو لم يأت بالفعل على الفور ، فان الفورية تسقط، ولكن المصلحة في الفعل باقية، وهي ان يؤتى به قضاء فيما بعد سواء على القول بالواسطة بالمواسعة او المضايقة،
ولكن القول بوحدة المطلوب ليس مطلقاً انما يعرف بالقرائن أي الأصل هو التعدد .
وليس البراءة من الوجوب فيما عدا الزمان الأول كما ذهب اليه بعض العلماء، ويدل على التعدد اصالة الإشتغال، وقاعدة نفي الحرج، وعمومات اللطف الإلهي والإنابة والتدارك، لذا قيل بان هذا التفريغ لا تدل عليه الصيغة على القول بالفورية فانها لا تدل على أكثر من إرادة الطبيعة فوراً، فلا تدل على وحدة المطلوب وسقوط الأمر بالمعروف بعدم الإمتثال على الفور او على تعدد المطلوب وهو تجدد الفور مع كل زمان.
ومن خصائص الأمر في القرآن أنه يأتي خطاباً خاصاً موجهاً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكنه يشمل عموم المسلمين والمسلمات بالتبعية إلى يوم القيامة إلا مع القرينة التي تفيد التعيين والخصوص كما في حكم أزواج النبي من وجوه منها أمومتهن للمؤمنين , قال تعالى النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ.
وقال تعالى اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ، إذ يتلو المسلمون آيات القرآن على نحو الوجوب العيني في الصلاة اليومية التي يؤديها كل واحد منهم ذكراً كان أو انثى خمس مرات في اليوم.
قصارى ما يمكن أن يدعى، أن تكون الصيغة موضوعة لانشاء الطلب، فيما إذا كان بداعي البعث والتحريك، لا بداع آخر منها، فيكون إنشاء الطلب بها بعثا حقيقة، وإنشاؤه بها تهديدا مجازا، وهذا غير كونها مستعملة في التهديد وغيره، فلا تغفل(1).
الطلب بين الحقيقة والمجاز
(1) اتجه الماتن إلى تقسيم آخر اذ قال ان استعمال انشاء الطلب بالصيغة هو بعث حقيقي، وتحريك صريح نحو المطلوب، اما اذا جاء الطلب بعنوان الإنذار والتهديد فهو مجازي ، وبذا يظهر التباين بين الصيغة وهذه المعاني.
ولكن مفهوم الحقيقة والمجاز لا يتم هنا إلا على القول باجتماعهما على لفظ معلوم كما أذهب إليه في بعض الفاظ القرآن ، مثل قوله تعالى وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ، اما هنا فان الألفاظ متعددة، والأقوى ان دلالتها على الأمر بالمفهوم والواسطة وليس من باب الحقيقة والمجاز.
قانون الملازمة بين الوضع والحقيقة
اذا كان مدار الحقيقة هو الوضع، والمجاز تابع له ولاحق به، فان اطلاق الأمر لا يدل على الوجوب، اذ ان الصيغة مركبة من المادة والهيئة، وتدل المادة على المعنى الحدثي .
أما الهيئة فانها موضوعة لنسبة المادة الى الفاعل بلحاظ زمان ايقاع الفعل والتلبس به أو عدمه
بين الوجوب والإستحباب
الوجوب يتأتى من أمرين :
الأول : داعي البعث والتحريك على نحو اللزوم.
الثاني : الحكم العقلي أو الشرعي.
والوجوب امر مركب من أمرين :
الأول : طلب الفعل .
الثاني : عدم الإذن بالترك .
والقول بأن المنع من الترك هو عين الطلب لا يضر بالتركيب لأنه من التعريف والمفهوم ، وليس من الدلالة المطابقية بين الوجوب وعدم الترك، ومن غير ان تصل النوبة الى التحليل العقلي في معرفة المائز اللغوي والإعتباري بينهما .
أما الإستحباب فهو الأمر بالفعل مع إذن المولى بالترك، وقيل ان مفهوم الوجوب والإستحباب بسيط لذا ذهب شطر من المتأخرين الى القول بان الوجوب والإستحباب حقيقة واحدة وانهما من الكلي المشكك، والفارق بينهما ينحصر بالشدة والضعف .
فالوجوب يدل على الطلب الشديد، والإستحباب يدل على الطلب الضعيف، والأصح هو الأول اذ ان المنع من الترك او الإذن به له موضوعية في مفهوم الوجوب والإستحباب، وهو جزء من ماهيتهما فلابد ان يعتبر في التعريف .
والمنع من الترك في الوجوب والإذن به في الإستحباب ، ليس من الكلي المشكك بل بينهما مغايرة، فالوجوب لا ينحصر موضوعه بداعي البعث والتحريك بل انه يتضمن النهي عن الترك سواء من وضع الصيغة او الإنصراف او التبادر او بحكم العقل او من الإطلاق بلحاظ ان الإطلاق لا يتنجز له ظهور فيما يحتاج الى مؤونة زائدة كالإستحباب الذي فيه مؤونة زائدة وهي الإذن بالترك.
وقال الماتن (في أن الصيغة حقيقة في الوجوب، أو في الندب ، أو فيهما، أو في المشترك بينهما وجوه بل أقوال، لا يبعد تبادر الوجوب عند استعمالها بلا قرينة، ويؤيده عدم صحة الاعتذار عن المخالفة باحتمال إرادة الندب، مع الاعتراف بعدم دلالته ليه بحال أو مقال، وكثرة الاستعمال فيه في الكتاب والسنة وغيرهما لا يوجب نقله إليه أو حمله عليه ، لكثرة استعماله في الوجوب أيضا، مع أن الاستعمال وإن كثر فيه، إلا أنه كان مع القرينة المصحوبة، وكثرة الاستعمال كذلك في المعنى المجازي لا يوجب صيرورته مشهورا فيه، ليرجح أو يتوقف، على الخلاف في المجاز المشهور.
المبحث الثالث : هل الجمل الخبرية التي تستعمل في مقام الطلب والبعث مثل: يغتسل، ويتوضأ، ويعيد ظاهرة في الوجوب أو لا لتعدد المجازات فيها، وليس الوجوب بأقواها، بعد تعذر حملها على معناها من الاخبار، بثبوت النسبة والحكاية عن وقوعها الظاهر الاول، بل تكون أظهر من الصيغة، ولكنه لا يخفى أنه ليست الجمل الخبرية الواقعة في ذلك المقام أي الطلب مستعملة في غير معناها، بل تكون مستعملة فيه ، إلا أنه ليس بداعي الاعلام، بل بداعي البعث (1).
ولا يعني قولنا بأن الوجوب مركب من البعث الى الفعل وعدم الإذن بالترك يعني انه يستلزم مؤونة زائدة كالإستحباب فلا يصح ظهور الإطلاق في الوجوب والإذن يحتاج الى مؤونة زائدة، وللتبادر بالإضافة الى القول بان الظهور وضعي وهو إطلاقي .
والوجوب ينتزع من ذات الطلب بلا شرط وليس بشرط لا، فانه لا يلحظ فيه قيد زائد كما هو الإستحباب، مع ان قيد الوجوب موجود ولكنه منصهر في ذات الطلب لغة وشرعاً وعرفاً وكأن الوجوب بسيط.
(1) التبادر من علامات الحقيقة، وجعله الماتن هنا من علامات الوجوب، والنقاش في الكبرى وهي اثبات حجية التبادر كموضوع مستقل وفق القياس الإقتراني فتقول :
الكبرى : كل متبادر دليل وحقيقة .
الصغرى : الوجوب متبادر من الأمر .
النتيجة : الوجوب حقيقة.
لقد ذكر الماتن أعلاه الجملة الخبرية ، وعلى منهجيته بالإيجاز ذكر لها أمثلة : يغتسل ، يتوضأ ، يعيد ، ولكن هذه الأمثلة أفعال مضارعة فقط ليس معها فاعل ظاهر أو مستتر.
ثم أشكل الماتن على صاحب المعالم بقوله (أو حمله عليه) إشكالاً مركباً:
الأول : ان تكون كثرة النقل واستعمال الصيغة في الندب سبباً لضعف ظهور الوجوب في الصيغة او نقل مفهومها الى الندب وحملها عليه.
الثاني : انه استبعد بالدلالة التضمنية صحة القول بان كثرة استعمال الصيغة في الندب. وادعى ايضاً كثرة استعمال الصيغة في الوجوب، وهو ادعاء صحيح ويصلح للإحتجاج والرد.
الثالث : لو سلمنا بكثرة استعمال الصيغة في الندب، فان الإستعمال فيه يأتي مع القرينة. فكما ان التبادر علامة الحقيقة فان القرينة علامة المجاز لأنها تدل على المؤونة الزائدة.
الرابع : كثرة الإستعمال لا تدل على حصول النقل لأن استعماله في الوجوب مستمر.
الخامس : كثرة استعمال الصيغة بالندب معارضة بكثرة استعمالها في الوجوب فيتساقطان، فيرجع الى الأصل وهو الوضع او علامات الحقيقة والمجاز.
السادس : كثرة استعمال الصيغة في الندب لا يعني شهرتها فيه كي يرجح الندب عند الإتيان بالصيغة او يحصل التوقف والبحث عن قرينة لترجيح احدهما الوجوب او الندب لأن الشهرة وحدها غير كافية في المنقول.
ثم ذكر الماتن وجهاً آخر للرد على صاحب المعالم الذي توقف في افادة الأمر في الكتاب والسنة على الوجوب لأن الصيغة فيهما كثيراً ما تستعمل في الندب، وان اقر بان الصيغة حقيقة في الوجوب لغة وعرفاً .
قال الماتن (كثرة استعمال العام في الخاص حتى قيل ما من عام الا وقد خص) وكثرة الإستعمال هذه لم تصبح حائلاً دون ظهور صيغة العموم به، ولو حصل شك في إرادة الخاص أو العام فينصرف الى العام، وكذا لو شككنا في التخصيص، فالأصل عدمه، ولا تدل صيغة العموم على إرادة الخصوص إلا مع القرينة الصارفة إليه.
ولكنه قياس مع الفارق فليس من ملازمة بين استعمال الصيغة في الوجوب والندب، وبين استعمال اللفظ في العموم والخصوص، فالأول من ماهيات الأحكام ومن باب الحقيقة والمجاز، اما الآخر فان الخاص فرد من العام، وهو من باب تعدد المطلوب وكثرة الأفراد.
عدم ثبوت قاعدة أصولية
المختار أن القاعدة الأصولية (ما من عام إلا وقد خص) ليس بتام مع شهرة هذه القاعدة .
وأن العام الذي لم يخص أكثر بكثير من العام الذي خصّ ، إذ أن قدرة وعلم الله عز وجل وملكه وفضله وإحصائه ومشيئته تمتنع عن التخصيص ، قال تعالى وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )( ).
وقال تعالى وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وتدل الآية أعلاه على العموم من
لا يقال : كيف ويلزم الكذب كثيرا ، لكثرة عدم وقوع المطلوب كذلك في الخارج ، تعالى الله وأولياؤه عن ذلك علوا كبيرا فإنه يقال: إنما يلزم الكذب، إذا أتي بها بداعي الاخبار والاعلام ، لا لداعي البعث ، كيف ؟ وإلا يلزم الكذب في غالب الكنايات، فمثل ( زيد كثير الرماد ) أو ( مهزول الفصيل ) لا يكون كذبا، إذا قيل كناية عن جوده ، ولو لم يكن له رماد أو فصيل أصلا ، وإنما يكون كذبا إذا لم يكن بجواد، فيكون الطلب بالخبر في مقام التأكيد أبلغ، فإنه مقال بمقتضى الحال(1).
جهات :
الأولى : ملك الله للسموات .
الثانية : ملك الله للأرض .
الثالث : قدرة الله على كل شيء إيجاداً واستدامة وإعداماً .
وحتى في العبادات والأحكام فهناك عام لم يخصص ، مثل الصلاة تؤدى بكل حال ، ومثل قوله تعالى وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ، ومثل الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ، وفي الحج ورد الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (الحج عرفة) .
الأمر بين الإنشاء والخبر
(1) تكون الجملة التامة إلى قسمين :
الأول : الجملة الشرطية : وهي على شعبتين :
الأولى : الإنشاء الطلبي : بطلب شئ غير موجود أوان الكلام وصدور الأمر ، ومنه الأمر ، ومنه الأمر والنهي والنداء والتمني والإستفهام .
الثانية : الإنشاء غير الطلبي ومنه القسم ، والمدح والذم ، والرجاء والتعجب ، والعقود .
الثاني : الجملة الخبرية : وهي التي تفيد الإخبار ، وتتضمن اثبات شئ لشئ ، وتحتمل الصدق والكذب إلا كلام الله والسنة النبوية وقول المعصوم فلا يحتمل إلا الصدق والحق .
وصيغة الأمر والبعث على الفعل والتحريك جملة انشائية، ولكن صيغ الإخبار كما ذكر الماتن وفي صحيحة أبي بصير : قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الوضوء، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتوضأ بمد من ماء ويغتسل بصاع.
وفي الخبر عن الصادق عليه السلام قال: من سنن المرسلين السواك( ).
وما يوجب الغسل او الوضوء وكما في قوله تعالى فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مع ثبوت خروجها عن موضوع الإخبار لما تتضمنه من البعث.
والمشهور هو ظهورها في الوجوب ما دامت تحمل صفة الطلب والبعث، وعن جماعة انه الندب كما عليه المحقق الثاني والنراقي، ومنهم من قال بالتوقف لعدم وجود مرجح، واختار الماتن ظهورها في الوجوب وهو الذي ذهب اليه المشهور .
ولكنه اختلف معهم في كيفية الظهور، فقد نفى الماتن ان يكون ظهور الجملة الخبرية في الوجوب على نحو المجاز وما قد يورده بعضهم على المجاز بانه كذب ، ولا أصل له ، ونؤسس قانوناً وهو الإخبار القرآني حق وصدق سواء جاء حقيقة أو مجازاً .
فالجملة الخبرية التي جاءت للوجوب مستعملة في معناها الحقيقي وهو الإخبار عن ثبوت النسبة بين طرفيها، ولكن القصد مختلف، فهي ليست بقصد الإعلام والإخبار فقط بل بداعي البعث والتحريك، والإعلام نحو توكيد على الوقوع.
فالجملة الخبرية تأتي لإخبار المخاطب بارادة الفعل وعدم الإذن في تركه وان المخبر عالم بموضوعها ولا يريد مخالفة مضمونها، وكأن الأمر فيها جاء
على نحو الإخبار والقطع بتحصيله خارجاً ليصبح استعمال الجملة الخبرية الواقعة في مقام الطلب في معناها الحقيقي وهو الإخبار مع تضمنها الأمر، فلا تعارض بين اجتماع الإخبار والطلب في الجملة الخبرية.
ثم ان تقسيم الجملة الى اخبارية وانشائية انما هو تقسيم استقرائي مع امكان تداخلهما في المضمون والغاية في بعض الأحيان، فالتقسيم الإستقرائي في القضايا والمواضيع لا يعني بالضرورة التغاير والتنافر بين الأقسام.
وقال الماتن ان الجملة الخبرية تدل على البعث بنحو آكد من الإنشائية بلحاظ تضمنها للإخبار عن وقوع مضمون الطلب والإمتثال فان الجملة الخبرية تثبت الوقوع وثبوت النسبة بخلاف الأمر والجملة الإنشائية فان الوقوع يتوقف على امتثال المأمور.
اذ قال الماتن (فيكون آكد في البعث من الصيغة) وهذا الترجيح للجملة الخبرية على الإنشائية في المقام ليس بتام اذ ان الأمر يفهم من الجملة الخبرية بالواسطة فيحتاج الى مؤونة زائدة وليس مباشرة كما في الإنشائية، وما كان بلا مؤونة زائدة افضل مما كان بمؤونة زائدة مع اتحاد الغرض ثم ان الجملة الخبرية لا تتحقق اكثر من الذي تحققه الإنشائية في البعث والتحريك وعليه العقل والوجدان، كما انها تحتاج الى البيان.
فكأن الجملة الخبرية من الفطريات التي تكون قياساتها معها، وان العقل لا يصدق بها بمجرد تصور طرفيها كالأوليات فلابد من وسط ولكنه لا يحتاج الى كثير طلب وفكر، فيكفي ان يدرك الذهن الغاية من الجملة الخبرية ليس الإعلام والإخبار فقط، بل هو الطلب والبعث والتحريك ليستحضر توظيفه والسعي للإمتثال اليه.
أما بالنسبة للإنشائية فهي من باب الطلب والبعث من الأوليات اذ يصدق بها العقل لذاتها من غير مؤونة زائدة أو سبب خارجي، فيحكم عليها العقل بذاتها بصدق الطلب والبعث فيها على نحو القطع بمضمون القضية.
المفرد والمركب
في علم المنطق ينقسم اللفظ الى قسمين :
الأول : مفرد .
الثاني : مركب .
والأول الذي لا جزء له مثل (الباء) في قولك وصلت بالسيارة، او اللفظ الذي له جزء الا ان جزءه لا يدل على جزء المعنى مثل القاف في كلمة القلم، و(عبد) في عبد الله لأنه جزء من اسم الشخص، فالمنطقي ينظر الى المعنى، اما في الصناعة النحوية فـ(عبد) هنا مفرد بلحاظ البناء والإعراب فكلمة عبد اسم له إعراب مستقل وهو الإضافة.
أما القسم الآخر وهو المركب فهو اللفظ الذي له جزء يدل على جزء معناه مثل (الصلاة عبادة) فكل من الصلاة والعبادة جزء من معنى المركب.
ويكون المركب تارة ناقصاً وهو الذي يبقي السامع ينتظر تتمة الكلام سواء بالخبر او جواب الشرط او المفعول او المضاف اليه ، او الاسم المجرور كما لو قلت الصيام جنة من… وسكت، فان السامع ينتظر الإخبار عن الاسم المجرور وهو النار ليتم المعنى بالاسم المجرور.
وتارة يكون المركب تاماًَ، وهو الذي تكون النسبة قائمة بين اجزائه مثل ما ورد عن أنس قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :الصوم جُنة)( ) وتنقسم النسبة في المقام إلى قسمين :
الأول : ما اذا كان له حقيقة ثابتة في ذاتها بغض النظر عن اللفظ، وكيفية حكايته او كشفه لهذه النسبة، كما لو اخبرت عن حصول شيء او عودة الحاج او رؤية الهلال فهذه الجملة خبرية، وتسمى ايضاً الخبر، والقضية، والقول ، وهو أعم من ثبوت النسبة بين الطرفين فقد تخبر عن صدق وقوع الفعل وقد لا تطابق الواقع.
الثاني: ان لا تكون للنسبة التامة حقيقة ثابتة، واللفظ هو الذي يحقق النسبة وتظهر بقصد المتكلم فلا حقيقة ثابتة توصف بصدق الكلام او كذبه بل هو انشاء لأن معانيها تنشأ باللفظ الذي يتعلق بالموضوع، وتلقي المخاطب له سواء على نحو الطلب أو المنع أو التمني أو التهديد.
فالطلب بالجملة الخبرية لا يلزم الكذب وان ادعاه جماعة بسبب عدم وقوع المطلوب أي انه يخبر عنه في الجملة الخبرية في مقام الطلب، ولكن لم
يؤت بالفعل خارجاً ، والله تعالى منزه عن القبيح، فاجاب الماتن على هذا الإشكال بان الكذب يتحقق اذا جاء بالجملة الخبرية بقصد الإخبار والإعلام عن الحصول والحدوث والتصديق، اما اذا كان بداعي البعث والتحريك كما هو الحال فليس بكذب، والا يلزم الكذب في غالب الكنايات كما في قولك: زيد كثير الرماد، وليس من رماد يقارن الكرم في هذه الأيام خصوصاً في المدن، ولكن مدار الصدق والكذب على اكرام الضيف وليس على كثرة الرماد وعدمه فهو كناية وتقريب للمعنى، فيكون الكلام كذباً اذا لم يكن كريماً.
ومع ان الإشكال ليس في محله للتسالم بان ارادة البعث ليست متعلقة بالصدق والكذب ولكن المثل من القياس مع الفارق خصوصاً وان الكنايات والمجاز فيها قول غير متحقق في الواقع وان لم يكن تاماً، ومبحث الخبر والإنشاء مستقل واجنبي عنه فلماذا يحشر مع مبحث الكناية.
اما القول بان الجملة الخبرية آكد وابلغ في مقام الطلب فلا دليل عليه وعلى إطلاقه كما ان الجملة الانشائية أكثر ملائمة للناس لتباين مشاربهم ومداركهم واظهر في الحجة، فالأمر هو الأكثر وضوحاً ودلالة على الطلب والبعث.
هذا مع أنه إذا أتى بها في مقام البيان ، فمقدمات الحكمة مقتضية لحملها على الوجوب ، فإن تلك النكتة إن لم تكن موجبة لظهورها فيه ، فلا أقل من كونها موجبة لتعينه من بين محتملات ما هو بصدده ، فإن شدة مناسبة الاخبار بالوقوع مع الوجوب ، موجبة لتعين إرادته إذا كان بصدد البيان ، مع عدم نصب قرينة خاصة على غيره ، فافهم (1).
ترشح الوجوب عن الخبر
(1) استدلال آخر ذكره الماتن لإفادة الجملة الخبرية الوجوب بمقدمات الحكمة وهي ان المتكلم في مقام بيان المراد وليس الإخبار عن أمر إجمالي يحتاج الى توضيح اضافي آخر، وعدم وجود قرينة حالية او مقالية في مقام التخاطب على التقييد وعدم وجود قدر متيقن في مقام التخاطب وقد تقدم الكلام فيها.
ومع اجتماع هذه المقدمات فان الجملة الخبرية تحمل على الوجوب ويمكن الإشكال عليه فان الاستدلال بمقدمات الحكمة يصلح في باب الإطلاق والتقييد، واذا اردنا الإستدلال بها على الوجوب فيمكن ايضاً الإستدلال بها على غيره، لأن النقاش في الكبرى وهو احراز ان المتكلم يريد البيان والتوضيح والجملة خبرية وليس انشائية.
بالإضافة الى ما تقدم من النقاش في كون الجملة الخبرية ابلغ في مقام التأكيد فانه يحتاج الى مقدمة وهي اثبات انه في باب البعث وليس الإعلام فقط كما انه لا يصل الى مقام الترجيح على الإنشاء على نحو الاطلاق، نعم ورد في علوم القرآن بان الجملة الخبرية تكون ابلغ في التعبير والبيان اينما جاءت، ولكن القرآن تضمن لغة الأمر للبعث والتحريك.
نعم ما في الإخبار من اشارة الى وقوع المطلوب على نحو التحقيق والحصول باعث على التحريك والبعث، ولكنه يحتاج الى الواسطة وهي ان الإعلام يدل على شدة الطلب وغالباً ما تستلزم الجملة الخبرية أصالة التوضيح الى مقام آخر لأنها بالأصل تفيد الإعلام والإخبار ويدل عليه قول الماتن “فلا اقل من كونها موجبة لتعيينه من بين محتملات ما هو بصدده” فهذا التعيين يستلزم استحضار الوسائط للإستدلال.
ويمكن الإستدلال بحجية الظهور على افادة الوجوب من الجملة الخبرية بعد ثبوت استعمالها في الأوامر بصيغة الخبر، وعدم وجود دليل على حصر الأمر بالجملة الإنشائية بالإضافة الى الإستعانة بالقرائن المقالية والحالية كما في الصناعة الفقهية بالجمع بين النصوص والإستدلال على افادة الوجوب والندب من الجملة الخبرية او الإنشائية بالنصوص والسنة الفعلية والتقريرية، فكلمة (ينبغي) قد تدل على الوجوب وقد تفيد الندب بحسب القرائن الأخرى .
مما يدل على ان الجملة وحدها قد لا تفيد المطلوب، وانها قابلة لأن تكون للوجوب او الندب بحسب اللحاظ والقرائن .
ولكن لو جاءت مجردة ولم يكن نص آخر بصدد موضوعها فتحمل على الوجوب او الندب .
والأقوى ما ذهب اليه الماتن من حمل الجملة الخبرية على الوجوب بحجية الظهور والقرائن، مع عدم وجود مانع ودليل على انصرافها للندب او غيره.
المبحث الخامس( ) : إن إطلاق الصيغة هل يقتضي كون الوجوب توصليا ، فيجزي إتيانه مطلقا ، ولو بدون قصد القربة ، أو لا فلا بد من الرجوع فيما شك في تعبديته وتوصليته إلى الاصل . لابد في تحقيق ذلك من تمهيد مقدمات : إحداها : الوجوب التوصلي ، هو ما كان الغرض منه يحصل بمجرد حصول الواجب ، ويسقط بمجرد وجوده ، بخلاف التعبدي ، فإن الغرض منه لا يكاد يحصل بذلك ، بل لابد – في سقوطه وحصول غرضه – من الاتيان به متقربا به منه تعالى(1).
الواجب التعبدي والواجب التوصيلي
(1) يقسم الواجب بلحاظ القصد والنية الى قسمين واجب توصلي وواجب تعبدي، وفيه مسألتان:
الأول: ان النقاش في الكبرى وهو افادة الصيغة الوجوب بعد الإختلاف فيها وانها قد تفيد الندب او الجامع المشترك بين الوجوب والندب.
الثاني: ان تقسيم الواجب الى التعبدي والتوصلي اعم من ان ينحصر بالصيغة، بل يشمل الجملة الخبرية التي تتضمن البعث والداعي الى الفعل وتشمل الجملة الإنشائية وما يقصد به الأمر.
(وقال صلى الله عليه وآله : تخللوا فإنه من النظافة ، والنظافة من الايمان، والايمان مع صاحبه في الجنة)( ).
فقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (النظافة من الإيمان) جملة خبرية تبعث على النظافة من الأوساخ.
أما (تخللوا) فهو أمر يتضمن معنى الجملة الإنشائية لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اجتماع الخير والإنشاء في الحديث الواحد له ، وإرادة الوجوب منهما وإن النظافة شعبة من الإيمان ، مع بيان الثواب العظيم على الواجب وإن كان توصلياً كما في النظافة ومنها نظافة البدن ، ونظافة الثياب .
والواجب التوصلي مطلوب بذاته من غير صفة زائدة وقصد الداعي الإلهي ، للأجزاء بمجرد وجوده في الخارج بلا شرط سواء كان في أصل التشريع أو في قصد الإمتثال، وقيل: وقد تطلق التوصلية ويراد منها “عدم اعتبار المباشرة او عدم اعتبار الإرادة والإختيار.
ولكنه من اوصاف ومفاهيم الواجب التوصلي وليس هو تعريفاً له، فعندما يقال يسقط بمجرد وجوده في الخارج فانه يدل في مفهومه على عدم موضوعية المباشرة وان كان عدم الموضوعية هذا ليس مطلقاً، فقد تكون المباشرة بحسب الدليل واللحاظ والمناسبة والموضوع.
وكذا بالنسبة بلحاظ الإرادة والإختيار، فانها من لوازم الإيجاد المطلق الخالي من الشرط والقيد، فالمدار والمائز بين الواجب التعبدي والتوصلي هو صيغة العبادة في التعبدي ولزوم قصد القربة وارادة ابراء الذمة بالإمتثال فيه .
وهذا لا يمنع من قصد القربة في الواجب التوصلي لما يترتب عليه من الأجر والثواب ، كما لو غسل ثوبه بقصد القربة ورجاء الثواب الذي ورد في الحديث النبوي أعلاه في النظافة .
وقيل (ان التوصلية هي ما لم يكن تشريعه لأجل اظهار العبودية) ولكنها ليست مجردة من صفة العبودية وطلب مرضاة الله تعالى ولو بقصد الرجاء والتوسل، ويجب ان يكون طلب مرضاته سوراً جامعاً لأفعال العباد ، قال تعالى أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.
والبحث عن مائز آخر بين التعبدي والتوصلي ثم ان المدار في التقسيم على فعل العبد وشرط وكيفية الإمتثال وليس اصل التشريع .
واستدل برد التحية وانه لا يعتبر فيه قصد التعبد ومع ذلك تلزم فيه المباشرة ، مع ان رد التحية واجب، وغالباً ما يقصد به العبد رجاء الأجر والثواب، ويتجنب الانسان الإمتناع عن ردها لما فيه من الإستكبار والعصيان للأمر الإلهي، قال تعالى وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا.
الفرق بين الواجب التوصلي والتعبدي
وقد ذكرت في الواجب التوصلي والتعبدي والفرق بينهما وجوه وتعريفات :
الأول : الواجب التوصلي هو الذي يكون الغرض منه معلوماً للمأمور، والتعبدي هو الواجب الذي لا يكون الغرض من الأمر به معلوماً للمأمور.
ونسب هذا التعريف الى القدماء بلحاظ ان المأمور اذا لم يعرف غرض الآمر يفعله امتثالاً لأمره لا لأجل تحصيل غرضه اما اذا عرف الغرض فانه يفعله لأجل ذلك الغرض ), ولا يخلو من تكلف .
وهذا التعريف يحول دون وجود تقسيم خارجي عقلي، ويستلزم استحضار مصاديق الواجب والبحث في كل منها بلحاظ الغرض والملاك والمصلحة التي في تشريعه والإمتثال له، ومعرفة هذا الغرض امر متعذر في الغالب وقد يحصل على نحو جهتي، صحيح انه وردت بعض الأخبار في علل الشرائع واسرار الأحكام ولكنها لا تصلح للتمييز والتفريق بينها بل انها تفيد التداخل الى جانب تخلف الأوهام عن ادراك الغرض من التكليف، وهذا التعريف يختلف عن التعريف المشهور للتعبدي والتوصلي.
الثاني : ان التعبدي لا يحصل الا بقصد القربة ويؤتى به للتعبد، اما اذا كان يحصل باتيانه سواء قصد به القربة او لم يقصد ولا يؤتى به للتعبد، فهو توصلي.
وهذا التعريف هو المشهور ويستلزم معرفة مواطن قصد القربة في الأفعال والإمتثال.
الثالث : التعبدي هو الواجب الذي تلزم فيه المباشرة والإختيار، اما التوصلي فلا تلزم فيه المباشرة ولا الارادة، ولو حصل بلا ارادة واختيار كزوال النجاسة عن الثوب الملقى تحت المطر فتحصل طهارته مع عدم الإختيار والإرادة، وكذا فان التوصلي قد يتحقق بالمحرم كما لو غسل الثوب في المكان المغصوب بخلاف التعبدي وقد تقدم في الصفحة السابقة ان هذا من لوازم المعرف وليس هو التعريف.
الرابع : التوصلي ما تفرغ الذمة باتيانه في الخارج , ولو بغير قصد القربة او المباشرة، اما التعبدي فيشترط ابراء الذمة فيه المباشرة والعزم وقصد القربة عقلاً وشرعاً فلا يسقط الأمر في التعبدي الا بقصد القربة أي ان قصد القربة شرط في المأمور به اما التوصلي فيسقط بالإتيان به.
والمراد من قصد القربة هو قصد الإمتثال للأمر الإلهي تعبداً وطاعة، وان يشعر المكلف بالعبودية وان الأداء عليه واجب شرعي وطاعة للخالق وسعي في رضاه.
لقد قيد الماتن التعبدي بانه الواجب الذي لا يتحقق الغرض منه بمجرد اتيانه ووجوده في الخارج بل لابد من قيد قصد القربة وامتثال الأمر عند الإتيان بمتعلقه وهو الأصح في التقسيم .
موضوعية النية
لابد من إرادة ونية كما في الصيام فلو نام نهار الصوم واستيقظ عند الغروب ولم يتناول المفطرفلا يصح له يوم صيام اذا لم تسبقه النية في ذات الليلة او في اول شهر رمضان .
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (إنما الاعمال بالنيات ولكل امرىءٍ ما نوى)( ).
ومن معاني الحديث أعلاه هو تعدد المقاصد من العمل المتحد ، فيكون ذات العمل بحسب النية والقصد كما لو تصدق اثنان احدهما بقصد القربة إلى الله ، والآخر بقصد الرياء ، فيثاب الأول دون الثاني.
فلا يختص هذا الحديث الذي ورد بطرق متعددة على إفادة قصد القربة ولزومه في العبادات .
و(عن النبي صلى الله عليه وآله إنما الاعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)( ).
قصد القربة
اجماع المسلمين على ارادة قصد القربة عند الإمتثال والنسبة بين القصد وقصد القربة هو العموم والخصوص المطلق ، وهو يترشح إنطباقاً عن الفعل العبادي ساعة إتيانه وفيما بعده ، على وجوه:
الأول : قصد القربة شرط شرعي من متعلق الأمر ، والحكم الشرعي هو البعث.
الثاني : انه امر اضافي آخر مع الواجب المأمور به، وكأن الواجب التعبدي مركب وينحل الى الأمر بالإمتثال وقصد القربة وعلى هذا يكون قصد القربة جزء وليس شرطاً شرعياً.
الثالث : انه قيد عقلي لصدق الإتيان بالمأمور به، ولا مانع من تداخل هذه الوجوه.
المراد من قصد القربة
مفهوم قصد القربة على وجوه :
الأول : إرادة قصد الأمر فقط ، لذا انكر بعض العلماء الثمرة من بحث الضد لعدم مدخليته في قصد الأمر لكفاية عدم الأمر بالضد على فساده ولإستحالة الأمر بالضدين، وبما ان الضد غير مأمور به فيقع كعبادة فاسداً.
الثاني : قصد الله تعالى سبحانه ، كما قال الشهيد الثاني في الروض، ويكفي عن الجميع قصد الله سبحانه الذي هو غاية كل مقصد.
الثالث : الإتيان بالواجب التعبدي امتثالاً لأمر الله سبحانه.
الرابع : قصد المصلحة التي صارت سبباً للأمر، وبه قال الشيخ الأنصاري.
الخامس : موافقة طاعة الله تعالى، وفسرت الإطاعة بالإرادة، وقال في الروض : بمعنى موافقة ارادته ، كما ان الطاعة والإمتثال من المترادف في الجملة.
السادس : ما يكون موجباً لمرضاة الله.
السابع : المراد من قصد القربة هو التشبيه بالقرب المكاني، فيكون العبد ساعة الواجب التعبدي منقطعاً الى الله تعالى .
ولا يعني القرب المكاني والتعيين الجهتي والمكاني لواجب الوجود، بل هو إحساس وشعور يلازم العبد عند أداء العبادة أنه قريب من الله عز وجل، لذا ذكر هذا الوجه بلغة (التشبيه) بالقرب المكاني وإيقاع العبادة من الوجه الوجوب أو الندب، وهو من عمومات قوله تعالى وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ.
وكان العلماء والى زمان الشيخ الأنصاري يعدون قصد القربة في العبادات من شرائط واجزاء الفعل العبادي ، ولكن الشيخ الأنصاري استشكل في أمكان أن يؤخذ قصد الفرض ببعض معانيه وان بعض القيود والحالات الطارئة من لا يتصف به المأمور به إلا بعد وقوعه تحت الأمر ، وكونه مأموراً به على نحو الوجوب أو الندب .
المراد بالوجه من العبادة
المراد بالوجه الغاية التي من أجلها كان حكم الوجوب أو الإستحباب ، على جهات :
الأولى : اللطف في التكاليف والعبادات.
الثانية : كونه طرداً للمفسدة، الحاصلة في الترك.
الثالثة : إنه شكر لله عز وجل على النعمة، وبه قال أبو القاسم البلخي من المعتزلة.
الرابعة : والأحكام عند الأشاعرة شرعت لمجرد الأمر والنهي لا لأجل غاية أخرى، بناء على نفي الغرض عن أفعال الله تعالى، ونفي قاعدة التحسين والتقبيح العقليين .
والخلاف لفظي ، إنما الغاية منفعة ومصلحة العباد في النشأتين والله عز وجل غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ.
وهل ما ورد في الحديث القدسي : الصوم لي وأنا أجزي به ( ) يدل على الغاية ، الجواب لا ، إنما لإرادة عظيم الثواب على الصوم ولبيان حقيقة وهي انبساط صوم النهار على آنات متكثرة من طلوع الفجر إلى مغيب الشمس يختلي فيها الصائم بنفسه , ولا يعلم بحاله وتقيده بالصيام إلا الله عز وجل فلذا ورد الحديث القدسي أعلاه .
ولو إمتنع الناس عن الحج مثلاً فعلى الحاكم حملهم على الحج ، وتيسير أسباب الإستطاعة من الزاد والراحلة ، وإزاحة الموانع عن أدائهم للحج لوجوب عمارة البيت الحرام وتحقق مصداق العبادة وقوله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً.
ولو إمتنع الناس عن الصيام في بلد من البلدان كما لو كانت ساعات الصيام طويلة وكثيرة فعلى الحاكم الندب الى الصيام وتيسير أمره والتخفيف عنهم في الوظائف ونحوها لقوله تعالىيَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وقوله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.
الحسن الذاتي للفعل العبادي
وفيه وجوه :
الأول : الإتيان به بقصد التقرب الى الآمر.
الثاني : ان الفعل حسن ذاتاً، وللملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع.
الثالث : ان الآمر مستحق لأن يطاع وأهل لأن يُعبد ولا تجوز معصيته.
الرابع : رجاء الثواب والطمع في بلوغ منازل النعيم في الآخرة.
الخامس : الخوف من عقاب الله سبحانه ، واجتناب النار التي اعدها للكافرين والجاحدين والعاصين لأوامره، وما ورد عن الإمام علي: “ان قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وان قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وان قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار”( )، لا يعني الذم لمن عبد الله رغبة او رهبة ولكن الحديث جاء لبيان مراتب العبودية وصيغ الكمال فيها.
السادس : الإتيان بالفعل شكراً له تعالى على نعمة الخلق والإيجاد والرزق والصحة وغيرها.
السابع : الأمل في نعم اضافية مستحدثة.
الثامن : داعي محبوبية الفعل.
التاسع : هو شرط لإنطباق العنوان المأمور به.
المبحث السابع : إنه اختلف القائلون بظهور صيغة الامر في الوجوب وضعا أو إطلاقا فيما إذا وقع عقيب الحظر أو في مقام توهمه على أقوال :
نسب المشهور ظهورها في الاباحة وإلى بعض العامة ظهورها في الوجوب ، وإلى بعض تبعيته لما قبل النهي ، إن علق الامر بزوال علة النهي ، إلى غير ذلك والتحقيق: إنه لا مجال للتشبث بموارد الاستعمال ، فإنه قل مورد منها يكون خاليا عن قرينة على الوجوب ، أو الاباحة ، أو التبعية، ومع فرض التجريد عنها، لم يظهر بعد كون عقيب الحظر موجبا لظهورها في غير ما تكون ظاهرة فيه غاية الامر يكون موجبا لاجمالها ، غير ظاهرة في واحد منها إلا بقرينة أخرى، كما أشرنا (1).
صيغة الأمر
(1) اذا دار الأمر بين رجوع القيد الى الهيئة او الى المادة وليس من دليل على رجوعه الى احدهما، كما لو كان القيد في الجملة الشرطية ورجوعه الى نتيجة الجملة ، أو انه يتعلق بملحقات المادة كالمفعول به مثل قوله تعالى [أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ]: اقرأ القرآن ، او صل الظهر متطهراً .
فاذا كان القيد راجعاً الى المادة فيكون معناه عليك الصلاة مع الطهارة، أي ان الصلاة مقيدة بالطهارة، ووجوبها مطلق سواء كنت متطهراً او لا.
أما لو كان القيد متعلقاً بالهيئة فيكون المعنى ان وجوب الصلاة في حال كونك متطهراً، ففي تقييد الهيئة ورجوع القيد اليها هناك قيدان، وفي تقييد المادة تقييد واحد، واشكل على ما افاده اعلاه صاحب الحاشية.
والنزاع في مقدار دلالة نسخ الوجوب وهل هو ينسخ الإباحة من الأصل او ينحصر بنسخ الوجوب وما يتبقى منه .
وبالنسبة لباب النهي فانه يدل على رفع خصوص المنع من الترك فقط، ليدل الأمر بعد الخطر على الجواز إذ أن الوجوب مركب من امرين :
الأول : جواز الفعل.
الثاني : المنع من تركه.
وقيل ان الوجوب امر بسيط فانه يرتفع بالنسخ، ولكن المسألة تتعلق بالأمر الثاني بعد الحظر وليس بالأمر الأول.
والمسألة قليلة الإبتلاء كما ان الشواهد فيها ظاهرة بالقرائن ، ومنها تروك الإحرام ، وكأنها عمومات القضية في واقعة والقرائن تدل على خصوص النهي بحال الإحرام والحظر مقروناً بوقت وفعل معين يزول بزواله .
الأمر بعد الحظر
الأقوال في المقام كثيرة تصل الى عشرة اقوال، ولكن الماتن ابطلها لأنها مبنية على الإستعمال وموضوع البحث على قسمين:
القسم الأول : الأمر بشيء بعد النهي عنه كما في قوله تعالى وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا فانه امر بالصيد لمقام الفاء، وفعل الأمر اصطادوا المحمول في ظاهره على الوجوب والفورية لو كان مجرداً من القرينة، بعد ورود النهي عن الصيد في قوله تعالى لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ .
ولكن القرينة مركبة فهي ظاهرة في ملازمة النهي للإحرام، وكذا بالنسبة لزيارة القبور .
فقد روي عن أبي بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : نهيتكم عن ثلاث وأنا آمركم بهن نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن زيارتها تذكرة، ونهيتكم عن الأشربة أن تشربوا إلا في ظرف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكراً، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تأكلوها بعد ثلاث فكلوا و استمتعوا( ).
وهو اكثر دلالة لأنه لم يقيد بحالة دون اخرى فلا تصل النوبة الى استقراء الوجوب بالإستحباب او الإباحة من الصيغة , وكأن مفاد هذا المبحث هو تخصيص اطلاق الوجوب بصيغة أفعل.
القسم الثاني: ورود أمر بفعل شيء بعد التوهم بالمنع منه او حرمته كما في رواية يونس بن يعقوب مثلاً قال : سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يريد ان يتزوج المرأة واحب ان ينظر اليها، قال عليه السلام : تحتجز ثم لتقعد وليدخل فلينظر قال: قلت تقوم حتى ينظر اليها؟ قال: نعم قلت: فتمشي بين يديه؟ قال: ما احب ان تفعل( ).
فان الأمر بالنظر ورد بعد توهم السائل ارادة المنع من النظر، ووقع الخلاف في المقام :
الأول : دلالة الأمر على الوجوب بعد الحظر او توهمه.
الثاني : الإباحة وهو المشهور.
الثالث : دلالة الأمر بعد الحظر تابعة لما قبل الحظر، فاذا كان قبله واجباً فيكون الأمر واجباً، ولو كان مستحباً او مباحاً فيكون كذلك بعده بشرط انتهاء ملاك الحظر.
ويمكن اضافة قسماً آخر :
الرابع : ورود منع بعد الإذن بالفعل، وهذا الأمر بالمنع والنهي يفيد الحرمة او الكراهة.
والأمر يتعلق بالنسخ فهو حكم جديد مستحدث لا ينحصر بما كان قبل الحظر ولا بالاباحة بل لابد من الرجوع الى القرائن الخارجية، والاتيان بشاهد واحد او بعض الشواهد لا يدل على ثبوت قاعدة كلية وحكم مطلق ، قال تعالى مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
فالاقوى انه لا يفيد الإباحة حصراً بل بحسب الدليل والقرائن الأخرى، فقوله تعالى وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وبلحاظ الواجبات والمستحبات واحكام التكاليف الخمسة تعرف ان الاصطياد ليس بواجب وانه مباح، وكذا بالنسبة لمسألة زيارة القبور فالأمر لا يدل على وجوبها.
ان وضع قواعد كلية وتطبيقها على المواضيع الشرعية ليس صحيحاً دائماً فقد يكون أكثر من حكم في موضوع واحد لأن الموضوع ينقسم الى مصاديق وافراد متعددة لكل منها خصوصية ما .
فمثلاً قولهم لا يصح التقرب الى الله بالمبغوض قاعدة عقلية كلية ولكن لا يصح النظر لكل فعل عبادي من خلالها وحدها لنحكم ببطلانه اذا كانت المبغوضية فيه جهتية ، خاصة مع أحكام الضرورة ومراتب أداء العبادة وفق الإستطاعة ، كما في الصلاة عن جلوس للعاجز عن أدائها عن قيام ، قال تعالى الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
كما قالوا ببطلان صلاة المنفرد أثناء صلاة الجماعة ، ولا أصل لهذا القول.
المبحث الثامن : الحق أن صيغة الامر مطلقا ، لا دلالة لها على المرة ولا التكرار ، فإن المنصرف عنها ، ليس إلا طلب إيجاد الطبيعة المأمور بها ، فلا دلالة لها على أحدهما ، لا بهيئتها ولا بمادتها ، والاكتفاء بالمرة ، فإنما هو لحصول الامتثال بها في الامر بالطبيعة ، كما لا يخفى . ثم لا يذهب عليك : أن الاتفاق على أن المصدر المجرد عن اللام والتنوين ، لا يدل إلا على الماهية – على ما حكاه السكاكي – لا يوجب كون النزاع ها هنا في الهيئة – كما في الفصول – فإنه غفلة وذهول عن كون المصدر كذلك ، لا يوجب الاتفاق على أن مادة الصيغة لا تدل إلا على الماهية ، ضرورة أن المصدر ليست مادة لسائر المشتقات ، بل هو صيغة مثلها ، كيف (1).
المرة والتكرار في الأمر
(1) النزاع في دلالة الصيغة من جهة الوضع، وقد يكون من جهة الإطلاق لإفادته الوجوب وقد تقدم قول الماتن لا يبعد كون لفظ الأمر حقيقة في الوجوب لإنسباقه عند اطلاقه، فصيغة الأمر لا تدل على ارادة الإمتثال مرة واحدة، او اتيان الفعل عدة مرات سواء بلحاظ المادة او الهيئة .
والمراد من المادة في المقام المصدر المجرد عن اللام والتنوين كما في لفظ (صلاة) قوله تعالى [أَقِمِ الصَّلَاةَ].
اما المعنى فهو اعم ويتعلق بايجاد الأمور به في الخارج، ومفاد الهيئة هو الحكم المجعول ومتعلقها المأمور به، وقيل الأولى ان يكون البحث من جهة الإمتثال وان كان المعنى واحداً بلحاظ الجهة .
فالمتبادر من الصيغة على ما ذهب اليه الماتن طلب ايجاد ذات الفعل في المأمور به في الخارج من غير تقييد بالمرة او التعدد، وذكرت في المقام وجوه :
الأول : إفادة الصيغة التكرار الى الأبد.
الثاني : إفادة التكرار بالتعدد القليل الذي يعني اكثر من مرة كما في المرتين او الثلاث.
الثالث : تفيد الصيغة المرة الواحدة.
الرابع : اشتراك الصيغة بين المرة والتكرار.
الخامس : التوقف وعدم الميل إلى أحد القولين.
السادس : عدم افادة الصيغة لأحدهما، وهذا القول هو الذي مال اليه الماتن لأن هيئتها موضوعة لإفادة نسبة الطلب الى المخاطب، اما مادتها لا بشرط فلا تدل على المرة أو التكرار.
ويمكن الإستشهاد بالأمر بالصلاة على النبي وآله بقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا أو عند ذكر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وهل تكفي المرة الواحدة اذا ذكر عدة مرات في مجلس واحد او لابد من الصلاة عليه في كل مرة يذكر بها في المجلس المتحد او المتعدد وأصالة الإطلاق تقتضي الأخير.
دلالة الأمر على المرة أو التكرار
يأتي الأمر لغة على وجوه :
الأول : الأمر : الفعل ، ويجمع على أوامر .
الثاني : الأمر : الشأن , ويجمع على أمور .
الثالث : الأمر بمعنى النماء والزيادة .
وفي أمثال العرب (مَنْ قَلَّ ذَلَّ ومَنْ أمِرَ فَلّ ، وإنَّ ماله لأمِرٌ وعَهْدِي به وهو زَمِرٌ . والأمِرُ ككَتِفٍ : الرجلُ المُبَارَكُ يُقْبِلُ عليه المالُ . وامرأَةٌ أمِرَةٌ : مُبَاركةٌ على بَعْلها وكلُّه من الكَثْرَة . وعن ابن بُزُرْجَ : رجلٌ أمِرٌ وامرأَةٌ أمِرَةٌ إذا كانا مَيْمُونَيْنِ) ( ).
والأمرة هنا الغلبة والكثرة تأتي بمعنى كثرة الولد , والحاشية والأموال والجاه .
(وتقول: أمِرَ بنو فلان أمَرَةً أي كثُروا وولدَتْ نَعَمُهُم. قال لبيد:
إنْ يُغْبَطُوا يَهْبِطُوا وإنْ أَمِرُوا … يَوْماً يصيروا للهُلْكِ والنَّفَدِ) ( ).
الرابع : الأمر وهو صدور قول ونحوه للإتيان بفعل , وهو ضد النهي , ويجمع على أوامر .
الخامس : الأمر بمعنى الدِين , كما في قوله تعالى حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ أي دين الله عز وجل , وقوله تعالى فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ.
السادس : الرأي .
ونطرح مسألة وهي : الجمع بين المرة والتكرار ,فتجزي المرة الواحدة ويلزم التكرار ، أو يستحب كما في الحج ، وبين الفورية والتراخي , وفيه وجوه :
الأول : التكرار الواجب كما في صيام شهر رمضان كل سنة ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] ( ).
الثاني : التكرار الواجب والمستحب ، كما في تكرار الزكاة ، وتكرار الصدقة المستحبة .
الثالث : التكرار المستحب ، كما في الصدقة المستحبة .
الرابع : التكرار المستحب ثم الواجب .
الخامس : المرة الواجبة والتكرار المستحب كما في الحج في قوله تعالى فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ.
فالحج الواجب مرة واحدة في العمر وبقيد الإستطاعة ويستحب التكرار ، (وعن علي عليه السلام انه قال : لما نزلت [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ] قال المؤمنون : يارسول الله أفي كل عام ، فسكت فأعادوا عليه مرتين فقال: لا، ولو قال: نعم لوجبت، فأنزل الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ))( ).
السادس : المرة المؤقتة بزمان مخصوص والتكرار .
السابع : المرة الفورية , والتكرار المطلق والمشروط .
الثامن : الفوري المكرر مثل الصيام فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فكلما هل هلال شهر رمضان وجب فوراَ الصيام في اليوم التالي .
وهل المراد فرد واحد أو عدة أفراد ، الأصل متعدد فقد يكون هو الأول كما في فريضة الحج ويستفاد الثاني من القرائن ، وقد يكون الثاني كما في الصلاة اليومية والصيام والزكاة .
ولم نعلم كفاية المرة الواحدة بالحج إلا بالسنة النبوية , وبيان كيف أنها تخفيف , وقيل إن طبيعة مقدمات الحكمة تقتضي كون المراد من المادة صرف الطبيعة إلا مع القرينة كما لو كان المراد الطبيعة السارية.
وقيل الأصل في الأوامر الإجزاء بالمرة إلا أن يثبت الخلاف .
والمختار أنه ليس من أصل خاص في المقام ، فقوله تعالى أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا دليل على تكرار الصلوات الخمس كل يوم ، وقوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ دليل على تجدد التكليف بفريضة الصيام كل سنة .
وهو لا يتعارض مع تقسيم الواجب إلى الواجب المؤقت والواجب غير المؤقت.
وقد ينطبق فعل على عدد من هذه الوجوه مثل : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فجاء بصيغة الجمع قوله تعالى وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
الأقوال في المرة والتكرار
وفي إرادة المرة أو التكرار من صيغة الأمر أقوال :
الأول : عدم دلالة صيغة الأمر وهيئتها ومادتها على المرة أو التكرار , أي أنها تدل على صرف طبيعة الطلب .
الثاني : الإكتفاء بالمرة الواحدة واستدل في حال الإطلاق بمثال أنه لو طلب من الإنسان إتيان فعل اجزأه مرة واحدة .
الثالث : إنه يقتضي المرة الواحدة لفظاَ .
الرابع : لا يمكن تحصيل الأمر بأقل من مرة واحدة .
الخامس : إدراك التكرار مرة في العمر مع الإمكان .
السادس : قيل إنها للمرة , وتحتمل التكرار , روي عن الشافعي .
السابع : التوقف والمراد منه لا ندري أوضع للمرة أو التكرار أو للمطلق أي المرة والتكرار سوء بالمادة أو الهيئة .
فلا يدرى مراد المتكلم للإشتراك بينهما .
يراد من المرة والتكرار معنيان :
الأول : الدفعة أو الدفعات .
الثاني : الفرد والأفراد .
وبينهما عموم وخصوص مطلق فالدفعة أعم من الفرد .
وقد تتحقق الدفعة بفرد واحد أو عدة أفراد في الحال أو على نحو التعاقب.
وذكر أنه (خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال : إن الله كتب عليكم الحج فقام عكاشة بن محصن ويروى سراقة بن مالك فقال: أفي كل عام يا رسول الله ، فأعرض عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ويحك وما يؤمنك أن أقول : نعم ، والله ولو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، ولو تركتم كفرتم، فاتركوني ما تركتكم.
فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه)( ).
هل المراد من الأمر الفور أو التراخي
يكون الأمر على معان متعددة منها :
الأول : الأمر بمعنى الشئ , والجمع أمور , قال تعالى وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ.
الثاني : بمعنى الحال , والمجموع أمور قال تعالى وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ.
الثالث : الأمر بمعنى الطلب , والجمع أوامر , وهو من الفروق بين ضروب الأمر .
الرابع : الأمر بمعنى الإبداع .
الخامس : الأمر الذي يعني التدبر واختصاص الحكم بالله عز وجل , قال تعالى أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ وقال تعالى ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ.
السادس : الأمر بمعنى الطلب المؤكد , وضده النهي , وهذا المعنى هو موضوع البحث الأصولي .
مادة وهيئة الأمر
مادة الأمر هي حروف وكلمات الأمر , فمادة الأمر ليست مادة هيئة كل أمر وطلب مثل صلِ , انهض , اكتب إنما مادة الأمر ذات كلمة الأمر ، وهي الحروف التي يتألف منها لفظ الأمر : ألف , ميم , راء.
وهيئة الأمر وتسمى أيضاَ صيغة الأمر , كل صيغة تفيد الطلب الأمري مع أي مادة كانت فصيغة الأمر مثل :
الأول : فعل الأمر , وصيغة افعل , وهو الأصل في صيغة الأمر مثل بلغ في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ] ( ) وصيغة الجمع في الأمر كما في قوله تعالى وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ.
وقوله تعالى إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ.
فصيغة الأمر هي فعل الأمر اغسلوا , امسحوا .
الثاني : الفعل المضارع المقترن بلام الأمر.
مثل وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ.
الثالث : صيغة الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر ، كما في قوله تعالى [فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ] ( ) .
الرابع : اسم فعل الأمر , كما في قوله تعالى ويَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (عليكم) اسم فعل أمر بمعنى احفظوا ، وهذا المعنى مستقرأ من السياق وإلا فهي جار ومجرور ، وكما في قول الشاعر (عمرو بن الإطنابة.
وقولي كلما جشأت وجاشت … مكانك تحمدي أو تستر يحي)( ).
إذ يخاطب الشاعر نفسه ، وجزم الفعل (تحمدي) بالطلب (مكانك) وهو اسم فعل أمر بمعنى اثبتي .
الخامس : المصدر النائب عن فعله ، ويؤدي معنى الفعل ، ويسمى أيضاً (المصدر البدل عن الفعل).
فلا يجوز أن يجتمع هذا المصدر مع الفعل لأنه بديل ونائب عنه ، وهو يعمل عمل الفعل فيأخذ فاعلاً إذا كان الفعل لازماً ، ويأخذ فاعلاً ومفعولاً إذا كان فعله متعدياً ، ومن المصدر النائب (سحقاً) في قوله تعالى فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ.
ومنه (قال معاذ الله) و(لبيك اللهم لبيك).
ومنه (صبراً على بلائك) صبراً : مصدر نائب عن فعله منصوب وعلامة نصبه تنوين الفتح الظاهر على آخره .
ولا يفيد الأمر المطلق الإختصاص بالمرة أو التكرار ، فالقدر المتيقن منه طلب الفعل الذي لا يحصل بأقل من المرة الواحدة مع احتمال التكرار.
ومسألة المرة والتكرار , مبحث أصولي يؤثر بالفروع المتصلة به , من جهة كون الأمر على وجوه :
الأول : الأمر المطلق .
الثاني : الأمر المكرر أي أن التكرار بذات الأمر , وليس بذات الفعل فيؤثر الحكم على المسائل الفقهية المتعلقة به .
والنسبة بين مسألة الإجزاء ، ومسألة المرة والتكرار هي العموم والخصوص المطلق , إذ أن مسألة الإجزاء كبروية , أما مسألة المرة والتكرار فصغروية , فقد يقع الإجزاء بالمرة الواحدة ، وقد لا يقع حتى مع التكرار .
ويكفي صرف الطبيعة من الأمر التي تتحقق بفرد واحد , فتجزي المرة الواحدة إلا مع الدليل أو القرينة على التكرار .
ونطرح هنا مسألة وهي مواطن الخلاف الأصولي بالمرة والتكرار في الأحكام الشرعية من الوجوب والإستحباب والإباحة والكراهة والحرمة كما في وجوب الحج مرة واحدة في العمر ، مع استظهار الإطلاق في قوله تعالى [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً] ( ) والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كلما ذكر .
النزاع في دلالة الصيغة من جهة الوضع، وقد يكون من جهة الإطلاق لإفادته الوجوب .
هل الدلالة الوضعية تصورية أو تصديقية
المراد من الدلالة الوضعية هي التي تنشئ وتتفرع عن الوضع .
والدلالة : فعل الدليل ، والدليل المرشد إلى المطلوب سواء حصل بواسطته العلم أو الظن المعتبر.
والدلالة ما يلزم من فهم الدال شئ آخر هو المدلول ، فتدخل فيه الدلالة اللفظية وغير اللفظية.
والدلالة اللفظية هي كون تصور المعنى من اللفظ حال سماعه ، للعلم بوضعه بخصوصه ، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام :
الأول : الدلالة المطابقية .
الثاني : الدلالة التضمنية .
الثالث : الدلالة الإلتزامية .
والمراد من الدلالة هي لزوم العلم بالشئ من العلم بشئ آخر يدل عليه وكأنه من قانون العلة والمعلول ، ومنها بخصوص عالم الألفاظ .
والدلالة لغة مصدر يقال دلّه على الجادة دلالة أي أرشده وهداه إليها سواء كانت علامة الإستدلال لفظية أو غير لفظية كالإشارة ، والكتابة
والدلالة الوضعية على قسمين :
الأول : الدلالة التصورية : وهي الإنتقال من اللفظ عند سماعه أو تلقيه بالإشارة أو الكتابة أو الآلة إلى المعنى ، وهل كلام أو إشارة الإنسان الآلي (الروبوت) من الدلالة التصويرية ، أم من الدلالة التصديقية لأن فيه قصداً سواء من الإنسان الآلي أم من المبرمج له ، المختار هو الأول.
الثاني : الدلالة التصديقية : وهي التي تتضمن إرادة المتكلم تفهيم المعنى من اللفظ ، أي أن الدلالة الوضعية تكشف عن إرادة المتكلم تفهيم هذا المعنى الحاضر في الذهن بواسطة اللفظ.
أقسام الدلالة
الدلالة على أقسام غير الوضع ، منها :
الأولى : الدلالة النحوية : وهي الدلالة المستقرأة من استعمال الألفاظ في الكلام أو المكتوب منها الملازمة بين المبتدأ والخبر ، وبين الجار والمجرور ، والفعل والفاعل.
الثانية : الدلالة المعجمية : وهي معاني الكلمة حسب معاجم للغة ، وأصل الوضع ، فهذه الدلالة متعلقة بمبحث الألفاظ واستعمال اللفظ في الحقيقة والمجا .
الثالثة : الدلالة السياقية : بمعنى السياق اللغوي للكلمة وما يحيط بها في ذات الجملة أو المعنى والمفهوم الإجتماعي لها .
ومنه مبحث سياق الآيات في القرآن الذي يبين المجمل ويزيح الغموض ، ويخصص العام ، ويقيد المطلق .
الرابعة : دلالة الإشارة : وهي دلالة اللفظ على معنى لم يقصد منه ظاهراً ولكنه يستقرأ منه ، كما في عدم جواز صوم الوصال لقوله تعالى وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ، نعم ، هو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد ذكرته مفصلاً في الجزء الأول من كتابي (خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم)( ).
وصوم الوصال هو صوم يومين والليلة التي بينهما ، او صوم ثلاثة أيام والليلتين اللتين بينها .
ولقد (نهى النبي صلى الله عليه وآله أمته عن الوصال قيل له: إنك تواصل ، فقال : إني لست كأحدكم ، إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني. وفي رواية : إني أبيت عند ربي فيطعمني ويسقيني ، قيل: معناه يسقيني ويغذيني بوحيه)( ).
وهل تدل الآية أعلاه على انتفاء الإحتياط بالإمساك بعشر دقائق ونحوها عن المفطرات قبل طلوع الفجر ، الجواب نعم ، وهو الذي أذكره كل سنة في إمساكية شهر رمضان التي أصدرها كل سنة منذ 1423.
الخامسة : دلالة الإيماء والتنبيه : وهي اقتران قصد اللفظ الصادر من المتكلم بوصف يدل على أنه علة للحكم ، أي استقراء الإيماء والتنبيه من ذات اللفظ ، ومنه ترتب الحكم على الوصف بفاء التعقيب ، كما في قوله تعالى وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، فميل المشركين للسلم دلالة على قبول النبي صلى الله عليه وآله وسلم به وإيقاف القتال وإن كانت الغلبة للمسلمين( ).
وكما في قوله تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، فدل على حرمة الخمر والميسر وإنهما رجس وخبث ودنس للنفوس ، وفقدان للسيطرة على اللسان والجوارح وضياع للأموال ، وفساد للمزاج والبدن .
ومن معاني رجس الشيطان التذكير بسوء عاقبته وأقرانه واتباعه يوم القيامة.
دلالة الإقتضاء
هي دلالة اللفظ على محذوف يتوقف صحة الكلام على صحته سواء من جهة الشرع أو العقل أو الواقع.
والمشهور أن الدلالة الوضعية هي دلالة تصورية ، لا تعني أكثر من انتقال صورة المعنى إلى الذهن.
وقال السيد الخوئي بأن الدلالة الوضعية دلالة تصديقية كاشفة عن إرادة المتكلم إخطار المعنى من اللفظ لدى السامع لذا قال بنظرية التعهد وجعلها التفسير الوحيد لحقيقة الوضع.
وفي الظهور التصوري والظهور التصديقي قال السيد الصدر في الحلقات إذا سمعنا كلمة من مفرد كالمار من آلة انتقل ذهننا إلى تصور المعنى وكذلك إذا سمعناها من إنسان ملتفت.
وتسمى الأولى بالدلالة التصورية ، والأخرى التي تنشأ عند صدور الكلمة من المتلفظ والمتلقي بالدلالة التصديقية.
ولا دليل على هذا التباين بينهما .
ويمكن أن يستدل بقوله تعالى [مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ] ( )، و(عن الحسين بن خالد( )، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد عليهم السلام قال: إن سليمان بن داود عليه السلام قال ذات يوم لاصحابه: إن الله تبارك وتعالى قد وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ، سخر لي الريح والانس و الجن والطير والوحوش، وعلمني منطق الطير .
وآتاني من كل شئ، ومع جميع ما أوتيت من الملك ما تم لي سرور يوم إلى الليل، وقد أحببت أن أدخل قصري في غد فأصعد أعلاه وأنظر إلى ممالكي فلا تأذنوا لاحد علي لئلا يرد علي ما ينغص علي يومي.
قالوا: نعم، فلما كان من الغد أخذ عصاه بيده وصعد إلى أعلى موضع من قصره، ووقف متكئا على عصاه ينظر إلى ممالكه مسرورا بما أوتي فرحا بما أعطي إذ نظر إلى شاب حسن الوجه واللباس قد خرج عليه من بعض زوايا قصره.
فلما بصر به سليمان عليه السلام قال له: من أدخلك إلى هذا القصر وقد أردت أن أخلو فيه اليوم ، فبإذن من دخلت ؟ فقال الشاب: أدخلني هذا القصر ربه وبإذنه دخلت.
فقال: ربه أحق به مني، فمن أنت ؟ قال: أنا ملك الموت، قال: وفيما جئت .
قال: جئت لاقبض روحك، قال: امض لما أمرت به فهذا يوم سروري، وأبى الله عزوجل أن يكون لي سرور دون لقائه، فقبض ملك الموت روحه وهو متكئ على عصاه.
فبقي سليمان عليه السلام متكئا على عصاه وهو ميت ما شاء الله والناس ينظرون إليه وهم يقدرون أنه حي فافتتنوا فيه واختلفوا فمنهم من قال: إن سليمان عليه السلام قد بقي متكئا على عصاه هذه الايام الكثيرة ولم يتعب ولم ينم ولم يأكل ولم يشرب، إنه لربنا الذي يجب علينا أن نعبده.
وقال قوم: إن سليمان عليه السلام ساحر وإنه يرينا أنه واقف متكئ على عصاه، يسحر أعيننا وليس كذلك .
فقال المؤمنون : إن سليمان هو عبد الله ونبيه يدبر الله أمره بما شاء .
فلما اختلفوا بعث الله عزوجل الارضة فدبت في عصاه، فلما أكلت جوفها انكسرت العصا وخر سليمان عليه السلام من قصره على وجهه، فشكرت الجن للارضة صنيعها .
فلاجل ذلك لا توجد الأرضة في مكان إلا وعندها ماء وطين، وذلك قول الله عزوجل فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ يعني عصاه ، فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين)( ).
وقد ورد لفظ (دليلاً) في القرآن مرة واحدة وهو بخصوص الدلالة الوضعية التصورية كما في قوله تعالى أَلَمْ تَرَى إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً.
فالدلالة التصورية هي انتقال الذهن إلى معنى اللفظ بمجرد سماعه ، وإن لم يقصده اللافظ ، كما لو سمعه من الساهي والناهي ، وتحصل هذه الدلالة بمعرفة مفردات اللغة .
أما الدلالة التصديقية فالمراد منها دلالة اللفظ على أن المعنى مراد للمتكلم ، ولابد فيه من البيان والجهر ، وانتفاء القرينة على إرادة خلاف المعنى الحقيقي والمتبادر .
بين المصدر واسم المصدر
ان الإتفاق على ان المصدر المجرد عن اللام والتنوين لا يدل الا على الماهية المجردة لا موضوعية له في النزاع في المرة والتكرار، ولأنهما خارجان عن الماهية التي لا تتعدى في مفهومها ذاتها .
ولعدم ثبوت الملازمة بين المصدر وبين مادة الصيغة، ولا اتحاد بينهما، ولعدم الدليل على افادة كل منهما ذات المعنى، فاذا كان المصدر لا يدل على المرة والتكرار فلا يعني هذا ان المادة لا تدل عليهما، لذا قال الماتن (ضرورة ان المصدر ليس مادة لسائر المشتقات).
كي يستدل على اتحاده معها وافادته ذات المدلول، بل ان المصدر له هيئة مستقلة، والمصدر لا يفيد المرة أو التكرار .
وذهب جمع الى القول بالملازمة بين المصدر وصيغة افعل.
والمصدر لغة ما يصدر عنه الشئ ، أما في إصطلاح الصناعة النحوية فهو صيغة نوعية تدل على الحدث من غير تعيين للزمن مثل الإكرام .
أما اسم المصدر فهو أثر على المصدر لما فيه من معنى الفعل ولا توافق حروف الفعل .
والمصدر مثل : توضأت توضأ .
واسم المصدر مثل : توضأت وضوءً .
فتوضأ مصدر ، ووضوءً اسم مصدر .
ومن النحاة وعلماء اللغة من لم يفرق بين المصدر واسم المصدر في المعنى.
بين المادة والهيئة
مادة اللفظ هي ذات الحروف المرتبة مثل حروف زجر (ز ، ج ، ر) من غير شرط الإعراب والحركة .
أما الهيئة فهي الصور العارضة لتلك المادة ، مثل زجر ، زاجر ، مزجور.
وقد تلحظ المادة والهيئة معاً مثل وضع الأعلام الشخصية ، فتدل تسمية (القرآن) بأنه كلام الله المنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المعجز بكل سورة منه والمتعبد بتلاوته .
واستدل صاحب الفصول بان النزاع حاصل في الهيئة، وليس المادة بوجوه :
الأول : نص جماعة من العلماء عليه.
الثاني : تحرير الأكثر للنزاع في الصيغة، وهو يعني ان النزاع في الهيئة لأن الصيغة عبارة عن الهيئة.
الثالث : ان السكاكي حكى اتفاق العلماء، بان المادة وهي المصدر المجرد عن اللام والتنوين لا تدل الا على الماهية المجردة والمرة والتكرار خارجان عن الماهية.
اما بالنسبة للأول فلا يصلح للحجة لوجود قول يعارضه، والأصل في المقام التعارض بالإضافة الى عدم ثبوت حجية بعض الأقوال في المقام اصلاً لأن الأمر يستلزم الدليل العقلي او الشرعي.
اما الثاني فان الصيغة اعم من ارادة الهيئة بالإضافة الى ان محل تحرير النزاع قد تكون فيه نوع مسامحة، فهو يحرر بادنى ملابسة ويكفي الإتحاد الجهتي مع موضوع النزاع.
ومادة الأمر من المشتقات وهي موضوعة للفعل الذي يقوم به الفاعل مجرداً عن أي لحاظ خاص يتعلق بالفاعل، ولم توضع هذه المادة والهيئة بمجموعهما لا للمرة ولا للتكرار .
فالهيئة تدل على البحث والتحريك للحدث، والمرة يكفي لها صرف الوجود ليسقط الوجوب، بينما يستلزم التكرار الوجود الساري، وتعدد ايجاد الطبيعة، وهذا التعدد لا يستظهر من صيغة الأمر، بل من تركيب القضية الكلية وتعدد مصاديقها في الخارج كما في قولك “صم رمضان” فتعدد ايام الصيام ليس من صيغة الأمر بل من تعدد الأفراد غير الإرتباطية لأيام الصوم ولتعدد الحكم بتعدد الموضوع ، قال تعالى أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.
فكل يوم يقع عليه الأمر بالصوم، بينما تكون المرة الواحدة مستقرأة من القضية الجزئية والمتحدة التي لا تقبل التجزئة والتعدد كما في قولك “صل الظهر” فيحصل الإمتثال باداء صلاة الظهر لذلك اليوم، لأن الأمر بمادته لا يدل الا على ذات الحدث، والهيئة لصرف النسبة الطلبية.
وصيغة الأمر متعلقة بذات الحدث، وخطاب من الأعلى الى الأدنى يراد منه صدور الفعل من المخاطَب من غير ان يتضمن الإتحاد او التعدد سواء في مادته او هيئته ولا يتضمن افادة صرف الطبيعة والإكتفاء بمرة واحدة، وطرد العدم بتحقق مسمى الوجود.
ولا الوجود الساري الذي لا يتحقق الإمتثال به الا بافراد عديدة فمادة الأمر تتعلق بذات وماهية الحدث، اما هيئته فتدل على النسبة الطلبية.
بين الفورية والتراخي
المراد من الفورية هي الإمتثال على الفور ومن غير تأخير او ابطاء او تسويف اوان الإمكان .
اما التراخي فهو جواز الإبطاء والتأخر في الإمتثال عن قصد، وصيغة الأمر لا تتضمن احدهما.
واستدل الطرفان بادلة بادر المعاصرون الى ابطالها وتفنيدها، فالقائلون بالتكرار استدلوا بتكرار الصلاة كل يوم مع ان الأمر في القرآن ورد باقامة الصلاة من غير تفصيل او امر زائد عليه، ولكن التكرار جاء من السنة التي هي بيان للقرآن، والمصدر الثاني للتشريع سواء السنة القولية او الفعلية او التقريرية ، قال تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
وللقاعدة الكلية المستقرأة من القرآن والسنة وهي ان خطابات الفرائض انحلالية، فلا تؤدى مرة واحدة الا ما ورد به الدليل كالحج الواجب، وحتى الواجب فان استحباب الحج للمكلف يتجدد كل سنة .
و(عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: وأما ما يجب على العباد في أعمارهم مرة واحدة فهو الحج فرض عليهم مرة واحدة لبعد الامكنة والمشقة عليهم في الانفس والاموال، والحج فرض على الناس جميعا، إلا من كان له عذر)( ).
ويدل هذا الحديث في مفهومه على أن الأصل في التكاليف هو التكرار إلا أن يدل دليل خاص على كفاية المرة الواحدة .
فموضوعنا الدلالة اللفظية للأمر، ولم يدل على التكرار، والنقاش يظهر في قولك (اكرم العالم)، فهل يفيد تكرار الإكرام مع اختلاف آنات الزمان والأحوال ام تجزي المرة الواحدة.
اما قول الماتن (بان قضية اطلاقها تدل على جواز التراخي) فلا دليل عليه على نحو الاطلاق والعموم، فيمكن القول ان اطلاق الصيغة يدل على الفورية التي هي امر بسيط لا يحتاج الى مؤونة زائدة، والتراخي يستلزم تلك المؤونة .
و(وعن جعفر بن محمد عليه السلام انه سئل عن الرجل يسوف الحج لا تمنعه إلا تجارة تشغله أو دين له قال: لا عذر له، ليس ينبغي له أن يسوف الحج ، وإن مات فقد ترك شريعة من شرائع الاسلام)( ).
وقد يفيد الإطلاق التبادر والمبادرة الى الفعل لذا فان تعريف المصدر المجرد عن اللام والنون لا يدل الا على الماهية على ما حكاه السكاكي اجنبي عن المقام لأنه تعريف خاص بالصناعة النحوية .
والمراد منه الماهية المجردة من الخصوصيات، ولا صلة له بالمرة والتكرار حسب الإصطلاح الأصولي.
ووقع الخلاف بين مدرسة الكوفة والبصرة النحويتين، فالأولى قالت ان الأصل هو الفعل ثم اشتقت منه سائر المشتقات وهو المختار ، اما مدرسة البصرة فقالت ان المصدر هو الأصل وهو المشهور بين النحويين .
ولكن القدر المتيقن منه هو اصل الوضع الشخصي ثم تفرعه وانشطاره بحسب اللحاظ، وهذا المبحث بعيد عن المبحث الأصولي من المرة والتكرار , ولعل السكاكي حينما عرف المصدر لم يلتفت الى ارادة المرة والتكرار.
معنى المرة والتكرار
للمرة والتكرار معنيان :
الأول : المراد من المرة هو الإمتثال لمرة واحدة والإكتفاء بفرد واحد من الطبيعة المأمور بها ، أما التكرار فهو تعاقب الأفراد من ذات الفعل.
فيتحصل الإجزاء عند القائل بالمرة الواحدة باتيان فرد واحد من الطبيعة المأمور بها، اما التكرار فهو عدم تحقق الإمتثال الا بالإتيان بافراد متعددة من الطبيعة سواء على نحو طولي او عرضي.
الثاني: المراد من الدفعة سواء تحققت بمركب وافراد متعددة او بفرد واحد، فالمدار على الإندفاع لتحصيله في الخارج بامتثال متحد وان تعددت افراده، كما لو كان المكلف مأموراً بغسل الوجه مرة واحدة في الوضوء فسواء تحققت المرة بغرفة واحدة او غرفتين فانها تعتحسب غسلة واحدة.
والمراد من التكرار هو الإنبعاث لإتيان الفعل بعد الإنبعاث فالأمر باكرام العالم يتحصل بالإكرام بعد الإكرام سواء اتحد الموضوع والحال ونوع الإكرام ام اختلف وان حصل الإكرام الأول بعدة أفراد من الإكرام.
ومال الماتن الى تعلق الخلاف في المعنيين معاً، أي انه ينفي دلالة الصيغة على المرة او التكرار مطلقاً، اما ما أرده من الإشكال الذي وصفه بالوهم تضعيفاً له ومفاده اختصاص الخلاف بالأول، وارادة الفرد من الأمر وجعل هذا المبحث تتمة للمبحث الآتي “هل يتعلق الأمر بالطبيعة او الفرد” لأن المراد هو الفرد أو الطبيعة الموجودة في الخارج فيكون النزاع صغروياً في ارادة الفرد او الطبيعة فهما مما اذا اجتمعا افترقا واذا افترقا اجتمعا، فالطبيعة لا توجد في الخارج على نحو مطلق والقضية المهملة التي تتصف بالإتساع بل توجد على نحو التشخص الموافق لمفهوم الأمر والذي ينطبق عليه المراد ويتحقق فيه الإمتثال أي ان موضوع المرة والتكرار يحتاج الى بحث مستقل.
وقيل : البحث عن المرة والتكرار مما لا طائل تحته كالبحث عن الفور والتراخي، فان الأمر يصلح لكل منهما، ومن دون ان يكون له دلالة لفظية على احدهما.
ولكنه مبحث شريف وان كانت الثمرة منه ليست كبيرة لصعوبة العثور على دليل يرجح احدهما.
وقد عرفت في باب المشتق مباينة المصدر وسائر المشتقات بحسب المعنى ، فكيف بمعناه يكون مادة لها ؟ فعليه يمكن دعوى اعتبار المرة أو التكرار في مادتها ، كما لا يخفى (1) .
تقسيمات جديدة للمشتق
(1) يمكن إيجاد قسيم ثالت لمحل الخلاف في باب المشتق بخصوص الأعم من تبلس الذات بالمبدأ بالأعم من حال النسبة إذ وقع الخلاف في شموله لما إنقضى عنه التلبس يطلق عليه حقيقة أو مجازاً.
والقسيم الثالث هو التفصيل بأن يكون مجازاً مرة وحقيقة أخرى، ففي شهر رمضان يطلق اسم الصائم حقيقة على الذي يمتثل لقوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، ويطلق مجازاً عند ما ينقضي شهر رمضان ويفطر إذ يقال له أنه صائم مجازاً عند تناوله المفطر في نهار شهر محرم وغيره.
أما الذي أدى حج البيت الحرام فيطلق عليه أنه حاج وان إنقضى زمان الحج لنيله صفة الحج ولأن أداء الفريضة مرة واحدة في العمر ، ويشكل عليه بانتفاء الفارق بين الذي يتلبس بالمبدأ في الحال (اي حال النسبة) وأنه يؤدي الحج فعلاً في أيام الموسم وبين الذي أدى الحج قبل سنوات.
والتبادر من علامات الحقيقة ولا يكفي في رد هذا الإشكال والقول بأن التلبس بالحج حال النسبة أمر ظاهر للحواس والوجدان بأنه يكون في الديار المقدسة ويقوم بأداء المناسك . وهذا الأمر في المثال المذكور , ولكن المعنى أعم .
ويجاب بأن نفس الحدث الواقع في زمن مخصوص خارج عن محل النزاع لانه لا يتصور له بقاء حتى يتصور إنقضاؤه أو عدمه .
وكذا الأوصاف التي تلازم ذات الشئ مثل حمرة الدم ، والبرودة بالنسبة للثلج .
لذا ذكرنا بأن النسبة بين المشتق في علم الأصول والمشتق في علم الصرف هي العموم والخصوص من وجه . وأن مادة الإلتقاء هي اسم الفاعل والمفعول ، ومادة الإفتراق هي الأفعال.
ويمكن القول بتقسيم الحقيقة إلى قسمين، وأن منها ما يفيد التلبس بالحال ومنها ما يكون قد تلبس فيما مضى من غير أن ينتقل الأمر إلى المجاز للتباين بينهما وما انقضى التلبس لا يصلح عليه إلا أن يكون مجازاً وقد لا يصلح عليه أنه مجاز أي أدنى من مرتبة المجاز مثل الذي أصيب بمرض تم شفاؤه منه فلا يصح أن يقال أنه مريض ، خصوصاً وأن مثل هذه الحال تدخل في محل النزاع لاجتماع الأمور الأربعة وهي:
الأول : الذات التي تتلبس بالمبدأ .
الثاني : مبدأ الإشتقاق .
الثالث : مكان , وزمان التلبس وهو على ثلاثة شعب :
الأولى : إرادة المستقبل ، وعدم حصول التلبس في الزمن الحاضر .
الثانية : التلبس حال النسبة أي في ذات أوان التكلم أو القصد.
الثالثة : إنقضاء التلبس، بأن حصل في الزمن الماضي كمن كان مريضاً ثم تم شفاؤه.
الرابع : المبدأ وقد يكون صفة أو حرفة أو ملكة .
وعلم المشتق مستحدث لم يذكر في علم الأصول عند المتقدمين والمتأخرين , والثمرة منه قليلة وقد يكون سبباً للتوسع في مباحث أخرى تتفرع عنه .
المبحث التاسع : الحق أنه لا دلالة للصيغة ، لا على الفور ولا على التراخي ، نعم قضية إطلاقها جواز التراخي ، والدليل عليه تبادر طلب إيجاد الطبيعة منها ، بلا دلالة على تقييدها بأحدها ، فلا بد في التقييد من دلالة أخرى ، كما ادعي دلالة غير واحد من الآيات على الفورية . وفيه منع ، ضرورة أن سياق آيةوَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وكذا آية [فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ] ( ) إنما هو البعث نحو المسارعة إلى المغفرة والاستباق إلى الخير ، من دون استتباع تركهما للغضب والشر ، ضرورة أن تركهما لو كان مستتبعا للغضب والشر ، كان البعث بالتحذير عنهما أنسب ، كما لا يخفى (1)
تعدد الوجوه في الفور والتراخي
(1) هل تفيد صيغة الأمر على الفورية ولزوم المبادرة في الأداء والإمتثال ام انها تفيد التراخي وعدم لزوم المبادرة للإمتثال ويكون المكلف في مندوحة في وقت الأداء وله ان يمتثل بالزمن الأول للأمر وله ان
يؤخر الى الزمن الثاني والثالث وهكذا ، فيه وجوه .
الأول : انه يفيد الفورية، وبه قال الشيخ الطوسي .
الثاني : انه يفيد التوقف، وبه قال جماعة.
الثالث : انه يفيد الإشتراك بينهما، وبه قال السيد المرتضى.
الرابع : انه يفيد التراخي.
الخامس : لا موضوعية للفور او التراخي او للأعم منهما، ولا تتضمن الصيغة الدلالة على أحدهما.
السادس : لزوم التقديم لأن الإشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني وادلة البراءة القطعية حاكمة في المقام، ولكن قاعدة الاشتغال لا تدل على الفورية لعدم الملازمة بينهما، وقاعدة الاشتغال تعني تحقق الوجوب على المكلف ولزوم الامتثال، ولا تدل على أكثر من الطبيعة المهملة.
السابع : ينظر هل المأمور به مشروط بوقت يفوق أداءه بفوائد أو غير مشروط يومئذ .
الثامن : لحاظ القرائن الحالية والمقالية والعرفية.
التاسع : التبادر وموضوعيته في تقديم الحقيقة .
وفرق الماتن بين دلالة الصيغة وضعاً ودلالتها اطلاقاً وقال بان قضية اطلاقها وعدم التقييد باحدهما من الفورية او التكرار جواز التراخي، لأنه لو كان المراد الفورية لجاء البيان من المولى منعاً للجهل والغرر، ولأن الفورية قيد زائد على أصل طبيعة الأمر .
واستدل الماتن على عدم دلالتها على الفور او التراخي بتبادر طلب ايجاد الطبيعة منها بلا دلالة على تقييدها باحدهما من التقييد بدلالة اخرى وأمارة أو قرينة من الخارج تدل على إرادة الفور أو التراخي.
مع لزوم كثرة تخصيصه في المستحبات ، وكثير من الواجبات بل أكثرها ، فلا بد من حمل الصيغة فيهما على خصوص الندب أو مطلق الطلب ، ولا يبعد دعوى استقلال العقل بحسن المسارعة والاستباق ، وكان ما ورد من الآيات والروايات في مقام البعث نحوه إرشادا إلى ذلك ، كالآيات والروايات الواردة في الحث على أصل الاطاعة ، فيكون الامر فيها لما يترتب على المادة بنفسها ، ولو لم يكن هناك أمر بها ، كما هو الشأن في الاوامر الارشادية فافهم .
تتمة : بناء على القول بالفور ، فهل قضية الامر الاتيان فورا ففورا بحيث لو عصى لوجب عليه الاتيان به فورا أيضا ، في الزمان الثاني ، أو لا ؟ وجهان : مبنيان على أن مفاد الصيغة على هذا القول ، هو وحدة المطلوب أو تعدده ، ولا يخفى أنه لو قيل بدلالتها على الفورية ، لما كان لها دلالة على نحو المطلوب من وحدته أو تعدده ، فتدبر جيدا (1).
دليل قرآني على الفورية
(1) بالإضافة الى الصيغة فقد يوجد دليل آخر خارج الصيغة يدل على الفورية، لا بمعنى ان الصيغة لا تدل عليها ولكن للتوكيد والبرهان الخارجي، وبذا تكون الفورية هي الأصل الا ان يرد دليل آخر خارج الصيغة يدل على التراخي , فاستدل على الفورية بآيتين :
الأولى : قوله تعالى وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ )( ) فالمسارعة الى المغفرة تعني المبادرة الى التوبة واتيان الأفعال التي تؤدي الى المغفرة فالآية تعني الفورية في طلب مرضاة الله ومغفرته تعالى.
الثانية : قوله تعالى فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ.
فالآية حث على الإسراع وعدم التواني في ولوج أبواب الصالحات واتيان الواجبات.
وهذا الإستدلال اشكل عليه بان اسباب المغفرة كما في موضوع الآية الأولى، والخيرات كما في الآية اعلاه من سورة البقرة تصدق على الواجبات وعلى المستحبات، فكلها اسباب للمغفرة وباب للرحمة، ولكن المستحبات لا تجب المسارعة فيها لأنه يجوز تركها اصلاً، فيكون من باب اولى عدم وجوب المسارعة اليها فتضمنها للمستحبات والمسارعة فيها بحسب الآيتين يعني ان طلب المسارعة ليس على نحو الإلزام.
واستدل الماتن على عدم صحة الإستدلال بالآيتين من وجهين:
الأول : عدم ورودهما الا للبعث نحو المسارعة الى المغفرة (من دون استتباع تركهما للغضب والشر) أي ان الآيتين خاليتان مما يدل على كون ترك المسارعة سبباً لنزول الغضب الإلهي لأنه ليس من تحذير وانذار في الآيتين.
الثاني : كثرة تخصيص وجوب الفور بالمستحبات، وبعض الواجبات الموسعة في وقتها، فرد السلام مثلاًُ فوري، اما الأمر بالمعروف فقالوا انه ليس فورياً .
والمختار بعض مصاديق الأمر بالمعروف تكون في فوريتها وكثرة حسناتها اهم من رد السلام.
واذا كان التخصيص هو الأكثر باجتماع المستحبات وكثير من الواجبات فلا يصح افادة الفورية منهما لأنه لم يبق تحت عنوان العام الا القليل فيكون قرينة على صرف ظاهر الآيتين عن الوجوب الظاهر، فيحمل الأمر فيهما على استحباب الفورية الا ما دل الدليل على وجوب فوريته اوحملهما على مطلق الرجحان.
ونجيب على الإشكال الأول للماتن بان ثبوت الفورية او عدمها لا يتوقف على استتباع الترك بالغضب والشر كما قال ، اذ ان الآية القرآنية لها منطوق ومفهوم، فمنطوقها يدل على المسارعة ، اما مفهومها فيدل على العقاب لمن يتخلف عن امتثال امر الله تعالى، وتلك قاعدة كلامية فطرية معروفة عند المليين والعقلاء عامة، وتدل عليها شواهد قرآنية ، فالترغيب
بفعل الصالحات يدل في مفهومه على المؤاخذة لمن يعصي الله، وقالوا ان الأمر بالشيء يدل على النهي عن ضده كما سيأتي ان شاء الله.
القرآن والعقل
القرآن ما كان لفظه ومعناه من عند الله بوحي جلي، المنقول إلينا بين دفتي المصاحف تواتراً، وهو آخر الكتب السماوية المنزلة ولكنه تقدم عليها رتبة وشأناً وموضوعاً وأثراً وأتباعاً وجنوداً , فهو الإمام في الدنيا والآخرة، وكانت له موضوعية خاصة في تثبيت عقيدة التوحيـد في الأرض، وفي تعاهـد الفرائـض العباديـة وذلك من مصاديق الإعجاز الغيري للقرآن وليثبت بالواقع والوجدان علوه رتبة على الكتب السماوية الأخرى، ولتظهر الآثار الموضوعية لكلام الله عز وجل في الأرض، أي أن كلامه تعالى له وظائف عقائدية متجددة.
عن الإمام الصادق عليه السلام: لقد تجلى الله لعباده في كلامه ولكن لا يبصرون.
وحاول القائلون بعدم التسليم إلا بالمحسوسات ونقول ان المحسوسات هي دليل إثبات وجود الصانع أيضاً فقوله تعالى سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ نوع تحد، وهل القرآن حجة عقلية أم حسية.
الأنبياء السابقون جاءوا بحجج حسية كعصا موسى وناقة صالح، والرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم جاء بحجة عقلية هي القرآن دلالة على رسوخه وثبوته والمرتبة الرفيعة التي نزل فيها، والقرآن كلام يعجز الناس ويذعنون له صاغرين مسلّمين أنه ليس كلاماً للبشر، وعجزوا عن الإتيان ببعضه فمنهم من آمن، ومنهم من كفر، وحاربوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إذ إختار شطر منهم الحرب على الإسلام مع إقرارهم بالعجز وهم أهل فصاحة وبلاغة.
وكما أن القرآن حجة عقلية فقد جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بحجج حسية، والحجة العقلية أشرف من الحسية، فهو معجزة جامعة فاذ ينفرد القرآن بالحجج العقلية فانه يلتقي مع معجزات الأنبياء بالحسية , وفي القرآن تبيان كل شيء ومن وجوه التحدي القرآني في باب القتال قوله تعالىوَلَوْ قَاتَلَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوْا الأَدْبَارَ، والقرآن جاء للناس جميعاً، وفيه حفظ للآيات التي جاء بها الأنبياء وتوثيق لها وقد خلـق الله الناس متفاوتـين في المـدارك والعلـوم والإحساس والقرائح والطباع، وهذا التفاوت نوع تخفيف، وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للناس كافة , قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
ومن القواعد الكلامية كل ما عند الأنبياء من الآيات عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فما كان عند الأنبياء من الحجج الحسية لابد أن يكون عنده بالذات أو النوع ، والمحسوسات وحدها كافية كحجة على إتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجاءت معجزته العقلية وهي القرآن لتكون متجددة حاضرة في كل زمان بذات الطراوة، وهي هنا على نوعين سابقة عامة وحاضرة خاصة، فالسابقة أن الأنبياء السابقين دلوا أممهم على إتبــاعه صــلى الله عــــليه وآله وســــلم، وليس المراد من الحسيات في المقام المصطلح الكلامي وهو المدرك بالمشاهدة الظاهرة أو الباطنة إنما هي التي تدرك بالحواس سواء مما في السماء أو في الأرض وما بينهما والتي تتجسد بالهداية التكوينية والتشريعية.
أما الخاصة من الآيات الحسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مثل نبع الماء من بين أصابعه، وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل في مناسبات منها عند نزول قوله تعالى وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ، وتسبيح الحصى في كفه، وكلام الذراع المسموم، وحنين وسلام الشجر، وملازمة النصر والفتح له، على نحو إعجازي ظاهر ونحوها كثير مما يحكم بها العقل بمعاونة الحس الظاهر، أو قل بواسطة الحس، والنزاع في المقام صغروي، إذ أن المدار هو هذا الإنسان وإحساسه، وإن أختلف في تعريفه على وجوه :
الأول : هو هذا الحي الناطق.
الثاني : الشخص المرئي المدرك.
الثالث : إنه الجسد، عن بعض المعتزلة.
الرابع : إنه الروح كما عن النظّام.
الخامس : هو هذا الجسم الذي هو أعراض مجتمعة، عن ابن الراوندي، السادس : إنه الأخلاط الأربعة.
السابع : إنه عين من الأعيان لا يجوز عليه الإنقسام.
الثامن : هو شيء واحد في الحقيقة.
نحن لا نقول بخطأ تلك التعاريف، ولكن نريد تعريفاً يتعلق أو يتضمن الإشارة إلى أصل الخلقة والتكوين، المعرف حينما يعرف الإنسان هو أيضاً جزء منه.
والأولى ظهور مسحة الشكر والإقرار بالنعمة، وتكون صفة ملازمة للتعريفات الإسلامية للحقائق والكليات والمفاهيم ، ونعمة الخلق وإستدامة الحياة موجودة في تعريف الذات مثلاً يقال هو الناطق الذي نفخ الله فيه من روحه، وهو الذي ميزه الله بالعقل، وهو خليفة الله في الأرض، وفي التنزيلوَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً، إذ أن الجسم مطلقاً مركب وهو على أقسام:
الأول: إن كان على هيئته لم يطرأ عليه النمو فهو من الجماد.
الثاني : ما كان ينمو ولكنه خال من الحس، فهو النبات، ولا عبرة بما ذكر من إحساسات النباتات لعدم الإعتبار بها عند العقلاء.
الثالث : إن كان عنده حس ولكنه يفتقر إلى النطق فهو الحيوان.
الرابع : ان كان حساساً وناطقاً فهو الإنسان.
فالإنسان فرد الممكن، والعقل آلة العبودية يعرف به العبد وظائفه وواجباته وما له من الحقوق.
والغاية قد تدخل بالمغيى مثلاً، المرافق في آية الوضوء من جنس واحد فتدخل مع الجزء المغسول من اليد وإذا كانت من غير جنسه لا تدخل، والعقل عنوان الإكرام الإلهي للخلافة في الأرض والمتولي للعبادة فيها وما تعنيه من دوام الحياة والبركة عليها، وهل ميز الإنسان بالعقل فقط، بل بغير العقل من صفات التشريف الجواب هو الثاني نحن بحاجة إلى دراسات منها :
الأولى : خلق الله تعالى الإنسان في أحسن تقويم.
الثانية : النفخ فيه من روحه، وخلقه الأنعام.
الثالثة : الفارق في الحواس وأجهزة البدن.
الرابعة : النطق وموضوعيته ومنافعه.
الخامسة : خلق آدم في الجنة.
السادسة : في مراحل الولادة.
السابعة : أهلية الإنسان للنبوة وللإستجابة لها، وهل هي فرع العقل أم أعم من العقل.
الثامنة : عدد الأنبياء، وكثرتهم وتعاقبهم، وما هي وظائف النبوة .
التاسعة : توالي النعم على الناس مجتمعين ومتفرقين، قال تعالىوَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا.
شطر من الأصوليين جعل العقل دليلاً رابعاً، وشطر آخر منهم أضاف القياس وهو في إصطلاح الأصوليين كالتمثيل عند المناطقة، ويعني إثبات الحكم في جزئي لثبوته في جزئي آخر مشابه له كما في ثبوت أن النبيذ مشابه للخمر في جهة السكرية، وحكم الخمر الحرمة، فإذن النبيذ حرام للإشتراك والالتقاء جهة الإسكار وهو وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : كل مسكر حرام.
الصغرى : النبيذ مسكر.
النتيجة : النبيذ حرام.
تعريف العقل
والعقل هو :
الأول : الجوهر البسيط المحيط بجميع الأشياء المبروزة فيه , والحاكم عليها والقاضي بينها.
الثاني : هو قوة التمييز.
الثالث : قوة يفصل بها بين حقائق ومعلومات.
الرابع : المفارق للأجسام المدرك للكليات بذاته والجزئيات بالآلة.
الخامس : منهم من عرفه بأنه جسم لطيف نوراني هو آلة العلم.
السادس : إنه الخلق الذي أكرمه الله، وأكرم الإنسان عندما جعله فيه حين خلقه وهو الرسول الدائم عند الإنسان، اكثر العلماء المتقدمين ومشهور علماء المسلمين لم يذكر الدليل العقلي، ولكنه لايمنع من إستقراء توظيف العقل لإثبات حقائق التنزيل، فالمفيد مثلاً المتوفى سنة 413 هـ لم يذكر الدليل العقلي بل ذكر
أصول الأحكام ثلاثة الكتاب والسنة النبوية وأقوال الأئمة وجعل العقل طريقاً للوصول إلى هذه الأصول الثلاثة وقال عنه: هو سبيل إلى معرفة حجية القرآن ودلائل الأخبار.
وحذا الشيخ الطوسي المتوفى سنة 460 هـ في كتابه العدة حذوه، وقال بدليل العقل ابن ادريس ت 598 هـ وقال: اذا فقدت الثلاثة يعني الكتاب والسنة والإجماع فالمعتمد عند المحققين التمسك بدليل العقل فيها أي انه جعله بالمرتبة الثانية ويرد عند فقد الدليل، ووسع في حجيته العلامة الحلي، ولكن النقاش في الكبرى، وهي أن الدليل القرآني لا يفقد أبداً لأن الله عز وجل جعله جامعاً مانعاً، قال تعالىوَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ.
ثم ليؤتي بالأمثلة العملية التي يدعى فيها فقد الأدلة الثلاثة كي يبحث إمكان إستنباط أحكامها من الكتاب والسنة.
والمصـدر الأول في التشريع هو القرآن والسنة مبينة له وهي المصدر الثاني للتشريع، أما الإجماع فهو الكاشف عن السنة وعدم ثبوت الردع عن العقل، لذا عرف علم أصول الفقه بأنه ما يقع نتائج بحثه في طريق معرفة الوظيفة الشرعية.
ومنهم من زهد بدليل العقل وربما إتخذ العقل طريقاً للتزهيد بالعقل فيلزم الدور، أو أنه ذكر أدلة قابلة للمناقشة.
المخصص المتصل والمخصص المنفصل
أما الإشكال الثاني الذي ذكره الكثير من الأصوليين فانه غير مناسب للموضوع ، لأن الأمر ليس من العام والمخصص المتصل الذي يكون قرينة على ارادة ما عدا الخاص من العموم كقولك (اشهد ان لا اله الا الله) او المخصص المنفصل الذي يرد في كلام آخر مستقل قبله او بعده .
ويستقل المخصص المنفصل بنفسه ، وهو على ثلاثة وجوه الحس ، العقل ، الشرع الذي يسمى الدليل السمعي .
ومن التخصيص بالحس قوله تعالى تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا، فيدرك الإنسان بالحواس أن ريح عاد لم تدمر مدناً أخرى ، ولا عموم الأرض .
وأما التخصيص بالعقل مثل قوله تعالى اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ونعلم بالضرورة أن الله عز وجل ليس خالقاً لنفسه ، ومنهم من لم يقف عند التخصيص بالعقل .
ومن التخصيص بالسمع مثل قوله تعالى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، إذ قيدت السنة النبوية موضع القطع ، ومقدار مال السرقة الذي يلزم معه القطع ، وثبوت السرقة .
وفي صحيحة محمد بن مسلم (قال : قلت لأبي عبدالله عليه السلام : في كم يقطع السارق ؟ قال : في ربع دينار ، قلت له : في درهمين ؟ قال : في ربع دينار بلغ الدينار ما بلغ .
قلت له : أرأيت من سرق أقل من ربع دينار هل يقع عليه حين سرق اسم السارق ؟ وهل هو عند الله سارق.
فقال : كل من سرق من مسلم شيئا قد حواه وأحرزه فهو يقع عليه اسم السارق ، وهو عند الله سارق ، ولكن لا يقطع إلا في ربع دينار أو أكثر .
ولو قطعت أيدي السراق فيما أقل هو من ربع دينار لألقيت( ) عامة الناس مقطعين)( ).
والمعروف ان القرآن فيه عام وخاص، ولكن المسارعة إلى الخيرات في الاية من باب السبر والتقسيم أي ان المسارعة ذاتها فعل مأمور به .
أما بالنسبة للخيرات فتنقسم الى واجب ومندوب، فتكون المسارعة للواجبات على نحو الفورية والوجوب، وتكون المسارعة الى المستحبات فورية مستحبة، ولا تعارض بينها لتعدد الموضوع، ولأن القرآن بكلماته المباركة المحدودة يحيط باللامحدود من الوقائع والأحداث ، ولأننا لم نجد من يرد على هذا الإشكال قمنا بالرد هنا.
تقسيم الواجب
الأصل في الواجبات تقسيمها الى :
الأول : الواجب المؤقت ، وينقسم إلى شعبتين :
الأولى : الواجب الموسع ، مثل وقت صلاة الصبح ، وصلاظ الظهر .
الثانية : الواجب المضيق ، مثل صيام شهر رمضان .
الثاني : الواجب غير المؤقت ، وينقسم إلى شعبتين :
الأولى : الواجب الفوري .
الثانية : الواجب غير الفوري .
وقد ينطبق مخصوص على هذه الشعب الأربعة بحسب الحال ، والموضوع ، والدليل ، والأمن ، والقرينة الحالية ، والمقالية مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتارة يكون موسعاً وأخرى فورياً وهكذا.
فيكون معنى الفورية من الآيتين وإدراك العقل هو ان اتيان الموسع باول اوقاته على نحو الإستحباب، واثناء وقته على نحو الوجوب .
فصلاة الظهر يدخل وقتها عند الزوال ويستمر الى ما قبل غروب الشمس بمقدار اربع ركعات ، فافضل اوقاتها المبادرة الى اتيانها باول وقتها الا ان تأخيرها الى العصر تصدق معه الفورية، أي ان الفورية لها مراتب من الفضل فهي من الكلي المشكك .
بمعنى ان قوله تعالى وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، وقوله تعالى فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ، تدلان على الفورية كل بحسبه وبدليله وبحكمه التكليفي من الوجوب والإستحباب الا ان يرد مخصص لذات الفعل.
ويجوز معه تأخيره سواء كان المخصص من القرآن او السنة مما يتحصل معه الرجوع الى دليل آخر لمعرفة الفورية اوالتراخي، وبذا يكون الوصول الى مرتبة القيد ليس فورياً ومباشراً بل بالواسطة وبعد التدبر .
ويمكن الإستدلال بالآيتين على ان الأصل بالواجبات هو الفورية الا ان يدل دليل على التراخي.
وهذا لا يتعارض مع قول الماتن ان قضية اطلاق الصيغة جواز التراخي إذ ان المتكلم في مقام البيان وليس من دليل على تقييد المطلوب بقيد الفور او التراخي .
وحدة أو تعدد المطلوب
مع ان الماتن لم يقل بدلالة الصيغة على الفورية الا انه تعرض له وما يتفرع عنه فيما لو لم يحصل الإمتثال على الفور وفيه وجهان:
الأول: لو اخل بالفورية في الزمان الأول فيجب ان يأتي به في الزمان الثاني أي ان الوجوب يكون فوراً ففوراً بلحاظ ان الإخلال لم يحصل الا بزمان الفور الأول فيتجدد الخطاب والوجوب ويبقى المأمور به على حاله لتعدد المطلوب والمراد من الفورية، فالمصلحة تتقوم بأمرين :
الأول : الفورية.
الثاني : ذات الفعل.
فلا يسقط الأمر بالإخلال بالفورية، نعم عدم الإتيان به على الفور مفوت لمرتبة من مراتب المصلحة مع عدم انتفائها بل تبقى مع عدم العذر بمراتب ادنى مع كل زمان.
الثاني : التداخل بين المصلحة القائمة بنفس الطبيعة وبين المصلحة في الفورية والأداء في الزمان الأول فاذا لم يأتِ بالمأمور به في الزمان الأول، فتنتفي المصلحة في الفعل لأنها متقومة بالفورية وتفوت بفواتها، وهذا هو مراده (بوحدة المطلوب) وكأنه من عمومات انتفاء المشروط بانتفاء شرطه.
ويمكن ذكر وجه ثالث وهو بقاء الأمر وموضوعه مع سقوط الفورية، فلو لم يأت بالفعل على الفور فان الفورية تسقط ولكن المصلحة في الفعل باقية وهي ان يؤتى به قضاء فيما بعد سواء على القول بالمواسعة او المضايقة.
ولكن القول بوحدة المطلوب ليس مطلقاً انما يعرف بالقرائن أي الأصل هو التعدد وليس البراءة من الوجوب فيما عدا الزمان الأول كما ذهب اليه بعض الأساطين.
ويدل على التعدد أصالة الإشتغال، وقاعدة نفي الحرج، وعمومات اللطف الإلهي، والإنابة والتدارك .
لذا قال الماتن بأن هذا التفريع لا تدل عليه الصيغة حتى على القول بالفورية، فانها لا تدل على أكثر من إرادة صرف الطبيعة فوراً ، فلا تدل على وحدة المطلوب وسقوط الأمر بعدم الإمتثال على الفور، او على تعدد المطلوب وهو تجدد الفور مع كل زمان .
فالصيغة لا تتضمن هذا التفصيل المتعلق بما بعد زمان الفور، ولابد من الرجوع الى دليل آخر او الأصل سواء الإشتغال او البراءة عن الوجوب فيما عدا الزمان الأول والعقل يحكم بالإشتغال، ووجوب تفريغها لذا شرع القضاء في العبادات وعدم سقوطها حتى مع انعدام شخص المخاطب، للزوم براءة الذمة كما في قضاء الصلاة والصوم والحج عن الميت .
نعم لو كان هناك اطلاق لفظي مثبت لوجوب الفور وعلى نحو وحدة الموضوع او تعدده فهو دليل ، كما في النصوص الواردة في القضاء عن الميت فقد وردت النصوص بها.
الفصل الثالث
الاتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الاجزاء في الجملة (1)
قانون الإجزاء
(1) كان جمع من الأصوليين يعنونون الموضوع هل يقتضي الأمر الإجزاء او لا ، باستصحاب لفظ الأمر في العناوين ولتعلق الموضوع والمعنون بفعل المكلف وامتثاله وليس بالأمر بدل العنوان والتساؤل فيه بان اتيان المأمور به هل يقتضي الإجزاء او لا .
فصار العنوان (الإجزاء) لأن الإتيان بالمأمور به جامعاً للشرائط والقيود يجزي في باب الإمتثال والإجزاء من المباحث العقلية، وليس من مدلولات الإلفاظ اطلاقاً او وضعاً، لأن معرفة الإجزاء او عدمه يعرف بحكم العقل وهو الذي يستقل بمعرفة كفاية الفعل، وان الإتيان به بعد امتثاله من تحصيل الحاصل وليس من صيغة الأمر مادة او هيئة، اذ ان صيغة الأمر تبعث على اداء الفعل.
ويسقط مع الإجزاء الأمر ويكون مبرئً للذمة فلا يستلزم اتيانه مرة اخرى لا اعادة ولا قضاء، والإعادة مثل اعادة الصلاة في وقتها، والقضاء الإتيان بها خارج وقتها كصلاة الظهر تقضى في الليل.
وهذا لا يمنع من المعنى اللغوي للإجزاء ويعني الإكتفاء، وقد يراد من الإجزاء كفاية الفعل المأتي به عن مأمور به آخر ككفاية صلاة الفريضة في المسجد عن ركعتي تحية المسجد.
وقال الماتن (في الجملة) ويريد منه ان الإمتثال يكون على اقسام فتارة يأتي مطابقاً للحكم الواقعي، وفيه الإجزاء بلا اشكال كما لو رأى المكلف هلال شوال بنفسه فيجب عليه الإفطار في اليوم التالي.
أو يتحقق الإجزاء باتيان المأمور بالحكم الظاهري البديل عند غياب الحكم الواقعي فيكون مجزياً وبديلاً عنه كما في شهادة البينة على رؤية الهلال
وقبل الخوض في تفصيل المقام وبيان النقض والابرام ، ينبغي تقديم أمور : أحدها : الظاهر أن المراد من ( وجهه ) – في العنوان – هو النهج الذي ينبغي أن يؤتى به على ذاك النهج شرعا وعقلا ، مثل أن يؤتى به بقصد التقرب في العبادة (1).
وترتب الحكم عليها مع ان البينة قد تخطأ، وقد يؤتى بالمأمور به وفق الحكم الإضطراري فانه يكون مجزياً كما لو صلى عن جلوس، وقوله (بلا شبهة) لصحة الإمتثال وانعدام المانع، وتحقق الإجزاء عقلاً وشرعاً، والفرق بين الإتيان وعدمه، بالإتيان يسقط الأمر وبعدمه يبقى متعلقه.
قانون الإمتثال
(1) لابد من تحديد لمعالم الفعل الذي يؤتى به امتثالاً، وهذا التحديد والتعيين يترشح من الأمر المولوي وخصائصه ليكون المأتي به مطابقاً للمأمور به سواء من جهة الشرع او من جهة العقل، فمن الأول الطهارة والإستقبال والستر وعدم غصب المكان في الصلاة مثلاً، اما من النهج عقلاً فكما في قصد القربة على القول بانه قيد عقلي لأن العقل يحكم بلزوم التقرب الى الله عز وجل ليتحقق الإتيان بالمأمور أي من وجه المأمور به ان لا يكون رياء، لأن العقل يدرك عدم صحة التقرب بالمبغوض وان كان قصد القربة جزء تابعاً من متعلق الأمر ولكنه لا يمنع من موضوعيته في كيفية الإمتثال والطاعة عقلاً اذ انه لا دليل على التفصيل والفصل بين الأمر الذي له موضوعية في العبادة ، والأمر الذي له شأن عقلاً .
فقد يكون الشرط او القيد له موضوعية عقلاً وشرعاً معاً كما في قصد القربة وان اختلفوا فيه، وهو الأنسب لعمومات ما يحكم به الشرع يحكم به العقل والمراد من حكم العقل هو ادراكه للأشياء وخصائصها وليس البعث لأدائها او النهي عنها خصوصاًَ وان العقل هو مناط التكليف وله قوة التمييز بين الحق والباطل.
وقد ورد قوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] ثماني مرات في القرآن وورد قوله تعالى [إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ] مرتين ، مرة في آية البطانة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ( ).
وورد قوله تعالى [أَفَلَا تَعْقِلُونَ] ثلاث عشرة مرة في القرآن .
ويدل هذا التعدد على وجوب تسخير العقل للعمل بالأحكام التكليفية ، وسبل النجاة في النشأتين .
قاعدة التحسين والتقبيح العقلي
من القواعد الأصولية قاعدة التحسين والتقبيح العقليين فقد اختلف الأصوليون هل يحكم العقل بان للأفعال حسناً وقبحاً او انه ليس مؤهلاً للحكومة ولم تكن له تلك الوظيفة.
وذكر ان حكم العقل هو ادراكه وليس له بعث وزجر، وان حكمه هو ادراكه لإستحقاق فاعل الحسن المدح، وفاعل القبيح الذم فعنده حكم مستقل من جهتين :
الاولى : يستطيع العقل ادراك الحسن والقبح الذاتيين للأفعال، وهذه المسألة تدل بدلالتها الإلتزامية على ان للأفعال ماهية ذاتية مستقلة من غير ان يترشح عليها حكم الشرع.
الثانية: ان فاعل الحسن يمدح، وان فاعل القبيح يستحق الذم عقلاً قبل أن تصل النوبة إلى موافقة الأولى ، والجهة الأولى أعلاه من الإدراك والثانية من الحكم.
ونفى الأشاعرة هاتين الجهتين للعقل وقال المعتزلة يقال عقل يعقل عقلاً وعقل فهو عاقل من قوم عقلاء، وضد العقل : الحمقْ.
وعن الإمام الباقر عليه السلام : قال: لما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له: اقبل فاقبل ثم قال له: ادبر فادبر .
ثم قال له: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو احب الي منك ولا اكملك الا فيمن احب، اما اني إياك آمر وإياك أنهى وإياك اعاقب وإياك اثيب( ).
ومن وظائف العقل العلم بالفرائض والنواهي والتمييز بين الحق والباطل وهو جوهر مجرد قائم بذاته ومفارق في فعله، مجرد عن المادة ومحله الرأس , وقيل انه قوة في القلب تقتضي التمييز.
لقد جعل الله عز وجل العقل رسولاً دائماً عند الإنسان وآلة للعلم حتى على قول بعض الفلاسفة انه مادة وطبيعة، وكما ان وظيفة البصر التمييز بين المرئيات، والسمع التفريق بين المسموعات كذلك القوة العاقلة تميز بين المدركات بما فيها المحسوسات .
فالعقل يستقل بالإدراك من غير الرجوع الى الشرع ابتداء في حسن الأشياء وقبحها.
نفي الأشاعرة للحسن والقبح العقليين
أنكر الأشاعرة اتصاف الأشياء بالحسن والقبح عند العقل، بل المناط على حكم الشارع فما حسنه الشارع فهو حسن شرعاً وعقلاً وما قبحه فهو قبيح ولو عكس الأمر وجعل الشارع الحسن قبيحاً لأصبح كذلك ولتحول الوجوب الى الحرمة بالإضافة الى ظاهر القول بالجبر والإضطرار وان المجبور ليس عنده فعل يتصف بالحسن او القبح ، ثم ان الحسن والقبح له وجوه:
الأول: الكمال والنقص , فيقال العلم والكرم حسنان، والجهل والبخل قبيحان لأن الأولين لهما صفة كمال والأخيرين لهما صفة نقص.
الثاني: ملائمة النفس ومنافرتها ويقعان بذلك وصفاً للأفعال.
الثالث: المدح والذم.
والأخير هو محل النزاع.
تبعية العقل لحكم الشرع
الأشاعرة قالوا بعدم استقلال العقل دون الشرع ، وتتفرع عن هذه المسألة قاعدة اخرى وهي قاعدة الملازمة بين حكم العقل والشرع وهي مركبة من أمرين يستحق كل منهما ان يكون قاعدة مستقلة خصوصاً وانه اتفق على القسم الأول منها وهو تبعية حكم العقل للشرع واختلفوا في الثاني وهو تبعية حكم الشرع لحكم العقل.
الأول: ما يحكم به الشرع يحكم به العقل.
الثاني: ما يحكم به العقل يحكم به الشرع.
والمختار هو الأول أعلاه لأن الشارع سيد العقلاء فاذا حكم بوجوب امر فلابد ان فيه نفعاً ومصلحة، واذا حكم الشرع بحرمة شيء فلابد ان فيه مفسدة يدركها العقل فحينئذ يحكم العقل بمقتضـى ذلك المــلاك ، وفي التنزيل [اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ].
وقد تكرر قوله تعالى أعلاه خمس مرات في القرآن ، وفي كل مرة له دلالته ومعناه بلحاظ الموضوع والحكم ، كما يمكن الجمع بينها بتخلف الناس عن ادراك ماهية الأشياء .
اما ما يحكم به العقل ويدرك حسنه او قبحه فهل يحكم الشرع طبقاً له لأنه سـيد العقلاء ولعدم التعارض بين حكم الشرع وحكم العقــل لأن العقل شرع داخلي فليس بين حكميهما تعارض فيلتزم بالإطلاق بان ما حكم به احدهما يحكم به الآخر.
لقد انكر جماعة تلك الملازمة لأن وجود الحسن والقبح في الفعل اعم من ملازمة حكم الشرع لحكم العقل لأن ملاكات الأفعال لا يعلمها الا الله عز وجل وهي من باب المقتضي وليس من العلة التامة التي تحتاج الى جانب المقتضي فقد المانع فقد يرى العقل الملاك ولكن الشارع ينظر الى فقدان شرط او وجود مانع او حكم ثانوي له الحكومة كقاعدة لا ضرر ولا ضرار.
واستشهد ايضاً بافعال الصبي فهو يدرك المصالح في الأفعال كانقاذ الغريق، والصدق في الكلام، وقبح الكذب ومع هذا فان الشارع لم يلزمه ايجاباً وتحريماً ويشكل عليه بان يلزمه بقدر عقله فيعزر في بعض الأفعال القبيحة والمنهي عنها ويؤدب او يوبخ، ومن ذلك الأحكام الواجبة والمحرمة في بدء التشريع او اسلام قوم بحيث لو جاءت الأحكام على نحو دفعي للزمت النفرة والحرج.
ولحكمه باستحالة التكليف بلا بيان حكم الشارع بالبراءة أو مسألة ترك الضد مقدمة للضد الواجب فإذا كان تركه واجباً ففعله حرام ، مثلاً بترك الصلاة لإنفاذ غريق وإزالة النجاسة عن المسجد.
هذه الأمور حقيقة واقعية يدركها العقل النظري وهو قوة تقبل ماهيات الأمور الكلية.
وهي من الأوليات أي القضايا التي يصدق بها العقل لذاتها أي بدون سبب خارج عن ذاتها مثل “النقيضان لا يجتمعان”، والكل أعظم من الجزء و(القرآن كلام الله).
أو الفطريات التي قياساتها معها فالعقل لا يصدق بها بمجرد تصوير طرفيها كالأوليات، بل لابد لها من وسط ولكنه يستلزم الطلب والفكر.
كذلك (محمد خاتم النبيين) باستحضار الشاهد القرآني والبراهين العقلية والتأريخية والمصاديق الفعلية .
ويدل عليه قوله تعالى مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا، لتأتي الشواهد العقلية تؤكد هذا التنزيل ، ومنها إنقطاع المعجزة بانتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى .
والحق أن النزاع في حجية العقل بين القائلين به من المعتزلة وبين غير القائلين به من الأشاعرة بل وجماعة قليلة من الإمامية نزاع صغروي لأن المدار على حكم الشرع وفي القرآن تبيان لكل شيء قال تعالى وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ.
والأصول العملية مثلاً كأصالة الإشتغال والبراءة لا يستدل بها الا عند غياب النص من القرآن والسنة.
التصورات
إنقسم الفلاسفة الغربيون في التصورات إلى قسمين :
الأول : العقل يدرك بذاته مجموعة من المفاهيم من دون أن يحتاج إلى الحس، كقول ديكارت بالنسبة لمفهوم الله عز وجل والنفس من الأمور غير المادية كالطول والعرض ونحوه من الأمور التي يستلزم ادراكها بالحواس.
الثاني : ذهن الإنسان صفحة بيضاء والإتصال بالموجودات الخارجية يتم بواسطة الحس ويؤدي إلى ظهور الخطوط والصور فيه ، قال ابيقور بأن العقل خال من أي شيء إلا ما كان مقطوعاً به في الحس.
ويمكن القول بأن العقل وبعد اقراره بالنبوة يجب ان ينقاد إلى أحكامها وهذا ما لا يختلف في اثنان والعقل طريق مبارك دائم لاثبات وجود الصانع وعون على الهداية.
ويمكن بيان ذلك بذكر الوجهين من خلال النصوص:
الأول : حجية التنزيل والسنة ، قال تعالى فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ.
الثاني : اتخاذ العقل طريقاً لفهم الشريعة كما في قولهم عليهم السلام: أن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة عليهم السلام، وأما الباطنة فالعقول).
لا خصوص الكيفية المعتبرة في المأمور به شرعا فإنه عليه يكون ( على وجهه ) قيدا توضيحيا ، وهو بعيد ، مع أنه يلزم خروج التعبديات عن حريم النزاع ، بناء على المختار ، كما تقدم من أن قصد القربة من كيفيات الاطاعة عقلا ، لا من قيود المأمور به شرعا(1).
حسن الإمتثال
(1) يناقش الماتن قيد المراد (على وجهه) ليتحقق الإمتثال والأجزاء خصوصاً وان البحث يجري فيما يضم الواجبات وانه لا ينحصر بالأمر به بل يشمل الإجزاء ماهية الفعل الذي يأتي به العبد امتثالاً وطاعة، والمراد من (على وجهه) ليس كيفية اداء المأمور به من جهة الشرع فقط كالقيام والركوع والسجود في الصلاة وان كانت اركاناً واجبة .
وتبطل الصلاة بتركها ولو كانت كذلك لأصبح (على وجهه) توكيداً وقيداً توضيحياً كما لو قلت اكرم المؤمن الذي يحافظ على الصلاة فكل مؤمن يحافظ عليها، او جالس العالم المتعلم، فكل عالم متعلم، ولكن قولك جالس العالم العامل هو قيد احترازي.
وقال الماتن (وهو بعيد) لأنه خلاف الأصل في القيود وللنصوص وحكم العقل ولعدم سقوط الأمر الا بعد صحة الإمتثال الشاملة لجميع الشروط والقيود.
وأشكل الماتن على إرادة خصوص الكيفية الشرعية من وجهين:
الأول: ان (على وجهه) يكون حينئذ قيداً توضيحياً وليس شرطاً له كما انه خلاف الأصل والإيصار اليه الا مع القرينة.
الثاني: يلزم خروج التعبديات من النزاع اذا قلت ان (على وجهه) يراد منه الكيفية المعتبرة شرعاً فقط وليس شرعاً وعقلاً اذ لا يصدق الإمتثال في العبادات من غير قصد القربة وهو قيد عقلي شرعي .
والعبادات هي اهم موارد بحث الأوامر ولابد من الإجزاء في اوانها وسقوط أمرها.
والنقاش مع كلام الماتن من وجوه :
الأول : ان عبارة (من وجهه) ليست قرآناً او نصاً عن المعصوم بل هي عبارة وجدت في بعض الكتب الأصولية كالعدة والفصول وتقريرات الشيخ الأنصاري وظاهر القوانين.
الثاني : ان ارادة الكيفية الشرعية ليست علة تامة لجعل (من وجهه) قيداً توضيحياً خصوصاً وان المراد هو الأمر الشرعي.
الثالث : اختلف في موضوعية قصد القربة وقد ذكرنا فيما تقدم ستة عشر وجهاً لقصد القربة، منها انه شرط شرعي عن متعلق الأمر، ومنها انه قيد عقلي .
والمختار انه قيد شرعي وعقلي، فلا مانع من اجتماعهما، لأن الشارع يحكم بارادة الإمتثال لأمر الله تعالى عند اتيان الفعل العبادي خصوصاً مع القول بالملازمة بين حكم الشرع وحكم العقل.
الرابع: قوله (انه يلزم خروج التعبديات عن حريم النزاع على المختار) المدار ليس على المختار ووجوه الخلاف، والا فكلما يحصل اختيار جديد لابد من تغيير مفاهيم العلوم وقوانينها، ويكفي ما جعل المتقدمون والمتأخرون من القيود الشرعية خصوصاً مع عدم التنافي بين القيدين.
وعلى القول بان العقل له حكم وانه لا يقف عند حدود الإدراك، فان حكمه لا يكون مستقلاًَ عن الشرع ويحتاج مؤونة زائدة بحيث اذا جاءنا امر قرآني نظرنا قبل الإتيان به ماذا يضيف له العقل في حكمه وقيوده، كي يكون الإمتثال موافقاً للشرع والعقل .
فهذا تشديد على النفس ولا أصل له ، وخلاف سماحة الشريعة واحتياط خلاف الإحتياط، بل بالعكس اذا ثبت ان النصوص تدل على كفاية الكيفية المعتبرة في المأمور به شرعاً فعلينا حينئذ موضوعية قصد القربة سواء بالدلالة التضمنية أو الإلتزامية .
بمعنى انه يجب علينا ان نستقرأ معنى وماهية (قصد القربة) من النصوص خصوصاً وانه مبحث عقلي وزج حكمه في العبادات والأوامر ضمن المسائل المستحدثة اللاحقة زماناً على عصر العصمة، ولابد من التمييز بين ما موجود اصلاً في الشريعة وما مستحدث منها وان كانت الحداثة متعلقة بالتفصيل والبيان كي لا تستأنس العقول الى المستحدث والجديد حتى يصبح وكأنه جزء من التشريع ثم تترتب عليه الآثار مما يضر بأصل الأحكام والشرائع .
ومما تتصف به الشريعة الإسلامية انها متكاملة وناسخة للشرائع وجامعة ومانعة من التحريف والتغيير والتبديل.
الخامس: على فرض ارادة خصوص الكيفية المعتبرة في المأمور به شرعاً فلا يعني هذا ان لفظ (من وجهه) قيد توضيحي، لأن إجماع علماء المسلمين على لزوم كون المأتي به مطابقاً للمأمور به، فما دام قصد القربة شرطاً وقيداً للفعل العبادي فلابد ان يكون من افراد الكيفية المعتبرة في المأمور به شرعاً.
ولا الوجه المعتبر عند بعض الاصحاب، فإنه مع عدم اعتباره عند المعظم، وعدم اعتباره عند من اعتبره ، إلا في خصوص العبادات لا مطلق الواجبات – لا وجه لاختصاصه بالذكر على تقدير الاعتبار ، فلا بد من إرادة ما يندرج فيه من المعنى ، وهو ما ذكرناه ، كما لا يخفى(1).
النية بين الوجوب والندب
(1) الوصف في العبادات ان تنوى اداءها بالتقييد هل هي واجبة ام مندوبة، كما لو نويت لوضوء صلاة الظهر: اتوضأ الوضوء الواجب قربة الى الله، اما الغاية فهي ان تنوى الفعل العبادي لوجوبه او لندبه بلحاظ غايته.
وهذا المعنى للوجه غير مقصود هنا لأن المشهور لم يقل باشتراطه نعم ادعى في التذكرة الإجماع على وجوب ايقاع الفعل على وجهه أي استحضار نية الوجوب او الندب، كما نسب الى المشهور ولكن هذه النسبة بحاجة الى دليل وقال الشيخ المفيد والطوسي في النهاية والمحقق الحلي في المعتبر بعدم وجوبه، ونسب عدم الوجوب الى مشهور المتأخرين وهو المختار كما بيناه في مباحث الفقه( )، نعم قال السيد المرتضى بنية الإستباحة، وقال الشيخ الطوسي بلزوم نية الرفع.
ومن لم يقل باشتراط هذا الوجه في العبادات تراه يعقد مبحث الإجزاء بهذه الصورة فلابد ان المراد من الوجه في مقام الإجزاء غير المعنى الإصطلاحي في الفقه، كما ان الذي قال بموضوعيته اشترطه في العبادات دون مطلق الواجبات كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعلى قول المشهور به كما قال جماعة فانه لا يصلح معنى للوجه.
وعلى هذا استظهر الماتن ارادة معنى الوجه على ذلك النهج شرعاً وعقلاً ، ولا نقاش في الكبرى لأن قاعدة الإشتغال تقتضي الإتيان بالفعل العبادي والإمتثال على الوجه الأتم الا ان النقاش في الصغرى وهي ثبوت افراد من النهج المراد عقلاً ولم تثبت شرعاً.
أما قصد القربة فمع الإختلاف والإحتمال يبطل الإستدلال انه عقلي، بل هو شرط شرعي عقلي فيدخل ضمن القيود الشرعية.
نحن بحاجة في علم الأصول الى الإنطلاق من المصاديق الى القواعد الكلية على نحو الإستقراء ، لا ان نكتفي بصياغة قواعد عقلية ثم نرتب عليها آثاراً إلا ان تكون تلك القاعدة مقتبسة ومستقرأة من الكتاب والسنة الشريفة وكأنه من البرهان الإني الذي يعني الإستدلال من المعلول الى العلة .
أما هذا فيبدأ من المصاديق الى القاعدة ولنسميه (التشابه) أي ان الأفراد والأمثلة تلتقي وتتشابه لتكون قاعدة كلية ولتستبين الأمور لأن كثيراً من المصاديق ليست مؤهلة لأن تكون مصدراً.
مصطلح الإقتضاء
الماتن يقسم مصطلح الإقتضاء الى معنيين :
الأول: هو العلية والمؤثرية أي انه يستند إلى فعل أو أمر واقعي بمعنى ان يكون هذا الفعل مؤثراً لحصول الإمتثال واسقاط الأمر، ولذا يستند الى الإتيان وليس اللفظ ليكون مبحث الإجزاء مبحثاً عقلياً وليس لفظياً فيقال ان الإتيان بالمأمور به هل يقتضي الإجزاء، او المبغوض هل يبطل العبادة
فيشمل المبحث البعث الأكيد أو الزجر الحاصلين بالدليل غير اللفظي كالإجماع.
الثاني: الكشف والدلالة والحكاية بحسب ما تقتضيه الصيغة ودلالتها على الفور والتراخي مثلاً او المرة والتكرار، او العيني او الكفائي والمعنى الثاني هو الشائع والمتعارف للإقتضاء كما في قولك الأمر يقتضي الوجوب، والنهي يقتضي التحريم.
وهو يختلف في الإجزاء اذ يتعلق بالمعنى الأول، هذا في اصطلاح المتأخرين ، أما المتقدمون فانهم نسبوه الى الأمر والصيغة، ولكن هناك مغايرة
إن قلت : هذا إنما يكون كذلك بالنسبة إلى أمره ، وأما بالنسبة إلى أمر آخر ، كالاتيان بالمأمور به بالامر الاضطراري أو الظاهري بالنسبة إلى الامر الواقعي ، فالنزاع في الحقيقة في دلالة دليلهما على اعتباره ، بنحو يفيد الاجزاء ، أو بنحو آخر لا يفيده .قلت : نعم ، لكنه لا ينافي كون النزاع فيهما ، كان في الاقتضاء بالمعنى المتقدم (1)
بين الأمر والإجزاء إذ أن الأمر يدل على الكشف وثبوت الأمر، بينما يكون الإتيان بالمأمور به مجزياً وسبباً لسقوط الأمر.
مراتب الحكم
(1) أي ان ارادة معنى العلية والتأثير خاصة بالمأتي به المطابق للحكم الواقعي:
الأول : الحكم الواقعي : وهو الحكم الشرعي الثابت لموضوعه في نفس الأمر الذي لم يتسرب اليه الشك ولم يكن جزء لموضوع حكم وفيه المصلحة التامة فالأحكام بواسطة الإمارات اوالأصول العملية لا تدخل فيه.
ويثبت الحكم الواقعي بالدليل القطعي من القرآن والسنة والإجماع ويسمى الدليل الإجتهادي وقد يكون الحكم الواقعي فرعياً ويثبت لموضوعه بحصول طارئ ويسمى حينئذ بالحكم الثانوي، كما في حرمة دخول المغصوب الا انه اذا كان لنجاة غريق او اطفاء حريق مثلاً يتبدل الحكم لتبدل الحكم الثابت الى حكم مترشح مما طرأ .
والحكم الثانوي يختلف عن الإضطراري لعدم فقده خصائص الدليل الإجتهادي ولأنه قد يكون بنحو الرخصة والإباحة.
والحكم الواقعي على شعبتين :
الأولى : أولي .
الثانية : ثانوي .
الثاني : الحكم الظاهري : وهو الحكم الذي يتعذر معه الدليل القطعي ويكون الشك متسرباً الى موضوعه او ان الحكم الواقعي فيه مجهول فيصار الى الحكم الظاهري .
فتدخل الأمارات والأصول العملية في مصدر ودليل الحكم الظاهري لأن اللجوء اليها يتضمن الشك في الحكم الواقعي والحكم الظاهري ادنى رتبة من الواقعي ودليله يسمى الدليل الفقاهتي مثل البراءة والإستصحاب ، والإحتياط ، والتخيير ، بينما يسمى دليل الحكم الواقعي بالإجتهادي.
والأولى تسمية دليل الحكم الواقعي تسمية أخرى غير الدليل الإجتهادي لأن الدليل فيه جلي وبيّن ، فلا موضوعية للإجتهاد فيه ، قال تعالى مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ.
الثالث : الحكم الإضطراري : وهو الحكم الذي تبدل وتغير عنوانه بسبب طرو حالة الإضطرار، ومراد الماتن ان الإتيان بالمأمور به على نحو العلية والتأثير ينحصر بالحكم الواقعي دون الظاهري والإضطراري فقد يكون دليلهما منحصراً بحال اخذ الشك في الموضوع او الإضطرار اليه بمعنى انه بسبب طرو حالة الشك او القهر وليس في الحال الخالية منهما والتي جاء بها الخطاب التكليفي وهي الغالب وان دليلهما لا يفيد الإجزاء في حال الحكم الواقعي وعدم طرو الشك او الإضطرار.
فالحكم الواقعي ملاكه العلم والقطع وعدم الجهل ، أما الحكم الظاهري ما لم يأت دليله على نحو القطع والجزم والرجوع إلى الأدلة الإجمالية سواء الحكمية كاخبار الآحاد أو الموضوعية كالبينة وسوق المسلمين.
أما الحكم الإضطراري فلا مدخلية فيه للجهل بل هو حكم بديل عن الحكم الواقعي بسبب طرو حال الأضطرار ، كما يصلح أن يكون بديلاً عن الحكم الظاهري.
والإضطرار الحاجة الشديدة ، قال تعالى فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (قال: إن عمار بن ياسر أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالايمان فأنزل الله عز وجل فيه [إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ] ( ) فقال له النبي صلى الله عليه وآله عندها : يا عمار إن عادوا فعد، فقد أنزل الله عذرك وأمرك أن تعود إن عادوا)( ).
وقد اشتهرت قاعدة : الضرورات تبيح المحظورات .
قلت : نعم ، لكنه لا ينافي كون النزاع فيهما ، كان في الاقتضاء بالمعنى المتقدم (1) ( )
الحكم بالأجزاء
(1) فيشمل الشرع واللغة والعرف، فالشرع يحكم ايضاً بالإجزاء والمدار في المقام على حكم الشرع ، فالشارع الذي شرع الإتيان بالفعل بالحكم الواقعي الثانوي والحكم الإضطراري وجعلهما بعرض واحد مع الحكم الواقعي عند تعذر مستلزماته وشرائطه فحينما شرعهما لابد انه أمضى حكمهما وقرن الإجزاء بهما كما هو ظاهر الآيات القرآنية والنصوص فلا تصل النوبة الى حكم العقل فضلاً عن ادعاء استقلاله بالحكم.
لذا تجد من المتسالم بين عامة الناس الإجزاء بالحكم الظاهري والإضطراري الا ان هذا لا يمنع من دراسته في علم الأصول واثبات الإجزاء بهما.
وإستدرك الماتن بقوله (نعم) وهو حال عن كون المأتي به علة تامة لحصول الغرض فحينئذ يجوز تبديل الإمتثال والإتيان بفرد آخر منه، وقيد التبديل باخراج الإنضمام فان الفرد الجديد وان كان من ذات السنخية الا انه لا يكون منضماً للمتعبد به اولاً .
لأن المأمور به متحد وليس متعدداً بلحاظ ان المطلوب متحد ، والمراد صرف الوجود، وليس مجموع فردين وانضمام أحدهما الى الآخر، وان وردت نصوص تفيد ان النوافل متممة للفرائض ولكن موضوعها مختلف فان الإجزاء يحصل باداء الفريضة وايجاد طبيعتها في الخارج اما الإتمام فيتعلق بالثواب والأجر والتدارك.
وقال الماتن (وذلك فيما علم ان مجرد امتثاله لا يكون علة تامة لحصول الغرض وان كان وافياً به لو أكتفى به)
وقيد الماتن جواز تبديل الإمتثال والتعبد ثانياً بما اذا علم ان مجرد امتثاله الأول لم يكن علة تامة للغرض، وتنصرف العلة عند اطلاقها الى الفاعل، واذا إستتبع شيء شيئاً آخر .
فالأول يكون علة، والعلة يحتاجها المعلول في وجوده او في وجوده وماهيته، لذا فان إطلاق لفظ العلة على حصول الغرض لا يخلو من مسامحة او هو مجاز لأنه حتى على القول بان العلة تؤثر في ايجاب الصفة للغير فانه يعني وجود شيء والتأثير فيه.
والمراد من حصول الغرض الذي يعبر عنه احياناً بالداعي الذي يحكي الإرادة المترتبة عن العلم الفائدة المترتبة بالإتيان بفرد واحد.
وقوله (وان كان وافياً) يمكن ان يدخل في موارد الإعادة ويأتي احتياطاً واحترازاً.
ثم جاء الماتن بمثل في المقام وهو أمر السيد لمولاه بان يأتيه بماء ولم يشرب بعد .
ولكنه قياس مع الفارق ، فما يرد في باب العبادات لا ترقى اليه هذه الأمثلة، لأن المدار على الإمتثال ومطابقة المأتي به المأمور به ولعظيم رحمته ومغفرته سبحانه فهو الذي يقبل الناقص ويجعله تاماً قال تعالىفَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ .
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فاذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم ( )، ولقاعدة (الميسور لا يسقط بالمعسور) وما لا يدرك كله لا يترك كله ( ).
والعبد مأمور بالإتيان بالفعل على الوجه المأمور به وليس ناقصاً، فالله سبحانه لا يرد الفعل العبادي او يجعله معلقاً اذا كان جامعاً للشرائط، وجعل الروايات الواردة في اعادة من صلى فراداً جماعة دليلاً عليه، أي دليلاً على تبديل الإمتثال والتعبد ثانياً، وفيه أمور:
أولاً: انه قياس مع الفارق.
ثانياً: ان المسألة جاءت بدليل خاص ، وكأنها قضية في واقعة ولطرو أمر مستحدث راجح وهو صلاة الجماعة.
ثالثاً: ان الأمر ليس من الإعادة بل يتعلق باختيار الأحسن والأفضل ويدل بالدلالة التضمنية على الإجزاء بالفرد الأول الذي جاء به فرادى.
وفيه وردت احدى عشرة رواية كما في الوسائل، منها صحيحة هشام بن سالم عن ابي عبد الله عليه السلام يصلي معهم ويجعلها الفريضة ان شاء، وقوله : ان شاء يفيد التخيير واستحباب اتيان الصلاة جماعة , وروي انه يحسب له افضلهما وأتمهما، ولكنه لا يدل على مفهوم التبديل ولا ينفي كون الإمتثال الأول علة تامة لسقوط الأمر بل يؤكده ويثبته.
والأمر الندبي بالإعادة ليس ارشاداً الى جواز تبديل الإمتثال، ومثلا يقوم بعض الصالحين باعادة الصلاة لمدة تكليفهم ستين سنة ونحوها إحتياطا , او قيام بعض العلماء والمؤمنين بالإستئجار له في صلاته بعد وفاته.
ثم ان اعادة الصلاة جماعة أجنبية عن موضوع عدم الإجزاء ، لأن الصلاة الإنفرادية الأولى صحيحة ومجزية , وموضوعنا يتعلق بعدم الإجزاء في الأولى.
تحقق الغرض
وضرب الماتن مثلا في كفاية ما كان وافياً ولم يكن علة تامة لحصول الغرض كما لو جاء العبد لمولاه بماء ليشربه ، ولم يشرب بعد ويناقش كبرى وصغرى، اما الكبرى فان المقام يتعلق بالعبادات والإجزاء بفرد منها او عدمه، والمثل أجنبي عنه جملة وتفصيلاً فعدم حصول الغرض والداعي الى الأمر وعدم سقوط الملاك يتعلق بمزاج الإنسان وكيفية تصرفه وأثر النفس الشهوية والغضبية في أعماله .
أما في العبادات فان الله تعالى قال أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى )( )، وهو اللطيف الخبير يتعاهد الصالحات بالإنماء والبركة ولكن هذا لا يعني صحة العمل الناقص بل انعدام الواسطة بين الفعل العبادي الصحيح والفاسد، فاما ان يكون الفعل مقبولاً عند الله تعالى وأما انه غير مطابق للمأمور به فيستلزم الإعادة في الوقت , والقضاء خارجه ، لقاعدة الإشتغال ، إذ يلزم الإشتغال اليقيني الفراغ اليقيني .
وما أوسع الأمثلة الشرعية وفيها بيان وتقريب للمعنى , وقد يفيد بعضها الإعادة احتياطاً, او الوضوء على الوضوء نور على نور ومن الإحتياط ما هو خلاف الإحتياط وفيه تشديد على النفس، لذا ذكر الماتن الروايات الواردة بخصوص اعادة الصلاة الإنفرادية جماعة، ولكنه جعلها مؤيدة لقوله، ويتحصل أمران:
الأول : عدم مناسبة المثل وما فيه من الإبتعاد عن ماهية الموضوع وتشتيت مسائله .
الثاني : عدم دلالة ما ذكره على قوله، لأن اعادة الصلاة جاءت بطرو راجح شرعي ونفع عام للمصلي والجماعة والصلاة وهي ليست من التبديل بمكان، لذا لم ترد اعادة المصلي صلاته الإنفرادية بذات الأداء، أو أداء الصلاة جماعة على نحو الإنفراد.
أما الصغرى في مناقشة المثل الذي أورده الماتن فان إهراق المولى للماء أعم من ارادة ماء آخر وعدم سقوط حقيقة الأمر وان كان أصل طلب الماء للشرب فربما بدا للمولى اجتناب الشرب او انه نوى الصيام خصوصاً في الصوم المندوب الذي تستمر نيته الى الغروب.
فالإمتثال بالأمر الواقعي والإضطراري او الظاهري يسقط الأمر به ويتحصل الغرض الا ما ورد به دليل، وليس من تعبد ثان لأن التكليف بالفعل العبادي في المرة الواحدة متحد وليس متعدداً فيكفي إمتثال واحد ولا يلزم إمتثالين، والمأتي به بالأمر الظاهري او الإضطراري انما هو امتثال جاء الدليل النقلي به فهو تشريع.
في الحكم
من أسماء الله تعالى (الحاكم) و(الحكيم) فهو الذي أتقـن الأشياء وأنزل القرآن كتاباً جامعاً وجعل الإسلام شريعة كاملة لها أحكامها وسننها، وللحكم عدة تقسيمات بحسب اللحاظ والجهة ويقسم بحسب مراتبه الى:
الحكم الإقتضائي : أي ان المقتضي للحكم في هذه المرحلة موجود كما انه يتصف بالحسن وفيه مصلحة ونفع، ولكن بعض شروطه مفقودة او ان المانع موجود، اذ ان العـلة التامة لا تنحصر بالمقتضي بل تستلزم أمرين وجود المقتضي وفقد المانع.
مرحلة الإنشاء : وهي إجتماع شرائط إنشاء الحكم وتشريعه بتحقق المقتضي وفقد المانع ولكن إرادة العمل به لم تتم بعد، وكأنه لا زال معلقاً بالنسبة لعمل المكلف به أو أن مرتبته تتخلف عن الحكم النهائي لها كما في جواز الكلام في الصلاة، ثم شرع تحريمه، او عدم الإقتراب من الصلاة في حال السكر، ثم حرم شرب الخمر مطلقاً، والصيام كان مستحباً في بداية الإسلام ثم اصبح في السنة الثانية للهجرة واجباً، بنزول قوله تعالىيَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ.
وهكذا ففي هذه المرحلة الخاصة بهذا الحكم لا يلزم ولا يجب إتيان الفعل، وكذا بالنسبة للأحكام الواقعية التي قامت الأمارة على خلافها كما لو كان الهلال موجوداً , ولكن وجود السحب الكثيفة والغيوم جعل شهادة البينة متعذرة فأدى الى إتمام العدة.
مرحلة فعلية الحكم : وتعني اجتماع مقومات الحكم وأسبابه وشرائطه وتحقق قصد الإلزام من الآمر وتقيد المكلف بإتيانه عندما يحصل تبليغه بالحكم أي أن المكلف في هذه المرتبة لم يتم علمه وإطلاعه وتبليغه.
مرحلة التنجز: وهي علم المكلف بالحكم الفعلي وترتب الثواب على إتيانه والعقاب على تركه، والأكثر من الأصوليين يكتفي بمرتبتـين الإنشـائي والفعــلي .
تحويل القبلة حكم اقتضائي
تحـويل القبلـة كان ومنذ بداية الإسلام حكماً إقتضائياً ينتظر تحقق اسبابه وشروطه وزوال المانع فهو حتمي، وتشريعه يدل على حالة من الإرتقاء والعز والمنعة عند المسلمين ، قال تعالى قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ.
وذكر عن ابن عباس: أوّل ما نسخ من القرآن القبلة) ( ).
وهل يمكن ان يكون نسخ القبلة برزخاً ومثلاً في الإصطلاح الأصولي لتضمن القرآن للناسخ فقط، او انه من النسخ، لا مانع من هذا التقسيم وهو جعل النسخ على مراتب وان وجود الناسخ وحده ادنى رتبة من وجود الناسخ والمنسوخ معاً في القرآن .
الجواب هذا التقسيم ممكن على فرض وجود مصداقه، أما القبلة فهي نسخ في القرآن بدليل قوله تعالى وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا، فهو نسخ قرآني وان دلّ بالدلالة التضمنية على القبلة السابقة.
ولقد وردت نصوص في شرف الكعبة والبيت الحرام وفي أوان تحويل القبلة، وفي الفقيه: “ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى مدة مقامه بمكة إلى بيت المقدس ثلاث عشر سنة، وبعد مهاجرته إلى المدينة سبعة أشهر)( ).
وفي مدة صلاة النبي إلى بيت المقدس وهو في المدينة، أقوال:
الأول : عن ابن عباس: سبعة عشر شهراً.
الثاني : عن البراء بن عازب: ستة عشر شهراً او سبعة عشر شهراً ذكره مسلم في صحيحه.
الثالث : عن معاذ بن جبل: ثلاثة عشر شهراً( ).
الرابع: عن أنس بن مالك: انما كان ذلك تسعة اشهر او عشرة اشهر( ).
اخرج عن تويلة بنت اسلم( ) قالت:”صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيليا فصلينا سجدتين ثم جاءنا من يخبرنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد إستقبل البيت الحرام، فتحول الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال، فصلينا السجدتين الباقيتين، ونحن مستقبلوا البيت الحرام، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك فقال: اولئك قوم آمنوا بالغيب( ).
وفي الحديث إكرام للذين بادروا إلى الإستجابة لتحويل القبلة، ولم يشددوا على أنفسهم، بل لم يطلبوا البينة , وظاهره كفاية خبر الواحد.
والكعبة قبلة إبراهيم ومولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسرة الأرض ووسطها ومنها إبتدأ دحوها.
وفي تغيير القبلة إكرام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وإرجاع الحكم إلى اصله ليكون له الدوام فهو نسخ في الحكم , وإحلال للدائم محل المؤقت، وتوكيد على حاجة الناس لبعثته كي تؤتى العبادات على الوجه الأتم والأكمل، وفيها ايضاً مدح للمسلمين لأنهم مادة النسخ والتصحيح وتنجز التشريع، ويدل على أهليتهم لحفظ الحكم الدائم والناسخ من غير تبديل او تحريف.
ومن الشبهات على تغيير الكعبة أن الجهات كلها متساوية في جميع الصفات، وتحويل القبلة من جهة إلى جهة مجرد عبث لا يصدر من الحكيم ولكن الأحكام تابعة للمصالح والمفاسـد، وان الأشرفية لا ينحصر ادراكها باوهام البشــر بل هو في علـم الله، والغايات من نسخ القبلة أعم من موضوعها، فهو تأديب وإرشاد للمسلمين وتنمية لملكة الإستجابة لأمر الله ورسوله قال تعالى وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.
ومن الآيات أن تحويل القبلة طاعة لله ورسوله في آن واحد ومحاكاة ونصرة لفعل النبي، ثم ان اليهـود كانوا يعيّرون المسلمين عند استقبال بيت المقدس.
إن نعت أهل الجدال بالسفهاء بيان للخلل في مقدمات احتجـاجهم وإضـعاف له ويدل بالدلالة التضمنية على وهنه وعدم ترتب الأثر عليه، وهو من البديع وفيه رمي لقولهم بالوهن لأنه صادر عن ضعف العقل، بالإضافة إلى تقوية عزائم المؤمنين وتثبيتهم على الأمر الجديد في موضوع القبلة.
لقد أرادوا قذف الشك والريب في قلوب المسـلمين فجاءت هذه الآيــة سلاحـاً لتثبيـت القبلـة الجديدة وترسيخ أحكامها في نفوس المسلمين وإلى يوم القيامة، وجعلتهم لا يلتفتون إلى تلك الأقاويل ويتجاوزونها بفخر وعز وحال من اليسر لما في آيات القبلة من التخفيف والإعانة.
وجوه المفهوم
للمفهوم ثلاثة معان أخصها: ما يقابل المنطوق فيتعلق بالدلالة الإلتزامية للجملة خبراً كانت أو إنشاء فمثلاً: صم شهر رمضان وأنت حاضر ومقيم، هذا هو المنطوق، أما مفهوم هذا القول فهو إن كنت مسافراً غير مقيم فليس عليك وجوب صيام ذلك اليوم بالذات.
لذا يمكن تعريف المفهوم بانه: حكم لم يرد في اللفظ بالخصوص ولكنه مستقرأ من اللفظ ومعناه بسـبب خصـوصية فيه، بينمـا المنطوق عبـارة عن حكـم يـدل عليه اللفـظ ومادته وهيئته وهو من الدلالة المطابقية والتضمنية، وأما المفهوم فانه من الدلالة الإلتزامية وينقسم المفهوم إلى قسمين:
مفهوم الموافقة: ويسمى أيضاً المفهوم الموافق وهو الموافق في سنخيته وموضوعه للحكم في المنطوق إلا أنه يختلف عنه بالرتبة بحيث ينتزع الحكم للتساوي والشبه بينهما، أو للأولوية ولعمومات وحدة الموضوع في تنقيح المناط وكون الحكم في الفرع أو كد منه في الأصل، فمن باب أولى عدم زجرهما أو كما في قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: فدين الله أحق، ويسمى هذا المفهوم بفحوى الخطاب أيضاً لأن الحكم في الأقرب أو الأدنى يستلزم الحكم بالأبعد أو الأعلى إلا مع الدليل على الخلاف.
مفهوم المخالفة : وهو الذي يكون فيه الحكم مخالفاً لسنخ وماهية الحكم الموجود في المنطوق وله أبواب عديدة وهي :
● مفهوم الشرط.
● مفهوم الوصف .
● مفهوم الغاية .
● مفهوم الحصر.
● مفهوم العدد .
● مفهوم اللقب.
الحكم التكليفي والوضعي
قيل الحكم عند الأصوليين هو ذات الخطاب الإلهي ، إما عند الفقهاء فهو أثر الخطاب ، وقال بعضهم بالتفصيل بأن الأول قديم والثاني حادث ، ولم يثبت هذا التفصيل صلة للقدم والحداثة في المقام .
وقوله تعالىوَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ يكون الحكم عند الأصوليين هو ذات الخطاب في الآية الكريمة ، أما عند الفقهاء فالحكم هو وجوب الصلاة المستقرأ من هذه الآية الكريمة ، أما الآية فهي دليل الحكم .
وقال الآمدي : الحكم خطاب الشارع بفائدة شرعية تختص به إستبدل كلمة (الله تعالى) بكلمة الشارع، ليدخل في لفظ الشارع السنة والإجماع والقياس وغيرها .
لذا جاء قول ثالث وهو أن هذه المصادر معرفة لحكم الله سبحانه وتعالى ومبينة له .
ورأى بعض الأصوليين إبدال كلمة (مكلفين) في التعريف بكلمة (عباد) ليدخل الحكم الوضعي فيه .
والخطاب المتوجه إلى المكلف، وهو على أقسام ثلاثة :
الأول : الفعل .
الثاني : الترك .
الثالث : التخيير .
أما الحكم الوضعي فهو خطاب الله الذي يتضمن تعليق شيء على شيء مثل السببية أو الشرطية أو المانعية .
والفارق بين الحكم التكليفي والوضعي على وجوه :
الأول : إختصاص الحكم التكليفي بالمكلفين ، فلا يشمل غيرهم ، أما الحكم الوضعي فهو أعم إذ يشمل متعلقات أفعال الصبي كالعبادات المستحبة منه والضمان فيما يتلفه او يسرقه، وصحة البيع والوصية من الصبي المميز في بعض الأحوال .
ويختص الحكم التكليفي بمقدور المكلف , قال تعالىلاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا.
إذ أن التكليف بما لا يطاق عبث ، والعبث محال على الشارع .
ويتعلق الحكم الوضعي بغير مقدور المكلف مثلما يتعلق بما هو مقدور فتشمله الصحة والبطلان مثل عقد البيع ، إذ تنتقل ملكية المبيع للمشتري ، وتنتقل ملكية الثمن إلى البائع في حال صحة العقد.
وكما في عقد النكاح إذ يترتب عليه حلية تمتع كل من الزوجين بالآخر ، ووجوب نفقة الزوجة على الزوج .
فسمي الحكم الوضعي لأن الشارع وضع أموراً سميت أسباباً وشروطاً وموانع .
ويستدل على التكليفي بقوله تعالى وَآتُوا الزَّكَاةَ، فهو تكليف وبمقدور المكلف ، وجاز تعلقه بغير المكلف مثلما هو جائز في المكلف فمن لا يكون عنده النصاب لا يجب عليه شيء، وكذا بالنسبة للحج , قال تعالى [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً] ( )، فهو أمر يقدر عليه المكلف عند الإستطاعة ، وإذا لم تتوفر الإستطاعة فلا وجوب للحج على المكلف .
وذكروا مثلاً للحكم الوضعي ما جاء فى قوله تعالى أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا، بلحاظ أن دلوك الشمس ليس بمقدور الإنسان ولا من فعله .
وجاءت الآية أعلاه بياناً وتفصيلاً للحكم التكليفي، وهي في طول قوله تعالى وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ، وليس في عرضه، ودلوك الشمس هو زوالها عن كبد السماء على التحقيق وأوان صلاة الظهر ثم العصر وهو المروي عن الأمام الباقر والصادق عليهما السلام ( )، وبه قال الحسن ومجاهد وقتادة.
وعن ابن عباس وابن مسعود هو الغروب ، وغسق الليل هو ظلامه للدلالة على صلاة المغرب والعشاء.
وقوله تعالىوَأَقِمْ الصَّلاَةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ، وزلفاً جمع زلفة وهي المنزلة أي منزل من منازل الليل وأي ساعة من ساعاته .
و(عن واثلة بن الأسقع قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه علي . فأعرض عنه ، ثم أقيمت الصلاة ، فلما سلم قال : يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه علي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل توضأت ثم أقبلت؟ قال : نعم . قال : وصليت معنا؟ قال : نعم . قال : فاذهب فإن الله قد غفر لك .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أنس قال : « كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل فقال : يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه علي . فلم يسأله عنه ، وحضرت الصلاة فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما قضى الصلاة قام إليه رجل فقال : يا رسول الله إني أصبت حداً فأقم عليّ كتاب الله . قال : أليس قد صليت معنا؟ قال : نعم . قال : فإن الله قد غفر لك ذنبك .
وأخرج البزار وأبو يعلى ومحمد بن نصر وابن مردويه عن أنس بن مالك : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار عذب غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات فماذا يبقين من درنه؟ قال : ودرنه إثمه .
وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار على باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات)( ).
وطرقاه المغرب والعداة [وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ] صلاة العشاء الآخرة ، كما في صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام .
و(عن أبى حمزة الثمالي – بضم الثاء- قال : سمعت أحدهما يقول : ان عليا عليه السلام أقبل على الناس فقال : أى آية في كتاب الله أرجى عندكم ، فقال بعضهم إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ قال : حسنة وليست اياها فقال بعضهم يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ قال : حسنة وليست اياها .
وقال بعضهم وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ قال : حسنة وليست اياها ، قال : ثم أحجم الناس فقال : ما لكم يا معشر الملسمين ، قالوا : لا والله ما عندنا شئ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول : أرجي آية في كتاب الله وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ وقرأ الاية كلها ، وقال : يا على والذى بعثنى بالحق بشيرا ونذيرا ان أحدكم ليقوم إلى وضوئه فتساقط عن جواحه الذنوب ، فاذا استقبل ـ الله ـ بوجهه وقلبه لم ينفتل عن صلوته وعليه من ذنوبه شئ كما ولدته امه ، فان اصاب شيئا بين الصلاتين كان له مثل ذلك حتى عد الصلوات الخمس ثم قال : يا على انما منزلة الصلوات الخمس لامتي كنهر جار على باب أحدكم فما ظن أحدكم لو كان في جسده درن ثم اغتسل في ذلك النهر خمس مرات في اليوم أكان يبقى في جسده درن ؟ فكذلك والله الصلوات الخمس لامتى)( ).
وأبو حمزة الثُمالي –بضم الثاء- ثابت بن دينار تشرف بصحبة أربعة من الأئمة عليهم السلام هم الإمام علي بن الحسين والإمام الباقر عليه السلام والإمام جعفر الصادق ، وفترة وجيزة مع الإمام موسى بن جعفر ، وهو ثقة .
وعن الإمام الرضا عليه السلام : أبو حمزة الثُمالي كسلمات في زمانه ، توفي سنة (150 للهجرة) وقيل بعد هذا التأريخ ، بينما توفي الإمام الصادق عليه السلام سنة (148 هجرية) ، وقد أخبره الإمام الصادق بأوان وفاته وهو من علم المنايا والبلايا .
وروى عن الإمام السجاد رسالة الحقوق ، والدعاء المعروف دعاء أبي حمزة الثمالي وما فيه من الحكمة المتعالية والمفاهيم العقلية والروحية ، وإذا ورد قول أبي حمزة الثُمالي عن أحدهما أي الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام .
أقسام الحكم التكليفي
الحكم التكليفي يقسم إلى خمسة أقسام وهو مشهور الأصوليين شهرة عظيمة :
الأول : الوجوب : وهو الأمر باتيان الفعل على نحو الجزم ، ولا يجوز تركه، كاقامة الصلاة اليومية الواجبة .
الثاني : المندوب : وهو الأمر بالفعل بغير جزم وقطع ، فيجوز تركه من غير أن يترتب إثم على هذا الترك كصلاة النافلة، وصوم التطوع .
الثالث : المكروه : وهو النهي عن الفعل بغير جزم، أو قل طلب تركه بغير جزم أو إلزام ، مثل خلف الوعد.
الرابع : الحرام : النهي عن الفعل بطريق الجزم وترتب الإثم على إتيانه، ويسمى الحرام كالزنا , وأكل الربا .
الخامس : التخيير : في ذات الفعل بين إتيانه أو تركه , ويسمى الإباحة ليتمتع المكلف فيه بحق الإختيار في الفعل أو عدمه.
وقد يرد المنع عن الفعل المكروه بصيغة النهي والزجر بعرض واحد مع الحرام ، ولكن تستقرأ الكراهية من القرائن والجمع بين النصوص كما لو جاء نهي وجواز في ذات الموضوع .
وهل إستعمال النهي في المكروه حقيقة أو مجاز .
الأقرب أن إستعماله في المكروه حقيقي وليس مجازياً، ولكن طبيعة النهي لها أفراد طولية متباينة بحسب الجزم بالترك أو عدمه ، وأضاف أتباع أبي حنيفة قسمين للأحكام التكليفية الخمسة الوجوب والندب والإباحة والكراهة والحرمة لتكون سبعة، فقسموا الواجب إلى فرعين:
الأول : الفرض الواجب الثابت بدليل قطعي في ثبوته ودلالته , ويسمى فرضاً.
الثاني : الواجب وهو الثابت بدليل ظني .
وقسموا الحرام إلى فرعين :
الأول : النهي الثابت بدليل قطعي ويسمى حراماً .
الثاني : النهي الثابت بدليل ظني ويسمى مكروهاً تحريماً .
تقديم الحكم الأخف
لو توجه للمكلف حكمان ، أحدهما أثقل من الآخر ، ففي ترجيح أحدهما وجوه :
الأول : تقديم الحكم الأثقل .
الثاني : ترجيح الحكم الأخف .
الثالث : التخيير بينهما التفصيل فان كان بين العبد وبين الله تعالى أخذ بأيسرهما ، وما كان في حقوق العباد أخذ باثقلهما وأحوطهما وأبرأ للذمة.
والأقوى هو تقديم الحكم الأخف , لقوله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ، قال تعالى وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، وقال تعالى مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ.
وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (إن الدين يسر لن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا و قاربوا ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا)( ).
(وروي أن رفقة كانوا في السفر فلما قدموا قالوا يا رسول الله ما رأينا أفضل من فلان كان يصوم النهار فإذا نزلت قام يصلي حتى نرحل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كان يمهد له ويكفيه ويعمل له فقالوا نحن قال : كلكم أفضل منه)( ).
وقد يختلف الفقهاء في مسألة على قولين أخف وأشد أو التخيير ،
والنصوص الواردة في التيسير كثيرة .
ولما ورد في الخبر بأن النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم : إذا عرض أمران أخذ بأيسرهما .
ولقاعدة الإجزاء والقدر المتيقن وأصالة البراءة ، ومنع الحرج في الدين .
وأستدل بقاعدة (لاضرر ولا ضرار في الإسلام) ولكنها أجنبية عن المقام لأن الأصل في التزاحم بين الأثقل والأخف إنتفاء الضرر في كل منهما.
وقيل يرجح الحكم الأثقل لأنه أكثر ثواباً .
التزاحم بين التكليفي والوضعي
لو حصل تزاحم بين الحكم التكليفي كالوجوب والحرمة ، والوضعي ، كالسبب والمانع أو الوصف بالصحة أو الفساد .
وهناك نوع ملازمة وترابط بين الحكم التكليفي والوضعي ، فالزوجية حكم شرعي وضعي الأصل فيه الندب والإستحباب ، ولكن تترشح عنه أحكام تكليفية مثل وجوب إنفاق الزوج على زوجته ، ووجوب تمنع أحدهما بالآخر .
والملكية حكم وضعي ، وكذا الإرث ، إذ أن موت المورث سبب لانتقال الملك إلى الورثة ، وفيه أحكام تكليفية باخراج الدين وإمضاء الوصية ، قال تعالى مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ، وقال تعالى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
وفي التزاحم في المقام وجهان :
الأول : ترجيح الحكم التكليفي لانه مقصود بذاته ، وهو الأكثر في الأحكام ، وهو سبب تحصيل الثواب .
الثاني : تقديم الحكم الوضعي لأنه لا يستلزم فهم المكلف للخطاب، ولا قدرته على الأداء والفعل كما هو حال التكليفي ، وقد يقال بانتفاء التزاحم بين الحكم التكليفي والوضعي ، للتباين الموضوعي وترتب الحكم على الموضوع .
فمثلاً من الحكم الوضعي السبب مثل إيقاع الطلاق سبب لنشر الحرمة بين المطلق والمطلقة .
وعلم الفقه جامع للخطاب التكليفي والوضعي ، لان موضوع الفقه هو أفعال المكلفين من جهة الحلية والحرمة ، والصحة والفساد.
ترادف ألفاظ المستحب
والمندوب والمستحب والتطوع والسنة الفاظ مترادفة لمعنى واحد، وحده الفعل المأمور به على نحو غير جازم ، بحيث لا يترتب على تركه إثم .
ومنهم من قال بالتفصيل في الألفاظ أعلاه على وجوه :
الأول : السنة هي الفعل الذي واظب عليه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : المستحب هو الفعل الذي يفعله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مرة أو مرتين .
الثالث : التطوع هو ما يأتي به المسلم إبتداء من الأوراد والأدعية والصلوات.
الرابع : المندوب هو السور الجامع للوجوه الثلاثة أعلاه .
واشتهر بين الأصوليين أنه لا تخلو واقعة وحادثة من الحكم الشرعي , ويمكن إستقراء هذا القول من قوله تعالىوَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وقيل أن لله في كل واقعة حكماً يشترك فيه العالم والجاهل والمراد من الواقعة أعلاه هو فعل المكلف، فلا يقوم الإنسان مطلقاً بفعل إلا وله من جهة الشارع حكم من الأحكام التكليفية الخمسة سواء على القول بتكليف الكفار بالفروع أو عدم تكليفهم إلا بالأصول.
والمختار أنهم مكلفون بالفروع ، ويدل عليه الكتاب والسنة ، أما من الكتاب فآيات منها قوله تعالىوَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ، والعبادات كالصلاة والصوم من الفروع ، وقوله تعالىوَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً .
فجاءت الآية أعلاه بفرض الحج على الناس جميعاً ولم تقل على المسلمين أو على الذين آمنوا ، نعم ورد قوله تعالىإِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا، وفيه أن المشركين حرموا أنفسهم من الحج ، والإمتناع بالإختيار لاينافي الإختيار , ومنها قوله تعالىوَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا.
أقسام المكلفين
ينقسم المكلفون من جهة التفاتهم إلى الحكم الشرعي إلى ثلاثة أقسام:
الأول : الذي يحصل له القطع بحكم واقعة مخصوصة، ووظيفته العمل بقطعه وحسب علمه، ويطلق على هذا المكلف (العالم) ولو بخصوص تلك الواقعة ، قال تعالى قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ.
الثاني : الذي لا يحصل له العلم، بل يقوى عنده طريق معتبر إلى حكمه كخبر العدل أو الإجماع، ويلحق بالعلم في لزوم العمل وفق علمه لتحقق ذات الطريق عنده، ويمكن أن نطلق عليه إصطلاح (المعتبِر) بكسر الباء ، قال تعالى فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
الثالث : الذي يرجع إلى المجتهد الجامع للشرائط الذي يستنبط الأحكام من أدلتها التفصيلية في العبادات والمعاملات ويلحق بالقسم الثاني أعلاه في الحكم .
الرابع : الجاهل بالحكم الشرعي والشاك فيه، وهو الذي تجري في حقه الأصول العملية ومنها :
الأول : الإستصحاب : وهو للذي يكون على علم وتعيين بالحكم في حالة سابقة ثم شك باللاحق، كما لو علم أن فلاناً كان حياً قبل سنة ثم غاب وفقد , فهل يبني على أنه حي كي تبقى أحكام الزوجية والملكية الخاصة به أم لا، فتصتصحب حياته.
الثاني : الشك في التكليف، بأن يكون الشك والجهل في ذات المكلف به، فمثلاً هو لا يعلم بوجوب الزكاة في ماله أو لا، قيل الأصل العملي هو البراءة ، ولكنه جاهل مقصر .
وبالإسناد (عن مسعدة بن زياد قال سمعت جعفر بن محمد عليهما السلام وقد سئل عن قوله تعالى فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فقال إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة عبدي أكنت عالما فإن قال نعم ، قال له أفلا عملت بما علمت ، وإن قال كنت جاهلا ، قال له أفلا تعلمت حتى تعمل فيخصمه ، فتلك الحجة البالغة)( ).
الثالث : الشك في المكلف به مع العلم بالتكليف وإحراز فعلية التكليف فإذا تمكن من الإحتياط فيه وإلا فالتخيير، كما لو علم أن ذمته اشتغلت بصلاة فائتة ولكنه لا يعلم هل هي صلاة مقيم تامة أم صلاة سفر قصراً.
والحكم الوضعي هو الإعتبار الشرعي الذي لا يتضمن الإقتضاء والتخيير من الحكم الوضعي كالشرطية والسببية والمانعية ، كحصول النجاسة عند عروض أحد أسبابها والملكية.
وأصالة الصحة وأصالة الإباحة التكليفية وسمي الحكم الوضعي بالوضعي لأن الشارع وضعه في الغالب موضوعاً للحكم التكليفي سواء بإنتزاعه من الحكم التكليفي في مورده، أو أنه قابل للجعل والإنشاء على نحو مستقل.
ويختلف الحكم الوضعي عن التكليفي فهو ليس محصوراً بخمسة أو سبعة أو أقل، وتدخل في الحكم الوضعي الصحة والبطلان، والعلية كعلية الطهارة، والعلامة كالإحتلام ونبات الشعر بالنسبة للبلوغ، والحيض وموضوعيته في عدة المطلقة ، قال تعالى وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ، والحجة كحجة خبر الواحد والعدل ، وعدم الأخذ بخبر الفاسق لقوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ.
وقبول الميسور، والبدلية كما في الإجزاء بالتيمم من الوضوء في حالات خاصة ، فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
الموضع الثاني : وفيه مقامان : المقام الاول : في أن الاتيان بالمأمور به بالامر الاضطراري ، هل يجزي عن الاتيان بالمأمور به بالامر الواقعي ثانيا ، بعد رفع الاضطرار في الوقت إعادة ، وفي خارجه قضاء ، أو لا يجزي ؟ تحقيق الكلام فيه يستدعي التكلم فيه تارة في بيان ما يمكن أن يقع عليه الامر الاضطراري من الانحاء ، وبيان ما هو قضية كل منها من الاجزاء وعدمه ، وأخرى في تعيين ما وقع عليه . فاعلم أنه يمكن أن يكون التكليف الاضطراري في حال الاضطرار ، كالتكليف الاختياري في حال الاختيار ، وافيا بتمام المصلحة ، وكافيا فيما هو المهم والغرض ، ويمكن أن لا يكون وافيا به كذلك ، بل يبقى منه شئ أمكن استيفاؤه أو لا يمكن . وما أمكن كان بمقدار يجب تداركه ، أو يكون بمقدار يستحب ، ولا يخفى أنه إن كان وافيا به يجزي ، فلا يبقى مجال أصلا للتدارك ، لا قضاء ولا إعادة ، وكذا لو لم يكن وافيا ، ولكن لا يمكن تداركه ، ولا يكاد يسوغ له البدار في هذه الصورة إلا لمصلحة كانت فيه ، لما فيه من نقض الغرض ، وتفويت مقدار من المصلحة ، لو لا مراعاة ما هو فيه من الاهم ، فافهم (1).
طرو الأمر الإضطراري
(1) بعد تقسيم الأمر الى الأمر الواقعي والأمر الإضطراري فهل يظهر في مقام الثبوت التباين بين الحكم الواقعي والإضطراري في الوصف والحال مما يدل على تعدد الموضوع وعدم حصول التعارض والتزاحم او التنافي في كيفية الأداء، فالأداء في حال الإضطرار امر مستقل وله خصوصيته ولا يرتبط بالحكم الواقعي.
وكل من الإختيار والإضطرار له موضوعه وداعيهً ومصلحته وملاكه، وتكون الصلاة الإضطرارية الفاقدة لبعض الأجزاء كالصلاة الإختيارية التامة الشرائط والأجزاء .
أو ان الحكم الإضطراري فرع الواقعي وان الأصل هو الحكم الواقعي، اما الإضطراري فهو مرهون بحالته وعلى نحو مؤقت ولا يقاس على نحو مستقل بل بلحاظ إجزائه عن الأمر الواقعي .
وظاهر الماتن انه اختار الوجه الثاني لقوله ان الإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي ثانياً، وهو خلف من جهتين:
الأولى : عدم ثبوت تبعية الأمر الإضطراري للإختياري وتعلق صحته وقبوله على نسبته وحاله من الحكم الواقعي، فالأقوى انه حكم مستقل يتوجه الى المضطر.
الثانية : على القول بانه فرع الواقعي فان إجزاءه أو عدمه يتعلق بالحكم الواقعي الأولي سواء بالإعادة في الوقت او القضاء فيما بعد، وليس بالأمر الواقعي ثانياً، فليس من أمر واقعي ثان، الا ان يريد الماتن الإتيان بالفعل العبادي مرة ثانية ولكن وفق الأمر الواقعي، أي ان قوله (ثانياً) حال للإتيان.
أقسام الحكم الإضطراري
قد قسم الماتن الأداء بالحكم الإضطراري الى أقسام:
الأول : الإمتثال وفق الحكم الإضطراري واف للغرض وبه يحصل تمام المصلحة التي في الحكم الواقعي الأولي، بحيث انه لو زال العذر فلا تجب الإعادة في الوقت ولا القضاء في خارجه .
وهل يمكن إطلاق لفظ الحكم الواقعي الثانوي على هذا القسم من الإضطراري في مقابل الحكم الواقعي الإختياري كما هو ظاهر بعض العلماء في تعليقته على الكفاية .
الجواب لا، للتباين بين الإختيار والإضطرار وحكم كل منهما، فالحكم الإضطراري قسيم للحكم الواقعي , وليس قسماً وفرعاً منه فلا نقول ان وجوب الصلاة مع الطهارة للمختار حكم واقعي أولاً ، ووجوبها مع التيمم للمضطر حكم واقعي ثانوي .
فالحكم الواقعي ملاكه القطع وعدم تسرب الجهل له، ويشترط بأدائه الإختيار .
أما الحكم الإضطراري فهو طرو الإضطرار والقهر مع العلم بالحكم الواقعي.
الثاني : عدم وفائه به بل يبقى من المأمور به بالحكم الواقعي شيء وهذا الشيء يمكن استيفاؤه وينقسم الى قسمين :
أولاً : وجوب تدارك الباقي واستيفاؤه.
ثانياً : استحباب تداركه.
الثالث : ان الإضطراري لا يفي بالمأمور به بتمامه، ولا يمكن استيفاء وتدارك الباقي وهو مطلوب بذاته مع حرمة تفويته.
ولم يناقش الماتن القسم الأول وكون الفعل الإضطراري واف بالغرض فلا حاجة حينئذ للإعادة في الوقت او القضاء في الخارج لأنها سالبة بانتفاء الموضوع.
ولحصول وقد قسم الماتن على ظاهر قوله الإمتثال الى قسمين:
الأول: ما يكون علة تامة لحصول الغرض.
الثاني: يكون الإمتثال وافياً لو إكتفى به كما في عبارته المتقدمة (وان كان وافياً به لو إكتفى به)
والضمير في (به) يعود للغرض.
وكذلك اذا كان الإضطراري ليس وافياً ولكن لا يمكن التدارك كما في العبادة المؤقتة التي لا قضاء لها، كفريضة الحج في عامها وانحصر الأداء في الوقت بالإمتثال الإضطراري، إذ انه لاموضوعية للتدارك حينئذ واستثنى الماتن ما اذا كان هناك مسوغ شرعي للمبادرة الى الإمتثال الإضطراري لمصلحة ومنفعة خاصة فيه يتعلق بالوقت، بمعنى ان البدار الى الإضطراري يترشح من اعتبار الوقت وما له من موضوعية.
تدارك نقص الإضطراري
وتدارك النقص الحاصل بالإمتثال الإضطراري يكون بلحاظ وقت الأداء ، ولولا هذه المصلحة المتمثلة بالوقت او غيره من الأمور الراجحة شرعاً وعقلاً لحصل بالأداء الإضطراري نقص الغرض او الداعي وتفويت مصلحة المأمور به الواقعي ولكنه لمراعاة مقدار من المصلحة في المبادرة الى الإمتثال الإضطراري.
لقاعدة تقديم الأهم على المهم، مثل ترجيح جانب الوقت بالإمتثال الإضطراري وان كان ناقصاً كما في الصلاة بالطهارة الترابية او صلاة المريض عن جلوس فانها فاقدة لشرط في الأولى، وجزء ركني في الثانية، ولكنها حائزة على شرط الوقت وهم الأهم في المقام بمعنى ان الصلاة الإضطرارية الناقصة داخل الوقت أفضل من الصلاة الإختيارية الجامعة للشرائط والأجزاء خارج الوقت .
فالوقت راجح والمقدار الفائت من الصلاة أمر مرجوح فيه، ليس هو من باب المتعارضين او المتزاحمين , وكما في الوقوف الإضطراري في عرفة بعد غروب يوم عرفة.
بين التزاحم والتعارض
والتزاحم فهو التنافي بين الأحكام التكليفية حال الأداء والإمتثال كما في عجز المكلف عن الإمتثال للأمرين معاً في وقت واحد، كما لو كان الوقت مضيقاً ولا يسع الا لصلاة الظهر او صلاة الآيات التي زاحمتها في وقتها وسيأتي التفصيل في محله ان شاء الله.
أما التعارض هو التنافي بين مؤدى دليلين أحدهما يتعذر اثبات واقعين سواء على نحو التضاد كما لو كان أحدهما يدل على الوجوب والآخر يفيد الحرمة ، فالأول يدل على وجود مصلحة تامة في الفعل وايجابه، والآخر يعني خلوه من المصلحة، ووجود مفسدة فيه، فالتعارض يتعلق بواقعية الدليلين في مرحلة الجعل، لذا لابد فيه من طرح الدليل المرجوح لعدم أهليته للمعارضة.
إن الأداء الإضطراري أمر مركب وليس بسيطاً كي يتوقف في رجحانه على أمر واحد وهو الوقت مثلاً، فالأمر الإضطراري يتكون من أداء المكلف زائداً الوقت، وأداء المكلف ينقسم الى قسمين:
الأول : الأداء داخل الوقت.
الثاني : الأداء خارج الوقت وهو القضاء.
والأداء مقدم على القضاء ولا يترجل حكم القضاء الا عند عدم الأداء، مع الفارق بينهما في ماهية الإمتثال وفي الأجر والثواب.
والخطاب التكليفي موجه للمكلف بالأداء في الوقت على نحو التمام او الناقص المجزي، لذا فان الأمر لا ينحصر بالمصلحة فقط والراجح المنفرد، بل بخطاب التكليف والذي يتضمن التخفيف والتيسير، وهو من عمومات قوله تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ.
التيسير في الأداء
فليس من وظيفة الأصولي البحث عن المسوغ العقلي للفعل فقط وقراءته بلحاظ الراجح عقلاً، لأن هذا يؤدي الى الإرباك في الأحكام والى الإعراض عن أصل الشريعة واعتماد صيغ جديدة مفادها الرأي، بل على الأصولي ايجاد التفصيل والتعليل الواقعي للحكم الشرعي والباسه صيغة القواعد الكلية لتكون طريقاً للإستنباط وعنواناً للإجتهاد ولكن بعد استقرائها واقتباسها من الكتاب والسنة.
ويجب ان لا تكون مباحث الحكم الإضطراري عقلية محضة بمعنى انه ينظر الى المصلحة فيه فاذا رأى أصولي او فقيه ان المصلحة بترك الإضطراري وانتظار الحكم الواقعي الإختياري هو الأرجح يسقط الأمتثال الإضطراري ويقول ان القضاء بالحكم الواقعي هو الأرجح وليس فيه تفويت للغرض وهذا خلاف الكتاب والسنة والإجماع ، قال تعالى يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ، وجاءت الآيات بالمبادرة إلى اتيان الصالحات , قال تعالىأُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ.
والإحتراز منه يكون بالرجوع الى الكتاب والسنة وعدم ترك المباحث العقلية مستقلة عنهما استقلالاً تاماً وان كان هذا الإستقلال سبباً للسياحة في عالم التحليل والإستنباط العقليين.
لا يقال : عليه ، فلا مجال لتشريعه ولو بشرط الانتظار ، لا مكان استيفاء الغرض بالقضاء فإنه يقال : هذا كذلك ، لو لا المزاحمة بمصلحة الوقت ، وأما تسويغ البدار أو إيجاب الانتظار في الصورة الاولى ، فيدور مدار كون العمل – بمجرد الاضطرار مطلقا ، أو بشرط الانتظار ، أو مع اليأس عن طرو الاختيار – ذا مصلحة ووافيا بالغرض(1)
(1) اتجه الماتن الى دفع وهم وتفنيد ما قد يقال من عدم الحاجة للأمر الإضطراري ومفاده ان نقص الغرض في بعض صور الحكم الإضطراري وعدم كونه وافياً للمأمور به بالحكم الواقعي الإختياري يجعل تشريعه امراً يتضمن عدم انطباق المأتي به على المأمور به على نحو التمام والكمال ويفوت معه جزء من المصلحة .
فالأولى حينئذ انتظار الحكم الإختياري ولو في خارج الوقت، فينتظر الذي تتعذر عليه الطهارة المائية مثلاً لحين التمكن من الماء ولو بعد خروج الوقت، فيأتي بالصلاة جامعة للشرائط ولكن خارج الوقت.
وفي رده على هذا الوهم قال الماتن “هذا كذلك لولا….” أي الذي ذكرتم من الإشكال على تشريع الإضطراري في حال وفائه بتمام المصلحة كذلك أي كما ذكرتم لولا المزاحمة بمصلحة الوقت بمعنى ان الأداء لا ينحصر موضوعه بالمكلف وأدائه وأفعاله التي يأتي بها كالصلاة ولو كان الأمر خاصاً بعده لصح هذا الوهم باعتبار ان المدار على فعله على نحو محض ومستقل وخارج الأمور الإضافية والعناوين الإعتبارية الأخرى، ولكن هناك موضوعية في أداء العبد عبادته في الوقت، لأن العبادات مؤقتة في أغلبها.
الواجب المؤقت
الواجب المؤقت ينقسم الى قسمين :
الأول : واجب مضيق يكون زمان أدائه مساوياً للوقت المأمور بأدائه خلاله ويعتبر شرطاً في صحته او كماله، كما في أداء صيام شهر رمضان قال تعالى أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.
وفي الآية أعلاه بحسب موضوعنا مسائل :
الأولى : تجلي ووضوح الحكم الواقعي بما لا لبس فيه بإنحصار الصيام الواجب على المسلمين بشهر رمضان، وفي اليوم دون ليلته ، قال تعالى أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ.
الثانية : تقدم الحكم الواقعي رتبة.
الثالثة : تأخر الحكم الإضطراري , ولا يلجأ إليه إلا عند تعذر الحكم الواقعي والإفتقار إلى الصحة والإقامة.
الرابعة : الحكم الإضطراري تخفيف ورحمة ودفع للحرج، ومنع من تعطيل الأعمال، وبرزخ دون التشديد على النفس وفوات بعض المصالح، أو حصول العذر نتيجة الصيام مع المرض، أو ترك السفر لحاجة.
الخامسة : بيان كل من الحكم الواقعي والإضطراري مع المائز بينهما.
الثاني : الواجب الموسع وهو الذي يكون زمان أدائه ويصح فيه أوسع من مقدار أدائه كما في الصلاة اليومية فان وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر الى طلوع الشمس، بينما يستغرق أداؤها نحو خمس دقائق، وقد يكون الواجب تارة مضيقاً وأخرى موسعاً أو غير مؤقت كما في الأمر بالمعروف .
وصحيح ان العبادة ليست من الزمانيات بلحاظ ان الزمانيات وجودات غير قارة ، ولا يستحدث الجزء اللاحق منها الا بالسابق فلذا أطلق عليها الوجود السيال، الا ان العبادة مقيدة بالزمان ويتقوم أداء المكلف لها بالزمان كقيد شرعي حتى صار شرطاً، قال تعالىَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا.
وأنكر أكثر الحنفية الواجب الموسع ، وقالوا وقت الوجوب هو آخر الوقت وإذا فعل قبل الآخر قال بعضهم هو نفل يسقط به الغرض ، ولو مات المكلف أثناء الواجب الموسع قبل أن يفعله، كما لو مات بعد زوال الشمس ولم يصل الظهر مع بقاء وقت لأدائها، فليس هو بعاص لأنه غادر الدنيا وهو في مندوحة وسعة في وقت الواجب المعين وهو صلاة الظهر.
أما بالنسبة للمثل أعلاه فهو صحيح ، وأما أن وقت الوجوب آخر الوقت فهو خلاف الكتاب والسنة بالمبادرة للأداء وأن وقت الفضيلة أول الوقت ، ويدل عليه قوله تعالى أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ.
ودلوك الشمس زوالها عن كبد السماء .
شرائط الإمتثال الإضطراري
مراد الماتن من الصورة الأولى أي استيفاء الغرض بالإمتثال الإضطراري فانه مردد بين الأمرين أما :
الأول : المبادرة الى الفعل الإضطراري لأنه واف للغرض كالصلاة بالطهارة الترابية في أول الوقت لاطلاق العذر ونفي الحرج في قوله تعالىفَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا، فعدم الإيجاد ينبسط على كل آن من أوقات الصلاة من حين دخول الوقت.
الثاني : وجوب الإنتظار الى آخر وقت الصلاة واليأس من ارتفاع الإضطرار، فتؤدى حينئذ الصلاة الطهارة الترابية للعجز عن اتيانها بالإمتثال الواقعي الإختياري، وهذا الترديد يتوقف على أمور وشرائط ثلاث كما ذكرها الماتن وهي على نحو التفصيل :
الأول : جواز الإمتثال الإضطراري بمجرد حصول الإضطرار في آن ما من آنات وقت العبادة الموسع، كما لو اضطر للصلاة عن جلوس في وقت الفضيلة فلا ينتظر زوال هذا العذر بل يؤديها عن جلوس في الحال لأنه حينئذ ذو مصلحة تامة .
وكذا لو يأس من حصول الإختيار كما لو كان مبتلى بكسور في جسده تحول دون صلاته عن قيام فيسوغ حينئذ المبادرة الى لإمتثال الإضطراري، ولا يجب الإنتظار الى آخر وقت او الصلاة خارج الوقت بالأمر الواقعي.
الثاني : ان مجرد الإضطرار وحده لا يكفي مسوغاً للمبادرة الى الإمتثال الإضطراري وانما يشترط الإنتظار الى آخر الوقت، والتأكد من حصول الإختيار، فحينما يتعذر عليه الماء في أول الوقت وتستمر حالته هكذا الى آخر الوقت فلا يحق له المبادرة الى الأداء الإضطراري بالطهارة الترابية، بل عليه ان ينتظر الى آخر الوقت فيؤديها بالإضطراري لأنه حينئذ يحرص على مصلحة الوقت وييأس من طرو الإختيار.
الثالث : موضوعية اليأس من حصول الإختيار، وأداء الفعل بالحكم الواقعي الجامع للشرائط، فمع عدم اليأس من طرو الإختيار لا تصح المبادرة الى الفعل العبادي، بل ينتظر الى آخر الوقت لإحتمال حصول حال الإختيار كالذي يتوقع الحصول على الماء في آنات وقت الصلاة، فلا يحصل له على هذا المبنى الصلاة بالطهارة الترابية الا آخر الوقت عند اليأس من الحصول على الماء .
اما الذي كان يائساً من حصول الإختيار كالذي مبتلى بمرض عضال يمنعه من أداء الصلاة الإختيارية بقيام أو ركوع وسجود طيلة وقت الصلاة، فهذا له البدار الى الصلاة الإضطرارية في أول الوقت لأنه يائس من حصول
وإن لم يكن وافيا، وقد أمكن تدارك الباقي في الوقت، أو مطلقا (1)
الإختيار ذي المصلحة ، وهو من مصاديق قوله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.
كفاية البديل الإضطراري
(1) أي ان لم يكن الإمتثال الإضطراري وافياً بتمام الغرض وحصول الإجزاء به وبقاء الذمة مشغولة بالأداء او القضاء لأن المأتي به ليس مطابقاً للمأمور به ، وفي الأداء الإضطراري نقص وهذا النقص على وجهين:
الأول : وجوب تداركه والإتيان به.
الثاني : استحباب تداركه.
وكل من الصورتين تنقسم الى قسمين التدارك في الوقت وهو الإعادة بلحاظ ان أفراد الفعل العبادي ارتباطية وان كانت مركبة من أجزاء كالصلاة وتكونها من أركان كالركوع وأجزاء واجبة، او ان التدارك يحصل خارج الوقت وهو المسمى بالقضاء أي لابد من التدارك لعدم حصول الداعي والمصلحة الا بالإعادة أوالقضاء ، أما إذا كان الباقي غير واجب كما لو كان مستحباً فلا تجب الإعادة او القضاء لا في الوقت ولا خارجه، ويجزي الإمتثال الإضطراري حينئذ وفي كلتا الصورتين قال الماتن لا مانع من المبادرة الى الفعل والإمتثال الإضطراري.
هذا كله في مرحلة الثبوت واما ما ثبت بالدليل النقلي والحكم الشرعي فان الدليل ورد مطلقاً خصوصاً في باب التيمم والطهارة الترابية اذ لا معنى للتشريع من دون ان يكون مجزياً وان البدل يقوم مقام المبدل عنه في الأثر والأجزاء وان تباينت خواصهما.
لقد إعترف الماتن بحكومة الدليل النقلي كما في قوله [فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا] ( )، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر: يا ابا ذر يكفيك الصعيد عشر سنين( ).
فهذا يفيد الإجزاء بالتراب والإمتثال الترابي، وظاهر الماتن ان الإمتثال الإضطراري أعم من انحصاره بالطهارة الترابية ونحوها.
الإجزاء بالتيمم
ففي الطهارة الترابية يحصل الإجزاء ولا تجب الإعادة في الوقت او القضاء خارجه ، لأن الإتيان بالفعل مرة أخرى يستلزم امراً مولوياً وخطاباً تكليفياً مستحدثاً او انه في طول الأمر الأول ، وهو مفقود ففي مسوغ الإنتقال إلى التيمم في الطهارة أمور:
الأول : عدم تحصيل تحصيل الماء بقدر الكفاية للغسل أوللوضوء سواء كان في حضر او سفر، فتنتقل وظيفته للتيمم وان وجد مقداراً من الماء غير كاف ، نعم يجب الفحص عن الماء وهو على شعبتين :
الأولى : في الحضر , ويجب الفحص الى حد القطع او الظن العادي الذي بتعذر معه الماء.
الثانية : في البرية , ويكفي طلب الماء غلوة سهم في الأرض الحزنة أي الوعرة، وغلوة سهمين في السهلة وفي الجوانب الأربعة، والغلوة هي رمية السهم وقيل انها من ثلاثمائة ذراع الى اربعمائة هذا مع احتمال وجود الماء في الجهات الأربعة .
ويسقط الفحص في الجهة التي يعلم بعدمه فيها ويسقط في الجميع مع العلم بعدمه فيها جميعاً كما لو شهد عدلان بعدم الماء في جميع الجوانب.
الثاني : عدم الوصول إلى الماء الموجود بسبب العجز من كبر او خوف من سبع او لص او لتعذر الآلة التي يستقي بها كالدلو والحبل ونحوه.
الثالث : الخوف من استعمال الماء على نفسه وبدنه او احتمال مرض او بطئ برء مرض مصاب به وصعوبة علاجه ونحوه مما يعسر تحمله عادة، كما لو كان الماء يسبب في بشرته خشونة موجبة لتشقق الجلد او خروج الدم، ويكفي الظن العادي في هذا الخوف او قول الطبيب الحاذق.
الرابع : الحرج في تحصيل الماء او في استعماله.
الخامس : الخوف من استعمال الماء على عياله او متعلقيه، كما لو خاف باستعماله عطش الولد ومن يجب حفظه او حصول مشقة وحرج، ويكفي ما يوجب الخوف.
السادس : وجود ما هو أهم من الوضوء او الغسل في استعمال الماء، فلو كان بدنه او ثوبه نجساً ولا يكفي ما عنده من الماء الا لرفع الحدث بالوضوء والغسل او لرفع الخبث بتطهير النجاسة، فيجب استعماله في رفع الحدث ويتيمم لأن للوضوء بدل وهو التيمم بخلاف رفع الخبث، والأولى ان يرفع الخبث ثم يتيمم ليتحقق كونه فاقداً للماء حال التيمم، ولو اغتسل حينئذ صح.
السابع : ضيق الوقت عن استعمال الماء بحيث يلزم من الغسل او الوضوء خروج وقت الصلاة، ووقوعها خارج الوقت، والمناط على ادراك ركعة منها في الوقت .
فلو دار الأمر بين التيمم وادراك تمام الوقت، او الوضوء وادراك ركعة او ازيد من غير تفويت , قدم الثاني.
الثامن : عدم امكان استعمال الماء لمانع شرعي كما اذا كان الماء منحصراً بالمغصوب( ).
وبالجملة : فالمتبع هو الاطلاق لو كان ، وإلا فالاصل ، وهو يقتضي البراءة من إيجاب الاعادة ، لكونه شكا في أصل التكليف(1)
الأمر الإضطراري اقرب إلى الظاهري
(1) قال الماتن وبالجملة أي انه قد تتباين بعض خصوصيات العبادات والمراد من الإطلاق هو اطلاق دليل البدل عن المبدل عنه .
ونشكل على الماتن ان النوبة لا تصل الى إصالة الإطلاق بل ان الإجزاء مستقرأ من النصوص ونسأل هل كان المتقدمون من الفقهاء يرجعون الى الأصول العملية او اصالة الإطلاق ونحوها في المقام الجواب: لا، ففي القرآن والسنة المبنية له كفاية واجزاء في المقام ولا تصل النوبة الى احتمال اصالة الإطلاق او عدمها، كي يقول الماتن والا فالمتبع هو الأصل العملي أي اصالة البراءة بلحاظ ان الشك في أصل التكليف ليس في المكلف به.
ان التكليف بالأمر الإضطراري ليس بديلاً عن الأمر الواقعي بل هو قسيم له في طوله وليس في عرضه ومتأخر عنه رتبة بمعنى انه لا يصح للمكلف اخراج نفسه من الواقعي ولا يتوجه المضطر والعاجز الى الإضطراري إلا عند العذر هذا من جهة الإمثتال ، أما من جهة الجعل فانها مجعولة جميعاً من الشارع بترتيب ايضاً.
نعم بالنسبة للمكلف الذي عجز عن الحكم الواقعي تنتقل وظيفته للحكم الإضطراري فيكون تكليفه بحسبه، فمن كان قادراً على الصلاة عن جلوس ولكنه لم يصل الا عن اضطجاع فحينئذ تقع صلاته ناقصة.
وان كان اصطلاح الواقعي في مقابل الإضطراري ليس تاماً لأن الإضطراري أيضاً جاء الدليل القطعي عليه فلا بأس ان يكون عنوان الإختيار له موضوعية في الإصطلاح كما لو قيل الواقعي الإختياري، والإضطراري أقرب إلى أفراد الظاهري اذا كان للجهل مدخلية فيه ونسميه حينئذ الظاهري الإضطراري.
ويشكل لكونه شكاً في أصل التكليف كبرى وصغرى، فأما الكبرى فليس من شك في المقام بالمعنى الإصطلاحي لجريان الأمر الإضطراري في طول الأمر الواقعي، فالمريض لا يشك بأدائه الصلاة عن جلوس وعدم سقوطها عنه.
أما الصغرى فان الشك في حال وجوده يتعلق بالمكلف به وهل هو يجزي بالأمر الإضطراري ام لا يجزي فلا تنطبق عليه اصالة البراءة لثبوت وجود تكليف في البين ولا ينطبق عليه أصل الإستصحاب هنا لأنه ليس من الشك اللاحق بعد يقين سابق ، الجواب هو الأول ، فالضرورات تبيح المحظورات.
المقام الثاني : في إجزاء الاتيان بالمأمور به بالامر الظاهري وعدمه(1) والتحقيق : إن ما كان منه يجري في تنقيح ما هو موضوع التكليف وتحقيق متعلقه (2)
(1) بعد ان ذكر الماتن الإجزاء بالإمتثال الإضطراري ذكر هنا موضوع الإجزاء او عدمه بالأمر الظاهري، والحكم الظاهري ما كان للجهل بأصل الحكم مدخلية فيه عند غياب الدليل الإجتهادي وتسمى أدلة الظاهري بالأدلة الفقاهتية ولو إنعكست التسمية لكان أنسب أي لو سمي دليل الحكم الواقعي فقاهتي ودليل الظاهري إجتهادي وهي الأدلة العملية التي يطلق عليها الأصول العملية والأمارات التي تكشف عن الحكم الظاهري في حال الشك والتردد وعدم القطع بالحكم الواقعي وعند غياب دليله .
(2) وأقتبس الإصطلاح من الفقه الذي هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية ومنهم من جعل الأمارات المعتبرة دليلاً على الحكم الواقعي ولكنها لا تفيد الا الظن، ومن الدليل الفقاهتي اصالة البراءة والحلية والطهارة وقاعدة اليد وسوق المسلمين والإستصحاب.
اما الدليل الإجتهادي فهو الدليل الذي يستكشف بواسطته الحكم الواقعي كرؤية المكلف لهلال شهر رمضان فانه يوجب عليه صيام اليوم التالي، والإصطلاح مقتبس من تفريغ الإجتهاد وهو استفراغ الوسع لتحصيل الظن بالحكم الشرعي.
فاذا اشترط في الفعل العبادي الطهارة او الحلية، كطهارة وعدم غصب الثوب الذي تؤدى به الصلاة وليس من دليل اجتهادي وحكم واقعي على تحققهما في لباس المصلي ولكنه لم يعلم قطعاً انه نجس وانه مغصوب فيرجع الى الأصول العملية، وأضاف الماتن أصل الإستصحاب معهما وحاكماً عليهما فتكون الصور كالآتي :
الأولى : ثوب لا يعلم نجاسته فيعتمد أصالة الطهارة.
الثانية : ثوب لا يعلم غصبه او انه من جلد الميتة فيعتمد اصالة الحلية وتجوز الصلاة به.
الثالثة : كان يعلم انه طاهر وانه غير مغصوب ثم شك بهما او بأحدهما فيستصحب الطهارة والحلية.
وذكر الماتن قاعدة الطهارة وقاعدة الحلية من باب المثال وليس الحصر لذا قال (ونحوها) مثل قاعدة الصحة وسوق المسلمين والتجاوز والفراغ، وبين هاتين القاعدتين عموم وخصوص مطلق، فقاعدة الفراغ أعم وتتعلق بطرد الشك عند الفراغ من الصلاة فيحكم بصحتها اما قاعدة التجاوز فتتعلق بجزء منها والشك فيه بعد تجاوزه فيحكم باتيانه.
وقال الماتن (يجزئ) مع أن دليله فقاهتي وليس اجتهادياً والحكم الظاهري يأتي في طول الأمر الواقعي ويتأخر عنه رتبة، ومتعلق بعدم انكشاف الحكم الواقعي سواء من جهة الشك او غياب الدليل او الترديد، اما اذا إنكشف الواقع قبل الشروع بالإمتثال الظاهري فلابد من الإتيان به بحسب الحكم الواقعي لإرتفاع المانع عن فعليته.
فالأصول حاكمة على الشروط وأدلتها مما يعني ان الأدلة الظاهرية أعم من الواقعية، وان الإمتثال يناسب حال المكلف من الشك او الجهل لحين ارتفاعهما فيرتفع حينئذ الحكم الظاهري ويتوجه الخطاب التكليفي بالحكم الواقعي لتغير موضوعه فكأن الحكم بالشرط مع الشك معلقاً، ولا يتعارض هذا التعليق مع الإجزاء وأدلة الحكم الظاهري ولعدم بقاء المكلف في حال التحير والتردد ولأنه يعلم بوجود تكليف في البين وللحكومة، وهي ورود دليل ناظر الى دليل آخر في حكم وموضوع متحد ويأتي للتوسعة او التضييق، او الشرح والتفسير وليس هو من التخصيص لأن التخصيص لا ينظر الى العام ولا يتعلق بتفسيره.
ويسمى الدليل الناظر الحاكم والمنظور اليه المحكوم فقوله تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ] ( )، حكم عام ومطلق لكل المسلمين ثم يأتي قوله تعالى وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ، فالحكومة من معاني هذه الآية وهي تفسير وتضيق حكم الإطلاق في الآية الأولى اذ انها تضيق الحكم أو تجعله مطلقاً ، فلم تعد الاية تشمل كل المسلمين بل خرج بالدليل الحاكم الذين لا يقدرون على الصيام.
كما في قوله عليه السلام : اذا شككت فابن على الأكثر”، فان النصوص الواردة في عدم اعتبار شك كثير الشك تفيد التضييق في الحكم فالدليل الناظر وهو أعلاه قوله تعالى [وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ] هو الحاكم اما الدليل المنظور اليه فهو الإطلاق في فرض الصوم الذي تدل عليه آية الصيام أعلاه وكذا يمكن ان يكون قوله تعالى [وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ] منظوراً اليه ويطرأ عليه التوسعة بورود دليل ناظر وحاكم بلحاظ موضوع وهو مقدار الفدية وهو قوله تعالى [فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ] ( ).
فالجمع هنا ممكن والقرينة شخصية لأن الله تعالى بيّن وفسر المراد من متعلق الصيام بالنسبة للمكلفين وجاءت القرينة للكشف عن المراد، فيمكن الجمع بينهما واستظهار ارادة الحكم الشرعي وهو ان الصيام واجب كل المكلفين الا الذين لا يتحملونه الا بمشقة زائدة كالشيخ والشيخة، اما المرض فورد بدليل آخر له الحكومة ايضاً، قال تعالىوَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ، وايضاً النصوص الواردة في السنة النبوية الشريفة وأقوال الأئمة عليهم السلام تفيد الحكومة في مسألة حد المرض الذي يجب فيه الإخطار توسعة وتضييقاً، بمعنى انه يتعدد الحاكم بلحاظ الجهة والحيثية على ذات المحكوم.
وقد يكون الدليل الحاكم نافياً لموضوع الدليل الآخر تعبداً وليس على نحو الحقيقة والوجدان كما في “الغيبة حرام” لقوله تعالى وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، ثم ورد استثناء في ذم المقالات الباطلة او التجاهر بالفسق فهو تفسير له ، وان كان المختار أن هذا الذم ليس من الغيبة إنما هو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , ولا دليل على تقييد النهي من الغيبة في قوله تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا.
وقال الشيخ الأنصاري (الحكومة هي الناظرية بحيث لولا دليل المحكوم لكن دليل الحاكم لغواً).
وقد يكون الدليل الحاكم مثبتاً لموضوع دليل آخر تعبداً لا وجداناً فقوله صلى الله عليه وآله وسلم”الطواف بالبيت صلاة”( )، والدليل لم يوضع لموضوعه هنا تباين في ماهية الصلاة والطوف وجداناً، فالطواف خال من اجزاء واركان وأحكام الصلاة، فيرجع ثبوت الحكم تعبداً وليس وجداناً ولا يشترط في الطواف المستحب الوضوء.
ومن الحكومة حكومة أدلة العناوين الثانوية على أدلة العناوين الأولية فالصيام يعني الإمساك عن الأكل والشرب، ولكن أكل الصائم او شربه عن نسيان لا يبطل صومه لورود دليل ثانوي خاص في المقام فالإمتناع عن الأكل والشرب تعلق وجوبه بالمكلف وفعله بالعنوان الأولي، فاذا جاء الأكل والشرب نسياناً فورد دليل ثانوي باستثنائه من المفطرات وهذا الدليل يسمى الدليل الثانوي.
ومن الدليل الثانوي قاعدة لاضرر ولا ضرار وحديث الرفع.
ومنها حكومة بعض الأصول العملية على بعض الأمارات ، وحكومة الأمارات على الأصول كالإستصحاب على البراءة.
وكان بلسان تحقق ما هو شرطه أو شطره ، كقاعدة الطهارة أو الحلية ، بل واستصحابهما في وجه قوي ، ونحوها بالنسبة إلى كل ما اشترط بالطهارة أو الحلية يجري ، فإن دليله يكون حاكما على دليل الاشتراط ، ومبينا لدائرة الشرط ، وأنه أعم من الطهارة الواقعية والظاهرية ، فانكشاف الخلاف فيه لا يكون موجبا لانكشاف فقدان العمل لشرطه ، بل بالنسبة إليه يكون من قبيل ارتفاعه من حين ارتفاع الجهل(1)
(1) الشطر أعم من الواقعي والظاهري فلا يشترط ثبوته بالحكم القطعي، وهذا العموم لا يتعارض مع كون الظاهري في طول الواقعي ومتأخر عنه رتبة فعند الشك في موضوع الحكم الواقعي يأتي الحكم الظاهري وحكومته ليبقى الأداء ظاهرياً ولا يرقى الى درجة الحكم الواقعي وبيان الشرط فيه فمثلاً اذا شككت ابن على الأكثر.
الظاهر موضوعية طرف الكثرة عند الشك ، وهو لا يعالج موضوع كثير الشك لإحتمال ان يكون شكه في غير محله وسقوط اعتباره فتأتي قاعدة “لاشك لكثير الشك”، أي لا يلتفت لشك كثير الشك لتكون لها الحكومة في هذا الفرد، وكما في أدلة الشروط “لا صلاة الا بفاتحة الكتاب( )، فانه لا يتناول مسألة الذي لا يحسن قراءة سورة الفاتحة اصلاً، فيتقدم حينئذ الأصل العملي لأنه شامل لها في لحاظه، فتصح صلاته بما تيسر من القراءة او التسبيح والتهليل لقاعدة الميسور.
أصالة الطهارة
من أفراد الأصالة وجوه :
الأول : أصالة الحقيقة .
الثاني : أصالة عدم النقل .
الثالث : أصالة البراءة .
الرابع : أصالة الظهور .
الخامس : أصالة عدم النسخ .
السادس : أصالة الحل .
السابع : أصالة الإباحة الشرعية .
الثامن : أصالة إنتفاء المانع
التاسع : أصالة العموم .
العاشر : أصالة عدم القرينة .
الحادي عشر : أصالة عدم الإشتباه في الحس.
الثاني عشر : أصالة عدم التخصيص.
الثالث عشر: أصالة عدم تعدد السبب، لأن التبادر يقتضي إنحصار المدلول ويفيد تعيين السببية.
الرابع عشر : أصالة العدم .
الخامس عشر : أصالة الوجود .
السادس عشر : أصالة الماهية .
السابع عشر : أصالة الإشتغال بالواجب .
الثامن عشر : أصالة عدم التزكية .
التاسع عشر : أصالة قبول التذكية .
العشرون : أصالة الطهارة .
الواحد والعشرون : أصالة عدم الصدور تقية .
الثاني والعشرون : أصالة الإطلاق .
الثالث والعشرون : أصالة عدم التطابق .
الرابع والعشرون : أصالة براءة الذمة
الخامس والعشرون : أصالة عدم الرطوبة حين الملاقاة .
السادس والعشرون : أصالة عدم تقدم الحادث .
السابع والعشرون : أصالة نفي التخصيص والتقييد والنسخ والإشتراط .
الثامن والعشرون : أصالة عدم الحجية.
التاسع والعشرون : أصالة الحرية وهو الغالب على الناس ، وينفع فيما إذا إدعى أحد رقية مجهول النسب وأنكر الأخير .
الثلاثون : أصالة عدم التطهير بعد القطع بملاقاته للنجس .
مورد جريان أصالة الطهارة
أصالة الطهارة في الأشياء ، والحل في الأعيان ، والإباحة في الأفعال وفي صحيحة زرارة أبي جعفر عليه السلام: فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً( ).
أصالة الطهارة في الثوب أو استعمالها ثم إنكشف الخلاف في الوقت فهل تجري تلك الصلاة الظاهرية عن الواقع، فلا يجب الإعادة والقضاء أم يجب.
عدد من الأصوليين لم يتعرضوا لأصالة الطهارة في الأصول ليس لأنها خارجة عن علم الأصول بل لأنها من الأصول الثابتة بلا خلاف فيها ، فهي عند الشك في النجاسة بمنزلة أصالة الحل عند الشك في الحرمة لترتب تعيين النظافة العملية عليه .
بقاء أصالة الحل هو الحكم التكليفي ، أما أصالة الطهارة فان مفادها هو الحكم الوضعي ، والمسألة الأصولية ما تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الكلي ، وأشكل أحد العلماء على الأصوليين وتعجب منهم حين حكموا بحرمة اللحم المشكوك فيه تمسكاً بأصالة عدم التذكية .مع أنهم يقولون بعدم جريان الأصل مع وجود الدليل .
والدليل على الحل موجود في المقام، وهو قوله عليه السلام (كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام فتدعه بعينه)( ) .
ولكن لو علم أنه مردد بين المذكى وغيره سقطت أصالة عدم التذكية بالعلم الإجمالي ويكون المدار على أصالة الطهارة والإباحة في اللحوم والجلود وعليه نصوص عديدة.
تجري أصالة الطهارة في غير مستصحب النجاسة مع العلم بوجود تكليف فعلي موجود بالوجدان وأصالة الطهارة من الأصول غير المحرزة .
الأصول المحرزة كالإستصحاب كحال الأمارات تقوم مقام القطع الطريقي والمأخوذ في الموضوع بنحو الطريقية
إذا غسل ثوب متيقن النجاسة بماء مشكوك النجاسة فاصالة الطهارة في الماء توجب إرتفاع الشك في بقاء النجاسة في الثوب أما الأصول غير المحرزة فهي لا تتكفل تحصيل اليقين بل تعين الوظيفة العملية في مرتبة الحكم الظاهري.
ومفاد الأصول غير المحرزة هو التنجز التعليقي وهو لا ينافي العلم الوجداني ما دام المكلف معذوراً بعدم العلم , ويشمله حديث الرفع .
كأن أصالة الطهارة تتألف من قسمين:
الأول : الإستصحاب في باب الطهارة والنجاسة فلا ينجس الماء ونحوه الشك بالطهارة أو قل لا عبرة بالشك .
الثاني : الطهارة أصل قائم بذاته قبل أن تصل النوبة إلى الشك.
وفي صحية حريز عن أبي عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : رفع عن امتي تسعة أشياء : الخطأ ، والنسيان ، وما أكرهوا عليه ، وما لا يعلمون ، وما لا يطيقون ، وما اضطروا إليه ، والحسد ، والطيرة ، والتفكر في الوسوسة في الخلوة ما لم ينطقوا بشفة ( ).
رفع الشارع فيه عن المكلف الحكم الإلزامي في حال الشك ولا منافاة بين رفعه عند الجهل وبقائه واقعاً ليكون الرفع أمراً متزلزاً يزول بتجلي الدليل على الحكم الواقعي كما لو صلى الظهر بناء على أصالة الطهارة عند الشك ثم تبين له النجاسة.
وقوله عليه السلام : كل شئ طاهر حتى تعلم أنه قذر)( ) على إرادة المعنى الأخص من النظافة وهو الطهارة .
مسألة اذا أخل بالطهارة الخبثية في البدن او اللباس عامداً بطلت الصلاة، اما لو كان جاهلاً بالموضوع أي لا يعلم ان في بدنه او ثوبه نجاسة، او كان جاهلاً بالحكم أي لا يعلم ان النجاسة هذه مبطلة للصلاة وعلم في اثناء الوقت وزال جهله فعليه الاعادة، اما لو علم بعد خروج الوقت , فالاقوى صحة الصلاة.
وقاعدة نفي الحرج وعمومات لا تترك الصلاة بحال وهذه كلها من الحكم الظاهري فتكون الحكومة لدليل الأمر الظاهري على دليل الإشتراط.
قال الماتن فانكشاف الخلاف، أي انكشاف الخلاف في الشرط كما لو تبين بعد الصلاة انه صلى بالثوب النجس الذي كان اثناءها يظن انه طاهر استصحاباً لطهارته ولإصالة الطهارة لا يعني بطلان العمل لفقدان الشرط فلا تجب الإعادة او القضاء بل يستقبل العمل بشرط الطهارة الواقعي فلا يحق له أداء الصلاة بعدئذ الا بتطهير الثوب ورفع النجاسة.
فيرتفع الحكم الظاهري لتبدله ووضوح الشرط وترتب الحكم الواقعي فكأنه من تبدل الحكم لتبدل الموضوع فالفاقد حينئذ لا ينزل منزلة الواجد، ولا يكفي في الإجزاء.
الشبهة العبائية
فمفاد الحكم الظاهري ان الميسور من القراءة او التسبيح قراءة .
والطهارة المشكوكة طهارة.
كما لو أخبره وكيله بغسل ثوبه من النجاسة وشك في تمام الغسل او عدمه فيعتمد اصالة الطهارة وترتب آثار الواقع ما دام موضوع الشك موجوداً وتصح صلاته فاذا تبين زواله وان الوكيل لم يزل النجاسة تماماً عنه فيلزم الإمتثال وفق الأمر الواقعي لوجود المقتضي وفقد المانع ولا اعادة او قضاء ولكن عليه ان يستقبل عمله بالطهارة الواقعية.
ومنه الشبهة العبائية ، ومضمونها أن أحد طرفي العباءة تنجس ولا يعلم هل هو الطرف العلوي أو السفلي وتم تطهير الطرف السفلي ، فهل تلزم نجاسة البدن الملاقي للطرف العلوي ، الجواب لا ، لأنه من ملاقاة بعض أطراف الشبهة المحصورة الذي يوجب الشك في بقائه وليس تردده بين فردين.
فلا يجزي استصحاب الكلي الذي هو الحكم بنجاسة الملاقي للطرفين.
وهذا بخلاف ما كان منها بلسان أنه ما هو الشرط واقعا ، كما هو لسان الامارات ، فلا يجزي ، فإن دليل حجيته حيث كان بلسان أنه واجد لما هو شرطه الواقعي ، فبارتفاع الجهل ينكشف أنه لم يكن كذلك ، بل كان لشرطه فاقدا ( 1 )
الحكم الظاهري
(1) أي بخلاف ما كان من الأوامر الظاهرية، فالماتن ذكر قسمين من الأحكام الظاهرية أحدهما يفيد الإجزاء حينما يكون الشرط أعم من الواقعي كما في نجاسة الثوب والقراءة في الصلاة ، ولم يقل أحد باعادة الذي لم يحسن الفاتحة قراءته للمدة المنصرمة حينما يتعلمها اما القسم الثاني فهو الذي يكون فيه الشرط واقعياً، فيأتي الحكم الظاهري باعتبار انه واجد للشرط الواقع ولكنه عند ارتفاع الجهل لابد من الإعادة في الوقت والقضاء في خارجه، مثلاً شك في كونه على طهارة او لا، واستصحب الطهارة ثم تبين بعد ذلك ان وضوءه قد انتقض وانه صلى بعد نقض الوضوء فحينئذ لابد من اعادة الصلاة لعمومات لا صلاة الا بطهور.
واذ قال الماتن بالتفصيل في الأحكام الظاهرية بالأداء في القسم الأول دون القسم الثاني فانه نسب الى المشهور عدم الإجزاء مطلقاً ووجوب الإتيان بالمأمور به الواقعي سواء كان بالإعادة في الوقت او القضاء في خارجه لأن المأتي به غير مطابق للمأمور به ولعله لأن الشروط واقعية وليس علمية، والمصلحة الواقعية غير محرزة وبقاء الحكم الواقعي على حاله ، وما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد.
ولكن الماتن قال بالتفصيل وهو الأصل، وهذا التفصيل يكون بلحاظ النصوص والأدلة النقلية واستقرار القواعد الكلية والفرعية منها.
هذا على ما هو الاظهر الاقوى في الطرق والامارات ، من أن حجيتها ليست بنحو السببية ، وأما بناء عليها ، وأن العمل بسبب أداء أمارة إلى وجدان شرطه أو شطره ، يصير حقيقة صحيحا كأنه واجد له ، مع كونه فاقده ، فيجزي لو كان الفاقد معه – في هذا الحال – كالواجد في كونه وافيا بتمام الغرض(1)
الطريقية في الأمارات
(1) هناك مسلكان للمجعول في الأمارات عارضان لها سواء ما تعلق بالحكم الشرعي، او بالموضوع الذي يكون له حكم شرعي.
الأول : الطريقية : أي ان الشارع جعل الأمارة طريقاً وكاشفاً عن الواقع، فصحيح ان الأمارة لا تمتلك احراز الواقع كما في الإستصحاب اذ قد تستصحب الطهارة ولكن الواقع بخلافها ولكنها تكشف عن الواقع بما جعله الشارع لها من الخصوصية والإعتبار لكي لا يبقى المكلف في مقام التحير والشك والتردد، والا فالنقل والعقل والوجدان تحكم بان الواقع لا يكشف عنه الا القطع لذا قالوا ان كشف الأمارة عن الواقع انما هو بالجعل والإعتبار.
وقد ذهب الشيخ الأنصاري الى القول بأن الطهارة والنجاسة من الأمور الواقعية وليست من المجعولات الشرعية ، بلحاظ ان الأحكام الوضعية متحصنة من الجعل بالإصالة وهي على قسمين :
الأول : الأمور الواقعية كالطهارة والنجاسة، ومنهم من قال ان الطهارة والنجاسة من الأمور العرفية ومستقرأة من النظافة والقذارة ولكنها أخص.
الثاني : ما منتزع ومتفرع عن الأحكام التكليفية مثل الزوجة والملكية، وقد يكون الحكم التكليفي متفرعاً عن الحكم الوضعي كما لو تزوج الإنسان فأصبح واجباً عليه الإنفاق على الزوجة .
وقد إختار الماتن الطريقية وهو المختار وبه قال المشهور ويمكن مناقشة الأمر عقلاً وشرعاً وعرفاً .
أما من جهة العقل فان العقلاء يعملون بخبر الثقة ويعتبرونه طريقاً لكشف الواقع، أما لو إنكشف الواقع بخلافه فانهم لا يأخذون به لأنه لم يوصلهم الى الحقيقة ولا تبقى فيه أي مصلحة، فلو أخبر الثقة بان البيت اشتروه من الساكن فيه صح لخبر الثقة وقاعدة اليد ، ثم تبين بعد الشراء ان المالك شخص آخر فلا اعتبار حينئذ لخبر الثقة او لقاعدة اليد.
نعم قد يقال انه قياس مع الفارق لأن الحقوق قسمان :
الأول : حق الله .
الثاني : حق العباد .
فحقوق العباد قائمة على العدل والإنصاف والتقاص ولزوم ابراء الذمة واعادة المستحق للغير اما حق الله فانه يبتنى على المسامحة والعفو.
اما من جهة الشرع فان ظاهر النصوص والأخبار ان الأمارة على نحو الطريقية .
ونسب إلى المعصوم عليه السلام (كل شيء لك طاهر حتى تعلم نجاسته) ولم أجد هذا القول عن أئمة أهل البيت عليهم السلام والظاهر أنه مستقرأ من حديثهم ، نعم ورد في المرسل (عن أبي الحسن عليه السلام في طين المطر أنه لا بأس به أن يصيب الثوب ثلاثة أيام إلا أن تعلم أنه قد نجسه شيء بعد المطر ، فإن أصابه بعد ثلاثة أيام فاغسله ، وإن كان الطريق نظيفاً لم تغسله)( ).
وهذه القاعدة لا تتنافى مع السببية اذا جاءت قراءته باعتبار الحكم بانه طاهر وترتب الأثر والمصلحة وفق هذه الأمارة الى ان تعلم نجاسته.
أما من جهة العرف فانه لا يقيم وزناً للأمارة في حال عدم مطابقتها الواقع ولا يتلقاها بالتسليم، وفي حال الشك والريبة في عدم موافقتها للواقع، والعرف لا تخرج عن عمل العقلاء بل أكثر دقة منه سواء كان الموضوع عرفياً محضاً كالصحة والمرض، والغنى والفقر، او شرعياً مستنبطاً كالطهارة والنجاسة.
السببية
الثاني : مسلك السببية : ومفاد هذا القول هو اعتبار الأمارة والسبب لتدارك المصلحة المحرزة في الواقع، وإختاره الشيخ الأنصاري وبه ورد على ابن قبة بان التعبد بالظن يؤدي الى تفويت ما في الواقع من المصلحة للمكلف او يؤدي الى وقوعه في المفسدة اذا تعارض الظن مع المصلحة أو أن اللجوء إلى العمل بالظن مع إمكان العلم وعدم مخالفة الواقع، قال تعالى[إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا] ( ).
وتعني السببية في تحقق الملاك في متعلق الأمارة بمعنى ان الأمارة عند قيامها تسبب باستحداث حكم وصيرورته طبق هذه الأمارة فلا ينحصر الحكم حينئذ بالأمر الواقعي.
وهو المسمى بالتصويب وسيأتي بيانه ان شاء الله وقد نسب هذا القول للأشعرية.
وهناك قول آخر نسب الى المعتزلة وهو انه عند تعذر الحكم الواقعي والعمل بالحكم الظاهري ودليله الفقاهتي تحصل مصلحة في مؤدى الأمارة والا لكان العمل بها لغواً .
ولكنها تصبح كالحكم الثانوي الطارئ وتقدمه على الحكم الأولي.
وهذا لا يمنع من سقوط حكم الأمارة وبطلان التعبد به عند انكشاف الحكم الواقعي وتبدل الموضوع لأن المصلحة حينئذ تنحصر بالحكم الواقعي.
السببية السلوكية
هناك اتجاه آخر اطلق عليه السببية السلوكية وهي مفاد ما ذهب اليه الشيخ الأنصاري وبها قال الشيخ النائيني ان الله عز وجل جعل أحكاماً واقعية لملاكات ومصلحة في ذاتها ومتعلقها ومصاديقها الخارجية عند غياب الحكم الواقعي يؤتى بالحكم الظاهري وفق الأمارة فيكون سلوك الأمارة على وجهين :
الأول : انها موافقة للواقع .
الثاني : انها مخالفة لواقع .
ولا خلاف في الأول لأن المأتي به مطابق للمأمور به كما لو إستصحب الطهارة في وضوئه او إعتمد اصالة الطهارة في ثوبه وإنكشف الواقع مطابقاً للأمارة والأصل العملي .
أما الثاني لو كان الحكم الظاهري ومؤدى الأمارة بخلاف الواقع كما لو إستصحب الطهارة وتبين بعد الصلاة انتقاض وضوئه قبلها وانه صلى بلا طهارة.
فكأن سلوك الأمارة واتباعها يكون بالواسطة وعن مقدمتين:
الأولى : حجية الأمارة وعدم بقاء المكلف متحيراً.
الثانية : وجود تكليف في اليمين وقبح ترك تكليفه، فحينئذ تكون في الأمارة مصلحة ذاتها تتمثل بسلوكها والعمل بمتعلقها باعتبار انها تدارك للمصلحة الواقعية .
مقارنة بين الطريقية والسببية
من وجوه الإختلاف بين الطريقية والسببية:
الأول : لا مصلحة في سلوك الأمارة سوى ادراك الواقع ان إتفق، ومع عدم الإتفاق فكأنه لم يفعل شيئاً .
فالأمارة سعي للكشف عن الواقع وطلبه على نحو الكاشف الظني، اما على السببية فهناك مصلحة في تبعية الأمارة وترتيب الأثر عليها، وهذه المصلحة هي التي أوجبت جعل الحكم النفسي بحسبها.
الثاني : على مبنى الطريقية يسقط الحكم الواقعي عن الفعلية في حال اصابة الأمارة للحكم الواقعي واتيان الفعل بحسب الحكم الواقعي ومطابقتها له أما في حال المخالفة فان الحكم الواقعي باق على فعليته .
أما على القول بالسببية فان الحكم الواقعي يسقط عن الفعلية في صورة اصابة الأمارة او خطئها، لأن الحكم الظاهري يسقط عن الإتيان بالفعل بحسب الأمارة فلا يبقى موضوع للتكليف.
الثالث : لو شهدت البينة على رؤية هلال شوال فعلى الطريقية يثبت العيد وتبرأ الذمة اذا وافقت البينة الأمر الواقعي، وبعكسه فلا تبرء الذمة، اما على القول بالسببية فانه تبرأ الذمة لإستحداث حكم موافق للأمارة، ولكن لو ظهر بطلان البينة لم يقل أحد بصحة الفعل، نعم القائل بالسببية قال بالتفصيل في الإجزاء وعدمه ولأن الباقي واجب فلابد من استيفائه.
الرابع : لو خالف المكلف الأمارة ولم يعمل بمؤداها فما هو الحكم على القولين : اما على مسلك الطريقية فان هذه المخالفة عصيان اذا جاءت مخالفة للحكم الواقعي سواء جاءت هذه المخالفة عصياناً للشارع لمخالفتها له كما لو شهدت البينة برؤية هلال رمضان ولكنه لم يصم صبيحتها ثم تبين ان البينة خاطئة ، فانه يؤثم لمخالفته الذي يستحدث معه حكم واقعي.
الخامس : اذا إنكشف الخلاف بمعنى ان الأمارة لم تصب الواقع، فعلى الطريقية تكون باطلة ولابد من الإعادة في الوقت والقضاء خارجه، اما على مسلك السببية فانه يحصل الإجزاء في بعض الحالات، كما لو أخبر الوكيل الثقة بغسل الثوب من النجاسة وصلى المكلف به ثم تبين الخلاف .
فان الصلاة به صحيحة، وهذا الوجه هو أعم وجوه الإختلاف بينهما في باب الإمتثال والفعل.
ويلاحظ أن القول بالطريقية لا يخلو من التشديد في الأحكام .
قد يقال ان القول بالسببية هو ذاته القول بالتصويب الذي يعني تبعية واقع الشيء لما أدى اليه الطريق المعتبر وهو بعيد، وبينهما عموم وخصوص من وجه ، فمادة الإفتراق بالسببية يكون الحكم الواقعي معه باق على ملاكه وما فيه من المصلحة الا انه في مرتبة الفعلية يسقط الحكم الواقعي، ولكنه يبقى في مرتبة الإنشاء.
وان تحدث مصلحة في اتباع الأمارة كنفي التمييز وجعل الأداء بالأقرب ومع التسهيل والتيسير للمكلف في عمله وجبر ما فات من الواقع وحدوث مصلحة مستحدثة بسبب الحكم الظاهري والأمارة.
السادس : ان دليل الحكم الظاهري اذا كان لإيجاد شرطه الواقعي فلا يجزي بناء على حجية الأمارات من باب الطريقية، واما اذا كان من باب السببية فانه يكون مجزياً بوجوه ثلاثة كما سيأتي في الصفحة التالية.
ويجب الاتيان بالواجد لاستيفاء الباقي – إن وجب – وإلا لاستحب . هذا مع إمكان استيفائه ، وإلا فلا مجال لاتيانه ، كما عرفت في الامر الاضطراري (1).
تخلف الأمارة عن القطع
(1) الظاهر ان الماتن جعل الخلاف بين مسلك الطريقية والسببية صغروياً وبينهما عموم وخصوص من وجه فمادة الإلتقاء وجوب الإعادة حتى في حال السببية اذا كان الباقي واجباً، واستحباب الإعادة فيه إذا كان مستحباً.
ولم يجعل فرقاً بينهما فقال باتيان الباقي واستيفائه واجباً كان او مستحباً ، والعبادات لا تخلو من ان تكون واجبة او مستحبة ومفهوم السببية أعم منه.
وحجية الأمارات ليست ذاتية كما هو حال حجية القطع التي تكون بدون جعل واعتبار بل بالذات اما بالنسبة للأمارات فانها طريق لإرادة الوسطية والإثبات.
والشارع هو الذي جعلها ووضع الإعتبار لكشفها الناقص في عالم التشريع مع انها لم تبلغ درجة القطع، وقيل ان الأمارات والأصول التنزيلية تقوم مقام القطع الطريقي المحض لحكومة ادلة الإعتبار على الأدلة التثبيتية للأحكام الواقعية، ولكنه أدنى رتبة وطريق متزلزل لإختفاء الحكم الواقعي فاذا إنكشف الخلاف تكون الأمارة والأصل كالوهم والسراب أو قل لا تصل النوبة إليها .
فحينما يقول الماتن بانه يجب استيفاء الباقي على القول بالسببية ايضاً ان كان واجباً ، واستحباب الإتيان به ان كان مستحباً اعادة او قضاء مع امكان الإستيفاء يعني الإلتقاء بين الطريقية والسببية ولم يسقطه الا مع عدم الإمكان سواء كان شطراً كالركوع او شرطاً كالطهارة المائية مما يدل على نحو السببية تعني الإجزاء على نحو الواقع من وجوه:
الأول: اذا كان الفاقد للشرط او الشطر وافياً بتمام الغرض كما لو شككنا في جزئية القنوت في الصلاة او عدمها، فعدم الإتيان به لا يضر
ولا يخفى أن قضية إطلاق دليل الحجية – على هذا – هو الاجتزاء بموافقته أيضا ، هذا فيما إذا أحرز أن الحجية بنحو الكشف والطريقية ، أي بنحو الموضوعية والسببية ( 1 )
بتمامية الغرض في الصلاة سواء اتخذت الأمارة طريقة ام سبباً فيقوم الفاقد له مقام الواجد له.
الثاني : تعذر الإتيان بالباقي ان كان الفاقد لا يفي بالغرض كما لو شككنا بوجوب صلاة الجمعة في زمن الغيبة وكان من المتعذر اقامتها وادينا صلاة الظهر أربع ركعات.
الثالث : عدم وجوب او استحباب استيفائه مع امكانه وفي غيرها لا يحصل الإجزاء.
موافقة الحكم الظاهري
(1) أراد الماتن الجواب على اشكال مع ان اطلاق دليل حجة السببية هو حصول الإجزاء بموافقة الحكم الظاهري (ايضاً) أي كما في حال اطلاق دليل الحكم الإضطراري وحصول الإمتثال بدليله هو الأجزاء، وان الحجية على القول بالسببية لم تقيد الإجزاء بالصور الثلاث المتقدمة لعدم وجود مقيد كما في حال الحكم الإضطراري الذي لم يقيد البدلية باستيفاء الغرض بالبدل الإضطراري، او تعذر الإتيان بالباقي، او عدم وجوبه والإجتزاء هنا فيما اذا أحرز ان حجة الأمارات والأصول بنحو الطريقية والكشف كما هو المشهور فلا يحصل الإجزاء مع فقد الشرط او الجزء، او حصول الإجزاء في بعض الصور اذا احرز بان حجية الإمارات على نحو (الموضوعية والسببية).
ويشكل عليه ايضاً لم يجعل في كلامه اطلاقاً لدليل الحجية على الوجهين سواء الكشف والطريقية او السببية فانه جعل الفرق بينهما صغروياً وأعاد السببية الى الطريقية في أكثر الحالات وحرص الماتن على محو أي فرق معتبر بين الطريقية والسببية .
ثم تناول الماتن ما لو تعذر معرفة كيفية الحجية وهل هي على نحو الطريقية او الأعم منها .
فحينئذ تعمل أصالة عدم الإتيان بما يسقط معه التكليف أي ان المرجع فيه اصالة الإشتغال، لأن الأصل هو العلم باشتغال الذمة، فتستصحب الإشتغال، لعدم حصول العلم بالوفاء بتمام المصلحة لأن الحجية لم تكن على نحو السببية حتى يكون سببا ًللإجزاء واصابة الواقع، ولا الطريقية والكشف عن الواقع والإجزاء عند اصابته.
التصويب والتخطئة
أصل مسألة التصويب والتخطئة في باب الإجتهاد لذا ذكر في الحكم الظاهري مسالة السببية بلحاظ ان متعلق الإجتهاد هو الأدلة الظنية والموضوعات المرددة، وهذا الحكم الإجتهادي اما ان يوافق الحكم الواقعي للشريعة، أو لا يوافقه أي قد يأتي الحكم مصيباً للحكم الواقعي وقد يخطئه وفيه قولان:
الأول : التصويب بمعنى تصويب حكم المجتهد، وهو على قسمين:
الأول : ان الواقعة من حيث الحكم وانطباقه يكون فيها نص فلا تصل النوبة للإجتهاد.
الثاني : ما لم يكن في الواقعة نص، وهو على شعبتين:
الأولى : ما ورد عن الغزالي القول : انه ليس في الواقعة التي لا نص فيها حكم معين يطلب بالظن، بل الحكم يتبع الظن، وحكم الله تعالى على كل مجتهد ما غلب على ظنه .
وهو المختار واليه ذهب القاضي أي القاضي عياض( )، وأطلق على هذا التصويب التصويب الأشعري.
ونسب الى بعضهم انه ليس هناك أحكام واقعية بل ان الأحكام تابعة لما تقتضيه الأدلة والإمارات، وان الأمارة اذا قامت فهي السبب في حصول مصلحة وايجاد حكم شرعي على مؤداها، لذا يكون كل مجتهد مصيباً، والأحكام وان تعددت بتعدد المجتهدين فتكون كلها على صواب، وهذه النسبة بحاجة الى اثبات .
والأولى ان يقال بان يتعذر درك الواقع وحكم المسألة مع وجوده لأن القرآن جعله اللهتِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ فالله حكم في كل واقعة ، وان الخلل في نقص الممكن وعدم بلوغ الأوهام مضامين القرآن والسنة.
الثانية : ان كل واقعة فيها حكم معين يتوجه اليه الطلب، ووظيفة المجتهد اصابة المطلوب ، فلذا يكون في ظنه مصيباً ، وان أخطأ الحكم المعين بمعنى انه بذل الوسع في الطلب ولا يكلف باصابته وفيها تسليم بان الله عز وجل جعل احكاماً في الواقع وناشئة من المصالح والمفاسد الذاتية والعرضية ، وقد يقال هذه الأحكام انشائية ولا تصل الى مرحلة الفعلية والتنجز الا اذا دلت الأمارة عليها بمعنى ان الأمارة تكون سبباً في نشوء مصلحة في مؤداها مما يجعلها صالحة للحجية والعمل بمقتضاها .
فالاحكام الواقعية لا تشمل الا الذين يعلمون بها ويستنبطونها اما الذي يجهل الحكم الواقعي فانه معذور واذا اتخذ الأمارة طريقاً لإصابة الواقع ولكنها أخطأته فانه يكون معذوراً في ارتكابه ما ينافي الواقع .
وأطلق على هذا القسم التصويب ، ورد هذا الواقع وقال الشيخ الأنصاري (وقد تواتر بوجود الحكم المشترك بين العالم والجاهل الاخبار والآثار)( ).
ومنها النصوص التي تدل على الإحتياط وتؤكد على رجحان احراز الواقع والإجتهاد في اصابته حتى في حال الجهل به وعمومات الأدلة وترتيب الحكم على الموضوع فالحرمة ملازمة للخمر علم المكلف بذلك او لم يعلم الا ان حديث الرفع يتعلق بترتب العقاب.
التخطئة في الإجتهاد
الثاني : التخطئة : وهو الذي ذهب اليه نفر من علماء الإمامية( )، ويتكون من مقدمتين:
الأولى : ان لله عز وجل في كل واقعة حكم وانه سبحانه بينها بالقرآن الكريم الذي فيه تبيان كل شيء، او من خلال وحي النبوة وسنة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم القولية والعقلية والتقريرية والتدوينية ، وقول الأئمة المعصومين .
الثانية : الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد في متعلقاتها ، فالصوم واجب لما جعل الله فيه من المصالح الواقعية والثواب.
والزنا محرم لما فيه من الفساد وضياع المال واختلاط الأنساب وهتك الأعراض ، قال تعالى وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا .
ولم يرد لفظ (الزنا) في القرآن إلا في الآية أعلاه ، مع ذكر الزاني والزانية بصيغة الذم والتقبيح والعقوبة الدنيوية ، قال تعالى الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
وتدل هذه القلة في مسألة الزنا على تنزه عامة أجيال المؤمنين منه ، وابتعاد المسلمين عنه خشية من الله عز وجل .
هذا بالإضافة الى الجانب الأهم وهو ترتب الثواب والعقاب .
فلو كان مجتهد يقول بوجوب شيء وآخر يقوله بحرمته فانه يؤدي لإجتماع النقيضين او الضدين وهو محال اذ لا يصح ان يكون الفعل ذا مصلحة وذا مفسدة بذات الوقت وليس على نحو الجهتية مثلاً، لذا لا يصح ان نصوب رأي كل مجتهد خصوصاً وانه يعتمد الظن.
كذلك في الأصول العملية فلو اعتمد احد المجتهدين حال الشك أصالة البراءة واعتمد الآخر أصالة الإحتياط ، فلابد ان احدهما أخطأ الواقع فلذا سميت بالمخطئة والأولى اختيار اسم آخر غير المخطئة لأن معناه الظاهري اطلاق التخطئة في الوقت الذي يكون المراد تخطئة الإجتهاد والظن المخالف للواقع مع استفراغ الوسع في طلب الحكم الشرعي .
وهذا الإحتمال في مرحلة الجعل والإعتبار أما في مرحلة الفعلية وتحقق الأمر خارجاً فان كل مكلف يعمل بما وصل اليه من الدليل الواقعي او الظاهري او الإضطراري وفق طريقية او سببية الإمارات، فالتخطئة في مقام الجعل وليس الفعل وايجاده خارجاً.
موضوع الإجتهاد
الإجتهاد هو بذل الوسع والتحقيق لتحصيل الحكم الشرعي ، ومن الأحكام ما هو عقلي لا اجتهاد فيه مثل التوحيد ووجوب العبودية لله عز وجل ، وحدوث العالم ، قال تعالى بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ واثبات النبوة مطلقاً واثبات نبوة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
أما الأحكام الشرعية فهي على قسمين :
الأول : ما لا يجوز فيه الإجتهاد والتقليد اليقينيات والضروريات والأحكام التي وردت فيها نصوص قطعية الصدور والدلالة ، فهي واضحة لا تقبل تعدد التأويل ، ومنها وجوب الصلوات اليومية الخمس ، قال تعالى شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَوتحريم الزنا والربا والفواحش ، ولا اجتهاد في مورد النص أو في مقابل النص ، ومشهور المسلمين أنه لا يصلح الإجتهاد فيما وقع عليه الإجماع ، وهو لا يمنع من التحقيق في ثبوت النص رواية ودراية ودلالة النص ، والجمع بين الأدلة والنصوص .
وقد صدرت لي والحمد لله مائتان وسبعة وستون جزء من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) ولا زلت في تفسير الآية (196) من سورة آل عمران ، وهي لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِومع قلة كلمات هذه الآية فقد أختص
وفي الجزء الأول من رسالتي العملية (الحجة)
مسألة 5 (لا تقليد في الضروريات كوجوب الصلاة والحج والصوم، ولا في اليقينيات اذا حصل له اليقين الذي هو عبارة عن اعتقاد جازم ثابت مطابق للواقع، فلا تصل النوبة الى الإجتهاد او التقليد الذي هو نوع طريق لاتيان الفعل العبادي.)( ).
الثاني : ما يجوز فيه الإجتهاد من المسائل العملية الظنية ، وفي كثير من علوم والتفسير القرآن والأحاديث النبوية رواية ودراية .
ومع هذا الإختلاف فان الجميع قالوا بان المجتهد اذا بذل الوسع ولم يقصر في البحث فانه معذور ولا اثم عليه سواء اجتهد فأصاب الواقع او إجتهد وأخطأ أي ان الخلاف في المبنى لذا قال الشيخ حسن نجل الشهيد الثاني في معالم الدين وكيف كان فلا أرى في البحث في ذلك بعد الحكم بعدم التأثيم كثير” ولكن البحث لا ينحصر في باب الإثم والعقاب بل بمدى الإجتهاد واعتماد الظن في الشريعة وهو أمر في غاية الأهمية.
وكأن الشيخ الأنصاري إختار برزخاً ووسطاً بين الأمرين يقوله (بالمصلحة الساكوكية او السببية النوعية) اذ انه أقر بعدم وجود مصلحة في متعلق الأمارات والطرق سواء على القول بانها كاشفة وطريقية او على القول بالسببية فانها غير مؤهلة لجعل مصلحة في متعلقاتها.
وانما المصلحة في سلوك هذه الأمارات واتخاذها طرقاً لأنها مجهولة من قبل الشارع، ومصلحة هذا السلوك تدارك ما فات المكلف من الواقع ان أخطأت الأمارات الواقع ولم تصبه وتقييد المصلحة بسلوكها بمعنى انها لا تفيد الإجزاء مطلقاً او على نحو القطع بل ان المصلحة تتعلق باتخاذ الأمارة او الأصل طريقاً او سبباً.
وأما إذا شك ولم يحرز أنها على أي الوجهين ، فأصالة عدم الاتيان بما يسقط معه التكليف مقتضية للاعادة في الوقت ، واستصحاب عدم كون التكليف بالواقع فعليا في الوقت لا يجدي ، ولا يثبت كون ما أتى به مسقطا ، إلا على القول بالاصل المثبت(1)
أصالة الإشتغال
(1) مفاد كلامه قدس سره انه اذا شك في الإبراء وعدمه، ولم يحرز ان امتثاله كان على الطريقية لدرك الواقع، او على نحو السببية والإجزاء في بعض التكليف بمعنى ان الأمارة لم تكن طريقاً او سبباً لدرك الواقع فان العمل بمقتضاها غير مجز وان جاء وافياً لتمام الغرض لبقاء الأمر على الفعلية وانكشاف الخلاف وعدم مطابقة الأمر الظاهري والأمر الواقعي وان لم يصرح الماتن بحصول انكشاف الخلاف كشرط في وجوب الإعادة.
وقد ذكر الماتن قاعدتين متعارضتين في المقام:
الأولى : أصالة عدم الإتيان بما يسقط معه التكليف.
الثانية : استصحاب عدم كون التكليف بالواقع فعلياً في الوقت، وتسقط الإعادة في حال كون الأمارة جاءت للسببية، ولا يعني عدم فعلية الواقع، بل ان الواقع لا يسقط اذا ثبت قيام الأمارة على خلافه وليس باستصحاب عدم فعلية الواقع ، لأن الأصل هنا هو الإشتغال وحصول الشك بافراغ الذمة بعد العلم بالتكليف وهو مقدم على استصحاب عدم الإتيان بالمسقط.
واصالة عدم الإتيان بالمسقط أمر عقلي فلذا قال الماتن الا على القول بالأصل المثبت.
لو شهدت البينة برؤية هلال شوال وأصبح المكلف مفطراً ثم تبين خطأ البينة كما لو أكدت الأخبار الرصدية الدقيقة عدم ولادة الهلال في عموم
وأما القضاء فلا يجب بناء على أنه فرض جديد ، وكان الفوت المعلق عليه وجوب لا يثبت بأصالة عدم الاتيان ، إلا على القول بالاصل المثبت ، وإلا فهو واجب ، كما لا يخفى على المتأمل ، فتأمل جيدا(1)
الأرض قبل غروب تلك الليلة او ان البينة تأكد لها حصول الإشتباه فحينئذ هل تنقطع البينة .
الجواب نعم ، لأن الصيام حكم واقعي إشتغلت به الذمة قطعاً لإكمال العدة، ويشك في سقوطه بالبينة على رؤية الهلال .
فقاعدة الإشتغال مقدمة ويجب القضاء سواء قلنا بالطريقية او السببية او شك (ولم يحرز انها على أي الوجهين) كما ذهب اليه الماتن.
ان عدم احراز كون الأمارة من أي الوجهين لا يعني انقضاء أثرها، لأن هذين الوجهين وصف وبيان وتفسير للأمارة وأثرها ولا يعني حصول خصوصية اضافية لها .
وعدم القول بانها من أحد الوجهين لا يعني اعدام اثرها وموضوعها لوجودها فعلاً، الا ان يقال بارادة عدم الأثر نهائياً ، وحصر مفهومها وأثرها بالقول بهذين الوجهين وهو خلاف.
بقاء التكليف
(1) بعد ان فرق الماتن بين أمرين:
الأول : استصحاب بقاء التكليف لأن لم يحرز ان الحجية على نحو الطريقية ام السببية ، فأصالة عدم الإتيان مما يسقط معه التكليف لأن الشك في المكلف به ، وان كان بالإمكان جعل الأصل هنا قاعدة الإشتغال.
الثاني : جاء المكلف بالإمتثال الإضطراري او الظاهري لأن حجية الأمارة على نحو السببية، وشك هل يجزي هذا الإمتثال والأداء عن المصلحة بالمأمور به الواقعي الأولي .
فالأصل حينئذ البراءة وعدم وجوب الإعادة لما يستحدث من السببية والموضوعية للأمارة ، ولأن الشك انتقل الى الشك في التكليف والمأمور به بالأمر الواقعي الأولي، فالأصل البراءة منه.
أتجه الماتن الى ذكر مسألة وهي : لو أدعى بالأمر الظاهري والإضطراري ومؤدى الأمارة من غير ان تكون حجيتها على نحو الطريقية او السببية، وأنكشف الخلاف بعد الوقت فهل يجب القضاء او لا ، قال الماتن فيه تفصيل وهذا التفصيل يتعلق بالقضاء وهل هو بأمر جديد ام انه بالفرض الأول.
قول الماتن (والا) أي وان لم يكن القضاء بفرض جديد، فيصبح واجباً بالأمر الأول لأصالة عدم الإتيان، فاذا ارتفع الإضطرار او إنكشف عدم تمامية الأمر الظاهري وعدم احراز حجية الأمارات بنحو السببية او الطريقية، فلا يجب القضاء لعدم امكان اثبات الفوت وهو موضوع وجوب القضاء الا بالأصل المثبت لأنه من اللوازم العقلية للشك في وجوبه وهو منفي باصالة البراءة.
ولكن اصالة عدم الإتيان لا يستلزم ثبوتها القول بالأصل المثبت وان لم تصل النوبة اليه لأن الشك في الطريقية والسببية لا يعني سقوطها بل لابد من ترجيح أحدهما او ايجاد مفهوم آخر للأمارة، والأصل مضاف الى السببية والطريقية نعم أصالة عدم الإتيان معارضة مع الإتيان بالأمر الإضطراري والظاهري وهو مقدم عليها.
الأصل المثبت
الأصل المثبت هو إثبات أمر شرعي عن طريق أمر عقلي ونحوه فتستصحب طهارة الثوب ، ويترتب على هذا الإستصحاب أثر شرعي ، وهو جواز الصلاة في هذا الثواب .
وفي صحيحة زرارة عن الإمام الباقر عليه السلام (قال : ولا تنقض اليقين أبداً بالشك ، وإنّما تنقضه بيقين آخر)( ).
القطع
القطع اصطلاح أولي يراد به الجزم واليقين والإنكشاف التام سواء كان منشأه البرهان او الأدلة الأخرى كالأمارة، ويختلف عن القطع بالإصطلاح المنطقي بالطريق والواسطة اذ ان الأخير ينحصر طريقه وسببه بالبرهان.
اما القطع الطريقي فهو اعتماد القطع كاشفاً عن الواقع من غير ان يؤثر في ذاته لأن الأصل وجود الواقع، والقطع يعتمد طريقاً لمعرفته واكتشافه.
والمراد من القطع الموضوعي هو اتخاذه موضوعاً لحكم بمعنى ان الحكم يترتب على القطع كما اذا علمت بان هنداً أخت زيد بالرضاعة فان الحكم حرمة النكاح بينهما لقوله تعالى في آية التحريم [وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ] ( )، او علمت ان هذا السائل خمر فانه تتعلق به الحرمة، فالقطع الموضوعي يتعلق بذات الموضوع.
وحجية القطع ذاتية ومصاحبة للموضوع وكاشفة عنه، اما حجية الأمارة فأدنى رتبة فقد تكون الأمارة موجودة، ولكنها ليست بحجة وذلك اذا كان القطع موجوداَ لأنه يكشف عن الواقع فلا تصل النوبة للأمارة او الأصل العملي، او انه يثبت بالعلم الوجداني ان الأمر الواقعي الأولي بخلاف مؤدى الأمارة او موافقاً لها ايضاً، لأن طريقية الأمارات في عالم الإثبات وعدم حصول القطع.
فطريقية الأمارة في عالم الجعل والإعتبار ما لم ينكشف الخلاف فاذا انكشف الخلاف فكانها لم تكن موجودة وتصبح لا إعتبار لها وان قلت ان القطع كذلك اذا إنكشف الخلاف وظهر خطأه يصبح كالسراب ولا إعتبار له،
ثم إن هذا كله فيما يجري في متعلق التكاليف ، من الامارات الشرعية والاصول العملية ، وأما ما يجري في إثبات أصل التكليف ، كما إذا قام الطريق أو الاصل على وجوب صلاة الجمعة يومها في زمان الغيبة ، فانكشف بعد أدائها وجوب صلاة الظهر في زمانها ، فلا وجه لاجزائها مطلقا(1)
قلنا ان الفرق بينهما ان حجية القطع ذاتية، والذاتي لا يتخلف عن البرهان فعدم حجيته أمر مستبعد بل غير معقول.
موضوعية الأمارات والأصول العملية في الأحكام
(1) بعد ان ذكر الماتن ما يتعلق بالتكاليف ومصاديقها بعد ثبوت أصل التكليف واللجوء الى الحكم الظاهري وإجزاء الإمتثال به او عدمه، على نحو الطريقية او السببية اتجه الماتن إلى بيان توظيف الأمارات والأصول العملية في ذات الأحكام .
كما اذا قامت أمارة على خبر الواحد أو البينة أو أصل كالإستصحاب على وجوب صلاة الجمعة، في عصر الغيبة وبعد الأداء المتحد او المتعدد لأسابيع عديدة إنكشف وجوب صلاة الظهر في زمن الغيبة فانها لا تجزي مطلقاً أي سواء قلنا بالطريقية او السببية وسواء كان الدليل أمارة او أصلاً والأمر الواقعي الأولي وجريان الإستصحاب في بقائه.
بمعنى ظهر استعمال الإستصحاب في غير محله، فهناك حكم واقعي اشتغلت الذمة به قطعاً وهو صلاة الظهر، وشككنا هل ان أداء صلاة الجمعة يجزي عنه على القول بالطريقية او على القول بالسببية.
ومع الشك بسقوط الظهر فالأصل عدمه لقاعدة الإشتغال وعدم كفاية المسقط فتجب الإعادة في الوقت والقضاء في خارجه.
اذن فما هي الفائدة من الأداء .
الجواب ان صلاة الجمعة تكون ذات مصلحة ايضاً كصلاة الظهر لأنها مؤدى الأمارة او الأصل وظاهره، مما يترشح عما ذهب اليه الشيخ الأنصاري بالمصلحة السلوكية، فبسلوك مؤدى الأمارة او الأصل تكون هناك مصلحة وان لم تعن هذه المصلحة الإجزاء او اسقاط أصل التكليف.
وإستدرك الماتن وأفاد بان استحداث مصلحة في صلاة الجمعة زمن الغيبة لا يتعارض مع بقاء المصلحة بصلاة الظهر لأن الحكم الواقعي الأولي جاء بالأمر بها واستثنى الماتن قيام دليل بالخصوص على عدم وجوب صلاتين في يوم واحد.
صلاة الجمعة مثالاً
لقد جاء الماتن بموضوع صلاة الجمعة من باب المثال وليس الحصر، فاذا ثبت عدم دليلية الأمارة والأصل وان ما وقع لم يطلب، وما طلب لم يقع فان قاعدة الإشتغال تقتضي الإعادة في الوقت والقضاء في خارجه .
لأن الأمارة او الأصل أخطأت أصل التكليف وليس متعلقه ومصاديقه، كما لو صلى الى جهة غير القبلة ثم علم شرطية القبلة في الصلاة فهو يختلف عمن يعلم شرطية القبلة ولكنه كان متحيرا في السفر ولم يعرف القبلة وصلى الى الجهة التي دلت عليها الأمارة او الأصل.
ظاهر كلام الماتن انه لو قام دليل بعدم وجوب صلاتين في يوم واحد فان إحدى الصلاتين الجمعة او الظهر تكون غير واجبة لأن الملاك بواقعة فتقع الثانية زائدة وقد أدى الأولى وهي الجمعة نعم ليس من واجب الا صلاة واحدة.
ولكن حتى على القول بعدم وجوب صلاتين في يوم واحد فان صلاة الظهر في الصورة أعلاه ووجوب الإعادة لأمور :
الأول : التباين بين الحكم الواقعي والظاهري، وان الحكم الظاهري في طول الحكم الواقعي وليس معارضاً له وثبت انه خلاف الحكم الواقعي.
الثاني : قاعدة الإشتغال.
الثالث : مؤدى الأمارة او الأصل بديل عن النص والدليل الإجتهادي في حال غيابه ، أما عند ثبوته فله الأولوية، ولا يعني هذا الإستصحاب القهقري الذي يكون فيه المتيقن متأخراً زماناً، والمشكوك هو السابق، كما لو علم بطهارة ثوبه اليوم وشك بطهارته أمس، فالإستصحاب القهقري يعني الحكم بطهارته يوم أمس ولم يقل به أحد من الأصوليين بالإستصحاب القهقري لأنه عبارة عن سريان الحالة المتأخرة زماناً عند المكلف الى حالة الشك الثابتة في الزمن السابق.
نعم في مسألة وهي معنى لفظ معين ورد فيه النص، كما لو كان المتبادر من لفظ الصعيد في هذا الزمان هو وجه الأرض ثم شككنا بمعناه زمن النص وأيام التنزيل تأتي أصالة الإثبات وهو أصل عقلائي بمعنى ثبات الألفاظ في اللغة الا ما خرج بالدليل وعليه سيرة العقلاء ولا صلة له بالإستصحاب القهقري.
وعلى فرض وجود مثل هذا الدليل وهو الظاهر من الخطابات التكليفية أي عدم وجوب صلاتين في يوم واحد فانه لا يسقط صلاة الظهر ايضاً لأن انكشاف وجوب صلاة الظهر يعني زحزحت أدلة صلاة الجمعة بلحاظ لو قامت بامارة او أصل عملي عليها للتسالم بان المكلف مأمور بصلاة واحدة اما الجمعة او الظهر ، فلا يثبت وجوب الظهر الا مع ظهور عدم تمامية الدليل على صلاة الجمعة وهذا خلف، لأن صلاة الجمعة عليها الكتاب والسنة والإجماع , قال تعالىيَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ.
بلحاظ المصالح والمفاسد في متعلقات الأحكام , وليس تبعية الأحكام لها لأن الله تعالى هو العالم والأحكام أعم.
وقبل الخوض في المقصود ، ينبغي رسم أمور : الاول : الظاهر أن المهم المبحوث عنه في هذه المسألة ، البحث عن الملازمة بين وجوب الشئ ووجوب مقدمته ، فتكون مسألة أصولية(1)
فصل في مقدمة الواجب
(1) المقصود من مقدمة الواجب هو ما يتوقف تحقيق الواجب والإمتثال عليها من غير ان يكون له شأن او دخل في ايجاب الواجب كما في الوضوء فهو مقدمة للصلاة ولا تتم الصلاة الا به لقوله تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ.
ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم لا صلاة الا بطهور( ).
وليس للوضوء موضوعية في وجوب الصلاة لأن الأمر بها جاء بالذات وليس بالعرض ، فلذا جاءت الآية أعلاه بصيغة الجملة الشرطية .
ومسألة مقدمة الواجب من البحوث اللفظية ولكنها تتعلق بوجود دلالة التزامية بين ايجاب الشيء وايجاب مقدماته من جهة الشرع .
وهل يدرك العقل هذه الملازمة وأنها ملازمة عقلية .
الجواب نعم لترشح هذا الإدراك عن الحكم الشرعي، ولا مانع من جعلها من المسائل الأصولية لأن ضابطها هو وقوعها في طريق استنباط الحكم الكلي الفرعي وكونها جزء أخيراً لعلة الإستنباط وكبرى لقياس ينتج حكماً كلياً فرعياً.
وما هو واجب تجب مقدماته، والحج واجب فمقدمات الحج من قطع المسافة ونحوها واجب.
والواجب لا يمكن اداؤه إلا عند وجود مقدماته ولا يجب السعي لتحصيل مقدماته، والمقدمة لغة تقرأ بكسر الدال، وفتحها، والأول أفصح وأظهر ، وفي التهذيب: مقدمة البحث بكسر الدال أوله الذين يتقدمون الجيش.
ونسب ابن منظور فتح الدال الى القيل وهو تضعيف له : ففي لسان العرب (وقيل انه يجوز مقدمة بفتح الدال ويكون المعنى بالفتح ان غيره قدمه)( ).
ومقدمات الوجوب : وتسمى المقدمات الوجوبية ، وهي الأمور التي يتوقف عليها الفعل وتحقيق الملاك ولها دخل في وجوب الشيء بحيث لو إنتفت هذه المقدمات لم يحصل ملاك الوجوب سواء تحققت مقدمات الواجب أو لم تتحقق.
ومن مقدمات الوجوب البلوغ والعقل والإختيار وهي من شرائط التكليف العامة ، والإستطاعة والمال من مقدمات وجوب الحج.
ولابد من التمييز بين مقدمات الوجوب ومقدمات الواجب فالوضوء مقدمة للواجب وهو الصلاة ولكن هذا الواجب لا يتوجه الخطاب التكليفي به الا بعد البلوغ، ومسألة المقدمة تشمل الواجب المطلق والمقيد، وكذا بالنسبة للحج، فالحج واجب ولكن هذا الوجوب لا يتوجه الى المكلف الا بعد حصول الإستطاعة ، قال تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وحلول موسم الحج ، قال تعالىالْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ، وأشهر الحج هي شوال وذو القعدة وذو الحجة.
مقدمة الحرام
وهي المقدمة التي يتمكن المكلف معها من ارتكاب الحرام، ولولا تلك المقدمة لم يتمكن من ارتكاب الحرام، كما لو أراد السرقة وإحتاجت السرقة الى السفر او الى التواطئ مع جماعة آخرين، او أراد قتل النفس المحرمة واستلزم شراء سلاح للفتك والقتل.
ومن مقدمات الحرام ما ينتج عنه الحرام تلقائياً وبلا واسطة، وكأنه من قانون العلة والمعلول والسبب والمسبب فهي من المقدمات التوليدية بحيث لو جاء بها المكلف يأتي بعدها بالحرام، وهذه المقدمة على فرض وجودها حرمتها ذاتية.
ومن الحرام ما يكون مقدمة لحرام آخر غيره ، فتكون حرمته نفسية وغيرية ومنها ما يأتي بها المكلف باختياره وقصد جعلها واسطة الى فعل الحرام وهو حرام بالحرمة النفسية بلحاظ انه محرم شرعاً والا فان حرمتها غيرية لثبوت الملازمة بين ايجاب الشيء وايجاب مقدماته ، وحرمة الحرام وحرمة مقدماته.
نعم قد يقال ان الملازمة في الحرام غير تامة، فقد يحصل اختيار للمكلف يحول دون فعل الحرام , وقد يصرفه الله عن المعصية أو يدفعها عنه.
ومن العصمة إمتناع المعصية وعندي أن البرهان نعمة من عند الله وهو حاضر وقريب من كل إنسان وفي كل معصية إلا أنه من الكلي المشكك الذي يكون بمراتب تشكيكية متباينة .
فتجلى ليوسف بوضوح بحيث رآه، وقد يمر على بعض الناس سريعاً كلمح البصر أو على نحو اللوم الذاتي عند العزم على فعل المعصية.
لذا وردت النصوص بمن هم بالسيئة ولم يفعلها فتكتب له حسنة، ومع ان الهم العزم والنية إرادة فعل الشيء الا انه يلحق به تهيئة مقدمات الحرام من باب الأولوية القطعية، وان لم تكن تلك المقدمات محرمة بذاتها، بمعنى انه لو هيئ مقدمات الحرام ثم استدرك ولم يأتِ بالحرام يكتب له حسنة، الا ان تكون تلك المقدمات محرمة بذاتها.
ومن الشواهد القرآنية وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ، فان امرأة العزيز همت بالفاحشة ولكن يوسف عليه السلام معصوم، والفاحشة نوع مفاعلة بين طرفين، فلم يحصل الحرام وان هيئت امرأة العزيز مقدماته، وهي تؤثم في هذه الحالة لسوء الفعل والتجرأ.
المقدمة الخارجية والداخلية
تقسم المقدمة بلحاظ الماهية الى :
الأول : المقدمة الخارجية : وهي الفعل والأمــر الخارج عن ماهية المأمور ذاتاً وتقييداً ، وليست من الشرائط او الموانع ولكن المأمور به يتوقف عليها، فالطهارة مثلاً ليست من المقدمات الداخلية بل هي شرط خارجي للصلاة، وقيد داخلي لها لوجوب استدامة الطهارة في الصلاة وتشملها عمومات قول الإمام الباقر عليه السلام (لا صلاة الا بطهور)( ).
بمعنى ان الطهور وضوءً أو غسل جنابة أو تيمماً شرط ومقدمة للصلاة وهو ايضاً قيد داخلي اثناء الصلاة لذا لم يجعل بعضهم الطهارة من المقدمات الخارجية، ولكن الطهارة كلي طبيعي، فبلحاظ التوضأ وذات الفعل تكون الطهارة مقدمة خارجيـة وبلحـــاظ استـــدامتها تصبح قيداً ومقدمة داخلية على القول بها.
الثاني : المقدمة الداخلية : وهي أجزاء المأمور به التي تكون جزء منه , إذ ان المركب يتكون من أجزاء ولا يتقوم الا بتمامها، ويتقيد بها، ولكن هذا التعريف والإقرار بانها جزء من الواجب يخرجها من مفهوم المقدمة تخصصاً، فالجزء غير المقدمة وجعل بعضهم القراءة في الصلاة مثلاً من المقدمة الداخلية ، ولا أصل له.
نعم يمكن جعل تطهير الثياب او الوضوء مقدمة داخلية بلحاظ دخوله جزء في ماهية الفعل العبادي تقيداً لا ذاتاً، فالطهور غير الصلاة لأن الصلاة أفعال عبادية مخصوصة، ومن وجوه خروج أجزاء الفعل عن معنى المقدمة انها خارجة عن الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته، ومن لا يأتي بالقراءة في الصلاة لا يقال عرفاً انه لم يأت بمقدماتها.
والقائل بالمقدمة الداخلية بهذا المعنى جعل الجزء مقدمة للكل وأراد من المقدمة مطلق ما يكون وجود ذي المقدمة متعلقاً بوجوده بغض النظر عن التباين بين وجود المقدمة ووجود ذيها أو عدم حصول التباين والتغاير ، وهل تصدق المقدمة على جزء المركب لأنه يتوقف عليه .
والأقوى الأول وان المقدمة ما يكون وجودها مغايراً خارجاً عن وجود ذي المقدمة، وهو المشهور لأن البحث في مقدمة الواجب يتضمن البحث عن الملازمـة بين وجوب الشــيء ووجوب مقدمــته .
وان الأجزاء عين الكل، والمركب متكون من ذات الأجزاء فتنحصر المقدمة بالخارجية ولا يتصور الداخلية .
أقسام المقدمة الخارجية
تقسم المقدمة الخارجية بحسب منشئها الى أقسام ثلاثة :
الأول : المقدمة العقلية : وهي التي يكــون منشــؤها الأمـــور التكـــوينية ويلتزم العقل باستحالة حصول ذي المقدمة دون حصولها كالعلة والمعلول، فمع عدم وجود العلة لا يوجد المعلول، لذا يستحيل تأخر المقدمة عن ذيها كاستحالة وجود المعلول قبل علته التامة ، ومن المقدمة العقلية قطع المسافة لأداء مناسك الحج .
الثاني : المقدمة الشرعية : وهي المقدمة التي نص عليها الشـــرع وجعل المأمور به متوقفاً عليها ولا يكون جامعاً للشرائط وصحيحاً الا بها، ووصفها بالشــرعية لأن الشارع هو الذي جعلها مقدمة للواجب مثل ثبـــوت رؤية هلال رمضان ، قال تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.
الثالث : المقدمة العادية : وهي المقدمة التي تقتضي العادة الإتيان بها من أجل تحصيل ذيها ، دون ان يكون لها دخل في تحصيل ذي المقدمة حتى مع عدم وجودها.
ومنهم من جاء بمثال على المقدمة العادية وهو السفر الى الحج ولكن السفر مقدمة عقلية لإستحالة تحقيق الحج بالنسبة للآفاقي الا بالسفر الى مكة لذا جعل جزء من الإستطاعة.
ومنهم من جعل العادة والعرف في اصطلاح الفقهاء واحداً، وعرفه الجرجاني بانه ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول، وتلقته الطبائع بالقبول .
والظاهر ان العادة أعم من العرف، فملاكها الإعتياد والتعاقب والتوالي في الفعل والوجود، اما العرف فهو أخص، والتبدل والتغيير أسرع اليه من العادة وهو سور ملاحظ عند الفعل، أما العادة فتتعلق بذات الفعل ويمكن جعل المقدمة العادية فرعاً للمقدمة العقلية أو الشرعية بحسب الموضوع واللحاظ.
والمقدمة العادية التي لها موضوعية حسب العادة عند الإتيان بذي المقدمة ويمكن الإتيان بذي المقدمة من دون هذه المقدمة ، فمثلاً تسخين الماء للوضوء في الجو البارد فالوضوء هو ذو المقدمة ، واعتاد المكلف تسخين الماء ، ومثل سماع مدفع الإفطار إيذاناً بحلول وقت إفطار الصائم .
المقدمة المفوتة
وهي المقدمة التي يؤدي تركها وعدم تحصيلها الى فوات الواجب وعدم الإمتثال وان لم يتوجه الخطاب التكليفي في حينه .
فاذا كان أداء الواجب يستلزم فعلاً معيناً لتكون فعلية للحكم ولكن المكلف تخلف عنه عن تصور او تقصير فانه يسمى المقدمة المفوتة، وهي أعم من الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته، لذا قيل ان وجوب المقدمات المفوتة عقلي لأنه متعلق القدرة على التحفظ على موضوعه قبل توجه الخطاب التكليفي كما لو كان عند المكلف ماء في وقت السحر من ليلة رمضان وكان عليه غسل جنابة ولكنه أهرقه.
وتلحق به موضوعية الطهارة ساعة طلوع فجر يوم الصيام ولكنه أجنب عمداً في وقت لا يسعه معه الغسل او التيمم والأقوى ان وجوب عدم تفويت المقدمة وجوب شرعي عقلي ايضاً للملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع ولعمومات وجوب المقدمة لوجوب ذيها اذ انه ليس من دليل يحصر وجوب المقدمة بما اذا توجه الخطاب التكليفي فعلياً بعد العلم بكونه في معرض الحدوث مع دوران الساعات وطرو وقت التكليف.
ومنها مثلاً اجراء اوراق التقديم للحج وجواز السفر ونحوه قبل الأوان لأن تركها في هذا الزمان تفويت للحج في أوانه ، مصاديق مقدمة الواجب قد تعددت الأقوال في مقدمة الواجب منها :
الأول : انها واجبة شرعاً.
الثاني : انها واجبة عقلاً وليس شرعاً.
الثالث : ترشح الوجوب من ذي المقدمة، فاذا كان واجب نفسياً فتجب المقدمة والا فلا تجب.
وعن السيد المرتضى في الذريعة والشافي حكى فيهما اطلاق القول بان الأمر بالشيء امر بما لا يتم الا به وقال بالتفصيل: ان كان الذي لا يتم ذلك الشيء الا به سبباً فالأمر المسبب يجب ان يكون امراً به، وان كان غير سبب وانما هو مقدمة للفعل وشرط فيه لم يجب ان يعقل من مجرد الأمر انه أمر به.
والمختار والمشهور أن الأمر بايجاد فعل مخصوص أمر به وبما لا يتم الفعل إلا به كالأمر بالصلاة ، في قوله تعالى وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ، فان الأمر بالصلاة أمر بالطهارة التي هي مقدمة لها ، وهو معنى قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به يكون واجباً ، ومنه قطع المسافة يوم التاسع من ذي الحجة أو قبله للوقوف على عرفة .
المقدمة الواجبة
يتعذر على المكلف اتيان الفعل حال تعذر المقدمة الواجبة وتخلف الشرط ، وهو من التكليف بما لا يطاق.
والاقوى إنها مقدمة شرعية وعقلية ولم تصل النوبة الى استقلال العقل بالملازمة بين ارادة الشيء وارادة مقدماته في الأحكام الشرعية .
ومنهم من أطلق لفظ المانع على ازالة النجاسة عن الثوب للصلاة ويمكن ان نستحدث له عنواناً هو (المقدمة السلبية للواجب) منها عدم لبس النجس وازالة الموانع عن الجسم في الوضوء.
وهل كانت الآيات التي جاء بها عيسى عليه السلام مثلاً مقدمة لاداء بني إسرائيل للعبادات ، أم أنها آية مستقلة وكذا بالنسبة للمعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الجواب ان موضوع المقدمة يتعلق بفعل العبد كالوضوء بالنسبة للصلاة، ولكن الله عزوجل لطيف بالعباد فيأتي بالآيات التي تقربهم الى الطاعة وتساعدهم على إتيان الواجبات واجتناب المعاصي فتكون الآيات مقدمة وهبة واعانة على الامتثال .
ومنها البشارات ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الكتب السماوية وعلى لسان الأنبياء السابقين ، وورد على لسان عيسى بن مريم في التنزيل وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ.
ومن الإعجاز القرآني النسبة بين مضامين هذه الآيات وخاتمتها التي تتجلى في هذه الآية .
فقد ذكرت الآيات معجزات عيسى على نحو التفصيل والبيان الذي يبهر العقول ثم ختمت بسؤاله لهم بعبادة الله ، لأنها العلة الغائية لخلق الإنسان.
لتضاف هذه المعجزة الشخصية الى الآيات الكونية والبراهين المنتشرة في الآفاق التي تدل على التوحيد وتدعو الى الإيمان وتترشح عن الآية صيغ العبادة التي يريدها الله عز وجل من بني اسرائيل وهي التي جاء بها عيسى عليه السلام لحجية الآيات التي جاء بها، والإخبار بانه ينسخ شطرا مما حرم على بني اسرائيل في التوراة , وهو علامة على مجيئه بشريعة وأحكام متكاملة.
وكان الأنبياء يدعون قومهم الى المبادرة الى عبادة الله من غير فترة او تراخِ، فالأمر من المضيق وليس الموسع ولا يجوز التسويف والتأخير فيه.
سد الذرائع
وفي مقابل مقدمة الحرام أطلق بعض الأصوليين لفظ سد الذرائع وفتحها على الوسائل واعتمدوا في بعضها الإستحسان والوسائط الموصولة الى الشيء ومنهم من جعل اصطلاح سد الذرائع حصراً بالوسائل المؤدية الى المحرم، وسدها يعني المنع من اتخاذها وسيلة للمفسدة وقسمها الى قسمين:
الأول : ما ليس بمحرم بذاته، ولكنه يؤدي الى مفسدة.
الثاني : ما يكون فيه مفسدة ذاتية ويؤدي الى مفسدة محرمة كشرب الخمر، فان هذا الشرب وحده حرام، ويؤدي ايضاً الى السكر وهو محرم.
ونطرح مسألة جديدة في المقام وهي هل يمكن جعل المقدمة وذيها من المتضادين والعنوان من المتقابلين، وهما العرضان الوجوديان من نوعين يتعذر حصول الإجتماع بنيهما، ولا يتوقف تصور أحدهما على الآخر، كالسواد والبياض .
والجواب انهما ليسا من الضدين وان تباين زمانهما، لأن توقف ذي المقدمة على المقدمة أعم من الضد، وقد تدخل المقدمة شرطاً في ذيها وقد تكون استدامتها جزء منه، كما في التوضأ كمصدر في معناه اللغوي فانه مقدمة خارجية للصلاة، أما حال الوضوء والطهارة كاسم مصدر فانه مصاحب لأفعال الصلاة وجزء منها، فلا تفنى او تنعدم خصائص المقدمة عند الشروع بذيها.
كما في الطهارة من الجنابة فهي مقدمة للصيام، واستدامتها شرط في صحته، ومن خصائص التضاد انه ينفي الجامع بين طرفيه، في حين تتداخل المقدمة وذيها في الحيثية والإعتبار والموضوع ولا تجد تعارضاً بينهما .
ومن باب الأولوية ان لا تكون المقدمة وذيها من النقيضين وهما الإيجاب والسلب، والوجودي والعدمي، وهذا لا يمنع من كون أحدهما قسيماً للآخر وليس قسماً منه.
الواجب العيني والكفائي
والأول هو الفعل الذي يتعلق بكل مكلف، واذا أداه مكلف فانه لا يسقط عن غيره لأن كل واحد مكلف عيناً بأدائه .
ويقابله الواجب الكفائي، وهو المطلوب من جهة المكلف به، أي طبيعي المكلف بنحو صرف الوجود، ويتوجه الخطاب فيه الى جميع المكلفين الا انه يكتفى بأداء فعل واحد عن المكلفين الآخرين .
أما اذا تركوه جميعاً ولم يقم احد به فانه يؤثم الجميع، ومنه رد السلام وتغسيل الميت.
الواجب المنجز والمعلق
أما الأول فيعني اتحاد زمان الوجوب والواجب كالصيام حين رؤية الهلال، فزمان الوجوب هو رؤية الهلال ويتحقق الواجب في نفس اليوم، وكالصلاة حين دخول وقتها، اذ يتوجه بها الخطاب التكليفي الى المكلفين ، قال تعالى أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا.
الواجب الموسع والمضيق
وهذا التقسيم بلحاظ الوقت وأوان الأداء، فاذا كان الوقت يتسع للأداء في آنات متعددة فهو موسع، كصلاة الصبح فان وقت أدائها يستمر من طلوع الفجر الى طلوع الشمس، ومتى ما أديت كانت مجزية، ولكن لا يجوز تركها طيلة الوقت، والتباين في الفضيلة في وقت الأداء لا يضر بأصل هذه القسمة، اما المضيق فهو الذي يستوعب وقته أداء الواجب من غير زيادة ، كفرض الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وحلول الليل ، قال تعالى ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ.
فإنه مضيق ومؤقت بخصوص شهر رمضان دون غيره من الأيام.
والكلام في استقلال العقل بالملازمة وعدمه ، لا لفظية كما ربما يظهر من صاحب المعالم ، حيث استدل على النفي بانتفاء الدلالات الثلاث ، مضافا إلى أنه ذكرها في مباحث الالفاظ(1 )
الدلالات الثلاث
(1) ولكن صاحب المعالم لم يصرح بان المخالفة لفظية وذكره لها في باب مباحث الألفاظ أعم من احتسابها لفظية .
وقال في المعالم (ان العقلاء لا يرتابون في ذم تارك المقدمة مطلقاً)( ).
كما لو أمر السيد عبده بالإتيان بالماء بتقدير انه يقدر على الإناء الذي يأتي به بالماء ، فيعتذر العبد بانه لا يقدر على الإتيان بالماء لأن الإناء مفقود فالعقلاء يذمون العبد على هذا الفعل.
وقد أشكل جماعة من المحشين على الماتن بخصوص كلامه على المعالم، اذ ان ذكر مقدمة الواجب في مباحث الألفاظ لا يدل على كونه عنده لفظياً، وكذا استدلاله بانتفاء الدلالات اللفظية الثلاث أي انه نفى الملازمة بين المقدمة وذيها بانتفاء الدلالات الثلاث بينهما، وان كان هذا النفي لا يخلو من اشكال لأن الملازمة تدل عليها الدلالة الإلتزامية فلا يمكن تصور أداء الحج من غير قطع المسافة ومن يريد الحج يقوم بتهيئة المقدمات تلقائياً .
وننبه الى جانب آخر في كلام صاحب المعالم وهو عدم انتفاء الدلالة الإلتزامية بين المقدمة وذيها، فمن يريد الكتابة يتبادر الى ذهنه تهيئة القلم والورق.
والدلالات الثلاث هي :
الأولى : الدلالة المطابقية : وتعني دلالة اللفظ على تمام المعنى الذي وضع له وقيد له الإخراج وما أطلق عليه اللفظ تسامحاً او عرفاً فانه لا يصدق عليه دلالة مطابقية .
فاطلاق لفظ الأسد على الحيوان المفترس من الدلالة المطابقية اما اطلاقه على الشخص الشجاع فانه ليس من المطابقية لأنه ناتج عن وجود شبه بين المعنى الحقيقي والمجازي وقرينة صارفة ، ومن الدلالة المطابقية صفة الحيوان الناطق على الإنسان.
اما لو كان هناك انسان آلي يتكلم فانه لا يصدق عليه الدلالة المطابقية.
الثانية : الدلالة التضمنية : وهي دلالة اللفظ على معنى موجود في الموضوع له اللفظ على نحو الجزئية وليس الشرطية او السببية كدلالة ملك البستان على إمتلاك الأشجار فيه، وقراءة صفحات من الكتاب على قراءته، وبهذا تكون الدلالة التضمنية فرع الدلالة المطابقية ثبوتاً ونفياً.
الثالثة : الدلالة الإلتزامية : وهي دلالة اللفظ على معنى خارج المعنى الذي وضع له اللفظ الا انه ملازم له، وهذه الملازمة ذهنية وليست خارجية، كالملازمة بين القلم والدواة فالقلم منفصل خارجاً عن الدواة، وكل منهما مصنوع من مادة غير التي صنع منها الآخر.
وأحياناً تكون الملازمة بين الضدين والنقيضين، كالليل والنهار، فلم يكن بينهما تلازم خارجاً بل بينهما تباين وتضاد الا انها متلازمان ذهناً، ولهذا فان ذكر أحدهما قد يؤدي الى تصور الآخر، وأقسام الدلالة من الأمور الواقعية التي يدركها العقل النظري وهو قوة تقبل ماهيات الأمور الكلية، وهي من
الفطريات التي تكون قياساتها معها فالعقل لا يصدق بها بمجرد تصوير طرفيها كالأوليات بل لابد لها من وسط، ولكنه يستلزم الطلب والتفكر.
الأمر الذي يجعل المقدمات ملازمة ذهنية مع ذيها فلا يمكن تصور الصلاة من غير طهارة، او الحج من غير قطع المسافة.
الامر الثاني : إنه ربما تقسم المقدمة إلى تقسيمات : منها : تقسيمها إلى داخلية وهي الاجزاء المأخوذة في الماهية المأمور بها ، والخارجية وهي الامور الخارجة عن ماهيته مما لا يكاد يوجد بدونه(1)
بين المقدمة وذيها
(1) تقدم الكلام في المقدمة الخارجية والداخلية، وقول الماتن (ربما) للتقليل ولأنه لا يقول بالمقدمة الداخلية، ولم يكتفِ بالتقليل بل أشكل على القول بالمقدمة الداخلية بانه يلتزم اجتماع الضدين لأن الإجزاء حينئذ من وجوه :
الأول : تكون مقدمة وتكون من ذي المقدمة، فهي سابقة عليه ومقترنة به، ولكن إجتماع الضدين على فرض حصوله يكون في الاسم وليس المسمى، فالقراءة مقترنة بين المقدمة وجزء منها، والتوضأ سابق للصلاة، والمشي للحج سابق للمناسك، نعم الوضوء منبسط على ما قبل الصلاة واثنائها لذا أطلقنا عليه عنوان الجامع كقسيم ثالث مع فرض القول بالمقدمة الداخلية إلى الإجتماع.
الثاني : الأصل وجود مغايرة وبين المقدمة بين ذيها، وهي ظاهرة من اللفظ فقولك (ذو المقدمة) يتكون من مضاف ومضاف اليه، وكل واحد منهما غير الآخر، وعندما تكون المقدمة ذات أجزاء المركب فلا مغايرة.
الثالث : موضوع المقدمة وذيها من الإثنينية، وهي تتقوم بطرفيها، وأحدهما متقدم على الآخر، والقول بالمقدمة الداخلية يعني التداخل بين الكل والأجزاء، والإتحاد بين المقدمة وذيها وهو خلاف الواقع.
الرابع : التعدد في موضوع المقدمة وذيها ووجود مغايرة في تعريف المقدمة ذاتها، لأن المقدمة الخارجية تختلف عن المقدمة الداخلية في موضوعها وماهيتها وأوانها.
الخامس : صحيح ان المركب مكون من أجزاء، والأجزاء تتقدم وجوداً عليه ولكن هذا لا يعني اعطاء الأجزاء صفة القسيم لذاته، وتصحيح عنوان مقدمتها للكل ، نعم يصلح للمائز بين الأجزاء والكل.
السادس : المركب نفس وذات الأجزاء ويصدق عليها انها من ذي المقدمة سواء ككل مركب ام اجزاء.
قد عرفت مقدمة الواجب على المشهور بانها مستحب نفسي وواجب غيري، بينما ذو المقدمة يكون واجباً كالصلاة، فالجزء يحمل صفة الوجوب النفسي، والمقدمة مستحبة حتى القائل بان المقدمة واجب نفسي فان ذهنه منصرف الى التعدد والتغاير بينهما.
أي ان الأصوليين متسالمون على ارادة المقدمة الخارجية، والمغايرة في ماهيتها للواجب.
قيل : ذهب الى القول بالمقدمة الداخلية المحقق التقي( ) في حاشيته على المعالم بان الجزء اذا لوحظ لا بشرط فهو المقدمة، وان لوحظ بشرط الإنضمام فهو ذو المقدمة .
ولم أجد هذا القول في كتابه (هداية المسترشدين) ولم يذكر فيه (المقدمة الداخلية).
أي ان الفارق بين المقدمة وذيها للمستحب والمكروه بلحاظ الإعتبار، فالجزء حينما ينظر اليه على عنوان القضية المهملة ولا بشرط الجزئية فهو مقدمة ، اما اذا نظرنا اليه بلحاظ جزئيته من المركب والكل فهو من ذي المقدمة لأن الاجزاء متقدمة وجوداً وندباً على الكل.
ولم يذكر علماء الأصول من المتقدمين والمتأخرين المقدمة الداخلية لأن جزء المركب ليس مقدمة له ولأن الأمور لا تبعث على نحو الدقة العقلية ، فالمقدمة الداخلية مبحث مستحدث في هذه الأزمنة في مدرسة مخصوصة.
والأولى عدم التوسع في مبحث المقدمة الداخلية .
لو كانت الأجزاء مقدمة وهي اصلاً بعض ذي المقدمة لحصل اجتماع المثلين وهو ممتنع، وأراد الماتن دفع وهم وهو (ولو قيل بكفاية تعدد الجهة وجواز اجتماع الأمر والنهي معه) .
أي حتى على هذين القولين فانه لا يفيد ارادة صدق اصطلاح المقدمة الداخلية لدفع اجتماع المثلين وان التعدد بلحاظ الجهة كاف للتحليل وكون الجزء مرة مقدمة ومرة جزء من ذي المقدمة كما في موضوع اجتماع الأمر والنهي معه كالصلاة في المكان المغصوب فانها من جهة الأمر بالصلاة واجبة ومن جهة الغصب تعتبر حراماً ، وهو قياس مع الفارق .
وجوب الإجزاء مترشح من وجوب الكل، فهي غير الكل وفصله وخصائص جنسه.
تقسيم المقدمة الداخلية
ومنهم من قسم المقدمة الداخلية الى قسمين:
الأول : الداخلية بالمعنى الأخص: ان يكون الشيء جزء من المركب ذاتاً وتقيداَ ويشمله الخطاب التكليفي بالذات كالركوع والسجود في الصلاة فانه مطلوب بالأمر النفسي.
الثاني : الداخلية بالمعنى الأعم : وهو ان الشيء موضوع قيداً للمركب سواء كان كذات دخيلاً فيه او لا كلبس الثوب الطاهر بالنسبة للصلاة لأن فعله يكون قبل الصلاة ولكنه قيد في ماهية الصلاة اثناء أدائها.
والمقدمة الداخلية كالفصل بالنسبة للجنس، والجنس هو الكلي المقول على كثيرين مختلفين بالحقائق جواب ما هو .
ومن أمثلة الجنس (الحيوان) فهو كلي يكون جزء حقيقة أفراده، وتمام جزء المشترك بين تلك الحقيقة وغيرها .
اما الفصل فهو كمال الجزء المميز والكلي الذي يحمل على الشيء في جواب أي شيء هو في جوهره، وهو الجزء المميز للشيء عما يشاركه في الجنس كالناطق بالنسبة للحيوان وهو الجنس، فهو مميز في الجملة لحقيقة معينة وهو الإنسان من بين جنس الحيوان، فهو الذاتي الذي يحصل الشيء ويميزه عما يشاركه في جنسه.
أفراد العلة التامة
تقسم المقدمة الخارجية الى خارجية بالمعنى الأخص وهي ما لا يكون التقيد بها داخلاً في المركب وذاتها لا تكون داخلة فيه، وتوقف المركب عليها كتوقف السبب على المسبب ، والمعلول على علته والخارجية بالمعنى الأعم ما لا تكون ذاتاً داخلة في المركب وان كانت داخلة فيه تقييداً كازالة المانع، ومنها لبس ما يؤكل لحمه، وعدم الإستدبار ونحوها من الشروط التي تدخل في المأمور به ولكن ذواتها تخرج عنه.
وأقسام العلة على وجوه وهي :
الأول : السبب : الذي يلزم من وجوده وجو المسبب ، ومن عدمه عدم وجود المسبب ، وقد تقدم الكلام فيه .
الثاني : الشرط : وهو الذي يلزم من عدمه العدم ، ولكن لا يلزم من تحققه الوجود ، فمثلاً من شروط الصلاة الطهارة بالوضوء أو الغسل أو التيمم ، وستر العورة ولا يدل توفرهما على إقامة الصلاة .
الثالث : المانع : فاذا وجد المانع لا يوجد ذو المقدمة ، ولا يلزم من عدمه الوجود مثل الغيوم التي تحجب الرؤية ليلة الشك .
وعن الإمام الباقر في حديث عن الإمام علي عليه السلام (إذا رأيتم الهلال فأفطروا ، أو شهد عليه عدل من المسلمين ، إلى أن قال : وإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ليلة ثم أفطروا)( ).
الرابع : المعد : بما يقرب الإنسان من الإمتثال وما يكون له دخل في وجود ذي المقدمة من دون أن يكون وجود ذي المقدمة متفرعاً عنه انما هو للتهيئة والإستعداد لافاضة العلة مثل تهيئة الجواز لأداء الحج ، فهو يدخل في هذا الزمان في أجزاء العلة التامة وتهيئة الإمتثال للواجب وليس من شأنه تحصيل الواجب إنما يفيد تقريب الواجب .
الخامس : العلة التامة : وهي وجود المقتضي وفقد المانع ، لتجمع الأقسام أعلاه على نحو الإجمال .
اجتماع الأمر والنهي
هذه مسألة أصولية فهي عقلية نظرية وليست حكماً شرعياً كي تكون مسألة فقهية ، وليس المقصود إجتماع الضدين فهو محال ولكن المقصود هو التقاء الأمر والنهي في مصداق خارجي مركب من أمرين:
أحدهما مأمور به , والآخر منهي عنه ، كالصلاة في مكان مغصوب إذ يجتمع الأمر بالصلاة مع عنوان النهي عن الغصب ، وهو المختار .
وتقع نتيجتها باستنتاج حكم شرعي فرعي ، وهو هل الصلاة في المكان المغصوب صحيحة ، وقد اختلف في صحتها ، ومشهور علماء الإسلام صحتها مع الإثم على الغصب.
و(عن سعيد بن زيد بن أرطاة قال: لقيت كميل بن زياد وسألته عن فضل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: ألا اخبرك بوصية أوصاني بها يوما هي خير لك من الدنيا بما فيها ؟ فقلت : بلى.
فقال : أوصاني يوما فقال لي: يا كميل ابن زياد سم كل يوم باسم الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وتوكل على الله)( ).
إلى أن قال (يا كميل انظر فيم تصلي، وعلى ما تصلي، إن لم تكن من وجهه وحله فلا قبول)( ).
والحديث ضعيف سنداً ، وقيل مجبور بالشهرة.
اذا اجتمع الامر والنهي، والجواز والإمتناع على شيء واحد فهل يقع الإجتماع او لا، فيه ثلاثة وجوه :
الأول : امتناع اجتماع الأمر والنهي مطلقاً، ونسبه الماتن الى المشهور ومنهم من أنكر هذه النسبة مطلقاً وهو الأقوى.
الثاني : جواز اجتماعهما.
الثالث : التفصيل بامكان الإجتماع عقلاً، وعدم اجتماعهما عرفاً.
ونسب امتناع إجتماع الأمر والنهي إلى المشهور، ولم تثبت هذه النسبة وهي متفرعة عن فرع وهو بطلان الصلاة في المكان المغصوب وفيه أنه ليس من ملازمة بين هذا الإمتناع بينهما، ويحتاج القول ببطلان الصلاة في المكان المغصوب إلى دليل والقول بأن الحرام وهو الغصب لايصح التقرب إلى الله بالصلاة فيه لايخلو من مناقشة لأن الصلاة أفعال عبادية تتكون من أجزاء وأركان يؤديها العبد.
اللهم إلا أن يريد أن فيه ملاك الوجوبين ، وإن كان واجبا بوجوب واحد نفسي لسبقه ، فتأمل. هذا كله في المقدمة الداخلية( 1 )
أجزاء المركب
(1) ان المركب وان كان متكوناً من أجزاء، الا ان وجوده بسيط إذا كانت أجزاؤه إرتباطية , وهذا الإتحاد والوحدة لا يتعارضان مع تقدم الأجزاء على الكل بالماهية والتجوهر .
وتقسيم الكل الى اجزاء يكون في الغالب تقسيماً استقرائياً عقلياً وليس واقعياً عقلياً .
فحينما يأمر المولى بالصلاة فان المتبادر الى الذهن اتيان الصلاة بجميع أجزائها وشرائطها فالأمر بالصلاة عينه الأمر بالركوع والأمر بالسجود.
ووجوب الكل ينحل إلى وجوب الأجزاء كلها.
وجزء الواجب واجب اتفاقاً بمعنى ان وجوبه نفسي فلا تصل النوبة الى الوجوب الغيري ، وان الأجزاء خارجة عن نزاع وجوب المقدمة.
ثم ان الوجوب الغيري متأخر رتبة عن الوجوب النفسي كما في تخلف المعلول عن علته وتخلل الفاء بينهما.
ومنهم من أشكل بعدم ثبوت وجوب الأجزاء نفسياً وقيل : جاء في تقريرات الشيخ الأنصاري: وربما يتوهم ان وجوب الكل مركب من وجوبات متعلقة بأجزائه، وهو فاسد جداً ضرورة ان الوجوب المتعلق بالكل أمر بسيط وهي الحالة الطلبية والإرادة العقلية ولا يعقل التركيب فيها، نعم المراد مركب تعلق به الطلب من حيث انه مركب وأمر وجداني.
وأما المقدمة الخارجية ، فهي ما كان خارجا عن المأمور به ، وكان له دخل في تحققه، لا يكاد يتحقق بدونه ، وقد ذكر لها أقسام ، وأطيل الكلام في تحديدها بالنقض والابرام، إلا أنه غير مهم في المقام(1)
المقدمة الخارجية غير المأمور به
(1) لا خلاف في خروج المقدمة الخارجية عن الخطاب التكليفي بالمأمور به ذاتاً وماهية، فلذا أطلقوا عليها صفة المقدمة الخارجية في مقابل الداخلية، وعدم اشارة الى انها خارج ذي المقدمة، اما اذا وردت المقدمة مطلقاً فالمراد هو المقدمة الخارجية تحديداً إذ ان الأجزاء جزء من ذي المقدمة المأمور به.
ولكن المقدمة لها مدخلية في ذيها، ولا يتحقق المأمور به الا باتيان المقدمة لذا ذكرت لها أقساماً كالمقدمة العقلية والشرعية والعادية وذكروا للمقدمة الخارجية وجوهاً بلحاظ وجوه الدخل ، منها :
الأول : العلة.
الثاني : المقتضي.
الثالث : انعدام المانع.
الرابع : السبب.
الخامس : الشرط.
السادس : القيد.
وتعريف الماتن للمقدمة الخارجية (ما كان خارجاً عن المأمور به) أي خروجها عن ماهية المأمور به وعدم شمولها بالخطاب التكليفي لذي المقدمة، فالأمر بالصلاة لا يعني الأمر بالوضوء ولكن المطلوب الصلاة على طهارة وكذا الأمر بالطواف بالبيت الحرام ، وهذا التعريف لا يتعلق باخراج المقدمة الداخلية، وان كانت خارجة بالدلالة الإلتزامية والتباين الوضعي.
واطلق الماتن مدخلية المقدمة الخارجية في ذي المقدمة ولم يقل انها ليست داخلة في الواجب ذاتاً، ولكنها داخلة فيه تقييداً، لأن هذا التفصيل يدل عليه اول كلامه وهو خروجها من المأمور به ومن المقدمة الخارجية ما كان شرطاً كالوضوء للصلاة، ومنها ما كان مانعاً كنجاسة الثوب ولزوم ازالتها.
ومنهم من قال بان المقدمة الخارجية خارجة عن ذات المأمور تقييداً لأن المأمور به لا يكون متخصصاً بها، كما في حال الشرائط والموانع، فالشرط ليس جزء من ماهية المأمور به وهو خارج عنه الا إن المطلوب والمأمور به هو مصداق خاص يتضمن الشرط.
فالشرط يكون كالقيد اما التقيد فهو الداخل وهناك فرق بين المقيد والتقيد، فالوضوء شرط وقيد للصلاة اما التقيد فهو حالة التوضؤ اثناء الصلاة فالمطلوب الصلاة في حال الطهر.
وتقسم المقدمة الخارجية الى المقدمة العقلية والشرعية والعادية فانها قسمت تقسيماً آخر بلحاظ كيفية الدخل الى :
الأول : السبب.
الثاني : الشرط.
الثالث : المانع.
الرابع : المعد.
الخامس : العلة التامة .
والسبب هو الذي بوجوده يوجد غيره، والموجب على نوعين اما ان يكون معنى او يكون صفة , والمعنى اما ان يوجب صفة لغيره فيمسى علة، واما ما يوجب ذاتاً آخر فيسمى سبباً كما عرف السبب بانه ما يجب الشيء بوجوده ويمتنع بعدمه، اما الشرط فهو ما يقف عليه وجود غيره أو عدمه.
كما يتوقف عليه الحكم اثباتاً او نفياً، واما المانع فهو ما يلزم من عدمه وجود الشيء، ومن وجوده عدم الشيء اما المعد فهو المقدمة اللازم تهيئتها لحصول الشيء، فالمعد يقرب المعلول الى صدوره كنقل الأقدام للتقرب التدريجي للوصول الى المسجد.
وقد تقدم تفسير كل منها .
ومنها تقسيمها إلى العقلية والشرعية والعادية : فالعقلية هي ما استحيل واقعا وجود ذي المقدمة بدونه . والشرعية على ما قيل : ما استحيل وجوده بدونه شرعا ، ولكنه لا يخفى رجوع الشرعية إلى العقلية ، ضرورة أنه لا يكاد يكون مستحيلا ذلك شرعا ، إلا إذا أخذ فيه شرطا وقيدا ، واستحالة المشروط والمقيد بدون شرطه وقيده ، يكون عقليا(1)
استقلال المقدمة الشرعية
(1) وقول الماتن برجوع الشرعية الى العقلية لا يخلو من مسامحة لأن الحكم الشرعي امر مستقل وان قلنا بالملازمة بين حكم الشرع والعقل، أي ان الحكم الشرعي لا يرجع الى حكم العقل ولكن حكم العقل مطابق للحكم الشرعي، فالمقدمة الشرعية يمكن ان تكون في ذات الوقت مقدمة عقلية ولا يعني هذا رجوع المقدمة الشرعية للعقلية وان كانت شرطاً في المأمور به .
لأن ماهية الشرط شرعية وليست عقلية وان الأمر بالواجب المقيد بالمقدمة كشف عن وجوبها واقعاً وعقلاً وامتناع حصول المقيد بدون قيده .
ولكن التوقف على المقدمة ليس عقلياً محضاً، وكذا الأمر بها ليس العقل والعلة التكوينية بل الشرع لا أقل في مرتبة الإثبات.
واذا كان اتيان المشروط متوقف على شرطه ولا تتحقق المصلحة الا به كما في شرطية الطهارة للصلاة فانه لا يعني ان القيد عقلي، بل هو شرعي ولكن العقل يؤيد الإلتزام به واتيانه .
والمدار على التقسيم بين الشرعي والعقلي والعادي هو منشأ الوجوب ومرحلة الجعل وليس للعقل قدرة على الجعل والتشريع بل انه يدرك ما فيه من الحسن او القبح .
فالمقدمات الشرعية بجعل الشارع فتبقى على حالها واستقلالها كما في انقسام الدلالة الى العقلية والوضعية الناشئة عن معرفة الوضع اللغوي للفظ أزاء معناه، والمشهور شهرة عظيمة انها دلالة تصورية تنتقل هنا صورة المعنى الى الذهن.
وحتى بلحاظ ان المقدمة قيد وشرط للفعل العبادي فانها تبقى على حالها ووضعها بالشرعية لأن التقييد بها بجعل الشارع ومضافة اليه في حكم العقل ايضاً، وصحيح ان المقيد ينتفي بانتفاء قيده وهذه القاعدة عقلية الا انها لا تعني التداخل بين المقدمة الشرعية والعقلية، انما يكون العقل آلة للتمييز ومعرفة القيد الشرعي.
وقبل ان تصل النوبة الى جعل المقدمة الشرعية عقلية في مرحلة الثبوت يمكن ان نقسم القيد الى قسمين :
الأول : قيد شرعي.
الثاني : قيد عقلي.
وقد تجعل لهما قسيما ثالثاً وهو القيد العادي، فالقيد الشرعي ما جعله الشارع قيداً وينتفي المشروط الشرعي بانتفاء قيده.
وأما العادية ، فإن كانت بمعنى أن يكون التوقف عليها بحسب العادة ، بحيث يمكن تحقق ذيها بدونها ، إلا أن العادة جرت على الاتيان به بواسطتها ، فهي وإن كانت غير راجعة إلى العقلية ، إلا أنه لا ينبغي توهم دخولها في محل النزاع ، وإن كانت بمعنى أن التوقف عليها وإن كان فعلا واقعيا ، كنصب السلم ونحوه للصعود على السطح ، إلا أنه لاجل عدم التمكن من الطيران الممكن عقلا فهي أيضا راجعة إلى العقلية ، ضرورة استحالة الصعود بدون مثل النصب عقلا لغير الطائر فعلا ، وإن كان طيرانه ممكنا ذاتا ، فافهم
المقدمة العادية
(1) بعد ان قال الماتن برجوع المقدمة الشرعية الى العقلية اتجه التفصيل بخصوص المقدمة العادية وانها قد ترجع الى المقدمة العقلية وقد لا ترجع بحسب المعنى واللحاظ فهي على قسمين:
الأول : اذا كان توقف الإتيان بذي المقدمة عليها بحسب العادة ليس الا انه يمكن تحقيقه باستخدام وسائط ومقدمات أخرى ولكن العادة جرت باتيانها فانها حينئذ لا تكون عقلية، وتكون خارجة عن محل النزاع في وجوب المقدمة لأنه بالإمكان الإستعانة بمقدمة أخرى غيرها ليست معتادة، كما لو إعتاد الحجيج قطع المسافة الى الحج بالسيارة فيمكن ان يستعملوا وسائط أخرى.
ويمكن ان يبقى الحاج الى قابل في مكة، وبامكانه اتخاذ الدواب والمشي، وكذا بالنسبة لإرتقاء المنبر لإلقاء الخطبة فبالإمكان القاؤها عن جلوس على الأرض او عن قيام ,وكذا بالنسبة لوسائط التبليغ المعتادة وغيرها فما دام هناك تخيير وعدم حصر او تقييد بتلك المقدمة موضوعاً وحقيقة فهي لا ترجع الى العقلية وتكون خارج محل النزاع.
حنين الجذع
حالما وصل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة مهاجراً بنى المسجد النبوي في وسطها ، وكان اختيار موضعه بمعجزة إذ أمر النبي الأنصار بترك ناقته حيث تشاء لأنها مأمورة ، إذ كان كل هي منهم يسأله النزول عندهم فيقول (خلوا سبيلها فانها مأمورة)( ).
وحفر في المسجد لجذع نخلة وأقيم يتكأ عليه النبي محمد عندما يخطب ويطيل القيام ، ولما تقدمت السنين وثقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم سألوه أن يصنعوا له منبراً ، فاتخذ له مرقاتين ومقعد .
ولما نصب المنبر حنّ الجذع لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على فراقه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والذكر النبوي ، فاحتضنه النبي فسكن ، وفي رواية أنس أن الجذع خار كخوار الثور.
وأمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بدفنه لبيان أثر العادة حتى على الجماد بالمعجزة .
الثاني : وهي المقدمة العادية التي ترجع الى المقدمة العقلية، لأن التوقف عليها فعلي وان لم يكن بلحاظ الإمكان عقلاً، فالصعود على السطح يستلزم مقدمة عادية وهي نصب السلم لصعوده لإمتناع طي المسافة وحصول الطفرة عقلاً باعتبار ان الإنسان غير قادر عقلاً على الطيران، بحسب العادة يتوقف الصعود الى السطح على صعود السلم وان كان الإنسان قادراً عقلاً على الصعود فالتوقف على المقدمة جرت به العادة الا انه توقف عقلي لأن الصعود لا يتم الا به، وان كان الطيران لمن يصعد السلم ممكن ذاتاً، فانها تلحق بالعقلية.
ومنها : تقسيمها إلى مقدمة الوجود ، ومقدمة الصحة ، ومقدمة الوجوب ، ومقدمة العلم لا يخفى رجوع مقدمة الصحة إلى مقدمة الوجود ، ولو على القول بكون الاسامي موضوعة للاعم ، ضرورة أن الكلام في مقدمة الواجب ، لا في مقدمة المسمى بأحدها ، كما لا يخفى(1)
مقدمة الصحة ومقدمة الوجود
(1) وتقسم المقدمة الى أقسام بحسب اللحاظ :
الأول : مقدمة الصحة : وهي التي تتوقف صحة المأتي به عليها ويكون تركها سبباً لبطلان الفعل المأتي به لأنه يصبح غير مطابق للمأمور به، ويطلق عليها احياناً المقدمات الخارجية بالمعنى الأعم .
فالوضوء في الصلاة من مقدمات الصحة وكذا ازالة النجاسة الخبثية والبدنية من قيود ومقدمات الصحة، لأن المأمور به مقيد بشروط لابد من الإتيان بها وموانع لابد من اجتنابها.
الثاني : المقدمة الوجودية : وهي المقدمة التي يتوقف ايجاد الواجب عليها بمعنى انه لا يمكن اتيان الواجب والإمتثال الا بعد تحقيقها، كالإستطاعة بالنسبة للحج، فان الواجب لا يكون موجوداً الا بحصولها كما في قطع المسافة بالنسبة للحاج، ومنهم من أطلق عليها المقدمة الخارجية بالمعنى الأخص وهي خارجة عن المأمور به ذاتاً وتقيداً في مقابل مقدمة الصحة التي اطلقوا عليها المقدمة الخارجية بالمعنى الأعم وانه رد الماتن مقدمة الصحة الى المقدمة الوجودية.
وقد نوقش في المقدمات ومصاديقها وأفرادها ونقض بعض حدودها والإختلاف في تعريفها، الا ان الماتن قال بان هذا التفصيل والإطالة امر ليس مهماً في المقام لأن أقسام المقدمة داخلة في حريم النزاع، فلا حاجة للتعرض لحدودها بل تؤخذ المقدمة، ولكن أقسام المقدمة ليست داخلة جميعاً في مبحث الملازمة بين وجوب المقدمة ووجوب ذيها.
الثالث : مقدمة الوجوب : وهي القيود التي يتوقف عليها وجوب الواجب ويطلق عليها أحياناً شرائط المجعول وقيود الحكم في مقابل قيود متعلق الحكم، والمقدمات الخارجية وتقتضي اتفاق تحققها حصول فعلية الحكم، منها البلوغ والعقل بالنسبة لوجوب الصلاة، والإستطاعة بالنسبة للحج من الشرط خاص في توجه الخطاب التكليفي للمكلف.
فقبل البلوغ لا فعلية للحكم بالصلاة والصيام على المكلف ولكن ما ان اتفق وجود البلوغ والعقل ترتب عليه فعلية الحكم فلو كان تحقق البلوغ في الساعة الثامنة صباحاً، حصلت فعلية الحكم الا ان اداء الصلاة الواجبة لا يكون الا عند الزوال، فما بين البلوغ والزوال ليس من صلاة، كذلك بالنسبة لقيد الإستطاعة فلا وجوب للحج .
والمناط في معرفة المقدمة الوجوبية هو انها امر خارجي ان أتفق وجوده تحققت فعلية الحكم، وان لم يتفق وجوده فلا يتوجه الخطاب التكليفي على المكلف .
فالحج فرض على المستطيع فالإستطاعة مقدمة وجوبية لذا فان المقدمة الوجوبية تخرج عن موضوع الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته، لأن الواجب مترشح عنها فلا يصح بحث وجوبها عند وجوب ذيها والا لإستلزم الدور وتحصيل ما هو حاصل، فلا يقول أحد بان الحج واجب فيجب السعي للإستطاعة وهي مقدمة وجوبية، نعم يترشح قطع المسافة ومقدمات الواجب عندما تتحقق الإستطاعة خارجاً.
الرابع : مقدمة العلم : وهي ما يتوقف عليه حصول العلم بالإمتثال اليقيني وان الإتيان بها يفيد الإطمئنان والقطع ببراءة الذمة وان المأتي به مطابق للمأمور به، ومن مصاديق المقدمة العلمية العلم الإجمالي فانه لا يتحقق القطع باتيان المأمور به الا عند العمل بأطراف العلم الإجمالي مع ان القدر المتيقن طرف واحد منها .
اما الأطراف الأخرى فهي مقدمة علمية لتحصيل القطع بالإمتثال، كما في الذي لا يعلم جهة القبلة فيصلي إلى اربع جهات لإحراز الإمتثال وفراغ الذمة مع ان المطلوب هو جهة واحدة منها.
او الذي يؤدي الصلاة مرتين في ثوبين أشتبه الطاهر والنجس منهما، فقد تكون صلاته الأولى بالطاهر ولكنه يصلي بالثاني كمقدمة عملية لتحقيق مطابقة المأتي به للمأمور به المعلوم اجمالاً، ومثلما تكون مقدمة الوجوب خارجة عن موضوع الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدماته .
فكذا بالنسبة للمقدمة العلمية، لأن موضوع الملازمة هو المقدمات التي يتوقف وجود الواجب عليها، لأنها ليست من مقدمات الواجب واسباب ايجاده ولكن ملاك المقدمة العلمية هو احراز براءة الذمة وقطع الشك بالأداء، وللأمن من العقاب.
ومن المقدمة العلمية مثلاً غسل ما زاد على المرفق قليلاً للعلم بتحقق الغسل وامتثال الواجب، وليس من خروج لمقدمة الوجوب والمقدمة العلمية عن محل النزاع لأنها متقدمة على الواجب تقدم العلة على المعلول، كما ان وجوب المقدمة العلمية عقلي لأن اليقين بالفراغ يتوقف عليها فقد يحصل الإمتثال واقعاً ولكن المكلف يستمر بالمقدمة العلمية لذا قال الماتن (وان استقل العقل بوجوبها الا انه من باب وجوب الإطاعة ارشاداً) .
المدار على الوجوب الشرعي وليس العقلي، وحتى استقلال العقل بوجوبها ليس تاماً لأنه قد يدخل في باب التشديد على النفس فالمثال الذي أكثروا من ذكره في المقام وهو صلاة المتحير في جهة القبلة والصلاة الى أربع جهات ، ونسب ذلك الى المشهور واستدل عليه بمراسيل.
والمختار أنه يصلي إلى جهة واحدة ، فقد ذكرت في المسألة (101) من رسالتي العملية (الحجة) ((مسـألة101) المتحير الفاقد حتى للظن في تحديد جهة القبلة قيل يصلي إلى أربع جهات ونسب ذلك الى المشهور واستدل عليه بمراسيل، والأقوى انه يصلي حيث يشاء وبه.
وفي صحيحة (زرارة ومحمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام : أنّه قال : يجزي المتحيّر أبداً أينما توجّه إذا لم يعلم أين وجه القبلة)( )).
وقال الماتن برجوع مقدمة الصحة الى مقدمة الوجوب، وبينهما عموم وخصوص مطلق على القول بالوضع للصحيح، أما على القول بالأعم فان الفرد الباطل يصدق عليه المسمى ولكنه ليس فرداً للواجب فالطهارات الثلاث من مقدمة الصحة، كما تكون مقدمة وجودية للواجب.
ومنها : تقسيمها إلى المتقدم ، والمقارن ، والمتأخر ، بحسب الوجود بالاضافة إلى ذي المقدمة ، وحيث أنها كانت من أجزاء العلة، ولا بد من تقدمها بجميع أجزائها على المعلول أشكل الامر في المقدمة المتأخرة (1)
تقسيم المقدمة حسب أوانها
(1) وهو تارة يتعلق بالوجوب وأخرى بالواجب، فمن الأول الإستطاعة فالقدر المتيقن حصولها في اشهر الحج لأنها أوان فعلية وجوب الحج، اما الذي يتعلق بالواجب ومتعلق الحكم فهو الذي يكون متقدماً زماناً او رتبة على أداء الواجب ليكون المأتي به مطابقاً للمأمور به.
أي ومن تقسيمات المقدمة الخارجية انها تقسم بلحاظ أوانها بالنسبة لذي المقدمة الى ثلاث أقسام :
الأول : المقدمة المتقدمة : وهي التي يؤتى بها قبل أوان وأداء الواجب كالتوضأ والغسل فانهما شرطان للدخول في الصلاة، فيكون وجود المقدمة قيداً متقدماً على المقيد ويلزم وجوده قبل وجود المقيد.
ومنهم من أطلق عليها القيود فقال قيود متقدمة او مقارنة او متأخرة ويقال شرط متقدم وشرط مقارن وشرط متأخر، وهذا التقسيم عقلي استقرائي للوجوب أي الحكم وللواجب أي متعلق الحكم.
الثاني : المقدمة المقارنة : وهي التي تكون مقارنة وملازمة ومصاحبة لأداء ذيها فلا تتقدم على الواجب ولا تتأخر عنه، وان كان هذا القسم لا يصدق عليه تماماً انه مقدمة لدخوله انطباقاً بجزئية الصلاة، وضربوا له مثلاً الستر والإستقبال في الصلاة .
ويمكن ان يكون الوضوء وحال الطهارة ايضاً مقدمة مقارنة كونها تسبباً عن التوضأ .
ولم يأتِ الماتن بمثل للمقدمة المقارنة بل انه جاء باشكال على المقدمة المتأخرة ولكنه ينطبق بالدلالة التضمنية على المقدمة المقارنة ايضاً.
وقال الماتن : ولابد من تقدمهما بجميع أجزائها على المعلول)، والظاهر ان مراده من التقدم هو التقدم الزماني وليس الرتبي فحسب، ويمكن القول ان المقدمة بعد الدخول في ذي المقدمة اما ان يستغنى عنها وينتفي أمرها، واما ان تصبح جزء من ذيها , وتعدد العنوان يوجب تعدد المعنون.
وهذه المقدمة قيد متحد زماناً مع المقيد , وهي على قسمين :
الأول : تكون متعلقة بالحكم والوجوب .
الثاني : موضوعية بمتعلق الحكم وهو الواجب .
فمن الأول مثلاً طلوع الفجر بالنسبة للإمساك والصيام، فالمقيد موجب لتحقق فعلية الحكم وليس من فاصل زماني بين حصول القيد خارجاً وبين فعلية الحكم.
أما المقدمة الراجعة لمتعلق الحكم فهي القيد او الشرط الذي يكون الإتيان به مصاحباً لأوان الواجب وتتوقف صحة الواجب عليه كما في تحصيل الطهارة فلابد ان تؤدى الصلاة في حال طهارة.
الثالث : المقدمة المتأخرة : وتسمى عند الأصوليين بالشرط المتأخر وهو الأنسب من لفظ المقدمة لغة وعرفاً، وقد كثر الكلام في وقوعها او امتناعها كونه قيداً وهو ايضاً ينقسم الى قسمين ما يتعلق بالحكم مع انه موجب لفعليته من حين حصول المقيد وان تأخر القيد عنه، كما في عقد الفضولي على القول بان الإجازة كاشفة، فان العقد حينئذ ينفذ من حين وقوعه وما يخص متعلق لحكم .
كالاغسال الليلية المعتبرة في صحة صوم المستحاضة عند بعض(1)
(1) أي ان بعض الفقهاء قال بتعلق صحة صوم المستحاضة بالكثيرة على الغسل الليلي الى جانب الأغسال النهارية ومنهم من ألحق المتوسطة بها ونسب الى مشهور المتقدمين.
وقال المحقق الحلي : ان أخلت بالأغسال لم يصح صومها)( ).
وظاهرها الإطلاق وشمول الأغسال الليلية والنهارية وعن جماعة من المتأخرين كالعلامة في التذكرة والشهيد في الدروس والبيان توقف صحة الصوم على غسلي النهار خاصة .
وأستدل عليه بصحيحة علي بن مهزيار كتبت اليه عليه السلام: امرأة طهرت من حيضها او دم نفاسها في اول يوم من شهر رمضان، ثم استحاضت فصلت وصامت شهر رمضان كله من غير ان تعمل ما تعمله المستحاضة من الغسل لكل صلاتين، هل يجوز صومها وصلاتها أم لا.
فكتب عليه السلام : تقضي صومها ولا تقضي صلاتها، لان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر فاطمة والمؤمنات من نسائه بذلك) ( ).
ونوقش في إضمار الحديث، ولكنه لا يضر مع علي بن مهزيار ووثاقته ومعرفة المستمع للمقصود في قوله كتبت اليه والمراد أنه كتب للإمام محمد الجواد عليه السلام ، كما نوقش في ذكر فاطمة وهي طاهرة ولم تر الدم.
وصحيح ان اسم فاطمة يرد وفق الاصطلاح المنطقي علماً للزهراء عليها السلام كونه مفرداً يقصد منه معنى واحد بحسب العرف، واصبح دالاً عليها بقيد التشخص والتعين، واحياناً يرد هذا الاسم متواطئاً ومتوافقاً بحيث يصدق انطباقه على مجموعة افراد بالتساوي، وقد يرد مشككاً فينسبق الى الذهن بعض افراده دون بعضها الآخر لانه متفاوت الصدق كما في المقام.
اذ يتبادر الى الذهن ان المقصود فاطمة الزهراء ولكن القرائن في المقام تشير الى الاحتمالات الثلاثة أعلاه ويترشح من خلالها ما يلي :
الأول : كانت المقصودة هي الزهراء عليها السلام ، وهو بعيد .
الثاني : المعنى هو تعليم الزهراء لغيرها من المؤمنات، خاصة وان النساء يبادرن الى أخذ احكام الدين من الزهراء عليها السلام ومنها بالذات ما يتعلق بالدماء الثلاثة حياءً.
الثالث : المقصود غيرها كفاطمة بنت أبي حبيش التي كانت دامية فقد روي انها كانت تستحاض فسألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال ذلك عرق وليست بالحيضة ، فاذا اقبلت الحيضة فدعي الصلاة واذا ادبرت فاغتسلي وصلّي)( ).
استدل القائل بعدم توقف صحة الصوم على الغسل الليلي بأصالة البراءة وأدلة حصر المفطرات.
وفي رسالتي العملية (الحجة) (مسألة 709) الأغسال النهارية شرط في صحة صوم المستحاضة مع مراعاة عدم تعدي دم الاستحاضة وخروجه اثناء نهار الصيام قدر الاستطاعة وعليه النص والاجماع، والاحوط استحباباً مراعاة غسل العشائين في صوم نفس اليوم( ).
والاجازة في صحة العقد على الكشف كذلك ، بل في الشرط أو المقتضي المتقدم على المشروط زمانا المتصرم حينه ، كالعقد في الوصية والصرف والسلم ، بل في كل عقد بالنسبة إلى غالب أجزائه ، لتصرمها حين تأثيره ، مع ضرورة اعتبار مقارنتها معه زمانا(1)
التباين بين الشرط المتقدم والمتأخر
(1) بعد ان أشكل الماتن في الشرط المتأخر ضرورة عدم تخلف العلة عن المعلول اتجه الى القول باشتراك الشرط والمقتضي زماناً على أثره ايضاً في ذات الأشكال بدعوى لزوم وجود العلة حين وجود معلولها، فيلتقي فيه الشرط المتقدم في زمانه على أثره مع المتأخر عنه لإمتناع تأثير المعدوم في الموجود.
فحين الوصية مثلاً لا أثر فعلي لها في ملك الموصي، ولا تنفذ الا بعد وفاة الموصي فلابد من فترة زمانية بين ايقاعها او قبولها وبين فعليتها، وكذا بالنسبة لبيع الصرف وبيع السلم وهو ابتياع مؤجل بثمن حال أي عكس النسيئة ويقال للمشتري (المسلِم) بكسر السين، وللثمن (المسلَم) بفتحها، وللبائع (المُسلم إليه) وللمبيع (المسلم فيه) ويحتاج الى ايجاب وقبول.
فاثره حاصل في أحد طرفيه وهو دفع الثمن في الحال ، أما تأخير دفع العين فللنص والجعل الشرعي، كما ان الذمة تشتغل به فذكره كمثال في المقام ليس بتام.
فالمثلية فيهما مترتبة على حصول القبض والتقابض وان كان العقد سابقاً لأوان القبض، وكذا بالنسبة لكل عقد (في السبب التام) أي الجزء الأخير من القبول وهو الذي يكون مقارناً للأثر ، فهذه الصيغ والأجزاء متصرمة ومتقدمة زماناً على تأثيرها في الفعل مع موضوعية مقارنتها معه زماناً.
هذه دعوى الإشكال في الشرط المتقدم زماناً.
أقول : هناك فارق بين الشرط المتقدم والشرط المتأخر فهما ليسا بعرض واحد .
والإشكال الذي يرد على المتأخر يخرج عنه الشرط المتقدم بالتخصيص وللتباين بين استصحاب تأثير الأول ، والإستصحاب القهقري بتأثير الثاني، فلابد من حصر الإشكال بالشرط المتأخر عقلاً وعرفاً .
وصحيح ان العلة تكون مؤثرة في وجود معلولها ووجوبه لعدم تخلف المعلول عن علته وانعدام الإنفكاك بين العلة التامة ومعلولها، ولكنه قياس مع الفارق .
إذ ان مسألة العقد وتأثيره لا ينطبق بالدقة على قانون العلة والمعلول من جهة الملازمة الزمانية وعدم الإنفكاك بينهما، بل انه من الأثر والمؤثر والسبب والمسبب، الذي يكون فيه أثر لإختيار أوان الفعل بعد حصول العقد شرعاً بحسب الدليل .
فموضوع الوصية مثلاً غير قابل للشروع بتنفيذها فوراً او ما دام الوصي حياً فاذن هي خارج القاعدة العقلية وقانون العلة والمعلول قهراً وانطباقاً، وهي ليست من تأثير المعدوم على الموجود كما قد يظن، بل ان الأثر مستديم وباق ، بلحاظ الشرط المتقدم والشرط المقارن ايضاً والتمييز بين الشرط المتقدم والمقارن في باب العقد بحسب اللحاظ لا الوجود الخارجي امر ليس بتام .
فالعقد والوصية وان انشئا في لحظة معينة سابقة للفعلية الا ان أثرهما مستمر ، فالشمس علة لوجود النهار ، ما دامت موجودة، فالنهار موجود لأن معلولها لا يتخلف عنها ، اما العقد فانه صيغة شفوية تتكون من ايجاب وقبول وحال ينطبق بها لا يبقى لها أثر الا في الأذهان والأسماع ومع هذا فان اثرها الفعلي والواقعي مستمر ودائم لا ينقض الا بدليل شرعي فتكون خارج الحكم العقلي لتبعية المعلول لعلته وجوداً وخارجاً.
والعقل يميز بين العلة والمعلول في الوجود الخارجي، وفي الوجود الذهني الذي هو أعم زماناً ومكاناًً وموضوعاً والوجود العلمي للأثر لا العيني .
ومتعلق الحكم الذي يرد باستحضار الأمر بمعناه وحدوده بالإرادة التفصيلية.
أصالة الصحة
ومفادها الحكم بصحة العمل الذي يصدر من المسلم، وترتب الأثر على هذا المعنى، عند الشك في صحة أو فساد الفعل، سواء كان الفعل عبادة أو معاملة، وفي باب العقود كالنكاح أو الإيقاعات كالوقف، وفي الواجب العيني أو الكفائي أو المستحب والأمور الخاصة والعامة.
ولو شككنا في تذكية ذبح زيد لشاة , فالأصل هو صحة الذبح وجواز الأكل منها، وكذا في باب عقود النكاح وإيقاع الطلاق والإجارة وغيرها.
وأصالة الصحة أصل عملي وليس أصلاً لفظياً، فاذا إشترى عيناً بالمعاطاة وشك هل المعاطاة صحيحة شرعاً أم لا، فلا تجري أصالة الصحة، إنما تستقرأ صحة المعاملة من دليل آخر .
وإذا تيقن أنه لم يستوف الشروط في عمله كما لو تعمد ترك البسملة في الذباحة فلا تجري أصالة الصحة في عمل المسلم، فمورد القاعدة هو الحكم الوضعي من الصحة أو الفساد.
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: قال له رجل: أرأيت إذا رأيت شيئا في يدي رجل أيجوز لي أن أشهد أنه له؟ قال: نعم .
قال الرجل : أشهد أنه في يده ولا أشهد أنه له فلعله لغيره .
فقال له أبو عبد الله عليه السلام : أفيحل الشراء منه؟ قال: نعم، فقال أبو عبد الله عليه السلام: فلعله لغيره فمن أين جاز لك أن تشتريه و يصير ملكا لك؟ ثم تقول بعد الملك: هو لي وتحلف عليه ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك .
ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق( ).
والرواية ضعيفة السند بقاسم بن يحيى ولم يرد فيه توثيق، وقيل انه ثقة لوروده في اسناد كامل الزيارات والأمر سهل لأن الإجماع على العمل بها ، مع عدم وجود المانع الشرعي لتكون اليد أمارة وكاشفة وليس أصلاً فقط، ويدل الحديث على قاعدة اليد والعمل على صحة المعاملة ولولاه لإختل نظام السوق، وإرتبكت المعاشات وحصلت فتنة وتعرضت بعض الحقوق للضياع، ويستدل منه على كبرى كلية وهي أن كل ما يترتب على تركه إختلال السوق لزم العمل به، ومنه العمل على الصحة.
وقال في الفروق (وظاهر أمور المسلمين محمول على الصحة)، وأصالة الصحة من عمومات قاعدة نفي الحرج في الدين وموضوع لبعث السكينة عند المعاملات وسبب لطرد الشك والريب والنفرة من النفوس.
واستدل على أصالة الحلية في فعل الغير أو ما يطلق عليه (أصالة الصحة التكليفية) بنصوص تتضمن حمل عمل المسلم محملاً حسناً منها ما جاء في تفسير[وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا] ( )، قال عليه السلام: لا تقولوا إلا خيراً حتى تعلموا ماهو).
وعن علي عليه السلام قال (ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك ، ولاتظنن بكلمة خرجت من أخيك سوء وأنت تجد لها في الخير محملا) ( ).
وعن الحسين بن عمر بن يزيد ، عن أبيه قال : سمعت الصادق عليه السلام يقول : من اتهم أخاه في دينه فلا حرمة بينهما ، ومن عامل أخاه بمثل ما عامل به الناس فهو بريء مما ينتحل) ( ).
ولكن دلالة هذه الأحاديث أعم في موضوعها، إنما موضوع أصالة الصحة الحكم الوضعي، ويتقوم بموضوع ومحمول، فالأول مشكوك الصحة، والثاني ترتب آثار الصحة بخصوصه، ولا ملازمة بين الحلية التكليفية والصحة في المعاملة، فالجاهل القاصر والذي لا يعلم معذور في دخول المحل المغصوب وان كان الدخول لا يحل له واقعاً، ومثله الجاهل بالمعاملة الربوية.
فلا تعارض وتساقط بين أصالة الحل من جهة التكليف، وأصالة الفساد من جهة الوضع.
وهل أصالة الصحة من عمومات قوله تعالى[وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ] ( )، الجواب نعم، فمع ان الأصل في معنى الآية هو أن القيافة إتباع الأثر هو القول والشهادة بغير علم إلا أنه لا يمنع من تعدد المعاني للآية لأن مفهوم أصالة الصحة الإمتناع عن القول بالفساد والبطلان بغير علم .
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: نحن بني النضر كنانة لا نقْفُو أمنا ولا ننتفي من أبينا) ( ).وفي تفسير الآية أعلاه ذكر(معناه ولا ترم أحد بما ليس لك به علم ، وهذا قول ابن عباس .
أما أصالة الفراغ فهي خاصة بعمل المكلف نفسه وتعني حكم المكلف بصحة عمله بعد الفراغ عنه والشك في صحته فموضوعها العمل المفروغ عنه ومحمولها الحكم بصحته كما لو صلى الظهر ثم شك في صحتها وبطلانها من جهة ترك جزء أو شرط أو مانع رفع الحكم الواقعي كيلا يقع المكلف في الشك والعمل به دائماً وهي تختلف عن قاعدة التجاوز التي تتعلق بالإنتقال إلى فعل والشك في الجزء السابق له.
وتقدم أصالة الصحة على الإستصحاب، كما في الإستصحاب الحكمي مثل أصالة الفساد، والإستصحاب الموضوعي مثل أصالة عدم البلوغ وان كانت أصالة الصحة من الأصول وليس من الأمارات، وقيل انها أمارة.
وتقسيم الحكم الى تكليفي ووضعي لا يمنع من موضوعية قاعدة الصحة فيهما معاً فتشمل الوضعيات من العقود والإيقاعات لأن صحة العقد شرط لترتب الأثر عليه.
الامر الثالث : في تقسيمات الواجب منها : تقسيمه إلى المطلق والمشروط ، وقد ذكر لكل منهما تعريفات وحدود ، تختلف بحسب ما أخذ فيها من القيود ، وربما أطيل الكلام بالنقض والابرام في النقض على الطرد والعكس ، مع أنها – كما لا يخفى – تعريفات لفظية لشرح الاسم ، وليست بالحد ولا بالرسم ، والظاهر أنه ليس لهم اصطلاح جديد في لفظ المطلق والمشروط ، بل يطلق كل منهما بما له من معناه العرفي ( 1 )
الواجب المطلق والمشروط
(1) الواجب المطلق : هو الواجب الذي لم يقيد التكليف به بقيد مخصوص عدا الشروط العامة في التكليف من البلوغ والعقل والإختيار .
أما الواجب المشروط فهو الواجب الذي يكون بقيد وأنيطت بفعليته بأحد الشروط فلا يتحقق المأمور به إلا بالشرط.
أما الوجوب المطلق فهو التكليف والحكم الذي لم يتعلق خطابه بشرط من الشروط، كما في أداء الصلاة فانها تؤدى على كل حال ولا تتقيد بشرط الطهارة المائية على نحو الخصوص او الصحة والسلامة.
والواجب المشروط هو الذي يكون الخطاب التكليفي فيه مقيداً بشرط كما في الحج فانه مقيد بشرط الإستطاعة ، قال تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً، وكما في الصيام لقيد الحضر والسلامة من المرض.
ومنهم من ذكر للإطلاق معنيين:
الأول : الإطلاق في مقابل التوسعة ، والمشروط يعني التضييق.
الثاني : الإطلاق بمعنى التنجيز في مقابل الإشتراط ويعني التعليق والمعنى الأول أقرب الى مفهوم الإطلاق والإشتراط ولكنه هو الآخر لا يستوفي الحد والرسم للتعريف.
وعرفه التفتازاني وصاحب القوانين بل نسب الى المشهور: ان الواجب المطلق ما لا يتوقف وجوبه على ما يتوقف عليه وجوده، والمشروط ما يتوقف وجوبه على ما يتوقف عليه وجوده.
وفي الفصول عرفه : ان المطلق ما لا يتوقف تعلقه بالمكلف على حصول امر غير حاصل سواء توقف على أمر قد حصل كما في الحج بعد الإستطاعة أو لم يتوقف على أمر قد حصل، وقال: ويقابله المشروط وهو ما يتوقف تعلقه بالمكلف على حصول امر غير حاصل.
ومن النقض على الطرد هو جعل المشروط مصداقاً من مصاديق المطلق فالتعريف السابق يجعل الحج بعد تحقق الإستطاعة من المطلق مع انه من الواجب المشروط لأن الإستطاعة قيد وشرط.
اما بالنسبة للنقض على العكس فكما في شرط الإستطاعة، فقالوا ان الحج لا يتوقف على الإستطاعة الشرعية، لإمكان أدائه بدونها كما في حال خدمة الحجيج او الحج سيراً على الأقدام وان كان وجوبه يتوقف عليها.
ونشكل على هذا النقض انه خارج موضوع الوجوب وان الأداء هنا طوعي واختياري ورجاء عظيم الثواب كما انه فرد قليل ونادر وأصل تشريع الوجوب لم يتعلق به، فلابد هنا من التمييز بين الواجب والأداء، وان الأداء أعم من الواجب.
وقد ذكرت وجوه للنقض في المفصلات كما في التقريرات، ولكن الماتن قلل من أهمية النقوض وذات التعريفات بلحاظ انها تعريفات لفظية لشرح الاسم وليس المضمون والمفهوم.
الفرق بين الوجوب والواجب
وتسمى الأحكام الشرعية .
الأول : الواجب وهو ما أمر الشارع به على نحو الإلزام فلابد من فعله ويثاب فاعله ويؤثم تاركه ، مثل الصلاة ، الزكاة ، الحج ، وسيأتينا تقسيم الواجب إلى مطلق ومشروط .
الثاني : المستحب أو المندوب : وهو ما أمر به الشارع ولكن ليس على نحو الإلزام والوجوب ، فيثاب فاعله ، ولا يؤثم أو يعاقب تاركه ، مثل صلاة النافلة ، المسواك ، الحج المستحب ، والمختار أن أكثر أفراد التكاليف الشرعية هو المستحب ، وقالوا النسبة بينه وبين الوجوب التضاد ، والمختار أنها عموم وخصوص مطلق ، فالمستحب أعم .
الثالث : المباح : وهو ما ندب إليه الشرع ومن غير نهي عنه ، ففعله وتركه سواء ، نعم في إرادة قصد القربة في المباح وأنه خير ففيه أجر وثواب مثل الأكل والشرب ، والنوم والإستيقاظ .
الرابع : المكروه : وهو ما نهى عنه الشارع على غير وجه الإلزام ، وأن الأولى تركه فيثاب تاركه ، ولا يعاقب فاعله ، ومنها مكروهات الصلاة ، مثل كالعبث بالشعر ، ومكروهات الصيام .
الخامس : المحرم : وهو مانهى عنه الشارع على وجه الإلزام فلابد من تركه ، ويؤثم ويعاقب فاعله ، ويثاب تاركه مثل الربا ، الزنا ، شرب الخمر ، القمار ، الإفتراء ، الغيبة .
الرد على الآمدي في معنى المباح
وقال الآمدي في تعريف المباح : وقال قوم : هو ما استوى جانباه في عدم ثواب والعقاب وهو منتقض بافعال الله تعالى ، فانها كذلك ، وليست متصفة بكونها مباحة وقال ، والأقرب في ذلك أن يقال : هو ما دل الدليل السمعي على خطاب الشارع بالتخيير فيه بين الفعل والترك من غير بدل ، فالقيد الأول فاصل له عن فعل الله تعالى ، والثاني عن الواجب الموسع في أول (الوقت والواجب المخير) ( ).
ولكن الموضوع متباين ، ولابد من تنزيه مقام الربوبية ، فان مباحث المباح منصرفة طوعاً وإنطباقاً إلى أفعال المكلفين ، ولفظ مباح : أي أباح الله فعله للعباد فافعال الله عز وجل خارجة في الأصل عن الموضوع تعريفاً وماهية وحكماً.
واجماع علماء المسلمين أن الأباحة من الأحكام الشرعية .وخالف بعض المعتزلة بان المباح ليس بحكم إنما هو إنتفاء الحرج عن فعله أو تركه كشرب الماء وهو أمر ثابت قبل الشريعة والسنن التي جاء بها الإسلام وقال الكعبي واتباعه من المعتزلة أن المباح غير مأمور به وكأنه من الإباحة العقلية وليس الشرعية ، وهذا صحيح ، ولكنه إتصف بصيغة الحكم لخطاب الشارع بالتخيير فيه , وهو أمر جاءت به البعثة النبوية المباركة ونزول القرآن , قال تعالى وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، ومما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المباحات.
والآمدي : هو علي بن محمد الآمدي وكتابه : الإحكام في أصول الأحكام متوفى سنة 631 هجرية ، كان حنبلياً ثم تحول إلى المذهب الشافعي ، قدم بغداد ، وتعلم القراءات ، وبدع في الخلاف ، وتفنن في أصول الدين وأصول الفقه والفلسفة : رحل إلى مصر وتصدى للإفتاء والفقه الشافعي . ثم خرج إلى الشام وتوفى فيها .
(وقال الطبراني سمعت أبا يحيى زكريا بن يحيى الساجي قال كنا نمشي في بعض ازقة البصرة إلى باب بعض المحدثين فاسرعنا المشي وكان معنا رجل ماجن منهم في دينه فقال ارفعوا ارجلكم عن اجنحة الملائكة لاتكسروها كالمستهزيء فما زال من موضعه حتى جفت رجلاه وسقط)( ).
ومعنى تضع أجنحها أي تبسطها بالدعاء لطالب العلم بدلاً من الأيدي.
كما أن الظاهر أن وصفي الاطلاق والاشتراط ، وصفان إضافيان لا حقيقيان ، وإلا لم يكد يوجد واجب مطلق ، ضرورة اشتراط وجوب كل واجب ببعض الامور ، لا أقل من الشرائط العامة ، كالبلوغ والعقل . فالحري أن يقال : إن الواجب مع كل شئ يلاحظ معه ، إن كان وجوبه غير مشروط به ، فهو مطلق بالاضافة إليه ، وإلا فمشروط كذلك ، وإن كانا بالقياس إلى شئ آخر كانا بالعكس(1)
(1) عدم وجود تعريف موحد او خال من طرو النقض عليه في الطرد والعكس لا يعني اللجوء الى التقييد والقول بالإطلاق بلحاظ جهتي، نعم ان الإطلاق والإشتراط وصفان اضافيان وليس حقيقيين خارجيين الا ان القواعد الكلية تجعل فاصلاً بينهما وحداً لكل منهما.
فهناك من المشروط ما هو اختياري ومنها ما هو انتزاعي انطباقي، فبالنسبة للعقل والبلوغ خارجان بالتخصص عن تعريف الواجب المطلق والمشروط لأنهما من المسلمات والشرائط العامة للتكليف فالصلاة والصوم والحج منوطة بالعقل والبلوغ والإختيار .
وقال الماتن بشرط القدرة والعلم كشروط عامة الا انه لم يجعله ضمن تعريف المشروط، بل حتى الوضوء بالنسبة للصلاة لم ينافٍ الإطلاق على ظاهر بعض التعريفات، والإستطاعة شرط في أداء الحج لأن بها يحصل تمايز في أعداد المكلفين فجزء وشطر من البالغين يستطيع الحج .
أما بالنسبة للطهارة للصلاة فان كل المكلفين تقريباً بامكانهم أداء الصلاة بطهارة مائية او ترابية.
لذا فان قول الماتن (ان الواجب مع كل شيء يلاحظ معه ان كان وجوبه غير مشروط به فهو مطلق بالإضافة اليه) يراد منه الجهتية والتقييد وأن التعريف حينئذ من الكلي المشكك بحسب الإضافة، لأنه في هذه الحالة ينظر للأمر بلحاظ جهتي محصور وقد يؤدي الى سلسلة لا تنتهي من المصاديق والأمثلة.
والتعريف في الإصطلاح على قسمين :
الأول : التعريف اللفظي : وهو الإتيان بلفظ واضح الدلالة لتفسير وبيان لفظ غير واضح الدلالة وذكر شيء قريب تستلزم معرفته والإحاطة به لمعرفة شيء آخر أبعد منه عن الذهن والتصور.
الثاني : التعريف الحقيقي : هو الذي يراد به تحصيل ما يوافقه من التصور وفيه بيان لما وضع اللفظ له حقيقة، فالواجب المطلق ليس حقيقياً بحيث يكون مطلقاً من كل الجهات، وان المشروط مقيد من كل الجهات.
الحد والرسم
المراد من الحد هو الوصف المحيط بالشيء بذاته وحقيقته ، ويمنع غيره من الدخول معه وهو مؤلف من جنس وفصل .
ويقسم الى قسمين :
الأول : حد تام وهو الذات المتصورة بمجيء أجزائها ، والجنس القريب مع الفصل القريب كالحيوان الناطق في تعريف الإنسان.
الثاني : الحد الناقص وهو ما اذا كان المتصور بعض اجزائه كالنطق في تعريف الفصل القريب في تعريف الإنسان بالناطق، او بذكر الفصل القريب مع الجنس البعيد كما في قولك الإنسان جسم ناطق، فجسم جنس بعيد.
اما الرسم فهو تمييز الشيء عما سواه تمييزاً غير ذاتي فيما يعرض للماهية كما لو ذكر الجنس القريب.
وينقسم الرسم الى قسمين :
الأول : رسم تام : وهو ذكر الصفة الخاصة والفصل بعد ذكر الجنس القريب ليتميز الشيء عما سواه .
ليكون التعريف مساوياً للشيء في العموم والخصوص، فكما في قولك الإنسان حيوان كاتب .
فالحيوانية خصائص ذاتية يشترك بها الإنسان مع غيره، أما الكتابة فهي خاصة بالإنسان .
فالتعريف بالرسم التام قريب من التعريف بالحد التام إذ وضع للجنس القريب مع التقييد بأمر خاص ينفرد به ، وأضيف لهذا العلم بأنه يكون الجنس القريب خاصاً أيضاً كما في قولك : الإنسان خليفة ناطق ، قال تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً وليس من بين أجناس الخلائق خليفة إلا الإنسان .
الثاني : الرسم الناقص : فهو تعريف الشيء بأمور خاصة تميزه عن بعض ما عداه كما لو قلت الإنسان ضاحك، أو جسم ضاحك فلا بيان لصفة الحياة فيه، مع ذكر الفارق الفاصل له مع غيره ، وقد يكون التعريف بالمثال والمصداق العملي , قال تعالىوَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ.
فالرسم الناقص هو ذكر الجنس البعيد مع الخاصة ، مثل الصيام صبر وامتناع عن الأكل والشرب ، فصبر (جنس بعيد) وامتناع عن الأكل والشرب (خاصة) .
ومثل قوله تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ، فالذلة (جنس بعيد) والنصر ببدر (خاصة).
ومفاد قول الماتن انها (ليست بالحد ولا بالرسم) أي لا يصلح عليها النقض والإبرام لأن الأمر اذا تعلق بالتعريف اللفظي يكون سهلاً واعترف الماتن بعدم وجود اصطلاح اصولي خاص للمطلق والمشروط .
وانحصر التعريف باللغة فصحيح انه قد يلتقي التعريف اللغوي مع الأصولي وما يرد في الصناعة من الحد والرسم ومسألة التعريف في علم الأصول يجب ان تبحث بجدية ودقة.
فالأولى تأليف هيئة من كبار علماء الإسلام، وإيجاد تعريفات للإصطلاحات الأصولية تكون نواة وأساساً للعمل والرجوع اليها وبعد إستحضار التعريفات السابقة وتعيين موضوعاتها والجمع بينها مع الإمكان.
فالتعريف هو توضيح وبيان معنى اللفظ بما يجعله واضحاً في الأذهان ، ترى ما هي النسبة بين التفسير والتعريف ، الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، فالتفسير أعم ، قال تعالى وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا.
القياس
يقع الكلام في تعريف القياس وأركانه، وتعريف العلة والسبب والشرط، وتقسيمات العلة، الإجتهاد، تحقيق المناط، تنقيح المناط، تخريج المناط، حجية القياس.
والقياس لغة هو التقدير، أي تقدير شيء بشيء، كما تقول قست الأرض بالمتر، ومن الآيات أن قياسات الآخرة من اللامتناهي ترغيباً للناس في الثواب، قال تعالىوَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.
وأصل القياس هو تعدية تطبيق حكم ثابت لأمر معلوم على أمر آخر للتشابه بينهما في علة الحكم، أو إلحاق الفرع بالأصل، وعمدة هذا الإلحاق هو إتحاد العلة بينهما.
فذكرت الآية عرض الجنة بما يتعذر عدّه وحسابه بلحاظ إيصال السماء والأرض بعضها ببعض على نحو إمتدادي أفقي، ولم تذكر الجنة، والطول اكبر من العرض لبيان عظيم فضل الله في أعداد الجنة ودعوة الناس للسعي لدخولها وما يتناهى وهو الوجود الذهني لايحيط باللامتناهي.
وللقياس معنيان:
الأول : إصطلاح علم المنطق وهو قضايا مستلزمة لذاتها قضية أخرى.
الثاني : إصطلاح الفقه وهو إلتماس العلل الواقعية للأحكام الشرعية عن طريق العقل.
ويسمى موضوع الحكم الثابت: الأصل مثل(الخمر) ويسمى المقيس عليه.
والموضوع الآخر: الفرع مثل(الفقاع) ويسمى المقيس.
والمشترك: الجامع والعلة (الإسكار).
والحكم هو في المقام الحرمة.
والعلة إما مستنبطة أو منصوصة(الحرمة) والشهرة بمنع العمل بالعلة المستنبطة .
ويقال مثلاً في باب القياس: النبيذ فرع الخمر أي أن حكمه مستقرأ من حكم حرمة الخمر، والحقيقة أصل المجاز ولو دار الأمر بين الحقيقة والمجاز فالأصل هو الحقيقة، ما ورد: لا تبع الحنطة بالحنطة مع التفاضل لأنها مكيل فإنه يتعدى إلى الشعير والعدس مثلا قياساً منصوص العلة.
والفرق بين القياس والغلبة أن المقصود من الغلبة، تعيين موضوع الحكم الشامل لمصاديقه ليترتب ذات الحكم على أفراد الكلي من دون النظر إلى علة ثبوت الحكم على الموضوع ومنه قد يكون كل مسكر حرام.
وقد لا تصل النوبة إلى القياس كما في الفقاع الذي ترد أمثلة القياس به، فقد ورد عن الإمام علي الهادي عليه السلام: الفقّاع خمرة إستصغرها الناس).
وعن سليمان بن جعفر قال: قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام: ما تقول في شرب الفقاع؟ فقال: خمر مجهول يا سليمان فلا تشربه، أما أنه يا سليمان لو كان الحكم لي والدار لي لجلدت شاربه ولقتلت بايعه) لذا تحمل الكراهة على الحرمة في الخبر الوارد من محمد بن إسماعيل قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن شرب الفقاع فكرهه كراهة شديدة) ( ).
وهذا لا يمنع من إنطباق القياس على أمثلة أخرى، وقيل: لا تحتاج القياس إلا في مواطن قليلة تسد النقص في أدلة النصوص.
ثم الظاهر أن الواجب المشروط كما أشرنا إليه ، أن نفس الوجوب فيه مشروط بالشرط ، بحيث لا وجوب حقيقة ، ولا طلب واقعا قبل حصول الشرط ، كما هو ظاهر الخطاب التعليقي ، ضرورة أن ظاهر خطاب ( إن جاءك زيد فأكرمه ) كون الشرط من قيود الهيئة ، وأن طلب الاكرام وإيجابه معلق على المجئ ، لا أن الواجب فيه يكون مقيدا به ، بحيث يكون الطلب والايجاب في الخطاب فعليا ومطلقا ، وإنما الواجب يكون خاصا ومقيدا ، وهو الاكرام على تقدير المجئ ، فيكون الشرط من قيود المادة لا الهيئة ، كما نسب ذلك إلى شيخنا العلامة أعلى الله مقامه ، مدعيا لامتناع كون الشرط من قيود الهيئة واقعا ، ولزوم كونه من قيود المادة لبا(1)
عائدية الشرط
(1) لقد نسب الى الشيخ الأنصاري كون الشرط من قيود المادة وقد أطلق عليه الماتن لفظ العلامة مع ان هذا اللقب يطلق على العلامة الحلي، ولعل الماتن أراد اختصاصه بالأنصاري في مباحث علم الأصول وليس الفقه ، ولا مانع من تعدد إطلاق لفظ العلامة وهو كثير العلم ، ونسبة كون الشرط من قيود المادة الى الشيخ الأنصاري ذكرها، الميرزا ابو القاسم النوري في التقريرات التي سماها مطارح الأنظار، لإمتناع كون الشرط من قيود الهيئة لمانع ثبوتي وهو عدم قابلية الهيئة للتقيد، لكون معناها جزئياً حقيقياً وليس لمانع اثباتي وهو قصور اللفظ عن افادة تقييد الهيئة.
واذا ثبت عدم رجوع الشرط الى الهيئة فلابد انه يرجع الى المادة للعلم الإجمالي برجوعه الى أحدهما، مع الإعتراف انه راجع الى الهيئة بحسب قواعد اللغة العربية فعلى مبنى الشيخ الأنصاري ليس من تعارض بين نسبة القيد الى المادة ونسبته بحسب قواعد اللغة الى الهيئة لتعدد الجهة، ففي قواعد اللغة العربية ينظر الى اللفظ وقيوده واحكام ادوات الشرط وتعلق الجزاء بالشرط.
للتباين بين الحالة الخارجية وبين أحكام ذات اللفظ وظهوره ويتبين الفرق بتجلي الوجوب مطلقاً وحالياً والواجب مقيداً واستقبالياً على مبنى الشيخ الأنصاري الذي نسب اليه عدم أهلية الهيئة للتقييد فلا يرجع الى الوجوب لأن مبناه وضع الحروف عام والموضوع له خاص، فان الهيئة وضعت لذات الأفراد فيكون المستعمل فيه فرداً خاصاً من الطلب وهو غير قابل للتقييد فالشرط لا يكون من قيود الهيئة وان الوجدان يشهد بان الشرط يتعلق بالطلب.
ولكن الماتن قال بان الشرط من قيود الهيئة وهو المشهور بين الأصوليين لأن الشرط في ان جاءك زيد فاكرمه، هو المجي الذي يدل عليه (ان جاءك) المكونة من أداة الشرط وفعله .
وهو من قيود الهيئة الجزئية، أي (اكرمه) والتي تعني وجوب الإكرام وتعلقه بالهيئة اصلاً .
فالمقيد بالمجيء هو وجوب الإكرام، أي المضاف منهما وليس المضاف اليه فلفظ اكرم غير مقيد بالمجئ.
مع الاعتراف بأن قضية القواعد العربية أنه من قيود الهيئة ظاهرا أما امتناع كونه من قيود الهيئة، فلانه لا إطلاق في الفرد الموجود من الطلب(1) ثم الظاهر دخول المقدمات الوجودية للواجب المشروط ، في محل النزاع أيضا(2)
اما على مبنى الشيخ الأنصاري فيكون الواجب مقيداً بالمجيء، فالواجب بخصوص المجيء، والإكرام على تقيد المجيء، مع ان أصل الوجوب فعلي ومطلق ، ولكن الماتن قال بالتعليق فلا بعث حقيقة قبل حصول القيد فعلى
القول برجوعه الى مدلول الهيئة يكون نفس الوجوب مشروطاً بها، فليس من وجوب قبل تحقق الشرط.فمع عدم المجيء لا ايجاب ولا وجوب.
والمراد من الحاجة هنا هو الإكرام بان المادة تدل على الحدث والمراد من الهيئة هي الوجوب التي تعني الدلالة على نسبة المادة الى الفاعل وكما تقدم فانها في الماضي تدل على تقدم الحدوث.
وقيل بان القيود المأخوذة في الإنشاء واصل الوضع مرجعها الى المادة، فالوجوب مطلق , اما الواجب فقيد.
(1) يقول الشيخ الأنصاري بكون الشرط من قيود المادة كما في الإكرام على تقدير المجيء لا الهيئة أي الوجوب وان العقل يحكم بلزوم رجوع الشرط الى المادة مع اعترافه واقراره بان الشرط من قيود الهيئة بحسب الظاهر الذي يدل عليه اللفظ، وقال الماتن (ظاهراً) لإمتناع تقييد الهيئة ثبوتاً.
المقدمة الوجودية
(2) من المقدمات ما يتوقف وجود الواجب عليها وتسمى المقدمات الوجودية، كما في الإستطاعة فلا يجب على المكلف السعي لتحصيل الإستطاعة ولكنها اذا وجدت يكون الحج واجباً فعلياً على المكلف باعتبار لاشتراطه بالإستطاعة.
فتدخل هذه المقدمات في حريم النزاع ولا يخصص النزاع في الملازمة بين المقدمة وذيها بمقدمات الواجب المطلق لأن اضافة قيدية الشرط للواجب لا تمنع من وجود مقدماته ورجوع القيد الى الهيئة على المشهور او الى المادة، وتخرج المقدمات الوجودية للواجب المشروط عن حريم النزاع في الملازمة بين وجوب المقدمة وذيها، فهناك كبرى وصغرى .
أما الكبرى فهي وجوب المقدمة لوجوب ذيها، اما الصغرى فهي ان الوجوب الغيري المقدمي تابع للوجوب النفسي في اطلاقه او اشتراطه فلا حصر للنزاع بالواجب المطلق وان نسب الى المشهور حصر النزاع به، فلا اختلاف بين المقدمات الوجودية للواجب المشروط والمقدمات الوجودية للواجب المطلق فكل منها تدخل في نزاع وجوب المقدمة لوجوب ذيها.
فالحج واجب مشروط بالإستطاعة من الزاد والراحلة ، والصلاة واجب مطلق ومقدمته الوضوء، فكما يدخل وجوب الوضوء الغيري كمقدمة في حريم النزاع باعتباره مقدمة الواجب المطلق، كذلك تدخل الإستطاعة كمقدمة للواجب المشروط في حريم النزاع ووجوب المقدمة لوجوب ذيها على مبنى الماتن أما المشهور فان مبناه بخصوص خروج مقدمة الواجب المشروط عن حريم النزاع .
ان وجوب ذي المقدمة معلق ومشروط بمقدمته، فلا اطلاق له كي يتبعه وجوب مقدمته خصوصاً وان العنوان ينصرف الى الواجب المطلق.
وقال الماتن (وان الشرط المعلق عليه الإيجاب في ظاهر الخطاب) وهو المسمى بمقدمة الوجوب وان الوجوب لا يتحقق الا بحصول الشرط كالإستطاعة فانه لا وجوب للحج على المكلف الا بتحقق الإستطاعة فهو خارج عن محل النزاع وهو المشهور.
قال الماتن التصور من قبلنا باعتبار رجوع القيد الى الهيئة وليس الى المادة، فالوجوب متقدم عليه، فلا يمكن ان يكون نفسه متوقفاً على الوجوب فيكون من تحصيل ما هو حاصل، وحتى على مبنى رجوع القيد الى المادة فانه لا يدخل في حريم النزاع بوجوب المقدمة بوجوب ذيها، لجعل الحج واجباً
الحق جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد المعتبر بالخصوص كما جاز بالكتاب أو بالخبر المتواتر، أو المحفوف بالقرينة القطعية من خبر الواحد، بلا ارتياب، لما هو الواضح من سيرة الاصحاب على لعمل بأخبار الآحاد في قبال عمومات الكتاب إلى زمن الائمة عليهم السلام، واحتمال أن يكون ذلك بواسطة القرينة واضح البطلان.
مع أنه لولاه لزم إلغاء الخبر بالمرة أو ما بحكمه، ضرورة ندرة خبر لم يكن على خلافه عموم الكتاب، لو سلم وجود ما لم يكن كذلك(1)
على تحصيل شرط الإستطاعة وهو المستقرأ من قوله تعالى[وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً] ( )، فان وجد شرط الإستطاعة اصبح الحج واجباً لأن المقدمة وهي الإستطاعة قد تحصلت فلا يعقل ان يقال بوجوب المقدمة لوجوب ذيها، لأن ذيها وهو الحج قد وجب.
وقال “نعم على مختاره لو كانت له مقدمات وجودية غير معلق عليها وجوبه…” كما لو كان أداء الحج متوقفاً على القرعة والإختبار قبل اشهر الحج، والإستطاعة غير متحصلة ولكن مقدر حصولها في المستقبل وأشهر الحج، فان ايجاب ذي المقدمة حالي والواجب انما هو استقبالي كما في الواجب المعلق.
(1) إجماع الأصوليين على تخصيص أحكام القرآن بكل من :
الأول : ذات آيات القرآن وفيها المطلق والمقيد ، والعام والخاص ، وإليه ذهب الماتن أعلاه .
ومنه قوله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً، وخص بقوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا.
وهذا المثال القرآني مستحدث في المقام ، ومن أمثلته عدة الطلاق بقوله تعالى وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ، وقد خصّ عمومه بالحوامل بقوله تعالى وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ، كما خصّ الدخول بالزوجة كما في غير المدخول بها ، كما في قوله تعالى فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا.
الثاني : تخصيص القرآن بالحديث المتواتر ، وعليه الإجماع كما ستأتي شواهد عليه .
الثالث : تخصيص القرآن بخبر الواحد المحفوف بالقرائن .
مقارنة بين قاعدة الصحة والفراغ
بين قاعدة الصحة وقاعدة الفراغ عموم وخصوص من ، وجه فمادة الإلتقاء من وجوه:
الأول : موارد الشك في الفعل.
الثاني : عموم كل من القاعدتين في أبواب العبادات والمعاملات.
الثالث : إرادة صحة الفعل.
الرابع : مجئ حكم القاعدة بعد إنقضاء الفعل.
أما مادة الإفتراق فهي من وجوه:
الأول : ورود النصوص المستفيضة بخصوص قاعدة الفراغ.
الثاني : قاعدة الصحة أعم، إذ يكون موضوع قاعدة الفراغ إنقضاء الفعل بعد إتيانه.
الثالث : التباين في المتعلق، إذ تتعلق قاعدة الفراغ بعمل المكلف نفسه، وأما قاعدة الصحة فتتعلق بفعل الغير من المسلمين.
وأصالة الصحة غير شرط الصحة الذي يتقوم به الفعل العبادي والمعاملاتي مثل إشتراط الطهارة للصلاة.
والنسبة بين شرط الوجوب وشرط الصحة العموم والخصوص المطلق، فقد يكون الأمر شرطاً للوجوب ولا يكون شرطاً للصحة، كما في الإستطاعة للحج، قال تعالى[وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً] ( ).
فالإستطاعة شرط وجوب الحج، وبدونها لا يتوجه الخطاب التكليفي للمسلم بالحج، ولكن لو أدى الحج من دون إستطاعة كما لو قام بخدمة الحجيج أو تبرع له متبرع، أو إستدان وهو يعلم بقدرته على القضاء صح حجه خصوصاً في زمان القرعة والمطارات والحدود هذا.
وقيل دليل أصالة الصحة لبي ، وهو السيرة العقلائية وليس هو دليلاً لفظياً، ولكن لابد من نص أما قاعدة الفراغ فدليلها لفظي، ونصوص كثيرة بخصوصه، لذا جمع بعضهم بين القاعدتين وعموم النصوص مثل (كل ماشككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو)( ).
للإشارة إلى أخذ الأفعال بمضامينها ومعانيها من ترتب الأثر على الفعل لأن هذا الترتب أمارة على تأسيسه صحيحاً، وهو يناسب قاعدة نفي الحرج في الدين وحديث الرفع، لذا فان أصالة الصحة لا تثبت بحصول السبب ولكنها تفيد ترتب الأثر عليه.
في الفقه المقارن
الفقه المقارن هو إختلاف العلماء , مع بيان دليل كل واحد ويضاف له في هذه الأزمنة الإختلاف بين المذاهب لإستقلال العلماء كل مذهب بقول, ويعرف بأنه القواعد المتعددة التي اتخذها الفقهاء طريقاً ومرتكزاً لإستنباط الأحكام الشرعية الفرعية.
وعدّ هذا العلم من مبادئ الإجتهاد لأنه علم يكون فيه حفظ الأحكام الشرعية المختلفة، أو إبطالها بالحجج الشرعية.
ويراد من الفقه المقارن أمور:
الأول : الأقوال والفتاوى الفقهية.
الثاني : دراسة ومقارنة وموازنة الأقوال الفقهية.
الثالث : ترجيح بعض الأدلة الفقهية على البعض الآخر ، وهو المسمى قديماً (علم الخلاف).
ولا يؤدي هذا الإختلاف إلى الفرقة والخصومات وما فيها من ضعف الأمة بل هذه الخلافيات نوع تدبر وإستعمال للفكر في التفسير والتأويل والإجتهاد في اللغة، وهو مأخوذ من الجهد في الأمور التي تستلزم بذل الوسع , كما يقال: إجتهد فلان في رفع حجر، أما في الإصطلاح فهو على قسمين:
الأول : البدل عن النص عند غيابه أي الرجوع الى العقل والرأي ليصبح الإجتهاد مصدراً من مصادر الحكم الشرعي والفتوى ومنه مدرسة الرأي.
الثاني : خاص وهو إستفراغ الوسع في طلب الظن بشئ من الأحكام الشرعية، بما يدرك معه بذل الطاقة والعجز عن المزيد.
ومن خصائص الجهد في المقام أنه إكتساب للعلوم لمعرفة أحكام الشريعة (وتحصيل الحجة على الحكم وأصبح وظيفة للفقيه في إستخراج الحكم من أدلته، وليس هو مصدراً مستقلا)( ).
والفقه المقارن من العلوم التي تساهم في حفظ الأحكام الشرعية الفرعية , وكان يسمى(علم الخلاف) و(علم الخلافيات) ومع أن الاسم غير المسمى فإن تسميته بالفقه المقارن هي الأحسن لما فيها من مجانبة الفرقة وأسباب الخصومة خصوصاً , وأن الغاية من هذا العلم بيان الأحكام بالدليل والبرهان، أو إظهار الخلل والنقص في بعضها مما يكون فيه الخلاف والذي يزاول المقارنة بين الأحكام أما أن يكون مجيباً يتعاهد وضعاً وقاعدة شرعية، أو سائلاً يحتج على قول أو فتوى.
وهل يلحق علم الخلاف هذا بصناعة الجدل , الجواب لا، فليس الأهم عند الخلافي هو الغلبة وإفحام الخصم وإن جاء بمغالطة التي هي منتفية في المقام لخلوص النية عند الفقهاء بالسعي لإستنباط الحكم من أدلته الشرعية.
ويجمع طرفي الخلاف قصد تثبيت معالم الدين والوصول إلى الحكم الشــرعي وفق الدليل وحســب البرهان من الكتاب والسنة وتلك آية في سـلامة الفقه الإسلامي من التــبديل والتــحريف والتغــيير.
إذ جــعل الله عــز وجل ما يحتاجه الإنسان في باب العبادات والمعاملات والأحكام في أصل شريعة الإسلام وحفظه من يد التغيير، قال تعالىإِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون.
وليس في الفقه المقارن هوى وتعصب، بل هو تأكيد للدليل أو توهين له في موضوع مخصوص ، وبلحاظ زمان العولمة هذا وتقارب الأفكار وإطلاع العلماء والناس على الرأي الآخر وحجته ودليله.
فمن المرجح حدوث تداخل المذاهب الإسلامية وعدم الإصرار على القول والفتوى بلحاظ الإنتساب إلى المذهب وما يسمى عندهم بلفظ الأصحاب.
ومال أحد كبار المفسرين وفي الصفحة الأولى من تفسيره في باب البسملة وهل هي آية من سور القرآن كلها أو من سورة الفاتحة وحدها إلى قول (وهو المشهور من مذهبنا وعلى المرء نصرة مذهبه والذب عنه وذلك بإقامة الحجج على إثباته وتوهين أدلة نفاته) مع أنه قريب عهد بمذهب آخر يقول قولاً مغايراً في هذا الباب، وهناك تباين بين ذات المذهب وبين قوله في مسألة مخصوصة في موضوع النصرة والذب .
وليس في علم التفسير إستقلال للمذاهب, وهو سابق في زمانه وموضوعه لها وما ترشح عنها من الإبتلاء ( ) والسنة النبوية هي أول تفسير للقرآن , وتولدت المذاهب في أواخر القرن الثاني , ولم تتسع إلا بعده بقرون , والمسلمون شرع سواء في علوم التفسير والنهل من خزائنه , وقد تجد إختلافاً بين أرباب وعلماء المذهب أنفسهم , وفي مسائل فقهية متعددة.
منافع الفقه المقارن
من منافع الفقه المقارن أمور :
الأول : الوصول إلى وجوه الفقه الإسلامي من غير واسطة، فلا يقول المحقق حكي عن، ونقل عن، وقيل، وذكر، بل يرجع إلى صاحب القول والجهة.
الثاني : ذكر مختلف الأقوال والفتاوى بخصوص مسألة أو موضوع متحد أو متعدد.
الثالث : إستحضار الأدلة , والمقارنة بينها وعرضها وفق قاعدة التعادل والتراجيح.
الرابع : بيان الإرتقاء في الفقه الإسلامي.
الخامس : منع روح الخصومة والعداوة بين المسلمين، مذاهب وعلماء وأصحاب قول ورأي.
السادس: التقريب بين المذاهب الإسلامية.
السابع : معرفة المسلمين لأقوال وأراء عموم العلماء.
الثامن : منع التقول والإفتراء على العلماء والمذاهب الأخرى، إذ تبين المقارنة والخلاف أقوالهم وفتاواهم , ومنه التحقيق الذي قد يظهر أنهم لم يقولوا بها، وان وجد القول فهو شاذ وصادر عن فرد منهم، فمثلاً في قوله تعالىفَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ.
قال الرازي : ذهب قوم سدى( ) إلى أنه يجوز التزوج بأي عدد أريد، واحتجوا بالقرآن والخبر , وقال بأن من وجوه إحتجاجهم: أن الواو للجمع المطلق فقوله [مثنى وثلاث وَرُبَاعَ] يفيد حل هذا المجموع ، وهو يفيد تسعة، بل الحق أنه يفيد ثمانية عشر، لان قوله: مثنى ليس عبارة عن اثنين فقط، بل عن اثنين إثنين وكذا القول في البقية)( ).
ولكن عند البحث عن هؤلاء القوم لم نجد لهم أثراً وإن نسبه الرازي إلى أهل البدعة , ومن نسب القول لبعض علمائهم أنكروه فقد ذكر أن بعض علماء الزيدية قال به , ولم يعثر عليه في كتبهم، ولا عبرة بالقليل النادر خصوصاً إذا كان مخالفا للنصوص.
التاسع : تنمية ملكة البحث والتحقيق عند علماء المسلمين والشباب الرسالي مطلقاً.
العاشر : إنصاف الطرف أو المذهب الآخر فيما يقوله لدليله الخاص، ومناقشة هذا الدليل ومحاولة هدمه وإبطاله لا تتعارض مع إستدامة هذا الإنصاف والإكرام.
الحادي عشر : كما في الحج قال أحدهم للنبي: قدمت الذبح قال لاضير، قدمت الحلق لا ضير ، لأنه عن جهل ونسيان.
الثاني عشر : عرض كل المصادر والأقوال للبحث والتقييم.
الثالث عشر : منع التعصب والإنحياز الأعمى , وقد أنعم الله على المسلمين بالكتاب والسنة , والعلماء ورثة الأنبياء.
الرابع عشر : الفقه المقارن من عمومات قوله تعالىكُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، لما فيه من الضبط للأحاديث وتعاهد الأحكام وحفظ السنن وفق الكتاب والسنة , وفي قوله تعالى[الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ] حجة وبشارة ومدد في المقام .
الخامس عشر : الفقه المقارن وسيلة للتقارب بين المسلمين ونبذ النفرة فيما بينهم، ومقدمة لإندماج المذاهب الإسلامية( ).
السادس عشر : إنه وسيلة لجذب الناس للإسلام فهو من عمومات قوله تعالىإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ.
وتتصف مباحث الفقه المقارن بأنها مقيدة وليست مطلقة، فلابد من الصدور عن الكتاب والسنة، وعرض الأقوال والفتاوى عليهما، وهو من أسرار سلامة القرآن من التحريف إلى يوم القيامة.
وهل من دليل على علم الفقه المقارن من القرآن الجواب نعم، وهو من عمومات قوله تعالىوَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ، وذكر قول للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: إختلافُ أمتي رحمةٌ)( ) ، ولم يثبت .
نعم ورد خبر الصدوق قال (حدثنا علي بن احمد رحمه الله قال: حدثنا محمد بن أبى عبدالله الكوفي عن أبى الخير صالح بن أبى حماد، عن احمد بن هلال، عن محمد بن أبى عمير عن عبدالمؤمن الانصاري قال : قلت لابي عبدالله عليه السلام ان قوما يروون ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إختلاف أمتي رحمة، فقال: صدقوا، فقلت ان كان إختلافهم رحمة فاجتماعهم عذاب .
قال ليس حيث تذهب وذهبوا ، وإنما أراد قول الله عزوجل فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ، فامرهم أن ينفروا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ويختلفوا اليه فيتعلموا، ثم يرجعوا إلى قومهم فيعلموهم ، إنما أراد إختلافهم من البلدان لا اختلافا في دين الله انما الدين واحد انما الدين واحد)( ).
ويأتي الإختلاف بمعنى الزيادة والذهاب والإياب ، قال تعالى [وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ].
وقد ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم القول (يأتي على الناس زمان المتمسك فيه بسنتي عند اختلاف أمتى كالقابض على الجمر)( ) .
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: من اجتهد فأصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجرٌ واحدٌ)( ).
أقسام القياس
أما أقسام القياس فهي أربعة:
الأولى : قياس منصوص العلة كما في حرمة الفقّاع لأنه فرع الخمر والعلة السكر , وللعلم بالعلة عند أهل القياس طرق منها النص عليها , ومنه الصريح، وهو الذي يتبين بالوضع مثل: لأجل كذا.
الثانية : قياس الأولوية: إلحاق حكم شيء بشيء آخر هو أصل، أو قل أن العلة تكون في المقاس أظهر وأبين من المقاس عليه وهو لا يمنع من جعل الأول أصلاً، لتجليه وظهوره بالدليل كما في قوله تعالىفَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ، أي من باب الأولوية لا تضربهما ولا تزجرهما، فيكون في الأول بالدلالة المطابقية، ويكون في الثاني بالدلالة التضمنية أو الإلتزامية.
والأولوية تارة تكون عقلية فهي من قبيل المفهوم كما في موضوع الآية أعلاه، وأخرى لغوية أو عرفية فتدخل في المنطوق.
منه حديث الجارية الخثعمية أنها قالت في حجة الوداع: يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الحج شيخاً زمناً لا يستطيع أن يحج إن حججت عنه أينفعه ذلك؟ فقال لها: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان ينفعه ذلك؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق بالقضاء.
الثالثة : القياس المستنبط العلة: وهو تثبيت وإنطباق العلة على فرد مخصوص بإستقراء ظني، ليستحضر في الوجود الذهني أركان القياس وتمامها ، وهو محل نزاع، والأقوال فيه :
الأول : الإحالة العقلية ونسبه الغزالي في المستصفى الى الشيعة وبعض المعتزلة , ولم تثبت النسبة للشيعة .
الثاني : الإمكان العقلي .
الثالث : الوجوب العقلي , أي أن العقل يحكم بالصدور عنها في تحصيل الحكم كطريق بديل إليه , لأنه أدنى مرتبة من الوجوب الشرعي.
الرابعة : قياس تنقيح المناط: هو وجود خصوصيات في الموضوع لا مدخل أو شأن لها كما في قوله تعالىفَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، فإذا ثبتت رؤية الهلال وجب صيام اليوم التالي على كل المكلفين من غير خصوصية بمن رأى الهلال ومن لم يره، وبالأعمى والبصير، والذكر والأنثى.
وقيل هو خارج عن القياس بمعناه الإصطلاحي لعدم تصور أصل وفرع فيه وليس من ركن رابع فيه وهو العلة ولكن لا مانع من إستعمال ذات مصطلح القياس في ضم تنقيح المناط له وهو إزاحة الأوصاف التي لا مدخل لها في الموضوع والحكم لتتجلى دلالات وعمومات الحكم، كما في قصة الأعرابي (قال للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله هلكت قال ويحك ما صنعت قال وقعت على اهلي في رمضان قال أعتق رقبة)( )، وفيه وجوه :
الأول : عدم خصوصية كونه إعرابياً، فالحق به جميع المكلفين.
الثاني : الإطلاق في المرأة التي وقع عليها، وكونها زوجة أو ملك يمين، وان كان الظاهر إرادة الزوجة.
الثالث : ليس من خصوصية ليوم معين من شهر مخصوص بعينه منها، بل يشمل الحكم كل رمضان يطل على المسلمين، وقيل لا خصوصية للنكاح فيعم لكل مفطر على البناء على حجية القياس المظنون.
الرد على الآمدي
احتج به الآمدي : أنه الحق دين الله بدين الآدمي في وجوب القضاء ونفعه، وهو عين القياس .
وعن ابن عباس إنه كان الفضل رديف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر فقالت يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه قال نعم وذلك في حجة الوداع ( ).
ونرد عليه من وجوه :
الأول : إن موضوع القياس خاص بما يستنبطه العلماء من الأدلة، وليس قول وفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو حكم قائم بذاته غير مقاس على غيره وكذا بالنسبة للأحكام الواردة في القرآن إلا مع الدليل على إقتباس القياس من القرآن والسنة.
الثاني : أراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيان قانون وهو أن العبادة دَين على العبد ، وعلى القول بالقياس يمكن القول بوجوب قضاء الصلاة والصوم عن الغير لوحدة الموضوع في تنقيح المناط، فكما أن الحج هو دين لله فكذا الصلاة والصوم والزكاة والخمس .
وبما أن الحج الذي يجب قضاؤه عبادة بدنية مالية يقطع فيها الحاج أو النائب المسافة وببذل الجهد وينفق المال للوصول إلى البيت الحرام، فاداء المناسك ، فيكون شمول العبادات البدنية وهي الصلاة والصوم والمالية وهي الزكاة والخمس من باب الأولوية القطعية وقاعدة الإلزام .
بالإضافة إلى موضوعية أداء الصلاة وكونها عمود الدين فتأتي الأولوية مرة أخرى لإطلاق الأمر بإتيان الصلاة في كل حال بينما جاء حكم الحج مقيداً ومشروطاً بالإستطاعة، قال تعالى[وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً] وقال الشافعي أنه لا قضاء فيها لقوله تعالىلَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى، نعم إجماع المسلمين على عدم صحة النيابة في العبادة مع القدرة عليها وأجاز مالك الوصية بالحج الواجب، وهو مذهب الحنفية بخصوص غير القادر، مع إستدامة عجزه إلى آخر أيام حياته وان زال عجزه تجدد الوجوب عليه.
وأجاز الشافعي الحج عن الميت، ووصية الميت بالحج عنه، في قول آخر له.
وأجاز أحمد النيابة في الحج الواجب لمن لا يقدر عليه، ولا تجب عليه الإعادة عنه زوال عذره.
وتصح النيابة بالأعمال المالية كالصدقة والعتق، واختلفوا في الأعمال البدنية كالصلاة والصيام، وقيل الآية أعلاه منسوخة بقوله تعالىأَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ.
والمختار أن الآية ليست منسوخة وهي خبر والأخبار لا تنسخ وقيل أن قوله تعالى[وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى] إنما هي في الذنوب وأن الإنسان لايبوء بذنوب غيره وأستدل عليه بقوله تعالىوَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، ولكن المعنى مختلف.
وذكر في معناها(انه ليس للإنسان إلا ما سعى عدلاً، ولي أن أجزيه به بواحدة ألفاً فضلاً) ( )، وأخبر الله عن زيادة ومضاعفة الثواب على الصالحات، وهو أكرم من أن يخبر من الثواب ثم يقول أن أجازيه بما زاد على سعيه، قال تعالىمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ.
قول الظاهرية في القياس
قال الظاهرية ببطلان كل قياس وأن الأقيسة متناقضة، ويكذب بعضها بعضاً ، واستدلوا بمسألة الربا وقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد، فمن زاد أو إستزاد فقد أربى)( ).
قال الظاهرية: تحريم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السنة المذكورة يفيد الحصر فتحريمه في غيرها قول على الله وعلى رسوله، قالوا: والذين زادوا على النص أشياء يحرم فيها الربا إختلفت أقوالهم وتناقضت أقيستهم، فبعضهم يقول: التمر والبلوط ثمر شجر يؤكل ويدبغ بقشره، وبعضهم يقول هي الكيل، وبعضهم يقول هي الإقتيات والادخار.
ولكن ما ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من باب المثال الأمثل ، ويدل عليه تعدد وكثرة الأصناف التي ذكرها للبيان ، ثم أنه وردت عنه نصوص أخرى منها (الطعام با لطعام مثلاً . بمثل) ويطلق الطعام غالباً على كل ما يؤكل , قال تعالى [كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ] ( ).
حديث التمر بالتمر
قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في زمزم : إنها الطعام طعم( ).
وعن أبي سعيد الخدري : ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ذات يوم وهو عند زوجته أم سلمة: انى اشتهى تمر عجوة وانها بعثت بصاعين من تمر عتيق إلى منزل رجل من الانصار فأتيت بدلهما بصاع من عجوة فقدمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعجبه فتناول تمرة ثم أمسك
فقال من اين لكم هذا قالت بعثت بصاعين من تمر عتيق إلى منزل فلان فأتينا بدلهما من هذا الصاع الواحد فألقى التمرة من يده وقال ردوه ردوه لا حاجة إلي فيه التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والذهب بالذهب والفضة بالفضة يدا بيد مثلا بمثل ليس في زيادة ولا نقصان فمن زاد أو نقص فقد أربى وكل ما يكال أو يوزن)( ).
وقال لبيد في معلقته :
لمعفر قهد تنازع شلوه …غبس كواسب لا يمن طعامها( ).
والمعفر الذي تريد أمة فطامه فهي تعلله بالشىء ليستغني عن اللبن أو تتركه يومين لا تسقيه ثم ترضعه ثم تتركه ثلاثة أيام ثم ترضعه حتى يعتاد على ترك الرضاع، والمعفر: ولد البقرة الوحشية الذي إفترسته الذئاب الغبس.
قال الأصمعي: المعفر: الضأن أن تصفر آذانها وتعلوهن حمرة، شبه به الغزال، تنازع شلوه أي تجاذب بقية جسده. لا يمن طعامها من عطاء أحد يمتن به ، والقهد : الأبيض الأكدر .
ومسألة القياس أعم من أن تنحصر بموضوع واحد كالربا ، كما أن إطلاق الحرمة في الزيادة الربوية لا تختص بحديث واحد ، وهو من خصائص التكامل في الشريعة الإسلامية وقوله تعالىالْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ.
بأن تأتي الآيات والنصوص المتعددة لبيان حكم خصوصاً في موضوع إبتلائي عام مثل الربا.
المشهور بين الاصحاب حجية خبر الواحد في الجملة بالخصوص ، ولا يخفى أن هذه المسألة من أهم المسائل الاصولية، وقد عرفت في أول الكتاب أن الملاك في الاصولية صحة وقوع نتيجة المسألة في طريق الاستنباط، ولو لم يكن البحث فيها عن الادلة الاربعة، وإن اشتهر في ألسنة الفحول كون الموضوع في علم الاصول هي الادلة(1).
(1) لقد أطال صاحب كفاية الأصول التحقيق والنقض والإبرام بخصوص خبر الواحد ، وخلاف منهجيته بالإختصار .
ومال إلى القول بحجيته ، ونسبها إلى المشهور ، ولم يقل (المشهور بين الأصحاب) في الكفاية إلا في موضعين ، أحدهما في خبر الواحد كما في أعلاه.
والآخر في العام المخصص بالمتصل أو المنفصل ، وورد قوله (المعروف بين الأصحاب) مرة واحدة وقول (اصحابنا) أربع مرات .
أقسام خبر الواحد
وهو الحديث أو الرواية التي لا تصل إلى مرتبة القطع بصدور الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمعصوم ، فهو في مقابل الخبر المتواتر وهو الذي يبلغ عدد رواته حداً يؤمن معه عدم تعمدهم الكذب.
وخبر الواحد من أهم مسائل علم الأصول .
يقسم خبر الواحد إلى أقسام، وقد يتداخل المتقاربان منها ، واختلف في دلالته على وجوه :
الأول : يفيد الظن.
الثاني : لا يفيد العلم.
الثالث : يفيد العلم بشرط ، قال الشيخ الطوسي (والذي أذهب إليه : ان خبر الواحد لا يوجب العلم ، وانه كان يجوز أن ترد العبادة بالعمل به عقلا وقد ورد جواز العمل به في الشرع، الا أن ذلك موقوف على طريق مخصوص وهو ما يرويه من كان من الطائفة المحقة، ويختص بروايته الحسن ، ويكون على صفة يجوز معها قبول خبره من العدالة وغيرها)( ).
الرابع : أنه يفيد العلم اليقيني مع وجود القرينة والسبب وبه قال النظّام( ).
الخامس : من أطلق وإنه يفيد العلم حتى وإن لم تكن في البين قرينة، وكل قول فيه دليل( ).
وأهم أقسام خبر الواحد أربعة وهي :
الأول : الصحيح : وهو ما إتصل سنده إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمعصوم بنقل المؤمن العدل عن مثله في جمع الطبقات المتعددة، فبالإتصال يخرج مقطوع السند الذي يرويه التابعون موقوفاً عليهم وان كان التابعي ثبتاً مثل سعيد بن المسيب الذي ولد في السنة الخامسة للهجرة وتوفى سنة 94 كما يخرج المرسل مثل مرسلات الحسن البصري .
وبقيد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإمام المعصوم يخرج الموقوف الذي يروى عن الصحابة من أقوالهم وأفعالهم ، ولا يصل إلى رسول الله.
ومنهم من قسم الصحيح إلى ثلاثة أقسام :
الأول: أعلى.
الثاني: أوسط.
الثالث: أدنى.
والأول ما إتصف جميع رواته بالصحة بالعلم أو بشهادة عدلين.
والأوسط ما دل فيه الظن على إتصاف جميع رواته بالعدل.
والأدنى بإعتماد الظن الإجتهادي.
الثاني : الموثق : وهو ما نص على توثيق راويه بغض النظر عن الفرقة والمذهب الذي ينتمي إليه ، كما في العمل برواية حفص بن غياث ونوح بن دراج ، وغياث بن كلوب ، والسكوني إسماعيل بن أبي زياد من قبيلة من قبائل اليمن ، وهو عامي ويروي عن الإمام الصادق بقوله عن جعفر بروايات ليست منشأة بل مسندة عن آبائه عن علي عليه السلام أو النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد أكثر النوفلي الرواية عن السكوني في أكثر من (800) مورد.
ويدل قبول رواياته وأمثاله على عدم صحة إطلاق القول بعدم حجية روايات المذاهب الأخرى ، فمنها ما هو موافق للكتاب والسنة النبوية وقوله تعالى إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.
الثالث : الحسن : وهو ما إتصل سنده إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمعصوم بمؤمن ممدوح ولم يرد نص بعدالته، ولم يعارض مدحه بذم سواء كان ذلك في جميع رواته أو في طبقة منهم، والباقي من رجال الصحيح لأن الحديث في سنده يتبع أخس الطبقات.
واختلف أيهما أقوى الموثق والحسن ، ومنهم من قال بقوة الموثق لأن المدار على الظن بالصدور.
وكل من الصحيح والحسن والموثق يقسم إلى أعلى وأوسط وأدنى.
الرابع : الضعيف : وهو الذي يقع في طريقه مجروح، أو مجهول حال، ومنهم من جعله أعم من ذلك وإنه يشمل الذي لم يدخل في الأقسام الثلاثة أعلاه وما يتفرع عنها فيكون منه المرسل ، وما دون الضعيف وهناك فرق بين الضعيف والموضوع ليس بالقليل، إذ أن الضعيف يحتمل الصدق والصحة، ويعمل به المشهور في المستحبات وهو المختار، ويعمل المشهور بما جبرته الشهرة منه مطلقاً بينما لا موضوعية للموضوع .
قال تعالىيَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ.
الخبر المستفيض
أما الخبر المستفيض في علم دراية الحديث ، ففيه وجوه :
الأول : الحديث الذي رواه أكثر من واحد ولم يبلغ حد التواتر .
الثاني : هو الحديث المشهور .
الثالث : الحديث المستفيض هو المتواتر .
وعن الشهيد الثاني قال : وهو المستفيض إن زادت رواته على ثلاثة أو اثنين ، ويقال له المشهور أيضاً .
والمختار أنه الحديث المشهور الذي رواه أكثر من واحد ولم يبلغ حد التواتر ، إذ يوحي ظاهر الاسم (المستفيض) بالشهرة ، وقد يستعمل في الخبر المشهور مطلقاً ، فيقال مثلاً (النبوي المستفيض).
ويمكن إضافة إصطلاح جديد إلى علم الحديث وهو خبر الواحد المستفيض سواء كان صحيحاً أو حسناً أو موثقاً ، أي أنه مع كونه خبراً لواحد ولكنه مشهور ومستفيض ، وفيه نوع رجحان له وقبوله.
ويقسم المستفيض إلى قسمين :
الأول : المستفيض اللفظي .
الثاني : المستفيض المعنوي .
وعلم الرجال باب ينفرد به المسلمون وفيه تنقيح للأخبار وحفظ وثائقي للحوادث بأمانة ونزاهة فهو حجة على الناس ، ويكفي في ناقل وراوي الحديث أن يكون ثقة عند السامع سواء كان من أبناء مذهبه وملته أو من غيرها.
والمتتبع لكتب الحديث والتأريخ الإسلامي يجد روح الورع والحرص على عدم الغلو أو المبالغة وإجتناب ما ليس بصحيح ، وصيغ ضبط السند التي تكون مدرسة دائمة للأجيال في الإطلاع على حقبة النبوة وما فيها من المعجزات والحوادث التي تعد شاهداً كريماً على صدق الرسالة، وهو نبراس يدل على مصادر المعارف الإسلامية ، وطرق تلقيها وأسباب المنعة والحصانة والحيطة التي تلازم الحديث من حين صدوره ، وحتى وصوله إلى الناس في كل زمان، سواء بصيغ التدوين والكتابة، أو بكيفية الأخذ، والسماع من مشايخ الرواية والإجازة.
وستظل القواعد الرجالية ومصاديقها الجزئية إشعاعاً فكرياً مباركاً مترشحاً من مدرسة القرآن وتأديب النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين، وميداناً علمياً يبين حالة الإرتقاء والضبط وموضوعيتها في التأريخ الاسلامي، وهي رادع عقائدي وأخلاقي يحول دون التجرأ والكذب والإفتراء في النقل والرواية.
قال تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( ) ليكون علم الدراية والرجال حرزاً وواقية للسنة النبوية، ووثيقة في تفسير القرآن، وشاهداً على وجود أمة من المسلمين في كل زمان تتعاهد الأحاديث الشريفة والأحكام الشرعية .
وأول من قام بتفسير آيات الأحكام الشرعية هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتثبيت قواعد هذا العلم .
لا يشترط التعدد في كل طبقة في الخبر، فيكفي الواحد إذا إستوفى شروطه، وظاهر الكتاب والسنة على قبول خبر الواحد إلا أن يثبت خلافه أو تكون به علة أو في متنه أو سنده ضعف.
ونسب إلى الشواذ القول بإشتراط العدد، وقال به أبو علي الجبائي وبعض المعتزلة إذ يقولون(إن الخبر لا يقبل إذا رواه العدل الواحد إلا إذا إنضم إليه عدل آخر أو عضدته موافقته لظاهر الكتاب أو ظاهر خبر آحاد أو يكون منتشراً بين الصحابة أو عمل به بعضهم.
شرط الحنفية في خبر الواحد
إشترط بعض الحنفية للعمل بخبر الآحاد أن لا يخالف القياس وأكثر المتقدمين منهم لم يقل به.
والذين جعلوا القياس أصلاً منهم قسموا الرواة إلى قسمين:
الأول : أصحاب الإجتهاد والفقه والضبط كالخلفاء الأربعة الراشدين وابن مسعود، والعبادلة، وزيد بن ثابت فهؤلاء يقبل الحنفية حديثهم ويكون حجة مقدمة على القياس.
الثاني : الصحابي الذي يعرف بالرواية ولم يعرف بالفقه والإجتهاد والفتيا فهولاء إن جاء حديثهم مخالفاً للقياس اختلف الحنفية في قبوله.
واستدلوا بالتواتر على بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم آحاد الناس إلى الأمصار والقبائل (قال ابن حزم بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معاذ بن جبل الخزرجي شهد بيعة العقبة الثانية (توفى سنة 18 للهجرة) إلى الجند وجهات من اليمن، وأبا موسى إلى جهة أخرى.. وأبا عبيدة إلى نجران ، وعلياً عليه السلام قاضياً إلى اليمن .
وكل من هؤلاء مضى إلى جهة ما معلماً لهم شرائع الإسلام. وكذلك بعث أميراً إلى كل جهة أسلمت… معلماً لهم دينهم ومعلماً لهم القرآن ومفتياً لهم في أحكام دينهم وقاضياً فيما وقع بينهم وناقلاً إليهم ما يلزمهم عن الله تعالى ورسوله، وهم مأمورون بقبول ما يخبرونهم به عن نبيهم صلى الله عليه وسلم. وبعثة هؤلاء المذكورين مشهورة بنقل التواتر من كافر ومؤمن لا يشك فيها أحد)( ).
وقد يرد عليه وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما يبعث أحداً مثل أبي موسى فانه يبعث معه رجالاً ، أو يجعله يختار من يوافقه .
نعم بعث أمير المؤمنين عليه السلام فيه حجة وغنى .
فتوى في خبر الواحد
المختار أن خبر الواحد يفيد العلم بشرطين :
الأول : استقراؤه من القرآن لأن السنة النبوية مرآة للقرآن ، أو عدم تعارضه مع آيات القرآن ، ولوحدة الموضوع في تنقيح المناط ، قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، بلحاظ أن السنة النبوية مرآة وتفسير للقرآن.
الثاني : وثاقة رجال السند ، سواء كان الحديث من الصحيح أم الحسن أم الموثق.
أدلة قبول خبر الواحد
ومن الأدلة على قبول خبر الواحد في القرآن :
الأول : قوله تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ، وذكرت الآية الحكم كعلة للتبين عند مجئ الفاسق بالخبر ، وترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعليّة كما في قوله تعالى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا، فحكم القطع مترتب على حال السرقة ، وكما في قوله تعالى إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، ومنه إكرم العالم العادل.
ويستنبط الحكم من ادلته التفصيلية ، وكل آية قرآنية من الأدلة التفصيلية.
وأنه لو كان الخبر من أخبار الآحاد مانعاً من القبول لم يكن لهذا التعليل فائدة.
إذ نزلت الآية في الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان لأمه، إذ بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبني المصطلق لأخذ الزكاة فخاف على نفسه ، فرجع من الطريق وادعى أنهم منعوه الزكاة وأرادوا قتله.
فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم خالد بن الوليد .
واستبطأ قوم الحارث بن ضرار الخزاعي الرسول من رسول الله فجاءوا وفي الطريق لاقوا خالد بن الوليد ، وسألوه لمن انتم ذاهبون ، قال لقتالكم منعتم رسول رسول الله إلى الزكاة ، قالوا لم يأتنا أحد وجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخبروه فنزلت الآية .
وهو الذي ولاه عثمان الكوفة بعد أن عزل عنها سعد بن أبي وقاص ، فصلى بالناس وهو سكران أربع ركعات ، ثم قال : أأزيدكم ، فعزله عثمان ، ولم يقم عليه الحد ، فضج الصحابة واعترضت عليه عائشة بشدة ، والظاهر أنه شهد عليه رجلان أحدهما شهد أنه شرب الخمر ، والآخر أنه تقيئ الخمر ، فحكم أمير المؤمنين عليه السلام بجلده ، وقال : لم يتقيأه إلا وقد شربه ، وحده أربعين جلده بسوط ذي شعبتين.
وهو حكم يتفق عليه علماء الإسلام بجواز الجلد أربعين جلدة بسوط ذي شعبتين ، وكان الوليد أيام حياته يسب أمير المؤمنين لأنه قتل أباه أيضاً يوم بدر .
ومن إعجاز القرآن تسميته بالفاسق ، واستمرار هذه الصفة معه لخروجه مع معاوية في صفين.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمار بن ياسر ابي اليقظان العبسي (تقتلك الفئة الباغية. وكان أحد السابقين، وممن عذب في الله. ومناقبه جمة)( ).
مسائل في دلالة آية [إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ]
هذه الآية هي أشهر دليل على قبول خبر الواحد في مفهومها.
وترد عليه بأنها لا تدل على قبول خبر الواحد العدل مع قولنا بقبوله , والرد من جهات :
الأولى : إثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره، فالتبين في خبر الفاسق في الآية الكريمة ليس برزخاً ومانعاً من التبين في غيره من أخبار الثقة.
الثانية : لم تكّذب الآية الفاسق في كل خبر يأتي به ، فليس من تناف وتضاد بين الفسق والخبر الصحيح على نحو السالبة الكلية، فقد يصدق الفاسق ، ومن أمثال العرب (إِذا سمعت بسُرى القَيْنِ( )، فإِنه مُصْبِحٌ وهو سَعدُ القَين ، قال أَبو عبيد يضرب للرجل يعرف بالكذب حتى يُرَدُّ صِدْقُه.
قال الأَصمعي وأَصله أَن القَيْنَ بالبادية يتنقل في مياههم فيقيم بالموضع أَياماً فيَكْسُدُ عليه عمَله فيقول لأَهل الماء إِني راحل عنكم الليلة وإِن لم يُرِدْ ذلك ولكنه يُشِيعُه ليَسْتعمِله من يريد استعماله فكَثُر ذلك من قوله حتى صار لا يُصَدَّق)( ).
الثالثة : طلبت الآية البيان وتبين صدق الناقل للخبر من كذبه قبل العمل بمقتضى قوله، ومنهم من إستدل بهذه الآية بعدم حجية خبر الواحد .
قال الشيخ الطوسي : وفي الآية دلالة على أن خبر الواحد لا يوجب العلم ولا العمل، لأن المعنى إن جاءكم فاسق بالخبر الذي لا تأمنون أن يكون كذباً فتوقفوا فيه، وهذا التعليل موجود في خبر العدل، لأن العدل على الظاهر يجوز أن يكون كاذباً في خبره فالامان غير حاصل في العمل بخبره. وفى الناس من استدل به على وجوب العمل بخبر الواحد إذا كان راويه عدلا، من حيث انه اوجب تعالى التوقف في خبر الفاسق، فدل على أن خبر العدل لا يجب التوقف فيه( ).
ولكن لا تدل الآية على منع العلم والعمل بخبر الواحد مطلقاً ، وإن كان عدلاً ، وهناك تباين بين خبر الفاسق الذي يدب الشك إليه مطلقاً أي في أي خبر منه .
وخبر العدل الذي هو في الأصل لا يكذب ، ومنزه عن الكذب لتحليه بالتقوى والخشية من الله ، وإن وقع منه فهو فرد نادر ولا عبرة بالقليل النادر.
والمختار أن خبر الواحد العدل يوجب العلم والعمل إلا إذا كان معارضاً لآيات القرآن لقوله تعالى وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ.
فان قيل: هذا يؤدي إلى أن لا فائدة في إيجاب التوقف في خبر الفاسق إذا كان خبر العدل مثله في الفائدة. قلنا: والقول بوجوب العمل بخبر الواحد يوجب أنه لا فائدة في تعليل الآية في خبرالفاسق الذي يشاركه العدل فيه، فاذا تقابلا سقط الاستدلال بها على كل حال ، الطوسي : وبقي الاصل في انه لا يجوز العمل بخبر الواحد إلا بدليل)( ).
الرابعة : من الحاجة إلى التبين إجتناب الضرر والإضرار بالآخرين ، لبيان أن الإسلام دين السلام والرحمة ، وأن التبين يجب في المسائل العامة والخاصة.
سبب نزول آية [إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ]
عن ابن عباس وقتادة وابن أبي يعلي : نزلت الآية في الوليد بن عقبة بن أبي معيط لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صدقات بني المصطلق( )، خرجوا يتلقونه فرحاً به وإكراماً له، فظن أنهم هموا بقتله، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إنهم منعوا صدقاتهم.
أخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن منده وابن مردويه بسند جيد عن الحارث بن ضرار الخزاعي قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني إلى الإِسلام ، فدخلت فيه وأقررت به ، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها.
قلت يا رسول الله : ارجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإِسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته وترسل إليَّ يا رسول الله رسولاً يبان كذا وكذا ليأتيك ما جمعت من الزكاة .
فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له وبلغ الابان الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه إحتبس الرسول فلم يأتِ فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله ورسوله فدعا بسروات قومه.
فقال لهم : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وقت لي وقتاً يرسل إليَّ رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة ، وليس من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلف ، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطه فانطلقوا فنأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة،
فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق فرجع ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي ، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم البعث إلى الحارث فأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث فقالوا : هذا الحارث فلما غشيهم قال لهم : إلى من بعثتم؟ قالوا : إليك ، قال : ولم؟ قالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله.
قال : لا والذي بعث محمداً بالحق ما رأيته ولا أتاني ، فلما دخل الحارث على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟ قال : لا والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا رآني وما أقبلت إلا حين احتبس عليَّ رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم خشيت أن تكون كانت سخطة من الله ورسوله، فنزل {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبإ فتبينوا} إلى قوله{حكيم})( ).
قبول النبي (ص) خبر الواحد
لقد جعل الله عز وجل السنة النبوية منهاجاً يومياً للمسلمين ، فهي شعبة من الوحي ، ولطف من عند الله عز وجل ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن ابن عباس في قوله أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا قال: أما المؤمن: فعلي بن أبي طالب عليه السلام ، وأما الفاسق: فعقبة بن أبي معيط، وذلك لسباب كان بينهما، فأنزل الله ذلك)( ).
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقبل ويسمع أخبار العيون لرصد حال وجيوش المشركين ، وفي الحديث : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث عيناً من خزاعة يتخبر له قريش أي يتعرف له أحوالهم).
وفيه شاهد على قبول خبر الواحد العدل ونفي الحرج والتردد في قبوله ، وتستقرأ صفة العدل في المقام لاختيار النبي صلى الله عليه وآله وسلم للعين.
وقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم شهادة الأعرابي في هلال شهر رمضان ويتصف هذا الهلال بصبغة العبادة ، قال تعالى [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ] ( ).
و(عن ابن عباس قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني أبصرت الهلال الليلة قال أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله قال : نعم قال يا بلال أذن في الناس فليصوموا غداً)( ).
وقد يقال بأنه يقبل هذه الأخبار بالعلم اللدني والوحي.
الجواب ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم قوله : أني أحكم بينكم بالبينات والأيمان)، ومن العلم اللدني أن الحقيقة تنكشف للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في الواقع العملي وأن الوفد سيأتي ليفضح قول الوليد.
وأن الآية جاءت للتنبيه بخصوص بناء عقلائي متعارف عند المسلمين.
وقد تكون الآية الواحدة دليلاً مستقلاً على خبر الواحد، فأما الآية الأولى فإن التبين يصح حتى مع غير الفاسق، وليس فيه إشارة إلى الإتحاد والتعدد، إنما يتقوم الدليل إذا كان خاصاً بذات الموضوع وهو خبر العدل الثقة بالمنطوق وليس المفهوم وحده إذ يدل قوله تعالى وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، على بيان حكم خبر الواحد في منطوق آيات القرآن.
وورد لفظ [فَتَبَيَّنُوا] ثلاث مرات في القرآن فالى جانب الآية أعلاه من سورة الحجرات ورد هذا اللفظ مرتين في آية واحدة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا.
وكل من الآيتين ابتدأت بنداء الإيمان ، ولم يرد في القرآن لفظ (تبينوا) من غير الفاء ، التي تفيد التعقيب والفورية ، ومن معاني الجمع بين الآيتين عدم انحصار التبين بخصوص خبر الفاسق.
آية النفر
الثاني : وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.
وتدل الآية على تفقه طائفة وهم الجماعة , والطائفة من الشيء: القطعة منه، وقوله تعالىوَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ.
والإستدلال بالآية للقول بأن لفظ الطائفة يطلق على الواحد فما فوقه، ولكن إستعماله في الواحد خلاف الظاهر والمتبادر من اللفظ المتعدد في الأمر المتحد , وهو من علامات الحقيقة، وكذا هو خلاف المنصرف في الأذهان من المراد من الذين يجب أن يتفقهوا ويعلموا الأحكام .
فلابد من الرجوع إلى الكتاب الكريم والصدور عنه وهو شاهد على سلامته من التحريف، وأن السنة لا تنسخه.
بالإضافة إلى ما ورد في الآية بصيغة الجمع [لِيَتَفَقَّهُوا] [َلِيُنْذِرُوا] و[قَوْمَهُمْ] [إِذَا رَجَعُوا] مما يدل على إرادة معنى الجماعة والمتعدد من لفظ الطائفة.
آية [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ]
الثالث : قوله تعالىفَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ، وقيل لو لم يكن القبول واجباً لما كان السؤال واجباً)( ).
ولكن الآية جاءت بصيغة الجمع مما يدل على إحتمال إرادة المتعدد في كل من :
الأول : السائل .
الثاني : المسؤول .
الثالث : وهو الظاهر وعدم تعلق السؤال بموضوع مخصوص مثل خبر الواحد ، وإذا ورد الإحتمال بطل الإستدلال.
ومن معاني الذكر في الآية الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقوله تعالى قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ.
آية [قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ]
الرابع : قوله تعالىيَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ، وتقريب الإستدلال أن(من أخبر عن الرسول بما سمعه فقد قام بالقسط وشهد لله، وكان ذلك واجباً عليه.
وجاءت الآية بصيغة الأمر وليس الإخبار عن فعل لإرادة القيام بالعدل وبيان الأحكام الشرعية.
ومن معاني الآية بعث المسلمين لقول الحق والصدق ولو على أنفسهم.
وعن ابن عباس (قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، كانت البقرة أول سورة نزلت ، ثم أردفها سورة النساء قال : فكان الرجل يكون عنده الشهادة قبل ابنه أو عمه أو ذوي رحمه ، فيلوي بها لسانه أو يكتمها ، مما يرى من عسرته حتى يوسر فيقضي ، فنزلت كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ يعني إن يكن غنياً أو فقيراً)( ).
آية [إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ]
الخامس : قوله تعالىإِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، وأن الله عز وجل أوعد على إخفاء الهدى فيجب على من سمع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إظهار وإعلان ما سمعه ، وتدل الآية على قيام الصحابي بالإخبار عما سمعه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وان لم يسمعه غيره ، ولا تمنع منه صيغة الجمع وأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان يبلغ أصحابه ويخبرهم ويصعد المنبر.
حجية العقل
السادس : العقل هو مستند خبر الواحد، وبه قال أحمد بن حنبل وإبن شريح وأبو الحسن البصري والصيرفي وزاد أحمد : إن خبر الواحد يفيد بنفسه العلم، وحكاه ابن حزم في كتاب الأحكام عن داود الظاهري وغيره.
ومن الإعجاز في أحكام الشريعة الإسلامية عدم التوقف على خبر الواحد، وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في خطبة بمنى أو مكة: يا أيها الناس ما جاءكم عني يوافق القرآن فأنا قلته، وما جاءكم عني لا يوافق القرآن فلم أقله)( ).
وهل يدل هذا الحديث على أن السنة لا تنسخ القرآن ، الجواب نعم ، وهو المختار.
ويمكن تقسيم خبر الواحد تقسيماً إستقرائياً مستحدثاً وهو:
الأول : خبر الواحد في الموضوعات .
الثاني : خبر الواحد في الأحكام.
الثالث : خبر الواحد في الوقائع .
ويتجلى الفارق بين الأقسام أعلاه أن خبر الواحد في الأحكام ليس مستقلاً بذاته بل يعرض على الكتاب والسنة، أي ليس مجرداً قائماً بذاته، بخلاف خبر الواحد الموضوعات.
وينسخ الخبر المتواتر خبر الواحد، وهل يصح العكس بأن ينسخ خبر الواحد المتواتر، الجواب لا مانع له بقيود.
الأول : صحة سند ورجال الخبر.
الثاني : تأخر خبر الواحد على المتواتر.
الثالث : موافقة خبر الواحد للكتاب والسنة ، والمدار على الشواهد والمصاديق، ولا بأس من إحصاء أخبار الأحاد التي أدعي أنها تنسخ الخبر المتواتر وموضوعاتها.
واختلف في حجيته على أقوال :
الأول : جواز العمل بخبر الواحد ، وهو مشهور علماء الإسلام .
الثاني : المنع من العمل بخبر الواحد .
واختلف كل من الفريقين في سبب الجواز أو المنع ، ومن القائلين بالجواز من استند إلى حكم العقل في حجيته.
الثالث : جواز العمل بخبر الواحد بشرط موافقته القرآن والسنة ، وهو المختار .
ومع أهمية خبر الواحد وأنه من أهم مسائل أصول الفقه فقد جعله المعصوم سهلاً ، ورفع الحرج ، ومنع الخلاف والخصومة فيه ، إذ أشار إلى تقديم الوثاقة على الوثوق ، كما في رواية عبد الله بن أبي يعفور.
الوثوق بالخبر
وفي رواية عبد الله بن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله الصادق عليه السلام عن إختلاف الحديث يرويه من نثق به، ومنهم من لا نثق به، قال: إذا ورد عليكم حديث، فوجدتم له شاهداً من كتاب الله عز وجل، أو من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلا فالذي جاءكم به أولى به).
وعبد الله بن أبي يعفور العبدي الكوفي من خواص الإمام الصادق عليه السلام وهو ثقة عنده ، ويقال له العبدي لإنتسابه إلى عبد القيس بن قصي من أحفاد ربيعة بن نزار ، واسم أبيه واقد اشتهر بكنيته .
أي أن الأولوية ليس لعدالة الراوي إنما هي لوثاقة الخبر ، وموافقة الرواية للقرآن أو السنة.
وفي هذا الحديث مسائل :
الأولى : شهادة أئمة أهل البيت على قانون سلامة القرآن من التحريف.
الثانية : القرآن الذي بأيدي المسلمين هو الذي أنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقانون الأصل هو القرآن.
الثالثة : إتحاد نسخ المصاحف التي عند المسلمين وحجيتها .
الرابعة : قانون الأخذ بالرواية الموافقة للقرآن بغض النظر عن مذهب الراوي .
الخامسة : قانون الترغيب بالرجوع إلى القرآن والصدور عنه .
السادسة : توثيق وتدوين السنة النبوية بحيث تعرض عليها الرواية .
السابعة : منع الخلاف بخصوص وثاقة الراوي ، والجرح الذي قد يكون من الغيبة أو الإفتراء ، لأن الأولوية لموافقة الرواية للقرآن والسنة .
الثامنة : الإكتفاء بطرح الرواية المعارضة للقرآن والسنة .
التاسعة : إنشاء قانون وقاعدة كلية لضبط وتنقيح الروايات .
الإنفتاح والإنسداد
ينقسم العلم بلحاظ بقاء بابه مفتوحاً أو مغلقاً يمكن الوصول اليه إلى قسمين :
الأول : الضروريات والبديهيات من أحكام العقائد كوجوب معرفة الباري عز وجل ومعرفة أوصافه والتصديق بالنبوة والإقرار بالمعاد وبعض الأحوال فيه، والعلم فيها لا يزال بابـه مفتوحاً، وتدل عليه أدلة عقلية كثيرة ظاهرة للوجدان، وسمعية قطعية الصدور تلزم العلم بها بالإضافة إلى الملازمة بينها كما أن بعضها يشد ويوثق البعض الآخر.
ولم يقل أحد بإنغلاقه بل إن العلماء فيه إنفتاحيون وحتى في باب الفقه والتقليد إنه لا تقليد في الضروريات كوجوب الصلاة والحج والصوم، ولا في اليقينيات إذا ما تم للمكلف اليقين الذي يعني الإعتقاد الجازم المطابق للواقع لاسيما وأن التقليد طريق لدرك الواقع.
الثاني : الأحكام الشـرعية الفرعية من التكليفية والوضعية، والواقعية والظاهرية وقد تعددت فيها الأقوال وهي:
أولاً: إمكان الوصول إليها علماً وأن الطريق إليها حقيقي مجعول وهو العلم أي عدم الإلتفـات إلى الظن فالحكم واحد لأن القرآن والسنة بينا الأحكام بما يجعل الأمة تنتفع منه على إختلاف الأزمنة والأجيال، وهناك من الأخبار ما هو متواتر ويكون حجة، وما هو مستفيض ويكون قسماً من أقسام خبر الواحد، ولو جُعل قسيماً له لكان حسناً، ويقول الأكثر بحجية خبر الواحد سواء في كل الأحكام أو في جلها، والقائل بإنفتاح باب العلم السيد المرتضى وجماعة من القدماء.
ثانياً: التفصيل بين باب العلم وباب العلمي في الوصول إلى الأحكام الشرعية الفرعية، وهذا القول هو المشهور، والعلمي يتعلق بالطرق الموصلة إلى العلم، ويطلق عليها العلمي، للعلم باعتبارها وجعلها وإمضائها كادلة من قبل الشارع أو إدراك العقلاء توصل إلى معظم الأحكام وتفيد الحجية والإثبات.
والمعــروف أن الشـبهات الموضـوعيـة مطلقـاً لا صـلــة لها بعلـم الأصول، فالفقيه والعامي بمنزلة واحدة في الشبهة الموضوعية، وعلم الأصول يتناول الكليات التي يصح الإعتذار منها في الشريعة ومنها الإجماع بقسميه المحصل الذي حصله الفقيه، والمنقول أي المنقول اليه، وقالوا إن باب العلمي مفتوح إلى يوم القيامـة وخبر الثقـة والعدل منه.
دعوى الإنسداد
الثالث : دعوى الإنسداد أي ليس من طريق إلى الواقع لا علماً ولا علمياً ويسمى قائله بالإنسدادي نسبة إلى دعوى إنسداد باب العلم بالأحكام الشرعية الفرعية، والذي يذهب للإنسداد لم يبق متحيراً في مقام العمل لأنه لابد من التكليف فقال بدليل عقلي أطلق عليه اسم دليل الإنسداد، وهذا الدليل ليس له ذكر في كتب المتقدمين وإنما هو إصطلاح ورد عند متأخري المتأخرين، وإستحداث الإصطلاح على وجهين:
الأول : ان يكون له أصل في الشريعة، والإصطلاح لفظ يأتي لتمييزه، فهو مستحدث دون المعنون والمصطلح عليه.
الثاني : ان يكون العنوان والمعنون كل منهما مستحدث، والغالب هو الأول.
والقائلون بالإنســداد وضعـوا له مقدمات منها العلم الإجمالي بوجود أحكام واقعية كثيرة في الشرع وقد إنسد باب العلم والعلمي للكثير منها ولا يمكن إهمالها أو ترك الإمتثال فيها لأنه تقصير وتضييع.
وقالوا بحجيـة الظـن وإختلفـوا في حجيتـه، هل هـي عقليـة أم شـرعية، أي هل يحكم العقل بلـزوم العمـل طبـق الظـن لتعـذر القطـع من غـير أن يكـون جعـل من الشـارع أو أنه يفيد حجيته شرعاً وأن الشارع جعل الظن حجة وأمضى حجيته في باب تعذر القطع وأمر به مثل خبر العدل والثقة على القول المشهور بحجيتهما وإن لم تكن هناك ملازمة بين الظن وبينهما، أو أن الظن من الكلي المشكك الذي هو على مراتب متفاوتة ، ومنه الظن المعتبر في نوعه وموضوعه كما في قوله تعالى[الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ] (1).
وقد وردت آيات عديدة في ذم الظن، قال تعالى[إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ] ( ).
وعلى فرض تمامية مقدمات دليل الإنسداد فهل يكون الظن معتبراً من جهة الشرع وما يعبر عنه بالكشف، أو يكون معتبراً من جهة العقل الذي يحكم بكفاية الإمتثال الظني ما لم يثبت ردع الشارع عنه.
وهذا المبحث أصولي ويكون صغروياً في علوم القرآن والقرآن يضّيق دائرته ويحول دون إتساع الخلاف بخصوصه لأن باب العلم في القرآن إنفتاحي وكذلك باب العلمي.
لقد تفضل الله سبحانه على المؤمنين، وطرد عنهم التردد والحيرة والإفتتان وأسباب الشك فما من واقعة إلا ولها حكم، إن رجوع أرباب العلوم إلى القرآن سبيل مبارك للتخلص من الخلاف وإختصار لطرق بلوغ الغايات السامية , وباب لدرء الخلاف والفرقة، وفيه غلق لمقدمات وأسباب الفتنة والشقاق، وهو آلة سماوية كريمة لتنمية ملكة الإستنباط عند المحقق والعالم والذي يغوص في بحار أنواره لتواجهه غرره ودرره متلألئة لتبقى خزائن القرآن علة لإنفتاح ميادين العلوم المختلفة، والعقل يحكم بحجية أحكام القرآن لأن الله عز وجل جعله حجة دائمة وأمر الناس بالأخذ بأوامره وإجتناب نواهيه بعيداً عن الشك والوهم أو ترجيح المرجوح على الراجح أو الإحتياط المخالف للإحتياط وما فيه تشديد على النفس.
السنة النبوية
السنة هي الطريقة المسلوكة في الأمور الشرعية ، والمراد به شرعاً ما سنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمعصوم عليه السلام.
وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المصدر الثاني للتشريع .
وعن الشافعي أنه لا يرى تقليد الصحابي ويقول: القياس مقدم على قول الصحابي فانما يتبع حجته لا فعله( ).
ثم أن الصحابي يقول أمرنا بكذا ونهينا عن كذا واختلف فيه على قولين:
الأول : الآمر هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وبه قال الشافعي .
الثاني : ليس الآمر مطلقاً هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
عن مكحول : السنة سنتان :
الأولى : سنة أخذها هدى وتركها ضلالة مثل صلاة العيد والجماعة.
الثانية : سنة أخذها حسن وتركها لا بأس به مثل طريقة قيام قعود ولباس وركوب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
أقسام السنة النبوية
وتقسم السنة النبوية إلى ثلاثة أقسام :
الأول : السنة الفعلية: وهي فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : السنة القولية: وهي قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : السنة التقريرية: وهو ما أمضاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القول أو الفعل.
ونضيف لها ثلاثة أقسام وهي:
الرابع : السنة التدوينية: وهي ما كتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من العهود والمواثيق والرسائل والوصايا والأحكام والسنن.
الخامس : السنة الدفاعية: وهي سنة ومناهج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القتال ومقدماته ونتائجه، أو دفع القتال وإمضاء الصلح والعهود، كما في صلح الحديبية.
السادس : السنة الحكمية وهي الأحكام التي شرعها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وسع الشاطبي وهو من المالكية السنة لتشمل الصحابة حيث جعل ما يصدر عنهم سنة وهي حجة ، واتبعه جماعة ، والامامية قالوا بحجة قول الأئمة الاثني عشر المعصومين .
الدليل اللفظي – الدليل غير اللفظي
عن مالك قوله المعروف : الإستحسان تسعة أعشار العلم ، وأبواب العلم أعم وأكثر .
والقرآن قطعي الصدور قطعي الدلالة .
والتزاحم على وجوه :
الأول : الدليلان لفظيان .
الثاني : غير لفظيين على تفصيل فيهما .
الثالث : أحدهما لفظي والآخر غير لفظي .
والتزاحم صدور حكمين من الشارع المقدس والتنافي بينهما في مقام الإمتثال والعمل في زمان متحد إتفاقاً ، اما لعدم القدرة على الجمع بينهما وهو الغالب في باب التزاحم ، أو لقيام الدليل من الخارج على عدم إرادة الجمع بينهما.
فيرجع إلى المرجحات وهي :
الأول : تقديم الحكم المضيق على الحكم الموسع مثلاً في قضاء شهر رمضان والإستجار .
ويضرب مثلاً لو تزاحم وقت أداء الصلاة في أول أوقاتها مع الأمر بازالة النجاسة .
والأول موسع وهو وقت الصلاة , ولكن صلاة المكلف صحيحة إن أداها وترك إزالة النجاسة , خصوصا وأن المسجد في هذا الزمان له خادم ومن يتولى العناية بنظافته وطهارته في الغالب.
الثاني : تقديم ما ليس له بدل ،مثل إنقاذ نفس من الضمأ والوضوء . أو الجنابة والوضوء وغسل الحيض .
الثالث : تقديم الواجب المعين على الواجب التخييري كتقديم الوفاء بالنذر على الكفارة .
الرابع : تخصيص العام .
وأما تسمية الشافعي النبيذ خمراً ، فلم يستند إلى القياس ، بل إلى قوله عليه السلام: إن من التمر خمر وهو توقيف لا قياس( )، وإيجابه للحد في اللواط وفي النبش لم يكن لكون اللواط زنى ولا لكون النبش سرقة ، بل لمساواة اللواط للزنى , والنبش للسرقة في المفسدة.
واما يمين الغموس : فانما سميت يميناً لا بالقياس، بل لقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : من حلف على يمين وهو يعلم أنه كاذب فقد بارز الله بالمحاربة، وإن اليمين الكاذبة تذر الديار بلاقع من أهلها، وتورث الفقر في العقب، وإنه لا يعرف عظمة الله من يحلف به كاذبا)( ).
وأصل ومنبع الأحكام هو القرآن إذ جعله اللهتِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، والله هو المتفضل بتشريع الأحكام ، والسنة تفسير وبيان للقرآن وأحكامه وهي شعبة من الوحي ، والإجماع رشحة مباركة منهما مجتمعين ومتفرقين .
واما الإستدلال فمتفرع عن التمسك بالنص أو ظاهره أو الإجماع.
اما ما ظن إنه دليل وليس بدليل فشرع من قبلنا ومذهب الصحابي او الإستحسان والمصالح المرسلة)( ).
والقياس يفيد الظن , وتعدية العلة شرط في صحته .
قال الشافعي وأحمد بن حنبل والكرخي وكثير من الفقهاء ولو تعارض القياس مع خبر الواحد من كل وجه يقدم الخبر على القياس( ).
وقال أصحاب مالك: يقدم القياس , ولا دليل عليه.
وفصل أبو الحسين البصري فقال : علة القياس الجامعة منصوصة أو مستنبطة ، والنص أما مقطوع به أو غير مقطوع . فان كان مقطوعاً به وتعذر الجمع بينهما وجب العمل بالعلة ، لأن النص على العلة كالنص على حكمها ، وهو مقطوع به ، فيجب الرجوع إلى خبر الواحد لإستواء النصين في الظن واختصاص خبر الواحد بالدلالة على الحكم بصريحه من غير واسطة ، بخلاف النص الدال على العلة فانه يدل على الحكم بواسطة العلة ، وان كان حكمها ثابتاً قطعاً فذلك موضع الإجتهاد( ).
اختلف الشافعية والحنفية في حكم أصل القياس المنصوص عليه، هل هو ثابت بالعلة أو النص، قال الشافعية: إنه ثابت بالعلة، قالت الحنفية إنه ثابت بالنص.
القياس الجلي والخفي
ينقسم القياس : جلي. وخفي. الجلي: منصوص العلة أو غير منصوص، كما في تحريم ضرب الوالدين بتحريم التأفيف لهما، بعلة كف الأذى عنهما.
الخفي : العلة فيه مستنبطة من حكم الأصل
كما يقسم القياس الى مؤثر وملائم
ويقسم إلى قياس علة ودلالة
وفي تفسير قوله تعالىمَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ، نقل الرازي قولا: بأن الإجماع وخبر الواحد والقياس حجة في الشريعة، فكل ما دل عليه أحد هذه الأصول الثلاثة كان ذلك في الحقيقة موجودا في القرآن)( )، ولا دليل عليه, وقد رد الرازي على هذا القول لأن الآية وردت في الثناء على القرآن وتعظيمه .
وذكر أن الشافعي سئل عن آية في كتاب الله تدل على أن الإجماع حجة فقرأ القرآن ثلاثمائة مرة حتى وجد هذه الآيةوَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى.
وقد تدل على حجية الإجماع آيات أخرى من القرآن، وفي أسباب نزول الآية أعلاه .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: كان رجل سرق درعاً من حديد في زمان النبي صلى الله عليه وسلم طرحه على يهودي .
فقال اليهودي : والله ما سرقتها يا أبا القاسم ولكن طرحت عليّ . وكان الرجل الذي سرق له جيران يبرئونه ويطرحونه على اليهودي.
ويقولون : يا رسول الله إن هذا اليهودي خبيث يكفر بالله وبما جئت به ، حتى مال عليه النبي صلى الله عليه وسلم ببعض القول ، فعاتبه الله في ذلك فقال إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ، بما قلت لهذا اليهوديإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، ثم أقبل على جيرانه فقال هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ، إلى قوله [وَكِيلًا] ثم عرض التوبة فقال وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ، فما أدخلكم أنتم أيها الناس على خطيئة هذا تكلمون دونه وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا وإن كان مشركاً [فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا] إلى قوله وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى.
قال : أبى أن يقبل التوبة التي عرض الله له وخرج إلى المشركين بمكة ، فنقب بيتاً يسرقه ، فهدمه الله عليه فقتل)( ).
ذم الكافر العنيد
نعم المدار على عموم اللفظ وليس سبب النزول، وجاءت الآية بصيغة الجملة الشرطية والوعيد وتتضمن الذم للكافر الذي يتصف بأمور:
الأول : العناد ومحاربة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : حصول الشقاق والخصومة بعد مجيء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزات البينات التي تدل على صدق نبوته.
الثالث : اتصاف هذه المشافق بأنه يتبع غير نهج المؤمنين.
وجاءت الآية بصيغة الوعيد والتخويف والإخبار عن سوى عاقبة الكافر.
أما موضوع الإجماع فهو أمر خاص بالمسلمين وإتفاقهم، وخروج بعضهم عن الإجماع لا صلة له بالوعيد الوارد في الآية أعلاه.
من أقسام الواجب
الواجب على قسمين :
الأول : الواجب المطلق وهو الذي ليس للزمان موضوعية في حصول المصلحة فيه، واستدل عليه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكنه ليس بتام ، فقد يكون للزمان أحياناً دخل وأثر في حصول أفرادهما للتعجيل بجلب المصلحة ودفع المفسدة .
الثاني : الواجب المؤقت : والمراد منه موضوعية الوقت في أدائه ، فلا يترك من غير تعين زمان خاص لأدائه ، وهو على قسمين :
الأول : الواجب الموسع : أي الذي يكون زمان أدائه أوسع من ذات الفعل كما في أداء صلاة الصبح فان وقتها من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس .
الثاني : الواجب المضيق : وهو الذي يطابق فيه وقت الفعل مدة أدائه ، وعدم زيادة الوقت المحدد للفعل شرعاً عما يقتضيه أداؤه مثل أداء فريضة الصيام في شهر رمضان ، قال تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، ومثل أداء فريضة الحج في وقت معلوم من شهر ذي الحجة.
وعرّف القدماء الواجب بشطر من لوازمه وانه الذي يكون فاعله مستحقاً للثواب . وتاركه مستحقاً للعقاب . وفيه نكتة وهي التذكير بالآخرة.
أوان الواجب الموسع
في أوان الواجب الموسع على وجوه :
الأول : يختص الوجوب بأول الوقت .
الثاني : إنحصار الواجب بآخر الوقت حيث لم يبق الا مدة الأداء وقيل العقل يحكم بالوجوب في آخر الوقت ، ولا أصل له ، والمدار على النص والسيرة ولا تصل النوبة في المقام إلى الدليل العقلي إلا بعد إستيفاء البحث في الدليل السمعي .
الثالث : التخيير في الأداء ، والواجب المخير غير التخيير الشرعي الذي هو وظيفة المكلف باختيار إحدى الأمارتين للمكلف عند تعارضهما .
أي الأمر بالأداء في أي من الأوقات يتصف بالوجوب ، ففي أي وقت منها أدى الواجب برئت ذمته .
والأمر متروك لإختياره وكل فرد منها واجب بالأصالة ، وإن أخل بالجميع وترك فيها الواجب أثم لإتمام الواجب المطلوب كالصلاة والإتساع المحدود لوقتها وقيل أن التخيير بينها عقلي لا شرعي ، لأن الفرض في الموسع هو حصول الطبيعة بين المبدأ والمنتهى فلا يتعلق الأمر بما هو زائد على الفرض.
والمختار التعجيل بأداء الواجب في أول وقته ، ويدل عليه الأمر والتعيين في قوله تعالى أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا، وقوله تعالى في العموم أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ.
وللسنة النبوية القولية والفعلية ، فالنصوص والإجماع على قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأداء الصلاة في أول وقتها .
نعم قد يطرأ سبب أو مانع لتأخير الصلاة عن أول وقتها .
ويسمى إتيان الواجب الموسع في وقته أداء، ويكون الوقت فيه فاضلاً عن الفعل وإذا أداه بخلل عن عذر، وفعله في ذات الوقت الموسع يسمى إعادة ، وإن لم يفعل الواجب طيلة وقته الموسع وجاء به بعد إنقضاء وقته كله يسمى قضاء كما لو فاتته صلاة الصبح إلى أن طلعت الشمس.
ولا ينحصر إصطلاح القضاء بالواجب الموسع فيشمل المضيق أيضاً كما لو فات المكلف أداء صيام يوم من شهر رمضان فانه يصومه قضاء بعد انقضاء الشهر، قال تعالى وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.
ومنهم من قال أن قضاء المريض الصوم من المجاز وليس حقيقة لأن الخطاب التكليفي لم يتوجه له بالأصل ولكن المدار على الفعل في الوقت أما إذا كان الواجب موسعاً ، أو لم ينعقد وجوبه في وقت مخصوص . أو انه لم يصل مرتبة الوجوب فان فعله بعد الوقت يسمى قضاء كفوات الصلاة في حال الصيام ويشكل عليه في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فصحيح أنه ليس له وقت مقدر في أصل الشريعة ولكن إتيانه فيما بعد في بعض حالاته يلحق بالقضاء ولو على نحو المجاز.
وهل يصح تقسيم ذات الواجب الموسع بلحاظ أدائه فى الوقت المقدر إلى قسمين :
الأول : هل يكون كالواجب المخير بالنسبة لأول الوقت ، الجواب نعم ، مع استحباب هذا الأداء ، وهل فيه ثواب إضافي ، المختار نعم ، قال تعالى وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ )( ).
الثاني : يكون واجباً مضيقاً في آخر الوقت .
والمدار على الدليل وإستقراء النصوص.
وقيل إذا أريد العلم بحال الصلاة في الدار المغصوبة هل هي صحيحة أم لا .
فنرجع إلى المسألة الأصولية وهي: تعلق الأمر والنهي بشىء واحد وكذا العلم بحال الصلاة في أول الوقت مع إشتغال الذمة بحق مضيق ؟
أو صحة إستئجار شخص للعبادة قد إشتغلت ذمته بمثلها . ولا دليل على إستغناء القدماء عن علم الأصول لكنه لم يكتمل عندهم بما عليه في هذا الزمان ، كما أنهم لم يكونوا بحاجة إليه في بعض المسائل لظهورها ، مثل حجة خبر الواحد ، فانهم كانوا يأخذون الخبر مشافهة من المعصوم أو أن أزمنتهم قريبة من زمانه ، ويأخذون بالتواتر ، وتعدد الطرق ، ويجعلون موضوعية للقرائن المفيدة للعلم.
المحتويات
المقدمة 3
أقسام الدلالة 9
اتحاد الطلب والإرادة 13
دفع شبهة الجبر 16
الدنيا دار امتحان واختبار 20
أقسام الفاعل 21
إخبار الطينة 24
أقسام الهداية 24
اصطلاح المفهوم 26
الفرق بين القاعدة الفقهية والمسألة الفقهية 27
الإتجاه العقلي 29
المندوحة في المسألة الأصولية 29
بحث في صيغة الأمر 33
مسائل في الفورية 37
الطلب بين الحقيقة والمجاز 39
قانون الملازمة بين الوضع والحقيقة 39
عدم ثبوت قاعدة أصولية 43
الأمر بين الإنشاء والخبر 44
المفرد والمركب 47
ترشح الوجوب عن الخبر 49
الواجب التعبدي والواجب التوصيلي 51
الفرق بين الواجب التوصلي والتعبدي 53
موضوعية النية 54
المراد من قصد القربة 56
المراد بالوجه من العبادة 57
الحسن الذاتي للفعل العبادي 59
صيغة الأمر 60
الأمر بعد الحظر 61
المرة والتكرار في الأمر 64
دلالة الأمر على المرة أو التكرار 65
الأقوال في المرة والتكرار 68
هل المراد من الأمر الفور أو التراخي 69
مادة وهيئة الأمر 70
هل الدلالة الوضعية تصورية أو تصديقية 73
أقسام الدلالة 74
دلالة الإقتضاء 76
بين الفورية والتراخي 81
معنى المرة والتكرار 83
تقسيمات جديدة للمشتق 85
تعدد الوجوه في الفور والتراخي 87
دليل قرآني على الفورية 89
القرآن والعقل 91
تعريف العقل 95
تقسيم الواجب 98
وحدة أو تعدد المطلوب 100
الفصل الثالث 102
قانون الإجزاء 102
قانون الإمتثال 103
قاعدة التحسين والتقبيح العقلي 104
نفي الأشاعرة للحسن والقبح العقليين 105
تبعية العقل لحكم الشرع 106
حسن الإمتثال 110
النية بين الوجوب والندب 113
مصطلح الإقتضاء 114
مراتب الحكم 115
الحكم بالأجزاء 118
تحقق الغرض 120
في الحكم 122
تحويل القبلة حكم اقتضائي 123
وجوه المفهوم 126
الحكم التكليفي والوضعي 127
أقسام الحكم التكليفي 132
التزاحم بين التكليفي والوضعي 134
أقسام المكلفين 137
طرو الأمر الإضطراري 140
أقسام الحكم الإضطراري 141
تدارك نقص الإضطراري 143
بين التزاحم والتعارض 143
التيسير في الأداء 144
الواجب المؤقت 146
شرائط الإمتثال الإضطراري 148
كفاية البديل الإضطراري 150
الإجزاء بالتيمم 151
الأمر الإضطراري اقرب إلى الظاهري 153
أصالة الطهارة 160
مورد جريان أصالة الطهارة 162
الحكم الظاهري 166
الطريقية في الأمارات 167
السببية 169
تخلف الأمارة عن القطع 173
موافقة الحكم الظاهري 174
التصويب والتخطئة 175
التخطئة في الإجتهاد 177
موضوع الإجتهاد 179
أصالة الإشتغال 182
بقاء التكليف 183
الأصل المثبت 184
القطع 185
موضوعية الأمارات والأصول العملية في الأحكام 186
صلاة الجمعة مثالاً 187
فصل في مقدمة الواجب 189
المقدمة الخارجية والداخلية 192
أقسام المقدمة الخارجية 193
المقدمة المفوتة 194
المقدمة الواجبة 196
سد الذرائع 197
الواجب العيني والكفائي 198
الواجب الموسع والمضيق 199
الدلالات الثلاث 200
بين المقدمة وذيها 202
تقسيم المقدمة الداخلية 204
أفراد العلة التامة 205
اجتماع الأمر والنهي 206
أجزاء المركب 208
المقدمة الخارجية غير المأمور به 209
استقلال المقدمة الشرعية 211
المقدمة العادية 213
مقدمة الصحة ومقدمة الوجود 215
تقسيم المقدمة حسب أوانها 219
التباين بين الشرط المتقدم والمتأخر 223
أصالة الصحة 225
الواجب المطلق والمشروط 229
الحد والرسم 235
القياس 237
عائدية الشرط 240
المقدمة الوجودية 242
مقارنة بين قاعدة الصحة والفراغ 245
في الفقه المقارن 247
منافع الفقه المقارن 249
أقسام القياس 253
قول الظاهرية في القياس 257
حديث التمر بالتمر 258
أقسام خبر الواحد 260
الخبر المستفيض 263
شرط الحنفية في خبر الواحد 265
فتوى في خبر الواحد 266
أدلة قبول خبر الواحد 266
مسائل في دلالة آية [إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ] 268
سبب نزول آية [إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ] 270
قبول النبي (ص) خبر الواحد 271
آية النفر 273
آية [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ] 274
آية [قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ] 274
آية [إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ] 275
حجية العقل 275
الوثوق بالخبر 277
الإنفتاح والإنسداد 278
دعوى الإنسداد 279
السنة النبوية 281
أقسام السنة النبوية 281
الدليل اللفظي – الدليل غير اللفظي 282
القياس الجلي والخفي 285
ذم الكافر العنيد 286
من أقسام الواجب 287
أوان الواجب الموسع 288
رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد
4692 لسنة 2024