تخطّي إلى المحتوى

لسماحة المرجع الديني
الشيخ صالح الطائي دام ظله

معراج الاصول (تقريرات البحث الخارج) – الجزء الأول

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الذي جعل الإنسان فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، وفتح له آفاق المعرفة وجعل العلوم وسائل للإرتقاء في مسالك العبودية ومقدمات لما خلق الناس من أجله هي العبادة، قال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.
فكان علم الأصول من أشرف العلوم لإقتباس مسائله من القرآن والسنة وتداخله مع علم الفقه وصيرورته مقدمة وسبباً ومرآة له .
ويمكن استقراء مفاهيم علم الأصول من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، وتكون النصوص الواردة عن المعصوم دعوة لإنشائه ، وتحديداً لصيغ ايجاده ، وتبياناً لمعالمه ومنهاجاً .
ونسب إلى الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام توجيه أصحابهما له ، واعتنى به جميع علماء الفرق الإسلامية، وهو ثروة علمية وملك لجميع المسلمين لموضوعية مسائله في شطر من العبادات والمعاملات.
وأول من أسس علم الأصول بعد القرآن والسنة هو الإمام محمد الباقر عليه السلام .
وفي صحيحة (زرارة قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام : ألا تخبرني من أين علمت وقلت: إن المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك ثم قال: يازرارة قال: رسول الله صلى الله عليه وآله ونزل به الكتاب من الله لان الله عزوجل يقول فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ فعرفنا أن الوجه كله ينبغي أن يغسل ثم قال [وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ].
ثم فصل بين الكلام فقال [وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ] فعرفنا حين قال (برؤسكم) أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه: فقال [وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ] فعرفنا حين وصلها بالرأس أن المسح على بعضها ثم فسر ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله للناس فضيعوه .
ثم قال فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ فلما وضع الوضوء إن لم تجدوا الماء أثبت بعض الغسل مسحا لانه قال [بِوُجُوهِكُمْ] ثم وصل بها [وَأَيْدِيكُمْ] ثم قال [مِنْهُ] أي من ذلك التيمم لانه علم أن ذلك أجمع لم يجر على الوجه لانه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكف ولا يعلق ببعضها، ثم قال [مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ] (في الدين) من حرج ، والحرج الضيق)( ).
لقد سأل زرارة عن مدرك حكم مسح بعض الرأس ، فاجابه الإمام عليه السلام أنه مستقرأ من القرآن لمكان الباء , وبيّن الإمام عليه السلام أن من أنواع الباء التبعيض ولم يذكره آنذاك النحويون.
و(عن أبي الجارود قال: قال أبوجعفر عليه السلام: إذا حدثتكم بشئ فاسألوني من كتاب الله، ثم قال في بعض حديثه، إن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن القيل والقال، وفساد المال، وكثرة السؤال .
فقيل له: يا ابن رسول الله أين هذا من كتاب الله؟ .
قال: إن الله عزوجل يقول لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ، وقال وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا، وقال لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ))( ).
وبعد الإمام الباقر عليه السلام والأئمة من بعده ، قال في علم الأصول حسن بن علي بن أبي عقيل وهو من مشايخ جعفر بن محمد بن قولويه ثم أعقبه محمد بن أحمد بن جنيد الإسكافي وهو أستاذ الشيخ المفيد وعاصر الكليني , وتوفى سنة (381هـ).
ونقل عن كتاب الأوائل للسبكي أن أول من صنف في علم أصول الفقه هو الشافعي، وقال ابن خلكان أن أبا يوسف أول من صنف فيه وفق مذهب أستاذه أبي حنيفة، وتوفى الشافعي سنة 204هـ وأبو يوسف سنة 182هـ أي انهما من طبقة واحدة.
وكتب في علم الأصول السيد المرتضى (ت336هـ) الذريعة إلى أصول الشريعة .
وألف الشيخ الطوسي (ت460هـ) عدة الأصول ، وشهد القرن الرابع الهجري ازدهاراًَ ورواجاً لعلم الأصول .
والمختار أن نواة وأسس علم الأصول في القرآن ، قال تعالى وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ.
وأظهره النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة وعلماء الإسلام ، قال تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
وعلم الأصول حاجة للفقيه ومن حرم الأصول حرم الوصول .
نعم الكتاب والسنة وعلوم الفقه مقدمة عليه .
ويبحث علم الأصول في القواعد التي تضبط وتتعاهد الأحكام الشرعية الفرعية في الوظائف العملية للمكلفين دخولاً وإثباتاً، أو إخراجاً وإبطالاً، ونقضاً وإبراماً، وطرداً وعكساً .
وبينما يتعلق علم الفقه بنفس الأحكام الشرعية المتعلقة بأحكام المكلفين من حلية وحرمة ، والأحكام التكليفية الخمسة فان علم الأصول يختص بالقواعد والضوابط الكلية، فاذا وقع البحث في خبر الواحد وثبتت حجيته أو عدمها فذلك البحث والنتيجة مسألة أصولية .
وفي المقام مسائل :
الأولى : تخصيص القرآن بالقرآن ، كما في قوله تعالى وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ، وجاء التخصيص وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ.
الثانية : تخصيص القرآن بالخبر المتواتر ، وعليه إجماع المسلمين كما في ورود العموم في قوله تعالى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وخصص بالحديث المتواتر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ليس للقاتل من الميراث شئ) ( ).
الثالثة : هل يخصص القرآن بخبر الواحد مطلقاً ، أم خصوص المحفوف بالقرينة ، وذكر صاحب الكفاية الخبر المعتبر بقوله (الحق جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد المعتبر بالخصوص)( ).
والنسبة بين الخبر المحفوف بالقرينة والخبر المعتبر عموم وخصوص من وجه.
أم لا يخصص به القرآن على خلاف يأتي في محله إن شاء الله .
وإذا قلت ان الهلال رآه عدل واحد، وخبر العدل الواحد حجة في الموضوعات ، فالنتيجة اذن ثبوت الحكم برؤية الهلال الا ان يرد دليل آخر مغاير ، ففي صحيحة الحلبي عن الإمام الصادق عليه السلام (كان رسول الله صلى الله عليه وآله يجيز في الدَين شهادة رجل واحد ويمين صاحب الدَين ، ولا يجيز في الهلال إلا شاهدي عدل)( ).
وفي صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام قال كان علي عليه السلام يقول (لا أجيز في الهلال إلا شهادة رجلين عدلين)( ).
وتوظف النتيجة في الأحكام الشرعية وتجعل كبرى لقياس مؤلف وتسمى النتيجة مسألة فقهية والعلم بها فقهاً واجتهاداً .
وقيد البحث في علم الأصول بالأحكام الشرعية الفرعية لتخرج الأحكام الشرعية الأصولية كالتوحيد والنبوة والإمامة والمعاد لأنها ضرورية للإعتقاد والعمل ، ولوجوب اليقين والقطع بها.
وهذا الكتاب الذي بين يديك هو الجزء الأول من (معراج الأصول) تقريرات بحثي الخارج الأصولي على فضلاء الحوزة العلمية ، وقد ابتدأتها بتوضيح وشرح مسائل كفاية الأصول ، والتعليق عليها مع الإضافة والبيان النافع والمثال الذي يفيد تقريب المعنى .
وكتاب كفاية الأصول للعالم والمدقق الشيخ ملا محمد كاظم الخراساني ت 1329هـ ” يمتاز بمطالب عالية ونفائس من العلم ومدى ما وصل اليه علم الأصول من الإرتقاء وما طرأ عليه من التنقيح وتهذيب المسائل ولابد انه يحتاج الى ايضاح فرائده وبيان غوامض لوامعه .
وقد أتعب العلماء انفسهم في شرحها وتوضيحها وظلت بحاجة الى المزيد لمنزلته في الدراسة الحوزوية سطحاً وبحثاً ، وتعدد الشروح والتعليقات توسعة في أبواب علم الأصول وتيسير للباحثين.
واعتمد هذا الكتاب في البحث الخارج أي في أعلى مستويات الدراسة في الحوزة العلمية وصار مدخلاً للإجتهاد أو شاهداً عليه ، وفيه نظر ، فالإجتهاد لا يتوقف على مضامين كتاب أصولي واحد لأحد العلماء تم تأليفه في القرن الرابع عشر الهجري ،وإن كان الذي أراه هو العناية بعلوم القرآن وتفسيره والسنة النبوية وأقوال الأئمة عليهم السلام هي الأولى في التركيز عليها في مراحل الدراسة في الحوزة العلمية .
والمختار تجلي الإجتهاد في الفقه وتفسير القرآن ، مع موضوعية علم الأصول ومقدمات ولوازم علم الفقه .
والتحقيق في مكنوناته ومضامينه سياحة في علم الأصول وتستلزم الجد والصبر لتبدو لك آفاق العلوم وسهولة مسائلها لما تطلع عليه من الضوابط الكلية للعلم وتلك التي تصلح لكل العلوم , وذكرنا مسائله مع البيان والتحقيق والمثال في الجزء الأول والثاني من هذا الكتاب الذي هو عبارة عن تقريرات بحثنا في أصول الفقه التي القيناها على نخبة من فضلاء الحوزة العلمية منذ سنة 2000 للميلاد وإلى هذا اليوم والحمد لله ,
وقمت بكتابتها وتنقيحها وتصحيحها بنفسي مع صدور مائتين وسبعة وستين جزء من كتابي الموسوم ( معالم الإيمان في تفسير القرآن ) بذات الكيفية , في آية علمية لم يشهد لها التأريخ مثيلا والحمد لله , إلى جانب كتبي الفقهية والكلامية , رجاء الثواب والأجر من الله قال تعالى قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ.


ترجمة صاحب كفاية الأصول
ومؤلف كتاب كفاية الأصول هو المرجع الأخوند الملا محمد كاظم الخراساني (1255-1329 ) هجرية (1839-1911) ميلادية.
وكلمة الأخوند فارسية كانت تطلق على العلماء الكبار إجلالاً واحتراماً لهم ، وهناك سبب خاص لتسميته الأخوند إذ سمع في كربلاء المدرس يذكر في الدرس يذكر اشكالين على الشيخ الأنصاري ، فجاء إلى النجف ونقلهما إلى الشيخ الأنصاري ، وحصل جدال ومناظرة بينهما ، فقال بعض الطلبة هذا الآخند نصر الآخند الذي في كربلاء .
ولد الشيخ محمد كاظم الأخوند في مدينة مشهد ، وهو الابن الأصغر لحسين الواعظ الهراتي من أهل هرات من افغانستان ويقال له الهروي وقيل هو تاجر حرير .
ودرس الأخوند مقدمات العلوم ، إذ درس في مشهد العربية والمنطق ، وشيئاً من علم الفقه والأصول إلى أن بلغ الثالثة والعشرين من العمر ، وتزوج في مشهد .
وأراد التوجه إلى النجف حيث الجامعة الإسلامية الكبرى ، فمر بمدينة سبزوار واستقر فيها بضعة شهور ليتتلمذ على يد الشيخ هادي السبزواري ، ثم توجه إلى مدينة طهران وسكن في مدرسة الصدر الدينية .
وبقي في طهران أربعة عشر شهراً ، ولم يكن عنده المال الكافي للقدوم إلى النجف الأشرف ، فأخبره زميله في غرفة الدرس الشيخ عبد الرسول المازندراني أن عند متولي المدرسة مبلغ مال لأداء الصلاة والصوم استئجاراً يمكن أن يؤخذه ويستعين به في سفره .
فأخذ منه مائة تومان على أن يصلي عشرين سنة ويصوم عشرين شهراً استئجاراً .
ووصل إلى النجف قبل وفاة الشيخ الأنصاري بثلاث سنوات ، فحضر دروسه ثم حضر عند تلميذ الأنصاري وهو الميرزا الشيرازي الذي رأي علمية الأخوند فكان يشير على الطلبة بالرجوع إليه .
وقد انشغل الآخوند وعلماء آخرون بمسألة (المشروطة والمستبدة ) في الحكم ، إذ كان يرى أن الحاكم ليس له الحكم على نحو الإطلاق بل لابد أن يكون مقيداً بمواد دستورية وحكمه مشروط بصلاحيات لا يتجازوها .
وتسمى بالفارسية (الدستورية ) وكان بعض العلماء يرى الإطلاق في حكم الحاكم ، ومنهم السيد كاظم اليزدي صاحب العروة الوثقى .
وحدث خلاف وخصومة بين الفريقين ذهب ضحيته عدد من القتلى من الطرفين .
وحركة الإصلاح ليست جديدة في النجف الأشرف ، وقد وفد إليها لغرض الدراسة السيد جمال الدين الأفغاني سنة 1848 ثم غادرها وعاد لها سنة 1891 والتقى ببعض العلماء وحض ّ على الإصلاح .
وأنشأ بعض تجار البازار ورجال الدين الاصلاحيين الحزب الشعبي الدستوري ، وطالبوا بدستور ومجلس نيابي ، وتوجه هؤلاء إلى علماء النجف بالإستفتاء وعرض حركتهم وطلب الإذن والفتوى من علماء النجف أرسلوها بيد طلبة العلم والزوار من فارس .
وكانت الفتاوى قد أتت ثمارها وأظهر الناس الإستجابة التامة لها من قبل أهل إيران .
وكسرت الناركيلات ، وتلفت محلات بيع التبغ والتنباك في ثورة التنباك أو ثورة التبغ سنة 1890 عندما حصر الملك القاجاري ناصر الدين شاه حق بيع وشراء التبغ في إيران لصالح شركة بريطانية لمدة 50 سنة ، بينما كان نحو خمس سكان ايران يعملون بزراعة وتجارة التبغ ، فأرسل المرجع محمد حسن الشيرازي عدة رسائل إلى الشاه القاجاري يطلب منه الغاء الإتفاق ووقف العمل فيه ، ولكن الشاه رفض طلبه فاضطر لإصدار فتواه الشهيرة هذه سنة 1891 فتوى حرم بها التنباك.
وأمر الشاه أحد علماء الدين بالتدخين في المسجد وأصر عليه لكسر المقاطعة ، ولكنه رفض الإستجابة لأمر الشاه ، فأمر بنفيه من طهران ، فكانت بداية الثورة إذ تجمعت الحشود لمنع خروجه من طهران وسقط شهيدان من طلبة العلم .
وانتشرت الحشود والتظاهرات فاضطر الشاه للدخول في مفاوضات مع الشركة الإنكليزية لإلغاء الإتفاق مقابل دفع غرامة 500 ألف ليرة تدفع إلى الشركة ، بينما الأخوند يأخذ مائة تومان أجرة أداء صلاة وصوم عن الأموات .
ومع أن سبب الثورة هذا خاص إلا أن شعب إيران والدول العظمى أدركوا المنزلة العظيمة لمراجع الدين ، وتنامت الحركة الوطنية حتى تم الحصول على الدستور في 5 آب سنة 1906 وهو من مقدمات حركة المشروطة للشيخ الأخوند .
ودرس الأخوند في مشهد وسبزوار وطهران ثم النجف.
ومن أساتذته الشيخ هادي السبزواري ، والشيخ راضي بن الشيخ محمد النجفي والشيخ مرتضى الأنصاري ، والميرزا الشيرازي.
ومن تلامذته :
 أبو الحسن الإصفهاني .
 الشيخ محمد حسين النائيني .
 الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء .
 السيد حسين الطبطبائي البروجردي .
 الشيخ ضياء العراقي .
 الشيخ عبد الكريم الحائري .
 السيد هبة الله الشهرستاني .
 السيد محسن الحكيم .
 الشيخ حسين الحلي .
 السيد عبد الحسين شرف الدين .
 السيد محسن الأمين العاملي .
 الشيخ عباس القمي ، صاحب مفاتيح الجنان.
ومن مؤلفاته :
 كفاية الأصول .
 الأصول في مباحث الألفاظ .
 حاشية على كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري .
واستحدثُ ملاحظة في ترجمة الشيخ الأخوند من جهات :
الأولى : قلة اساتذة الأخوند .
الثانية : إنشغل بشؤون السياسة أكثر مما يلزم ، وخلاف أصول الفتوى ، وزهقت أرواح بين المشروطة والمستبدة في النجف ، والحوزة ، مع أنها أمر خاص ببلاد فارس ، وآخرها ذهاب نفسه إذ قيل أنه مات مسموماً والعلم عند الله بعد أن كان مصراً على التوجه في صباح ذات اليوم الذي توفى فيه إلى ايران مع أنصار له ، ومع محاولة تهييج العشائر.
فيوضات الحمد لله
بعد أن ابتدأ صاحب الكفاية بالبسملة تبركاً واتباعاً للغة القرآن إذ تبدأ كل سورة منه بالبسملة وتأسياً واتباعاً لسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والائمة الطاهرين .
انتقل صاحب الكفاية إلى الحمد والثناء على الله عز وجل وبيان ربوبيته المطلقة للخلائق كلها .
ومن جهة الإعراب فان الحمد : مبتدأ مرفوع بالضمة .
لله : اللام حرف جر ، اسم الجلالة مجرور .
وهما في محل رفع خبر .
رب : صفة (لله) مجرور بالكسرة ، وهو مضاف .
العالمين : مضاف إليه مجرور وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم.
والمختار لا يجوز ابدال البسملة بـ(بسمه تعالى)( ).

م/ عدم جواز كتابة (باسمه تعالى) بدل البسملة او حذف إسم الجلالة من الأسماء مثل(عبد ا…)

وفي صلح الحديبية طلب سهيل بن عمرو رئيس وفد مشركي قريش كتابة كتاب مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدعا النبي الإمام علي عليه السلام وقال له : اكتب بسم الله الله الرحمن الرحيم.
قال سهيل : أما الرحمن فو الله ما أدري ما هو ولكن اكتب (باسمك اللهم).
فقال المسلمون : والله ما تكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم) لبيان صيرورة البسملة ذات موضوعية وقدسية خاصة عند المسلمين ، وسعادتهم بها ، وهل هي من الغنائم التي وعدهم الله عز وجل بها فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ.
الجواب نعم ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للإمام علي : اكتب (باسمك اللهم).
ثم قال (هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله
فقال سهيل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب : محمد بن عبد الله
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : والله إني لرسول الله وإن كذبتموني اكتب : هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله
قال الزهري وذلك لقوله : لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به
قال سهيل : والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ؟ ولكن لك من العام المقبل)( ).
أقسام مباحث الأصول
تقسم مباحث علم الأصول إلى :
الأول : المقدمة في الوضع والإستعمال .
الصحيح والأعم ، الحقيقة الشرعية ، المشتق .
الثاني : مباحث الألفاظ .
باب الأوامر والنواهي .
العام والخاص .
المطلق والمقيد .
المنطوق والمفهوم .
الثالث : مباحث الدليل :
الكتاب وحجية ظواهره .
والسنة رواية ودراية ، وأقسام الحديث من المتواتر والآحاد ، وحجية خبر الواحد .
والإجماع وأقسامه من المنقول والمحصل .
والدليل العقلي كالملازمة بين حكم الشرع وحكم العقل وقاعدة الحسن والقبح العقليين ، وقاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع .
وعدم الدليل دليل العدم
مبحث الإستصحاب .
مبحث القياس .
الخاتمة في التعادل والتراجيح .
ومباحث علم الأصول مقدمة لعلم الفقه، ومادة لتحديد الحكم الشرعي.

أسباب خلاف الفقهاء
يبحث علم الفقه بفتاوى المجتهدين وأقوال علماء الإسلام، ودراستها من جهة علم الرجال والدراية والدلالة.أما موضوع علم الأصول فهو العلم بالقواعد الكلية المهمة لإستنباط الأحكام الشرعية الكلية.
وأما موضوع علم الفقه فهو فعل المكلف وفق الأحكام التكليفية الخمسة وما فيها من الأوامر والنواهي، وهي لواحق ذاتية لما فيها من الإستحباب والتخيير والترك والوجوب والحرمة، فلا يلزم الفقيه عرض أقوال الفقهاء سواء من مذهبه أو غيرهم، ولكنه يكتفي بالإتيان بفتواه ويبين دليله.
ومن أسباب الخلاف بين الفقهاء أمور:
الأول : وجود روايات متعددة فيما الموضوع متحد ، واختلاف نظر وتأويل الفقهاء بخصوصهما.
الثاني : باب الخاص والعام، والمطلق والمقيد.
الثالث : الإختلاف في وثاقة الراوي، ولو بفرد واحد من سلسلة رجال الحديث، بلحاظ القاعدة وهي أخذ سند الحديث على أضعف رجاله، فاذا كان رجال الحديث كلهم ثقات، وواحد منهم ضعيفاً يكون الحديث ضعيفاً في سنده.
الرابع : التباعد بين المذاهب مع تقادم الأيام ، فيصبح الفقيه لا ينظر ولا يأخذ إلا من مذهبه، وهذا الأمر لاضير فيه ، ولكنه قد يقوم بتضعيف رجال وروايات المذاهب الأخرى، ومنهم من يرميهم بالوضع.
الخامس : الإجتهاد في الفتوى فيما لا ينص فيه.
السادس : التباين في فهم وتأويل النص، لذا يشترط في الفقيه أن يتقن علوم العربية بما يميز معه معنى ودلالة اللفظ , ومعرفة طرقها كعلم النحو والصرف في الجملة.
السابع : ثبوت النسخ أو عدمه لخصوص آية أو حكم ، ولا ينحصر علم الناسخ والمنسوخ بالقرآن فقد يشمل السنة أيضاَ، وورد عن بريدة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إني كنت نهيتكم عن ثلاث عن زيارة القبور فزوروها ولتزدكم زيارتها خيرا ونهيتكم عن لحوم الاضاحي بعد ثلاث فكلوا منها وأمسكوا ما شئتم ونهيتكم عن الاشربة في الاوعية فاشربوا في أي وعاء شئتم ولا تشربوا مسكرا وأمسكوا ( ).
الثامن : الإشتراك اللفظي أو المعنوي، كما في لفظ القرء وهل يراد منه أيام الحيض أو الطهر بين حيضتين، قال تعالىوَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ، والمختار والمشهور هو إرادة الطهر.
التاسع : الاختلاف في أحكام الأصول، ومنه لفظ الأمر وصيغة افعل وفيها وجوه :
الأول : الوجوب , وهو المتبادر من الطلب وصيغة الأمر.
الثاني : المعنى الأعم للوجوب والإستحباب , والإشتراك في طلب الفعل.
الثالث : إرادة الإستحباب إلا مع القرينة على الوجوب .
العاشر : الخلاف في خبر الواحد.
ولا يستلزم الدور , لأن الدور باطل وهو تبيان الشئ لنفسه بعينه , أما إذا كان ذات الشئ يرجع إلى فرد آخر ولو على نحو جهتي، فانه ليس بدور للتباين بين العلة والمعلول في الجهة والفرد.
والنسبة بين الفقه المقارن وعلم الأصول ظاهرة من التباين في الاسم، بلحاظ ما تستلزمه المقارنة من التعدد والمقابلة بين طرفين أو أكثر , وبينهما عموم وخصوص مطلق ، لأن الأول أعم لإرادة الفقه ومقارنة أقوال الفقهاء في الفقه المقارن، ويشمل أيضاَ أقوال الأصوليين.
وموضوع الفقه المقارن هو الأدلة ومدى صلاحها ومناسبتها للحكم والموضوع , واعتماد الإستقراء والتحقيق، وحتى بالنسبة للأصولي المقارن فانه أعم من الأصولي، لأن الأول يحتاج التمييز والمقارنة بين الأقوال وهو أمر لا يتحصل إلا بعد بلوغ مرتبة الأصولي وتحصيل الملكة والقدرة على معرفة الأدلة .
وتصور ذات الشئ من المبادئ الضرورية لكل علم، كما أن الغاية من الفقه المقارن أعم، ومنها تثبيت أدلة الأحكام ومنع طرو التبديل فيها، ومنها منع تجدد الإختلاف بين علماء المسلمين وصيرورته سبباً للفرقة والشقاق، فمن وظائف الفقه المقارن تعاهد وحدة المسلمين في أهم باب وهو الأحكام الشرعية وأدلتها، وهو من مصاديق قوله تعالىكُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ.
بين الحقيقة والمجاز
ذكرت في سنخية الكلام العربي وجوه :
الأول : الكلام العربي كله حقيقة ، وليس فيه مجاز.
الثاني : الكلام العربي كله مجاز .
الثالث : الكلام العربي حقيقة ومجاز ، وهو المشهور والمختار .
الرابع : وذكرت وجهاً مستحدثاً وهو مجئ اللفظ المفرد بمعنى الحقيقة والمجاز في آن واحد ، كما في قوله تعالى وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ، ومن الحقيقة سؤال يعقوب النبي ذات القرية وحيطانها وأشجارها لأنه نبي تجيبه هذه الموجودات ، ومن المجاز المراد : وأسأل أهل القرية ، بحذف المضاف ، وكما في قوله تعالى فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا.
ويستحب تأليف مجلد أو مجلدات ورسائل خاصة بآيات الحمد في القرآن من جهات :
الأولى : إحصاء هذه الآيات .
الثانية : النسبة الموضوعية بينها.
الثالثة : صلة كل آية من آيات الحمد بالآيات المجاورة .
الرابعة : تقسيمات آيات مثل :
الأول : الحمد الدنيوي .
الثاني : الحمد الأخروي .
الخامسة : منافع الحمد لله في الدنيا والآخرة .
السادسة : الحمد لله في منهاج النبوة والرسالة من آدم أبينا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
السابعة : الإنتفاع من الحمد لله في سنن التقوى والصلاح .
الثامنة : هداية الناس إلى الإيمان بالحمد لله .
التاسعة : الأجر والثواب في قول أهل الجنة الحمد لله ، كما في قوله تعالى وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
والآية حصانة من نزغ الشيطان ، والإنقطاع إلى قوانين الأسباب والمسببات ، والعلة المادية ومعلولها ، في عشق لرب العالمين ، وسياحة في عالم الملكوت ، واقرار بأن كل شئ من الله وله .
والحمد لله هو الثناء باللسان على الجميل بقصد التعظيم والإطراء الحسن ، وفي علم الكلام اشترط صدور الحمد عن علم وليس عن ظن ، وهل الحمد لله قول وعمل أم قول فقط ، الجواب هو الأول .
وعن صفوان بن يحيى عن الكاهلي عبد الله بن يحيى الكاهلي ، روى عن الإمام الصادق والإمام الكاظم عليها السلام ، ووصى به الإمام الكاظم علي بن يقطين فقال له ((اضمن لي الكاهلي وعياله أضمن لك الجنة) وقيل إنه تميمي النسب , قال له ابو الحسن عليه السلام: اعمل في سنتك هذه خيرا فقد دنا أجلك، فبكى .
فقال: ما يبكيك ، فقال: جعلت فداك نعيت إلي نفسي، فقال: ابشرفانك من شيعتنا وأنت إلى خير ، فمات بعد ذلك رحمه الله)( ).
قال (كتبت إلى الإمام أبي الحسن( ) عليه السلام في دعاء الحمد لله منتهى علمه فكتب إلي : لا تقولن منتهى علمه فليس لعلمه منتهى ولكن قل منتهى رضاه).
وصفوان بن يحيى البجلي من الثقاة ، وهو من أصحاب الإجماع .
وقال أحمد بن علي النجاشي : كوفي ثقة ، عين ، وكانت له عنده منزلة شريفة ، وكان عابداً ويخرج زكاة ماله ثلاث مرات في السنة.
موضوع كل علم
وموضوع كل علم المسائل التي تتعلق بالعوارض الذاتية الخاصة به.
فمثلاً موضوع علم الطب بدن الإنسان ، والمسائل المتعلقة به .
وموضوع علم الفقه الأحكام التكليفية الخمسة ، والحلية والحرمة في عالم الأفعال وهكذا .
واضيف له مسائل ، فيكون البحث كالآتي موضوع كل علم عوارضه ومسائله .
ومن وجوه تعريف علم أصول الفقه.
والأصل لغة : الذي يبتنى عليه غيره.
وقال ابن منظور (الأَصْلُ أَسفل كل شيء وجمعه أُصول)( ).
وكذا في تاج العروس قال (الأَصْل : أَسْفَلُ الشيء يُقال : قَعَدَ في أَصْل الجَبَلِ وأَصْلِ الحائِطِ وقَلَعَ أَصْلَ الشَّجَرِ ثم كَثُرَ حَتّى قِيلَ : أَصْلُ كُلِّ شَيءٍ : ما يستَنِدُ وُجُودُ ذلك الشيءِ إِليهِ)( ).
ولكن بين الأصل وأسفل الشئ عموم وخصوص من وجه فأسفل الشيء قد يكون أصلاً أو لا يكون.
فاسفل الإنسان قدماه ولا يقال أنهما أصل الإنسان في خلقه .
وأصل الشئ : ما منه الشئ ، وقد يشمل الفرع تجوزاً .
ويقال أصله من البلد الفلاني ، وليس فيه أسفل ، كما يأتي الأصل بمعنى القاعدة ، ومن الإعجاز ذكر قواعد البيت بقوله تعالى وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
فلم تذكر الآية الأصول ، والمراد من أصول الفقه : أدلته لإبتناء الفقه على أدلته عقلاً ونقلاً .
مع ورود لفظ (أصول) بصيغة الجمع مرة واحدة في القرآن بقوله تعالى مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ.
كما ورد بصيغة المفرد مرة واحدة بقوله تعالى إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ.
(وأَصُل الشيءُ صار ذا أَصل قال أُمية الهذلي :
وما الشُّغْلُ إِلا أَنَّني مُتَهَيِّبٌ … لعِرْضِكَ ما لم تجْعَلِ الشيءَ يَأْصُلُ)( ).
ويقال : استؤصل القوم ، أي انقطعوا وهلكوا.
السنة المصدر الثاني للتشريع
إجماع علماء الإسلام بان الشريعة الإسلامية جامعة للأحكام ، وأن أقوال وأفعال الإنسان سواء كانت في العبادات أو المعاملات والصلات لها حكم في الشريعة .
وترد هذه الأحكام في القرآن والسنة ، وهل قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا، خاص بآيات القرآن أم يشمل السنة النبوية أيضاً.
الجواب هو الثاني ، فالسنة هي المصدر الثاني للتشريع ، قال تعالى وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
وهي بيان للقرآن وعلومه، وسبيل هداية في مستحدثات المسائل.
و(عن علي بن محمد ، عن سهل بن زياد ، عن أحمد بن محمد ، عن عمر بن عبد العزيز ، عن هشام بن سالم ، وحماد بن عثمان ، وغيره ، قالوا : سمعنا أبا عبدالله عليه السلام يقول :
حديثي حديث أبي ، وحديث أبي حديث جدي ، وحديث جدي حديث الحسين ، وحديث الحسين حديث الحسن ، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين ، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله ، وحديث رسول الله صلى الله عليه وآله قول الله عزّ وجلّ)( ).
وقد يقال من الوقائع ما لم يذكر في القرآن والسنة ، وما هو مستحدث مع تقادم الزمان وتداخل الشعوب ، وكثرة الصناعات ، وتفرع المعاملات.
والجواب قد جاء القرآن والسنة بالقواعد الكلية وأمارات يقدر المجتهد على الوصول إليها ، واستنباط الحكم الشرعي منها.
وتتناول أصول الفقه بالبحث والتحقيق استنباط الأحكام الشرعية العملية المستفادة من أدلتها التفصيلية وهي القرآن والسنة والإجماع ، والعقل ، أو القياس بدل العقل ، مع ورود أصول أخرى مختلف فيها ، ولا يعني هذا الإختلاف طرحها مثل :
الأول : الإستحسان .
الثاني : المصالح المرسلة .
الثالث : قول الصحابي .
الرابع : سد الذرائع .
الخامس : شرع ما قبلنا .
السادس : الإستصحاب.
المصالح المرسلة
قال بجعل المصالح المرسلة أدلة شرعية مالك ، والشافعي ت204 في القديم وقال الشوكاني ت250 هجرية بأن الجمهور لم يعتد بها.
وقد تسمى المصالح المرسلة ، المصالح المسكوت عنها ، وهي المصلحة التي لم يرد فيها دليل شرعي خاص من الكتاب والسنة والإجماع بحيث يشهد لها بالإعتبار أو الإبطال .
ولكن هذا لا يعني عدم وجود دليل عام يستقرأ منه الحكم الخاص بها من عموم مقاصد الشريعة وان لم تكن لها أمثلة تقاس عليها إذ جعل الله عز وجل القرآن تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وتختص المصالح المرسلة بالمعاملات لأن العبادات توقيفية وفيه نصوص ثابتة.
وفي نهج البلاغة قال أمير المؤمنين عليه السلام (إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى اِفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ فَرَائِضَ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا وَ حَدَّ لَكُمْ حُدُوداً فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَ نَهَاكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا وَ سَكَتَ لَكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ وَ لَمْ يَدَعْهَا نِسْيَاناً فَلاَ تَتَكَلَّفُوهَا قال الله تعالى لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)( ).
(جاء في الأثر أبهموا ما أبهم الله ، وقال بعض الصالحين لبعض الفقهاء لم تفرض مسائل لم تقع و أتعبت فيها فكرك حسبك بالمتداول بين الناس . قالوا هذا مثل قولهم في باب المسح على الخفين فإن مسح على خف من زجاج ونحو ذلك من النوادر الغريبة .
وقال شريك في أبي حنيفة أجهل الناس بما كان و أعلمهم بما لم يكن)( ).
واختلف في اعتماد المصالح المرسلة وهل هي من جلب المصلحة ودفع المفسدة أم أنها من أبواب الأخذ بالرأي والمدار على المصاديق الفعلية وضروب الإبتلاء في مستحدثات المسائل.
الأصول الأربعة ليست بمرتبة واحدة
لقد صدرت كتب عديدة بالأدلة الشرعية للأحكام ، كما صدرت كتب خاصة بكل أصل .
والأصل بالأدلة الشرعية الأربعة هو القرآن ، فذكر الأدلة الأربعة ليس بعرض واحد ، إنما هو ترتيبي ، وهناك مسافة بين كل واحد منها والآخر .
فالقرآن كلام الله المعجز الذي نزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمتعبد بتلاوته وفيه البيان والتبيان ، قال تعالى وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ.
فمع ورود الدليل في القرآن نكتفي به ، قال تعالى أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ.
وتأتي من بعد القرآن السنة النبوية القولية والفعلية ، وإذ كانت الآية القرآنية تنزل على النبي فيبادر إلى تلاوتها حالما ينفصل عنه الوحي ، ويدعو كتاب الوحي لكتابتها ، فان السنة النبوية لم تدون إلا أيام عمر بن العزيز.
و(مات عمر بن عبد العزيز لعشر ليال بقين من رجب سنة إحدى ومائة وهو بن تسع وثلاثين سنة وأشهر. وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر، ومات بدير سمعان)( ).
وعن أبي الزناد (توفي عمر بن عبد العزيز وهو بن تسع وثلاثين سنة وخمسة أشهر)( ).
وقالوا أن القرآن قطعي الصدور ظني الدلالة .
أي أنه نازل من الله حقاً وصدقاً ، ولكن دلالته ظنية .
والمختار أن القرآن قطعي الصدور ، قطعي الدلالة أيضاً ، بل تتعدد وجوه الدلالة القطعية في ذات اللفظ الواحد قال أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ، ويمكن أن نقول بقانون وهو القرآن أصل الأدلة .
فحينما نتحدث بلغة الأصل ونقول أصول الفقه فان القرآن هو أصل وأساس أصول الفقه ، لا يتقوم علم الأصول إلا بالقرآن إماماً ، ومناراً.
ومن فضل الله عز وجل أنه جعل كل مسلم ومسلمة يتلوان قوله تعالى اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، سبع عشرة مرة في اليوم والليلة ، فهل منه هداية طلبة العلم في علم الأصول للأخذ بالأدلالة والبراهين من القرآن ، الجواب نعم.
فتنتفع الأمة منهم ، فتكون لهم حصة زائدة في هذه التلاوة وإن كانت هي للتعبد والوجوب العيني ، قال تعالى وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.
ومن مصاديق[وَعلم آدم الأَسْمَاءَ] ( )، أسماء الجبال والبحار والأودية والأشجار.
وعن الإمام الصادق عليه السلام (أعطي سليمان بن داود عليه السلام مع علمه معرفة المنطق بكل لسان ومعرفة اللغات ومنطق الطير والبهائم والسباع، فكان إذا شاهد الحروب تكلم بالفارسية .
وإذا قعد لعماله وجنوده وأهل مملكته تكلم بالرومية، فإذا خلا مع نسائه تكلم بالسريانية والنبطية .
وإذا قام في محرابه لمناجاة ربه تكلم بالعربية، وإذا جلس للوفود والخصماء تكلم بالعبرانية)( ).
وذكر أن آدم تعلم اللغات كلها ولكن عند الناس مئات اللغات ما خلا اللهجات ، فالمختار أنه تعلم لغة واحدة وذكر أن لغة آدم ، هي السريانية وقول أنها العربية.
وقيل أن العربية والسريانية واحدة ، ولكن الإختلاف بمحل السكن وقيل السريانية هي اليونانية ، وأنها العبرية كما في سفر التكوين ، وعند بعض النصارى هي اللغة الآرامية.
وعن زيد بن ثابت قال (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتحسن السريانية ، قلت : لا قال : فتعلمها فإنه تأتينا كتب ، قال : فتعلمتها في سبعة عشر يوماً .
قال الأعمش : كانت تأتيه كتب لا يشتهي أن يطلع عليها إلا من يثق به)( ).
وقد دخل بعضهم على الإمام الباقر فسمعه يقرأ بالسريانية بصوت حسن.
إذ ورد في المرسل (عن أبي جعفر عليه السلام قال: جئنا نريد الدخول عليه فلما صرنا بالدهليز سمعنا قراءة بالسريانية بصوت حسن يقرأ ويبكي حتى أبكى بعضنا)( ).
علم الفقه
هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المستفادة والمترشحة عن أدلتها التفصيلية .
وهذه الأدلة أربعة هي على نحو الترتيب القرآن وهو المصدر الأول ، والسنة وهي المصدر الثاني ، والإجماع وهو المصدر الثالث ، والعقل هو المصدر الرابع .
وذكر القياس كمصدر رابع عند الجمهور بدل العقل.
لذا فان الخلاف في المصدر الرابع بين المذاهب الإسلامية صغروي للإجماع على أن القرآن أصل الأصول ، وهو سالم من التحريف والزيادة والنقصان.
رتب الماتن صاحب الكفاية كتابه على ثلاثة مراتب :
المقدمة : 13 .
الثاني : المقاصد 8
الثالث : الخاتمة في الإجتهاد والتقليد .
وتوجد النسخة الأصلية من كفاية الأصول بخط الآخوند الخراساني في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي .
وتوجد نسخة من الكتاب تم نشرها في حياة المؤلف ,وقد تم تصحيحها من قبل نجله بناء على النسخة التي كان يدّرسها المؤلف ، وتم طبع الكتاب عدة مرات ، تم طبعه مع الشروح والتعليف المتعدد .
ولد الملا محمد كاظم الخراساني في مشهد عام (1255-1853م) وتوفي في النجف سنة (1839-1911م) وهو رائد في الحركة الدستورية .
المقولات العشرة
ويدل قول الماتن (ان موضوع كل علم) على قطعه بأن لكل علم موضوع ، وهو المشهور ، نعم لا يعني هذا إرادة الدقة العقلية إذ تتداخل العلوم في موضوعاتها ، وذات المصداق الواحد يصدق أن يكون موضوعاً لعلوم متعددة بحسب اللحاظ كما في الكلمة إذ تكون مادة للفقيه في الصحة والفساد ، والأمر والنهي ، والنحوي في موضعها من الإعراب ، وعالم الصرف في ابنية الكلمة وأحوالها غير الإعراب ، والبلاغة في البيان وغيرها.
مع أن الوجوب والحرمة وباقي الأحكام التكليفية هي محمولات مسائل الفقه تعرض على المكلفين بالعرض وبواسطة الأفعال العبادية كالصلاة والصوم والزكاة .
بينما موضوع علم الفقه هو فعل المكلف وموضوع علم المعقول هو الوجود أو الموجود ، وينقسم الى :
الأول : واجب الوجود : وينفرد بهذه الصفة الله عز وجل وهو خالق كل شئ وهُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
الثاني : الممكن : وينقسم الى الجوهر والمقولات التسعة العرضية ، وكلمة مقوله مترجمة من كلمة يونانية هي (category) ومعناها العلامة ، وقيل ان ارسطو (384-322) ق.م هو الذي استعرض مظاهر العلم في زمانه ، وقال بأن الفكر المستقيم يتقوم بها ، واتخذها العلماء من أهل كل ملة قاعدة ، وتعرضوا لها بالشرح والبيان ، وجعلوها أصلاً في علم المنطق ، وجمعت المقولات العشرة في بيت شعر يتضمن ذكر مثال عن كل واحد منها وهو :
قمر غزير الحسن ألطف مصره … لو قام يكشف غمتي لما انثنى
الأول : القمر : الجوهر .
الثاني : الغزير : الكم .
الثالث : الحسن : الكيف .
الرابع : ألطف : الإضافة .
الخامس : مصره : الاين .
السادس : قام : الوضع .
السابع : يكشف : الفعل .
الثامن : غمتي : الملك .
التاسع : لما : المتى .
العاشر : انثنى : الإنفعال .

مثال للمقولات العشرة
لقد جئت ببيت شعر ذي صبغة قرآنية وهو ( كتاب مثاني تبيان وحي سماوي كاشف لو نزل على جبل لما ثبت) وتقديره :
الأول : الجوهر : وهو الكتاب أي القرآن ، وقد ورد ذكره في القرآن بلغة الكتاب قال تعالى إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ لبيان أن العبادة والإخلاص فيها من أهم أفراد المقولات ، وينقسم الجوهر إلى عقل ونفس وجسم.
الثاني : مثاني ، وينقسم إلى شعبتين :
الأولى : الكم المتصل الذي يكون بين أجزائه واسطة مشتركة كالصلة بين كلمات الآية الواحدة وكأفراد الزمان .
الثانية : الكم المنفصل ، وهو الذي لا يكون بين أجزائه حد مشترك كتقسيم العدد أربعة إلى قسمين متساويين , وكالصلة بين آيات القرآن موضوعاً وحكماً .
وقد صدرت لي بخصوص سياق الآيات الأجزاء من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) :
الأول : الجزء السادس والسبعون ، ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 64-69 من سورة آل عمران.
الثاني : الجزء السابع والسبعون ، ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 70-77 من سورة آل عمران.
الثالث : الجزء الثامن والسبعون ، ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 78-84 من سورة آل عمران.
الرابع : الجزء التاسع والسبعون ، ويختص بصلة الآية110 بالآيات 85-93 من سورة آل عمران.
الخامس: الجزء الثمانون ، ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 94-102 من سورة آل عمران.
السادس : الجزء الواحد والثمانون ، ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 103-109 من سورة آل عمران.
السابع : الجزء الخامس والعشرون بعد المائة ، ويختص بصلة الآية 152 بالآية 151 من سورة آل عمران.
الثامن : الجزء السادس والعشرون بعد المائة ويختص بالقسم الأول من تفسير 153 وهو بصلة شطر من الآية 153 بشطرمن الآية 151 من سورة آل عمران..
التاسع : الجزء التاسع والعشرون بعد المائة ويختص بالقسم الأول من تفسير الآية 154 وبصلة شطر من هذه الآية بشطر من الآية 153 من سورة آل عمران.
العاشر : الجزء الواحد والخمسون بعد المائة ويختص بصلة شطر من الآية 161 بشطر من 164 من سورة آل عمران .
الحادي عشر : الجزء الثاني والتسعون بعد المائة ، ويختص بالصلة بين الآية 180 والآية 181 من سورة آل عمران .
الثالث : الكيف ، وهو تبيان .
الرابع : الإضافة ، وحي .
الخامس : الأين ، سماوي .
السادس : الوضع ، كاشف .
السابع : الفعل ، نزل .
الثامن : الملك ، على جبل .
التاسع : المتى ، لما .
العاشر : الإنفعال ، ثبت
والأولى أن تقسم هذه المقولات إلى قسمين :
الأولى : الجوهر .
الثاني : العروض ، وهي تنقسم إلى تسعة أقسام :
الأول : الكم .
الثاني : الكيف .
الثالث : الأين .
الرابع : المتى .
الخامس : الوضع .
السادس : الملك .
السابع : الإضافة .
الثامن : ان يفعل .
التاسع : ان ينفعل .
أما مسألة الرفع والنصب والجر فتعرض على الكلمة وبهيئة وحال الكلمة من الجملة كالرفع بالنسبة للفاعل ، والنصب للمفعول وهما أعم من موضوع علم النحو الذي هو الكلمة والكلام في المفردات والمركبات.
وهذا من العارض بواسطة الخارج الأخص والمراد من العارض للموضوع هو ما يلحق به ويصاحبه سواء من الأحكام الشرعية ، والأمور العرفية والإعتبار أو من الأمور الواقعية من مثل العلة والمعلول ، والملكة وعدمها .
والعوارض الذاتية هي التي تلحق الشئ بماهيته وذاته مثل الدهشة والتعجب والإنكار الذي يلحق ذات الإنسان.
مسائل كل علم
ومسائل كل علم هي الحالات التي تعرض لذات موضوع العلم نفسه ، وموضوع علم الطب: بدن الإنسان لأنه يبحث في الصحة والمرض والشفاء منه ، والأمراض اللاحقة له ومسائله هي معرفة تلك الأمراض.
وقيد الماتن بالعوارض الذاتية وقال السيد الخوئي بعدم حصرها بالعوارض الذاتية بعد فرض دخول العوارض القريبة في المهم.
فالكتابة والضحك أمران يختص بهما الإنسان بين الحيوانات لكنهما عرض متخصص به وهو غير نسبة الفعل والنفس بالإضافة إلى الجوهر ، لأن الإنسان لا يعرف بالكتابة أو الضحك إنما هما من الفصل.
وموضوع علم الفقه هو فعل المكلف أما موضوعات مسائله فهي الصلاة والزكاة والصوم والحج والخمس وهي لواحق ذاتية .
ولا مانع من القول بأن علم الفقه جامع لفعل المكلف وموضوعات التكليف تجوزاً.
وموضوع كل علم سواء كان شرعياً أو عقلياً هو الشئ الذي يكون محل بحث هذا العلم فيه .
وقال الماتن : ان موضوع كل علم وهو الذي يبحث فيه عوارضه الذاتية، أي عوارض موضوعه ، فالضمير الهاء يعود للموضوع وليس للعلم لأن العلم بالنسبة لموضوعه كالاسم للمسمى .
وقيدها الماتن بالذاتية لإرادة الأحوال العارضة للذات ، وليس العوارض اللاحقة لأمر خارج عن الذات ، وموضوع علم الفرائض ، التركات وتقسيمها وهو العلم الذي يبحث في ميراث الميت وقسمت وفق الحصص ويسمى أيضاً علم الميراث .
وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (قال : العِلْمُ ثلاثة ، وما سِوَى ذلك فهو فَضْلٌ: آية مُحْكَمَةٌ، أو سُنَّةٌ قائمةٌ، أو فَريضةٌ عَادَلةٌ)( ).
وروي مثله عن الإمام الكاظم عليه السلام ( ).
وندرس علم الفرائض اليوم ونحن عرضة لأن تقسم تركتنا وما لنا من مال ، ولكن العلم تركة باقية تقبل القسمة مع بقائه وانتفاع الجميع منه ، وعدم انحصاره بذي القربى ، قال تعالى ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ.
أقسام العوارض
والعوارض على أقسام :
الأول : العوارض الذاتية التي تلحق بالشئ لذاته كالدهشة التي تلحق ذات الإنسان ، أو كالعطش الذي يلحق الصائم .
الثاني : العوارض التي تلحق الشئ لجزئه ، كالحركة بالإرادة للإنسان.
الثالث : العوارض التي تلحق الشئ لأمر خارج عن المعروض للمعروض .
كحال الطهارة العارض للإنسان عند الصلاة .
وفي صحيحة زرارة عن الإمام الباقر عليه السلام قال : لا صلاة إلا بطهور.
والإمساك عن الأكل والشرب حال الصيام ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
غاية وثمرة علم الأصول
وفيه وجوه :
الأول : علم أصول الفقه : أصل كل شئ ما يستند ويرتكز عليه ، والأصل في الإصطلاح ما له فرع ، فلابد للفرع من أصل ومن معاني الأصل في الإصطلاح هو الدليل ، يقال أصل هذه المسألة الكتاب أي دليلها فأصول الفقه : أدلته أي أدلة علم الفقه.
الثاني : أصول الفقه هي : أدلة الفقه ، وكيف أنها تدل على الأحكام الشرعية ، واستنباط الأحكام منها ، بخلاف الأدلة الخاصة لآحاد المسائل .
الثالث : أما الأحكام الشرعية فهي ليست من موضوع أصول الفقه إنما هي ثمرة الأدلة ، والثمرة فرع وتابع للشئ.
الرابع : غاية علم الأصول على وجوه :
الأول : تحصيل ملكة الإستنباط .
الثاني : الوصول إلى معرفة الأحكام الشرعية والعمل بها للفوز بالفلاح في الدنيا ، واللبث الدائم في النعيم الأخروي.
الثالث : تطبيق قواعد علم الأصول على الأدلة التفصيلية.
الخامس : مسائل علم الأصول هي ، أحوال الأدلة التي يبحثها علم الأصول وهي الكتاب والسنة والإجماع والعقل .
السادس : مادة صدور علم الأصول التي يستمد منها وهي :
الأول : الكتاب ، وفي الثناء على القرآن ، قال تعالى هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
الثاني : السنة القولية والفعلية.
الثالث : علوم اللغة العربية .
الرابع : علم الكلام .
السابع : ثمرة علم الأصول ، وفيها وجوه :
الأول : معرفة الفقيه لطرق استنباط الأحكام ، فلا يبلغ العالم درجة الفقاهة من غير أن يعلم مبادئ أصول الفقه أي أدلته .
الثاني : التفقه في علم الأدلة الشرعية ، وفهمها فهماً صحيحاً.
الثالث : تفسير وبيان النصوص الشرعية .
الرابع : استنباط الأحكام الفقهية على الوجه الأتم ، والإمتناع عن الخطأ والزلل فيها .
الخامس : علم أصول الفقه طريق ووسيلة علمية لتفسير آيات القرآن ودلالة كلماته .
وهو يحتاج هذا التفسير .
وهل يعني هذا أن الأعلمية بأصول الفقه ، المختار لا ، إذ أن معرفة علم الكلام ، وعلم النحو والمعاني ، والحقيقة والمجاز , والمطلق والمقيد , والمجمل والمبين ، مادة وأداة لتفسير القرآن أيضاً ، ولم يقل أحد بأن مدار الأعلمية عليها ، نعم علم أصول الفقه حاجة في التفسير وفي علم الفقه وله شأن وموضوعية في الأحكام الفقهية إلى جانب علم النحو والبلاغة والكلام ، ولكل علم موضوعيته على نحو الإجمال في إحراز مرتبة الإجتهاد.
السادس : تنمية ملكة البيان والإحتجاج ، وهذا العلم من مصاديق الأحسن في قوله تعالى وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
السابع : إرادة الأجر والثواب في تعلم أصول الفقه.
الأدلة السمعية
(الكتاب والسنة ، الإجماع ، الأخبار ، خبر الواحد ، التسامح في أدلة السنن)
ومن موضوع الأدلالة العقلية ( الحسن والقبح العقليين ، أصالة البراءة ، الإستصحاب).
يرى صاحب الفصول ان موضوع علم الأصول هو ذات الأدلة بما هي مع غض النظر عن حاجتها أو عدمها ، خلافاً للمشهور الذي يرى الأدلة الأربعة كأدلة هي موضوع علم الأصول .
وصاحب الفصول هو الشيخ محمد حسين بن عبد الله الرحيم ولد في قرية إيوان كيف من نواحي دماوند على بعد ثمانين كيلو متر من طهران ، وهو الأصغر لصاحب هداية المشترشدين ، ودرس على يديه .
وانتقل إلى كربلاء وتوفى فيها سنة 1261 هجرية ، وقيل أن كتاب الفصول بمرتبة كتاب القوانين للميرزا القمي ، وهداية المسترشدين للمحقق محمد تقي الأصفهاني وهو الأخ الأكبر لصاحب الفصول توفى سنة 1248.
وصاحب فتوى تحريم التنباك الشهيرة هو الميرزا محمد حسن الشيرازي (1230-1312) هجرية لم يترك تأليفاً وتصنيفاً ولكنه انشغل بالتدريس واعداد جيل من العلماء .
وجاء في فتواه التي صدرت سنة (1309هـ 1891م) : استعمال التنباك والتوتون بأي نحو كان بحكم محاربة إمام الزمان عجل الله فرجه).
ومسألة الوضع مقدمة لغوية ، ومثلها الإستعمال للصحيح والأعم واستعمال اللفظ في اكثر من معنى واحد ، وهو الذي يسمى بالمنزل اللفظي.
بين المسألة الأصولية والمسألة الفقهية
الأولى : المسألة الأصولية مقدمة وتوطئة لأحكام الفقه وعون في تحديد الوظيفة الشرعية وفعل المكلف ، وتكون نتيجتها حكماً وقاعدة .
أما نتيجة المسألة الفقهية فهي حكم شخصي ضمن إطار الأحكام التكليفية الخمسة الواجب والمستحب والمباح والمكروه والحرام.
الثانية : القاعدة الأصولية طريق الإستنباط وعنوان الإجتهاد .
أما القاعدة الفقهية فهي من باب تطبيق الكلي الطبيعي على افراده كقاعدة اليد وهي اثبات الملكية بواسطة وضع اليد والإستيلاء والتسلط على المال ، ومن الأدلة عليها موثقة (يونس بن يعقوب عن ابى عبدالله عليه السلام في امرأة تموت قبل الرجل او رجل قبل المرأة قال: ما كان من متاع النساء فهو للمرأة وما كان من متاع الرجل والنساء فهو بينهما ومن استولى على شئ منه فهو له)( ).
وقاعدة السوق ومعنى هذه القاعدة حلية وطهارة ما يطرح في سوق المسلمين من اللحوم والذبائح والجلود والأمارة مقدمة على الأصول العملية الأربعة وهي :
الأول : البراءة .
الثاني : الإحتياط ، ويسمى (قاعدة) أو أصالة الإشتغال .
الثالث : الإستصحاب .
الرابع : التخيير ، والتي هي المرجع عند الشك .
ولا تجري قاعدة السوق إذا عارضتها بينة أو خبر الواحد ولا يكفي فيها الكتابة على الغلاف (ذبح على الطريقة الإسلامية) .
ولا ضرر ولا ضرار في الشبهات الحكمية.
الثالثة : المسائل الأصولية من اختصاص العلماء وأبحاث الدرس ووقع فيها اختلاف كثير مثل حجية الظواهر ، حجية خبر الواحد ، والتعارض والتراجيح .
أما المسائل الفقهية فهي ظاهرة للعلماء وطلاب العلم وعشاقه، لذا تستلزم القواعد الأصولية علماً مستقلاً.
الرابعة : ضابط المسألة الأصولية هو تعلقها بالأدلة التفصيلية من الكتاب والسنة والإجماع ووقوعها في طريق إستنباط الحكم وكونها جزءً أخيراً لعلة الإستدلال الإستنباطي ، وكبرى لقياس ينتج حكماً كلياً فرعياً ، مثل :
الكبرى : العبادة التي أمر الله بها واجب .
الصغرى : أمر الله عز وجل بالصلاة .
النتيجة : الصلاة واجب .
وحينما نأخذ النص ننظر في كل من :
الأول : في معاني الألفاظ.
الثاني : أبنية الكلمات.
الثالث : الإعراب وأثره في المعنى ، مثل قوله تعالى إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ، فالعلماء فاعل متأخر وهم الذين يخشون الله عز وجل.
الرابع : رجال السند ، ومدى وثاقتهم ، ويؤخذ الحديث بأضعف رجاله.
الخامس : حجية الخبر .
والأول أعلاه يتناوله علم اللغة، والثاني علم البيان .
والثالث علم النحو، والرابع علم الرجال (علم الحديث دراية).
والأخير يتكفله علم الأصول ليكون كبرى لقياس الإستنباط.
أطراف الوضع
الأول : الواضع .
الثاني : تعيين اللفظ.
الثالث : المعنى والموضوع الذي وضع له اللفظ.
الرابع : الإرتباط الخاص بين اللفظ والمعنى .
الخامس : سبب هذا الإرتباط .
قال صاحب الكفاية أنه أحد أمرين :
الأول : التخصيص به ، ولم يشر إلى من خصصه.
الثاني : كثرة الإستعمال.
يتجلى البحث في حقيقة الوضع والملائمة بين اللفظ والمعنى من جهات :
الأول : إذا تصور اللفظ في الوجود الذهني تصور المعنى .
الثاني : إذا نطق باللفظ أو سمعه السامع يتبادر إلى الذهن المعنى المخصوص ، لذا فان التبادر من علامات الحقيقة .
الثالث : إذا تصور المعنى استحضر اللفظ .
الرابع : إذا رؤي المعنى تصور واستحضر اللفظ في الوجود الذهني.
وهل هذه الملازمة الذهنية من أصل الوضع ، أم من رشحاته وآثاره ، الجواب هو الثاني.
أما الوضع فهو العلقة الوضعية ، وحال الإرتباط العرفي بين اللفظ والمعنى.
تعدد معنى الوضع في آية قرآنية
قال تعالى فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
وورد لفظ [وَضَعَتْهَا] ومعناه الولادة وكذا [وَضَعتُهَا].
ولم يرد اللفظ أعلاه في القرآن إلا في الآية أعلاه ، وهما متحدان في الرسم وبينهما بخصوص المعنى عموم وخصوص من وجه فلما وضعتها : أي ولدتها وهي نذيرة.
وهو غير الوضع بمعناه الإصطلاحي واسم أم مريم حنة ، وكانوا لا يحررون الإناث لخدمة المساجد ، لضعف المرأة وما يعتريها من الحيض والأذى ، وهل كانوا يخشون الإختلاط في الكنيسة وحدوث الإفتتان خلاف تقديس المحل ، المختار نعم.
ومحرراً : أي مخلص للعبادة.
وبينما قالت أم مريم ما في بطني محرراً .
[فَلَمَّا وَضَعَتْهَا] لبيان رضاها بأمر الله ، وولادة الأنثى ومشهور المفسرين أنها قالته تحسراً وحزناً لأنها كانت ترجو أن تضع ولداً.
والمختار خلاف هذا المعنى لما ورد حكاية على لسانها [وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى] لأن الأصل هو أن المشبه به هو الأهم والأفضل ، فلم تقل (وليس الأنثى كالذكر).
لبيان تسليمها بأن الأنثى التي وضعت أكبر وأحسن من الولد الذي سألت ، لبيان مقدمات ولادة عيسى عليه السلام من غير أب ، وفوز مريم بحديث الملائكة .
ولا ينحصر موضوع الوضع باللغة العربية ، ويمكن أن يبحث في كل اللغات ، وهل الرأي المختار في المقام يشمل كل اللغات أم أنه خاص بالعربية ، الجواب هو الأول.
ووردت أربع كلمات في هذه الآية لم ترد في غيرها [وَضَعَتْهَا] [وَضَعْتُهَا][وَضَعَتْ] سَمَّيْتُهَا.
ويحتمل الوضع وجوهاً منها :
الأول : الهوهوية التصورية : أي اندماج صورة المعنى في صورة اللفظ ، وتنزيل اللفظ منزلة المعنى ، والتنزيل في الإعتبار وليس في الواقع.
الثاني : الإقتران بين اللفظ والمعنى والذي سماه السيد الصدر بالقرن المؤكد ، واعتمده في بيان العلقة الوضعية ، وسماه المحقق العراقي مسلك الملازمة.
أي العلقة الوضعية من الأمور الأعتبارية الصرفة .
ويترشح عن الوضع والجعل والتخصيص البيان والعلاقة بين اللفظ والمعنى .
والبحث في الوضع من المبادئ التصورية اللغوية .
اختلف في علم الأصول في الوضع العام والموضوع له الخاص ، والأكثر على عدم تحققه ، قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ، وفيه إشارة إلى تعدد الرسول من البشر ، وانه لا ينحصر بشخص واحد لذا ما قيل بأن العربية وضعها يعرب بن قحطان أمر بعيد.
المشترك اللفظي
قال الماتن : الوضع نحو اختصاص للفظ بالمعنى ، وارتباط خاص بينهما ، ناشئ عن تخصيصهم به تارة ، ومن كثرة استعمال فيه أخرى .
وهو قول صحيح .
ولماذا لا يقال اختصاص المعنى باللفظ خاصة ، الجواب لوجود المشترك المعنوي بأن تشترك باللفظ معاني متعددة ووضع اللفظ الواحد لحقيقتين أو أكثر.
والأصل أن يوضع اللفظ لمعنى معين ويختص به ، فتكون دلالة اللفظ على ذات المعنى جلية للأذهان.
والمشترك اللفظي هو دلالة اللفظ على حقيقتين أو أكثر بينها تغاير مثل لفظ (العين) الذي يراد منه العين الباصرة ، والبئر ، والجاسوس ، والنقد.
واختلف الأصوليون فيه ، ومنهم من قال باستعمال المشترك اللفظي ، ومنهم من قال أنه ممكن غير واقع كاختلاف بعض المفسرين الذين خرجوا عن الإجماع في وجود النسخ في القرآن وقالوا بأن النسخ ممكن ، ولكنه واقع في القرآن ومنه آية النجوى التي عمل بها الإمام علي عليه السلام ولم يعمل بها غيره حتى نسخت .
و(عن مجاهد قال : نهوا عن مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يقدموا صدقة فلم يناجه إلا عليّ بن أبي طالب ، فإنه قد قدم ديناراً فتصدق به ، ثم ناجى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن عشر خصال ، ثم نزلت الرخصة)( ).
والنسخ في القرآن قليل، قال تعالى وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
ولا أصل للقول بأن آية السيف نسخت مائة وأربعا وعشرين آية من آيات السلم والصلح والموادعة ونحوها ، فهذه الآيات محكمات .
فمثلاً وقع الإختلاف في لفظ (قرء) في قوله تعالى وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ (عن الحسن بن محبوب ، عن عبد الله بن بكير ، عن زرارة بن أعين ، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : سمعته يقول : الطلاق الذي يحبّه الله ، والذي يطلق الفقيه ، وهو العدل ، بين المرأة والرجل أن يطلقها في استقبال الطهر بشهادة شاهدين ، وإرادة من القلب ، ثمّ يتركها حتى تمضي ثلاثة قروء .
فإذا رأت الدم في أول قطرة من الثالثة وهو آخر القروء ، لان الاقراء هي الأطهار ، فقد بانت منه ، وهي أملك بنفسها ، فإن شاءت تزوجته ، وحلّت له بلا زوج ، فان فعل هذا بها مائة مرة هدم ما قبله وحلت له بلا زوج ، وإن راجعها قبل أن تملك نفسها ، ثمّ طلقها ثلاث مرات يراجعها ويطلقها لم تحل له إلا بزوج( ).
وضعّف الشيخ الطوسي الرواية لأن ابن بكير فطحي ، وقال هذا مما رزق الله والرأي.
وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر قال (القرء بين الحيضتين)( ).
وفي صحيحة زرارة (قال : قلت لابي عبدالله عليه السلام : سمعت ربيعة الرأي يقول : من رأيي أن الاقراء التي سمى الله عزّ وجلّ في القرآن ، إنّما هو الطهر فيما بين الحيضتين ، فقال : كذب لم يقل برأيه ، ولكنّه إنّما بلغه عن علي عليه السلام .
فقلت : أكان علي عليه السلام يقول ذلك ، فقال : نعم ، إنّما القرء الطهر يقرؤ فيه الدم ، يجمعه ، فاذا جاء المحيض دفعه).
وقد يأتي اللفظ القرآني الواحد فيجمع بين قطعي الدلالة ، وظني الدلالة ، وهو من أسرار إحاطة كلمات القرآن المتناهية بالوقائع والأحداث غير المتناهية.
ولكن المشهور قال بامكانه ووقوعه
وعلم الفقه فعل المكلف والتكاليف لقانون جعل التعريف مدرسة وتعليماً وإرشاداً.
والمختار أن التلقين من الله عز وجل انقطع بآدم ولم يلق ويعلم الله عز وجل إنساناً مباشرة بعده ، بدليل قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ، أي أن النبي أو الرسول لم يأت بلغة جديدة.
وهل يمكن أن يكون الملائكة الذين علمهم آدم الأسماء كلها قاموا بتعليم أفراد أو طائفة من البشر ، الجواب لا.
وهل علم الله آدم لغة واحدة أو أكثر ، المختار هو الأول ، وبها كان يتخاطب مع الملائكة وحواء ، ومع أولاده وذريته عند هبوطه إلى الأرض ، وذكر أنه لم يغادر الأرض إلا بعد أن بلغت ذريته أربعين ألفاً.
وذات اللغة كان يتخاطب بها هابيل وقابيل قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ.

بسم الله الرحمن الرحيم(1)
(1) قانون الإبتداء بالبسملة
الإبتداء باسم الله تعالى إلتماس للبركة ورجاء للهداية والسداد في التأليف , وبرزخ دون الشطط وهو دعوة ظاهرة للتوحيد، وإشارة إلى إرادة قصد القربة واليمن ودعوة للإهتداء إلى المسائل بدقيق النظر.
وورد في بعض النصوص أنها أعظم آية في كتاب الله، وهي شعار إسلامي حاضر في كل مناسبة، وملاذ يلجأ إليه الناس , ومنهم العلماء إذ أن الحاجة ملازمة للناس جميعاً بلحاظ أن الإنسان كائن ممكن، ووجود البسملة في أول كل سورة من سور القرآن إلا براءة دعوة للمواظبة على قراءتها وتعاهدها وحفظها وملازمتها وعدم التفريط فيها لعظيم نفعها وبركاتها خصوصاً وأنها تتضمن مع قلة كلماتها ثلاثة من أسماء الله عز وجل.
وبلحاظ قراءتها في الصــلاة اليوميــة فإنها عنوان وحدة المسلمين وهذا من الإعجــاز الغيري للقــرآن، فلا يختلف إثنان من المسلمين وفي كل الطبقــات والأماكن في وجــوب قراءة ســورة أو عدة آيات مع الفاتحــة في الصلاة.
وآية بسم الله الرحمن الرحيم من وجوه تفضيل المسلمين بنزولها في أول القرآن وافتتاح السور كلها بها عدا براءة ، وتلاوة المسلمين لها في الصلاة ، وعند كثير من المعاملات والحاجات وتسليمهم بموضوعيتها في حياتهم اليومية الخاصة والعامة، وما من مسلم أو مسلمة إلا ويقر بالحاجة إلى البسملة وما لها من المنافع العظيمة.
والبسملة جزء من الإعجاز البلاغي للقرآن فمع قلة كلماتها فانها تتضمن قوة المعاني وجزالة الألفاظ والإختيار الإلهي لاسم الجلالة واسم الرحمن واسم الرحيم ، وذكر كل واحد منها ، وإجتماعها في هذه الآية أمور تستلزم الشكر لله تعالى على لطفه وفضله تعالى على المسلمين.
وهي حبل مبارك ممتد من السماء إلى الأرض يدعو المسلمين للتمسك به، ومن الآيات أن كلمات البسملة قليلة وسهلة النطق والحفظ، وخالية من غير أسماء الله تعالى، وليس فيها إلا اسم الجلالة واسم الرحمن والرحيم.
وكل واحد منها يدل على توالي النعم الإلهية، وسعة رحمة الله وتغشيها للناس جميعاً، وفيه سلامة من الغلو، وحرز من الإستعانة بغير الله، دعوة لنبذ الشرك.
وفي الدعاء عن الإمام علي عليه السلام : يا من دل على ذاته بذاته( ).
والبسملة دلالة على وجوب عبادة الله، فهي سبيل الى الهدى والتفكر بآيات الله وبديع صنعه، وتجعل البسملة قلب المسلم روضة من رياض الجنة ، وينبوعاً للخير والصلاح.
وبداية القرآن بالبسملة شاهد على أن القرآن لطف محض وفيض متصل، وتبعث البسملة الأمل في نفس المسلم عند قراءتها، لقد أنعم الله عز وجل على الإنسان ونفخ فيه من روحه ليكون هذا النفخ صلة بين الرب والمربوب، وتفضل وجعل بدايته (بسم الله الرحمن الرحيم) لتسبح روحه في عالم الملكوت ويتخذ التوكل على الله سلاحاً يقهر به الصعاب، وفي البسملة أمور:
الأول : أنها جذبة من جذبات الخالق للعبد بقيد الإسلام.
الثاني : إنها نعمة ورحمة إختص الله بها المسلمين في كل زمان ، وقد أخبرت بلقيس ملكة سبأ قولهم بكتاب سليمان كما ورد في التنزيل إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
الثالث : هي حرز من الآفات وأسباب الهلكات.
الرابع : قول (بسم الله الرحمن الرحيم) واقية ومانع من غلبة النفس الشهوية والغضبية، ومن وسوسة الشيطان.
الخامس: البسملة وسيلة سماوية مباركة للإرتقاء في مراتب المعراج.
والبسملة سر من أسرار خلق الإنسان وشاهد على تعاهد الإنسان لوظائف الخلافة بان يتلو البسملة ويجعلها بداية لعمله ومفتاحاً لقوله، وفيها تأديب للمسلمين والناس جميعاً، ودعوة لإستحضار ذكر الله تعالى في حال الشدة والرخاء.
وحينما إحتجت الملائكة على جعل آدم خليفة في الأرض لأن الإنسان يفسد في الأرض ويسفك الدماء، رد الله عز وجل عليهم بقوله سبحانه [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( )، فأذعن الملائكة مسبحين، ومن علم الله عز وجل في المقام إمتلاك المسلمين لسلاح البسملة وإبتداؤهم به في عباداتهم وأعمالهم، وهو من مصاديق الفلاح والذكر المتصل في الأرض.
وهل البسملة من مصاديق الذكر في قوله تعالى في وصف المتقينوَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ، الجواب نعم لأن البسملة نوع توكل على الله، وعزم على الشروع بما يرضي الله.
وورود البسملة في بداية القرآن من مصاديق إمامة القرآن للناس جميعاً، لما فيها من الهداية إلى الرشاد وسبل النجاة، والحث على إفتتاح الأعمال الفردية والعامة ببسم الله تعالى، وتلاوة البسملة نزع لرداء الكبرياء عن الإنسان سواء من يقوم بتلاوتها أو من يستمع لها أو يسمعها، وهي حرب على الشرك والضلالة، وسلاح سماوي لجذب الناس إلى منازل التوحيد وإخلاص العبودية لله تعالى( ).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كل أمر ذى بال لم يبدء باسم الله أو بحمد الله فهو أبتر( ).
البسملة وتقديرها ابتدأت باسم الله ، أو ابدأ باسم الله الرحمن الرحيم ، فيكون (بسم الله) في موضع نصب مفعول به .
أما على مذهب مدرسة البصرة النحوية فيكون التقدير : ابتدائي باسم الله ، فيكون الظرف الجار والمجرور خبراً للمبتدأ.
وجاء الباء في (بسم الله) للالصاق أي أن صاحب الكفاية يقول ، ابدأ باسم الله تأليف كتابي هذا ، رجاء التوفيق من عند الله لانجاز عمله على الوجه الذي يرضي الله عز وجل ، وفيه الأجر والثواب ، وهل هذا الإبتداء عون لتيسير الأمور وتنجز المطالب ، وحلّ معضلات المسائل ، الجواب نعم إلى جانب ما فيه من الثواب العظيم .
وتتضمن البسملة مع قلة كلماتها ثلاثة أسماء من أسماء الله وهي اسم الجلالة ، الرحمن ، الرحيم .
لبيان قوة المعاني وجزالة الألفاظ في آيات القرآن .
النسبة بين البسملة والتسمية
والبسملة عنوان وحدة المسلمين ، وقراءتهم لها في الصلوات اليومية وهي من وجوه تفضيل المسلمين والناس جميعاً ، وهل فيها دعوة للإيمان والتعايش المجتمعي والأمن ووسيلة لإنجاز الحاجات الجواب نعم .
ويمكن تسمية الآية آية البسملة والنسبة بينها وبين التسمية عموم وخصوص مطلق فالتسمية أعم ، ويجزي فيها (بسم الله).
وبين الذكر والتسمية عموم وخصوص مطلق أيضاً ، فالذكر أعم فكل تسمية ذكر وليس العكس .
فتكون البسملة تسمية وذكراً ، وقال تعالى أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ، لبيان المندوحة والسعة في فضل الله وامتلاء النفوس بالغبطة والسعادة عند ذكر الله.
وقد أنعم الله عز وجل على كل مسلم ومسلمة بتلاوة القرآن في الصلاة سبع عشرة في اليوم.
والتسمية في بداية كتابة الكتاب والرسالة مستحبة.
وكذا بالنسبة للتسمية في الوضوء لذا قال العلامة الحلي : هذا مذهب العلماء للإشارة إلى علماء الإسلام عامة ، وقال أحمد : أنها واجبة في الإبتداء بالوضوء.
وعن الإمام الصادق عليه السلام : إذا سميت في الوضوء طهر جسدك كله ، وإذا لم تسمه لم يطهر من جسدك إلا ما مرّ عليه الماء.
وفيه شاهد على استحباب البسملة عند الشروع في الوضوء .
وقد صدرت لنا فتوى بعدم جواز كتابة (بسمه تعالى) بدل (بسم الله الرحمن الرحيم) وفي كتابة البسملة تعظيم لشعائر الله ، قال تعالى وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا.
وعن ابن عباس (قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : بسم الله الرحمن الرحيم ، فقالت قريش : دقّ الله فاك) ( ).

الحمد لله رب العالمين(2)
وولد عبد الله بن عباس قبل الهجرة بثلاث سنوات أي أنه لم يحضر الحادثة ولكنه سمعها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو من أحد الصحابة.
والأرجح هو الثاني وتوفى سنة 68 للهجرة .
(2) قانون الحمد بعد البسملة
افتتاح خطبة الكتاب بالحمد بعد البسملة إقرار بفضل الله، وإعلان للشكر له سبحانه وتأديب للنفس، وواقية من الشطط والزلل أثناء الكتابة ومباحث الدرس، وموعظة وإظهار للشكر لله على اللسان، وإمتلاؤه بحب الله تعالى وتبين الألف واللام في (الحمد) إرادة الإستغراق وأن الحمد كله لله عز وجل على نحو الإختصاص، وأن العلم وتوثيقه بالبحث والتأليف نعمة خالصة من الله عز وجل تستلزم الشكر والثناء.
لقد اجتبى الله عز جل المسلمين بقوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وجعلهم ورثة الأنبياء، وحملة لواء التوحيد، وجعلها في بداية الكتاب ضياء للبصر وشاهد على التقيد بأحكام الشريعة في التدوين، وإرادة قصد القربة وتعظيم شعائر الله، وفيه نزع لرداء الكبر ولباس الغرور ويجعل قول (الحمد لله) حال الخضوع والخشوع لله عز وجل يتغشى إليد والقلم مثلما ينبسط على ثنايا الكتاب، قال تعالىوَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ، والحمد لله برزخ دون عذاب النار، وهو مادة للنجاة من الفزع والخوف الشديد في عالم البرزخ ويوم القيامة، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لواء الحمد بيدي يوم القيامة).
والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين(3) ولعنة الله على أعدائهم أجمعين ، وبعد فقد رتبته على مقدمة (4)
(3) الصلاة على النبي وآله باب لقبول الدعاء لانها لا ترد، وهي
مدخل كريم لتيسير الامور ومعضلات المسائل , إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا .
وصلاة الله الرحمة والثناء ، وصلاة الملائكة الدعاء والإستغفار .
و(عن سليم بن عامر قال : جاء رجل إلى أبي أمامة فقال : إني رأيت في منامي أن الملائكة تصلي عليك كلما دخلت ، وكلما خرجت ، وكلما قمت ، وكلما جلست ، قال : وأنتم لو شئتم صلت عليكم الملائكة ، ثم قرأ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ))( ).
روي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ما من دعاء إلا بينه وبين السماء حجاب حتى يصلى على محمد وآل محمد، وإذا فعل ذلك انخرق الحجاب، فدخل الدعاء، وإذا لم يفعل ذلك لم يرفع الدعاء( ).
والصلاة على محمد وآله موضوع لزكاة الأعمال، فجاءت بعد البسملة والحمد لله لرجاء التوفيق في التأليف والبيان.
(4) المسائل الواردة في المقدمة ليست من المسائل الأصولية ، ومصاديق علمها ، انما هو مدخل جاء للتعريف والبيان فلذا اطلق عليها الماتن المقدمة.
وتتناول المقدمة ذكر الموضوع وبيانه، وهي وان كانت خارجة عن مسائل علم الاصول الا انه يحتاج اليها في فهم المسألة الاصولية واحكام علم الاصول .كما انها توسع مدارك طالب العلم والمحقق، وموضوعها اعم من ان ينحصر بعلم الاصول، وتتضمن المقدمة ثلاثة عشر أمراً وهي :
الأولى : موضوع كل علم وعوارضه.
الثانية : الوضع.
الثالثة : استعمال اللفظ بما يناسبه.
الرابعة : صحة اطلاق اللفظ.
الخامسة : وضع الألفاظ أزاء معانيها.
السادسة : عدم التباين بين وضع المركبات والمفردات.
السابعة : التبادر أي تبادر المعنى وانسباقه الى الذهن .
الثامنة : إذا تعارضت أحوال اللفظ واحتمالها يكون ترتيبها كالآتي :
الأول : التخصيص .
الثاني : المجاز .
الثالث : الإشتراك .
الرابع : النقل .
الخامس : الإضمار .
والصيرورة لها من المعنى الحقيقي عند القرينة .
التاسعة : الحقيقة الشرعية وعدمها.
العاشرة : الصحيح والاعم.
الحادية عشرة : البحث عن المشترك اللفظي.
الثانية عشرة : جواز استعمال اللفظ في اكثر من معنى والاختلاف فيه.
الثالثة عشرة : المشتق وهل يتعلق بتلبس المبدأ بالحال أو يشمل معه ما انقضى عنه.
والمختار قد يجتمع المعنى الحقيقي والمجاز في معنى لفظ قرآني متحد ، وهذا العلم نستحدثه هنا وفي أجزاء كتابنا الموسوم (معالم الإيمان في تفسير القرآن) والذي صدرت منه (263) جزءً والحمد لله .
ومقاصد(5) وخاتمة(6). أما المقدمة ففي بيان أمور: الاول إن موضوع كل علم، وهو الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتية – أي بلا واسطة في العروض (7).
(5) والمقاصد هي:
1ـ الاوامر والنواهي.
2ـ المفاهيم.
3ـ العام والخاص.
4ـ القطع.
5ـ الظن.
6ـ البراءة والاشتغال ونحوه.
7ـ التعادل والتراجيح.
(6) الخاتمة في الإجتهاد والتقليد.
(7) موضوع علم الأصول
لابد لكل علم من موضوع ولا عبرة بالقليل النادر الذي قال ليس لعلم الأصول موضوع، والعلم يكون له كالاسم للمسمى، والعنوان للمعنون فليس موضوعات العلم من مقوماته فقط بل هي سور جامع لها والهاء في (عن عوارضه ) أي عوارض موضوع العلم وليس ذات العلم لذا لا يتميز كل علم عن بقية العلوم بنفسه.
وموضوع العلم متعدد بتعدد مسائله وانشطاراتها وفروعها، ففعل المكلف موضوع لعلم الفقه، والكلمة العربية والجملة موضوع لعلم النحو.
والمراد من العرض هنا هو العرض المنطقي أي الخارج عن ذات الشئ والمتحد معه في الخارج ويقابله الذاتي وليس هو العرض الفلسفي الذي يقابله الجوهر ونسبة الموضوع إلى موضوع مسائله نسبة الكلي إلى مصاديقه والعوارض مثل الماشي والضاحك باتحاده مع الإنسان في الخارج .
ان مبحث موضوع العلم يجب ان لايقود الى حصره لا سيما بلحاظ الفروع المتعددة المتباينة التي يشترك فيها أكثر من موضوع.
وموضوع علم الأصول هو الأدلة الأربعة أي الكتاب والسنة الإجماع والعقل بوصف الحجية ومنهم من قال بذاته، واشكل عليه بان موضوعه أعم منها فيشمل حجية الأمارات الظنية ومسائل الأصول العملية ومبحث الضد وحجية الظهور ونحوها ولكن الكتاب والسنة يدلان عليها.
فعلم الأصول يبحث في كيفية تعيين وظيفة المكلف الشرعية فهو مقدمة لعلم الفقه كما انه آلة الإجتهاد وبدايات طريق ومنتهى مستلزمات الإستنباط وعلومه لذا فان المسائل الأصولية محصورة في مباحثها بالعلماء بينما يدرك القواعد الفقهية العالم وغيره.
تعريف علم الأصول
يعرف علم الاصول بانه العلم بالقواعد الكلية المهمة لاستنباط الاحكام الشرعية الكلية، ويعرفه صاحب الكفاية بانه صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن ان تقع في طريق استنباط الاحكام أي انه صناعة نظرية لوضع القواعد الكلية واستخراجها من ادلتها، كالملازمات العقلية مثل التحسين والتقبيح العقليين ، او تعبداً كحجية الأمارة.
واشكل على مثل هذا التعريف بان بعض مواضيع علم الأصول لا تقع في طريق الإستنباط وانما هي وظيفة الجاهل، لكي لا يبقى متحيراً كالأصول العملية وحجية الظن، اذ ان الجاهل بالحكم يعلم انه مكلف ولكنه لا يعلم على وجه التعيين ما هي وظيفته فيلجأ الى حكم العقل للأمن من العقاب بعد العلم الإجمالي بالتكليف، فلذا وسع التعريف ليشمل ما يصل اليه الفقيه بعد الفحص واليأس عن الدليل ليشمل مسائل الأصول العملية وهي:
الأول : الإستصحاب .
الثاني : البراءة .
الثالث : الإشتغال .
الرابع : التخيير.
والأصول العملية اصطلاح وموضوع واختص به الأصوليون من الإمامية ويسمى الوظيفة العملية يلجأ اليها المجتهد عند غياب الدليل.
فتكون أصالةالبراءة العقلية مثلاً من الدليل العقلي واللجوء إلى أصالة البراءة الشرعية مع التداخل بين أصالة البراءة والإشتغال.
ولكن الأصول العملية لا ترقى إلى مرتبة الكتاب والسنة والإجماع إنما هي فرع منها ، وإذا تعارضت معها فلابد من طرحها.
وكعادة العلماء في كل علم يقفون كثيراً عند تعريف العلم ويناقشون فيه بلحاظ مسائله وغاياته، ومنهم من يجتهد في اثبات عدم شمول التعريف لمصاديق العلم فكذا في ابوابه ومنهم من جاء بألف بيت من الشعر في بيان الفارق بين العوارض الذاتية والعوارض القريبة.
وذهب صاحب الفصول الى القول بان موضوع الأصول هو ذوات الأدلة الأربعة وهي الكتاب والسنة والإجماع والعقل فيكون البحث عن حجيتها ودليلها بحثاً عن العارض.
وأشكل الماتن عليه وقال ان موضوع علم الأصول هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله المشتتة لا خصوص الأدلة الأربعة بالذات او بما هي أدلة ، ولعل هذا القول اجمال لمصاديق موضوعاته , وهل يمكن الجمع بين القولين كالجمع بين المجمل والمبين، الجواب: لا، لأن الإجمال جاء بعد البيان ، ولأنه بصدد الإشكال على التعريف.

مسائل خارج التعريف
ومن اكثر المسائل التي اثيرت عليها الإشكالات في علم الأصول تعريفه بانه خصوص الأدلة الأربعة لأن كثيراً من مباحثه اللفظية لا ترجع الى الأدلة الأربعة مثل :
الأولى : مسألة حجية خبر الواحد .
الثانية : مسألة التعادل والتراجيح .
الثالثة : الإستصحاب .
الرابعة: الأمر والنهي .
الخامسة : مقدمة الواجب .
السادسة : اجتماع الأمر والنهي اذ انها تكون من المبادئ التصورية او التصديقية او من مبادئ الأحكام التي اضيفت لعلم الأصول.
ويمكن ان يدرج خبر الواحد في عوارض السنة سواء كانت قولاً او فعلاً او تقرير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمعصومين عليهم السلام .
وقد اطال الأصوليون البحث في تعريف علم الأصول واوردوا الإشكالات الكثيرة على كل تعريف له، الا ان التعريف يتقوم بأمرين:
الأول: الصورة الذهنية للمعرَف وهو من العلم التصوري لأنه عبارة عن تصور اللفظ تصوراً اجمالياً.
الثاني: تمييزه عن غيره بالحد التام، وهذا لا يعني الإحاطة الدقيقة باوصاف جميع مصاديقه واجزائه فانها امر متعذر، بل يكفي ذكر الخواص المميزة التي تكشف عن حصر الأفراد بالملازمة البينة بالمعنى اللأخص.
خصوصاً وان التعريف يحصل عادة لأهل الإختصاص والمعرفة وتعريف علم الأصول بانه خصوص الأدلة الأربعة وان احتاج الى بيان واضافة الا انه لا يعد من التعريف الخاص الخفي، كما انه ليس من التعريف بالأهم او المثال او من الطريقة الإستقرائية التي تبتنى على الإكثار من الأمثلة لوصول المتعلم الى المفهوم الكلي او القاعدة، وهو لا يخرج عن شرط تساوي التعريف مع المعرف.
بين الحد والرسم
والتعريف اذا كان بالفصل يسمى حداً وان كان بالعرض الخاص يسمى رسماً , وكل منهما ان كان مع الجنس القريب فتام والا فناقص.
وكأن القائل بالدقة وعموم التعريف يريد التعريف بالذاتيات المتكثرة للعلم وموضوعاته كالذي لا يكتفي بتعريف الإنسان بانه حيوان ناطق، بل يريد ان يقال في تعريفه انه جوهر جسم نام متحرك حساس ناطق، وشاع بين الأصوليين ان دلالة الإلتزام مهجورة في الحدود، والماتن اشكل على التعريف ووضع تعريفاً آخر ولكنه غير واف.
ويمكن ان نعرف علم الأصول بانه العلم بالدليل متحداً أو متعدداً وما يقع في طريق استنباط الحكم الشرعي، وبالذكر الخاص وايجاد عنوان آخر ملحق بها لكل ما يصلح لإستنباط الحكم، فتدخل فيه الأصول العملية.
وناقش النائيني بان البحث عن ثبوت الموضوع بمفاد كان التامة ليس بحثاً عن عوارض الموضوع، فان البحث عن العوارض يرجع الى مفاد كان الناقصة أي ثبوت شيء لشيء، لا البحث عن ثبوت الشيء.
والحق ان خبر الواحد من عوارض السنة والمقدمات القريبة لمعرفتها وان قلنا بان السنة ليست الا نفس قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمعصوم وفعله وتقريره وان البحث بها اعم من الذات والدليلية .
مع عدم التزامنا بان علم الأصول منحصر بالأدلة الأربعة فهو اعم منها ولو على نحو الاستطراد والإضافات التي تستلزم التوسعة في التعريف ليشمل كل ما يقع في طريق استنباط الحكم الشرعي، او ما يؤدي إلى الحكم الواقعي أو الحكم الظاهري فمسائل علم الأصول تقع كبرى لقياس الإستنباط.
وبينما ذهب الفارابي وابن خلدون ألى إحصاء العلم( )، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للدلالة على سعة العلم وانشطار أبوابه بقوله (العلم اكثر من ان يحصى)( ).
ولا حاجة الى الإستطراد بالمصاديق والبحث عن عدم شمول التعريف لها بالدقة العقلية، فمسألة حجية الظن يمكن ان تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي لأنه نوع من الإمارة، وقد يثبت بها الحكم تعبداً.
المحل على قسمين
والموضوع المحل المتقوم بذاته والذي يكون مقوماً لما يحل فيه , والمحل على قسمين :
الأول :الذي يتقوم بالحال ويسمى المادة، كما لو قلنا ان الجسد محل يتقوم بالروح، والنهر وعاء أرضي يتقوم بالماء، فحينما يحل به الماء يصبح نهراً، وبدون الماء يكون شقاً في الأرض.
الثاني : الذي يقوم الحال وهو الموضوع، كما في الجملة اذ تقوم الكلمة واعرابها من خلال محلها من الفاعلية او المفعولية ونحوهما وهناك نوع حاجة وملازمة بينهما فكل منهما يحتاج الآخر.
اما العرض فهو ما يطرأ على الجواهر ولا يتقوم بذاته بل يكون صفة لغيره وهو معنى قائم بغيره، كالألوان والروائح والحياة والإرادة والعلوم.
أقسام الموضوع
والموضوع في علم المعقول مثلاً هو الوجود، وينقسم الى :
الأول : واجب الوجود .
الثاني : الممكن .
والممكن ينقسم الى الجوهر والمقولات العرضية التسعة ، اذ ان الممكن اذا استغنى في وجوده عن الموضوع فهو جوهر، والا فهو عرض لأن العرض قائم بالموضوع كما تقدم.
وموضوع علم الفقه هو فعل المكلف ، وفق الأحكام التكليفية الخمسة وما فيها من الأوامر والنواهي، وهي لواحق ذاتية لما فيها من الإقتضاء والتخيير والترك والوجوب والحرمة .
وموضوع علم النحو الكلمة والجملة أي المفردات والمركبات من جهة الإعراب والبناء والحيثيات المناسبة لموضوعات المسائل فبلحاظ الفاعلية تكون الكلمة مؤهلة للرفع، وبلحاظ المفعولية للنصب ، والجر بالنسبة للمضاف اليه ونحوه من عوارض الكلمة التي هي موضوع علم النحو.
فلذا قال الماتن ان العلم يبحث فيه عن عوارضه الذاتية أي ما يلحق مصاديقه الكلية، وهكذا بالنسبة لسائر العلوم.
والصحة والفساد من الأمور الاعتبارية وقد فرق بين العوارض والعروض اصطلاحاً، ذهب المصنف الى القول “بأن موضوع كل علم هو الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتية”، وذكر ان العوارض تشمل المحمولات ايضاً سواء كانت عرضاً او لا .
وذكر التفتازاني في التهذيب ان موضوع كل علم هو ما يبحث فيه عن اعراضه الذاتية، ولكن النزاع لفظي .
ويحمل كلام التفتازاني على المعنى اللغوي للعرض، وهو اللاحق للشيء والطارئ عليه ، وهو اخص من العارض ، والأولى توحيد اصطلاحات علم الأصول.
وهناك فرق بين العرض والعرضي .
فالأول المباديء المتأصلة كالبياض والسواد.
والثاني: الأمور الإعتبارية كالزوجية والملكية كما عن الماتن في تقسيمه، ومنهم من جعل الأمور الإعتبارية ليست من العرضي المصطلح ومنه المشتق من المبدأ .
والعوارض : جمع عارض وهو مطلق الخارج عن الشيء الحال فيه ويكون اعم من العرض كالأبيض والأسود والضحك.
وقيد العوارض الذاتية للموضوع (انها بلا واسطة في العروض) فنفى الواسطة وعلى نحو مقيد أي نفاها في العروض لإخراج العرض القريب وهو ما كان عروضه لموضوع العلم بالإسناد اليه بالعرض والمجاز.
وحجية خبر الواحد من العرض الذاتي لأن مدار الحجية على الخبر، وان كان بواسطة الجعل الشرعي والرجوع الى الدليل من الكتاب والسنة.
أقسام الواسطة
والواسطة على ثلاثة اقسام :
الأول : الواسطة الثبوتية : وهي العلة لوجود شيء، كعلية النار للحرارة، والجماع للإنجاب والسعي للكسب.
الثاني : الواسطة الإثباتية : وهي علة العلم بوجود الشيء، كعلية طلوع الحمرة المشرقية على طلوع الفجر الصادق.
الثالث : الواسطة العروضية : وهي واسطة تجعل العرض يسند الى غير معروضه على نحو المجاز كحركة الراكب في السيارة او السفينة وما تعكسه المرآة من الصورة او الضوء .
والعرض الذاتي هو ما يعرض لذات الشيء بلا واسطة في العروض، وليس بين وجوده ووجود معروضه أمر وجودي آخر وان كانت هناك واسطة في الثبوت لا اصلاً .
والمراد من الواسطة في العروض هو تعددها وعدم طروها على الذات مباشرة، .
فالعرض اولاً وبالذات يكون للواسطة ويحمل عليها، ثم بالعرض يعرض لذي الواسطة ويحمل عليه .
فحركة الراكب في القطار تكون الحركة اولاً وبالذات للقطار وتستند اليه ثانياً وبالعرض تعرض للجالس، وتستند اليه، وتحمل عليه من قبيل الوصف بحال المتعلق فهو من العرض القريب.
وهو ما كان عروضه على الشيء مجازياً وبواسطة امر مباين مثل نعت راكب الفرس بالسرعة، فهو يسمى عرضاً غريباً لأن السرعة في الواقع تتعلق بحركة الفرس .
والوصف تعلق بامر خارجي فتكون نسبة العرض له مجازاً والذي يعرض بامر مباين كالسمرة الحاصلة بسبب حرارة الشمس وكالحرارة العارضة للماء بسبب النار ، وكالنصب للكلمة بسبب المفعولية.
بين العرض الذاتي والقريب
مسائل العلم من العارض الذاتي وليس القريب لأنها مما يعرض للشيء لذاته من غير ان يكون في البين أمر وجودي يكون معروضاً له اصلاً ثم يكون له ثانياً وبالعرض.
وقيل بـ”ان الوجوب والحرمة من العرض القريب لأنهما يعرضان الأفعال بواسطة أمر مباين وهي المصالح والمفاسد”، ولكنهما داخلان في العرض الذاتي ولا يضران بكون عروضهما بالواسطة.
واذ يقسم العرض الى قسمين ذاتي وقريب فان العرض الذاتي على قسمين:
الأول: ما لم تكن في البين واسطة، كادراك الضروريات، لذا ليس فيها تقليد لإدراك الإنسان للكليات، لأنه من لوازم ذاته ووظائف العقل، فتعرض على الإنسان بلا توسط شيء اصلاً.
الثاني: وجود واسطة ولكنها ليست في العروض بل في الثبوت، كالضحك والبكاء الحاصل للإنسان فهو منتزع عن مقام الذات بواسطة ادراكه الكليات، ومنهم من جعل الضحك العارض للإنسان من العرض القريب لأنه يحصل بواسطة التعجب ونحوه، بعد ان اتفقوا على الكبرى وهي ان العرض الذاتي هو ما تقتضيه نفس الذات وما لا يصح سلبه عن الموضوع وان كان العروض بالواسطة .
أما العرض القريب فهو ما يصح سلبه عنه وان لم تكن هناك واسطة وان وصفه ليس بلحاظ الحال، ومنهم من قال أن ما يعرض للشيء لجزئه الأعم أو الأخص يكون من العرض القريب.
والماتن يقول بان المناط في العرض الذاتي هو عدم الواسطة في العروض، والظاهر ان مراده اعم مما يعرض للشيء لذاته وبلا واسطة اصلاً، الذي عليه الإجماع بانه عرض ذاتي.
فاكثر مسائل العلم تكون الواسطة فيها امراً مبايناً فمثلاً قول : خبر الواحد حجة” فالواسطة في ثبوت الحجية هي الجعل التشريعي وهو مباين للخبر، لأن الحجية جزء من الموضوع.
وكذا في تعريف المنطق بأنه آلة قانونية تعصم مراعاتها الفكر عن الوقوع في الخطأ، فهذه العصمة لا تتعلق بذات المسائل بل بتطبيقها وجعلها موضوعاً للإستنتاج والقياس، وكذا في مسائل الفقه فبعضها من مقولة الجوهر مثل (الماء طاهر مطهر) ومنها ما هو عرض مثل أفعال المكلفين، ولكن يوجد جامع عرضي ولو من قبيل المفاهيم العامة كمفهوم شيء.
ويمكن القول: ان العلم من جهة التعريف من الكلي المشكك فمنها ما ينطبق عليها تعريف جامع، ومنها ما يحتاج الى التوسعة لتشعب مسائله ومحمولات المسائل وهي ليست من العواض الذاتية، وان علم الأصول من العلوم التي جمعت مسائل مشتتة مختلفة الموضوعات والمحمولات.
ففي الصلاة يكون معروض الوجوب فعل المكلف من حيث قابليته للحوق الأحكام الشرعية، فوجوب الصلاة بما هي فعل للمكلف بهذه الخصوصية والحيثية المنصوصة .
وموضوع علم النحو ليس هو الكلمة لا بشرط ومن حيث هي، بل من حيث قابليتها للحوق الإعراب بها .
ومنهم من قال بعدم وجود موضوع للعلم وان بعض العلوم تتعدد فيها المسائل وتتباين، فموضوع علم الفقه مثلاً الفعل تارة، والترك اخرى،

هو نفس موضوعات مسائله عينا، وما يتحد معها خارجا(8)
والوضع او الكيف، فيتعذر ايجاد جامع بين موضوعات مسائله، ولكن موضوع علم الأصول هو الأدلة التي تقع في طريق الإستدلال الفقهي بما هي ادلة وان تغايرت من جهة الماهية، فالتمايز يحصل بين علم الهندسة والطب مثلاً لأن كلاً منهما يختص بموضوع كلي يتميز عن موضوع الآخر.
(8) من غير ان يقيد بشرط، فقد تكون الماهية بشرط لا، وتسمى المجردة أي بشرط ان لا يقارنها شيء من العوارض والإعتبارات، والماهية لا بشرط (المطلقة) فهي مغايرة لجميع ما يعرض لها من الإعتبارات، فصفة الإنسانية ليست واحدة والا لما صدقت على الكثير.
تمايز العلوم
وكل علم له ماهية مركبة حقيقية وله أجزاء خارجية بالفعل تتمثل في تعدد مسائله، واختلف في تمايز العلوم على وجهين:
الأول: انه بتباين الموضوعات وهو المشهور.
الثاني: انه بتمايز الأغراض.
واشكل على الثاني بانه لا موضوع في البين ولا تصل النوبة الى تمايز العلوم بتمايز الأغراض مع وجود مائز ذاتي في الرتبة السابقة على الغرض.
وكأن الماتن اراد الإعتراض على ما ورد في علم الميزان بانه قد يكون موضوع العلم مغايراً لموضوع مسائله، وان اتحادهما هو فرع القول بان موضوع العلم ما يبحث عن عوارضه الذاتية ، بلحاظ ان المغايرة تؤدي الى عدم جعل محمولات المسائل اعراضاً ذاتية لموضوع العلم .
ولم يتابع الماتن المشهور بالقول بان تمايز العلوم بحسب الموضوعات، والذي خالف المشهور قال بان التمايز بالأغراض التي لأجلها دونت العلوم، فعلم النحو لحفظ المقال من الخطأ واللحن، والمنطق لصيانة الفكر عن الخطأ، وعلم الأصول لإستنباط القواعد الكلية للأحكام الشرعية، وقال – أي الذي خالف المشهور – بانه لو كان التمايز في الموضوعات للزم تداخل العلوم فيما بينها لأن عدة علوم تلتقي بموضوع واحد، وهذا الإشكال مردود فلو التقى علمان او أكثر بموضوع واحد فانهما يختلفان بالحيثية.
واشكال الماتن على ما ذهب اليه المشهور من التباين والتمايز بالمواضيع بان يلزم تدوين علوم متعددة بتعدد ابواب العلم لأنها مختلفة باختلاف المواضيع والمسائل .
فالموضوع في باب الصيام غير الموضوع في باب الصلاة والمعاملات، كل منها مستقل وهكذا بالنسبة لأبواب الفقه، وكذا بالنسبة للنحو فان باب الفاعل غير المفعول والمضاف اليه .
وكذا في علم الأصول فان الموضوع في باب الألفاظ غير الموضوع في باب حجية خبر الواحد، والأصول العملية وهكذا.
وقد اشكل على تعريف العلم بان البحث في مسائل العلم اعم من عوارضه الذاتية، فان البحث عن حجية خبر الواحد ليس بحثاً عن العوارض الذاتية للخبر فحجيته من جعل الشارع وليس بعوارضه الذاتية، ولكن الرد على هذا الإشكال بان مسألة حجية خبر الواحد تتعلق بالحجية والخبر معاً وليس الخبر وحده.
وذهب الشيخ الأنصاري الى القول بلزوم توسعة العرض الذاتي حتى يكون البحث في مسائل العلوم بحثاً عن العوارض الذاتية لموضوعاتها.
فالعلم سور جامع لمسائله للإدراك وللملكة الناتجة عن الكسب وطول المزاولة ولأنه ينحصر بمسائله كعلم الأصول فهو خاص بمسائله، وعلم النحو وهو خاص بالمسائل التي تتعلق بالكلمة اعراباً وبناءً.
ان الإلتفات الى موضوعية الجهة والحيثية يؤدي الى انتفاء تغاير موضوع العلم مع موضوعات المسائل، فالكلمة تصلح ان تكون موضوعاً لعلم النحو والبلاغة والصرف بحسب الحيثية وقابليتها لنوع العوارض فبلحاظ الإعراب والبناء تكون موضوعاً لعلم النحو .
وإن كان يغايرها مفهوما، تغاير الكلي ومصاديقه، والطبيعي وأفراده (9).
وبلحاظ صحة النطق واعتلال اللفظ تكون موضوعاً لعلم الصرف وبحسب البيان والظهور تكون موضوعاً للفصاحة.
وبلحاظ السياق والتعبير والذوق تجعل موضوعاً للبلاغة، لذا قيل ان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، وتمايز الموضوعات بتمايز الحيثيات، واشكل على الفقرة الأخيرة بان زيادة الحيثية لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا معنى لهذا الإشكال فان العبارة بيانية توضيحية وليست قيداً احترازياً.
ويمكن القول ان التمايز بالموضوع ولكن صفة الموضوع تنبثق من دلالتها الجهتية الخاصة، فليس الكلمة هي موضوع علم النحو او البلاغة، بل إعراب الكلمة هو موضوع النحو وبناؤها وتركيبها هو موضوع علم الصرف ، وحسن التعبير والنطق هو موضوع علم البلاغة، فكما تنشطر العلوم وتتعدد فكذا تنشطر المواضيع وتتعدد.
فان قلتَ: ان البناء والإعراب والفصاحة لا تصلح ان تكون مواضيع لأنها لا تكون محلاً لما يحل بها، قلتُ: انها مواضيع على نحو الإعتبار تمتلك الأهلية للتبدل ولها كيان مستقل.
(9) العلم سور لمسائله
يكون العلم سوراً جامعاً لمسائله ومحيطاً بها وان تشعبت وتعددت وهو كالعنوان للمعنون ، والاسم للمسمى على القول بان الاسم غير المسمى وهو المختار، وكمغايرة مفهوم طالب العلم لمفهوم افراده كسيد فلان وشيخ فلان، وان كان المفهوم هو عين أفراده الخارجية.
والكلي هو المفهوم او الموجود الذي لم يمنع نفس تصوره عن وقوع الشركة فيه، والكلي الطبيعي هو نفس الماهية او المأخوذة لا بشرط شيء
موجود في الخارج، والكلي المنطقي عارض للماهية.
وهل يمكن القول بان قول الماتن قياس مع الفارق، وان نسبة الكلي الى
والمسائل عبارة عن جملة من قضايا متشتتة، جمعها اشتراكها في الداخل في الغرض الذي لاجله دون هذا العلم، فلذا قد يتداخل بعض العلوم في بعض المسائل، مما كان له دخل في مهمين، لاجل كل منهما دون علم على حدة، فيصير من مسائل العلمين (10)
اجزائه تختلف عن نسبة العلم الى مسائله لأن الكلي الساري متحد في وجوده وماهيته مع مسائله التي هي عبارة عن مجموع وجوداته وكثرتها.
الأقوى لا، لأن العلم كالعنوان الإشــتقاقي من موضـوع مسائله وهو امر انتزاعي لمجموع مصاديقه، وذكر الكلي ومصاديقه على نحو الوصف البياني.
(10) وهذا القول لا يتعارض مع الضابطة الكلية وهي ان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات .
فالجامع بين المسائل هو الغرض والحيثية وليس الوضع، فمثلاً البحث في الصيام بلحاظ اللغة يدخل في علم اللغة والنحو .
ومن جهة الهلال وحكمه يتعلق بالفلك والحساب ، قال تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.
وأخرى من وجوبه وفعل المكلف يكون من علم الفقه .
وأخرى من جهة العلم بالقواعد الكلية باحكامه فيكون من علم الأصول.
وبلحاظ الابدان تظهر منافعه الصحية ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (صوموا تصحوا)( ).
ولذا وردت زيادة قيد الحيثية وان اشكل عليها، اذ ان الحيثية تقييدية لا تعليلية.
ويمكن القول ان موضوعات العلوم قد تقع على الجزئيات والحيثيات أي ان الموضوعات المتعارفة تنحل بلحاظ العلم الى عدة موضوعات وان كانت عرفاً واحدة، فالكلية بلحاظ تقسيم العلوم لم تكن موضوعاً واحداً، فموضوع النحو بناء واعراب الكلمة وليس ذاتها، وعلم المعاني حلاوة وجمال اللفظ وفصاحته وليس ذات الكلمة.
فالكلمة مثلاً تنحل الى عدة جزئيات وحيثيات كل منها يتعلق به علم خاص من غير ان يكون بين هذه العلوم تداخل وان قيل به فانه لا يمنع من استحقاق صفة العلم للإستقلال.
فعلم النحو يتعلق بحالة الإعراب والبناء للكلمة، وعلم المعاني يتعلق بها من جهة الفصاحة والبلاغة، وما ذهب اليه المشهور من التمايز بين العلوم بلحاظ الموضوعات، وليس الأغراض هو الأنسب .
ولا يمنع من التقاء الأمرين معاً أي التمايز بسبب التباين في الموضوع تارة، واخرى بالغرض واخرى بهما معاً ان وصلت النوبة لهذا الإشتراك .
تمايز العلوم بلحاظ الأغراض
وقال الماتن لإثبات ان التمايز بلحاظ الأغراض وليس موضوعات العلوم واشتراكها في الدخل في الغرض الذي لأجله دون هذا العلم، فالغرض في علم الفقه وهو احكام ومبادئ ليأتي العبد بالفرائض والطاعات وفق المأمور به .
وكذا في تدوين مسائل النحو في تقسيم الكلام الى اسم وفعل وحرف، ورفع الفاعل ونصب المفعول به ونحوه فهي وسائل لحفظ اللسان من الخطأ واللبس وعدم افهام المعنى وهذا هو الغرض من علوم العربية.
فلذا قد تتداخل عدة علوم في بعض المسائل مما كان له دخل في مهمين ، لأجل كل منهما دوّن علم على حدة، فيصير من مسائل العلمين فاقراره بان في البين مهمين وغرضين، يفيد التغاير وعدم التداخل بين العلوم وان أصل الموضوع واحد، ثم ان التغاير في الغرض لا يعني بالضرورة التمايز به لأن العلم أعم، وقد تجتمع من اجل البيان والتفصيل ولحاظ الحيثية .
والمسألة تتكون من أمرين :
الأول : أصل موضوعها.
الثاني : حيثيتها التي تصلح ان تكون موضوعاً مستقلاً بذاتها.
والالتقاء بين العلوم على أصل الموضوع لا يعني التداخل بين العلوم، فالمسجد اصل الموضوع ولكنه تارة يتخذ للصلاة فتتعلق به احكام الصلاة ويدخله المصلون، واخرى يكون محلاً للدرس فلا يحضر الا الطلبة وتارة محلاً مباركاً للإفتاء فلا تداخل بينها بل حتى اذا كان الطلبة يحضرون للصلاة فيه فلا يعني التداخل لأنهم يأتون في هذه الحال كمصلين وليس كطلبة فيختلف العنوان، وفي الدرس يأتون كطلبة وربما يأتون للفتوى او الحكم، فالموضوع لا ينحصر بالمسجد بل بالحيثية والوظيفة.
وكذا بالنسبة للكلمة فالمائز ظاهر بين علم النحو وعلم المعاني مع ان أصل الموضوع واحد وهو الكلمة، ولكن الأول يتعلق باعرابها، والثاني بالفصاحة والبلاغة، فذات المسألة لا تكون من مسائل كل من العلمين.

لا يقال: على هذا يمكن تداخل علمين في تمام مسائلهما، فيما كان هناك مهمان متلازمان في الترتب على جملة من القضايا، لا يكاد انفكاكهما (11).
(11) تداخل مسائل العلوم
ولا تصل النوبة الى ما ذهب اليه الماتن وان نفاه وهو تداخل علمين في تمام مسائلهما لأن موضوع كلامه واستدلاله تعلق بمسأله واحدة على نحو الإهمال.
والوجود أعم من الإيجاد أو عدمه، وتعلق غرضين في ذات المسألة لا يعني ان كلا العلمين يشتركان في جميع مسائلهما مع قولنا بأنه لا اشتراك بينهما اصلاً للتباين في الحيثية والجهة وتأثرها بنوع الموضوع لأنه سيكون مقيداً بها، وللتباين أيضاً في الغرض.
فمسائل كل علم لا تدون مرة أخرى في مسائل العلم الآخر ، وهذا المائز هو الذي جعل العلوم تتشعب ، وكل منها يستقل بمسائله ، والعلوم فيما بينها تتعلق بها النسب المختلفة فتارة يكون احدهما اعم فيكون بينهما عموم وخصوص مطلق كعلم الطبيعي والطب، او الطب العام والطب الإختصاصي، وتارة يكون بينهما عموم وخصوص من وجه كالنحو والبلاغة فانهما يلتقيان في موضوع الكلمة ولكنهما يفترقان في الحيثية، وقد يلتقيان في الغرض بمعناه الأعم من حيث صيانة اللسان وتقويم النطق.
فكأن الماتن يرد على الإشكال بتداخل علمين في تمام مسائلهما بسبب التداخل ووجود غرضين مهمين مترتبين على مجموعة من المسائل وقال انه
بعيد بل ممتنع عادة فمع التداخل في جميع المسائل لا يحسن تدوين علمين مستقلين، اما لو كان التداخل في بعض المسائل فلا مانع عند العقلاء من تدوين علمين.
والإشكال الذي اثاره الماتن على التمايز بالموضوع بالتداخل بين الموضوعات يرد ايضاً على قوله بان التمايز بين العلوم بالأغراض.
ومن فوائد البحث العلمي اننا ننتفع من القولين او الأقوال المتعددة للمتقدمين والمتأخرين ونختار الأفضل ان استطعنا الوصول اليه، وكذا بامكاننا الرد على المتأخر في اشكاله على المتقدم.
والنزاع صغروي بعد ثبوت العلوم والتعارف والتسالم على تقسيماتها.
المبادئ التصورية والتصديقية
لكل علم مبادئ تصورية وتصديقية :
الأول : المبادئ التصورية : هي التي يتوقف عليها تصور الموضوع واجزائه وجزئياته وتصور المحمول، والإصطلاحات المتعارفة للعلم واستحضارها حين الخوض في مسائله.
الثاني : المبادئ التصديقية : وهي التي توجب التصديق بثبوت محمولات المسائل لموضوعاتها التي يشملها العلم، فالمبادئ التصديقية يحصل معها الإقرار بنسبة المحمول الى الموضوع.
الثالث : المبادئ الأحكامية : وهي التي يتوقف عليها معرفة الأحكام الشرعية من التكليفية والوضعية باقسامهما، سواء على القول بأن الأحكام الوضعية متأصلة في الجعل، او منتزعة عن التكليف ، وأن المبادئ الأحكامية من علم الأصول لأنه يستنتج منها الحكم الشرعي وتقع في طريق استنباطه.

الامر الثاني الوضع هو نحو اختصاص للفظ بالمعنى، وارتباط خاص بينهما(12).
(12) الإجماع على وجود نوع ارتباط اللفظ بالمعنى واختصاصه به، وانما وقع الخلاف في كيفية هذا الإختصاص والإرتباط ومنشأه وانه معنى مقول او أمر اعتباري.
أختلف في علم الأصول في الوضع العام والموضوع الخاص ، والأكثر على عدم تحقيقه ، قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ ولعل فيه إشارة إلى تعدد الواضع من البشر ، وأنه لا ينحصر بشخص واحد وما قيل بأن العربية وضعها يعرب بن قحطان .
قال الماتن : الوضع نحو اختصاص للفظ بالمعنى ، وارتباط خاص بينهما ، ناشئ عن تخصيصهم به تارة ، ومن كثرة استعمال أخرى .
نظريات الوضع
يحتمل الوضع وجوهاً :
الأول : الهوهوية المعنوية ، أي اندماج صورة المعنى في صورة اللفظ ، فتنزيل اللفظ منزلة المعنى ، والتنزيل في الإعتبار وليس في الواقع .
الثاني : الإقتران بين اللفظ والمعنى والذي سماه السيد الصدر بالقرن المؤكد واقتصر عليها في بيان العلقة الوضعية وسماه المحقق المراقي مسلك الملازمة .
أي العلقة الوضعية من الأمور الواقعية وليس من الأمور الإعتبارية الصرفة ، والبحث في الموضع من المبادئ التصويرية اللغوية .
وهو قول صحيح ، ولماذا لا يقال اختصاص المعنى باللفظ خاصة.
الجواب لوجود المشترك المعنوي بأن تشترك باللفظ معاني متعددة ووضع اللفظة الواحدة للحقيقة أو أكثر .
والأصل أن يوضع اللفظ لمعنى معين ويختص به ، فتكون دلالة اللفظ على ذات المعنى جلية للأذهان .
والمشترك اللفظي وهو ما اتفق لفظه واختلف معناه بينها تقارب مثل لفظ (العين) الذي يراد منه العين الناظرة ، والبئر ، والجاسوس ، النقد .
واختلف الأصوليون فيه ، على وجوه :
الأول : استحالة المشترك اللفظي .
الثاني : أنه ممكن غير واقع .
الثالث : قال المشهور بامكانه ووقوعه وهو المختار .
ومما ضرب له مثلاً ، قال تعالى وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ.
ولكن الحق أن لفظ [ قُرُوءٍ] ليس من المشترك اللفظي إنما الإختلاف في تفسيره ، وهو لا ينطبق إلا على فرد واحد ، أما الطهر الذي بين الحيضتين وهو الوارد عن المعصومين عليهم السلام وبه قال المالكية والشافعية أو المراد الحيض لرواية فاطمة بنت أبي حبيب عند سؤالها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبه قال أحمد وأصحاب الرأي .
وكذا بالنسبة لقوله تعالى [وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ] ( ) فهل يراد من الفعل [عَسْعَسَ] أقبل أم أدبر .
مثال للمشترك اللفظي
ومنه كلمة المولى :
الأول : الناصر والمعين والحامي ، قال تعالى وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ، والله هو المتصرف بشؤون المسلمين .
الثاني : الولي والقائم بالأمر ، و(عن البراء قال : لما نزلنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كنّا بغدير خم فنادى إن الصلاة جامعة وكسح رسول اللّه عليه الصلاة والسلام تحت شجرتين وأخذ بيد علي.
فقال : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم .
قالوا : بلى يا رسول اللّه .
قال : ألست أولى بكل مؤمن من نفسه .
قالوا : بلى يا رسول اللّه.
قال : هذا مولى من أنا مولاه اللهم والِ من والاه وعاد من عاداه .
قال : فلقيه عمر فقال : هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة)( ).
الثالث : مستحق الميراث ، قال تعالى وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ.
الرابع : المصاحب والقريب والصديق ، قال تعالى يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ.
الخامس : السيد بالنسبة الذي يملك العبد ، قال تعالى كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ.
السادس : العبيد ونحوهم ، قال تعالى فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ.
السابع : المُعتِق ، والمعتَق .
الحاجة إلى الوضع
لابد من لغة تفاهم بين الناس يقوم الأنبياء بواسطتها بالتبليغ والبشارة والإنذار، وتعليم الحكمة وأداء الفرائض وقضاء الناس لأمور الدنيا والمعاني والكسب .
وهل وضع الألفاظ أزاء معاني محددة تنصرف إليها من مصاديق قوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً.
الجواب نعم ، فلابد لتيسير أمور الخلافة من لغة بين الناس لذا تفضل الله عز وجل وعلم آدم الأسماء , قال تعالى وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
وهل كانت حواء تتلقى التعليم من الله مباشرة مثل آدم ، لأنها معه في الجنة أم أن آدم هو الذي علمها.
المختار هو الثاني ، والظاهر أن الله عز وجل خلقها بعد تعليم أدم الأسماء وأحتجاج الله عز وجل على الملائكة بأهلية آدم للخلافة في الأرض.
ولبيان حاجة الناس لفضل الله ، والمدد والتعليم منه تعالى ، ولإقامة الحجة على الناس ، وفي التنزيل قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ.
وأن أصل وضع الأسماء للمعاني هو من عند الله عز وجل ، ثم تفرعت اللغات عن لغة الجنة ، ولم يغادر آدم الدنيا بعد الهبوط إلى الأرض إلا وقد بلغ عدد أولاده وأحفاده أربعين ألفاً .
فهل كانوا يتكلمون بذات اللغة والأسماء التي تعلمها آدم في الجنة ، الجواب نعم ، بدليل ما ورد (عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما أهبط الله آدم إلى الأرض مكث فيها ما شاء الله أن يمكث ، ثم قال له بنوه : يا أبانا تكلم . فقام خطيباً في أربعين ألفاً من ولده وولد ولده فقال : إن الله أمرني فقال : يا آدم أقلل كلامك ترجع إلى جواري)( ).
واختلف هل كانت لغة آدم السريانية أم العربية ، والمختار هو الثاني .
و(عن ابن عباس : أن آدم كان لغته في الجنة العربية ، فلما عصى سلبه الله العربية وتكلم بالسريانية ، فلما تاب رد عليه العربية)( ).
وفي الوضع وجوه :
الأول : اللفظ الموضوع .
الثاني : المعنى الموضوع له .
الثالث : أقسام الوضع وأختلف في أمور :
الأول : من هو الواضع .
الثاني : دلالة الألفاظ على معانيها .
الثالث : النظريات بالمقام مثل :
الأولى : نظرية التعهد التي جعلها السيد الخوئي التفسير الوحيد لحقيقة الوضع ، أي أن اللفظ سبب لإستحضار المعنى في الذهن عند سماعه على نحو الإرتباط الشرطي كنوع صلة اعتبرها الواضع ، وهذه النظرية اعتمدها المشهور .
الثانية : نظرية الإعتبار .
الثالثة : الهوهوية وتنزيل صورة المعنى في صورة اللفظ بالإعتبار ، وليس الحقيقة ، إذ لا يوجد في الإعتبار إلا الحقيقة ، فاللفظ كالظل له .

دلالة الألفاظ على معانيها
دلالة الألفاظ على معانيها بالجعل والتخصيص دفعة أو على نحو التدرج والمزاولة .
اختلفوا في دلالة الإلفاظ على معانيها على اقوال :
الأول : كون دلالة الألفاظ على معانيها ذاتية صرفة، ونسب الى سليمان بن عَبَّاد، كدلالة الشعاع على الشمس ، ودلالة الدخان على النار ، والمصباح على التيار الكهربائي أي من غير علة خارجية لهذا التخصيص.
ولا دليل على هذا القول ، لأنه يلزم اشتراك الناس في هذه الدلالة العقلية من دون تعلم .
وفي مباحث التفسير ناقشت حفظ العربية ، من جهات :
الأولى : هل للقرآن موضوعية في حفظها .
الثانية : أن اللغة ساعدت على حفظ القرآن .
الثالثة : لكل منهما خصوصية في حفظ الذات .
الرابعة : كل من القرآن واللغة ساهم في حفظ الآخر، او حفظ ذاته وساهم في حفظ غيره، او ان القرآن حفظ ذاته وحفظ العربية .
والصحيح هو الأخير وان كانت للعربية خصوصية وأهلية للدوام.
الثاني : كون دلالة الألفاظ جعلية فلابد ان تكون هنا جهة اقتضت نعت المعنى بلفظ خاص كالكتاب بالكتاب، والدار بالدار والسكن، ولابد من جهة خارجية رسمت هذه العلاقة بين اللفظ والمعنى وكانت سبباً في خطور المعنى في الذهن، وهو الجعل والإعتبار لذا سمي بالوضع فالوضع لابد وان يدل على واضع، وعليه الإجماع ولكن اختلف في حقيقة الوضع وكيفيته بعد اختلافهم في الواضع.
الثالث : كونها بالذات والجعل معاً.
الرابع : وجود راجح لمناسبة اللفظ الخاص للمعنى المخصوص وليس باقتراح صرف او اتفاق محض.
والمختار هو الثاني وانها بالجعل فلو كانت ذاتية لأشترك البشر جميعاً بمعرفتها وفهمها، كما انه ليس من لغة عامة ذاتية ، والبواقي جعلية ودفع الخلاف في معنى الوضع هل هو :
الأولى : تعيين اللفظ للدلالة على المعنى بلا اعتماد على معنى كما في الفصول.
الثاني : تعيين اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه.
الثالث : جعل اللفظ لإرادة المعنى.
الرابع : الهوهوية والإتحاد بين اللفظ والمعنى، أي ان حقيقته الإتحاد الإعتباري
بينهما الناشئ عن الجعل او كثرة الإستعمال، والهيولي هي الصورة والحياة المشار اليها بالحس، وهي الجوهر عندما يكون محلاً، فاذا كان المحل متقوماً بالحال فهو الهيولي وكأنه المادة.
ومنهم من عرفه بانه تعهد ذكر اللفظ عند ارادة تفهيم المعنى أي ان اللفظ بذاته سبب لوجود المعنى من غير واسطة او سبب خارجي، ويستحيل تخلف المعنى كاستحالة تخلف الحرارة عن النار ، والشعاع عن الشمس، وكأن المعنى محمول اللفظ ولازم له فكما يستحيل تخلف المعلول من علته كذلك يستحيل عدم استحضار المعنى في الذهن عند اطلاق اللفظ.
الواضع للغة
واختلفوا في الواضع على أقوال عدة:
الأول: إنه الله تعالى ، قال تعالى [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ] ( )، وبه قال جماعة منهم أبو الحسن الأشعري، وقد نفى الشيخ الانصاري قدرة شخص معين على ايجـاد العلقة بين اللفظ والمعنى (وقال: دعوى ان الوضع عبارة عن التعهد، واحداث العلاقة بين اللفظ والمعنى من شخص واحد مثل يعرب بن قحطان كما قيل مما يقطع بخلافها فلابد من انتهاء الوضع اليه تعالى الذي هو على كل شيء قدير وبه محيط أي أن الشيخ الأنصاري لم يقل بأن الواضع هو الله ، ولكن الوضع ينتهي إليه تعالى بحكمته وتدبيره ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وقد جاء الجزء الرابع والعشرون بعد المائتين من تفسيري للقرآن خاصاً بتفسير هذه الآية .
وصحيح ان ايجاد الملازمة بين اللفظ والمعنى عمل أكبر وأعظم من أن يتولاه شخص واحد بعينه كيعـرب بن قحطان أو غيره أو أنه يتم ويــستقر عند جيل واحد، إلا أن هذا القول لا يعني الحصر بأن الواضع هو الله عز وجل من غير واسطة بشر.
والماتن لم يتعرض لأصل الوضع، ومن هو الواضع ولكنه أشار إليه إجمالاً في المقام وذكره في ثنايا الكتاب من غير تعيين ، نعم وصفه بأنه (الواضع الحكيم) ، وقال : الوضع هو نحو اختصاص اللفظ بالمعنى وارتباط خاص بينهما ناشيء عن تخصيصه به تارة، ومن كثرة استعمال فيه اخرى .
لقد وردت أسماء مخصوصة في القرآن مثل شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ فشهر رمضان هو الوحيد من بين الشهور الذي ورد اسمه في القرآن وفي هذه الآية دون غيرها، فهل هذه التسمية وامثالها تدل ان الواضع هو الله عز وجل، الجواب : من جهتين :
الأولى : انها على نحو القضية الشخصية.
الثانية : عدم ثبوت الملازمة بين الوضع والتسمية في القرآن خصوصاً مع استحضار الضابطة الكلية في فلسفة النبوة وهي ان النبي يأتي بلغة قومه والعرف السائد قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِه، نعم لابد ان هناك أسماء وضعت من عند الله سواء عند خلق آدم وتعليمه الأسماء او فيما بعد بواسطة الوحي والكتب السماوية المنزلة والقرآن هو الجامع لها ، وانتقلت هذه الأسماء إلى اللغات الأخرى عند تفرعها وتعددها ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ.
وتبين الآية أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يأت بلغة جديدة لقومه ويدل عليه [وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنْ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا] ( ) ومنها اسم النبي يحيى عليه السلام ، قال تعالى [يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا] ( ).
الثاني : البشر كجماعات ومجتمع متحد ، وإن الله عز وجل جعل عند الإنسان قدرة على الوضع سواء باصل النطق او بالعقل، وطبيعة الإنسان في الأنس بالجماعة والحاجة اليها، فجعلوا الفاظاً لإبراز مقاصدهم لتصبح هناك حيثية دلالة اللفظ على معناه، بحيث يستحضر الإنسان المعنى بمجرد سماعه اللفظ كدلالة العلامة الموضوعة في الطريق لابعاد المسافة على معانيها، فالإختصاص والإرتباط من مقومات اللفظ وليس هي ذاته.
الثالث : نسبة وضع اللغة إلى فرد واحد من الناس مثل يعرب بن قحطان بخصوص العربية.
ان نسبة الوضع الى شخص معين بمبادرة ذاتية منه امر مستبعد وخلاف الظاهر.
الرابع : وضع الإلفاظ بفعل الناس انفسهم وتم بالتدريج والإشتراك في اختيارها وتنقيحها بكثرة الإستعمال بما جعله الله عز وجل عندهم من العقل وقوة التمييز والحاجة الى اختصاص اللفظ بالمعنى .
وهو ظاهر بالنسبة لأسماء المخترعات الجديدة وكيف يكون التوصل الى اختيارها بالمعاني البيانية والإشتقاقية مما وضع للمواضيع المشابهة من الألفاظ المخصوصة ، ويمكن ان يعتمد في الأعلام الشخصية والأجناس الإستصحاب القهقري في كيفية ايجادها بعد عدم الدليل على التعيين المباشر من الله تعالى بالوحي والتنزيل .
أي اننا نحس بالوجدان أن وضع الألفاظ لمعاني المخترعات يتم من البشر فكذا بالنسبة لما سبق ولكن يشكل عليه بان الوضع المستحدث ليس ابتداعاً صرفاً للفظ.
الخامس : هناك لغات اخترعها فرد واحد ، هو وأسرته أو جماعته القليلة ، كالذي انفصل عن فصيلته وقومه وهو صغير ، ولكنه أمر نادر ويصعب تصوره لأنه ما أن انفصل حتى تعلم لغة قومه ، وإن وفد على آخرين ذكوراً وإناثاً فلابد أنهم يتكلمون بلغة قومهم إلا أن يقال أنهم هجروا لغتهم الأم ، وصاروا يتحدثون تدريجياً بالفاظ ابتدعوها لإفادة معاني مخصوصة.
كيفية الوضع
القول بان الله عز وجل هو الواضع على جهات منها :
الأولى : إن الله عز وجل لقن الإنسان اللغات، ويمكن ان يستقرأ هذا القول من قوله تعالى [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ] ( ) وان اللغات تفرعت من آدم ولم يثبت هذا العموم.
الثانية : وضع الله تعالى الألفاظ كوضعه للأحكام على متعلقاتها وضعاً تشريعياً ، او كجزء من الإرادة التكوينية وهو بعيد.
الثالثة : وضع الإلفاظ واظهار البشر لمقاصدهم، ولزوم قيام الحجة عليهم بالنطق والبيان عما في نفوسهم هو فرع حكمة الله تعالى في الخلق فلابد ان يكون بتوفيق منه سبحانه، وهذا صحيح بلحاظ أنه جزء من فضل الله تعالى وخلقه للإنسان في أبهى صورة ، قال تعالى لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، الا انه يجعل كيفية الوضع قضية مهملة ولم تتضح كيفيتها.
الرابعة : ان الألفاظ بوحي من الله تعالى إلى أنبيائه ، ويستدل عليه بقوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
الخامسة : بالهام من الله سبحانه إلى البشر.
السادسة : بايداع اللغة في طباع الناس وجعل الوصول الى لغة للتفاهم جزء من فطرتهم.
السابعة : أهلية الإنسان في خلقته وأنسه بغيره لتعليم لغة للتفاهم ، لذا قيل الإنسان حيوان ناطق وأشكلنا على هذه التسمية , للتباين بين الإنسان والحيوان .
أما القول بان الله عز وجل هو الواضع فهو ممكن من جهة قدرته على جميع الأشياء وتساويها في الممكنات مطلقاً، ولكن القــول بان وضع مفردات اللغات المتعددة تم بالوحي الى الأنبياء لا دلالة عليه بل ان النقل بخلاف قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ] ( ) الذي يدل على وجود اللغة واللسان عند الأمم وبعث الرسل بلغتهم.
وفيه تخفيف عن الرسل فلا ينشغلوا بتعليم الناس اللغة على حساب البشارة والإنذار وبيان الأحكام الشرعية.
وان القول بالإلهام أمر ممكن سواء كان للفرد او للجماعة وعلى نحو الخصوص بالنسبة للغة.
وهو من مصاديق قوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، لبيان المدد واللطف الإلهي في إعانة الناس على عبادته لقوله تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، وتتقوم العبادة كالصلاة بالتلاوة والدعاء ومفردات الكلام .
والإلهام هو العلم الضروري او القاء معنى في الروح بطريق الفيض وما يقع في القلب من علم ليكون مقدمة وآلة للعمل ، ويصدق هذا بالنسبة لآدم ولغته.
اما القول بوجود الراجح وهو من الكلي المشكك فما هي علة الرجحان وجهته وهل تعلق بالمصالح أم بالأغراض والغايات أم هو فرع تأسيس اللغة، نعم الرجحان موجود اصلاً بايجاد لفظ معين لمعنى مخصوص.
اما القول بان دلالة الإلفاظ على معانيها بالذات فالقطع بخلافه لأنه لو كانت الدلالة ذاتية لاتحدث مع تباين الأجيال والأمصار والأعصار فلابد من توسط الوضع.

تعليم آدم اللغة
ترى ما هي النسبة بين قوله تعالى وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا، وقوله تعالى عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.
المختار هو العموم والخصوص المطلق ، والآية أعلاه من سورة العلق أعم في موضوعها ، ومنها سبل الهدى ، والبيان ، والزراعة ، والصناعة.
ويمكن النظر الى وضع الألفاظ بمنظار السعة والشمول وان الله عز وجل علّم آدم الأسماء كلها وانزله الى الأرض .
فاللغة الأم هي لغة سماوية علمها الله عز وجل ابا البشر بالوحي وفي السماء، وفي هذه اللغة مسائل :
الأولى : انقرضت وانمحت وحل بديلاً عنها الوضع من البشر.
الثانية : بقت موجودة بين لغات الأمم.
الثالثة : انبثقت وتفرعت عنها اللغات الأخرى.
الرابعة : ان الله عز وجل علم آدم عليه السلام اللغات كلها ثم اخذت كل أمة واحدة منها.
الخامسة : التفصيل في لغات أهل الأرض ، فلغة واحدة منها بالوحي والتعليم ، والبواقي بابتكار من البشر وحسب الحاجة .
(عن زيد بن ثابت ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أتحسن السريانية .
قلت : لا قال : فتعلمها فإنه تأتينا كتب ، قال : فتعلمتها في سبعة عشر يوما)( ).
السادسة : ان التعليم كان لأعلام شخصية مع القواعد لإشتقاق الأسماء والأجناس الأخرى فتم وضعها على نحو تدريجي .
وكل امة بصورة مستقلة وبحسب الحاجة وكثرتها وحسب الفطرة التي فطرهم الله عليها لذا ترى المخترعات يشتق لها اسم مناسب للمعنى ولا يأتي لفظها ابتكاراً، وهو من أسرار السعة في اللغة بتضمنها الحقيقة والمجاز .
والصحيح هي الثانية والثالثة أعلاه .
خلافة الإنسان في الأرض
لقد رزق الله عز وجل الإنسان مالم يرزق غيره من الخلائق بما فيهم الملائكة الذين هم أقرب الخلق إلى العرش ، إذ جعل الله عز وجل الإنسان خليفة في الأرض ، وسخر له النعم والكنوز التي فيها .
وهل يمكن القول أن الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) فلابد أنه يوجد لغة أو لغات متعددة كما تفضل الله عز وجل وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا الجواب نعم ، ويختلف معنى الخلافة على وجوه :
الأول : الإنسان خليفة لله عز وجل.
الثاني : الناس خلفاء بعضهم بعضاً كأمم وأجيال متعاقبة .
الثالث : خلافة الإنسان للجن في عمارة الأرض .
الرابع : خلافة الإنسان لجنس يسمى النسناس كان يعمر الأرض ، وهو حيوان يشبه الإنسان (جنس من الخلق يثب أحدهم على رجل واحدة) ( ) وقال الجزري (النسناس قيل: هم يأجوج ومأجوج) ( ).
الخامس : إجتماع أكثر من معنى من المعاني أعلاه للخليفة من غير تعارض بينها ، والله واسع عليم .
وهل من معاني خلافة الإنسان في الأرض تكلم آدم بعد هبوطه إلى الأرض بذات اللغة التي علمه الله عز وجل ، الجواب نعم.
لقد خلق الله عز وجل الناس والدواب والأكوان ، ولا يقدر الإنسان على خلق جزء ضئيل منها ، وهو سبحانه لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ومن المعلوم ان الله تعالى إذا أنزل نعمة فانه أكرم من أن يرفعها فلابد ان تكون باقية في الأرض ، فتعليم الأسماء بدأ من الله سبحانه تعالى، واول ما خلق آدم وبعث فيه الحياة صار متكلماً وليس صامتاً ، وإنما يعرف الأنبياء بالكلام.
فالكلام أمر وجودي ملازم لخلق الإنسان ، و(عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لما نفخ الله في آدم الروح فبلغ الروح رأسه عطس فقال الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فقال له تبارك وتعالى : يرحمك الله)( ).
لغة الخلافة
يدل قوله تعالى وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا على وجود لغة نزل بها آدم واصبحت هذه اللغة نواة ومادة لكل اللغات فيما بعد لعمومات خلافة الإنسان في الأرض والحجة لله في التكاليف ، قال تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ] ( ) ولما فيها من الافاضات التي يترشح الثبات والبقاء منها، ولغة آدم هي العربية وهي لغة أهل الجنة، وقيل انها السريانية وهو المشهور .
وخلافة الناس في الأرض حجة عليهم ، ووسيلة للإمتثال للأوامر والنواهي الإلهية ، ومادة للحساب يوم القيامة ، فلم يهبط آدم إلا وهناك لغة يتخاطب بها مع حواء .
ولو دار الأمر بين بقاء ذات اللغة التي تعلمها من الله عز وجل قبلاً وبين استحداث لغة .
فالصحيح هو الأول وتوارث أبناؤه وأحفاده هذه اللغة ، فهي لغة الخلافة ، واللغة الأم والأصل ، ولم تستحدث لغات إلا بالمتفرع عنها على نحو التدريج.
وهل تدل لغة الخلافة على أن المراد من الخليفة في قوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً، تعدد وكثرة الناس للإشتراك بالتخاطب ، الجواب نعم.
ويقسم الوضع من جهات السبب والنشأة إلى قسمين :
الأول : الوضع التعييني .
الثاني : الوضع التعيني .
والقرن الأكيد هو تصور اللفظ وتصور المعنى , إذ تحصل بكثرة الإستعمال أيضاَ فيقع الإقتران في التصور الذهني بين اللفظ والمعنى .
وهل ترشح عن الوضع التعيني والتعيين إختلاط واشتراك وتداخل في اللغات الجواب نعم , وهو من أسرار القول بأن بعض الكلمات في القرآن ليست عربية مثل :
المشكاة : سجيل , الطور , اليًم , أباريق , استبرق , وسئل عن ابن عباس عن قوله تعالى فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ، (فقال هو بالعربية الأسد , وبالفارسية شار).
عربية القرآن
المختار أنه ليس من لفظ في القرآن إلا وهو عربي , ومن خصائص العربية أنها تأخذ وتتداخل مع غيرها شأنها شأن اللغات الأخرى , وعلى فرض وجود كلمات غير عربية في القرآن فهل يتعارض مع قوله تعالى وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا.
الجواب لا لأن هذه الكلمات قليلة وأخذت صبغة العربية بتداول العرب لها وهي من الوضع التعيني وليس التعييني ، من جهات :
الأولى : تقدم زمان نشوء اللغة العربية على نزول القرآن.
الثانية : اختلاط العرب مع غيرهم .
الثالثة : تجارة العرب في الأمصار ، ومنه البيان والتوثيق التأريخي في قوله تعالى لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، وهل كانت هذه التجارة حجة على قريش في لزوم التوحيد لما يرون من مظاهره في الأمم الأخرى ولو على نحو الإجمال ، الجواب نعم.
وقد جاء شطر من البيان في (قانون جدال أهل الكتاب للذين كفروا) أي في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الجزء الثلاثين بعد المائتين من تفسيري للقرآن والحمد لله.
وهناك أقوال أخرى :
أولاً : هذه الألفاظ مشتركة بين العرب وغيرهم .
ثانياً : أخذ العرب هذه الألفاظ واستعملوها فصارت معربة , وإن كان أصلها غير عربي .
ثالثاً : قول آخر مستحدث نذكره وهو أن هذه الكلمات عربية بالأصل , واستعملها غير العرب بالصلات والتداخل بين العرب الشعوب ونزل القرآن ليؤكد عربيتها .
ومع أن نوحاً نجا هو وأهل بيته بعد أن أصاب الناس الطوفان فلم يرد أنه اخترع لغة جديدة ، لبيان انفراد آدم عليه السلام وحده بتلقي تعلم اللغة من عند الله عز وجل ، ويدل قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ، على تعدد اللغات وأنها من إبتكار البشر وفرع اللغة الأم لغة آدم التي يمكن أن نسميها لغة الخلافة.
ترى ما هي منزلة وشأن آدم بالآية أعلاه خاصة وأنه كان نبياً رسولاً ، يحتمل الجواب وجوها :
الأول : تقدير الآية : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه إلا آدم فانه جاء لحواء وذريته بلغة علمها الله له قبلاً .
الثاني : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ومنهم آدم لأن زوجه وذريته هم قومه .
الثالث : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه إلا آدم عليه السلام.
وعن أبي ذر قال (قلت يا رسول الله أرايت آدم نبياً كان ، قال نعم ، كان نبياً رسولاً كلمه الله قبلاً ، قال له يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ.
نظرية التعهد
بعد الإتفاق على الوضع، ووجود علاقة بين اللفظ والمعنى، وعملية اختيار اللفظ المناسب للمعنى بلحاظ قرينة او أمارة او علامة لصفة معتبرة في اللفظ يتبادر معها المعنى الى الذهن، اختلف في كيفية حصول هذه الصفة وتفسير العلاقة بين اللفظ والمعنى ، وتصور المعنى عند إطلاق اللفظ على قولين :
الأول : المشهور قال بانها عملية اعتبارية ثم اختلفوا في المعتبر.
الثاني : الذي خالف المشهور قال بنظرية التعهد.
وتقوم نظرية التعهد على التباني النفساني عند المتكلم بان اللفظ المخصوص يحدث عند السامع المعنى الذي يريده فلذا سميت بالتعهد أي لحصول تعهد والتزام وتباني بين المتكلم والسامع للعلقة والصلة بين اللفظ والمعنى وقال بها الشيخ علي بن فتح الله النجفي النهاوندي.
وهو من علماء الإمامية ولد نحو سنة 1242 هجرية .
وحضر إلى النجف ودرس عند علماء عصره وأحرز الإجتهاد ومن إبرز اساتذته الشيخ مرتضى الأنصاري ت1281 هجرية ، ثم قصد خراسان والتقى هناك بالسيد نصر الله الشيرازي .
ثم رجع إلى النجف وتصدى للبحث والتدريس فيها .
وتوفى في النجف الأشرف سنة 1322 هجرية عند اشتداد الوباء.
وله عدة مؤلفات منها تشريع الأصول الكبير ، والدماء الثلاثة ، ومشارق الأصول ، ومقدمة الواجب .
وذكره صاحب الكفاية في الواجب المعلق مع الرد والإشكال عليه ، ولكنه لم ينقل عنه نصاً ، إنما قال ( ثم إنه ربما حكي عن بعض أهل النظر –أي الشيخ علي النهاوندي- من أهل العصر أشكال في الواجب المعلق).
أي يرد التقليل واحتمال عدم صدور الكلام من الشيخ النهاوندي من جهات :
الأولى : ربما .
الثانية : حكي .
الثالثة : الإجمال وعدم ذكر الاسم.
إلى أن قال (ولعل الذي أوقعه في الغلط ما قرع سمعه من تعريف الإرادة بالشوق المؤكد المحرك للعضلات) ( ).
وجعل السيد الخوئي نظرية التعهد التفسير الوحيد لحقيقة الوضع , ولكن أسباب ومقدمات الوضع متعددة .
وتكون الدلالة الوضعية بحسب هذه النظرية دلالة تصديقية دائماً لأنها تبتني على التعهد والإلتزام وهما امران اختياريان، والإختيار لا يتقوم الا بالقصد والإرادة من المتكلم لتفهيم المعنى وما يتبادر من اللفظ عند السامع فهو من تداعي المعاني.
والتعهد لا ينحصر بشخص واحد بحسب هذه النظرية بل هو يشمل كل متكلم على نحو العموم الإستغراقي لما فيه من الإختيار والتعهد المتصل من المتكلمين وعدم انحصاره بالواضع الأول على فرض أنه من البشر ، بل ان كل متكلم يتلقى الوضع بتعهد والتزام ممن قبله وصولاً الى الواضع الأول ومن بعده .
ليصبح كل متكلم ملتزماً به فكأنهم بعرض واحد، الواضع الأول ومن بعده ليصــبح كل متكلم واضعاً لأنه يلتزم بالإتيان باللفظ المخصوص لإرادة تفهيم المعنى.
واشكل على نظرية التعهد بالدور ، وان الإلتزام بابراز اللفظ عند ارادة تفهيم المعنى يتوقف على العلم بالوضع أي بوضع هذا اللفظ للمعنى، فالإلتزام باتيان شخص لفظ معين لإرادة معنى لابد ان يتوقف على العلم بوضع هذا اللفظ لذات المعنى ، فيكون التعهد والإلتزام متوقفاً على الوضع، والوضع نفسه تعهد والتزام فيكون كل منهما متوقفاً على الآخر.
واجيب بأن التعهد التزام كل متكلم لطبيعي اللفظ وطبيعي المعنى على نحو القضية الحقيقية، أي التي يؤخذ موضوعها من حيث هو لا بلحاظ الوجود الخارجي بل بلحاظ ما صدق عليه الموضوع بالفعل والتي يحكم فيها على الأفراد محققة كانت او مقدرة، والقضية الخارجية التي يؤخذ موضوعها بلحاظ الخارج أي افراد موضوعها الموجودة والمحققة في الخارج.
ليحصل الإلتزام بين طبيعي اللفظ وطبيعي المعنى، فالمتكلم في مقام الإستعمال وتطبيق التزامه كلما اراد فرداً من طبيعي اللفظ لغرض تفهيم المعنى فانه لا يظهر إلا بهذا اللفظ.
ثم أن الإلتزام والتعهد أمر مركب من مرحلتين :
الأولى : مرحلة الوضع .
الثانية : مرحلة الإستعمال .
واشكال الدور لا يبرز الا في مرحلة الإستعمال والتطبيق واستعمال فرد من طبيعي اللفظ في المعنى، فالتعهد التزام كل متكلم وليس الواضع وحده بابراز لفظ مخصـوص عند ارادة تفهيم المعنى.
ولو تنزلنا وقلنا بالتعهد فكيف وصل الى باقي افراد البشر او الأمة ممن يتكلم ذات اللغة، ثم ما هو لسانهم وصيغ الخطاب بينهم قبل وصولها خصوصاً وانه يستحيل وصول الإلفاظ على نحو دفعي الى الجميع، وتعذر اشتراكهم في مجلس واحد لوضع الألفاظ وان كانت فكرة هذا المجلس لا تحل الأشكال.
واشكل الشيخ الأنصاري على نظرية التعهد “بانه لم يكن تعهداً من شخص لذلك ولم ينعقد مجلس لوضع الإلفاظ، وكيف يمكن ذلك مع كثرة الإلفاظ والمعاني على وجه لا يمكن احاطة البشر به”.
ولكن التعهد على القول به لا يستلزم بالضرورة ان يصدر من شخص واحد بل هو تدريجي لما فيه حفظ معايش الناس وانظمتهم وقاعدة السلطنة ، وأداء الفرائض العبادية ومنع الخصومة ، ولا يستلزم مجلساً لوضع الإلفاظ انما يأتي بالتنقيح والتداخل والمزاولة.
نعم يمكن الإشكال على نسبة وضع الألفاظ ازاء معانيها وتأسيس لغة الى شخص بعينه مثلما قيل بنسبة احداث العلقة بين اللفظ والمعنى الى شخص واحد مثل يعرب بن قحطان، وقيل ان الله واضع الألفاظ لكن بالواسطة بوحي او بالهام او بايداع في طبائعهم.
والنظرية مبنية على التعهد والإلتزام والتباني في التقسيم على الإتيان بلفظ مخصوص عند تصديقهم معنى معين، فنشأت عنه علقة وضعية بين اللفظ والمعنى، فالدلالة تصديقية دائماً.
ونظرية التعهد لا تستوفي موضوع الوضع بل انها تتعلق بما بعد الوضع، ومرتبة متأخرة عنه زماناً ولاحقة به، فبعد اختيار الألفاظ ووضعها أزاء المعاني يحصل التعهد.
فنظرية التعهد فرع القول بانها جعلية ولا تصلح ان تكون قسيماً للأقوال المتقدمة وتكون احياناً نوع طريقية لتثبيت الوضع.
نظرية الاعتبار
جاءت هذه النظرية لتفسير الارتباط الواقعي بين اللفظ والمعنى، وتبتنى هذه النظرية على سببية اللفظ لإستحضار المعنى في الذهن حال سماعه، وهو أمر لم يحصل اعتباطاً ولابد من ارتباط ومنشأ لهذه العلاقة والصلة وان الواضع جعل اللفظ للدلالة على المعنى .
ليحصل نوع صلة بين اللفظ والمعنى اساسه اعتبار الواضع، وهذه النظرية اعتمدها المشهور.
ولكنهم اختلفوا في كيفية الإعتبار وحصوله على اقوال ثلاثة:
الأول: جعل الواضع الوضع علامة على المعنى فيكون كاشفاً ودالاً على المعنى، كالعلامة المنصوبة في الطريق للدلالة على موضع او معلم ، مع الفارق ان الوضع اللغوي اعتباري، ووضع العلامة في الطريق على نحو حقيقي خارجي.
الثاني: تبتنى على اعتبار الواضع اللفظ وجوداً تنزيلياً للمعنى، فكأن الملقى للمخاطب هو المعنى على نحو التنزيل والإعتبار، واللفظ ترجمة على اللسان لذات المعنى أي ان اللفظ يفنى بالمعنى كالاسم والمسمى، والعنوان والمعنون .
فصحيح ان ماهية المعنى مباينة لماهية اللفظ الا ان المعنى له وجود اعتباري في ذات اللفظ ودلالته، ويمكن ان تناقش بان هذا الوجود الإعتباري مترشح عن الوضع، إلا أن يدل دليل على موضوعيته في اصل الوضع ، وهي لا تختلف عن نظرية التعهد ولكنها أقل منها قيداً.
ومن هذا القول تفرعت الهوهوية ، والمراد من التنزيل فناء المنزل في المنزل عليه ، فلا يبقى في عالم الإعتبار إلا المنزل عليه وهو المعنى لإنعدام الاثنينية بينهما ، ويشكل عليه لزوم التقيد بقانون وهو ان الاسم غير المسمى ، فلله عز وجل تسعة وتسعون اسماً وهو سبحانه واحد لا شريك له [هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ] ( ).
الثالث: جعل الواضع اللفظ أداة لتفهيم المعنى ، ويكون اللفظ وسيلة، والمعنى ذو الوسيلة، فالمتكلم يتوسل ويستعين باللفظ لتفهيم السامع المعنى، فكما يجعل زر الكهرباء وسيلة لإنارة المصباح، والمفتاح لفتح الباب فكذا يتوسل باللفظ لأخطار المعنى مع الفارق بان العلاقة في الوضع اعتبارية وفي زر المصباح حقيقية تكوينية.
والأقوى في الاعتبار اجتماع الأول والثالث معاً دون الثاني، ونظرية التعهد فرع الإعتبار وتتداخل معها، فلابد في الاعتبار من قصد واختيار ولا تعارض بينهما.
والاعتبار هو الاتعاظ , ورد الشئ إلى نظيره والنظر في الأمور بتفكر ، وفي الاصطلاح الفقهي هو تتبع طرق حديث انفرد بروايته واحد.
الوضع التعييني
هو الوضع الذي ينشأ عن سعي الواضع لجعل اللفظ دالاً على المعنى، فيبذل الجهد لإنشاء العلاقة بين اللفظ والمعنى ويتصدى لنشرها وافشائها في محيطه وعند الجماعة، مثلاً يجعل الواضع لفظ الدرس للكسب والتحصيل العلمي، والدار للسكن فينشط لتثبيت العلاقة والملازمة بين هذا اللفظ وبين معناه .
فالوضع التعييني يفيد الإنشاء اللفظي من الواضع، ليصبح اللفظ مختصاً بالمعنى فانياً فيه، ولا يستلزم فهم الصلة بينهما الى قرينة.
الوضع التعيني
وهو نشوء علاقة اتفاقية بين اللفظ والمعنى من غير جهد مخصوص ومقصود من الواضع بحيث يتفق كثرة إستعمال لفظ في معنى معين، وهذه الكثرة في الإستعمال هي علة اختصاص اللفظ بالمعنى، وانخطاره في الذهن من غير جعل جاعل بل باستئناس الاذهان به والتبادر.
ويمكن التداخل بين الوضعين فكل لفظ مخصوص لمعنى بدأ بالتعيين لابد وان يكون تعينياً كما يصعب ايجاد امثلة محددة لكل منهما الا على القول بان الله عز وجل هو الواضع، وان اللغة التي نزل بها آدم موجودة فيكون من التعييني .
ولكن المراد بالتعيني هو ما تم على نحو مستقل اي ليس المراد التعيني المتفرع عن التعييني، بل التعيني ابتداء والقول بالوضع التعيني ينفي بالدلالة التضمنية نظرية التعهد فليس فيه قصد وتباني نفساني بل ان اختصاص اللفظ بالمعنى يحصل انطباقاً وجرياً من كثرة الإستعمال وطول المزاولة فصار المعنى ينسبق من اللفظ عند الإطلاق.
أقسام الوضع
الأول : واضع .
الثاني : وضع .
الثالث : المعنى الموضوع له .
الرابع : اللفظ الموضوع أزاء المعنى فالتعدد والإختلاف في المعنى أما أن يكون علم مثل : إنسان ، شجر ، ماء ، وأما أن يكون الوضع لمعنى عام ولكنه خاص بالأفراد والمصاديق .
فالوضع نوع إختصاص أو اقتران وملازمة ذهنية بين اللفظ والمعنى .
أن تمايز العلوم إنما هو باختلاف الاغراض الداعية إلى التدوين، لا الموضوعات ولا المحمولات، وإلا كان كل باب، بل كل مسألة من كل علم علما على حدة، كما هو واضح لمن كان له أدنى تأمل، فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجبا للتعدد، كما لا يكون وحدتهما سببا لان يكون من الواحد(13).
والوضع عملية نظام دقيقة يحتاج إليها الإنسان لذا كانت أول من علمها
الله لآدم ، وبها احتج سبحانه على الملائكة ، والحاجة للوضع في الدنيا في عالم الأفعال ، وجلب المصلحة ودفع المفسدة وطرد الجهالة والغرر ومنع الضرر والإضرار.
وفي الآخرة في الحساب والفوز بالثواب ، لذا كانت أول آية نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسل اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ.
(13) في بيان مخالفته للمشهور الذي قال بان التمايز حسب الموضوعات بلحاظ ان الموضوع يدخل في ذات العلم ، أما الغرض فهو أمر خارج عنه يسرد الماتن الدليل على قوله بالتمايز بالأغراض دون المواضيع فيما بينها، وان التمايز بالموضوع لا يصلح سبباً لأن النظر له بدقة عقلية يعني ان كل مسألة لها موضوع مستقل .
فباب الركوع علم مستقل وباب السجود علم مستقل، وكذا في اللغة فالفاعل علم مستقل، والمبتدأ كذلك.
فان الماتن يريد ان يقول ان اختلاف الموضوع والمحمول مع وحدة الغرض لا يوجب التعدد، وان وحدة الموضوع والمحمول مع تعدد الغرض لا يكون من الواحد .
فالمدار على الغرض واتحاده او تعدده، ولكن القول بان التباين في المواضيع لا يعني بالضرورة الإختلاف بين مسائل كل علم، فهذا التباين قد ينطبق على الأغراض ايضاً أي في الغرض من كل مسألة والمسألة الأخرى سواء كان التمييز في حال التدوين وفصل كل علم عن الآخر، او في حال التمييز للجاهل وبيان الإختصاص.
فموضوع الطب البحث في البدن من حيث الصحة والمرض فهذا التقييد الأخير (من حيث الصحة والمرض) يعني ضمناً الرجوع الى الموضوع لبيان التمايز، وتتعلق علوم اخرى ببدن الإنسان منها علم الفقه لأنه يشمل الأحكام الشرعية الخاصة ببدن الإنسان .
والتسمية تأتي غالباً متأخرة رتبة عن الموضوع وهي وان لم يكن لها دخل في موضوعيته الا ان مواضيعه لها اثر في التسمية، ومراده من المحمولات ما يتعلق بذات الموضوع مثل المبتدأ لابد له من خبر، والمبتدأ لا يكون نكرة، والفاعل مرفوع.
الهوهوية
وهي نظرية تتعلق بالعلقة الوضعية بين الطرفين اللفظ والمعنى، ويمكن جعلها فرع نظرية الاعتبار لإبتنائها عليها وليس على نظرية التعهد ومفادها هو القسم الثاني المتقدم من الأقوال الثلاثة في نظرية الاعتبار .
فحقيقة الوضع عبارة عن اعتبار وجود اللفظ وجوداً للمعنى تنزيلاً، فكأن اللفظ هو المعنى على نحو التنزيل في عالم الاعتبار وليس الحقيقة وظلاً للمعنى وانه لا يوجد في عالم الإعتبار الا المعنى، وان يلحظ ابتداء حين استعمال اللفظ ذات المعنى، هو المراد من التنزيل وفناء المنزل في المنزل عليه، فلا يبقى في عالم الاعتبار الا المنزل عليه وهو المعنى .
فايجاد اللفظ بلحاظ التنزيل ايجاد للمعنى، لوحدة الموضوع في تنقيح المناط، لذا قيل بان لحاظ اللفظ دائماً لحاظ آلي وانه مقدمة قهرية انطباقية لإرادة المعنى، وان المتكلم ينظر اولاً الى المعنى بذاته.
ومن معاني الهوهوية اندماج صورة المعنى في صورة اللفظ.
ثم إن الملحوظ حال الوضع: إما يكون معنى عاما، فيوضع اللفظ له تارة، ولافراده ومصاديقه أخرى، وإما يكون معنى خاصا، لا يكاد يصح إلا وضع اللفظ اللفظ له دون العام، فتكون الاقسام ثلاثة (14).
(14) مع تعدد النظريات في اصل الوضع وانشطارها فانها تتفق على ملاحظة الواضع للصلة والإرتباط بين الطرفين اللفظ والمعنى، ولحاظ المعنى عند اختيار اللفظ ووضعه ازاءه لأن الوضع من الأمور الإنشائية المتقومة بالتصور لذا عد بعضهم الإنشاء من التصور لأن الصورة الحاصلة من الشيء عند العقل للإنشاء بلا نسبة تامة خبرية يذعن لها .
والوضع على اقسام، والمشهور هو تقسيم الوضع الى ثلاثة اقسام على نحو استقرائي عقلي وهو الذي اختاره الماتن ومنهم من جعلها اربعة.
الوضع العام
الوضع بمعناه المصدري هو فعل الواضع ، والمتحصل من ملاحظة المعنى عند إختيار اللفظ المناسب له والعلقة بينهما، وينقسم بلحاظ تصور المعنى إلى أقسام :
الأول : الوضع عام والموضوع له عام : أي أن المتصور كلي والموضوع له والمعنى الملحوظ كلي أيضاً، فاللفظ عام والموضوع له أيضاً عام على طبق الملحوظ حال الوضع ومن هذا الوضع أسماء الأجناس وتصور العام يوجب تصور الأفراد والإنتقال اليها فمنه الانسان، الشجر، الخشب، الحديد.
وهذا القسم عليه الإجماع والعقل والوجدان ، وهو الوحيد من بين الأقسام لا تجد عليه إشكالاً لأنه بسيط خال من الواسطة.
الثاني : الوضع عام والموضوع له خاص : أي أن اللفظ عام ولكنه موضوع ازاء مصاديق وأفراد ذلك العام المتكثرة والمتصورة إجمالاً بلحاظ ما يكون وجهاً وعنواناً لها وهو العام، فالأفراد لا تكون متصورة بخصوصياتها الفردية والملحوظ هو العام بوجهه وعنوانه، فيكون العام كلياً متصوراً منطبقاً على أفراده.
وكأن هذا التصور واسطة وسور جامع لها، فيكون الموضوع له خاصاً مثل وضع الحروف والأعلام جنساً مثل لفظ زيد ، لا يلزم تصور الموضوع والمعمول ، وأشكل عليه بأن هذا الوضع يستلزم وجود واضع وشخص تمكن من جعل اللفظ أزاء الأفراد، أي أن الذي يقول بهذا القسم يقر ضمناً بمسألتين :
الأولى : نظرية التعهد والتباني النفساني في وضع اللفظ أزاء المعنى والقصد إليه مع لحاظ العلقة والجامع والمناسبة.
الثانية : إن الواضع للألفاظ أزاء معانيها هو شخص معين كما ذكر في يعرب بن قحطان بأنه واضع العربية فيكون الوضع كلياً مقصوراً منطبقاً على أفراده، وهذا الإشكال هو ظاهر الشيخ الانصاري والشيخ النائيني.
والأقوى عدم وجود ملازمة بين القول بهذا القسم وهذين الإقرارين، لأنه يمكن ان يحصل بالتدريج ووفق نظرية الاعتبار.
ثم أشكل عليه أنه من أقسام المشترك اللفظي، كما لو كان وضع لفظ الشجر بلحاظ أفراد الشجر، وعلى نحو إنحلالي في وقت تتباين فيه أفراد الشجر فمنها المثمر ومنها غير المثمر، ومنها دائم الخضرة، أو الفصلية، ومنها النخل وله خصوصية معينة ويتصف بالسعف والكرب.
ولفظ الإمام هو عام ويشمل كل رئيس جماعة وامام الصلاة، والإمامة في الإصطلاح وهي الرئاسة العامة في أمور الدين والدنيا.
وذكر أن من هذا القسم وضع الحروف والضمائر والإستفهام مما يتضمن معنى الحروف وما يلحق بها كما سيأتي ، ومنهم من سلم في إمكان هذا القسم ولكنه إستبعد وقوعه.
والماتن نعت وضعه للحروف بأنه توهم لأن أكثر معاني الحروف كلية قابلة للإنطباق على مصاديق كثيرة ومنهم من جعل الإستعمال مركباً، كما في قولك سرت من البصرة، فهو كلي بالنسبة للإبتداءات المتصورة للخارج من البصرة، وجزئي بالنسبة لمطلق الإبتداء، ولكنها غير متصورة في المعنى إنما هي إنحلالية .
والمراد بقولهم إن الموضوع له فيها خاص أي جزئي خارجي، والذي أشكل قال بأن كل نقطة يبدأ بها، وكذا حال (إلى) لإنتهاء الغاية كقوله تعالى أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ.
الثالث : الوضع الخاص والموضوع له الخاص : وهو المعنى الجزئي الإنخطاري في الذهن، والموضوع له نفس ذلك الجزئي فتكون هناك نوع مطابقة بينهما لأن المعنى متصور بنفسه لا بوجهه .
ومن هذا القسم أسماء الأعلام نعم لو قال كل دار إشتريها هي وقف، أو كل عبد أمتلكه هو حر، فهو ليس من هذا القسم بل من الوضع العام والموضوع له الخاص لتباين الدور المشتراة أو العبيد المملوكين.
ومن القسم الثالث الأعلام الشخصية مثل زيد، حيدر، ونحوهما.
الرابع : ذكر قسم رابع وهو : الوضع الخاص والموضوع له العام، وهو تصور وضع خاص وقضية شخصية له عام، فيضع اللفظ للمعنى الجامع، وقيل باستحالته لأن الفرد والشخص لا يصح إنطباقه على المعنى الجامع والشامل الذي هو غير مستحضر بنفسه.
وهذا القسم غير متحقق خارجاً لموضوعية الصلة والترابط بين اللفظ والمعنى سواء على نحو الحقيقة أو الاعتبار أو الوجه، فلابد من ملاحظة الكلي للتباين بينه وبين الأفراد والمصاديق التي يمكن النظر إليها بالعنوان العام والجامع الذي يجمعها وتلتقي عنده متفرقاتها.
فالكلي وهو المفهوم الذي لم يمنع نفس تصوره عن وقوع الشركة فيه، وهو يختلف عن لحاظ الأفراد وإن كانت متكثرة إذ أن كلاً منها يصدق على نفسه اما الكلي فانه يصدق عليها جميعاً.
ونسب لأحد الأصوليين “معقولية القسم الرابع نظراً إلى أنه كمنصوص العلة فان الموضوع للحكم فيه شخصي ومع ذلك يسري إلى كل ما فيه العلة، وكذلك إذا وضع لفظ لمعنى باعتبار ما فيه من فائدة فإن الوضع يسري إلى كل ما فيه تلك الفائدة فيكون الموضوع له عاماً مع كون آلة الملاحظة خاصة”.
ولكنه مدفوع لأن النوبة فيه لا تصل الى وضع الكلي، وللتباين الذي ينافي العلقة الوضعية المتعارفة بين الطرفين اللفظ والمعنى، والماتن نعت القول بهذا القسم بالتوهم فقال: “وفرق واضح بين تصور الشيء بوجهه وبين تصوره بنفسه ولو كان بسبب تصور امر آخر .
ولعل خفاء ذلك على بعض الأعلام وعدم تمييزه بينهما كان موجباً لتوهم امكان ثبوت قسم رابع وهو ان يكون الوضع خاصاً مع كون الموضوع له عاماً”، وتحتمل الإشارة الى العلامة المحقق الشيخ حبيب الله الرشتي الذي اختاره في بدائعه.
وقيل أنه لا يكون للوضع إلا قسمين لا ثلاثة ولا اربعة فكما لا يعقل القسم الرابع وهو الوضع الخاص والموضوع له العام، كذلك لا يعقل القسم الثاني أي الوضع العام والموضوع له الخاص بحجة عدم بيان الموضوع له بالتفصيل بل لأن الوضع عام واجمالي وعدم تصور خصوصيات الأفراد الخارجة عن ماهيتها الذاتية، ولكن هذا القول مندفع لأن الموضوع له على نحو الإجمال وتصور الكلي يكون مقترناً بتصور أفراده بالإضافة إلى تصور الجامع المنطبق عليه وعلى غيره.

حاجة الحرف إلى موضوع
وأشكل الماتن على جعل الحروف من الوضع العام والموضوع له الخاص وعده من التوهم وان لها معنى كلي قابل للإنطباق على كثيرين كما اذا وقع في حيز الأمر والنهي ونحو ذلك، لذا ذهب بعض الفحول وهو صاحب الفصول الى تعدد المراتب في الأمر وهو ان المستعمل فيه جزئي إضافي، فإبتداء السير من البصرة جزئي بالنسبة الى مطلق الإبتداء، ولكن تقع تحته عدة ابتداءات متجددة في خروجه من البصرة، او في قوله تعالى [أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ] ( ) فان الإتمام يتكرر بعدة نهايات.
وكأن الحرف يحتاج إلى موضوع يتقوم به كذلك الحرفي يتوقف في تحققه ذهناً على موضوع يتقوم به وهو المعنى الاسمي ، وعن الإمام علي عليه السلام (الكلام ثلاثة أشياء : اسم ، وفعل ، وحرف جاء لمعنى ، فالاسم ما أنبأ عن المسمى ، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى ، والحرف ما أوجد معنى في غيره)( ).
في رواية الحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل، وهذا لا يعني انعدام المعنى للحرف اصلاً، أو إنه محتاج إلى مفهوم آخر ليكون له معنى معين في الذهن، بل إنه يحتاج إلى مؤونة ونسبة في الخارج، أما في عالم الاعتبار وفي الذهن فانها موجدة لمعانيها، فالحرف له معنى ولكن هذا المعنى الحرفي ليس قائماً بنفسه كما هو حال المعنى الاسمي بنفسه، مثلاً النجاة في الصدق يحكي الظرفية.
نعم الحرف لا يستعمل إلا بمدخول ومتعلق والمعنى الرابط هو مدلول الحروف لأنها أدوات مثل (إلى) (من)، فبينما تحكي المعاني الاسمية نسبة إبتدائية متقررة فإن وضع الحرف جاء لإفادة تلك النسبة والربط في موضع الإستعمال .
فالحرف (إلى) في قوله تعالى [أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ] ( ) وضع لتحديد الرابطة بين الصيام والليل .
وهيئة (الدين النصيحة) لإيجاد النسبة الإصطلاحية بين الدين والنصيحة، كما أخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن تميم الداري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الدين النصيحة ، قالوا : لمن يا رسول الله، قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم( ).
والماتن لم يفرق بين الاسم والحرف من حيث ذات المعنى، وجعل الإختلاف بينهما في كيفية الوضع.
ومثل (ويكون حاله أي الحرف كحال العرض فكما لا يكون في الخارج الا في الموضوع كذلك لا يكون في الذهن إلا في مفهوم آخر)، اذ ان العرض لا يستقل بنفسه ولا يوجد إلا مع وجود غيره، فالمعاني الحرفية في الذهن كحال الأعراض في حاجتها للتلبس بالموضوع في الخارج، وهذا لا ينفي وجود معنى جزئي للحرف.
فهناك فرق بين الاسم والحرف في الوضع لو تعلقا بأمر واحد فلفظ الإبتداء كاسم ، والحرف (من) يتعلق كل منهما بذات الموضوع، ولكن الاسم (الإبتداء) وضع لإرادة معناه في نفسه .
أما الحرف (من) فلا يراد منه معناه كما قال الماتن فاستعماله يكون بلحاظ تبعيته لغيره بحسب قانون الوضع، فما وضع له الاسم والحرف واحد كقولك ابتداء سيري البصرة، وقولك سرت من البصرة، أو حد الصيام الليل، أو أكثر الحيض عشرة ايام، والحرف: يستمر الحيض (إلى) عشرة ايام.
وكأنهما من المترادف إلا ان العلقة الوضعية في كل منهما مقصودة على نحو خاص ويبقى هذا الفارق بينهما، وان استعمل احدهما محل الآخر لذا قال الماتن (فالإختلاف بين الإسم والحرف في الوضع يكون موجباً لعدم جواز استعمال احدهما في موضع الآخر).
النسبة بين الاسم والحرف في الإستعمال
استعمال لفظ الابتداء كاسم محل الحرف لا يصح لأن لفظ الإبتداء يلاحظ فيه معنى نفسه، فكيف يستعمل فيما يلاحظ فيه حالة غيره وكذا لا يصح استعمال كلمة (من) فيما يلاحظ فيه المعنى بنفسه، وإن كان التعدد والتغاير بينهما بسبب أمر خارج عن الموضوع له ، وهو اللحاظ كما ان هذا التغاير لا يؤدي إلى التباين والإختلاف في المعنى.
فتحصل أن النسبة بين الاسم والحرف في الاستعمال عموم وخصوص من وجه .
فمادة الالتقاء وحدة الموضوع واتحاد المعنى، ومادة الافتراق كيفية الوضع وأن المعنى نفسه لوحظ في الاسم، أما الحرف فانه يستعمل بلحاظ تبعيته لغيره وإختصاص كل واحد منهما بوضع.
وقال الماتن (إن المستعمل فيه مثل اسم الإشارة والضمائر أيضاً عام ونشأ تشخصه من قبل طور إستعمالها) مثل أسماء الإشارة كهذا وهؤلاء، والضمائر، هو، هي، هم، ونحوها التي لها معنى عام متحد في نفسه، ولكنها تأخذ معنى خاصاً عند الإستعمال وفق العلقة الوضعية بين اللفظ والمعنى.
لذا قال ابن مالك (بذا المفرد مذكر أشر) أي إن (ذا) اسم اشارة عام ولكنه يستعمل للمفرد المذكر والإشارة عليه بالإستعمال، فاسماء الإشارة والضمائر تكون موضوعة لأمر كلي كما في الحروف، ففي مرحلة الإستعمال يكون التشخص وجزئية المعنى لأنه جاء من أمر خارج عن ذات المعنى وهو الإشارة، او التخاطب وإرادة شخص معين، فهو تشخص لاحق.
ولكن هذا التقسيم وإن كان خاصاً في مرحلة الاستعمال يتعارض في الجملة مع نفي الوضع العام والموضوع له خاص لا أقل في مرحلة الاستعمال.
ثم قال الماتن (ليس في كلام القدماء من كون الموضوع له او المستعمل فيه خاصاً في الحروف عين ولا اثر، وانما ذهب اليه بعض من تأخر) ويحتمل في كلامه هذا معنيان :
الأول : انه ينفي القسم الثاني، ان الموضوع له خاص.
الثاني : انه خاص بالحروف.
واراد ببعض من تأخر صاحب الأصول تبعاً للمحقق الشريف.
فالحروف لها أسماء موازية لها، فالحرف (من) يوازيه (إنتهاء)، و(في) توازيه (ظرفية)، و(إلى) يوازيه إنتهاء، ومع هذا لا يرقى إلى المترادفين اللذين يمكن أن يحل احدهما محل الآخر، فالحرف يدل على النسبة، والاسم يدل على مفهوم اسمي يوازي تلك النسبة.
المعنى الإخطاري والإيجادي
المعاني المرادة من الألفاظ على قسمين:
الأول : معاني إخطارية: أي أن إستعمال ألفاظها في معانيها يوجب إخطار معانيها في ذهن السامع وتصوره لها، مثل معاني الأسماء لأن المفاهيم الاسمية لها ثبوت في عالم الإدراك، وهيئة الفعل وضعت لنسبة الفعل إلى فاعل ما، والفعل الماضي لبيان زمان النسبة الصدورية.
اقول: إن هذا الإخطار لا يكون دائماً على نحو التفصيل بل يكفي فيه الإجمال، والتفصيل يكون لاحقاً او ليس ضرورياً في نسبة الإخطار.
الثاني : معاني ايجادية: وهي التي ليس لها ثبوت وتعريف مستقر في عالم التصور والعقل، بل إن كيفية وإستعمال ألفاظها موجب لإيجاد معانيها، فياء النداء وكاف الخطاب لا يوجد له معنى إلا بالإستعمال كما قالوا.
والأقوى أن الحروف لها معاني إخطـارية ولكنها لا تكـون تامة الا مع غيرها، وإستعمالها موجب لإخطار ما وقع في الخارج من نسبة النداء أو الابتداء أو الإنتهاء، فلا فرق بين اسم الإبتداء وما يدل على معناه في الخارج، وبين نسبة الإبتداء التي يحكيها لفظ (من) في كما في قوله تعالى وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ.
وظاهر الشيخ النائيني بأن المعاني الاسمية اخطارية، وان المعاني الحرفية ايجادية، لأن الاسم يدل على معنى ثابت في ذهن المتكلم في المرتبة السابقة على الكلام، والاسم تعبير عن ذلك المعنى.
والحرف إيجادي لأنه أداة للربط بين مفردات الكلام فليس له معنى سابق رتبة عن مرحلة التلفظ والإستعمال.
ويتوقف الوضع على تصور المعنى، كما يتوقف على تصور اللفظ ، فاذا كان بنفسه فيسمى الوضع شخصياً، وأما بعنوان يشير إليه فيسمى نوعياً.
مقارنة بين الإخطار والإيجاد
الإخطارية هي المفاهيم الأسمية ، وعند إستعمال ألفاظها تكون على شعبتين :
الأولى : إخطار معانيها واستحضارها في ذهن السامع .
الثانية : لها تقرير ونوع ثبوت في الإدراك والفعل، وهو سر إستحضارها.
والإيجادية هي معاني الحروف، واستعمال ألفاظها موجب لاخطار تلك المعاني في الذهن , وليس لها تقرير وثبوت .
إنما توجد في مواضع الإستعمال فلذا تسمى المعاني لإيجادية مثل ياء النداء وحرف الجر (من) وكما لو قلت (ياأيها) نعم مفهوم النداء والخطاب والجر وإرادة الغاية من (حتى) له تقرير عند العقل وفي ذهن المتكلم والمستمع.
فالمعنى الاسمي إخطاري لأن له معنى متبادر ، والمعنى الحرفي إيجادي الذي ليس له معنى قبل الإستعمال إلا بعد أن يرد مع غيره .
ولا بد من نسبة وعلقة من قيام العرض بموضوعه، لأن العرض لا يتقوم بذاته، كالبياض والسواد، والملوحة والعذوبة فيقال : الثوب ابيض، و يتقوم العمل بالإتحاد بينهما في الحمل الشائع الصناعي الذي تتغاير فيه ذات الثوب عن ذاتية وحقيقة الأبيض .
والأصل التباين بينهما وإستقلال كل من الثوب والبياض بذاته، كما أن الثوب موضوع يصلح لعرض ولون آخر، وكذا البياض يحل بذات وجوهر آخر [صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ] ( ) وبقيام العرض كاللون بموضوعه كالثوب تكون العينية والإتحاد في الوجود .
وتسمى الحروف الوجودات الرابطية كحروف الجر فوظيفتها ربط العرض بالموضوع، فقولك (زيد في الدرس) نسبة ظرفية ودليل على العرض العارض على زيد .

ثم لا يبعد أن يكون الاختلاف في الخبر والانشاء أيضا كذلك فيكون الخبر موضوعا ليستعمل في حكاية (15).
(15) بعد ان بين الماتن الإتحاد في المعنى بين الاسم والحرف، وحصر التمايز بينهما في كيفية الوضع لم يستبعد ذات النسبة في الإتحاد في المعنى والتمايز في كيفية الوضع بين الخبر والإنشاء .
فلا فرق في معنى (بعت) إنشائياً وإخبارياً إلا بلحاظ كيفية الوضع والإستعمال المترتب عليه والقصد والعزم.
بين الإخبار والإنشاء
في الإخبار يستعمل اللفظ بعنوان الحكاية والخبر عن ثبوت معناه، بخلاف الإنشاء فانه يستعمل بقصد ايجاد المعنى وإثباته، مع ان اللفظ واحد كما في (بعت) وينسب الخبر والإنشاء إلى ذات الفاعل مما يعني أنهما مختلفان بحسب الوضع ولكنهما متفقان فيما وضعا له واستعملا فيه، والتباين في العلقة الوضعية كما حال الإسم والحرف، نعم هذه النسبة بين الإنشاء والإخبار ليست دائمة.
فاللفظ على اقسام :
الأول : قابلية اللفظ أو الجملة للإنشاء والإخبار في آن واحد خاصة بالنسبة للفظ القرآني.
الثاني : اللفظ إنشائي محض كالإيقاع مثل صيغة الأمر والتمني.
الثالث : اللفظ إخباري محض لا يحتمل الإيجاد في عالم الإعتبار كما في قوله تعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، والقول: الأشهر الحرم ، والملائكة أجسام نورانية، فالأمر في مثل هذه الجمل خارجي عيني.
والإتحاد في المعنى والإختلاف في كيفية الوضع لا يتحصل إلا في القسم الأول، ويعرف المراد بلحاظ القرينة أو الأمارة الدالة عليه لإتحاد المعنى والإستعمال.
أما القسمان الثاني والثالث فهما أجنبيان عن الموضوع لإنحصار معناهما في واحد منهما أما الإنشاء أو الإخبار.
علامات الحقيقة والمجاز
الحقيقة هي كل لفظ أفيد به ما وضع له في أصل اللغة ، ويراد منها في علم الكلام ما يفسر الشيء والتعريف ليس على نحو الحقيقة بل التقريب أي ان تعريف الحقيقة الإصطلاحي هنا لم يثبت أنه حقيقة، ولكن يكفي التسالم بأنه حقيقة، أما المجاز فهو كل كلام أريد به غير ما وضع له في الأصل على جهة التبع للأصل.
وعلامات الحقيقة ثلاثة :
الأولى : التبادر : أي تبادر معنى مخصوص إلى الذهن عند سماع لفظ معين , وانسباق المعنى إلى الفهم من ذات اللفظ حال صدوره من المتكلم مجرداَ عن كل قرينة , فهذا التجريد والخلو من القرينة شاهد على وضع اللفظ للمعنى على نحو الحقيقة .
الثانية : صحة الحمل وعدم صحة السلب، كما أن صحة السلب تدل على أنه مجاز , فالأسد حقيقة هو الحيوان المفترس في الغابة ، فاذا قلت رأيت أسداً منهزماً فانه يدل على صحة السلب وأن المراد رجل شجاع منهزم من عدوه.
ويمكن المثال والتجربة بأن نجعل المعنى الذي يشك في وضع اللفظ له موضوعاَ , وترمز له بلفظ مخصوص , ثم تجعل اللفظ المشكوك في وصفه له محمولاَ .
وقيل الإستعمال علامة الحقيقة ولكنه أعم منها واستدل على الوضع بتصنيف أهل اللغة ولكن هناك برزخ بينهما , ويمكن تقسيم التبادر لأي قسمين :
الأول : التبادر الوضعي .
الثاني : التبادر الإستعمالي .
ليس من دور على التبادر والعلم بالوضع فإنه يقال (الموقوف عليه غير الموقوف) أي أن العلم الموقوف على التبادر وهو غير العلم الموقوف عليه التبادر للتغاير بينهما .
التبادر يتوقف على العلم الإجمالي والإرتكازي أما العلم الذي يتوقف عليه التبادر فهو العلم التفصيلي فلا يلزم الدور .
الثالثة : الإطراد : أي ان اللفظ لا تختص صحة إستعماله بالمعنى المشكوك بمقام دون مقام ولا بصورة دون صورة، بل إنه مطرد في كل احوال الموضوع، فالأسد يطلق حقيقة على الأسد لأنه مفترس في كل أحواله.
أما الشخص الشجاع فيطلق عليه أنه أسد مجازاً للتباين في الخلق ، ولأنه في بعض الحالات ينتابه خوف ولا تظهر عليه شجاعة أو إقدام مما يعني أن لفظ الأسد في الإنسان الشجاع مجاز، لأنه لم يطرد ويستمر في جميع أحواله. وقيل أن الإطراد لا يختص بالحقيقة.
أصالة الحقيقة
وهناك فرق بين علامات الحقيقة والمجاز وبين أصالة الحقيقة فلم يثبت تعبد الشارع لنا بأصالة الحقيقة والبناء عليها عند الشك فيما هو الموضوع له اللفظ، ولم يثبت دائماً تباني العقلاء على استعمال الحقيقة بل قد يكون العكس كما في اطلاق لفظ حاتم على الكريم أو أسد على الشجاع.
لذا فان أصالة الحقيقة من الأصول اللفظية التي يعتمدها العقلاء عند الشك فيما هو المراد لإنعقاد الظهور بإرادة المعنى الحقيقي لذا قيل ان كل الأصول اللفظية راجعة إلى أصالة الظهور كأصالة الإطلاق وأصالة العموم وأصالة عدم التقدير.
ومن القواعد الفقهية المستقرأ من اللغة العربية : الأصل في الكلام الحقيقة ، لبيان قانون وهو لا ينتقل إلى المجاز إلا مع القرينة ، ووجه الشبه بين الحقيقة والمجاز .
ومورد أصالة الحقيقة الشك في إرادة المتكلم وهو أنه قصد المعنى الحقيقي او المعنى المجازي من اللفظ، فاذا كان مراد المتكلم غير مجهول عند المتلقي فلا تصل النوبة إلى أصالة الحقيقة ففي إستعمال اللفظ في معناه وجوه ثلاثة:
الأول : إرادة الحقيقة.
الثاني : إرادة المجاز.
الثالث : الشك في إرادة أحدهما.
فأصالة الحقيقة لا تأتي إلا في الوجه الثالث منها بلحاظ أن الإستعمال أعم من الحقيقة والمجاز.
فاذا قلت تغذينا عند حاتم ، يحمل على المجاز وليس المراد الكريم حاتم الطائي ، وإذ قلت رأيت أسداً يحمل سيفاً يحمل على المجاز والمراد رجل شجاع لقرينة حمله السيف .
ومع وجود القرينة على إرادة المعنى المجازي تكون حجة على المتلقي وعلى المتكلم كما سيأتي في الأصول اللفظية، وظهور الكلام في مرحلة المدلول اللفظي يتعلق بالمعنى الموضوع له أصلاً ، وبقصد الدوام فتستحضر صورته في الذهن حال سماع اللفظ.
والحقيقة هي كل لفظ يفيد معنى موضوع له في أصل اللغة، لنسبة لغوية أو شرعية أو عرفية، وتستعمل في علم الكلام في نفس الشيء، وفي التصور الجاري في الفعل مجرى ذات الشيء.
أما المجاز فمعناه واحد في اللغة والأصول والكلام فهو كلام أريد به غير ما وضع له اللفظ في الأصل على جهة التبع للأصل بلحاظ وجه للشبه بينهما.
وقال الماتن (لا يخفى ان تبادر المعنى من اللفظ وانسباقه إلى الذهن من نفسه وبلا قرينة علامة كونه حقيقة فيه، بداهة انه لولا وضعه له لما تبادر).
فالتبادر كاشف عن وضع اللفظ للمعنى بشرط أن يكون التبادر خالياً من القرينة الحالية أو المقالية ولا يكون ناتجاً عنهما، وكذا التبادر المترشح عن الشهرة ومقدمات الحكمة الموجبة للإطلاق علامة الحقيقة.
ويمكن الإشكال بان التبادر أعم من الوضع وإن كان من علامات الحقيقة كلفظ الصلاة إذ يتبادر الى الذهن منه هذا المعنى المخصوص مع ان اللفظ لم يوضع لها في الأصل فقوله تعالى وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ،يراد منه الفريضة العبادية اليومية بشرائطها من غير حاجة للإنتقال إلى موضوع الحقيقة الشرعية.
فالتبادرالذي يدل على الحقيقة يجب أن يكون مترشحاً عن ذات اللفظ وليس إلى القرينة خصوصاً وأن شهرة وإعتياد المعنى المجازي ايضاً قد يفيد التبادر، أي لا يشترط بالتبادر إنحصار سببه بالوضع ، وليس بما بين اللفظ والمعنى من مناسبة التي لا يقول بها الماتن.
وكذا فان انسباق معنى خاص منوط بالعلم بالوضع له، وإلا لزم الترجيح بلا مرجح، والإنسباق بلا وجه يلزم الدور ، لأن التبادر حينئذ يتوقف على العلم بالوضع، والعلم به على التبادر، فالمقصود ترتب العلم بالوضع على التبادر بلحاظ أن التبادر أمارة على الحقيقة ولكن الذي يتوقف على التبادر هو العلم التفصيلي به، أما العلم الذي يتوقف التبادر عليه فهو العلم الإجمالي كلفظ الصعيد في قوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا.

المجاز
بعد أن يوضع اللفظ لمعنى خاص تكون العلقة الوضعية بينهما ظاهرة وثابتة ومستديمة، ويسمى المعنى الحقيقي لحالة الإقتران الثابت بين اللفظ والمعنى الذي وضع له أصلاً، وقد يستعمل اللفظ لمعنى آخر بسبب وجوه شبه والتقاء مع المعنى الحقيقي، ويسمى حينئذ المجازي لعدم قدرته على إزاحة المعنى الحقيقي لأصالته وثبوته.
ويختلف المجاز عن الحقيقة في أصل الوضع، فهو لا يحتاج عناية ذاتية في الوضع الخاص، كما هو الحال في الوضع للمعنى الحقيقي، بل انه مشتق من الحقيقي وطارئ عليه بلحاظ إتحاد الموضوع أو وجود شبه أي إنه وجد لفظاً له وجوداَ ذهني ومعنى إجمالياَ فأخذه استعارة وتجوزاً، فالمجاز يمر بمراحل:
الأولى : مرحلة الوضع ولابد فيها من شبه مع الحقيقي يمكن معه أن يتجدد ويتكرر وضع اللفظ له بعد إستعماله في المعنى الحقيقي.
الثانية : مرحلة الإستعمال فانه يحتاج إلى قرينة زائدة وإن اللفظ يستعمل في المعنى المجازي بالإضافة إلى الحقيقي .
فالطولية باقية بين اللفظين وهما ليسا بعرض واحد، بل يسبق المعنى الحقيقي إلى الذهن دائماً عند سماع اللفظ مجرداً من القرينة .
الثالثة : مع عدم القرينة الصارفة للمعنى لا يستطيع المجاز مزاحمة الحقيقة.
وذكر نوع آخر من المجاز وهو ارادة فرد خاص من المعنى الحقيقي الموضوع له اللفظ كما ذكره السيد الصدر في باب استعمال اللفظ وإرادة الخاص قال: اذا اتيت بلفظ الماء واردت ماء الفرات فهذا له حالتان، الأولى ان تستعمل لفظ الماء بمفردها في تلك الحصة بالذات أي في ماء الفرات بما هو ماء خاص، وهذا يكون مجازاً لأن اللفظ لم يوضع للخاص بما هو خاص( ).
والأقوى انه ليس بمجاز ولكن جاء لفرد خاص منه كالألف واللام العهدية، بل هو فرع منها لقرينة الفرات التي تفيد التقييد والتعيين فهو تشخص لاحق وارادة لذات المعنى الذي وضع له اللفظ بالأصل حتى على القول بنظرية التعهد في الوضع لإرادة النوع .
ويمكن ان نطبق عليه مقدمات الحكمة لوجود قدر متيقن في مقام التخاطب، فلا ينعقد الإطلاق ولا تصل النوبة إلى المجاز حتى على القول بأنه أيضاً فيه مطلق ومقيد.
مثلاً الصيام هو الإمساك عن الأكل والشرب ونحوها من المفطرات ولكنك جئت به لإرادة صيام شهر رمضان دون غيره من وجوه الصوم الأخرى كصوم الكفارة والمستحب وغيرهما، وعدم كونه مجازاً لبقاء ذات الموضوع الحقيقي بإرادة أحد أفراده .
وعلى فرض القول بأنه مجاز فان هذه المسألة تنطبق على إطلاق اسم الجنس على الفرد منها كإطلاق كلمة الأسد على فرد منها، أو الشجاع على شخص معين وعلى ذات الشيء بافراده المتكثرة الطولية والمتجددة كشهر رمضان وفرض الصيام كما في قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ.
وحينئذ لا يكون فرق في التجوز بإطلاق لفظ أسد على الشجاع وإطلاق شجاع عليه فكله مجاز وهذا لم يقل به أحد، وإلا أين لفظ الحقيقة لهذا الفرد المتشخص في الخارج بخصوصية معينة وهي الشجاعة فاطلاق اسم الماء على ماء الفرات بما انه اسم جنس من أفراد الحقيقة وليس المجاز.
ان انطباق المفهوم الكلي على مصاديقه وافراده ينفي الإنتقال الى المجاز بدليل انطباق صفات الحقيقة عليه من التبادر وعدم السلب ، وإن قيل أن الإطراد لا يدل على الحقيقة ولأن المجاز لغة من التعدي.
انه تطبيق اللفظ على مصداقه ومدلوله الخارجي ليس من المجاز العقلي او اللفظي لأن المستعمل فيه ليس مبايناً لما وضع له.
ومن علامات الحقيقة التي عليها الإجماع التبادر، بل هو أهم علاماتها أي انسباق المعنى إلى الذهن من اللفظ حال النطق به، بلحاظ أن المجاز يتخلف رتبة عن الحقيقة، فلا يتبادر إلى الذهن الا بالقرينة أو الواسطة بالإضافة إلى الإطراد وهو صحة استعمال اللفظ في المعنى المشكوك كونه حقيقياً بجميع افراده ومصاديقه الطولية المتكثرة في الخارج .
فلو شككنا في فرد من أفراد الصيام هل هو صيام فاذا كان شاملاً للإمساك ساعات النهار من جميع المفطرات فهو صيام، أما إذا احتسب السكوت عن الكلام أو الصيام إلى الزوال صياماً، فانه فرد مشكوك ولا يصدق على جميع افراده العرضية والطولية فهو يطلق عليه صيام من باب المجاز.
وقد ورد في مريم بنت عمران عليها السلام قوله تعالى إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْمًا، وفيه معنيان :
الأول : إرادة الصمت والإمساك عن الكلام، وفي مصحف عبد الله بن مسعود صمتا بدل صوماً ، ولكن المدار على ما مرسوم في المصاحف.
الثاني : المراد الصيام عن الأكل والشرب إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم .
وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن صوم الصمت لأنه نسخ في أمته( ).
كما نهى عن صوم الوصال (عن أبي سعيد الخدري : أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : لا تواصلوا ، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر .
قالوا : فإنك تواصل يا رسول الله ، قال : إني لست كهيئتكم ، إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني)( ).

الثالث صحة استعمال اللفظ فيما يناسب ما وضع له، هل هو بالوضع، أو بالطبع ؟ وجهان، بل قولان، أظهرهما أنه بالطبع (16).
(16) بين الوضع والطبع
أي صحة إستعمال اللفظ في موضوع لم يوضع له بالأصل وإنما يكون استعماله فيه مجازياً ، انما يكون بمناسبة وعلاقة بينه وبين ما أستعمل له بالأصل، سواء كانت المناسبة عرفية أو عقلائية أو موضوعية أو شرعية ومع الإتفاق على هذه الحقيقة فإنه اختلف في علة هذا النقل وسببه هل هو بالإذن والترخيص من الواضع، ويسمى الوضع النوعي .
وكأنه أجاز استعمال الألفاظ في معاني مجازية لها علقة معينة مع المعنى الحقيقي كالعلائق الخمسة والعشرين التي ذكرها أهل البيان.
فيكون الوضع للمجاز وضعاً فرعياً مترشحاً عن أصل الوضع، وأن اللفظ وضع ليحتمل ويستوعب المجاز، خصوصاً وأن المجاز مشتق من جاز الشيء يجوزه اذ تعداه، لذا سموا به اللفظ المنقول من معناه الأصلي مع مناسبة تدل .
والمجاز يستعمل لعلاقة أو قرينة مانعة من إرادة المعنى الوضعي، فالقرينة امارة على إرادة غير ما وضع له اللفظ، وهذه القرينة قد تكون متحدة أو متعددة، فإطلاق لفظ أسد على شخص شجاع بقرينة وجوده في البلد وهيئته وانسانيته وانعدام وجود الأسد من ذوات الأربع في البلدة.
أما العلاقة فهي المناسبة بين المعنى الحقيقي المنقول منه والمعنى المجازي المنقول اليه فبها ينتقل من الأول إلى الثاني.
اما (الطبع) فهو أن العقلاء لما نظروا الى اللفظ والعلقة الوضعية بينه وبين المعنى أجازوا وضعه لما يرتبط مع المعنى الحقيقي بقرينة أو مناسبة أي علاقة، ورجح الماتن القول الثاني أي الإستعمال بالطبع لأن الوجدان شاهد على أن الواضع لم يرخص باستعمال اللفظ في المجاز المناسب للمعنى الحقيقي انما جاء هذا الإستعمال لاحقاً ومتأخراً كثيراً عن الوضع، وقال الماتن “بشهادة الوجدان بحسن الإستعمال فيه ولو مع منع الواضع”، ومراده ان يكون الواضع من البشر سواء كان فرداً أو جماعة.
أما على القول بان الواضع للغات الله عز وجل فان الله سبحانه لا تستعصي عليه مسألة، فمع منعه تعالى لا يتم الإستعمال في المجاز لحرمته تكليفاً.
وبينما ذهب الماتن في باب دلالة الألفاظ على معانيها وأنها بالجعل والتخصيص وهو المشهور شهرة عظيمة وليس دلالة ذاتية صرفة، قال هنا بالطبع وليس بالوضع للتباين الموضوعي بين الوضع الأصلي الحقيقي والاستعمال الثانوي المجازي .
ومراد الماتن من الاستعمال هنا أي المجاز واستعمال اللفظ في معنى آخر مستحدث لوجود مناسبة بين المعنى الذي وضع له اصلاً والمعنى الذي استعمل فيه مرة اخرى .
فاستعمال لفظ أسد على الإنسان الشجاع، هل هو بالوضع كما في استعماله في الأسد ، أم أنه بالطبع لوجوه الشبه بين الأسد والإنسان الشجاع.
فالوضع هنا ثانوي ولاحق للوضع الاول على فرض القول به للتباين بين الوضع والمجاز ، أي أنه ليس وصفاً إبتدائياً لأن الوضع الذي وضع للحيوان المفترس، فهو ليس وصفاً شخصياً يلاحظ فيه مادة وهيئة اللفظ بل هو عبارة عن نقل للوضع الأول، وإذا أطلق عليه لفظ الوضع فإنه وضع مجازي.
ونسب إلى الجمهور القول بان هذا هو الاستعمال الثانوي بالوضع ولعله من التسامح في الالفاظ، والا فان تعريف المجاز يدل على أنه أعم من الوضع إذ عرف في علم البلاغة بانه : الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له .
واللفظ الذي نقل من معناه الاصلي، واستعمل ليدل على معنى غيره، مناسب له لعلاقة مع قرينة صارفة عن المعنى الوضعي”.
فالعقل واللغة والوجدان تشهد بأن المجاز ليس وضعاً ابتدائياً جديداً، وحتى قول الماتن بأن استعماله بالطبع ليس كافياً، أي أن الطبع وحده ليس علة تامة لاستعمال اللفظ في المجاز بل ان موضوع المجاز بذاته له علاقة أي مناسبة بين المعنى المنقول عنه والمنقول إليه تكون وسيلة وسبباً لإنتقال الذهن من المعنى الأول الى الثاني.
استعمال المجاز بالطبع
إن قول الماتن بان استعماله بالطبع يجعل سبب الإختيار بإرادة الإنسان بينما تكون هناك وجوه مشابهة وقرائن لفظية أو حالية تفهم من حال المتكلم أو من الواقع تصرف الذهن جرياً وإنطباقاً إلى المعنى المجازي وهو مناسب للوجدان والطبع وحكم العقل.
والطبع قوة للنفس في إدراك الدقائق، وسجية الإنسان، وقد حكي عن السيد المرتضى : بانه الخاصة التي يكون بها الحادث لا من جهة القدرة .
اما عند الحكماء فهو أعم ويشمل الجواهر التي ليس لها شعور ويريدون به خصوصية الشيء، فالنار طبعها الإحراق، والثلج التبريد، والمصباح الإضاءة، وهو مبدأ الحركة كحركة الحيوان، أو حركة الفلك.
وللوضع في علم الكلام وهو العلم بأصول الدين تعريف آخر لم يخرج عن المعنى اللغوي، فهو هيئة تعرض للجسم بلحاظ نسبتين :
الأولى : بين أجزائه بعضها للبعض الآخر.
الثانية : نسبته إلى الأمور الخارجة عنها.
الأولى كالجلوس فانه هيئة الإنسان بحسب قعوده، ومن الثانية الركوب وهي هيئة الإنسان بحسب ركوبه لشيء آخر.

الرابع: لا شبهة في صحة إطلاق اللفظ، وإرادة نوعه به، كما إذا قيل: ضرب – مثلا – فعل ماض، أو صنفه كما إذا قيل: ( زيد ) في ( ضرب زيد ) فاعل، إذا لم يقصد به شخص القول أو مثله كضرب ) في المثال فيما إذا قصد. وقد أشرنا إلى أن صحة الاطلاق كذلك وحسنه، إنما كان بالطبع لا بالوضع، وإلا كانت المهملات موضوعة لذلك، لصحة الاطلاق كذلك فيها، والالتزام بوضعها كذلك كما ترى. وأما إطلاقه وإرادة شخصه، كما إذا قيل: ( زيد لفظ ) وأريد منه شخص نفسه، ففي صحته بدون تأويل نظر، لاستلزامه اتحاد الدال والمدلول، أو تركب القضية من جزءين كما في الفصول (17).
(17) استعمال اللفظ في المعنى
من الأعلام من أطلق على هذا الأمر استعمال اللفظ في اللفظ في مقابل استعمال اللفظ في المعنى الذي ينقسم الى حقيقة ومجاز، ولكن هذا الأمر لا يصلح قسيماً لاستعمال اللفظ في المعنى بل فرع منه، ويتعلق بحيثية مخصوصة تكون من مصاديق الاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز، وسريان الحكم الى الكلي.
فقولك (ضرب) تفيد معنى وحصول فعل فيأتي اللفظ مطلقاُ ولكن يراد منه النوع والانحلال إلى أفراد فعل الضرب، وتقول (زيد انسان) فتارة تريد شخصاً معيناً فهو لا يدخل ضمن إرادة النوع، وتارة يراد منه كل شخص اسمه زيد، فجاء الإطلاق بوصف أنسان ويصح إستعماله للنوع.
أول تقول (صلى) لإفادة وقوع الصلاة وتحقق الإمتثال وسقوط الواجب، وتقول (أتم الصلاة) وتارة تريد فرداً مخصوصاً وفريضة معينة دخل وقتها، وتارة يراد النوع وتعاهد فريضة الصلاة مع تجدد الخطاب التكليفي بها في اليوم والليلة فيصح إستعماله في النوع،ويدل عليه الألف واللام التي في (الصلاة)الذي يفيد الإستغراق ، قال تعالى وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ.
وقال الماتن إن صحة الإطلاق وحسنه بالطبع وليس الوضع، ولكن هذا الإطلاق أعم من الطبع ويتعلق بوصفه للمعنى على نحو العموم والتوسعة في الوضع بالدلالة الوضعية الاستعمالية التفهيمية، والدلالة التصديقية الجدية اذ ان تقسيم الدلالة إلى هذه الأقسام لا يعني الإستقلال التام لكل منها بل أنها قسمة استقرائية بيانية توضيحية وليست إحترازية، فلا يمنع من تداخلها.
وصحيح أنه مما يستحسنه الطبع لكنه لا يعني الحصر به، كما ان المشهور ذهب إلى الوضع وكذا لا يفيد الحصر به لموضوعية العلائق بين الحقيقة والمجاز ووجوه النسبة بينهما وتوظيف العقل للتوسعة في بيان اللفظ وحصول الاستعمال الجدي للفظ في الأعم من معناه بلحاظ القرينة.
فقد يراد من اللفظ الإطلاق أو الماهية بشرط لا شيء، وهي المجردة التي لا يقارنها شيء من العوارض وخالية من المشخصات واللواحق والاعتبارات الإضافية، ولا يعني أن هذا الإستعمال بالطبع وليس بالوضع أو وضع المهملات للنوع أو الصنف حصراً.


الخامس : لا ريب في كون الالفاظ موضوعة بإزاء معانيها من حيث هي، لا من حيث هي مرادة للافظها، لما عرفت بما لا مزيد عليه، من أن قصد المعنى على أنحائه من مقومات الاستعمال(18).
(18) أي ان الواضع جعل المعاني بامتيازها وتخصصها بنفسها ولا موضوعية لإرادته جزء او قيداً، لصحة الحمل في الجملة الأسمية وصحة الإسناد في الجملة الفعلية من غير لجوء الى تصرف في ألفاظ الأطراف او عزلها عن إرادة المعنى عند اللافظ.
فالمحمول في العدل حسن هو (حسن) ، وإسناد الفعل إلى الفاعل كما في صام زيد، هو نفس الصيام بماهيته ونحوه بما هي كمعاني وحيثيات مترجلة في الخارج على نحو الواقع وليس بما هي مرادا للمتكلم.
وهل يمكن القول إن إرادة اللافظين الخارجية المتحققة في الخارج لا تعني بالضرورة أنه من الوضع العام والموضوع له خاص، لتعلق طرفي الوضع بالمصداق الخارجي وإن تعددت حيثيات الوضع وعدد الواضعين، وأن إرادة اللفظ لمعنى غير المعنى الموضوع له اللفظ او ان اللافظ لا شعور له، وان المعنى مقيد بإرادة الحقيقة، وهذا الإستدلال لطيف وان الوضع سابق لقصد وإرادة فرد مخصوص.
أقسام الدلالة
ويمكن تقسيم الدلالة بلحاظ الإرادة إلى ثلاثة اقسام :
الأول : الدلالة الوضعية : أي دلالة اللفظ على المعنى حين الوضع وايجاد العلقة الوضعية بين الطرفين اللفظ والمعنى، ومتوقفة على قصد المتكلم ان يعرف المتلقي مراده والمعنى من اللفظ، او ان اللفظ يدل على ذات المعنى مع عدم ارادة المتكلم لذلك، وان صدر اللفظ من غير عاقل او غير ذي شعور، فعلى القول الأول الذي نسب الى الرئيس والخواجة تكون الدلالة الوضعية دائماً دلالة تصديقية لأن المعنى المدلول عليه باللفظ عبارة عن المعنى بالإضافة الى مفهوم الإرادة .
وعلى القول الثاني ان الدلالة الوضعية دلالة تصورية تستلزم انخطار المعنى في الذهن عند اطلاق اللفظ وليس ايجاده سواء كان اللافظ قاصداً المعنى او لم يكن قاصداً كما لو صدر منه غفلة او قهراً او عند النوم، وهذا القول هو الذي ذهب اليه صاحب الكفاية وهو المشهور شهرة عظيمة.
الثاني : الدلالة الإستعمالية التفهيمية : وهي التي تعني ظهور حال المتكلم وانه في مقام تفهيم المعنى من اللفظ، والتي تعني بالضرورة والإنطباق ارادة المتكلم للتفهيم، فمجرد ظهور حال المتكلم وارادته للتفهيم وانعدام القرينة الصارفة عن ذلك يعني تبعية هذا الشطر من الدلالة للإرادة.
الثالث : الدلالة التصديقية الجدية : أي ان المتكلم يريد افهام المعنى على نحو القصد والجد، فلو كان اللافظ نائماً وتكلم بكلام فان السامع يدرك ان اللافظ لا يقصد واقعاً هذه الإلفاظ فلا شأن لما يتلفظه غفلة او عند النوم مما يعني ان الدلالة التصديقية الجدية تتوقف على الإرادة والقصد.
وهاتان الدلالتان مترشحتان من الظهور السياقي للمتكلم وانه يريد تفهيم المعنى من اللفظ ومراده الجدي.
والخلاف في الدلالة الوضعية يتفرع عن القول بالدلالة التصورية او عدمه، فالذي ينكر الدلالة التصورية في الوضع يقول بان المراد من التبعية للإرادة هي الدلالة الوضعية وليس الأقسام التالية للإرادة من التفهيمية والإستعمالية الجدية بلحاظ ان الدلالة التصورية لاحقة للوضع ، وأنس الناس بها لكثرة استعمال الألفاظ في معانيها والا فان الأصل بالوضع هو الإرادة التصديقية خصوصاً مع المبنى في الوضع هو نظرية الإلتزام ونظرية التعهد التي هي خلاف المشهور .
فلابد ان يكون الواضع ملتفتاً ومريداً لتفهيم المعنى من اللفظ، وموضوعية الإرادة والإختيار والقصد حين الوضع وان العلقة الوضعية بين اللفظ والمعنى لا تكون إلا مع القصد.
وقيل بتبعية الدلالة الوضعية للإرادة حتى على نظرية الإعتبار في الوضع، لأن تفهيم السامع لابد وان يكون مع القصد سواء كان بقصده ذاتاً أو بحصر المعنى من اللفظ لذا قيل بأن إرادة الشيخ الرئيس والمحقق الطوسي هي تبعية الدلالة الوضعية للإرادة لأنها دلالة تصديقية وليس تصورية، بخلاف ما ذهب اليه الماتن من تأويل ارادتهما.

فلا يكاد يكون من قيود المستعمل فيه. هذا مضافا إلى ضرورة صحة الحمل والاسناد في الجمل، بلا تصرف في ألفاظ الاطراف، مع أنه لو كانت موضوعة لها بما هي مرادة، لما صح بدونه، بداهة أن المحمول على ( زيد ) في ( زيد قائم ) والمسند إليه في ( ضرب زيد ) – مثلا – هو نفس القيام والضرب، لا بما هما مرادان (19).
(19) استقلال العلقة بين اللفظ والمعنى
أي ان اللافظ لا موضوعية للفظه في إختيار المعاني بازاء ألفاظها والمقاصد منها لأن معانيها أخذت طابعاً مستقلاً ومستقراً قبل إرادة اللافظ، وإلا لزم موضوعية المتأخر في الموضوع متقدماً وهو محال، لعدم تقدم الشيء على نفسه، إذ أن قصد المعنى من مستلزمات اختيار اللفظ، فاللفظ وإن نطق به الشخص إلا أنه لا يتقوم في موضوعه وغرضه إلا بفهم ومعرفة السامع لمعناه مما يؤكد على وجود المعنى قبل نطق اللافظ له في الوجود الذهني عند كل من اللافظ والسامع.
فالمعنى متقدم رتبة وزماناً ووجوداً وإتساعاً، وبعد المحذور الأول اعلاه ذكر الماتن محذوراً آخر وهو دخول الإرادة شرطاً او قيداً للمعاني يتنافى مع صحة المحل في الجمل الاسمية مثل (الصيام جنة) (اقامة الصلاة)، من غير التصرف في ألفاظ الأطراف أي موضوع القضية ومحمولها، كما في (الصيام) و(جنة) في المثال أعلاه.
فلو كانت هناك مدخلية للإرادة في إختيار الألفاظ لما صح التسالم على حصول الوضع العام والموضوع له العام، كما في أسماء الأجناس .
والضمير في (بدونه) في كلام الماتن يعود للتصرف، أي لو كانت للإرادة موضوعية في صحة الإسناد والحمل لظهرت الحاجة للتصرف فيها أو لأمكن التصرف فيها هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن الإسناد والحمل متعلقان بالذات والصفة وليس بارادة خارجية عنهما .
فالحمل في (الصيام جنة)، والإسناد في (اقامة الصلاة) يتعلقان بالماهية والفعل، وليس بإرادة اللافظ التي هي خارجية عنهما، ولأن مدار الإسناد والحمل على الإتحاد الوجودي.
وما في المتن من عدم مدخلية لإرادة اللافظ في إستعمال اللفظ للمعنى، لأن حصول القصد وموضوعيته في المعنى يأتي من الإستعمال المتأخر عن المعنى، فيه دلالة على عدم موضوعية الطبع في الوضع، لأن الطبع مقدمة وجزء من القصد .
فإذا كانت الألفاظ موضوعة بأزاء معانيها المجردة بما هي مرادة للافظ يحصل التركيب بين المعنى والإرادة، وتكون موضوعية للإرادة كجزء للمعنى، والارادة التي تستلزم الإستعمال.
وعلى فرض اعتبار الإرادة فان هذا الإعتبار خاص بذات اللافظ ان مرتبة الدلالة التصورية وخطور المعنى في الذهن عند سماع اللفظ تتوقف على علمه بالوضع والإستعمال يعني دللاة على سبق الوضع وتقدمه رتبة، وأن الدلالة التصديقية تابعة للإرادة دون التصورية.

مع أنه يلزم كون وضع عامة الالفاظ عاما والموضوع له خاصا، لمكان اعتبار خصوص إرادة اللافظين فيما وضع له اللفظ، فإنه لا مجال لتوهم أخذ مفهوم الارادة فيه، كما لا يخفى، وهكذا الحال في طرف الموضوع (20).
(20) الوضع العام
من أقسام الوضع ما كان المتصور كلياً والموضوع له ذات الكلي، وهو المسمى بالوضع عام والموضوع له عام ومنها ما كان المتصور كلياً والموضوع له مصاديق ذلك الكلي وهو المسمى بالوضع عام والموضوع له عام، ومنه ما كان المتصور كلياً والموضوع له مصاديق ذلك الكلي وهو المسمى بالوضع عام والموضوع له خاص.
ويريد الماتن ان يدفع وهم بقوله ان أخذ مفهوم الإرادة في وضع الألفاظ العامة أمر فاسد ولا واقع له لأن عموم الوضع يجعل إرادة اللافظ اجنبية عن المحل والإسناد كما انهما صحيحان ولا يحتاجان في تقومهما إلى إرادة اللافظ، بالإضافة الى تبادر المعنى في الذهن من اللفظ من دون حاجة إلى الإرادة ولأن المعنى بسيط لا يحتاج إلى التركيب، واضافة الإرادة له مع المشقة المتجددة في احتساب الإرادة واحتمال عدم فهمها لدى السامع من غير واسطة.
ان المعاني من الخارجيات المتسالم على الفاظها ولا تستلزم التقييد بقيد ذهني وإضافي وهوالإرادة، كما أن الوضع يجعل نوع ملازمة خارجية وذهنية بين اللفظ والمعنى الذي وضع له مما يتعذر معه وجود موضوعية وتأثير للإرادة اللاحقة وحكي عن الشيخ ابن سينا أن الدلالة تابعة للإرادة.

وأما ما حكي عن العلمين الشيخ الرئيس، والمحقق الطوسي من مصيرهما إلى أن الدلالة تتبع الارادة، فليس ناظرا إلى كون الالفاظ موضوعة للمعاني بما هي مرادة، كما توهمه بعض الافاضل، بل ناظر إلى أن دلالة الالفاظ على معانيها بالدلالة التصديقية(21).
(21) لا أصل لتسمية ابن سينا رئيس العقلاء
المراد من الرئيس هو أبو علي بن سينا الملقب برئيس العقلاء وهي تسمية لا أصل لها، لأمور :
الأول : إذا كان أحد يستحق هذه التسمية فهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي الحديث : أدبني ربي فاحسن تأديبي( )، ثم الأنبياء والأئمة عليهم السلام.
الثاني : ليس من دليل على كون شخص لا يأتيه الوحي والتنزيل هو رئيس العقلاء، خصوصاً مع الإجماع على عدم عصمة غير الأنبياء والأئمة.
الثالث : إذ كان هناك إصطلاح يطلق على الشارع وهو سيد العقلاء فلا يصلح ان تطلق رئاسة العقلاء على واحد من العلماء أو عامة الناس.
وعلى فرض أن المراد خصوص أهل زمانه فلم يثبت ، نعم، قد يكون مدحاً له في زمانه ولكن هذا المدح استمر له، وكثير من العلماء كان يطري عليهم ، ويبالغ في الثناء عليهم .
فابن الأثير مثلاً يصف أحد العلماء بقوله : إمام الدنيا في زمانه( )، ومن وزراء الدولة العباسية ماكان يسمى رئيس الرؤساء لكنه ينصرف إلى مراتب الحكم( ).
الرابع : لقد قسم الله عز وجل العقل بين الناس وهو من الكلي المشكك عندهم ولا دليل على كون أحدهم فيه رئيساً والآخر مرؤوساً، ولعل التسمية تتعارض مع الحكمة الإلهية في الخلق.
الخامس : ما هو شائع في التسمية هو (الرئيس) على نحو الاطلاق وقد يراد من الرئاسة غير ذلك، وقد سماه صدر الدين الشيرازي شيخ فلاسفة الإسلام( )، وفاضل الفلاسفة( ).
السادس : تسمية ابن سينا نسبة إلى جده الثاني .
هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن سينا ، ولد في أوزبكستان بالقرب من بخارى وتوفى في همدان في إيران (980-1037م) حفظ القرآن ولم يتم السنة العاشرة من عمره ، وصف في كتابه القانون في الطب نحو 760 دواءً وقال أن تلوث البيئة يسبب الأمراض عند الإنسان منها حساسية الجهاز التنفسي .
وورد عن الشيخ البهائي قال: قال الشيخ العارف مجد الدين البغدادي: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام فقلت ما تقول في حق ابن سينا .
فقال صلى الله عليه وآله وسلم : هو رجل أراد أن يصل إلى الله بلا وساطتي فحجبته هكذا بيدي، فسقط بالنار, وخبر هذه الرؤيا ليس بحجة.
وما نسب الى الشيخ أبي علي ابن سينا من القول بان الدلالة تتبع الإرادة لم يكن المقصود منه ان الألفاظ موضوعة للمعاني بما هي مرادة للافظ، والوجدان يقضي بأن الألفاظ موضوعة لذات المعاني من غير لحاظ وإعتبار لإرادتها.
السابع: لا يخفى أن تبادر المعنى من اللفظ، وانسباقه إلى الذهن من نفسه – وبلا قرينة – علامة كونه حقيقة فيه، بداهة أنه لولا وضعه له، لما تبادر ولا يقال: كيف يكون علامة مع توقفه على العلم بأنه موضوع له، كما هو واضح، فلو كان العلم به موقوفا عليه لدار فانه يقال : الموقوف عليه غير الموقوف عليه(22)
(22) قانون التبادر
التبادر أمارة على الوضع وهو نافِ للإجمال، وقال السيد المرتضى بان الإستعمال علامة الحقيقة , ولكنه اعم.
وقيد الماتن التبادر وانسباق المعنى الى الذهن عند سماع اللفظ بقوله (من نفسه) أي من نفس اللفظ ليخرج التبادر الناشيء من كثرة الإستعمال والشهرة ومقدمات الحكمة وارادة الإطلاق، والتبادر الناشيء عن القرينة الحالية والمقالية.
والتبادر علامة للحقيقة في الجملة لأن الخلاف يحصل احياناً في الكبرى وهي ثبوت وضع اللفظ ازاء معنى معين ، واستدل عليه بتنصيص أهل اللغة، ولكن هناك برزخ بين اصل الوضع والتوثيق الذي جاء على لسان أهل اللغة.
فالتبادر في لفظ (الصلاة) هو المعنى الإصطلاحي العبادي لها، وهو غير ما وضع له لفظ الصلاة كما عليه علماء اللغة الا ان هذا التبادر يستند الى الإستعمال والإطلاق وكثرة الوجود وكثرة الإطلاق، وهل يمكن تقسيم التبادر الى قسمين:
الأول : التبادر الوضعي , وهو علامة الحقيقة.
الثاني : التبادر الاستعمالي المترشح عن القرينة والشهرة وكثرة الإستعمال او الوجود الساري، الجواب لا دليل عليه.
وليس من دور بين التبادر والعلم بالوضع وقول الماتن فانه يقال (الموقوف عليه غير الموقوف عليه) أي ان العلم الموقوف على التبادر، هو غير العلم الموقوف عليه التبادر، فالتبادر يتوقف على العلم الإجمالي الإرتكازي اما العلم الذي يتوقف على التبادر فهو العلم التفصيلي فلا يلزم الدور.
فلفظ العين له معنى اجمالي من معان متعددة منها العين الباكية والعين الجارية، والرابية وغيرها، وبعد مراجعة ذهنية واستحضار لمعانيه وفق مراتبها وقرائنها او عدمها ينسبق الى الذهن المعنى الحقيقي لظهوره فيه لأصالة عدم القرينة وغلبة الإستعمال في الحقيقي والتبادر، ويسمى هذا العلم بالعلم التفصيلي والعلم المركب، وهو من بديع خلق الله تعالى للعقل ومراحل التمييز عند الإنسان لذا قال الماتن (المراد به التبادر عند المستعلم، واما اذا كان المراد به التبادر عند اهل المحاورة فالتغاير اوضح كما لا يخفى).

الثامن : انه للفظ أحوال خمسة، وهي: التجوز، والاشتراك، والتخصيص، والنقل، والاضمار، لا يكاد يصار إلى أحدها فيما إذا دار الامر بينه وبين المعنى الحقيقي، إلا بقرينة صارفة عنه إليه. وأما إذا دار الامر بينها، فالاصوليون وإن ذكروا لترجيح بعضها على بعض وجوها، إلا أنها استحسانية، لا اعتبار بها، إلا إذا كانت موجبة لظهور اللفظ في المعنى، لعدم مساعدة دليل على اعتبارها بدون ذلك، كما لا يخفى(23).
(23) أحوال اللفظ
الأول : هذه الأحوال امور طارئة على استعمال اللفظ، تصرفه عن معناه الحقيقي بالقرينة المقالية او الحالية بمعنى عدم وجود شك في مراد المتكلم واحتمال ارادة الحقيقة من اللفظ المستعمل فنعلم انه لم يرد الحقيقة بذاتها، وكذا لم نشك هل اراد المتكلم المعنى الحقيقي او المعنى المجازي وغيره لأنه حينئذ نرجع الى أصالة الحقيقة وهي من الأصول اللفظية التي عليها سيرة العقلاء لمعرفة المعنى المراد من اللفظ المستعمل، ولتقدم الحقيقة رتبة على المجاز ونحوه .
والتجوز هو استعمال اللفظ في غير الموضوع الذي وضع له بسبب علاقة وشبه بينهما كاستعمال لفظ حاتم في الرجل الكريم.
الثاني : الإشتراك هو تعدد المعاني مع اتحاد اللفظ مثل العين ، وذكر أن من أفراد المشترك اللفظي القرء ،أي الطهر والحيض ، والمختار أنه ليس من المشترك اللفظي إنما اختلف في معناه ودلالته على احدهما ، ويدل قوله تعالى وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ.
والمراد من المشترك اللفظي اشتراك عدة معان بلفظ مخصوص ، وهذا الإشتراك ليس على سبيل الجمع والإنتظام ، إنما كل واحد منها على انفراد ، وإذا تعين احدهما انتفى غيره ، فاذا اتضح أن المراد من العين ، هي الآلة الباصرة انتفى معنى عين الماء ، والميزان ، والجاسوس ، والنقد ونحوه.
والتخصيص عبارة عن حصر حكم العام على شطر من افراده باخراج بعض افراده بواسطة الإستثناء او القرينة مثل اكرم العلماء العاملين، او اكرم العلماء الا الفساق، ومنهم من عرفه بانه اخراج بعض افراد موضوع الحكم العام، ولكن التخصيص يتعلق بالأفراد الباقية ضمن حكم العام.
الثالث : النقل هو استعمال اللفظ في معنى مستحدث غير المعنى الذي وضع له اصلاً بحيث تنصرف الأذهان عن المعنى الذي وضع له اصلاً كالصيام اصله الإمساك والترك، ثم استعمل في المعنى الإصطلاحي والعبادة المعروفة وهي الإمتناع عن الأكل والشرب يومه.
الرابع : الإضمار هو تقدير امر يتوقف عليه المعنى , فكأن اللفظ محتاج الى لفظ آخر يتم معه المعنى، وهذه الوجوه من اقسام المجاز الا انها جعلت لها عناوين مستقلة للبيان ولما لها من خصوصية زائدة وما تستلزمه من مؤونة اضافية لإفادة المعنى.
ويمكن اضافة احوال اخرى لها , منها التقييد وهو حصر الأمر المطلق ببعض مصاديقه، والكناية وهي ذكر اللازم وارادة الملزوم مع قرينة دالة عليه وغيرها.
فاذا دار الأمر بين ارادة الحقيقة من اللفظ او ارادة احد هذه الأحوال تكون أصالة الحقيقة هي المرجع وان مرام المتكلم من اللفظ المستعمل هو المعنى الحقيقي، ولكن مع وجود القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي لا تبقى موضوعية للشك بل يصار الى المجاز وأحواله المتعددة لإستظهار إرادة غير المعنى الحقيقي.
ومن وجوه ترجيح بعض هذه الأحوال على البعض الآخر ترجيح المجاز على الإشتراك، لكثرة استعمال المجاز والتوسع فيه لغة ولأن القرائن في الغالب تفكك بين افراد المشترك وتفيد ارادة بعضها لأن العقلاء في باب
التاسع إنه اختلفوا في ثبوت الحقيقة الشرعية وعدمه على أقوال، وقبل الخوض في تحقيق الحال لا بأس بتمهيد مقال، وهو: أن الوضع التعييني، كما يحصل بالتصريح بإنشائه، كذلك يحصل بإستعمال اللفظ في غير ما وضع له، كما إذا وضع له، بأن يقصد الحكاية عنه، والدلالة عليه بنفسه لا بالقرينة (24).
التخاطب وإفهام السامع يتجنبون الإجمال في الغالب ، الا ان الماتن قسم وجوه الترجيح هذه الى قسمين :
الأول : استحسانية غير اعتبارية لا تفيد الا الظن ولا تكون حجة وظاهر كلامه انها الأكثر.
الثاني : اعتبارية تعرف بظهور اللفظ في المعنى المجازي المخصوص بالقرينة المقالية او الحالية , فتصلح لتقديم بعض الأحوال الخمسة الطارئة على اللفظ على بعضها الآخر بالدليل والقرينة الصارفة.
(24) الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له من غير نقل او تجوز كاسم الإنسان ، والأرض ، والنبات ونحوها، واطلق عليها اصطلاح الحقيقة اللغوية أزاء الحقيقة الشرعية والعرفية.
الحقيقة الشرعية
المراد من الحقيقة الشرعية هو وضع اللفظ لهيئته ومعنى مخصوص في الشريعة بالنص عليه بالذات ولم يكن موضوعاً في اللغة لهذا المعنى، أو انه كان موضوعاً في اللغة للمعنى الأعم، فجاء الشارع ليطلقه تجوزاً على معنى مخصوص .
ليتبادر إلى الذهن هذا المعنى عند التلفظ به , فيصبح حقيقة بمعناها الشرعي , كلفظ الصيام الذي معناه الأصلي الإمساك وأطلق على العبادة المخصوصة بالوضع التعييني الذي ينشأ من تصدي الواضع لجعل لفظ مخصوص دالاً على معنى معين.
ولأن الصيام فرض على الأنبياء السابقين وأولهم آدم عليه السلام قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، على وجهين :
الأول : الحقيقة الشرعية بعرض واحد مع الحقيقة اللغوية ، وأنها من الأسماء التي علمها الله عز وجل لآدم ، قال تعالى وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
الثاني : الحقيقة الشرعية جزء من الحقيقة اللغوية ، لأن الصيام كعبادة مما سمّاه الله عز وجل لآدم وعمل بأحكامه بدليل آية الصيام أعلاه .
(قال عنترة( ) : قلت لعلي (عليه السلام) : لأي شيء سُميت هذه الأيام البيض .
قال : لما أهبط آدم ج من الجنّة إلى الأرض أحرقته الشمس. فاسوّد جسده ثمَّ صام اليوم الثالث. فأتاه جبرئيل فقال : يا آدم أتحب أن يبيض جسدك ، قال : نعم.
قال : فصم من الشهر ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر فصام آدم ج أول يوم فابيض ثلث جسده ، ثمَّ صام اليوم الثاني فابيض ثلثا جسده ، ثمَّ صام اليوم الثالث فابيض جسده كلّه فسُميت أيام البيض)( ).
واما الوضع التعيني فهو العلاقة بين اللفظ والمعنى الناشئة عرضاً واشتقاقاً من اللفظ، كما لو اتفق كثرة استعمال لفظ في معنى مخصوص مما يحصل معه وجود ذهني وتبادر وانخطار للمعنى حال سماع اللفظ، مثل لفظ الصلاة للفعل العبادي اليومي .
وهل يدل قوله تعالى إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا، على أن إطلاق هذا اللفظ على الصلاة حقيقة بالأصل وليس أمراً منقولاً لإفادة الآية الوجوب ، الجواب نعم لمصاحبتها للإنسان من حين هبوطه إلى الأرض بدليل الآية أعلاه .
والأصل هو الحقيقة اللغوية بمعنى وضع اللفظ ازاء المعنى من قبل الواضع إلا أن يثبت أنه المراد ، واذا ورد لفظ الحقيقة على نحو الإطلاق فانه ينصرف الى الحقيقة اللغوية، أما الحقيقة الشرعية فتتعلق بتصدي الشارع لوضع اللفظ أزاء معنى مخصوص.
وغالباً ما يكون المعنى والاصطلاح الشرعي مشتقاً من الحقيقة اللغوية، كما في وضع لفظ الصيام للعبادة المخصوصة ولا يتعارض مع كون الأصل في الصيام الإمساك.
وقد ورد لفظ الصوم بمعناه اللغوي كما في قال النابغة :
خيل صيام وخيل غير صائمة … تحت العجاج واخرى تعلك اللجما( ).
وخيل صيام أي ممسكة عن الجري ، وقيل ممسكة عن العلف.
ويقال صامت الريح اذا ركدت وأمسكت عن الهبوب ، وصامت الشمس اذا استوت في منتصف النهار ، وصام النهار إذا اعتدل ، وقال امرئ القيس :
فدع ذا وسلّ الهمّ عنك بحسرة … ذمول إذا صام النّهار وهجراً
وقال الرّاجز :
حتّى إذا صام النّهار واعتدل … وسال للشمس لعاب فنزل)( ).
ومن ثمرة انسباق الذهن ومعرفة ارادة الشارع من اللفظ ، وموضوعية القرائن الصارفة للفظ عن معناه الحقيقي.
ولا يحتاج إطلاق لفظ الصلاة على الصلاة المعهودة إلى قرينة ، إنما اطلاقه على الدعاء هو الذي يحتاج إلى قرينة صارفة ، كما في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، ففي كل مرة من المرات الثلاث التي ورد فيها لفظ (الصلاة) هناك قرينة على إنصراف المعنى لغير الصلاة المعهودة بالجار والمجرور في [يُصَلُّونَ عَلَى] و(صلوا عليه).
وقيل ان ثمرة النزاع انه مع ثبوت الحقيقة الشرعية يكون معنى ورود لفظ الصلاة في كلام الشارع واختراعه هو الصلاة بمعناها الإصطلاحي واركانها المخصوصة .
وأما اذا لم تكن هناك حقيقة شرعية فتصرف الصلاة الى معناها اللغوي وهو الدعاء على القول بانه أصل معنى الصلاة، ولكن هذا التفصيل شبه منعدم في الخارج.
والتبادر من علامات الحقيقة واذا قال الأب لأبنه صل فلا يسأله البيان وهل يؤدي الصلاة المخصوصة أم يكتفي بالدعاء سواء كان عدم السؤال لوجود قرينة صارفة كدخول وقت الصلاة او للمعرفة بالوجوب والتكليف بفريضة الصلاة او غير ذلك.
لذا قيل أن استعمال اللفظ بمعنى شرعي هجران للأصل اللغوي أي المعنى الذي وضع له اللفظ بالأصل ، فلا يفهم من الحج القصد والزيادة ، قال تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.
والمراد من الحج في الآية أعلاه أداء المناسك بوقت وكيفية مخصوصة وفق الكتاب والسنة ، قال تعالى الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ.
وقد يراد المعنى الحقيقي والمجازي في آية واحدة كما في قوله تعالى وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ، فبسط اليد بالضرب والتعدي والسلب ، أما بسط الألسن فهو مجاز أي عدم امساكها عن الإستهزاء بالتنزيل ، وعن الكلام القبيح.
وهل يمكن احتساب الحقيقة الشرعية قسماً من أقسام المجاز أم أنها قسيم له المختار هو الثاني .
والمجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له تجوزاً، وينقسم الى المجاز في الكلمة لوجود علاقة ونوع مشابهة بين المعنى الحقيقي والمعنى المستعمل فيه ويسمى استعارة، والا فمجاز مرسل والذي له اقسام متعددة منها تسمية الشي باسم جزئه كاطلاق الرقبة على الإنسان، كقوله تعالى فَكُّ رَقَبَةٍ، او عكسه كاطلاق الشهر على الهلال كما في قوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، او تسمية السبب باسم مسببه او تسمية الشيء باسم محله او حاله او آلته وغير ذلك.
واستدل على ثبوت الحقيقة الشرعية بتبادر المعاني الشرعية من ألفاظها، وهو علامة الحقيقة , وقيل بثبوتها بواسطة الوضع التعيني ولا تعارض بينهما ، لكثرة المعاني الشرعية وهي أعم من أن تجمعها ضابطة كلية ومنها ما هو حقيقة من أيام آدم عليه السلام وقبل أن يهبط إلى الأرض من غير تعارض بينهما ، لأن التبادر في طول الوضع وفرعه.
الأقوال في الحقيقة الشرعية
الأقوال في الحقيقة الشرعية هي :
الأول : ثبوت الحقيقة الشرعية مطلقاً أي في العبادات والمعاملات.
الثاني : عدم ثبوت الحقيقة الشرعية مطلقاً لا في العبادات ولا في المعاملات.
الثالث : التفصيل بين العبادات والمعاملات بالثبوت في العبادات، وعدم ثبوتها في المعاملات.
الرابع : ثبوتها في المعاملات، وعدم ثبوتها في العبادات ، فمن المعاملات النكاح وهو في اللغة الضم والجمع والتداخل أما في الإصطلاح فهو عقد النكاح دون الوطئ .
وفي المثل أسرع من نكاح أم خارجة .
التي كانت ذواقة إذا جربت الرجل طلقته ، وكان امرها إليها إذا شاءت أقامت ، وإذا شاءت ذهبت وكان الرجل يقف عند خبائها فيقول : خَطب ، فنقول : نكح ، فيقول : انزلي ، فتقول : أنخ.
وقيل تزوجت نيفاً وأربعين زوجاً ، وولدت نيفاً وعشرين من آباء متفرقين وأنهم من أحياء متعددة من العرب .
وكانت امرأة حسناء مقبولة ، ولكن الرجال لا يصبرون على ما تطلبه من الباءة فيطلقونها ، ورأت راكباً يسير ، فقالت لابنها هذا خاطب لي لا شك فيه ما له أسرع واختفى .
وقال ابن دريد (وأمّ خارجة: امرأة قد وَلَدَتْ قبائل من العرب، كان يأتيها الرجل فيقول: خِطْب، فتقول: نِكْح. وقالوا: خِطِبْ فتقول نِكِحْ.
فضُرب بها المثل فيقال : أسْرَعُ من نِكاح أمّ خارِجةَ) ( ).
(وخارِجَةُ ابْنُها، ولا يُعلَمُ مِمَّنْ هو، أو هُوَ ابنُ بَكْرِ بنِ يَشْكُرَ بنِ عَدْوَانَ بنِ عَمْرِو بنِ قَيْسِ عَيْلاَنَ)( ).
(وكانَ الرجلُ يأتي الحَيَّ خاطباً فيقوم في ناديهم فيقول: خِطبٌ، أيْ جئتُ خاطباً، فيقال له: نِكحٌ، أي أنْكَحْناك)( ).
الخامس : التفصيل بلحاظ كثرة الاستعمال، فالألفاظ التي يكثر استعمالها تثبت في الحقيقة الشرعية كالصلاة والصوم، بل وان كانت من المعاملات كالنكاح، والتي لا يكثر استعمالها لا تثبت فيها الحقيقة الشرعية وان كانت عبادة.
السادس : التفصيل بين عصر النبوة وعصر الأئمة عليهم السلام كما بالنسبة لأيام الصادقين عليهما السلام واتساع دائرة الفقه في أيامهما، فتثبت الحقيقة الشرعية في أيامهما بينما تنتفي في أيام النبوة أو كانت أقل .
السابع : المدار في ثبوت الحقيقة الشرعية على كثرة الدوران في زمان الشارع وما بعده من الأعصار على نحو الإطلاق.

وإن كان لا بد – حينئذ – من نصب قرينة، إلا أنه للدلالة على ذلك، لا على إرادة المعنى، كما في المجاز ، فافهم ، وكون إستعمال اللفظ فيه كذلك في غير ما وضع له، بلا مراعاة ما اعتبر في المجاز، فلا يكون بحقيقة ولا مجاز، غير ضائر بعد ما كان مما يقبله الطبع ولا يستنكره، وقد عرفت سابقا، أنه في الاستعمالات الشايعة في المحاورات ما ليس بحقيقة ولا مجاز (25).
(25) هل الحقيقة الشرعية برزخ بين الحقيقة والمجاز
هل يمكن جعل الحقيقة الشرعية برزخاً بين الحقيقة والمجاز، الاقوى نعم في بعض الألفاظ، اذ انها تحمل من الحقيقة اسمها .
ومن المجاز انها وضعت بوضع لاحق ولابد من سبب او قرينة تصرفه الى المعنى الإصطلاحي، ولكن هذا المعنى جاء بالوضع الخاص للحقيقة الشرعية على نحو صريح ومستقل، ولم يرتكز على القرينة وحدها، والمشابهة مع المعنى اللغوي كما هو الحال في المجاز، وهذا لا يمنع من وجوه التقاء بين الحقيقة الشرعية والعرفية والمجاز .
ولكن الحقيقة الشرعية قسيم للحقيقة والمجاز وليس قسماً من أحدهما، وان كانت القرينة موجودة في الحقيقة الشرعية، لأنها خارجية ولتقدم الوضع عليها، خصوصاً وان بعض المعاني الشرعية لا تناسب لها مع المعاني اللغوية لذا ترى المعنى الشرعي ينسبق الى الذهن من ألفاظها.
لقد اراد الماتن ان يبين الفرق بين الحقيقة الشرعية وبين المجاز، بلحاظ القرينة وان المعنى يكون في الحقيقة الشرعية مقصوداً من نفس اللفظ اما في المجاز فان القرينة موضوعة للدلالة على ان اللفظ اختير لغير الموضوع الذي وضع له اصلاً للعلاقة والمشابهة بينهما، أي انه في الحقيقة الشرعية لم تستند دلالة اللفظ على المعنى على قرينة.
يبين الماتن أن النسبة بين الوضع التعييني والحقيقة عموم وخصوص مطلق ، فقد يحصل هذا الوضع بكثرة الاستعمال للحكاية عن المسمى بالأصل .
الوضع للحقيقة الشرعية ليس ابتدائياً مستقلاً بل هو مستقرأ من الوضع للحقيقة، ولكن لا يصدق عليه بانها مجاز لعدم انطباق قواعد اشتقاق المجاز على الحقيقة الشرعية، والتقسيم الى الحقيقة والمجاز تقسيم استقرائي، والإستعمال اعم منهما وكذا بالنسبة للطبع وقبوله للأعم وعدم وقوفه على حدين فقط وهما الحقيقة والمجاز.
ولا ملازمة بين قبول الطبع له وعدم استنكاره له، وقوله انه لا يكون حقيقة ولا مجازاً، فالطبع لا يعرف تقسيم الحقيقة والمجاز والبرزخ بينهما انما هو امر استقرائي تحقيقي في الغالب، والكبرى هي اثبات ان الأمر حقيقة أو مجاز بدليل خارجي لأن التقسيم استقرائي بلحاظ وضع اللفظ بينما يتبع الطبع ما تعارف استعماله وكثر تداوله بين الناس من ارادة معنى معين من لفظ مخصوص لأن ملاك الطبع هو الفهم والتفهيم.

اذا عرفت هذا، فدعوى الوضع التعييني في الالفاظ المتداولة في لسان الشارع هكذا قريبة جدا، ومدعي القطع به غير مجازف قطعا، ويدل عليه تبادر المعاني الشرعية منها في محاوراته(26).
(26) تعيين المعنى الشرعي
أي ان الإصطلاحات الشرعية ليس من الوضع التعيني وكثرة الإستعمال، بل انها تحصل ابتداء وعلى نحو تعيين اللفظ للمعنى الشرعي كلفظ الصلاة وإرادة العبادة التي تبدأ بتكبيرة الإحرام وتختتم بالتسليم ، ولكن ورد تسمية صلح الحديبية بالفتح في التنزيل ، قال تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.
وعن (مجمع ابن جارية الأنصاري قال : شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها إلى كراع الغميم إذا الناس يوجفون الأباعر فقال الناس بعضهم لبعض : ما للناس.
قالوا : أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فخرجنا مع الناس نوجف .
فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على راحلته على كراع الغميم فاجتمع الناس عليه ، فقرأ عليهم إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.
فقال رجل : يا رسول الله : أو فتح هو؟ قال : والذي نفس محمد بيده إنه لفتح) ( )( ).
مع أن الفتح هو دخول البلد عنوة أو صلحاً ، بينما تم صلح الحديبية وعاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من غير أن يعتمروا ومع هذا سماه الله فتحاً ، وفيه مسألتان:
الأولى: ان ما ذكره انفاً لا يصلح ان يكون قاعدة واصلاً لإستنباط هذا القول وتأييد هذه الدعوى ونصرة من يقطع بها فهو اعم من المدعى.
الثانية: تبادر المعاني الشرعية اعم من الوضع التعييني فقد يحصل التبادر من الوضع التعيني خصوصاً عند الإنتقال باللفظ الى معنى جديد مع شيوعه وكثرة استعماله وتداوله .
فالفقه مثلاً لغة هو الفهم ثم اطلق اصطلاح الفقهاء على القراء واستعمل في خصوص احكام الفتوى ومسائل الحلال والحرام، فالفقهاء هم أصحاب الفتوى وان لم يكن هذا المعنى معروفاً او خاصاً بهم أيام النبوة ولا أيام الإمامة أي ليس من الحقيقة الشرعية او المتشرعة.
وصحيح ان التبادر علامة الحقيقة، ولكنه في مقابل المعنى المجازي اذا كانا في عرض واحد في لسان المحاورات، أما إذا كان أحدهما هو السائد في المحاورات بحيث لا يعرف هل هو حقيقة او مجاز لعدم معرفة اصل الوضع وموضوعه , فيكون هو المتبادر خصوصاً بلحاظ موضوعه كما في حال العبادات كالصلاة والصوم.

ويؤيد ذلك أنه ربما لا يكون علاقة معتبرة بين المعاني الشرعية واللغوية، فأي علاقة بين الصلاة شرعا والصلاة بمعنى الدعاء، ومجرد إشتمال الصلاة على الدعاء لا يوجب ثبوت ما يعتبر من علاقة الجزء والكل بينهما، كما لا يخفى(27).
(27) العلاقة بين الكل والجزء
اتجه الماتن الى اثبات صحة ميله للقول بالوضع التعييني للإصطلاحات الشرعية لتوكيد انها حقيقة وليس مجازاً لنقض القول بعدم الحقيقة الشرعية.
واستبعد الماتن وجود علاقة بين الصلاة شرعاً أي هذا الفعل العبادي المتكون من اجزاء منصوصة كالركوع والسجود , والصلاة بمعنى الدعاء وفيه مسائل:
الأولى : النقاش في الكبرى وهي ان معنى الصلاة في اللغة اصلاً هو الدعاء كما هو شائع، وهو امر لم يثبت لغة وان ورد قريباً من هذا المعنى في شعر الأعشى.
وقال الزجاج: الأصل في الصلاة اللزوم يقال: قد صلي واصطلى اذا لزم، وفي لسان العرب: وقال اهل اللغة في الصلاة انها من الصلوين وهما مكتنفا الذنب من الناقة وغيرها، واول موصل الفخذين من الإنسان فكأنهما في الحقيقة مكتنفا العُصعُص، وقال الأزهري: والقول عندي هو الأول انما الصلاة لزوم ما فرض الله تعالى( ).
الثانية: لو تنزلنا وقلنا ان اصل لفظ الصلاة يفيد معنى الدعاء فانه يصلح ان يطلق اسم الجزء على الكل من باب المجاز المرسل، وهو معروف كما في إطلاق العين على الربيئة وقمة الجبل.
الثالثة: اغلب الإصطلاحات الشرعية مستقرأة من المعاني اللغوية ومستنبطة بلحاظ وجوه شبه وصلة بينها، فالحج مثلاً اصله الزيارة والقصد.
والصوم الإمساك، والنكاح الوطئ لذا قيل بانه حقيقة في الوطئ ومجاز في العقد، والمجاز مقدم على الإشتراك اللفظي وهو المشهور .
والظاهر ان العلاقة بين الجزء والكل التي اشار اليها الماتن هي انتفاء الكل بانتفاء الجزء، وان هذا الأمر لا يصدق على الصلاة والدعاء، ولكنها ليس حجة كافية لنفي العلاقة بينهما، والصلاة في ماهيتها دعاء وتضرع وخشوع.
التشبيه
التشبيه من صيغ البلاغة , وهو من العلوم العقلية لذا ترى مصاديقه في كل لغة من لغات العالم لما فيه من ملائمة لحال العقلاء وسيرتهم وسنن التخاطب والحوار بينهم، وفيه تحريض للنفس على استحضار وجوه المقارنة والالتقاء بين المشبه والمشبه به سواء كان القصد من التشبيه المدح والثناء او الذم والتوبيخ.
وفيه حضّ على التدبر والتفكر كما انه يقرب المعنى بلحاظ مادة الإشتراك والالتقاء بين امرين سواء كان استعارة او تشبيهاً بورود أداة التشبيه وقد يحذف المشبه به ويستغنى عنه مع وجود القرينة في الإستعارة المكنية ومنها قوله تعالى [وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ] ( ).
فقد استعير الطائر للذل ثم حذف ، ودلّ عليه بعض لوازمه وهو الجناح ويسمى استعارة تخيلية لأن حقيقة الذل خلوه من الجناح وكما في قولك: انا ضيف حاتِم، كناية عن مضيف كريم، وقد يرد الإصطلاح الشرعي من باب التشبيه وحذف المشبه به للتبادر والتخاطر ووضوح المعنى بلحاظ القرينة الحالية والموضوعية.

هذا كله بناء على كون معاينها مستحدثة في شرعنا، وأما بناء على كونها ثابتة في الشرائع السابقة، كما هو قضية غير واخد من الآيات مثل قوله تعالىكُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وقوله تعالى وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ وقوله تعالى وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا إلى غير ذلك، فألفاظها حقائق لغوية، لا شرعية، واختلاف الشرائع فيها جزءا وشرطا، لا يوجب اختلافها في الحقيقة والماهية، إذ لعله كان من قبيل الاختلاف في المصاديق والمحققات، كاختلافها بحسب الحالات في شرعنا(28).
(28) المصطلحات الشرعية
أي ان الميل الى الوضع التعييني للإصطلاحات الشرعية ينحصر بما اذا كانت مخترعة في زمان الإسلام وبعد البعثة النبوية المباركة فهناك مرحلتان:
الأولى: مرحلة الشرائع السابقة للإسلام.
الثانية: مرحلة الإسلام ونزول القرآن.
فاذا كانت الإلفاظ موجودة في مرحلة الشرائع السابقة للإسلام فان الإصطلاحات تعتبر لغوية لثبوت سبق زمان التعيين ويشكل عليه من وجهين:
الأول: ان ثبوتها في تلك الشرائع كفرائض وأفعال وسنن ومسميات وليس اسماء للإختلاف في اللغات ، فأسماء الصلاة والصوم ونحوهما بالسريانية والعبرانية غيرها في العربية، بدليل قوله تعالى (كتب) أي ان موضوع الالتقاء هو الفعل الواجب وليس الإسم.
وقد ناقش الماتن الإختلاف في اجزاء وشرائط العبادات وأنه لا يضر بأصل الاسم كما ان الإختلاف في المصاديق والأحوال عندنا لا يضر في وحدة الموضوع وانطباق العنوان، فالصلاة قصراً في السفر او صلاة المريض عن جلوس او اضطجاع هي ايضاً صلاة ، قال تعالى الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )( ).
فلو كانت الفرائض والعبادات بأسماء اخرى في تلك اللغات فهل حصلت ترجمتها الى العربية في حينه وقبل الإسلام كي يضعف الإشكال على ما في المتن ، بلحاظ ان الشريعة جاءت بالفاظ معروفة لغة لذات الأفعال العبادية في الجملة، وان العرب كانوا يتحاورون بينهم بنعت تلك الفرائض بالفاظها الحالية، لم تثبت تلك الترجمة خصوصاً مع اختلاف اللغويين في اصل كلمة الصلاة، ومنهم من قال انها من الصلويين كناية عن حال الركوع وهو امر لم يكن معروفاً في صلاة الملل الأخرى.
الثاني : ثبوت وضع تلك الإلفاظ لمعانيها الشرعية المخصوصة في الشرائع السابقة والظاهر انه مفقود، انما جاء القرآن بالإشارة اليها بلغة العرب وللبيان، والإستعمال أعم من الحقيقة والمجاز.

ثم لا يذهب عليك أنه مع هذا الاحتمال، لا مجال لدعوى الوثوق – فضلا عن القطع – بكونها حقائق شرعية، ولا لتوهم دلالة الوجوه التي ذكروها على ثبوتها، لو سلم دلالتها على الثبوت لولاه، ومنه قد إنقدح حال دعوى الوضع التعيني معه، ومع الغض عنه، فالانصاف أن منع حصوله في زمان الشارع في لسانه ولسان تابعيه مكابرة، نعم حصوله في خصوص لسانه ممنوع، فتأمل(29).
(29) اتجه الماتن الى تأكيد الحقيقة الشرعية بعد ان مال اليه واستدل عليه بتبادر المعاني الشرعية، فوضع احتمالاً وهو كونها حقائق لغوية لأنها في الشرائع السابقة ، وجعله سبباً للترديد والتردد في الأمر، لأن طرو هذا الإحتمال امر ممكن بظاهر كلام الماتن ، فهي حينئذ حقائق لغوية وتنتفي معه الحقيقة الشرعية، ويكون الإستعمال الشرعي فرعاً للحقيقة اللغوية.
ثم قال الماتن (ومع الغض عنه) ولم يبين لنا رأيه في اثر هذا الإحتمال او عدمه لعدم امكان البرزخية والتردد .
فأما ان يكون وضع هذه الألفاظ لذات المعاني في الشرائع السابقة مؤثراً فلا حقيقة شرعية ، وأما ان لا يكون مؤثراً فنقر بوجود الحقيقة الشرعية ، ولم يتعرض الماتن لإحتمال آخر وهو تأثيرها في بعض الإصطلاحات والأسماء على نحو الموجبة الجزئية، ومع هذا فان الماتن لم يترك هذا التشكيك والاحتمال دون جواب بل تصدى له بقوله (واما الثمرة بين القولين).
لقد طرح الماتن صورتين:
الأولى: احتمال وجود هذه الإلفاظ في الشرائع السابقة.
الثانية: الإعراض عن هذا الاحتمال.
وفي الأولى لا تثبت الحقيقة الشرعية، وفي الثانية يثبت الوضع التعيني في زمان الأئمة والصحابة والتابعين وليس في زمان النبوة.
وأما الثمرة بين القولين، فتظهر في لزوم حمل الالفاظ الواقعة في كلام الشارع بلا قرينة على معانيها اللغوية مع عدم الثبوت، وعلى معانيها الشرعية على الثبوت، فيما إذا علم تأخر الاستعمال، وفيما إذا جهل التاريخ، ففيه إشكال، وأصالة تأخر الاستعمال مع معارضتها بأصالة تأخر الوضع (30).
(30) تأريخ الألفاظ الشرعية
ما المراد بالقولين هل هما ثبوت الحقيقة الشرعية وعدمها، ام هما ثبوت الألفاظ ذاتها في الشرائع السابقة، والقول بان معانيها مستحدثة في شرعنا، الجواب هو الأول فعلى القول بعدم ثبوت الحقيقة الشرعية فان الإصطلاحات الشرعية تحمل على المعاني والمفاهيم اللغوية.
الا مع القرينة الصارفة عنه والتي تدل على المعنى الإصطلاحي، اما على فرض ثبوت الحقيقة الشرعية وأن الألفاظ والإصطلاحات مخترعة من قبل الشارع فان الإنسباق الذهني يكون للمعنى الشرعي وتترتب عليه آثاره.
ولكن قيده بلحاظ أوان الإستعمال بصور منها :
الأولى : اذا علم تأخر استعمال الإلفاظ في معانيها عن تأريخ وضع تلك الإلفاظ.
الثانية : الإشكال اذا جهل التأريخ، وورود لفظ التأريخ مطلقاً والظاهر انه اراد الوضع والإستعمال وان تعلق بالإستعمال خاصة وهل حصل قبل التنزيل في ايام الشرائع الأخرى ام انه حصل بعد التنزيل ، وفي أيام الشارع.
فاذا لم يعلم اوان الوضع والإستعمال فلا يصار الى أي منهما وكذا في معرفة المصاديق عند الشك في تأريخ الإستعمال.
واشكل الماتن على الإستدلال بأصالة تأخر الإستعمال وما تدل عليه من الحمل على المعاني الشرعية وثبوت الحقيقة الشرعية بانها معارضة بأصالة تأخر الوضع التي تفيد الحمل على المعاني اللغوية.
ومفاده أنه كما نقول بأصالة الإستعمال يمكن القول بأصالة الوضع وان الوضع للمعنى اللغوي جاء متأخرا او ملازماً للإستعمال في المعنى اللغوي.
ولكن النقاش في الكبرى وهي ثبوت أصالة تأخر الوضع ، وقد تقدم الكلام من الماتن بانه على القول بالحقيقة الشرعية فانها (استعمال اللفظ في غير ما وضع له كما اذا وضع له بان يقصد الحكاية عنه والدلالة عليه بنفسه لا بالقرينة) .
والظاهر بخلافه ومع هذا فان الماتن لم يأخذ بأصالة التأخر او ترتب الأثر عليه ومعناه ترتب الآثار الشرعية المترتبة على اللوازم العقلية للأصل، كالإستصحاب، فالقول بالأصل المثبت يستلزم ترتب آثار تتعدى الفرد المشكوك.
ومن الأصوليين من جعل الوضع للمعنى الشرعي في الشرائع السابقة جزء من الحقيقة الشرعية بلحاظ ان الشارع المقدس امضى وضعهم ويصدق على تلك الألفاظ انها موضوعة للمعاني الشرعية وليس اللغوية، والقول بان أصالة تأخر الإستعمال معارضة بأصالة تأخر الوضع .
فمن شرائط التعارض وحدة الموضوع، وصحيح ان موضوع البحث واحد ولكن الإستعمال غير الوضع، بلحاظ ان النقل من المعنى اللغوي الى الشرعي قد تم في الشرائع السابقة.

لا دليل على اعتبارها تعبدا، إلا على القول بالاصل المثبت (31). ولم يثبت بناء من العقلاء على التأخر مع الشك، وأصالة عدم النقل إنما كانت معتبرة فيما إذا شك في أصل النقل، لا في تأخره، فتأمل (32).
(31) الأصل المثبت
الأصل المثبت هو ترتب الآثار الشرعية للوازم العقلية للمستصحب بواسطة الإستصحاب أي ان الرجوع الى اصل الإستصحاب يؤدي الى التعبد بوجود اللوازم العقلية للمستصحب هذا بالنسبة للقائل بالأصل المثبت، والمشهور بخلافه، أي عدم ثبوت الأصل المثبت .
وان التعبد ينحصر ببقاء المستصحب فلا تترتب الآثار الشرعية الا على ذات المستصحب ولوازمه الشرعية دون اللوازم العقلية المصاحبة، فلو استصحبنا بقاء حياة رجل غاب عن اهله .
فعلى القول بالأصل المثبت فانه يسقط عن عياله دفع زكاة الفطرة مثلاً فهي فرد من اللوازم العادية والعقلية للإستصحاب، وحجية الأصل المثبت تأمر به، والمراد من ذكر الأصل المثبت في المقام ولازمه العقلي هو تأخر الإستعمال عن الوضع.
(32) أصالة عدم النقل
قول الماتن بأصالة عدم النقل يفيد ضعف احتمال وجود معان لغوية للإصطلاحات الشرعية قبل نقلها وورودها في لسان الشارع.
ولكن أصالة عدم النقل لا موضوعية لها في المقام، لأنها تكون حاضرة ما اذا شككنا بحصول النقل او عدمه، اما اذا قيل بحصول النقل ولكن شككنا في تأريخه فلا موضوعية له وهو كالشك في المكلف فتتجلى أصالة البراءة.
أما الشك في المكلف به فلا تعتمد أصالة البراءة بل تحضر قاعدة الإشتغال، بمعنى ان مجرى أصالة البراءة هو الشك في الثبوت، ومجرى أصالة الإشتغال هو الشك في السقوط.
وقيل لا فرق في حجية أصالة عدم النقل سواء كان الشك في أصل النقل أو تأريخه .
والأقوى هو القول بالحقيقة الشرعية ولكن ليس على نحو الإطلاق فتارة تكون الإلفاظ مخترعة للمعاني الشرعية وتتبادر الى الذهن عند النطق باللفظ بالوضع وليس بالقرينة، وان الواضع لم يحصر الوضع للمعاني اللغوية فحسب خصوصاً وان الشارع هو ايضاً واضع، واسس قواعد الوضع لعمومات قوله تعالى [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا] ( ).
وهذا لا يمنع من وجود اصطلاحات شرعية استقرئت واخذت من المعنى اللغوي، والتي تعرف بالقرينة الصارفة، اما التي كانت بالوضع التعييني فتعرف بالوضع ومن غير حاجة الى قرينة، ثم ان الخلاف صغروي، فحتى التي استقرئت من الوضع اللغوي حدث لها نقل وهو اخص من المجاز بل ان استقراءها بالذات لم يصدق عليه انه مجاز بالمعنى الإصطلاحي وانه من استعمال اللفظ في غير ما وضع له .
فالإصطلاحات الشرعية في الغالب وضعت لمعانيها الشرعية بالذات وليس بالتجوز.

العاشر: أنه وقع الخلاف في أن الفاظ العبادات، أسام لخصوص الصحيحة أو للاعم منها وقبل الخوض في ذكر أدلة القولين، يذكر أمور : (منها) إنه لا شبهة في تأتي الخلاف، على القول بثبوت الحقيقة الشرعية، وفي جريانه على القول بالعدم إشكال (33)
(33) ألفاظ العبادات للصحيح أم للأعم منه
يمكن تقسيم الإصطلاحات الشرعية الى قسمين:
الأول : ما حصل بالوضع وان الشارع تفضل بوضع الأسماء أزاء معانيها الشرعية .
الثاني : ما استقرء من اللغة ولكنه كالبرزخية بين الحقيقة والمجاز او الجامع بينهما ، وظاهر الماتن ميله إلى الأول .
يتعلق الخلاف في المقام بالفاظ العبادات خاصة دون ماهيتها واحكامها، فالنزاع في الأسماء وليس المسميات( ) للفرق بينهما والمدار في الأحكام على المسميات وليس الأسماء، أي ان الخلاف لا يتعارض مع السعي لإتيان الصحيحة منها، وانما جرى النزاع في خصوص الفاظها كالصلاة والصوم والزكاة، وكذا الفاظ المعاملات كالبيع والرهن والطلاق وهناك قولان:
الأول: ان الشارع وضع الفاظ العبادات لخصوص الصحيحة والجامعة أي أن الشارع استعمل الالفاظ في العبادات بمعناها اللغوي أو المجاز أو النقل ، وأن الدليل على إرادة الأجزء من الشرائط دليل آخر وإليه ذهب الباقلاني المالكي ت 403 هجرية.
وقال الماتن ما نسب للباقلاني نسبه إليه ابن الحاجب والعضدي.
وقال الماتن : فيه أشكال بينما ذهب السيد الخوئي قدس سره وقال ، فالنزاع أيضاً يمكن جريانه ، وهو المختار .
إذ أن استعمال اللفظ لهذه المعاني العبادية صار مع تقادم الزمان حقيقة
وقبل الخوض في ذكر أدلة القولين، يذكر أمور : (منها) إنه لا شبهة في تأتي الخلاف، على القول بثبوت الحقيقة الشرعية، وفي جريانه على القول بالعدم إشكال (34)
فيها ، وله على نحو الحقيقة الشرعية وليس الحقيقة الشرعية .
للإجزاء والشرائط منها، ولا يشمل الفاسدة والناقصة والمفتقرة لبعض الأجزاء والشرائط ويسمى الصحيحي وهو بالمشهور.
الثاني: ان الفاظ العبادات وضعت للأعم فتشمل الصحيح الجامع للأجزاء والشرائط منها، وتشمل الفاسد الذي جاء ناقصاً غير تام ويسمى الأعمي .
وهذا المبحث أجنبي عن معنى الصحة والفساد وانهما حكمان وضعيان ، فقد اختلف في الصحيح والفاسد.
(34) الخلاف بين الصحيحي والأعمي لا يكون الا بناء على القول بثبوت الحقيقة الشرعية ولكنه أعم بلحاظ ان الشارع وضع الفاظ العبادات والمعاملات لمعان مخصوصة، الأمر الذي يتفرع عنه نزاع، وهل وضعت للصحيحة فقط دون الأعم فتحتاج حينئذ الى قرينة لإستعمالها في الأعم، ويكون الأصل مع عدم وجود قرينة على وضعها لما هو مطلوب شرعاً اذ ان الإستعمال اعم من الحقيقة والمجاز.
وقيل بالإشكال في جريان النزاع عند من يقول بعدم ثبوت الحقيقة الشرعية بلحاظ ان استعمال اللفظ في العبادات الصحيحة أوالناقصة يتوقف على القرينة، فالصحيحي يعترف بأن استعمال هذه الإلفاظ في الأعم يحتاج إلى قرينة .
وكذا الأعمي فانه يعترف بان استعمالها في الصحيح منها يحتاج الى قرينة، لإنحصار الحقيقة عندهما بالحقيقة اللغوية دون الشرعية.
ولكن يمكن تصور النزاع ايضاً حتى على القول بعدم الحقيقة الشرعية بلحاظ المناسبة مع المعاني اللغوية وسبقها، أي هل المناسب للمعنون اللغوي هو الصحيح من العبادات , فيكون استعمال اللفظ في الأعم نوع مجاز وتجاوز، ويفتقر الى قرينة عند الإستعمال فيه .
أم ان المعنى الأعم هو الأنسب والأقرب للمعنى اللغوي للفظ فيحتاج استعماله في الصحيح خاصة الى قرينة، وكأنه يحتاج الى واسطة في القرينة احداهما تنقل اللفظ الى الأعم واخرى تنقله الى الصحيح منها ولا يخلو من تشديد .
ثمرة بحث الصحيح والأعم منه
يجري النزاع بلحاظ ثمرة البحث لأن القائل بالأعم يتمسك بالإطلاقات، والقائل بالصحيح يقول بعدم التمسك بالإطلاقات وهو اعم من ان ينحصر بثبوت الحقيقة الشرعية للتباين الموضوعي بين مسألة الإطلاق ومسألة الحقيقة الشرعية .
ولا تعارض بينهما في أصل الوضع، فالإطلاق قد يكون حاضراً مع الحقيقة الشرعية او في حال عدمها، نعم اشكال الماتن يتعلق بعدم تصور النزاع في التسمية في حال التسليم بعدم الحقيقة، لأن التسمية تتعلق بالحقيقة وليس المجاز الذي انتقل اليه لمناسبة وعلاقة بينه وبين ما استعمل له بالأصل.
وتظهر ثمرتان بين القولين:
الأولى: اذا ورد اللفظ لمعناه الشرعي بصيغة الإطلاق لحكم شرعي فهل تحتسب كافة الأجزاء والشرائط ام لا، فلو شككنا هل السورة جزء من الصلاة ام لا، فعلى القول بارادة المعنى الصحيح يرجع الى قاعدة الإشتغال فالشك في انطباق لفظ الصلاة على الصلاة بلا سورة ولا يصح التمسك بالإطلاق.
أما على القول بالأعم فيصح التمسك بالإطلاق وهو حكم وثمرة من ثمرات المسائل الأصولية، ويستدل به على رفع جزئية المشكوك بجزئيته او شرطيته والشك بتقييد الصلاة بقيد زائد على حقيقتها، والإطلاق لنفي موضوعية ما شك في جزئيته او شرطيته والأخذ بمسمى الوجود وذات الطبيعة التي يحكم عليها ومنع الخصوصية والقيد.
الثانية: مع الشك في الأجزاء والشرائط يرجع الى أصالة البراءة عند الأعمي ، وأن متعلق التكليف ذات الأجزاء، وعلى القول بالصحيحي يرجع الى قاعدة الإشتغال وعدم جريان البراءة .
واشكل على الماتن بان الثمرة تختص بالرجوع الى الأصول وليس التمسك بالإطلاق هذا في العبادات، اما في المعاملات فنفي ما شك بموضوعيته كالعربية وصيغة الماضوية.
الإطلاق وحدة الذات مع التعدد والإرسال في الخصوصيات، لذا فان الإطلاق يتعلق بنفي جزئية ما يشك بجزئيته او شرطيته .
أما ما يتقوم به الذات فلا يرفع بالإطلاق لذا فان من يجعل الأجزاء والشرائط جزء من أصل الذات لا يتمسك بالإطلاق، اما القائل بالأعم فانه يجعلها من الخصوصيات وفرق بين الخطابات التكليفية وتضمنها للأجزاء والشرائط، وبين ماهية الأشياء عند العرف وفي المحاورة.
وقيل لا ثمرة للخلاف بين الصحيح والأعم لأن الشارع بيّن الأجزاء والشرائط ودلنا على الصحيح منها، ولم تعد مجملة أو مهملة ولكنها شبهة بدوية لأن الخلاف في الأسماء وليس المسميات، والعناوين وليس المعنونات ولموضوعية السائد عند اهل العرف والمحاورة.

وغاية ما يمكن أن يقال في تصويره: إن النزاع وقع – على هذا – في أن الاصل في هذه الالفاظ المستعملة مجازا في كلام الشارع (35)، هو استعمالها في خصوص الصحيحة أو الاعم، بمعنى أن أيهما قد اعتبرت العلاقة بينه وبين المعاني اللغوية ابتداء، وقد استعمل في الآخر بتبعه ومناسبته، كي ينزل كلامه عليه مع القرينة الصارفة عن المعاني اللغوية، وعدم قرينة أخرى معينة للآخر وأنت خبير بأنه لا يكاد يصح هذا لا يكتب هذا القول بالقرينة المركبة ذكره الشيخ الأنصاري كالصلاه وأصلها الدعاء ، الحج من النقص والزيادة الصحيح أو الفاسد وأن جاء الفاسد شيبة مع الصحيح ، اسم الجنس يوضع لما هية اللا بشرط ، إلا إذا علم أن العلاقة إنما اعتبرت كذلك، وأن بناء الشارع في محاوراته، استقر عند عدم نصب قرينة أخرى على إرادته، بحيث كان هذا قرينة عليه، من غير حاجة إلى قرينة معينة أخرى، وأنى لهم بإثبات ذلك (36).
(35) قد تقدم من الماتن ترجيح أن استعمال الشارع ليس لها مجازاً بقوله (فدعوى الوضع التعييني في الالفاظ المتداولة في لسان الشارع هكذا قريبة جدا، ومدعي القطع به غير مجازف قطعا، ويدل عليه تبادر المعاني الشرعية منها في محاوراته) .
(36) النقل من المعنى اللغوي إلى الشرعي
ان الإنتقال من المعاني اللغوية الى المعاني الشرعية يكون على مرحلتين وقسمين ما دام ان استعمالها في الصحيحي والأعمي من المجاز.
الأول: استعماله مجازاً في خصوص العبادات والمعاملات الصحيحة للعلاقة بينها وبين المعاني اللغوية التي وضعت لها، ثم استعمل في الأعم والفاسدة بالتبعية والتنزيل والإلحاق.
الثاني: استعماله مجاز في الأعم من الصحيحة والفاسدة، للعلاقة بينها وللسعة في المجاز ووجوه الشبه، ثم استعملت حصراً في الصحيحة منها.
وهذا القول ذكره الشيخ الأنصاري واشكل عليه الماتن بصعوبة تصور استحضار الشارع لقرينة اضافية وثانية تنقله من المعنى المجازي او المعنى الشرعي المنقول من الحقيقة الى المعنى الآخر الإضافي الا في حال ثبوت إستعمال الشارع لقرينة اضافية للمعنى الأعم، اذا استعمل اللفظ للصحيح من العبادات، او استعماله لقرينة اضافية للصحيح اذا كان قد استعمل اللفظ بالقرينة الأولى للمعنى الأعم.
فاذا كان أصل الصلاة هو الدعاء واستعملها الشارع في هذا الفعل العبادي المخصوص، ولا ينصرف اللفظ اليه الا مع القرينة على القول بعدم الحقيقة الشرعية، فهل يتصور ان الشارع استعملها في احد معنيين، اما الصحيحة الجامعة للشرائط والأجزاء او الأعم والفاسدة ولا ينتقل إلى الآخر الا مع قرينة أخرى إضافية، وهو أمر يتعذر ثبوته ظاهراً ولا يخلو من تكلف، لذا قال الماتن “وأنى لهم باثبات ذلك”
ومع القول بعدم الحقيقة الشرعية، فالأمر لا ينحصر بطريق واحد هوالواسطة والتعدد في القرينة، ويمكن ان يكون استعمال الصحيح والأعم بان كل واحد منهما له قرينته المستقلة التي لها علاقة ووجه شبه مع المعنى اللغوي ، ولكن كل واحد من الصحيح او الأعم يعرف بذاته وبحيثياته الخاصة ، فالقرينة تنقل المعنى من اللغة إلى الشريعة من دون ان تكون واسطة للأخرى أو أن تستعين بها.
أو ان القرينة التي تنقل اللفظ الى المعنى الشرعي من اللغوي، وهي واحدة تتعلق بالجامع لهما والماهية المجملة والوجود الساري شاملة للأفراد الصحيحة والفاسدة .
ولكن الإختلاف في الذات فليس من تشابه تام او سنخية متحدة بين الصحيحة والفاسدة من العبادات، وان جاءت الفاسدة شبيهة للصحيحة شكلاً وهيئة، فالرضاع بشرائطه ينشر الحرمة دون ما كان فاقداً للشرائط.
فحينما نرى مكلفاً قائماً في الصلاة فاننا نحسبها صلاة تامة إلا إذا علمنا أنها فاقدة لجزء أو ركن.
فالسنخية والماهية واحدة بلحاظ الإشتقاق اللغوي، ولكن السنخية تختلف في وجودها الخارجي.
وقد ذكرت وجوه لتصوير الجامع بين الأعم من الصحيح والفاسد، منها بانه عبارة عن الأركان وان ما عداها من الأجزاء والشرائط يتعلق بالإمتثال وليس في مسمى الصلاة الذي لا يستلزم صدق كافة الأجزاء والشرائط، وقد لا يضر فقد بعض الأجزاء والشرائط بالصحيحة كما لو ترك سجدة واحدة، خصوصاً وان اسم الجنس يوضع للماهية اللابشرط، ولكن استعماله بخصوص فرد معين يستلزم مؤونة زائدة كاسم (الإنسان) يوضع للذكر والأنثى ، وللكبير والصغير ،والمكلف وغيره ، ومنه وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ والمؤونة الزائدة كما في خلق آدم ، قال تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ، وسياتي اشكال الماتن على الأمر الجامع.

وقد انقدح بما ذكرنا تصوير النزاع – على ما نسب (37) إلى الباقلاني وذلك بأن يكون النزاع، في أن قضية القرينة المضبوطة التي لا يتعدى عنها إلا بالاخرى – الدالة على أجزاء المأمور به وشرائطه – هو تمام الاجزاء والشرائط، أو هما في الجملة، فلا تغفل (38).
(37) نسب إلى ابن الحاجب والعضدي .
(38) لقد ذهب القاضي الباقلاني وهو القاضي محمد بن الطيب البصري البغدادي المالكي الذي كان يتصف بالمناظرة واستحضار الجواب (توفى 403) هجرية الى ان الألفاظ مستعملة في المعاني الحقيقية اللغوية، وان الشارع استعمل ذات المعنى اللغوي ايضاً الا انه نظر اشياء آخر زائدة على اصل الطبيعة لخصوصية ارادها ودلالة معينة عنده تتعلق بذات الأفعال العبادية، وكأنها افراد مخصوصة من مصاديق المعنى اللغوية، وهذه الخصوصية تترشح بلحاظ القرينة المحدودة والمضبوطة التي تتعلق باجزاء وشرائط المأمور به .
فيبقى الإشكال على حاله لأن الخصوصيات سواء كانت تمام الأجزاء والشرائط او بعضها تبقى على حالها لأن كلاً من الصحيحة او الأعم تحتاج الى قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي على القول بعدم الحقيقة الشرعية .
فاذا كان المطلوب بيان تمام الأجزاء والشرائط فلا يصح التمسك بالإطلاق، واذا كان المراد هو المعنى الأعم فلا لزوم للإطلاق.
ولكن كلام الباقلاني لا يتعلق بالقرينة المتعددة والواسطة فيها، ومفاده ان لكل من الصحيح والأعم قرينة مستقلة ينصرف الكلام اليها من أصل المعنى اللغوي ، وظاهره عدم القول بالحقيقة الشرعية، بل مراده استقلال كل منهما بقرينة مخصوصة ومؤونة زائدة مستقلة.

(ومنها) ( )أن الظاهر أن الصحة عند الكل بمعنى واحد، وهو التمامية، وتفسيرها بإسقاط القضاء – كما عن الفقهاء – أو بموافقة الشريعة – كما عن المتكلمين – أو غير ذلك، إنما هو بالمهم من لوازمها، لوضوح اختلافه بحسب اختلاف الانظار، وهذا لا يوجب تعدد المعنى، كما لا يوجبه اختلافها بحسب الحالات من السفر، والحضر، والاختيار، والاضطرار إلى غير ذلك، كما لا يخفى. ومنه ينقدح أن الصحة والفساد أمران إضافيان، فيختلف شئ واحد صحة وفسادا بحسب الحالات، فيكون تاما بحسب حالة، وفاسدا بحسب أخرى، فتدبر جيدا (39).
(39) الملازمة بين الصحة والامتثال
المراد من الصحة او التمامية حسن الإمتثال وما له دخل في ترتب الغرض مما كان جزء او شرطاً من ذات الفعل وكمال الشيء بمقتضى أصل الجعل الشرعي اوالإرادة التكوينية وليس مطلق ما يدخل في الغرض كقصد القربة واحكام المكان ونحوها أي ان استعمالها في الفاسد من باب التنزيل وقريب من باب الإستعارة ، ويمكن تقسيمه الى ثلاثة اقسام :
الأول: صحيح حقيقي تام جامع للشرائط والأجزاء للمختار.
الثاني: صحيح حقيقي ادعائي منزل منزلة الصحيح لضرورة او حرج كصلاة المريض والمضطر.
الثالث: قسم فاسد لفاقدة الأجزاء والشرائط، كالصلاة الناقصة لركن، او عقد الفضولي.
فبالنسبة للأول يكون الفعل بحسب الجعل الشرعي وبالنسبة للثاني بواسطة تنزيل الشارع لها منزلة الصحيحة وان لم يوافقه العرف، اما الثالث فقد ينزله العرف منزلة الفعل في تسميته للمشابهة والإستعارة.
ومما هو متعارف ان الصحة والفساد متقابلان تقابل العدم والملكة، والمراد من العدم والملكة هما العرضان احدهما وجودي والآخر عدمي مع كون المحل المتصف فعلاً بالعدمي من شأنه ان يتصف بالوجودي، كالمصباح الذي يبعث الضياء بالتيار الكهربائي وينطفئ بانقطاعه ، ولا ينطبق على الحياة والموت لأن الموت أمر وجودي ، قال تعالى [الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ] ( ) وقال تعالى أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ .
أما النسبة بين الصحيح والأعم فليس من تقابل الملكة والعدم ، ولا من التضادين ، والمختار أن النسبة بينهما العموم والخصوص المطلق ..
وقال الشهيد الأول في القواعد: الماهيات الجعلية كالصلاة والصوم وسائر العقود لا تطلق على الفاسد الا بالحج لوجوب المضي فيه.
مراد الماتن (فيختلف شيء واحد…) كما في الصلاة عن جلوس فهي فاسدة للمختار، وصحيحة بالنسبة للعاجز عن القيام الا ان هذا الأمر لا يدل على عدم كون الصحة والفساد امرين اضافيين.
وكالأفطار في شهر رمضان فهو معصية للقادرين ، ومشروع للمريض والمسافر ، قال تعالى فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.
قضاء العبادة
لم يثبت ان الفقهاء جعلوا تفسير التمامية باسقاط القضاء بل انه من لوازم التمامية وقد يفسر ايضاً بالفراغ والإمتثال والمبرء للذمة والا فان القضاء امر اضافي ولاحق مستقل لا يؤدى الا عند التخلف عن الأداء، أي ان الأداء امر مستقل بذاته لا صلة للقضاء به .
بينما تكون صلة للأداء في موضوع القضاء سواء على القول بان القضاء بأمر جديد ام بذات امر الأداء، فالقضاء لم يطلب من رأس كي يكون الأداء اسقاطاً له، ولا موضوعية له في الأداء.
وما ذكر عن المتكلمين يمكن ان يناقش لأن الموافق للشريعة ما هو اعم ويشمل الصحيح الحقيقي والصحيح الإدعائي، واختلاف الأنظار هنا غير اختلاف الحالات، فالمقصود من اختلاف الانظار هو تعدد التفسير والتعريف مع ان الموضوع واحد من جهة اشتراط احرازه للشرائط والأجزاء، فالفقيه ينظر بلحاظ صحة الفعل وامتثال المكلف للخطاب الإلهي المتوجه له، اما المتكلمون فينظرون اليه بموافقته للشريعة .
واختلاف أقوال أرباب العلوم بالنسبة لمفهوم الصحة والتمام لا يعني تعدد المعنى، لأن الإختلاف بحسب لحاظ الحيثية وليس في الموضوع لأنه واحد، مثلما لا يوجب اختلاف المعنى اختلاف الكيفية بحسب حالات الحضر الموجب للتمام والسفر الشرعي الموجب للقصر.
والصحة والإختيار اللذان يوجبان الإتيان بجميع الأجزاء والشرائط .
وحالة الإضطرار او المرض الموجبة للتخفيف واسقاط بعض الأجزاء، ولكنه قياس مع الفارق، فاختلاف التعريف في العلوم على الجامع والمعنى الشامل للجميع بينما الحالات متباينة تتغير فيها الكيفية.
وما ذكره الماتن من علة لنفي كون الصحة والفساد امرين اضافيين يمكن ان يصلح ذاته علة للبرهان بانهما امران اضافيان بدليل بقاء الشيء على ذاته او اتيانه نفسه، ومع هذا يصدق عليه مرة أنه صحيح وأخرى أنه فاسد ، فالصلاة عن اضطجاع بالنسبة للصحيح فاسدة، وبالنسبة للمريض تكون صحيحة، والذاتي لا يتبدل ولا يتخلف الا ان يقال ان المراد من الصحة هو التمامية ولحاظ خصوص الأجزاء وما له مدخلية في الغرض والملاك وانعدام المانع، بحسب اصل التشريع .

ومنها: أنه لابد – على كلا القولين (40) ، من قدر جامع في البين، كان هو المسمى بلفظ كذا، ولا إشكال في وجوده بين الافراد الصحيحة أي أن النسبة بين الصحيح والأعم عموم وخصوص مطلق ، إذ يلتقيان في الصحيح ، بينما ينفرد الأعم بالفاسد والناقص من العبادات ، وإمكان الاشارة إليه بخواصه وآثاره، فإن الاشتراك في الاثر كاشف عن الاشتراك في جامع واحد، يؤثر الكل فيه بذاك الجامع، فيصح تصوير المسمى بلفظ الصلاة مثلا: بالناهية عن الفحشاء، وما هو معراج المؤمن، ونحوهما (41).
وان المراد من الفساد الناقص والمعيب والفاقد للإجزاء والشرائط ولكن هذه الأجزاء والشرائط لها دخل في المسمى.
وليس المقصود من اطلاق وضع اللفظ على المعنى هو الأجزاء والشرائط، وقد يعم الوضع الماهية المؤلفة من عدة أفراد ومصاديق تشكيكية في حال الصحة او الفساد بحسب لحاظ خارج عنها يتعلق بالمكلف كصحته ومرضه.
وقد تتشابه أجزاء وشرائط الصحيح والفاسد من دون ان تكون بينهما غاية واحدة كالصلاة قربة إلى الله ، والصلاة رياء، يلتقيان شكلاً وهيئة واجزاء ظاهرية مع التباين في الماهية بينهما.
(40) أي القول بثبوت الحقيقة الشرعية أو عدم ثبوت الحقيقة الشرعية ، مع الثبوت على المعاني الشرعية ، ومع عدم الثبوت على معانيها اللغوية في كلام شامل إذا تأخر إستعمال الفاظها حقائق لقوله وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ فالفاظها حقائق لغوية .
(41) ألفاظ المعاملات
لا تتعلق الصحة والفساد إلا بالمركب واجتماع اجزائه او فقد بعضها وتمامية الصحيح ونقص الفاسد، وهل الفاظ المعاملات موضوعة للإسباب ام للمسببات .
الجواب : هو الأخير فالبيع والنكاح ونحوهما عناوين قائمة بذاتها عند العرف، فاذا قال زوجتي طالق فانه لفظ وايقاع حاصل، وكذا اذا قال رهنت داري فانه نوع مبادلة وان تباينت الأسباب في الأثر والوجود والعدم، لذا قالوا انه لا يبقى مجال للنزاع في الفاظ المعاملات الا على القول بان الألفاظ قد وضعت للأسباب .
والجواب إنه لا ملازمة بين القول بالصحيح والأعم وانحصاره بالمسببات، هذا من جهة ومن جهة اخرى فان الألفاظ توضع لذات المعاني وليس لأسبابها.
كما نوقش في النزاع في العبادات وانها مبينة من الشارع بأجزائها وشرائطها فلا يقع النزاع حينئذ، ولكن بحث المسألة والخلاف بين الصحيحي والأعمي يتعلق بالألفاظ ووضعها والا فان الفريقين متفقان على شرائط الصحة وأسباب الفساد، وان الخلاف يتعلق بتقسيم تلك الألفاظ الى الصحيح والفاسد وليس في ذات الأفعال ، فالخلاف لم يقع على فساد صلاة فاقدة لركن كالركوع سهواً او عمداً، بل هل يصدق عليها لفظ صلاة ام لا يصدق.
وسواء على القول بالحقيقة الشرعية او عدمها فلابد من جامع يقول به الصحيحي ويقول به الأعمي، استدل الماتن على وضع الألفاظ للصحيح دون الأعم بوحدة الأثر، وانه طريق إني للإستدلال من المعلول الى العلة.

وحدة الأثر
إن ترتب أثر واحد للوجود الساري لجميع الأفراد يدل على صدق كونها مسميات للفظ، ولا تلتقي الأفراد الصحيحة مع الفاسدة بالأثر، فهناك تباين بين اثرهما، سواء من جهة الإجزاء والفراغ او من جهة الوصف والماهية.
فلفظ الصلاة معراج المؤمن، وركن الدين، وقربان كل تقي، والناهية عن الفحشاء، لا يصدق على الصلاة الفاسدة، بل ان الفاسدة لا تلتقي اصلاً باثر واحد سواء كان من المقولات الحقيقية ام في العنوان فقط .
فالأفراد الفاسدة لا يجمعها أثر واحد ولا تلتقي بالصحيحة في الأثر، ولا تنطبق عليها الأوصاف والنعوت للمسمى والمعنون.
وأشكل عليه من وجهتين :
الأولى : تكشف وحدة الأثر عن وحدة المؤثر اذا كان واحداً شخصياً كما يقال بخصوص قاعدة الواحد لا يصدر الا عن الواحد بخلاف ما اذا كان الأثر كلياً له افراد متباينة في الشدة والضعف، واستدل عليه بمثل وهو الحرارة فانها واحدة بالنوع ولكن عللها متعددة ومتباينة، منها الشمس ومنها النار ومنها الحركة لذا فان مقولة برهان الواحد لا يصدر منه الا الواحد لا ينعكس في الوحدة النوعية .
وهناك فرق بين البرهان وقاعدة الواحد لا يصدر الا عن الواحد التي قال بها جماعة من الفلاسفة وليست بتامة .
والإشكال الذي ذكروه ضعيف اذ ان وحدة الأثر لا تعني بالضرورة أنه من الكلي المتواطئ فلا يضر به ان يكون من الكلي المشكك وصدق اللفظ حينئذ عليه، وحتى على القول بأن الواحد لا يصدر إلا عن واحد فان اثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره بمعنى انه لا يمنع من تعدد الصادر.
الثانية : ان الأثر عنوان ينتزع من عدة علل فضلاً عن دخوله تحت عدة وجوه.
لذا قالوا بان منها (شرب الخمر وقتل النفس واكل مال الغير بدون رضاه، فليس النهي عن الفحشاء واحداً بالحقيقة ومترتباً على افراد الصلاة ليستكشف بذلك وجود جامع حقيقي بين افرادها) .
ولكن الصلاة تنهى عن هذه الوجوه المتعددة للفحشاء، وكأن اثر الصلاة عنوان جامع وليس أمراً شخصياً واحداً مما لا ينافي انطباق اللفظ على المسمى، وصلاحيته للإستدلال على عدم شموله للفاسدة من المعاني.
قيل ان وحدة الأثر بالأفراد الصحيحة، فكل اثر من الآثار يكون شاملاً للأفراد الصحيحة والفاسدة، فاي رتبة من الوجود الساري تنطبق على الاثنين لعمومات الماهية المجملة في وجودها الشاملة للإفراد او في تضمنها للأجزاء والشرائط.
ولكن السنخية متباينة في الذات وان اتفقت في الشكل والهيئة، وقد تشترك بعض الأجزاء في تركيب الاثنين معاً، فترى الركوع في الصلاة الصحيحة والفاسدة، ولكن الثانية باطلة لفقدها شرط القربة مثلاً او ترك سجدة عن عمد.
وقد تجد بعض الأجزاء في الصناعات تدخل في تركيب الخل والخمر، ولكن الأول حلال، والآخر حرام لتغير الموضوع وتبعية الحكم له.

والاشكال فيه – بأن الجامع لا يكاد يكون أمرا مركبا، إذ كل ما فرض جامعا، يمكن أن يكون صحيحا وفاسدا، لما عرفت، ولا أمرا بسيطا، لانه لا يخلو: أما أن يكون هو عنوان المطلوب، أو ملزوما مساويا له، والاول غير معقول، لبداهة استحالة أخذ ما لا يتأتى إلا من قبل الطلب في متعلقه، مع لزوم الترادف بين لفظة الصلاة والمطلوب (42).
(42) اشكل الماتن على الفرد الجامع للمسميات الصحيحة التي يصدق عليها العنوان بعد ان اخرج الفاسدة بالتخصيص، وهذا الإشكال قال به الشيخ الأنصاري كما حكي عن تقريراته بان الجامع بين الأفراد الصحيحة لا يكون مركباً لأن لها مراتب مختلفة ومتعددة .
فقد يكون هذا الجامع عنواناً للصحة في بعض الأفراد، وعنواناً للفساد في أفراد أخرى، فالركوع مثلاً فرد جامع للصلاة الصحيحة وبه سميت، ولكن قد تأتي صلاة فيها ركوع ولكنها فاسدة كما لو فقدت جزء كالسجدة عمداً، او فقدت ركناً كالركوع سهواً او عمداً، بل حتى بالنسبة للمكلفين قد يكون الجامع صحيحاً لجماعة، وفاسداً لغيرهم كما في الصلاة عن جلوس فهي صحيحة للمريض والمضطر، وفاسدة بالنسبة للمختار السليم .
وكذا بالنسبة للصلاة المركبة من اربع ركعات فقد تكون فاسدة بالنسبة لمن كانت وظيفته القصر، وكذا بالنسبة للصيام فان الأكل والشرب مفطران الا في صورة السهو.
ويمكن رد إشكال الماتن بان اسم المركب عنوان جامع، ومن الكلي المشكك الذي تدخل تحته مصاديق مركبة وانه لا يمنع في صدق حصوله خروج بعض الشواذ بالتخصص وبالدليل كنسيان الأمر سهواً.
لقد اشكل الماتن على كون الجامع امراً مركباً لأن الأمر الجامع قد يكون عنواناً للصحة وقد يكون عنواناً للفساد كما تقدم، فالتيمم قد يكون مبطلاً للصلاة عند وجود الماء، وقد يكون واجباً عند التعرض للضرر الشديد بالطهارة المائية.
ثم قال الماتن (ولا امراً بسيطاً) أي لا يصلح ان يكون الجامع بين الأفراد الصحيحة بسيطاً اذا كان بسيطاً، فاما ان يكون امراً مطلوباً وهو لا يصلح للتنافي وعدم الإتحاد بين المأمور به والمأتي به بلحاظ جهة الصدور فالصلاة كأمر مولوي غير الإمتثال، لذا نعته بانه غير معقول.
ان المأتي به متأخر زماناً ورتبة عن المأمور، والشيء لا يتأخر عن نفسه، كما يلزم من القول به الترادف بين الصلاة كفعل يؤديه المكلف وبين المطلوب كفراغ الذمة، ويمكن الإشكال على استدلال الماتن.
فالمطلوب مثلاً هو ابراء الذمة، والصلاة اسم لذات الفعل الذي يؤديه المكلف فلا يعقل حصول الترادف بينهما للتباين الموضوعي واللفظي بينهما، ولكن النقاش في الكبرى، وهو اثبات حصول الترادف بينهما بسبب الفرد الجامع خصوصاً وان النزاع لفظي، ولا يتعلق بذات الأفعال وصحتها او عدمها، وان الجامع كما قال الماتن يتعلق بالأثر وهو غير فعل الصلاة لأن الأثر غير المؤثر .
كما يمكن التفكيك بين المطلوب والصلاة بمعنى قد يكون الجامع احياناً في المطلوب مركباً، والجامع في الفعل المأتي به بسيطاً كما في حالة التخيير والترديد وطلب الأكثر وكفاية الأقل، خصوصاً وان الماتن فرق في العبارة التالية بين الإجمال في المأمور والإجمال فيما يتحقق به.
وعدم جريان البراءة اشكال ذكره السيد المرتضى، وليس موضعاً للإشكال بعد حصر التكليف وثبوته.

وأما على الاعم، فتصوير الجامع في غاية الاشكال، فما قيل في تصويره أو يقال: وجوه: أحدها أن يكون عبارة عن جملة من أجزاء العبادة، كالاركان في الصلاة مثلا، وكان الزائد عليها معتبرا في المأمور به لا في المسمى المأتي بالإمتثال. وفيه ما لا يخفى، فإن التسمية بها حقيقة لا تدور مدارها، ضرورة صدق الصلاة مع الاخلال ببعض الاركان، بل وعدم الصدق عليها مع الاخلال بسائر الاجزاء والشرائط عند الاعمي، مع أنه يلزم أن يكون الاستعمال فيما هو المأمور به – بأجزائه وشرائطه – مجازا عنده، وكان من باب إستعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكل، لا من باب إطلاق الكلي على الفرد والجزئي، كما هو واضح، ولا يلتزم به القائل بالاعم، فافهم (43).
(43) وضع الألفاظ للمعنى الأعم
وهذا الدليل قال به المحقق القمي بلحاظ ان الألفاظ لم توضع لخصوص الصحيحة ويتكون من امرين:
الأول: ان الجامع هو أجزاء مخصوصة من الفعل والمعنى الذي يصدق عليه الاسم.
الثاني: التفريق بين المأمور به والمسمى فقد يؤمر بجزء، ولا يخل عدم الإتيان به بصدق انطباق اللفظ على المسمى .
فالصلاة التي تتضمن التكبيرة والركوع والسجود يصدق عليها صلاة وان جاءت فاقدة لبعض الأجزاء، فلو اخل بسجدة سهواً يصدق عليه انه صلاة، وان كان مقصودهم اعم أي ان الصلاة وان كانت فاسدة كما لو نقصت سجدة عمداً، ولكنها يصدق عليها لفظ صلاة مع الإقرار بانها فاسدة.
ويدل عليه ظاهر الأحاديث منها صحيحة زرارة عن الإمام الباقر عليه السلام (لا تعاد الصلاة إلا من خمسة : الطهور ، والوقت ، والقبلة ، والركوع ، والسجود ، ثم قال عليه السلام : القراءة سنة ، والتشهد سنة ، والتكبير سنة ، ولا ينقض السنة الفريضة)( ).
فوردت تسمية الصلاة للأولى الناقصة والتي فيها الإعادة.
فلفظ الصلاة يصدق عليها اذا تضمنت تكبيرة الإحرام والركوع والسجود والقيام، اما اذا فاتت سجدة واحدة عمداً مثلاً فانه لا يضر في المسمى وان كان مخلاً بالمأمور به والإمتثال بمعنى ان الأعمي يفصل بين المأمور به وبين مسمى الفعل العبادي .
فقد يحصل مسمى الفعل وصرف الطبيعة, ولكنه لا يصح الإمتثال وتبقى الذمة مشغولة لأن اطلاق اللفظ لا يدور مدار الإمتثال وقاعدة الفراغ بل يدور على العرف الذي لا يتقيد بالدقة العقلية بل يكتفي بلحاظ معظم الأجزاء.
واشكال الماتن (بان التسمية بها حقيقة لا تدور مدارها..)، مما لا يختلف فيه الأعمي والصحيحي والضمير في (بها) أي بالصلاة، والضمير (ها) يعود لأهم اجزاء العبادة كالأركان
فالأعمي يقول ايضاً بفساد الصلاة الفاقدة لأحد الأركان ولكن نزاعه لفظي بمعنى انه يقول ان اللفظ يشمل الصحيح والفاسد، وان اللفظ يصدق على كلي طبيعي شامل لهما .
والجامع هو وجود جملة من الأجزاء والأركان وليس كل الأجزاء المأمور بها، فهذا الإشكال اجنبي عن مبنى الأعمي، الأعمي يقول بانطباق اللفظ على المعنى ولا يعني انه من استعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكل كما ذهب اليه صاحب الكفاية، لأن الأعمي فرق بين المأمور به والفعل المأتي به الا على القول بانحصار اللفظ بالمأمور به، كما ان قوله هذا من كفاية بعض الأجزاء في تحقيق صدق المسمى خارجاً.
ثم ان الماتن قيد اللفظ المستعمل بانه (موضوع) للجزء، وهناك من يقول بعدم الحقيقة الشرعية أي ان المعنى الشرعي مستعار من المعنى اللغوي ومجاز منه.
واشكل عليه بان القول بخروج الأجزاء عن المسمى في حال وجودها يجعل اطلاق لفظ الصلاة على التامة الأجزاء من باب المجاز، ومع القول بان الأجزاء داخلة في المسمى اذا كانت موجودة، وغير داخلة اذا كانت غير موجودة يتجدد الإشكال إذ كيف يكون شيء واحد داخلاً في الماهية مرة، وغير داخل في الماهية مرة أخرى.
ويمكن رد هذا الإشكال بأن الصلاة مثلاً من الكلي المشكك ومما أجيب على هذا الرد بان التشكيك يقع في البسيط المتحد الحقيقة كالبياض ليس في محله ، لأن الصلاة ليست مختلفة الحقيقة بل انها مركبة من اجزاء واركان متعددة ، والألفاظ موضوعة للحقائق ، وليس للمفاهيم التي موطنها العقل ووجودها ذهني، والحقائق جعلها الشارع تشكيكية بحسب حال المكلفين مما ينفي مجازية اطلاق اللفظ على الكل , بلحاظ علاقة الكل والجزء ولصدق اطلاق اللفظ على الفاقدة لبعض الأجزاء، بل انه من باب الأولوية.

ثانيها: أن تكون موضوعة لمعظم الاجزاء التي تدور مدارها التسمية عرفا، فصدق الاسم كذلك يكشف عن وجود المسمى، وعدم صدقه عن عدمه. وفيه – مضافا إلى ما أورد على الاول أخيرا – أنه عليه يتبادل ما هو المعتبر في المسمى (44).
(44) وهو الثاني الذي استدل به القائل بالأعم على بيان الجامع للصحيح والأعم أي ارادة المعنى الشامل لجميع الأفراد الصحيحة والفاسدة من اللفظ، لقد استدل الأعمي بكون الألفاظ موضوعة لمعظم الأجزاء المعتبرة في الفعل العبادي، او الحكم في المعاملات وامضائها .
فاذا دخلت تلك الأجزاء في الفعل، فان الإسم يصدق عليه، فاذا صدق الإسم على الفعل عرفاً، وتضمن الأجزاء التي يصدق معها الاسم فانه يكشف عن وجود المسمى، وهذا القول نسب الى المشهور والظاهر انه مشهور القائل بالأعم واشكل عليه الماتن بذات الإشكال على القول الأول بانه يستلزم استعمال اللفظ في تمام المأمور به على نحو المجاز لأنه من استعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكل، وان الشيء الواحد مرة يكون داخلاً ومرة يكون خارجاً،وانه خلاف لزوم تعيين اجزاء الماهية والواقع وذات الأمر، وهذا ترديد وتغيير واعتبار شيء مرة مقوماً للفعل ومرة خارجاً عنه.
وهذا الوجه الذي اورده الأعمي يرد عليه ما ورد على الوجه الأول واشكال آخر غيره، فالجامع مع الأول المتقدم يتعلق بصدق التسمية ومدارها، اما هذا الوجه فيتعلق بالوضع وتبعية الإسم في تقسيمه الى حقيقة ومجاز الى الوضع باعتبار ان العرف تابع له كما هو ظاهر المتن، فاشكل عليه الماتن بان الإستعمال في الزائد على معظم الأجزاء يعتبر مجازاً لأنه من باب استعمال اللفظ الموضوع للجزء وهو معظم الأجزاء في الكل وهو الصلاة الجامعة للأجزاء والشرائط .
كما ان كلمة (معظم الأجزاء) اجمالية قابلة للترديد، فالصلاة الناقصة لتكبيرة الإحرام يصدق عليها انها جامعة لمعظم الأجزاء، والصلاة الفاقدة للقراءة او السجدة الواحدة او السجدتين يصدق عليها انها جامعة لمعظم الأجزاء فيكون اطلاق اللفظ على المختلف والمتعدد من دون اشتراك ولا مجاز لذا قال الماتن (يتبادر ما هو المعتبر في المسمى) فتكبيرة الإحرام كما في المثلين اعلاه تكون مرة خارجة على المسمى ومرة داخلة فيه وهو خلف .
وقال الماتن (سيما إذا لوحظ هذا مع ما عليه العبادات من الاختلاف الفاحش بحسب الحالات ، أي ان الذاتي لا يختلف ولا يتخلف عن مفهومه، ولكن هذا الإختلاف حجة وخلاف في اشكاله، فان التعدد يفيد تعدد الماهية، فاذا كانت الصلاة عن اضطجاع صحيحة بالنسبة للمريض والصلاة بالطهارة الترابية صحيحة بالنسبة لفاقد الطهارة المائية، فانه دليل على انطباق اللفظ على الصور المتباينة ويصلح للرد على اشكاله الأول ولكن المقصود الإطلاق في التسمية وليس خصوص المريض.
ثم ان الإختلاف لا يمنع من صدق الاسم ما دامت هناك مندوحة للسعة في المصداق والمسمى، كما ان القائل بان الالفاظ موضوعة لمعظم الأجزاء بما يصدق عليه المفهوم الذي يتحقق في ادنى مسمى له في الخارج فيكون كالمصداق المتعدد للطبيعي الكلي، والعلاقة المجعولة بين اللفظ وماهية مقيدة في الوجود الخارجي، وقال انه من باب الكلي في المعين أو من الفرد المردد.
ولكنه قياس مع الفارق بل انه مفهوم قابل لمصاديق عديدة، الجامع بينها تضمنها لمعظم الأجزاء .
فصحيح ان الكلي في المعين يتعلق بنفس الطبيعة وان تباينت خصوصيات افرادها الخارجية ولكن متعلق الحكم يصدق على بعضها ولا يصح ضم الأجزاء الأخرى له كالكيلو في كيس الشكر، بينما في المقام يصدق الاسم على المصاديق المركبة .
فلو جاء بالصلاة تامة مثلاً، فان الاسم يصدق عليها من باب الأولوية من غير ان يكون الاستعمال مجازاً وليس هو من شمول معظم الأجزاء للكل، فالمعظم اتخذ موضوعاً ومسمى للاسم ، وهو من الإطلاق الذي يعني تعاهد الذات وارسال الخصوصيات لاسيما مع الإجماع على أصالة الإطلاق التي يستدل بها على خروج جزء وعدم شرطيته عند الشك.
واشكل على هذا القول ببيان الشارع لأجزاء وشرائط العبادة وموانعها ومعه لا يصح التمسك باطلاق الالفاظ ، ولكن هذا القول اجنبي عن النزاع الذي يتعلق بالصحيح والفاسد من العبادات والخلاف بين الصحيحي والأعمي لفظي.
ويمكن الإشكال على ما ذهب اليه الأعمي انها موضوعة لمعظم الأجزاء بذات الدليل، أي ان الدليل يفيد خلاف قول الأعمي لأن التي تتضمن معظم الأجزاء تنقسم الى قسمين:
الأول: الصحيحة.
الثانية: الفاسدة.
والثانية لا يشملها اللفظ الا بمؤونة زائدة او انها تكون خارجة بالتخصيص من صدق انطباق اللفظ على المسمى .
فلو جاءت الصلاة فاقدة للركوع فهي فاسدة باعتبار انها عبادة مركبة، ولو جاء الطلاق وهو من المعاملات وليس العبادات فاقداً للإختيار من طرف الزوج المطلق فلا يقال انه طلاق فضلاً عن عدم ترتب الأثر، أي وان نفى الأعمي كون الأثر هو الجامع بين الأفراد التي ينطبق عليها اللفظ، فان الطلاق الفاقد لبعض الأجزاء يكون لغواً، ولا يسمى طلاقاً الا مع القرينة التي تفيد بطلانه، كما لو قيل طلق طلاقاً باطلاً.
ولو جاءت الصلاة ناقصة للسجدة فان كان عن سهو فهي صحيحة بخلاف العمد، وما دام الأمر مردداً بين الصحيح والفاسد فان الإحتمال يبطل الإستدلال وقد يكون هذا الأمر اجنبياً عن المقام بمعنى ان الإشكال الذي اورده الماتن باختلاف العبادات الفاحش بحسب الحالات لا صلة له بهذا الوجه الذي ذكره الأعمي فكون صلاة المريض مثلاً فاقدة للقيام

ثالثها: أن يكون وضعها كوضع الاعلام الشخصية كزيد فكما لا يضر في التسمية فيها تبادل الحالات المختلفة من الصغر والكبر، ونقص بعض الاجزاء وزيادته، كذلك فيها، وفيه: أن الاعلام إنما تكون موضوعة للاشخاص، والتشخص إنما يكون بالوجود الخاص، ويكون الشخص حقيقة باقيا مادام وجوده باقيا، وإن تغيرت عوارضه من الزيادة والنقصان، وغيرهما من الحالات والكيفيات، فكما لا يضر اختلافها في التشخص، لا يضر اختلافها في التسمية، وهذا بخلاف مثل ألفاظ العبادات مما كانت موضوعة للمركبات والمقيدات، ولا يكاد يكون موضوعا له، إلا ما كان جامعا لشتاتها وحاويا لمتفرقاتها، كما عرفت في الصحيح منها(45).
والركوع, وصلاة المتيمم فاقدة للطهارة المائية تخرج بالتخصص عن أصل إطلاق التسمية ولا تدخل في باب النزاع والإستدلال بين الصحيح والأعمي.
ومتسالم الطرفين على ورود دليل خاص بانطباق اسم الصلاة على صلاة المريض الفاقدة لبعض الأجزاء، ولكن الخلاف وقع فيما اذا صلى الصحيح صلاة فاقدة لبعض الأجزاء.
(45) وضع ألفاظ العبادات
وقال الأعمي بان الفاظ العبادات وضعت لمعانيها كما يوضع اسم زيد وحسن ونحوه، فاختلاف السن والطول، والسمن والضعف، وحال الجهل والعلم ، والفقر والغنى بالنسبة للشخص لا يضر في صدق تسميته واحتفاظه بذات الاسم مع حصول الزيادة والنقيصة والعناوين الإعتبارية والإضافية الطارئة .
ولا يضر في العبادات تبادل الهيئات واختلاف الحالات كذا في العبادات فان النقص الطارئ عليها لا يضر من اطلاق الاسم عليها خصوصاً على القول بان الاسم غير المسمى، فان التغيير الحاصل في المسمى لا يفيد ذات الاسم لأن الاسم موضوع للأعم وهو الأنسب للعرف بالإضافة الى قاعدة نفي الحرج .
ولأن المدار في وظيفة الاسم ارادة المسمى وتفهيم السامع المقصود الذي يتحصل بمطابقة الاسم للمسمى ولو على نحو الإجمال بالإضافة الى حصول التخاطب والتبادل بان المراد منه عين المسمى فحينما يكبر زيد او ينال المال والثروة فان ذات الاسم يبقى على حاله ويكفي في إفهام السامع إرادة ذات الشخص بعينه مع تبدل حالته.
وفيه: انه قياس مع الفارق لأن الأعلام الشخصية يلحظ في اصل وضعها الإتحاد والتشخص وعدم قابلية المسمى للتعدد، فالاعلام الشخصية يكون اللفظ فيها موضوعاً لجزئي ويسمى الوضع خاص والموضوع له خاص، اما أسماء العبادات فانها من المتصور الكلي أزاء موضوع كلي متصور بنفسه ويسمى الوضع عام والموضوع له عام مما يعني ان التشبيه من قبل الأعمي غير تام للتباين الموضوعي بينهما، واشكال الماتن عليه صحيح.
أقسام الوجود
والوجود ينقسم إلى أقسام :
الأول : ما يكون بنفسه ولنفسه وفي نفسه وهو واجب الوجود وهو أمر ينفرد به الخالق سبحانه ويتجلى الإستحياء من الله عز وجل يجعل وجوبه قسيماً لوجود المخلوقات , وهو سبحانه (خالق كل شئ) ، قال تعالى إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ )( ).
قال ابن عباس (إن قوما تفكروا في الله عز و جل فقال النبي ص تفكروا في خلق الله و لا تفكروا في الله فإنكم لن تقدروا قدره خرج رسول الله ذات يوم على قوم يتفكرون فقال ما لكم تتكلمون فقالوا نتفكر في خلق الله عز و جل فقال و كذلك فافعلوا تفكروا في خلقه و لا تتفكروا فيه)( ).
الثاني : ما يكون بغيره ولكنه في نفسه وكنفه، وهو وجود كوجود الإنسان , قال تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً.
الثالث : ما يكون في نفسه ولغيره وبغيره , ويتحقق بالعرض ويطلق على هذه الثلاثة بالوجود المحمولي وليس بتام , ولا بد من إفراد واجب الوجود على نحو الخصوص فليس من محمول سواء على القول بأن صفاته عين ذاته أو غيرها .
الرابع : ما يكون في غيره ولغيره وبغيره، ويسمى الوجود الرابط ويطلق عليها الوجود من باب الإلحاق والبيان .
ووصفت الحروف والهيئات لهذا المعنى مثل قول (الأمين) فهي الهيئة التي ينفع بها وجود الذات بلحاظ المكان، فلا بد له من حيز من الفراغ , ويأتي الحرف لتثبيت النسبة، فنقول (إين زيد)
وقيل أن المعنى الحرفي أيضاً إخطاري لا إيجادي، ومع ذلك يكون مبايناً للمعنى الأسمي ذاتاً، لأنه ينفع وجوداً وذاتاً بالغير أما الاسمي فهو موجود بالذات .


رابعها: إن ما وضعت له الالفاظ إبتداء هو الصحيح التام الواجد لتمام الاجزاء والشرائط، إلا أن العرف يتسامحون – كما هو ديدنهم – ويطلقون تلك الالفاظ على الفاقد للبعض، تنزيلا له منزلة الواجد، فلا يكون مجازا في الكلمة – على ما ذهب إليه السكاكي في الاستعارة – بل يمكن دعوى صيرورته حقيقة فيه، بعد الاستعمال فيه كذلك دفعة أو دفعات، من دون حاجة إلى الكثرة والشهرة، للانس الحاصل من جهة المشابهة في الصورة، أو المشاركة في التأثير، كما في أسامي المعاجين الموضوعة ابتداء لخصوص مركبات واجدة لاجزاء خاصة، حيث يصح إطلاقها على الفاقد لبعض الاجزاء المشابه له صورة، والمشارك في المهم أثرا تنزيلا أو حقيقة(46).
(46) للفرق إعتبار في اتساع رقعة المسميات وما تنطبق عليه الإلفاظ والأسماء، ويعترف الأعمي بانها وضعت اصلاً للأفراد الصحيحة دون الفاسدة الا ان التسامح العرفي في اطلاق الإلفاظ مطلقاً في الحقائق والأعراض والجواهر والشرعيات يتعدى من المركب الصحيح التام الجامع للأجزاء والشرائط الى المركب الفاقد لبعضها تنزيلاً له منزلة التام الصحيح من غير ان يكون مجازا في الإستعمال على ما ذهب اليه السكاكي في الإستعارة لأن التصرف فيه في الأمر العقلي، فلا يستلزم هذا الإستعمال المجازية للإنس بوجوه المشابهة بين الواجدة للشرائط والفاقدة لبعضها، فحينما تطلق لفظ أسد على الإنسان الشجاع استعارة , تثبت له خصائص جنس المشبه به.
فقولك: ذهبنا الى حاتم اصلها ذهبنا الى رجل كريم كحاتم، فحذف كل من :
الأول : المشبه وهو لفظ رجل .
الثاني : حذفت الأداة (الكاف) .
الثالث : حذف وجه التشبيه وهو الكريم، والحق بقرينة ذهبنا للإشارة الى ان المقصود هو رجل جواد مضياف بلحاظ أن حاتماً وصف يصح جعله كلياً لتضمنه الجود والكرم، ودخول المشبه في جنس الكرم، وان كان حاتم علماً شخصياً.
فالمجاز يبنى على التشبيه لأن فيه طرفين مستعار منه وهو المشبه به، ومستعار له وهو المشبه، والمجاز العقلي يعني إثبات الشيء لغير ما هو له.
وعند السكاكي : ان الإستعارة واطلاق اسم الكامل على الناقص لا يعني المجازية وكأنه حقيقة للتشابه في الصورة والأثر ولأن الناقص والفاقد بعض الاجزاء ينسبق للذهن كانسباق الواجد، فالمراد من قول الشاعر:
واذا المنية انشبت اظفارها .
هو السبع لأنها وصفت حال السبع ، يقال : انشب السبع أظفاره في فريسته.
وان السبع فردان احدهما متعارف وهو السبع الحقيقي المفترس، والآخر غير متعارف وهو الموت، اما الإستعارة التخيلية فهي صورة وهمية لا يتحقق معناها حساً او عقلاً.
الاصطلاح بين الشرع والعرف
ويجب ان يكون العرف تابعاً للشارع، وليس الشارع تابعاً للعرف، اما بالنسبة للشطر الثاني فهو قاعدة كلية ثابتة لأن التشريع منبثق من الكتاب والسنة فلا يستطيع العرف ان يبلغ ويرقى اليهما.
ولكن نبحث هل جعل الشارع للعرف متسعاً من العمل او الأثر في الاسم وفي المسمى.
كيف نمضي الأمر العرفي اذا ثبت تعارضه مع اصل الشرع بمعنى ان الشريعة اذا لم تتضمن في ذاتها امكان التوسعة فلا يصح الرجوع الى العرف سواء على نحو التنزيل او التسامح.
واشكل على مثال المعاجين بانها وضعت لمركب خاص ولا يصح في العبادات، لأنها تختلف بحسب الحالات والصحيح يكون مخصوصاً ونرد على هذا الإشكال بان اختلاف الحالات والمشكك يجعل انطباق حكم المتواطئ عليه من باب الأولوية الإنحلالية .
بمعنى اذا كان المركب الخاص يصدق عليه تنزيل الفاقد للبعض منزلة الواجد ، فمن باب أولى ان تنطبق الصورة على العبادات التي تكون صحيحة احياناً بحسب بعض الحالات، كصحة صلاة القصر بالنسبة للمسافر والصلاة عن جلوس بالنسبة للمريض وكذا بالنسبة لأحكام النساء خاصة، بالإضافة إلى ما ذكرناه سابقاً بان افراد صلاة المضطر تخرج من حريم النزاع بالتخصص.
نعم يمكن الإشكال على ما ذهب اليه الأعمي بان درجة المسامحة تختلف من شيء الى آخر بحسب الموضوع والحكم واللحاظ والحيثية والأثر وجهة الصدور ، وترى ذلك واضحاً في صيغة التصغير للأسماء ، فبعض الأسماء يقوم العرف بتصغيرها تحبباً او انتقاصاً لها واستهزاءً، وبعضها ولما لها من الشأن والأهمية لا يميل الناس الى تصغيرها.

خامسها: أن يكون حالها حال أسامي المقادير والاوزان، مثل المثقال، والحقة، والوزنة إلى غير ذلك، مما لا شبهة في كونها حقيقة في الزائد والناقص في الجملة، فإن الواضع وإن لاحظ مقدارا خاصا، إلا أنه لم يضع له بخصوصه، بل للاعم منه ومن الزائد والناقص، أو أنه وإن خص به أولا، إلا أنه بالاستعمال كثيرا فيهما بعناية أنهما منه، قد صار حقيقة في الاعم ثانيا. وفيه: إن الصحيح – كما عرفت في الوجه السابق – يختلف زيادة ونقيصة، فلا يكون هناك ما يلحظ الزائد والناقص بالقياس عليه، كي يوضع اللفظ لما هو الاعم، فتدبر جيداً(47).
(47) استدل الاعمي على اطلاق اللفظ في العبادات والمعاملات ليشمل الفاسد والأعم بانه حقيقة في الزائد والناقص بعرض واحد وان كان وضع المقادير كالصاع والحقة والمقادير كالمن والكيلو وشمول اللفظ للأعم بطريقتين:
الأولى : عدم وضع الواضع له على نحو الخصوص والقصد الدقيق، وان لاحظ مقداره حين الوضع.
الثانية : استعماله بالمعنى الأعم من المقدار المخصوص أدى إلى إلحاق الزائد والناقص به حقيقة ويشكل على استدلال الأعمي هذا بان الزائد والناقص على أسماء الأوزان لم يلحق بها الا بعناية ومسامحة ومجاز والا لما ورد التوكيد في القرآن على عدم بخس الناس أشياءهم ، والنهي عن نقص الميزان يحمل على مطلق النقص قال تعالى فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ويقال استوفيت الكيل عليه أي اخذته منه تماماً وافياً.
ويقبح نقص الميزان ولا يطلق على الوزن الناقص اسم الصحيح بل يأتي بما يدل على انه ناقص ولا ينطبق عليه الاسم سواء بنعته بانه رطل ناقص مثلاً او انه اقل من رطل، كذا فيمن يعطي الزيادة فلا يقال انه اعطي رطلاً بل يقال اعطى اكثر من رطل واذا جرت مسامحة فهي محدودة وليست مطلقة.
اللفظ بين الصحيح والفاسد
جاء اشكال الماتن لتثبيت قاعدة القياس مع الفارق ولكن باتجاه آخر مغاير للواقع، فبالعكس هناك الدليل الذي يلحظ ويكشف الزائد والناقص، أما قوله: “ان الصحيح يختلف زيادة ونقيصة وليس هناك ما يلحظ الزائد والناقص” فهذا حجة في تثبيت المائز بين الصحيح والفاسد بلحاظ ان الزيادة والنقيصة في العبادات ترد في موارد مخصوصة ووفق الدليل ولا يلجأ اليها المكلف الا مع الإذن الشرعي .
وقوله انه الصحيح أي الصحيح من العبادات ومع الإقرار بوجود نقيصة او زيادة في اداء فرد العبادة بحسب احوال المكلف فانه لا يصلح للإستدلال على نفي عدم وجود المائز وما يفصل الفرد الصحيح في العبادة، كما هو في الأوزان اذ يعرف المقدار الدقيق والصحيح ثم تلحظ الزيادة, ويرد على الماتن بتضمن العبادات اسماً ومسمى ما يلحظ الزائد والناقص بالقياس عليه ايضاً واختلاف الصحيح منها زيادة ونقيصة انما بسبب رخصة او عزيمة من شارع.
وما ذكر يمكن مناقشته وهو ان المثل حجة في ارادة الصحيح من اللفظ وليس الأعم، لمعرفة المقادير الصحيحة وتمييزها على غيرها، فالذي ينقصها يذم من الناس كما ورد ذمه في القرآن، [وَلاَ تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ] ( )، أما بالنسبة للعبادات، فتارة يكون النقص مشروعاً فلا يضر بصدق اسم الصحيح عليها، وتارة يكون غير مشروع فينطبق عليها لفظ الفاسد وان كانت أجزاؤها أكثر من الفاقدة لبعضها عن عذر وجواز شرعي.
والذي يريد الزيادة يحتج عليه، فما هو ثابت عرفاً معرفة الزيادة
ومنها: ان الظاهر أن يكون الوضع والموضوع له – في ألفاظ العبادات – عامين، واحتمال كون الموضوع له خاصا بعيد جدا، لاستلزامه كون استعمالها في الجامع، في مثل: ( الصلاة تنهى عن الفحشاء ) و ( الصلاة معراج المؤمن ) و [ ( عمود الدين ) ] و ( الصوم جنة من النار ) مجازا، أو منع استعمالها فيه في مثلها، وكل منهما بعيد إلى الغاية، كما لا يخفى على أولي النهاية (48).
والنقيصة والتسامح الذي يحصل بين الناس ليس في ذات الأوزان والمقادير او النقيصة التي لها عنوان واسم خاص وتسمى احياناً بالضميمة، ولا زال اللفظ الموضوع للأوزان والمقادير ينطبق عليها وما زاد او نقص لا ينطبق عليه ذات اللفظ بل بعنوان جامع ومسامحة تلحظ أمرين :
الأول : المسمى .
الثاني : النقيصة او الزيادة.
(48) الوضع عام والموضوع له خاص
انتقل الماتن بقوله (ومنها) الى اتمام الأمور بقوله: وقبل الخوض في ذكر ادلة الطرفين تذكر امور، وبعد ان ذكر ما قيل في تصوير الجامع بين الصحيح والفاسد والذي يقول به الأعمي .
اتجه الماتن الى القول بان وضع الفاظ العبادات من الوضع العام والموضوع له عام كلي متصور بنفسه وليس المتصور جزئياً او ان الموضوع له جزئي وانه متعلق بالأفراد والمصاديق على نحو القضية الشخصية والمباشرة .
فالموضوع جامع متحقق بينهما وهذا لا يعني بالضرورة التمسك بالإطلاق فاستعمالها في الجامع مثل إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ.
وقول الصلاة معراج المؤمن، وعمود الدين، على نحو الحقيقة وليس

ومنها: أن ثمرة النزاع إجمال الخطاب على القول الصحيحي، وعدم جواز الرجوع إلى إطلاقه، في رفع ما إذا شك في جزئية شئ للمأمور به أو شرطيته أصلا، لاحتمال دخوله في المسمى، كما لا يخفى، وجواز الرجوع إليه في ذلك على القول الاعمي، في غير ما إحتمل دخوله فيه، مما شك في جزئيته أو شرطيته، نعم لا بد في الرجوع إليه فيما ذكر من كونه واردا مورد البيان، كما لا بد منه في الرجوع إلى سائر المطلقات، وبدونه لا مرجع أيضا إلا البراءة أو الاشتغال، على الخلاف في مسألة دوران الامر بين الاقل والاكثر الارتباطيين وقد إنقدح بذلك: إن الرجوع إلى البراءة أو الاشتغال في موارد إجمال الخطاب أو إهماله على القولين (49).
المجاز الذي يترشح من استعمالها في الموضوع الخاص .
إذ أن استعمالها في التراكيب المتعددة مجاز وليس حقيقة والماتن ذكر أمرين يكفي احدهما لنفي الموضوع له في الفاظ العبادات خاصة.
الأول : إذا كان الوضع عاماً والموضوع له خاصاً فان استعمال الفاظ العبادات في الجامع مجاز لأنه استعمال في غير ما وُضع له.
الثاني : منع استعمال ألفاظ العبادات في الجامع في الأمثلة المذكورة مثل قول (الصلاة معراج المؤمن) لأن اللفظ موضوع للخاص وليس للعام ولأنها استعملت في مصاديق مخصوصة وليس الجامع.
ويبدو وجود خطأ من النساخ في قوله “اولى النهاية” والأصح “اولي النهى”، أي العقول.
(49) الإجمال في الطلب
ذهب الصحيحي الى قاعدة الإشتغال عند اجمال الطلب لأن الشك في المكلف به كما في قوله تعالى [أَقِيمُوا الصَّلَاةَ] وان المطلوب الماهية الجامعة للأجزاء والشرائط وليس الفاقدة للأجزاء والشرائط .
وثمرة المسألة الأصولية ما يقع كبرى لقياس استنباط الحكم الفرعي الكلي، وقيل ما ذكر ليس بثمرة ومراد الماتن من اجمال الخطاب هو عدم ارادة الأفراد الجامعة للأجزاء والشرائط وعدم احراز المسمى مع الشك في الجزئية وان كان قصده (الإجمال الجهتي) بمعنى انه مجمل من جهة ومبين من جهة اخرى.
والإجمال في الإصطلاح هو ما لم تتضح دلالته، وما يجهل فيه مراد المتكلم كما اذا كان اللفظ مشتركاً لفظياً وليس من قرينة على التعيين ويحتاج الى تبيين، لذا قال الماتن لإحتمال دخوله في المسمى، ويمكن الإستدلال على خلافه باحتمال الوجه الآخر ايضاً لرفع جزئية شيء عند الشك.
والظاهر ان الصحيحي لم يقل باجمال الخطاب كما نعته الماتن والاصل هو البيان وليس الإجمال ولا يرجع الى اطلاق دليل الواجب لأن دخول المشكوك في المسمى نوع احتمال .
أما الأعمي فانه يرجع الى الإطلاق في رفع الشك فيما اذا احتمل دخول شيء في موضوع الخطاب جزءً او شرطاً فيشمل الفاقد لبعض الاجزاء، واستدرك الماتن بلزوم الرجوع الى اطلاق الدليل اذا كان المقام من البيان في رفع الجزئية المشكوكة فيشمل المسمى المواضيع الفاقدة لبعض الأجزاء والشرائط .
مقدمات الحكمة
مقدمات الحكمة جملة امور تصلح لأن تكون قرينة تفيد اطلاق اللفظ وسريان الحكم الى جميع الأفراد والمصاديق بما في ذلك الشكوك الجزئية، وتوفر مقدمات الحكمة يدل على ان المتكلم اراد من اسم الجنس الإطلاق.
وهي ثلاثة :
الأولى : أهلية متعلق الحكم للإطلاق والتقييد ، وإذا تعذر أحدهما يتعذر الآخر.
والإطلاق والتقييد خارجان عن الموضوع عارضان له بلحاظ تعلق بالحكم وشواهد الإستعمال لأن الإلفاظ موضوعة لذات المعاني لا للمعاني بما هي مطلقة، وقيل انهما متقابلان تقابل الملكة وعدمها، فاذا لم يكن متعلق الحكم قابلاً للقسمة فلا يصح فيه الإطلاق والتقييد.
الثانية: عدم نصب المتكلم قرينة على التقييد لا متصلة ولا منفصلة واتفق الأصوليون في القرينة المتصلة في ارادة التقييد، واختلف في القرينة المنفصلة، والمشهور ذهب الى منع القرينة المنفصلة ايضاً عن الإطلاق لأنها تكشف عن عدم الإرادة الجدية للإطلاق وكأن ظهوره بدوي .
وقيل بعدم منع القرينة المنفصلة للظهور في الإطلاق ولعله اراد المنع على نحو الجزئية، والأصح ما ذهب اليه المشهور.
الثالثة : ان يكون المتكلم في مقام البيان وليس في مقام الإهمال والإجمال بل اراد تمام مراده بخصوص الموضوع الذي اراد بيانه أو الأمر به والبعث اليه ، ويحرز ظهور البيان بواسطة الأصل العقلائي وهو ان كل متكلم متصد لبيان مراده وغايته الا مع القرينة او الدليل على الخلاف.
وقد ذكر الماتن مقدمة رابعة وهي عدم وجود قدر متيقن في مقام التخاطب، فمع هذا القدر لا يتحقق ظهور في الإطلاق فاذا قال الأب لابنه اذهب الى المسجد وصل، وكان المسجد معلوماً ومحدداً عندهما وكذا فرض الصلاة بلحاظ اوانها .
الاستقلالي والارتباطي
وينقسم المراد إلى قسمين :
الأول : الإستقلاليان .
الثاني : الارتباطيان .
وفي الاستقلاليين يكفي اتيان الأقل وان كان متعلق الحكم واقعاً بالأكثر في الشبهة الوجوبية، والمخالفة بمقداره في الشبهة التحريمية بخلاف الإرتباطيين، فانه لو كان التكليف واقعاً متعلقاً بالأكثر لكان اتيان الأقل ناقصاً وفاسداً .
لأن التكليف فيهما واحد لا يقبل التجزئة فيكون الشك فيه شكاً في المكلف به الذي تعمل فيه أصالة الإشتغال بخلاف المستقلين فان الأصل فيه البراءة لأن مرجع الشك الى التكليف.
ومن الإستقلالي ما لو علم بفوات صلوات وشك في عددها وهل هي اثنتان او ثلاث ، فبعد العلم بالوجوب شك في العدد، وهو من الشبهة الوجوبية فيجزي اتيان الأقل وإجراء أصالة البراءة عن الأكثر، وهو الذي ذهب اليه مشهور الأصوليين، وكذا لو علم ان عليه ديناً لزيد وشك هل هو ألف دينار او ألفان .
أما بالنسبة للاستقلاليين في الشبهة التحريمية فكما لو شك في حرمة صيام اليوم الأول من العيد او جميع ايام العيد بعد ان علم بحرمة الصوم فيه، فتجري في الأقل وهو حرمة صيام اليوم الأول منه لأن التكليف به معلوم وما زاد عليه يكون الحكم فيه مشكوكاً فتجري فيه أصالة البراءة.
أما بالنسبة للارتباطيين في الشبهة الوجوبية الذي ذكره الماتن هنا فهو الأهم في هذا الباب ويسمى بالأقل والأكثر الإرتباطيين وقد يسمى بالشك في جزئية او شرطية شيء للمأموربه، كما لو علم بشرطية قراءة السورة في النافلة، او علم بوجوب حضور خمسة لصلاة الجمعة وشك في السبعة.
فالتكليف بالفاتحة للنافلة معلوم وما زاد عليها مشكوك، وكذا التكليف بالخمسة والشك في الإثنين من السبعة في الجمعة فيرجع الى أصالة البراءة في الزائد سواء البراءة العقلية أو النقلية للتكليف بالأكثر، برفع الجزئية والشرطية بادلة البراءة الشرعية وليس العقلية .
نعم ذهب جمع من المتأخرين الى القول بالاحتياط واتيان الأكثر ، بلحاظ ان حكم العقل يقتضي الإحتياط.
ونطلق هنا اصطلاح (الدوران الارتباطي) على الأقل والأكثر الإرتباطيين ، و(الدوران الاستقلالي) على الأقل والأكثر الاستقلاليين.
الظاهر زيادة لفظ (ان) في قوله( ان الرجوع الى البراءة)، اما احتمال سقوط خبرها من النساخ فبعيد، فلا ملازمة بين الرجوع الى البراءة بناء على الأعم، والرجوع الى الاشتغال بناء على الصحيح، ثم ان النقاش في الكبرى وهي اجمال واهمال الخطاب، وان الخطابات التكليفية لم ترد على نحو الإجمال لما في الإجمال من الحرج ولعمومات قبح العقاب بلا بيان، نعم مع اطلاق الدليل يرجع اليه في مقام البيان، وهذا أمر لا خلاف فيه لكنه لا يعني بالضرورة القول بالأعم.
ومن ثمرة الخلاف انه لو نذر اعطاء دينار للمصلي فهل تبرأ الذمة ويحصل الإمتثال باعطاء من كانت صلاته باطلة على القول بان الألفاظ وضعت على نحو الإطلاق وتشمل الأعم، ام لابد من اعطاء الدينار الى من كانت صلاته صحيحة لعدم صدق لفظ الصلاة على الفاقدة للأجزاء والشرائط، ونوقشت مسألة النذر من جانب آخر وهو رجحان متعلقه كشرط لصحته، الأمر الذي لا يتحقق باعطائه لمن يصلي الصلاة الباطلة .
ولكن النقاش في الأمثال ليس من دأب المحصلين بمعنى ان المسألة الأصولية اعم من المثل المذكور.
لقد أراد الماتن البيان العملي للفرق بين القول بالصحيح والأعم وصدق او عدم انطباق ثمرة المسألة الأصولية عليه، لأن المدار على وقوعها كبرى لقياس استنباط الحكم الفرعي الكلي ، وان الفرق في باب النذر لا يصلح ان يكون نتيجة تقع كبرى لقياس استنباط الحكم، لأن جواز الإعطاء للذي يصلي صلاة ناقصة وفاقدة لبعض الأجزاء أو عدمه، حكم يتفرع عن مسألة أصولية وليس هو مسألة تتفرع عنها عدة أمور.
وموضوع النذر ذكره الماتن هنا لبيان أن البر يحصل أن اعطي لمن فسدت صلاته على القول بوضع الالفاظ للأعم من الصحيح والفاسد، وعدم حصول البر على القول بانها لم توضع الا للصحيح وقول الماتن (انه ليس بثمرة لمثل هذه المسألة) لا يعني رجوع الضمير الى ثمرة كما ذهب اليه بعض المحشين.

وكيف كان، فقد استدل للصحيحي بوجوده: أحدها: التبادر، ودعوى أن المنسبق إلى الاذهان منها هو الصحيح، ولا منافاة بين دعوى ذلك ، وبين كون الالفاظ على هذا القول مجملات(50).
وقال: لكنه في غاية الغموض لأنه يقتضي مغايرة النتيجة للثمرة) بل انه يشير الى مسألة النذر وانها حكم فرعي.
(50) التبادر
التبادر لغة هو التسارع والسعي الفوري اما في الإصطلاح فهو انسباق تصور المعنى من اللفظ عند اطلاقه، اذ يتبادر الى الذهن معنى معين، وهذا المعنى هو الذي وضع له اللفظ ، فالعلقة بين اللفظ والمعنى جعلية، وليست ذاتية كما تقدم بيانه ويتصور التبادر على وجهين:
الأول: استدامته وشموله لزمان الوضع.
الثاني: انه حقيقة في المعنى المتبادر زمان التخاطب به.
والثاني هو الأرجح لعدم القول بالإستصحاب القهقري، وان قيل بأصالة الثبات في اللغة للدلالة على ان اللفظ حقيقة في المعنى المتبادر، نعم ينفرد القرآن بميزة وهي اتحاد زمان نزوله مع كل الأفراد الطولية للأزمنة اللاحقة في نفاذ الحكم .
وأراد الماتن ان يدفع الإشكال عن جعل الصحيح بمنزلة الحقيقة في باب الاستدلال.
فالتبادر يعني انسباق معنى معين الى الذهن وهو يدل على عدم وجود الإجمال والجهل بمراد المتكلم، بل ان قصده مفهوم، واستدل الماتن على انتفاء المنافاة بانها مبينة من جهة معينة دون تمام الجهات، ولكن هذا لا يدفع الإشكال لأن المتبادر من لفظ الإجمال هو ما لم تتضح دلالته في ذات الموضوع.
ثانيها : صحة السلب عن الفاسد ، بسبب الاخلال ببعض أجزائه ، أو شرائطه بالمداقة ، وإن صح الاطلاق عليه بالعناية (51).
أما الإجمال الجهتي فهو امر ينطبق على كثير من المفاهيم ولا عبرة به، ولا يتنافى مع التبادر والحقيقة لأنه اجنبي عنها، ولكن لا يطلق على اللفظ انه مجمل، والمراد من المجمل هو ما كان مجملاً من كل الجهات او من الجهة ذات الغرض.
واقرار الماتن بانها مبينة بغير وجه اعتراف ضمني بانها ليست مجملة.
(51) لقد ثبت ان عدم سلب اللفظ عن المصداق الصحيح يدل على انه حقيقة، ويصح سلب اللفظ عن الفاسد مما يعني ان اطلاق اللفظ عليه من باب المجاز والمسامحة، فمن صلى بغير طهور تستطيع سلب اسم الصلاة عما جاء به لأنها باطلة .
واطلاق لفظ الصلاة عليها يكون بالتسامح والعناية، وقد ذكر الماتن (المداقة) كقيد لصحة السلب عن الفاسد، و(العناية) كسبب للإطلاق مما يعني حصول برزخ بينهما وهو عدم الدقة العقلية وعدم العناية وهو الفرد الأكثر في الإستعمال، اذ ان الإستعمال اعم من الحقيقة والمجاز، وان المدار على الدقة العرفية .
وليس الدقة العقلية لما فيها من الحرج والتشديد، فـ(الصلاة معراج المؤمن) لا يطلق على الفاسدة ولو بعناية خصوصاً وان الوصف مركب من الصلاة ومن معراج المؤمن، ولا يتقرب الى الله عز وجل بالفاسد والمبغوض.

ثالثها : الاخبار الظاهرة في إثبات بعض الخواص والآثار للمسميات مثل (الصلاة عمود الدين) أو ( معراج المؤمن) و (الصوم جنة من النار) إلى غير ذلك ، أو نفي ماهيتها وطبائعها ، مثل ( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) ونحوه ، مما كان ظاهرا في نفي الحقيقة ، بمجرد فقد ما يعتبر في الصحة شطرا أو شرطا (52).
(52) إرادة الصحيح من اللفظ
وهذا القول على مبنى الماتن من موضوعية الأثر في الإستدلال على ارادة الصحيح من الألفاظ وهو استدلال حسن، فالأخبار تثبت بعض الخواص والآثار للمسميات بما يجعل الاسم يختص بالصحيح ، ولا ينطبق على الفاسد، مثل قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (الصوم جنة من النار)( ).
وهذا الأثر لا ينطبق الا على الصوم الجامع للشرائط، بالإضافة الى وجود صفات سلبية في خروج الفاسد بالتخصص، وكأنه من باب ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة لذلك الحكم، فان وضع الأسماء وترتب الأحكام تارة يكون بلحاظ الذوات والماهيات ، وأخرى بحسب العوارض أو سلب المنافيات وصفات النقص والفساد.
أي ان الماتن ذكر قسمين متباينين من الأخبار يدل كل منهما على ارادة الصحيح من الوضع :
القسم الأول : الأخبار الإيجابية التي ترد بصفة التمام والكمال للمعنى مثل قول الإمام الباقر عليه السلام (لا صلاة الا بطهور)( )، الصيام جنة من النار .
وقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته)( ).
فالأول من اثبات بعض الخواص فالمراد ان مسمى الصلاة لا ينطبق الا على الصلاة التي يؤتى بها بوضوء وطهر .
والثاني يبين اثرالصيام وانه جنة من النار، ولابد ان يكون المراد من الصيام هو الجامع للشرائط.
القسام الثاني : الأخبار السلبية: وهي التي تفيد سلب التمام وصدق الماهية عن العبادة الفاقدة لبعض الأجزاءوالشرائط كما في الصلاة التي يأمر بقضائها واعادتها.
وما ورد في القسم الأول يصلح ان يكون في مفهومه من القسم الثاني فقوله عليه السلام لا صلاة إلا بطهور، أو لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، يعني عدم صدق الصلاة على الفاقدة للطهور او قراءة سورة الفاتحة، مع الفرق بينهما، فالطهور مقدمة واجبة والفاتحة واجب غير ركني، إلا أن يصدق على كل منهما انه نقص يخل بالمسمى، وعلى القول بالصحيح يخل بالاسم ايضاً بمعنى ان اسم الصلاة لا ينطبق عليها.
ثم اجاب الماتن على اشكال مفاده: ان هذا التقسيم للإخبار اجنبي عن ارادة الصحيح من لفظ الصلاة مطلقاً .
فالقسم الأول منها خاص بارادة الصلاة الصحيحة من الصلاة، اما القسم الثاني فهو اخبار عن عدم صحة الصلاة غير الجامعة للشرائط الا ان الفريقين يدخلان ضمن عمومات الصلاة .
فقد تكون الصلاة غير صحيحة ولكن اسم الصلاة يصدق عليها بل قد تكون الصلاة صحيحة ولكن لعدم بلوغها مراتب الكمال .
كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم لا صلاة لجار المسجد الا في مسجده)( ).
فلم يقل احد بان هذه الصلاة في البيت المجاور للمسجد مثلا ليست صحيحة ولكنها لم تبلغ مراتب الكمال وتمام الثواب.
ووصف الماتن هذا الإشكال بأنه (خلاف الظاهر) لأنه قياس مع الفارق وللتمايز الموضوعي بينهما، فارادة الكمال وصحة الفعل مع عدمه تدل عليه القرينة والنصوص البيانية الأخرى كما في المثل أعلاه إن المراد لا
صلاة تامة الثواب لجار المسجد إلا في المسجد، وقول الماتن (خلاف) هو خبر للمبتدأ (ارادة).
فهناك تباين بين نفي الصحة وبين نفي الكمال يعرف من القرائن، فالقرائن والنصوص الأخرى تدل على صحة الصلاة في البيت حتى لجار المسجد.
ونعرف منها ان المراد كمال الصلاة وليس صحتها او عدمه، ولم يفرق الماتن بين نفي الصحة ونفي الكمال في قوله (مثل الصحة والكمال) حتى على القول بمجئ العبارة على نحوالسبر والتقسيم والطي والنشر، لأن نفي الصحة في المقام غير نفي الكمال .
فنفي الكمال يبقي الفرد من ضمن القول بالصحيح وعدم التفريق بينهما لأنهما جزء من اشكال الأعمي الذي اراد الجمع بين عدم الصحة وعدم الكمال فأكد الماتن بانه مجاز وخلاف المتبادر والمنسبق من اللفظ.

رابعها : دعوى القطع بأن طريقة الواضعين وديدنهم ، وضع الالفاظ للمركبات التامة ، كما هو قضية الحكمة الداعية إليه ، والحاجة وإن دعت أحيانا إلى إستعمالها في الناقص أيضا ، إلا أنه لا يقتضي أن يكون بنحو الحقيقة ، بل ولو كان مسامحة ، تنزيلا للفاقد منزلة الواجد . والظاهر أن الشارع غير متخط عن هذه الطريقة . ولا يخفى أن هذه الدعوى وإن كانت غير بعيدة ، إلا أنها قابلة للمنع ، فتأمل (53).
(53) أصل الوضع للصحيح
يذكر الماتن هنا استدلال الصحيحي ولكنه نعته بالدعوى وشكك في حجيته لعدم الدليل عليه، فالصحيحي استدل باصل الوضع للصحيح دون الفاسد فحينما وضع اللفظ ازاء معنى معين فلابد ان المراد هو المعنى الصحيح دون الفاسد، لأن الغرض ارادة الصحيح وتفهيمه للآخرين وهو علة وضعه والحكمة منه قضاء الحوائج والتعبير عما في النفس .
ثم اعترف الماتن بان الحاجة دعت الى استعمال اللفظ في الناقص ولكن هذا لا يعني ان استعماله في الناقص على نحو الحقيقة ولكنه من باب المجاز بتنزيل الفاقد منزلة الواجد وهذا التنزيل لا يعني ان اللفظ يستعمل في الناقص حقيقة بل بالعناية والمسامحة .
ويشكل عليه ان المدار على الإستعمال وانه يفيد النقل الى الناقص، لأنه اعم من الحقيقة والمجاز، أي كما ينقل اطلاق اللفظ من معنى الى معنى آخر مستحدث كذلك ينقل استعمال اللفظ الى المجاز .
وهذه الدعوى التي ذكرها الصحيحي على ارادة الفرد الصحيح من الوضع دون المعنى الأعم الشامل للفاسد .
قال الماتن بانها (غير بعيدة) لغة وعقلاً وشرعاً ثم قال انها قابلة للمنع، أي لم يثبت دليلها بلحاظ إن اثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره، فان انطباقها على الصحيح وارادته من اللفظ لا يعني عدم ارادة غير الصحيح من اللفظ .
لذا ذهب بعضهم الى القول بان هذا الدعوى (بعيدة جداً) لأنها تخرص بالغيب، ولكنها ليست تخرصاً بل امراً عقلياً وعليه سيرة العقلاء، والإرباك في حال حصوله سببه الخلط بين الوضع والإستعمال .
إذ أن النسبة بين الوضع والاستعمال هي العموم والخصوص المطلق ، فاستعمال اللفظ أعم من المعنى الذي وضع له وعدم الإقرار بان الألفاظ يؤثر بها العرف اتساعاً وضيقاً.
ويظهر في كلام الماتن الفرق بين الوضع والاستعمال، وان الاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز والبرزخ بينهما. وذكر الماتن عدم تخط الشارع لقواعد الوضع وانحصارها بالصحيح بما هو شارع مقدس لاحكام الحلال والحرام وترتب الثواب والعقاب، وبما هو واضع ومخترع للألفاظ على القول بالحقيقة الشرعية.
وقابلية الدعوى للمنع لأن النقاش في الكبرى وهو الوضع للصحيح دون الجامع بين الصحيح والفاسد، والتام والناقص، فقد يكون الوضع للجامع، للحاجة الى بيان الجامع وتفهيم الناقص كتفهيم التام، ولكن هذا المنع لا يصلح دليلاً معارضاً لاسقاط الدعوى، فحتى على فرض تفهيم الجامع والناقص فانها افراد متعددة مغايرة لمفهوم التام، وهذه المغايرة من مقتضيات الحكمة ووظائف العقل النظري والعملي .
فلا تعارض بينها للتباين في الموضوع، بمعنى ان موضوع التام يختلف عن موضوع الجامع والناقص والاسماء تابعة للمواضيع والمسميات، وكذلك بالنسبة للاحكام فانها تابعة للمواضيع، أما الاستعمال فهو أعم وأوسع، فاستدلال الصحيحي بهذه الدعوى على نحو القطع او الظاهر وجيه، وقابليته للمنع ضعيفة.

وقد إستدل للاعمي أيضا ، بوجوه : منها : تبادر الاعم ، وفيه : أنه قد عرفت الاشكال في تصوير الجامع الذي لا بد منه ، فكيف يصح معه دعوى التبادر (54).
(54) اللفظ الجامع للصحيح والناقص
قد نعت الماتن تصوير الجامع بانه في غاية الإشكال وذكر خمسة وجوه يقولها الأعمي للجامع بين الصحيح والفاسد، واشكل على كل منها لذا قال (وقد عرفت الإشكال) انه استدل عليها بنفي حصول التبادر وانسباق المعنى الأعم والجامع من اللفظ .
ومفاد الإشكال ان الجامع للشرائط والفاقد لها يكونان بعرض واحد كما ان الجامع يدل على دخول الفاسد مرة في المسمى وشموله بالاسم ، ومرة يخرج منه فلا يستطيع.
ولكن الصحيح ذاته من الكلي المشكك وعلى فرض القول بالأعم فيكون من الكلي المشكك بالأولوية، فانت تطلق لفظ انسان على الكبير والصغير، والذكر والأنثى ، والتام الخلقة والذي به عاهة ومدار التسمية على جنس الإنسان .
ولكن في العبادات لها خصوصية تترشح على الأسماء لإرتباطها بالتكليف وقاعدة الإشتغال والبراءة والأجر والثواب، فهل يكون التبادر على اساس الوضع أم الشارع أم وفق العرف والاستعمال والخطابات المتداولة واقعاً .
الأقوى انه بحسب الحال والمتعارف، فاذا اضاف العرف قيداً زائداً او أزال قيداً من أصل الوضع كانت تلك الإضافة والإزالة حاضرة في المحاورة لموضوعيتها في صحة المعاملة عند اهل العرف، فلا يصح التمسك بالوضع والبحث في الرجوع اليه ، نعم مقتضى الأصل ان العرف يرجع الى أصل الوضع خصوصاً في العبادات.
لقد استدل كل من القائل بالصحيحي والقائل بالأعم بالتبادر الذي
ومنها : عدم صحة السلب عن الفاسد ، وفيه منع ، لما عرفت (55).
يعني انسباق المعنى من نفس اللفظ مجرداً عن كل قرينة صارفة اليه، او صارفة للفظ عن معنى آخر ، بلحاظ ان التبادر يتوقف على المعنى الإرتكازي الذي وضع له او الذي استعمل فيه.
والأقوى ان المتبادر والمنسبق الى الأذهان هو الصحيح، وان الأعم لا ينطبق عليه اللفظ الا بعناية ومسامحة وقرينة.
(55) قد تقدم استدلال الصحيحي بصحة السلب أي سلب الاسم عن الفاسد وعدم انطباق المعنى عليه، وقال الماتن (وان صح الإطلاق عليه بالعناية)، وذكر هنا استدلال الأعمي، بان المراد من اللفظ هو المعنى الأعم والجامع للصحيح والفاسد .
والدليل هو عدم صحة سلب لفظ وعنوان الصلاة عن الفاسدة لأنها تصلح كمعنى للفظ الذي يفنى فيها أيضاً فلا يقال الصلاة بلا طهور ليست بصلاة.
واستدلال كلا الفريقين بذات المسألة وعلى نحو متناقض يستلزم مناقشة أصل الإستدلال اولاً أو استحضار دليل آخر للتساقط ، فهل يصح واقعاً سلب الأسماء عن المعاني الفاسدة والناقصة كي نقول بالصحيحي او لا يصح سلبها .
والأقوى هو صحة السلب للتباين والترديد في الحقيقة الواحدة وعدم تعيين الماهية في الوقت الذي تكون فيه الماهية مبينة وغير مهملة وفق صيغ الحوار والتخاطب، كما في شخص رآه النبي يصلي فقال له: اعد صلاتك( ).
فهناك قرينة على الفرق بين الصحيحة والفاسدة وهي الإعادة وان اطلاق لفظ الصحيحة على الفاسدة بالعناية والمجاز والا لما امره بالإعادة.
ومنها : صحة التقسيم إلى الصحيح والسقيم وفيه أنه إنما يشهد على أنها للاعم ، لو لم تكن هناك دلالة على كونها موضوعة للصحيح ، وقد عرفتها ، فلا بد أن يكون التقسيم بملاحظة ما يستعمل فيه اللفظ ، ولو بالعناية (56).
(56) دلالة التقسيم على وجود مقسم
باعتبار ان الفاسدة تكون قسيماً للصحيحة، وتشاركها في الاسم الا انها تنفصل عنه بالخصوصيات والأحكام والأجزاء والشرائط.
فالتقسيم علامة على وجود مقسم وامكان وفرض انشطاره الى فردين او اكثر فالعدد اربعة يقبل القسمة الى زوجين وكل اثنين قسم من المقسم الجامع، وقد اشكل عليه الماتن بالدلالة على ان الالفاظ موضوعة للصحيح، بينما ينفي الأعمي امكان ثبوت مثل هذا الوضع .
ولكن هذا التقسيم لم يثبت انهما بعرض واحد من حيث انطباق الاسم على المعنى .
واثبات صدق انطباق اللفظ على المعنى لا يتوقف على التقسيم فقط بل على الوضع ولغة التحاور والمرتكز في الأذهان .
فاذا قيل ان الصلاة أما صحيحة أو فاسدة لا يعني هذا ان اسم الصلاة ينطبق على الفاسدة بل قد يراد منه خروج الفاسدة بالتخصص وان اللفظ اطلق عليها للمسامحة والبيان وعلى نحو الاستعارة والمجاز بمعنى حينما يؤتى بهذا التقسيم فالمراد اظهار التباين بينهما في الماهية.
فهذا التقسيم حجة على الأعمي وليست مؤيدة لقوله، لما فيه من اثبات التباين بينهما وانهما لم يكونا بعرض واحد مع وجود القرينة التي تفيد عدم التساوي بين المعنيين وتظهر التباين الموضوعي بينهما في انطباق المأتي به على المأمور به او عدمه، خصوصاً وان التفهيم لا ينحصر بالألفاظ بل يشترك العقل في الفرز ومنع الاختلاط والتداخل في المعاني بل والالفاظ ايضاً، فلا
ومنها : استعمال الصلاة وغيرها في غير واحد من الاخبار في الفاسدة ، كقوله عليه الصلاة والسلام ( بني الاسلام على خمس : الصلاة ، والزكاة ، والحج ، والصوم ، والولاية ، ولم يناد أحد بشئ كما نودي بالولاية ، فأخذ الناس بأربع ، وتركوا هذه ، فلو أن أحدا صام نهاره وقام ليله ، ومات بغير ولاية ، لم يقبل له صوم ولا صلاة )، فإن الاخذ بالاربع ، لا يكون بناء على بطلان عبادات تاركي الولاية ، إلا إذا كانت أسامي للاعم . وقوله عليه السلام : ( دعي الصلاة أيام اقرائك ) ضرورة أنه لو لم يكن المراد منها الفاسدة ، لزم عدم صحة النهي عنها ، لعدم قدرة الحائض على الصحيحة منها (57).
تصل النوبة الى احتمال اشتراكهما في أصل الوضع او عدمه.
وقول الماتن (وقد عرفتها) يعود فيه الضمير الى الدلالة أي قد عرفت ، والأصل دلالة وضع الفاظ العبادات للصحيحة على نحو الخصوص، فلا تصل النوبة الى موضوعية التقسيم لأن الأصل بسيط لا يصلح للتعدد والقسمة الى فردين او اكثر ، خصوصاً مع احتساب التمام والغرض والإفهام في وضع اللفظ أزاء المعنى وأن الشارع أراد التمييز عند الوضع ، واختيار اللفظ بين الصحيح والفاسد .
لقاعدة نفي الجهالة والغرر ولمنع اللبس وقاعدة قبح العقاب بلا بيان وموضوعية ترتب الآثار والثواب على العبادة الصحيحة دون الفاسدة.
فيكون التقسيم على فرض تماميته متعلقاً بمرحلة لاحقة من مراحل الإستعمال فلا يكون هذا التقسيم حجة ودليلاً.
(57) استدلال القائل بالأعم
هذا وجه من وجوه استدلال الأعمي باستعمال الفاظ العبادات في الصحيح والفاسد بالاستقراء من النصوص الواردة عن المعصومين عليهم السلام ويشكل عليه ما اشكل على الأول من ان التقسيم واستعمال اللفظ في العبادة الفاسدة انما للبيان والإيضاح وللإعتماد على المرتكز في الأذهان ثم ان قول الباقر عليه السلام : بني الإسلام على خمس( ).
لا يعني بالضرورة ارادة الفاسدة ايضاً او الناقصة وقبول الصلاة مطلقاً ممن يؤديها وعدم القبول لا يتعلق بماهية الصلاة واجزاء تتأمل بشرط خارج منها لأن موضوع الولاية يختلف عن موضوع الصلاة.
وتفسر السنة بعضها بعضاً كما يفسر القرآن بعضه بعضاً ويقيد بعضها بعضاً، والإقرار بالولاية او عدمه اجنبي عن انطباق اللفظ، ويطرأ على القبول اوعدمه لأن لفظ الصلاة والعبادات متعلق بالأمر المولوي الذي يعني اجتماع الأجزاء والشرائط وليس بلحاظ الإمتثال او عدمه، ولا مدخلية لإعتقاد المكلفين فيه كما ان موضوعه بناء الإسلام وبيان العقيدة الصحيحة.
حديث دعي الصلاة أيام اقرائك
استدل الأعمي بقوله صلى الله عليه وآله وسلم (دعي الصلاة ايام اقرائك)( )، وتقريب الإستدلال تعلق الأمر بغير المقدور .
ولفظ الصلاة ينطبق قهراً على الصلاة ايام الحيض وهي فاسدة قطعاً، فجاء لفظ الصلاة لإرادة الفاسدة منها مما يعني عدم حصر اللفظ بارادة الصلاة الصحيحة، ويمكن الإشكال على قول الأعمي هذا، اذ لا يعني انطباق لفظ الصلاة على أفرادها اثناء الحيض لأنها سالبة بانتفاء الموضوع فلا صلاة أيام الحيض.
بل المقصود هو عدم أداء الصلاة اثناء الحيض .
ولفظ الصلاة هنا مركب من معنى الصلاة وارادة الشارع افرادها الصحيحة، ومن عدم اهلية حال الحائض لإتيانها وجاء اللفظ للبيان، ولو كان اللفظ خاصاً بالصحيحة فما هي اللغة التي يرد فيها الحديث .
والجمع بين النصوص وعدم ترك الصلاة بحال يفيد عدم وجود صلاة أيام الحيض وان ايامه خارجة عن التكليف بالصلاة تخصيصاً.
وقد وردت الآيات القرآنية بأحكام الطلاق كما في قوله تعالى وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ، الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.
ولم يقل أحد بارادة المعنى الأعم للطلاق وانه يشمل الفاسد، بل اجتهد الفقهاء في بيان شرائط الطلاق الصحيح وأسباب البطلان .
ليكون متعلق الآيات والنصوص الأفراد الصحيحة منه دون الفاسدة، واذا قيل ان فلاناً طلق زوجته يتبادر الى الأذهان الطلاق الصحيح الجامع للشرائط ولا يأتي احد يسأله : هل طلقت طلاقاً صحيحاً أم طلاقاً فاسداً، كذلك بالنسبة لنهي الحائض عن الصلاة، فالمراد ماهية وموضوع الصلاة، وربما لا يدخل هذا الحديث في حريم النزاع فهو اجنبي عن الصلاة الصحيحة والفاسدة .
فالقدر المتيقن من النهي هو ترك الصلاة في أيام الحيض، فلا تصل النوبة الى مسألة الجامع بينهما وليس هناك تلبس للمبدأ في الحال، بل الحديث يدل بالدلالة الالتزامية على المنع من الصلاة الفاسدة الفاقدة لبعض الاجزاء والشرائط كما في انعدام الطهارة عند الحائض، ومثلاً قول (دعي صلاتك) المراد ليس افراد الصلاة اثناء ايام الحيض وقد علمنا عدم اتيانها، ولكن المراد اسم الجنس الذي ينطبق على افراد متعددة ومتعلقة هنا نسبة الصلاة الى المرأة وليس المراد العهد.
ومع هذا فان استعمال اللفظ في الفاسدة موجود في الأخبار ولا يفيد
بقي أمور : الاول : إن أسامي المعاملات ، إن كانت موضوعة للمسببات فلا مجال للنزاع في كونها موضوعة للصحيحة أو للاعم ، لعدم إتصافها بهما، كما لا يخفى، بل بالوجود تارة وبالعدم أخرى، وأما إن كانت موضوعة للاسباب، فللنزاع فيه مجال، لكنه لا يبعد دعوى كونها موضوعة للصحيحة أيضا، وان الموضوع له هو العقد المؤثر لاثر كذا شرعا وعرفا والاختلاف بين الشرع والعرف فيما يعتبر في تأثير العقد، لا يوجب الاختلاف بينهما في المعنى، بل الاختلاف في المحققات والمصاديق، وتخطئة الشرع العرف في تخيل كون العقد بدون ما اعتبره في تأثيره، محققا لما هو المؤثر، كما لا يخفى فافهم (58).
الدلالة على الوضع للأعم للقرائن التي تحف بالخبر والموضوع وللثابت شرعاً وعقلاً ووجداناً ان الألفاظ لم توضع الا للصحيح منها وكذا الشارع لا يريد الا المعنى الصحيح.
(58) قسما الفقه
تقسم أبواب الفقه إلى قسمين :
الأول : عبادات .
الثاني : معاملات .
ومنهم من أضاف لها الأحكام، ومن المعاملات البيع والرهن والإجارة والوديعة والنكاح ونحوها.
وألفاظ المعاملات موضوعة للمسببات وليس للأسباب واستعمال الشارع هو ذاته استعمال العرف ونزل القرآن بلغة العرب ، قال تعالى إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
وهذه الألفاظ منبثقة من حاجة الناس والعقلاء اليها والشارع امضى هذه العناوين ولكن قيدها بقيود شرعية دقيقة تحول دون الضرر والغبن.
والمسببات أمر بسيط اما ان يكون موجوداً او غير موجود كالملكية والزوجية ونحوها مما هو مترتب على العقود والايقاعات، لذا قال الماتن بانه يتصف بالوجود تارة وبالعدم اخرى فلا مجال للنزاع في كونها موضوعة للصحيحة او الأعم .
ولكن هذه البساطة والتقسيم لا يمنع من دخولها في النزاع وخضوع الموجود منها للنزاع أي ان الموجود يدل على ارادة الصحيح محضاً أم انه يشمل الفاسد، وتعدد المسببات من الأثر او عدمه.
فاذا كانت المسببات لا تترتب الا على العقد الصحيح يمكن الاستدلال على لزوم الاصطفاء من اللفظ عند العزم على ترتيب الأثر قبل ان تصل النوبة لوضع الأسماء للأسباب من الإيجاب والقبول في العقود كالبيع والإجارة والإيقاع كالوقف والطلاق .
والبيع يكون اثره انتقال عين بعوض .
وفي الإجارة انتقال ملك منفعة كعوض .
وذهب المشهور الى التمسك بالإطلاق حتى على القول بوضعها للمسببات وهو الأصح، لرفع جزئية ما احتمل جزئيته او شرطية ما احتمل شرطيته له ، واليه مال الماتن، اذ جمع الماتن بين مراد الشارع والعرف لأن ارادة التاثير والقصد واحدة عند الشارع والعقلاء والعرف، ولو ان الشارع اراد غير الذي اراده العرف لنصب قرينة دالة عليه وبما انه لم ينصب قرينة تدل على الخلاف بل صدر منه التشريع على نحو الإطلاق كما في قوله تعالى وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا والموضوع المترتب على الأثر عند الشرع والعرف.
ومن الإعجاز في الآية أعلاه مع قلة كلماتها جمعها بين أمر ونهي حاضرين بالواقع اليومي للمسلمين في أسواقهم.

وضع ألفاظ المعاملات للصحيح
وضع ألفاظ المعاملات للصحيح يمكن ان يستفاد من دليل غير ما التقى به الشارع مع العرف في هذا الخصوص، فالاصل ان يكون بين العرف والشرع عموم وخصوص مطلق وليس التساوي، فالشرع يتفق مع العرف في أصل المسميات واحكامها الأولية ثم ينفصل عنه بالتقييد والشروط والموانع من خلال التشريع في الكتاب والسنة .
نعم قد يخالف العرف الشرع في بعض العقود مثل بيع الفضولي وعقد الصبي المميز، وقالوا انه صحيح بنظر العرف وفاسد بنظر الشرع، واستدل به على عدم كون الصحة عند الشرع والعرف بمعنى واحد، والحق انه لا تباين في المقام .
فالعرف لا يُعد هذه العقود صحيحة بل ان موضوعية العقد تتجلى بالأثر والمسبب وليس السبب، والفاظ المعاملات تطلق في العرف على الفاسد وعلى نحو العناية خصوصاً وان المسامحة في العرف أكثر منها في الشرع لكن هذه المسامحة ظاهرة ومعروفة حتى في العرف نفسه.
بين العقد الشرعي والعرف
قال الماتن بان الاختلاف بين الشرع والعرف في المحققات والمصاديق دون المعنى الموضوع له، ومنهم من قال ان الاختلاف في المعنى الموضوع له وليس في المحققات، مثلاً ان العرف لا يرى دخل البلوغ في العقد والشارع يعتمده.
فيكون الاختلاف في المعنى فيصبح العقد العرفي أعم من العقد الشرعي بناءً على وضع ألفاظ المعاملات للصحيح دون الأعم، واما بناء على وضعها للأعم فتكون النسبة بين العقد العرفي والشرعي التساوي، والاشكال على هذا القول من وجوه :
الأول : ان العقد العرفي اصطلاح لا أصل له وهو لغو، ولا يجوز اختراعه ، وجعله بعرض واحدمع العقد الشرعي بدعة .

الحادي عشر الحق وقوع الاشتراك ، للنقل والتبادر ، وعدم صحة السلب ، بالنسبة إلى معنيين أو أكثر للفظ واحد . وان أحاله بعض ، لاخلاله بالتفهم المقصود من الوضع لخفاء القرائن ، لمنع الاخلال أولا ، لامكان الاتكال على القرائن الواضحة ، ومنع كونه مخلا بالحكمة ثانيا ، لتعلق الغرض بالاجمال أحيانا ، كما أن استعمال المشترك في القرآن ليس بمحال كما توهم ، لاجل لزوم التطويل بلا طائل ، مع الاتكال على القرائن والاجمال في المقال ، لو لا الاتكال عليها . وكلاهما غير لائق بكلامه تعالى جل شأنه ، كما لا يخفى ، وذلك لعدم لزوم التطويل ، فيما كان الاتكال على حال أو مقال أتي به لغرض آخر ، ومنع كون الاجمال غير لائق بكلامه تعالى ، مع كونه مما يتعلق به الغرض ، وإلا لما وقع المشتبه في كلامه ، وقد أخبر في كتابه الكريم ، بوقوعه فيه قال الله تعالى ( فيه آيات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات)(59).
الثاني: الاصل ان يكون العرف تابعاً للشرع واذا اختلف عن الشرع فيسقط عن الاعتبار ولا يكون مؤهلاً للاستدلال، واذا دار الأمر في أيهما اقرب الى الوضع الشرع أم العرف، الجواب : هو الشرع والحقيقة الشرعية ، وكذا بالنسبة للاستعمال.
الثالث : الاصل عدم وجود اختلاف بين الشرع والعرف لا في المعنى ولا
في المحققات والمصاديق، واذا ظهر اختلاف فهو تجاوز من العرف لابد من طرحه وتركه فالعرف يجب ان يكون مرآة للشرع.
الرابع : ميل بعض الفقهاء باعطاء موضوعية للعرف في الأحكام الشرعية وبما يزيد على محله في اصل الشرع لا يخلو من ضرر حال أو لاحق ولابد من التوقي منه والحذر من التمادي فيه.
(59) نشأة المشترك اللفظي
ينقسم المشترك الى قسمين :
الأول : مشترك لفظي .
الثاني : مشترك معنوي .
واذا ورد المشترك بصيغة الإطلاق فالمراد هو الأول وكذا في المتن .
والمشترك اللفظي : هو لفظ موضوع او مستعمل في معنيين او اكثر كل واحد منها مغاير للآخر، فيكون اللفظ متحداً والمعنى متعدداً، كما في لفظ العين فانه يطلق على العين الباصرة والبئر والرابية والجاسوس وغيرها.
وتحتمل وجوه لنشأة هذا التعدد منها :
الأول : ان شخصاً واحداً يضع لفظاً واحداً لمعنيين او اكثر.
الثاني : تعدد الواضع بمعنى ان واضعاً يضع اللفظ لمعنى، والآخر يضعه لمعنى آخر.
الثالث : قيام قبيلة أو مصر بوضع اللفظ لمعنى، وقيام قبيلة او مصر آخر ممن يتكلم بذات اللغة بوضعه لمعنى آخر.
الرابع : استعارة اللفظ لمعنى ثم لمعنى آخر لوجود شبه وعلاقة والتقاء بينهما، ثم اتسع استعماله في المعنى الجديد مع المعنى الذي وضع له اللفظ بالأصالة والإستقلال فاصبح استعماله فيهما بعرض واحد، ولم يتضح اصل الفرق بينهما، وربما استعمل في معنى ثالث بذات الطريقة.
الخامس : ميل الناس الى المشترك لما فيه من اليسر والتخفيف في الفهم والتفهيم واعتياد الألسن والأسماع ، ولوجود القرينة الصارفة عن المعنى الذي وضع له اللفظ اصلاً او التي تدل على إرادة المعنى الجديد.
السادس : وجود اللفظ وجوداً ذهنياً دائماً مع قلة استعماله في الواقع الخارجي، فلا يفنى اللفظ في معنى معين نقل استعماله فيه في مقابل صورته الذهنية بمعنى ان النفس ترى للفظ جمالاً وحلاوة لا يستوعبها معنى واحد مخصوص وان كان موضوعاً له، فكأن ادراكاً يحصل بان اللفظ ذاته مجمل له قابلية الجعل والتنزيل لمعنى آخر بلحاظ القرينة.
السابع : اختلاف البلاغة وتعدد الأمصار لأهل اللغة الواحدة، ثم تداخلها وتأثير بعضها ببعضها الآخر.
الثامن : وجود وجوه من الشبه والالتقاء بين المعاني المتعددة تؤدي الى استئناس العقول لإنطباق لفظ معين .
التاسع : استحسان استعمال اللفظ في معان أخرى غير التي وضع لها.
العاشر : كما يقال بوجود قرينة تدل على افادة المعنى المطلوب من المشترك كذلك كانت هناك قرينة بعد الوضع أدت إلى استعمال المشترك في معان أخرى.
الحادي عشر : الأقرب ان المشترك اللفظي لم يوضع لعدة معان بعرض واحد، بل انه بالأصل وضع لمعنى معين ثم استعمل في غيره لعلاقة وشبه حتى صار الاستعمال وكأنه مشترك.
والمشهور شهرة عظيمة عند الأصوليين وقوع المشترك اللفظي وهو المختار كما هو حال أهل البلاغة ، فهو وضع طبيعي ولفظ واحد لمعنيين او اكثر متغايرين في الماهية والجنس، واستدل الماتن بالنقل في لغة العرب واستعمالهم للفظ واحد لأكثر من معنى لا جامع بينهما.
والاشتراك واقع في أكثر لغات العالم وهو ممكن لغة وعقلاً وموجود فعلاً إلا ان الخلاف هنا في الوضع والاستعمال الذي هو اعم ولم تنحصر أسباب المشترك بوجه واحد مستغرق لكل المشتركات.
واستدل الماتن بالنقل والتبادر وعدم صحة السلب أي في كل معنى من المعاني التي يستعمل فيها المشترك اللفظي .
ولكن النوبة لا تصل الى هذا الاستدلال لأن الاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز وهذا الاستدلال يرد لبيان الحقيقي وما يميزه عن المجاز.
وقال الماتن وإن أحاله بعض أي قال باستحالة وقوع المشترك اللفظي بامتناع وجوده.

وجوه في المشترك اللفظي
وفي المشترك اللفظي في اللغة وجوه اربعة :
الأول : امتناع وجوده في اللغة، وبه قال جماعة .
الثاني : امكان حصول المشترك اللفظي.
الثالث : وقوع المشترك اللفظي، وبه قال الماتن على نحو القطع وهو الصواب.
الرابع : وجوب المشترك اللفظي، فهناك تناقض بين القول الاول والاخير، اما الثاني والثالث فبرزخ بينهما.
واستدل القائل بامتناعه بوجوه كما هو ظاهر الماتن منها :
الأول : إخلال المشترك بالتفهيم والفهم المقصود من الوضع، لأن القرائن الدالة على ارادة فرد من المشترك دون غيره خفية في الغالب.
الثاني : المشترك اللفظي مخل بالحكمة، لأن الغرض لابد ان يتعلق بامر معين مقصود وليس مجملاً يحتمل عدة معان.
واجاب الماتن بايجاز لبيان ان القرائن على قسمين، منها ما هو خفي، ومنها ما هو ظاهر جلي وبالإمكان الإعتماد على القرائن الواضحة دون الخفية.
ورد الماتن على مسألة الاخلال بالحكمة بان حكمة الوضع والتفهيم اعم من ان تنحصر بالتفهيم الشخصي فقد يتعلق الغرض بالإجمال واحالة الفرز والتعيين والتشخيص الى المخاطب لقرائن حالية او مقالية يعرف المتكلم ان المخاطب يعلمها خصوصاً وان المعنى المقصود لم يدخل فرداً في المشترك الا بعد التفاهم العرفي والعقلي على ملائمته للدخول والاشتراك في اللفظ كواحد من معانيه.

المجمل
والمجمل هو اللفظ الذي ليس له ظهور بالفعل ولو كان بسبب عرضي وهو على اقسام منه المجمل بالذات مثل اوائل السور القرآنية الم، الر , ويكون المجمل فعلا واسما ولفظا مفردا ومركبا , وعن السيد المرتضى وجماعة أن آية السرقة مجملة بلحاظ لفظ اليد وتعيينه وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا .
والمختار ورود السنة النبوية بالبيان وتقييد القطع من جهات :
الأولى : ثبوت السرقة شرعاً .
الثانية : محل القطع .
الثالثة : مقدار المال المسروق الذي يكون معه القطع .
الرابعة : القطع في ربع دينار ذهب فأكثر .
الخامسة : الإستثناء من القطع مثل السرقة في سنة المجاعة .
السادسة : عن الصادق عليه السلام (لا يقطع الأجير والضيف إذا سرقا لأنهما مؤتمنان)( ).
السابعة : لا قطع في الخيانة ، و(عن أبي عبدالله عليه السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : أربعة لا قطع عليهم : المختلس ، والغلول ، ومن سرق من الغنيمة ، وسرقة الأجير فانها خيانة)( ).
أقسام المجمل
هو على أقسام منها :
الأول : المجمل المتعدد والمردد في وضعه كاللفظ المستعمل في عدة معان، كما في قوله تعالى [حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى] ( )، إذ حملت الصلاة الوسطى على معان منها:
الأول : صلاة الصبح، وبه قال أبو أمامة وأنس وجابر وغيرهم، وهو قول مالك والشافعي، وعن أبي رجاء العطاردي قال: صلى بنا ابن عباس في مسجد البصرة صلاة الغداة فقنت فيها قبل الركوع ورفع يديه فلما فرغ , قال هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين( ).
الثاني : صلاة العصر، ونسب إلى أكثر أهل العلم واستدل عليه بقول الإمام علي عليه السلام لما سأله عبيدة عن الصلاة الوسطى فقال: كنا نراها صلاة الصبح ، فبينا نحن نقاتل أهل خيبر فقاتلوا حتى ارهقونا عن الصلاة ، وكان قبيل غروب الشمس , قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم املأ قلوب هؤلاء القوم الذين شغلونا عن الصلاة الوسطى وأجوافهم ناراً ، فعرفنا يومئذ أنها الصلاة الوسطى ( )، وبه قال ابن مسعود، وأبو حنيفة، وأحمد، وصار إليه أكثر الشافعية وجماعة من المالكية.
وأستدل عليه بأمور منها أنها أول صلاة شرعت فيها صلاة الخوف، وأول صلاة توجه فيها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الكعبة، وأنها الوسط في الوجوب بين صلاة الفجر والظهر من جهة وصلاة المغرب والعشاء من جهة أخرى , وأستدل بقوله تعالىوَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، ولكن معنى الآية أعم.
الثالث : إنها صلاة الظهر، وهو قول زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد لأن أوان صلاة الظهر وسط النهار، وبه وردت النصوص عن أهل البيت وذكر(أن رهطًا من قريش مرّ بهم زيد بن ثابت، وهم مجتمعون، فأرسلوا إليه غلامين لهم؛ يسألانه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي العصر. فقام إليه رجلان منهم فسألاه، فقال: هي الظهر. ثم انصرفا إلى أسامة بن زيد فسألاه، فقال: هي الظهر؛ إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان، والناس في قائلتهم وفي تجارتهم، فأنزل الله[حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ] قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليَنْتَهيَنَّ رجال أو لأحرقن بيوتهم” ( )، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا زالت الشمس فتحت أبواب السماء وأبواب الجنان واستجيب الدعاء فطوبى لمن رفع له عمل صالح ( ).
وفي الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم أنهما سألا أبا جعفر الباقر عليه السلام عن الصلاة الوسطى , فقال عليه السلام: صلاة الظهر، وفيها فرض الجمعة، وفيها الساعة التي لايوافقها عبد مسلم فيسأل خيرا إلا أعطاه الله إياه) وعن أمير المؤمنين:أنها تسمى صلاة الأوابين.
الرابع : صلاة المغرب لأنها متوسطة في عدد الركعات، وهي ثلاث ركعات، بينما صلاة الصبح ركعتان، وصلاة الظهر والعصر والعشاء كل واحدة منها أربع ركعات.
الخامس : صلاة العشاء: إذ تقع بين صلاتين لا تقصران في السفر وهما صلاة الصبح والمغرب( ).
وإستدل عليه الطبرسي بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من صلى العشاء الآخرة في جماعة كان كقيام نصف ليلة ومن صلى صلاة الفجر في جماعة كان كقيام ليلة( ).
وإخفاء الصلاة الوسطى أو عدم تعيينها على نحو القطع والحصر آية في الشريعة الإسلامية ليتعاهد المسلمون الصلاة اليومية، ويطلبون الصلاة الوسطى فيها ويرجون ثوابها في كل صلاة، فهي كليلة القدر وإخفائها ليجتهد المسلمون في العبادة عدة ليال من رمضان رجاء أن تكون في إحداها، وفيه ترغيب بالصلاة وبعث للشوق في إتيانها في أول وقتها والمناجاة بالعناية بها.
القسم الثاني : المجمل بين أفراد غير إرتباطية لحقيقة واحدة , فيؤتى باللفظ ويراد منه معنى وحقيقة خارجية واحدة معلومة، ولكنها تتألف من أفراد ومصاديق متعددة، والمقصود منها فرد مخصوص، كما في قوله تعالىفَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، فالمراد هلال شهر مخصوص وهو شهر رمضان.
ويستدل عليه بقوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلامإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً.
القسم الثالث : المجمل بين مجازات، بعد ثبوت عدم إرادة الحقيقة، كما تقول: دخل علينا أسد، عند دخول جماعة والمراد من الأسد في المقام الشجاع منهم .
أجمال الإجمال
يحتاج المشترك اللفظي إلى قرينة لتعيين بعض معانيه، والمشترك المعنوي كقوله تعالى [أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ] ( ) فهو لفظ موضوع لمعنى واحد ويكون المعنى مشتركاً بين المتعدد وليس المتحد.
واما المبين فهو اللفظ الذي له دلالة ظاهرة على المعنى المقصود.
وقيل بعدم استعمال المشترك اللفظي في القرآن دون غيره وانه محال للزوم حصول احد محذورين:
الأول: التطويل بلا طائل , لأن المشترك يحيلك على القرائن، وهذا يستلزم البحث والتحقيق والمشقة والجهد.
الثاني: الإجمال في المقال وعدم تعيين الفرد المطلوب وانقداح عدة معان من اللفظ القرآني وهو امر غير لائق بكلامه تعالى.
وكلا المحذورين يمكن ردهما، والإحالة إلى القرائن من الموضوعات الإضافية للغة ولا تستلزم جهداً أو مشقة , وفيها حسن ذاتي ومنع من تداخل المعاني.
ولم يكتف الماتن بالرد على من نفى الإجمال بل انه بين ما في الإجمال من الحسن واللطف واستشهد بالمتشابه في القرآن.
واستشهد بالمتشابه في القرآن , ولكنه قياس مع الفارق فإن موضوع المتشابه مختلف عن المشترك اللفظي .
وقد بينتُ في مباحث علم التفسير اكثر من عشرين وجهاً لمعنى المحكم والمتشابه( )، وفي قوله تعالى اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا يحمل المتشابه على الإعجاز والبلاغة والهداية .
أما المعنى الخاص فهو الذي ورد في الآية بما يحتمل معه التأويل والمشاكلة والمماثلة التي تؤدي الى فناء اللفظ في معان مخصوصة .
ويدفع التحقيق واستحضار القرائن اللبس والتردد، وهو ليس من المشترك اللفظي بل من باب توظيف اللفظ في بعض لوازم المعنى، فورود المتشابه في القرآن لا يدل على ثبوت المشترك اللفظي لتعدد معاني المتشابه، وقد ذهب كثير من علماء التفسير الى تعلقه بالمعنى والتأويل والتفسير.
المشترك اللفظي والنقل
وقيل ان المشترك اللفظي واقع (بالنقل) فان النقل لم يميز بين وضع اللفظ لمعنى معين ونقله الى معنى آخر اي انه لم يميز بين المعنيين ولا يستطيع اثبات حصول الوضع لمعنى معين او لأكثر من معنى ولا مجال للإستصحاب القهقري في المقام، وقد يكون الوضع قد حصل لمعنى معين ثم تلافى وزال هذا المعنى .
واستعمل اللفظ في معنى آخر يكون في الأصل مجازياً، او ان المعنى الأصل الذي وضع له اللفظ استعمل فيه لفظ آخر على نحو المجاز والاستعارة لينفرد المجازي باللفظ ثم يشترك معه معنى آخر او اكثر.
واستدل بالتبادر.
وصحيح ان التبادر من العلامات التي يميز بواسطتها المعنى الحقيقي من المعنى المجازي، ولكن القدر المتيقن من التبادر وترتب الأثر عليه هو ان اللفظ حقيقة في المعنى في زمان التبادر وليس له قوة الإستصحاب القهقري، فلا يدل على ارادة الزمان السابق الا على نحو ترجيح التواتر الإجمالي، واليقين الموضوعي الإستقرائي بالقرينة الإحتمالية .
وقيد الإستقرائي الذي ذكرناه لإحتمال منافاته للواقع خصوصاً وان تصور معنى معين في الذهن بمجرد إطلاق اللفظ لا يتوقف على أصل وضع اللفظ، بل على العرف والقرائن الحالية او المقالية.
فالتبادر لا يصلح لإثبات واقع رجعي ، أو لحاظ الإستصحاب القهقري الذي يطلق عليه احياناً أصالة الثبات.
والشك في المقام على وجهين، فتارة يكون بالوضع والمعنى الذي وضع له اللفظ اصلاً في اللغة، واخرى يشك في مراد المتكلم من اللفظ بغض النظر عما وضع له اللفظ .

الثالث عشر : إنه اختلفوا في أن المشتق حقيقة في خصوص ما إختاره لأنها أعم تلبس بالمبدأ في الحال ، أو فيما يعمه وما انقضى عنه على أقوال ، بعد الاتفاق على كونه مجازا فيما يتلبس به في الاستقبال ، وقبل الخوض في المسألة ، وتفصيل الاقوال فيها ، وبيان الاستدلال عليها ، ينبغي تقديم أمور : أحدها : إن المراد بالمشتق هاهنا ليس مطلق المشتقات ، بل خصوص ما يجري منها على الذوات ، مما يكون مفهومه منتزعا عن الذات ، بملاحظة اتصافها بالمبدأ ، واتحادها معه بنحو من الاتحاد ، كان بنحو الحلول أو الانتزاع أو الصدور والايجاد ، كأسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبهات ، بل وصيغ المبالغة ، وأسماء الازمنة والامكنة والآلات ، كما هو ظاهر العنوانات (60).
والبحث في المقام يتعلق بالأول وهو اصل الوضع وقد لا تكون فيه ثمرة كبيرة .
أما الثاني فمرجعه الأصول اللفظية .
فالوضع في الإصطلاح نوع ارتباط بين اللفظ والمعنى، متى ما فهم الأول فهم الثاني سواء على نحو التبادر والوضع التعييني او على الوضع التعيني الذي يعني كثرة استعمال اللفظ في معنى مخصوص بما لا يستلزم استحضار القرينة.
(60) المشتق
اصطلاح أصولي مستحدث ، و(هو اللفظ الذي اطلق على الذات بلحاظ اتصافها بمبدأ معين سواء كان ترشح اتصاف الذات به من وجوه :
الأول : بحلولها فيه.
الثاني : بصدورها عنه.
الثالث : انتزاعها منه ونسب إلى المعتزلة القول بالمعنى الأعم وشمول لفظ المشتق حتى للذي انقضى عنه زمان التلبس بالذات ، وقال الأشاعرة بالخصوص .
معنى المشتق نحوياً
وبين المشتق في الأدب والمشتق في علم الأصول عموم وخصوص من وجه، فهو في الأدب مأخوذ من لفظ آخر مع احتوائه لحروفه والتقائه معه في الترتيب او مطلقاً .
وهناك أختلاف في أصل الاشتقاق في اللغة على قولين :
الأول : أصل الإشتقاق هو الفعل ، قالته مدرسة الكوفة في اسم الفاعل واسم المفعول وظرف الزمان والمكان والمصادر المزيدة نحو (صام صياماً) لأن المصدر يصح لصحة الفعل ويعتل لاعتلاله ، ولأن المصدر فرع الفعل وتأكيد له.
الثاني : المصدر هو أصل الإشتقاق ، وبه قالت مدرسة البصرة النحوية ، واحتجوا بدلالة المصدر على الإطلاق الزماني ودلالة الفعل على زمن مخصوص.
وأن المصدر اسم ، والاسم يتقوم بنفسه ، ولا يحتاج الفعل بينما يفتقر الفعل إلى الاسم لإفادة معنى مخصوص .
وأن المصدر له مثال واحد مثل : العلم ، الكرم ، وهو اسم حدث بلا زمن.
وهل يلزم اجتماع علماء اللغة والمجتمعات اللغوية الكبرى للإتفاق على قول في أصل الإشتقاق والتخفيف عن الدارسين ، وهل هو الفعل أو المصدر الجواب لا ، والمادة بحروفها الهيئة والوضع .
فالماضي والمضارع والمصدر مشتقات ادبية، وليست مشتقات في علم الأصول، فمادة الإجتماع اسم الفاعل والمفعول ونحوهما، لأن الأفعال تبين النسبة بين الذات والصفة، وكيفية تقوم بها الذات أي الفاعل وفق الصناعة النحوية وليس الذات حال اتصافها بالصفة، اما اسم الفاعل والمفعول فهما مشتقان في كلا الإصطلاحين.
وصحيح ان اسم الفاعل مثل (ضارب) مشترك بحسب المفهوم بين الأزمنة الثلاثة، امساً واليوم وغداً، ولكن اوان التلبس يعرف بلحاظ القرائن والعرف والقدر المتيقن عند اهل المحاورة وقوله تعالىوَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا، بيان تعدد مصاديق وعد الشيطان لاتباعه في الزمن الماضي والمستقبل .
نعم تدل الآيات والنصوص على عدم شموله لعالم الآخرة ، لأنها دار حساب بلا عمل ، وحتى في الدنيا فان الشيطان لا سلطان له على المؤمنين .
وفي التنزيللَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ.
وقالوا ان المشتق في الإصطلاح الأصولي بسيط ليس مركباً من الذات ومبدأ الإشتقاق فالذات خارجة عن مفهوم المشتق، ولابد من الرجوع إلى القرآن في بيان المفاهيم الأصولية لتنمية ملكة التفسير والتأويل وتأكيد قانون يترشح من قوله تعالى وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ.

أقسام المشتق الأصولي
والمشتق من جهة الإستعمال على ثلاثة اقسام:
الأول : مجيء المشتق في ذات لم تتلبس بعد بالمبدأ، ولكنها ستتلبس به فيما بعد كما تقول للذي يدرس الطب بانه طبيب، فزمان النسبة الآن وأيام الدراسة، وزمان التلبس بالمبدأ وهو صفة الطبيب لا يكون الا غداً وفي المستقبل ، فهو من المجاز .
الثاني : استعماله في ذات متلبسة بالمبدأ في الحال كما في القاضي اثناء مزاولته القضاء، فالذات هو شخص القاضي، والمبدأ هو القضاء، والحال هو أوان نسبة القضاء، فاذا كان الآن مطابقاً لإتصافه بالقضاء، فالإستعمال على نحو المطابقية والحقيقة .
الثالث : تعلق المشتق بذات كانت في الأصل متلبسة بالمبدأ قبل حال النسبة ، فاذا احيل القاضي على التقاعد ووصفته بعد الإحالة على المعاش بانه قاضِ، فزمان النسبة الآن اما اوان التلبس بالمبدأ أي القضاء فهو الأمس.
أو أن شخصاً كان وزيراً أو نائباً ، فيقال له بعد إنقضاء عمله هذا الوزير أو النائب .
والإجماع على ان استعماله في الأول مجاز كما في المثال أنه في معرض كونه طبيباً لأنه يدرس الطب ، وفي الثاني حقيقة، أما في الثالث أعلاه فهو محتاج الى القرينة أو العناية .
وينقسم تلبس المبدأ بالحال إلى قسمين :
الأول : ما ينقطع فيه تلبس الذات بالمبدأ كالوزير تارك المنصب .
الثاني : ما يصاحب المبدأ الذات ولا يغادره كما في الطبيب إلا على نحو عرضي .
ويمكن تقسيم تلبس المبدأ بالذات من جهة الزمان إلى قسمين :
الأول : دفعة واحدة وليس فيه مجاز سابق كما في الذي يصح غنياً دفعة واحدة أو ينال منصباً من غير مقدمات .
الثاني : ما يأتي بالتدريج والإستعداد والعمل له ، كما في طالب كلية الهندسة فانه يطلق عليه لفظ مهندس من باب المجاز.
والإختلاف وقع في الثالث وان زمان التلبس بالمبدأ هو الأمس، وهذا الخلاف ناجم عن احتساب تلبس الذات بالمبدأ في الجملة أي من دون تقييد التلبس بزمان دون زمان .
ولكن هذا التلبس يخرج ما لم يتلبس بالمبدأ الا ان يطلق عليه على نحو التعليق والمشارفة .
فالمجازية لأن العرض لم يتم في محله بعد فلم يتولد عنوان المشتق، والذي قال بحقيقته فيما انقضى عنه ان حصول التلبس بالمعنى الأعم يشمل ما
انقضى عنه المبدأ، وكأنه بعرض واحد مع بقاء المتولد في الحال، فمثلاً لا يقال للحيوان أنه ماء لعمومات قوله تعالى وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ لأن الماء عنصر التكوين إنما يعرف الحيوان بصورته النوعية .
أما بالنسبة للمشتق كضارب فيتعلق به العنوان لأنه جهة الصدور، فلذا ورد التعريف بالمشتق بانه ذات تتلبس بالمبدأ كانسانية الإنسان، وزيدية زيد عندما قام بالفعل او حتى قبل القيام بالفعل على نحو التعليق والمشارفة، وان كانت الإنسانية امر منتزع عن نفس الذات من غير امر خارج عنها .
أما القيام بفعل كالضرب فهو منتزع عن اتصاف الذات بمفهوم خارج متحد مع الذات.

ثم إنه لا يبعد أن يراد بالمشتق في محل النزاع ، مطلق ما كان مفهومه ومعناه جاريا على الذات ومنتزعا عنها ، بملاحظة اتصافها بعرض أو عرضي ولو كان جامدا ، كالزوج والزوجة والرق والحر ، وإن ابيت إلا عن اختصاص النزاع المعروف بالمشتق ، كما هو قضية الجمود على ظاهر لفظه ، فهذا القسم من الجوامد أيضا محل النزاع (61).
(61) مصطلح المشتق
المشتق اصطلاح نحوي شائع على الألسنة ويدرس في كافة مستويات الدراسة، ويعطى اهمية خاصة في اللغة والنحو والميزان الصرفي، فالأولى ان يكون الإصطلاح الأصولي غيره للتباين في المعنى ، وللتخفيف والتيسير والبيان، خصوصاً وان لفظ المشتق لا ينطبق على موضوعه وتعدد اطرافه، فاسم الفاعل مثلاً بسيط، وعنوان شخصي يشتق من عنوان شخصي آخر هو الفعل، اما موضوع المشتق في الأصول فيتعلق بعدة اطراف :
الأول : الذات مثل (زيد).
الثاني : المبدأ لإرادة المعنى والعمل الذي يقبل المغادرة ، مثل مدير مكتب ، قاض .
الثالث : الحال أي أوان نسبة التلبس، أي أن الحال هنا ليس الزمن الحاضر.
الرابع : تلبس الذات بالمبدأ، أي صيرورة زيد قاض ، فعند دراسته في معهد القضاء يكون إطلاق لفظ القاضي عليه مجازاً ، وعند توليه القضاء يكون حقيقة ، ووقع الخلاف عند تركه الوظيفة هل إطلاق لفظ قاض عليه حقيقة أو مجازاً .
الخامس : أوان التلبس بلحاظ أفراد الزمان الطولية الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل.
والحال وهو أوان النسبة سواء اتفق مع زمان التلبس أو سبقه أو تأخر عليه ويحتمل المراد من الحال وجوهاً :
الأول : حال النطق .
الثاني : حال النسبة .
الثالث : حال التلبس .
وسيأتي كلام الماتن أن المراد من الحال حال التلبس لا حال النطق ، وان ملاحظة انطباق المشتق على الذات لا يكفي لهذا المشترك اللفظي، وان كان اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وغيرها حقيقة في الحال مع السعة في اللغة والكلمات والمصطلحات ويمكن اختيار اصطلاح آخر بملاحظة حيثية اخرى كالتلبس او الحلول.
وإن كانت صفة الإصطلاح الأصولي تكفي قرينة على ان المراد المعنى الأخص، للتلبس بحال الأصول، وان صدق المعنى الأصولي على النحوي كما في الزوج والحر.
موارد معنى المشتق
يأتي لفظ المشتق في علم الأصول من وجوه :
الأول : اتصاف الذات بمفهوم خارج عنها تتلبس به بالعرض كما في ضارب.
الثاني : حلوله في الذات كالمرض والصحة .
الثالث : اتصاف الذوات بعرض غير زائل كالسواد والبياض، او زائل كالضحك والأكل.
الرابع : الإنتزاع كالفوقية، والتحتية، او الزوجية والأبوة والبنوة ، والملكية .
وان ذهب بعضهم الى عدم اعتبار الزوجية والملكية من الأمور الإنتزاعية وانها من الأمور الإعتبارية، والإعتبار برزخ بين الوجود الخارجي والذهني ولكن لا مانع من اجتماع الأمرين بحسب اللحاظ والحيثية.
وحينما يكون الذات ضارباً فان الضرب صادر عنه وقائم بغيره وان الذات تلبست بالمبدأ الصادر منها، وفيه أطراف :
الأول : الضارب .
الثاني : الضرب .
الثالث : المضروب ويمكن تسميته الذات المضروبة.
الرابع : ما يترتب على الضرب.
اما لو جاء الفعل عن قيام الفاعل به كالمشي والركل او الأكل والشرب فانه يسمى (ايجاداً) ولو كانت الذات هي اسم المفعول كالمضروب والمحمول فانه يصلح ان يكون عنواناً للذات مع انه امر خارج عنها.
وقال الماتن فلا وجه لما زعم بعض الأجلة من الإختصاص باسم الفاعل وما بمعناه من الصفات المشبهة، والظاهر انه صاحب الفصول اذ قال: فهل المراد به ما يعم بقية المشتقات من اسمي الفاعل والمفعول والصفة المشبهة وما بمعناها واسماء الزمان والمكان والآلة، وصيغ المبالغة، كما يدل عليه اطلاق عناوين كثير منهم، كالحاجبي وغيره .
او يختص باسم الفاعل وما بمعناه كما يدل عليه تمثيلهم به، واحتجاج بعضهم باطلاق اسم الفاعل عليه دون اطلاق بقية الأسماء على البواقي مع امكان التمسك به ايضاً وجهان، اظهرهما الثاني لعدم ملائمة جميع ما أورده في المقام على الأول.
وما ذهب اليه الماتن من صيغة العموم هي الأصح، لأن التمثيل لا يدل على الإختصاص والحصر بل يبين الفرد الأمثل والأظهر، كما ان اطلاق اسم الفاعل عليه يترشح من البيان الذي يسببه التمثيل، واثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره، نعم يمكن القول بان المشتق من الكلي المشكك من جهة التلبس بالمبدأ.
فمنه ما يكون سريعاً وزائلاً كالشرب والأكل بانقضائه او يكون ملكة وشأنية ومبدأ متصلاً كلون البشرة، وكما في ملكة الإجتهاد التي ينقضي التلبس بها بانعدام القدرة على الإستنباط او بالنسبة للصنائع .
وقد يكون متصلاً عاماً كما في قوله تعالىكُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، ليكون من الإعجاز القرآني أنه أعم وأعظم من تقسيمات الأصول التي هي استقرائية .
وكما في ثبوت صفة النبوة وتوالي الوحي للنبي وعدم مغادرته له إلى حين انتقاله إلى الرفيق الأعلى ، ويدل عليه قوله تعالى وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ )( ) وتقدير الآية في المقام : أفائن مات وهو رسول أو قتل وهو رسول انقلبتم على أعقابكم بعد موته .
إذ يلتقي الحال وهو أوان النسبة مع زمان التلبس في كل زمان في بيان فضل الله عز وجل.
إتصال التلبس
بالإضافة الى مسألة نضيفها قد تكون الأمور المنتزعة من تلبس الذات بالمبدأ في الحال في أوان مخصوص ولكن الأمور الإنتزاعية منه متصلة وباقية في الدنيا والأخرة ، كما في قوله تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، لبيان مسائل منها :
الأولى : الخطاب في الآية موجه الى كل المسلمين والمسلمات الى يوم القيامة في كل زمان يتوجه الخطاب [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ] بدليل عطف الآية أعلاه على آية نداء التشريف لجميع المسلمين والمسلمات والتي جاءت قبلها بست آيات بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً…] ( ) .
وهو من تلبس الذات بالمبدأ في الحال مما انقضى ذات الفعل ولكن لم ينقض الخطاب بالنصر وذات النصر ، فيفخر كل جيل من المسلمين بأن خطاب النصر موجه لهم في كل زمان .
الثانية : لقد انقضى زمان تلبس الذات بالمبدأ بخصوص الصحابة الذين حضروا المعركة وعددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر.
ولكن تلبس الذات بالمبدأ مستمر ومتصل بالمعنى الأعم للنصر ومنافعه .
والمشتق عبارة عن المعنى والعنوان والصبغة التي تكون عليها الذات بلحاظ طرو عرض أو عرضي، والمراد من العرض هو المقولات التسع في مقابل الجوهر.
قسما الممكن
الموجود الممكن على قسمين :
الأول : ما يكون متحيزاً وهو الجوهر والحاصل في مكان ويشار الى جهته وموضعه اشارة حسية فيقال انه هناك .
الثاني : ما يكون حالاً في الجوهر، وهو العرض , فالعرض لا يتقوم بذاته وان كان له وجود خارجي.
ولا يستغني عن غيره لأنه حال ولا وجود له بدون جسم، فمن العرض الألوان والطعوم والروائح والعلوم والإرادة ونحوها مما تعرض في الأجسام والجواهر.
وقد قسم العرض الى تقسيمات عديدة منها ما يتعلق بالحكم فيما يقبل في مفهومه القسمة، واما ان يكون بالكيف.
ومنها العرض الساري وغير الساري، والأول من كان كل جزء من الحال يلاقي كل جزء من المحل .
والعرض الخارجي، والخاص، والإضافي , والعرض القار وهو الذي تجتمع اجزاؤه في الوجود كالسواد والبياض .
والعرض اللازم والعارض، لذا ذكر الحكماء ان الأجناس العالية للممكنات عشرة وهي الأعراض التسعة والجوهر، واطلقوا عليها اسم المقولات العشر وهي :
الأول : الكم .
الثاني : الكيف .
الثالث : الأين .
الرابع : المتى .
الخامس : الوضع .
السادس : الملك .
السابع : الإضافة .
الثامن : ان يفعل .
التاسع : ان ينفعل .
العاشر : الجوهر.
والأنسب ان تجري القسمة والإصطلاح على نحو يكون ملائماً للواقع باعطاء الجوهر موضوعية أكثر , فالمقولات التسعة كلها اعراض لا تتقوم بذاتها بل تحتاج الى الجوهر وهو المحل، فالأولى أن تكون القسمة على وجهين:
الأول: الجوهر.
الثاني: العرض : ويتكون من مقولات تسع وهي :
أولاً : الكم .
ثانياً : الكيف إلى آخر المقولات التسعة أعلاه.
ومراد الماتن من (العرضي) هو الأمر الإعتباري الموجود في الإعتبار، والذي هو برزخ بين الوجود العيني الخارجي وبين الوجود الذهني مثل الزواج والملكية والرقية ونحوها.
والمختار هو خصوص اللفظ وأنه يطلق حقيقة على ذات أوان تلبسها بالمبدأ ، وهو مجاز لمى انقضى عند التلبس إلا مع الدليل الذي يدل على الخلاف في بعض الصور والشواهد.
بين الفعل والمصدر
اختيار قول احدى المدرستين الكوفة والبصرة وأنه الأولى .
والمختار أن أصل الإشتقاق هو الفعل فهو بسيط وحاضر حتى عند ذكر المصدر ، وهو اللفظ الدال على الحدث المنسوب إلى فعل الفاعل .
وأما اسم المصدر فهو اللفظ الذي يدل على الحدث بما هو ، فالوضوء مثلاً اسم مصدر ، ولم يكن متقدموا النحويين يفرقون بين المصدر واسم المصدر ، فكل ما دل على الحدث فهو مصدر انما حصل هذا التفريق في كلام المتأخرين ، نعم المصدر على قسمين :
الأول : قياسي .
الثاني : سماعي .
أما المصدر فهو مقصور على السماعي مثل قرأ قراءة ، توضأ ووضوء ، وقيل الوضوء بالفتح هو الماء المعد للوضوء ، اغتسل غُسلاً أنفق أنفاقاً .
والمصدر اسم دال على الحدث ، وهو جار على فعله أي أن عدد حروف المصدر لا ينقص عن عدد حروف فعله سواء في اللفظ كما في قول : ضرب ضرباً ، أو تقديراً ، دافع دفاعاً .
أو تزيد حروفه عن حروف فعله كما في القول أحسن إحساناً.
أو تنقص عن حروف الفعل مع تعويض مثل وهب هبة .


كما يشهد به ما عن الايضاح في باب الرضاع ، في مسألة من كانت له زوجتان كبيرتان ، أرضعتا زوجته الصغيرة ، ما هذا لفظه : ( تحرم المرضعة الاولى والصغيرة مع الدخول بالكبيرتين ، وأما المرضعة الاخرى ، ففي تحريمها خلاف ، فاختار والدي المصنف ( رحمه الله ) وابن ادريس تحريمها لان هذه يصدق عليها أم زوجته ، لانه لا يشترط في المشتق بقاء المشتق منه هكذا هاهنا ، وما عن المسالك في هذه المسألة ، من ابتناء الحكم فيها على الخلاف في مسألة المشتق . فعليه كلما كان مفهومه منتزعا من الذات ، بملاحظة اتصافها بالصفات الخارجة عن الذاتيات – كانت عرضا أو عرضيا – كالزوجية والرقية والحرية وغيرها من الاعتبارات والاضافات ، كان محل النزاع وإن كان جامدا (62).
(62) مسألة فقهية في المشتق
لقد استشهد الماتن على دخول هذا القسم من الجوامد في المشتق بما ورد في الإيضاح للاستدلال على ابتناء بعض الأصحاب الحرمة في الزوجة الثانية، وفق مبحث المشتق ، فعلى القول بالمعنى الأعم للمشتق وان استعمال المشتق في ذات كانت متلبسة بالمبدأ قبل حال النسبة حقيقة وليس مجازاً تحرم الزوجة الكبيرة الثانية لصدق اسم أم الزوجة عليها وإن كانت الصغيرة حال رضاع الثانية لها تعتبر ربيبته .
اما على القول بان المشتق وضع لخصوص حال التلبس فلا يصدق على الزوجة الكبيرة الثانية انها ام الزوجة عند ارضاعها للصغيرة لأنها حالة الرضاع ليست زوجته فقد انقضت حالة الزوجية.
فالزوجة من الجوامد وجريان النزاع فيها يدل على جريانه في بعض الجوامد وعبارةالإيضاح هكذا: انه لو ارضعت الصغيرة زوجتاه على التعاقب فالأقرب تحريم الجميع لأن الأخيرة صارت ام من كانت زوجته، ان كان قد دخل باحدى الكبيرتين والا حرمت الكبيرتان مؤبداً وانفسخ عقد الصغيرة( ).
لأن الحرمة تنشر في ام الزوجة وان لم يدخل بالزوجة وهي صغيرة في مفروض المسألة ، ولكن حرمة الصغيرة معلقة على الدخول باحدى المرضعتين، اذا كان الرضاع جامعاً للشرائط .
وتحرم البنت حتى لو كان اللبن من غيره لأنها تصبح ربيبته من الزوجة المدخول بها ، فحرمة الصغيرة اجنبية عن نزاع المشتق ولا تصل النوبة اليه والبحث فيها فقهي محض.
ومنهم من قال بان حرمة المرضعة الأولى ابتناء على وضع المشتق للمعنى الأعم لأنه لا يتصور زمان تجتمع فيه زوجية المرتضعة وأمومة المرضعة، ولكن الحكم لا يبتنى على الدقة العقلية بل يكفي الصدق العرفي ثم ان الصغيرة تكون بنتاً له، والكبيرة أماً لها دفعة واحدة فانفسخ نكاحهما، هذا بالإضافة الى النص .
ففي مرسلة محمد بن يعقوب عن علي بن محمد عن صالح بن أبي حماد عن علي بن مهزيار عن أبي جعفر عليه السلام: ان رجلاً تزوج بجارية صغيرة فارضعتها امرأته ثم ارضعتها امرأة له أخرى .
فقال ابن شبرمة تحرم عليه الجارية وامرأتاه، فقال ابو جعفر عليه السلام: اخطأ ابن شبرمة تحرم عليه الجارية وامرأته التي ارضعتها اولا، فأما الأخيرة فلم تحرم عليه كأنها ارضعت ابنته.
وقد نوقش في السند فمنهم من توقف عند احد رجال السند وهو صالح بن أبي حماد كالعلامة، والتوقف ليس جرحاً، وقال ابن الغضائري (صالح بن ابي حماد الرازي ابو الخير ضعيف) وتردد فيه النجاشي.
والمختار عدم الأخذ بتضعيف ابن الغضائري لكثرة من يضعف من الحسان وإليه ذهب كثير من الرجاليين .
ثم ان ابن الغضائري نفسه لم يقف كثير من علماء الرجال على شيء من جرح ولا تعديل بخصوصه، ولنعم ما قال المجلسي: “ان الاعتماد على هذا الكتاب أي كتاب ابن الغضائري يوجب رد اكثر اخبار الكتب المشهورة”، ومنهم من لم يعتبر الرواية مرسلة وان المراد من الإمام ابي جعفر هو الإمام محمد الجواد، ولكن الإرسال هو الظاهر وان الحديث صادر عن الإمام الباقر عليه السلام إلى جانب زمان الرواية.
فما دام النص موجوداً لا تصل النوبة الى علم الأصول بل بالعكس يمكن استقراء مباحث المشتق من النصوص ويستدل المشهور بهذه الرواية مثلاً بكون المشتق مجازاً فيما انقضى التلبس عن الذات.
ويمكن ان نناقش ما ذهب اليه ابن ادريس في حرمة المرضعة الثانية لأنها ام زوجته وانه ليس من المشتق وفق المعنى الإصطلاحي، ولا تصل النوبة الى مبحث المشتق، بمعنى اذا تزوج امرأة حرمت امها على التأبيد وكفاية صدق عنوان ام الزوجة في آن ما نسباً او رضاعاً، فما ورد ذكره عن المسالك ان ابتناء الحكم فيها على الخلاف في مسألة المشتق، لم يثبت.
نعم ذهب الشيخ في النهاية وابن الجنيد الى عدم حرمة الثانية لأن الصغيرة خرجت من الزوجية الى البنتية وهو المختار ، والموافق للنص أعلاه ، فأم البنت غير محرمة على ابيها، والظاهر ان النوبة لم تصل عند المتقدمين الى مبحث المشتق أي انهم لم يشترطوا بقاء صدق الإشتقاق وحال التلبس
في المشتق حقيقة .
والقول بحرمة الثانية مبني على عمومات قوله تعالى وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ولأن الرضاع له لحمة كلحمة النسب، وان كانت هذه المسألة خارجة بالتخصص بالإضافة الى النص.
ان المباحث الأصولية اللاحقة والمستحدثة يجب ان لا تكون دليلاً ينسب الى المتقدمين اذا لم يثبت انهم استندوا اليها في الإستنباط والحكم، نعم
وهذا بخلاف ما كان مفهومه منتزعا عن مقام الذات والذاتيات، فإنه لا نزاع في كونه حقيقة في خصوص ما إذا كانت الذات باقية بذاتياتها (63).
لصاحبها ان يستدل عليها في زمانه او ان يؤيد او يعارض قول المتقدمين او المتأخرين برجوعه الى المباحث الأصولية المستحدثة بشرط ان يبقى المتقدم على حاله من الإستدلال وذكر الفتوى مجردة منه، فقد يلتقي قول المتقدم والمتأخر مع الإختلاف والتباين في الدليل، خصوصاً وان المتقدمين لم يعتمدوا الدليل الأصولي كثيراً.
(63) النزاع في موضوع المشتق واستعماله في ذات كانت متلبسة بالمبدأ، انما هو بلحاظ الصفات الخارجة عن الذات سواء كانت عرضاً متأصلاً كالبياض والسواد والقراءة والكتابة ، او عرضياً وهو الأمور الإعتبارية كالزوجية والملكية والحرية والرقية والغصبية .
أما بخصوص الذات والمفهوم المنتزع منها كالإنسانية المنتزعة من الإنسان ، والقوة المنتزعة من الجيش، والذاتيات وهي الجنس والفصل، والحد العام كالناطقية والحيوانية.
فانه لا نزاع فيها لأن الحقيقة فيها منحصرة بما اذا كانت الذات باقية على ذاتها ببقاء الذات وموضوعها، فعندما تتبدل الصورة، ويتغير الموضوع ولا يجري لإستصحاب إنتفاء الموضوع كما في الممسوخات، والكلب الذي
يصبح ملحاً، فلا يبقى موضوع للنجاسة .
فهذه العناوين الذاتية لا يجري فيها النزاع، فالذات لم تكن باقية بعد انقضاء المبدأ كي يحصل نزاع هل الوصف حقيقة ام مجازاً بعد ارتفاع المبدأ وانقضاء التلبس.

ثانيها : قد عرفت أنه لا وجه لتخصيص النزاع ببعض المشتقات الجارية على الذوات ، إلا أنه ربما يشكل بعدم إمكان جريانه في اسم الزمان ، لان الذات فيه وهي الزمان بنفسه ينقضي وينصرم ، فكيف يمكن أن يقع النزاع في أن الوصف الجاري عليه حقيقة في خصوص المتلبس بالمبدأ في الحال ، أو فيما يعم المتلبس به في المضي.
ويمكن حل الاشكال بأن انحصار مفهوم عام بفرد – كما في المقام – لا يوجب أن يكون وضع اللفظ بإزاء الفرد دون العام ، وإلا لما وقع الخلاف فيما وضع له لفظ الجلالة ، مع أن الواجب موضوع للمفهوم العام ، مع انحصاره فيه تبارك وتعالى (64)
(64) أفراد الزمان والمشتق
المعروف ان الزمان وعاء للحوادث، والوقائع والتغير والتلبس تطرأ على الذوات وتلبسها في المبدأ، اما ان يكون الزمان ذاتاً فهذا بعيد لأنه من أركان المشتق فهو يمثل الحال أي اوان نسبة التلبس بالمبدأ وزمان التلبس او انقضائه.
فليس للزمان أفراد ثلاثة استقبالي وتلبسي وانقضائي على نحو الإستقلال نعم له أفراد ثلاثة هي الماضي والحال والمستقبل الا ان هذه الأفراد تصلح ان تكون وعاء للذات وللمبدأ .
لذا قلنا في بداية البحث ان المشتق في علم الأصول يختلف عن المشتق في اللغة، فالأول قائم بذاته، وينتزع عنوانه من غير حاجة الى استحضار أطراف أخرى، ومراده من القول (بان انحصار مفهوم…) ان افراد الزمان طولية متعاقبة متصلة كما يصدق على بعضها الإنقضاء فان بعضها الآخر يكون حالاً وغيرها لم يأتِ بعد فيوم الجمعة مثلاً وليلة القدر موضوعة لعدة أفراد طولية متعاقبة.
ويمكن القول انه قياس مع الفارق فلا جامع بين أفراد الزمان المنقضية والحالية الا الزمان كاسم جنس، وان المفهوم العام لم ينحصر بفرد ، بل إن المفهوم الكلي ينحل إلى عدة مصاديق وأفراد، نعم انحصار المفهوم بفرد مخصوص لا يفقده صفته وحقيقته كمفهوم، فالانحصار لا يعني ان اللفظ وضع للفرد ويعرف هذا بصيغة الإطلاق وارادة المعنى والمفهوم الأعم دون القضية الشخصية .
فلو كان انحصار المفهوم الكلي بفرد مشتتاً لكليته لما وقع الخلاف هل المعنى الذي وضع له لفظ الجلالة هو مفهوم واجب الوجود وهو كلي ام فرده وهو الباري عز وجل .
واذا كان لفظ الجلالة وضع للذات المقدسة فهو علم، واذا كان لمفهوم الوجوب في مقابل الممكن فهو اسم جنس، اذ ان الاسم ينقسم الى قسمين :
الأول : اسم الجنس الذي لا يختص بواحد دون آخر من افراد جنسه مثل رجل، حائط ، نهر .
الثاني : اسم العلم الذي يدل على فرد معين ولم يوضع لاثنين او اكثر.
واسم الجنس ينقسم الى قسمين ايضاً اسم الجنس الجمعي وهو الذي يتضمن معنى الجمع ليدل على الجنس كله مثل: انسان، مسلم، تفاح، واسم الجنس الإفرادي وهو الذي يدل على الجنس مما ليس له فرد لا باضافة تاء ولا ياء النسبة كما في: ماء.
فافراد الزمان خارجة عن نزاع المشتق لأن الزمان لا يتلبس بمبدأ ويبقى، بل ان الزمان نفسه يتبدل ، لذا يسمى الليل والنهار (الجديدان) وتسمى الشمس والقمر (الدائبين).
وبعد ان قال الماتن بعموم مبحث المشتق، وانه لا ينحصر ببعض المشتقات الاسمية استدرك وقال (ربما يشكل) وربما تفيد التكثير او التقليل، والظاهر ان المراد منها في المقام هو التقليل.
واسم الزمان هو نفسه منقض ومنصرم فاذا حصل فعل في زمن مخصوص كمخرج، ومكتب، أي ان ذلك الآن والجزء من الزمان كان مخرجاً او مكتباً، فان الزمان هو الذات التي تلبست بالمبدأ .
ولكن هذه الذات ليس لها وجود مستديم حتى بعد انقضاء التلبس بالمبدأ وزوال المبدأ كي يناقش موضوع الخلاف وهل اطلاق العنوان عليه بعد التلبس حقيقة أو مجاز .
فالذات ليس لها استقرار ولا استدامة خارج أوان الفعل، كما لو قلت مولد فلان الأول من شهر رمضان سنة كذا فاسم الزمان لا يوضع للأعم من حال الحدوث لأن بقاءه ممتنع ولأن الزمن غير قار الذات.
تعريف الزمان
الزمان عنوان جامع لأفراد الليل والنهار وينحل الى أجزاء وآنات صغيرة مما لا يقبل القسمة لقصر مدتها، وينقسم الزمن الى ماضي وحاضر ومستقبل.
قد عرف الزمان بانه :
الأول : عدد حركات درج الفلك.
الثاني : المدة المتوهمة بين حركة الدرجة الأولى منها وبين حركة ما يتلوها من الدرجة الأخرى.
الثالث : عرفه الفلاسفة بانه عبارة عن مقدار الحركة والمتوسط، ويسمى بالآن السيال.
الرابع : منهم من قال انه موجود قائم بنفسه غير جسم ولا جسماني وهو من الممكن وكونه قائماً بنفسه وغير جسم لا يدل على انه واجب الوجود ، قال تعالى إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، ويبلغ قطر الشمس (أي المسافة بين طرفيها 1392000كم) ما يعادل قطر الأرض 109 مرات ، وقطر الأرض 12756 ، بينما قطر القمر هو 3476كم ، وتبعد الشمس عن الأرض نحو (150) مليون كم .
وما ذكره الماتن محل اشكال بعيد لأنه قياس مع الفارق لعدم حصول الشبه بين الموضوعين وللتباين بينهما، فالزمان جوهر مستقل غير مفتقر الى محل يتقومه او حركة تفعله بمعنى انه لا مبدأ مستديم يتلبس به تنطبق على ذات المبدأ للأحوال الثلاث من الإستقبال وحال التلبس وانقضائه بل هو وعاء يتلبس به ويعبر عنه بالأزمنة أمس واليوم وغداً ، أو زمان مضى ولو قبل لحظة والآن .
والزمان القادم والزمان أمر حادث، وواجب الوجود سبحانه ليس متحيزاً وغير مفتقر الى محل وهو الأزلي والأبدي الدائم، فكل زمان يأتي في المستقبل يكون وجوده مقارناً له، ومما يعتبر في المشتق بقاء الذات مع انقضاء المبدأ كالكاتب والقاضي .
إذ ان الذات تكون باقية مع انقضاء الكتابة والقضاء .
فالزمان تنعدم فيه الذات الذي هو الزمان وهو مبني على التصرم، فكتابة الكفاية مثلاً لا تدخل في النزاع لأن كلاً من الزمان والكتابة قد انقضى وان كان هذا المثل لا يتعلق بالزمان بل بالكتابة الا على القول بأن الزمان وضع ليوم متجدد في السنة بحسب الحركة الفلكية.
وقد ذهب بعض الأعلام الى النظر الى الفرد الواحد من الزمان بلحاظين:
الأول : الجزئية .
الثاني : الكلية .
فتارة ينظر لزمان الفعل كالمأكل والمقتل من جهة جزئية وتعني زواله بمجرد حصول انقضاء اوان الفعل، وتارة بلحاظ الجامعة الكلية كمفهوم عام ولكن ليس بعنوان الزمان بافراده الطولية ولكن ذات الزمان المتصف بالفعل وحده، وهو بعيد.

ثالثها : إنه من الواضح خروج الافعال والمصادر المزيد فيها عن حريم النزاع ، لكونها غير جارية على الذوات ، ضرورة أن المصادر المزيد فيها كالمجردة ، في الدلالة على ما يتصف به الذوات ويقوم بها – كما لا يخفى – وإن الافعال إنما تدل على قيام المبادي بها قيام صدور أو حلول أو طلب فعلها أو تركها منها ، على اختلافها (65).
فافراد الزمان لا تصلح ان تكون ذاتاً تتلبس بالمبدأ فهو من الممتنع انما تصلح ان تكون ذاتاً واواناً للتلبس.
وفي الفقرة التالية يخرج الماتن الأفعال من حريم النزاع، فآنات الزمان تخرج منه من باب أولى، ان المشتق بالمعنى الإصطلاحي عبارة عن مفهوم للذات منتزع منها بملاحظة تلبسها بمبدأ الاشتقاق.
(65) المشتق في علم النحو
لقد أكد الماتن على خروج الأفعال من النزاع، وجاء لفظ الأفعال بصيغة الجمع ليشمل الماضي والحاضر والمستقبل، وخروج المصادر المجردة مثل قتْل وسفر وضرْب، والمزيد فيها كالإحسان .
والمصدر هو اسم الحدث الجاري على الفعل .
أما اسم المصدر فهو اسم الجنس المنقول عن موضوعه الى افادة الحدث، كالكلام والثواب، فالمصدر بهيئته وضع لنفس ذات الحدث، لا بما هو كاسم المصدر او بما هو منتسب كما في الأفعال .
فالمصدر يكون بشرط شيء اذ يلاحظ فيه الانتساب الى الفاعل .
واسم المصدر بشرط لا اذ لا انتساب فيه، فلا يصلحان ان يكونا مبدأ للاشتقاق .
فالمصدر يدل على اضافته الى فاعله مثل: العالم الليالي، اكرام زيد حاتم، سواء على القول بان المصدر هو مبدأ الإشتقاق ، او القول بان الفعل هو اصل الاشتقاق.
إزاحة شبهة : قد اشتهر في ألسنة النحاة دلالة الفعل على الزمان ، حتى أخذوا الاقتران بها في تعريفه . وهو اشتباه ، ضرورة عدم دلالة الامر ولا النهي عليه ، بل على إنشاء طلب الفعل أو الترك ، غاية الامر نفس الانشاء بهما في الحال ، كما هو الحال في الاخبار بالماضي أو المستقبل أو بغيرهما ، كما لا يخفى ، بل يمكن منع دلالة غيرهما من الافعال على الزمان إلا بالاطلاق والاسناد إلى الزمانيات (66).
وعن جماعة من المتأخرين ان مبدأ الاشتقاق اسم المصدر، قال ابن مالك :
اَلْمَصْدَرُ اسْمُ مَا سِوَى الزَّمَانِ مِنْ……مَدْلُولَيِ الْفِعْلِ كَأَمْنٍ مِنْ أَمِنْ
بِمِثْـلِهِ أَوْ فِـعْلٍ أوْ وَصْـفٍ نُصـِبْ……وَكَوْنُهُ أَصْلاً لِهذَيْنِ انْتُخِبْ( )
والمشتق لا يختص بالمشتق الإصطلاحي مما له مصدر حقيقي بل يجري في الجوامد التي لها مصادر جعلية كالزوجية والرق وهي من مقولات الإضافة، ومقولات الكم والكيف كالأبيض والأسود وهي من مقولات النسبة والأمور العرضية المتولدة عن قيام احدى المقولات بموضوعاتها.
ويمكن تأسيس قاعدة وهي (ان الأصل في المخلوقات التركيب الا ان يدل دليل على البساطة).
(66) الاسم غير المسمى
فالزمان وعاء للفعل بحسب حركته وتعاقب آناته لذا قسم الفعل الى الماضي والحال والمستقبل، وجعلوا عنصر الزمان هو الفرق بينه وبين الاسم بالإضافة الى حركته .
ويلاحظ في حديث أمير المؤمنين عليه السلام : الاسم ما انبأ عن المسمى والفعل ما انبأ من حركة المسمى ، والحرف ما اوجد معنى في غيره.
ان الاسم غير المسمى وان الزمان لم يذكر في اصل التعريف للفعل ولكنه اعم من نفيه لأن عدم الإيجاد اعم من عدم الوجود ولأن التعريف ورد على نحو الإختصار .
ان ذكر الحركة يدل بالدلالة الإلتزامية على ارادة الزمان فيه، اذ ان الحركة لابد لها من وعاء زماني لموضوعية الزمان في الفعل .
واستدل بالتبادر حين الاطلاق على ارادة الزمان والماضي كما في قولك (جاء زيد) بالإضافة الى الإطراد وهو شيوع واستدامة استعمال اللفظ في المصاديق الواجدة لملاك الإستعمال، وان لم يصح الإطلاق فيكون من عدم الإطراد وهو من علامات المجاز كاستعمال لفظ أسد في زيد.
وقالوا ان الأفعال الإنشائية لا تدل على الحال والزمان كما في الأمر والنهي والإستفهام لأنها تدل على البعث على الفعل في الأمر كما في الطلب او البعث على الترك والنهي عنه، كما في الترك، والسؤال، وحتى على القول بان هذه الأفعال لها مادة وهيئة، والمادة هي ذات الماهية وتركيب الحروف ، اما الهيئة فهي تدل على ذات الطلب او النهي.
ويمكن القول بموضوعية الزمان فيها أيضاً ولكن على نحو التعليق والمشارفة والرجاء.
دلالة الأفعال على الزمان
ولكن الأفعال أعم من الإنشائية فتشمل الخبرية وعليها المدار في التقسيم الزماني، فالأقوى ان الأفعال تدل في هيئتها وتركيبها على الزمان من جهة التقسيم الإجمالي، بل حتى الأفعال الإنشائية فانها تدل على الزمان سواء بالإجمال او بلحاظ القرينة .
وقول الماتن (والا لزم القول بالمجاز والتجريد) أي لو ان الفعل يدل على الزمان وان الزمان ملحوظ حين وضع اللفظ ازاءه، فانه يعني ارادة المجاز وليس الحقيقة عند الإسناد الى
غير الزمانيات مما يتعلق بالزمان موضوعاً واعتباراً، والزمان فيه جزء مدلوله نحو:
الا ليت الشباب يعود يوماً فاخبره بما فعل المشيب
والمراد من المجردات هي الأفعال المستديمة التي لا ينحصر اوانها بزمان مخصوص من الماضي او المضارع او الأمر ، ولكن دلالة الفعل على الزمان لا تعني الحصر به، فما يدل على الزمان اعم من ان يتعلق بموضوع او فرد واحد، فلا حاجة للإنتقال الى المجاز عند الإسناد الى الزمانيات او غيرها لأن افراد الحقيقة متعددة وفي تعريف الفعل انه لفظ دل على معنى في نفسه مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة.
فالزمان قيد للفعل ويدل عليه الفعل بالدلالة الإلتزامية وعلى نحو عرضي.
النهي عن المنكر خير محض
يتضمن الأمر بالمعروف الهداية والصلاح من وجهين:
الأول: صيغة الأمر وما فيها من البعث على فعل الصالحات.
الثاني: الحسن الذاتي للمعروف، وميل النفوس له ولمصاديقه.
اما النهي عن المنكر ففيه أطراف:
الأول : الناهي عن المنكر.
الثاني : المنهي عن المنكر.
الثالث: الزجر والمنع، وطلب الإقلاع عن فعل مخصوص.
الرابع: القبح الذاتي والعرضي للمنكر.
ومع التباين بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كيفية الطلب ومتعلق الموضوع والماهية، فهما متحدان في الوجوب والغاية والمقاصد السامية، وكل واحد منهما دعوة الى الآخر ومدخل اليه، وليس من تعارض بينهما بل يسيران بعرض واحد لتهذيب النفوس واصلاح الناس لأمور الدين والدنيا.
وقد تحمل المسلمون مسؤولية النهوض بهما، ولبس ثوب الجهاد لتثبيت قواعدهما في الأرض، وحضور كل منهما عند الناس جميعاً، فليس من احد مستثنى من خطابات النهي الصادرة من المسلمين، وسعيهم في الزجر عن الكفر والجحود والمعاصي وهو من عمومات رحمة الله تعالى وتغشيها للناس جميعاً، لان النهي عن المنكر خير محض، وعنوان للصلاح والفلاح، وتنقيح للعادات، وتهذيب للأخلاق، ودعوة متصلة لطاعة الله عز وجل، ووسيلة لبلوغ أسمى المراتب في الآخرة.
ومن آيات الرحمة الالهية ان يأتي النهي عن المنكر عوناً للناس جميعاً، وسلاحاً ملازماً لهم لطرد الفواحش، كما انه سبب لنزع الغل من الصدور وازالة الكدورات الظلمانية التي تحصل بين الناس، ليكون قوام الصلات بين الأمم والأفراد حب الله تعالى، والتفاني في طاعته ومرضاته ، قال تعالى وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
ولا ينحصر أثر النهي عن المنكر في موضوعه والفرد الذي يتوجه اليه النهي، وتلك آية في المعارف الإلهية، وأسرار خلق الإنسان، وما اودع الله فيه من الملكات وأسباب بعثه إلى الصلاح، اذ يتعدى النهي موضوعه وشخصه، فيتوجه إلى شخص لنهيه عن الغيبة فيجتنبها ويحرص على التنزه عن الإفتراء من باب الأولوية القطعية، ويرى او يسمع إنزجار شخص آخر من النهي فيكون عبرة وموعظة له، ويرى نفسه أولى بالصلاح والانتفاع من النهي، وقد يبطئ ويتأخر الذي يتوجه له النهي عن التوبة، ويسمع آخر فيبادر اليها، ويكون عوناً للأول وحجة عليه في لزوم التدارك والصلاح.
و(عن جرير السهمي قال كنت مع أمير المؤمنين عليه السلام في مسيره إلى الشام فمررت على مدائن كسرى فوقفت و قلت جرت الرياح على رسوم ديارهم فكأنهم كانوا على ميعادو أرى النعيم و كلما يلهى به يوما يصير إلى بلى و نفاد قال : هلا قلت أحسن من هذا قلت و ما هو يا أمير المؤمنين فقال :
كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ … وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ
يا ابن أخ هؤلاء قوم كفروا النعم ونزلت بهم النقم)( ).
وإذ تتعدد فروع النهي عن المنكر، فان ارتكابه منحصر بموضوعه وشخص الفاعل، ومن الآيات موضوعية واعتبار نهي المسلمين عنه في هذا الحصر والتقييد وفهم في جهاد متصل ضد كل من :
الأول : المنكر والقبيح من الأفعال.
الثاني : فعل المنكر، وإرتكاب الذنب.
الثالث : فاعل المنكر، ومن يأتي المعصية، ويصر على الإقامة على الذنب.
الرابع : الآثار الضارة لفعل المعصية والمنكرات.
ومن الرحمة الإلهية والتخفيف عن المسلمين مواجهتهم للمنكر متحدين ومتفرقين، وترى المسلم وحده أمة في الخير يدعو الناس الى الصلاح، ويحذرهم من المنكر، ويبين لهم سوء عاقبته، ويبقى لسانه وفعله كالمطرقة على قلب وعقل ويد مرتكب الفاحشة حتى يجعله يقلع عنها، ويلتحق بركب الصالحين، ويكون داعية الى الله تعالى، لذا فان عدد الناهين عن المنكر بازدياد مطرد فضلاً من عند الله عز وجل على المسلمين والناس جميعاً، وهو شاهد على عظيم قدرة الله وسلطانه على النفوس والمجتمعات المتعاقبة.
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري (قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول : يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك . قلنا : يا رسول الله تخاف علينا وقد آمنا بك؟ فقال : إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد ، يقول به هكذا . ولفظ الطبراني : إن قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الله عز وجل ، فإذا شاء أن يقيمه أقامه ، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه)( ).
وقد أراد الله عز وجل لأفراد الفرائض والعبادات أن تكون زينة للأرض، وبهجة للنفوس، ومادة لدوام الحياة الإنسانية فتفضل سبحانه وجعل النهي عن المنكر عبادة وطاعة له سبحانه، وتترشح عنه موضوعاً وحكماً مصاديق الخير والفلاح.
ويتصف النهي عن المنكر بالحسن الذاتي والعرضي، وهو شفاء للصدور، ووسيلة للثبات على الإيمان، والإحتراز من الضلالة والغواية، وحفظ لتركة النبوة، وحرب على الفرقة والإختلاف ونزغ الشيطان.

نعم لا يبعد أن يكون لكل من الماضي والمضارع بحسب المعنى خصوصية أخرى موجبة للدلالة على وقوع النسبة، في الزمان الماضي في الماضي، وفي الحال أو الاستقبال في المضارع، فيما كان الفاعل من الزمانيات، ويؤيده أن المضارع يكون مشتركا معنويا بين الحال والاستقبال، ولا معنى له إلا أن يكون له خصوص معنى صح انطباقه على كل منهما، إلا أنه يدل على مفهوم زمان يعمهما(67).
(67) هذا استدراك من الماتن يلتقي به مع تعريف النحويين للفعل وعلى نحو المطابقة في المعنى تقريباً وان اختلف اللفظ والهيئة .
فالفعل يدل على وجود النسبة في خصوص زمان مخصوص .
فالخصوصية التي في الفعل تدل على خصوص زمان معين كالماضي والحاضر والمستقبل، فلا يصح استعمال احدها مكان الآخر من غير ان يتغير المعنى والدلالة، فلا يقال: زيد صام غداً، او انه يحج في العام الماضي فهيئة الفعل تدل على معنى مخصوص وارادة فرد من افراد الزمان الثلاثة، فهيئة الماضي هي الحكاية عن تحقق النسبة التلبسية، اما هيئة المضارع فهي الإخبار عن حصول النسبة التلبسية في الحال او الإستقبال.
ويؤيده ان المضارع يكون مشتركاً معنوياً بين الحال والإستقبال ولا معنى له الا ان يكون له خصوص معنى صح انطباقه على كل منهما، لا انه يدل على مفهوم زمان يعمره، كما ان الجملة الاسمية كزيد ضارب يكون لها معنى صح انطباقه على كل واحد من الأزمنة مع دلالتها على واحد منها اصلاً فكانت الجملة الفعلية مثلها.
واظهر الماتن الإقرار ضمناً بدلالة الفعل على الزمن بلحاظ خصوصية فيه زائدة على الحدث تتعلق بالوعاء الزماني للفعل .
فالماضي يدل على انقضاء زمان الحدوث، والمضارع اخبار عن آنية الحدوث وانه حاصل في الحال، والمستقبل يفيد الترقب والتطلع اذ ان مفردات الكلام وضعت للبيان وافادة المعنى بين المتكلم والمخاطب ومما يؤيد وجود خصوصية اخرى في دلالة الفعل على الزمان، وهذه الخصوصية من حيثيات الفعل وهيئته بحيث ينطبق على كل من الحاضر والمستقبل لا من قبيل المفهوم المستوعب لهما.
واستدل الماتن بالجملة الاسمية كـ(زيد ضارب) الذي يصح انطباقه على الأزمنة الثلاثة، ولكن هناك فارق بينهما يرجع الى الفرق بين الاسم الذي هو انباء عن المسمى وهيئته، وبين الفعل الذي يعني الحدوث في زمان معين يكون قهراً احد الأزمنة الثلاثة فكأن الجملة الاسمية من قبيل اللا بشرط، أما الفعل فانه من قبيل بشرط شيء.
ثم اتجه الماتن الى تأييد قوله بان الفعل لا يتضمن الدلالة على الزمان الا بالدلالة الإلتزامية واستدل بان الزمن الماضي لا ينحصر استعماله حقيقة في الزمن الماضي بل قد يستعمل في المستقبل حقيقة وليس مجازاً، والعكس بالنسبة للمضارع فقد يستعمل حقيقة في الماضي وانما يعرف زمان كل منهما بالإضافة والقرينة .
ثم ذكر الماتن مثلاً يجيئني زيد بعد عام، وقد ضرب قبله بايام) أي ان الفعل ضرب جاء بصيغة الماضي مع انه لم يحصل بعد، والمثل الآخر، لإفادة الفعل المضارع الماضي بالنسبة لحال النطق: “جاء زيد في شهر كذا، وهو يضرب في ذلك الوقت او فيما بعده”، ومراده انه جاء في شهر منصرم وكان يضرب عند مجيئه فاستعمل الفعل (يضرب) لإرادة الزمن الماضي مع انه مضارع.
ولكن هذا الإستعمال خلاف الأصل ولا يخلو من تكلف ، ويدل على استعمال الفعل في غير ما وضع له من زمن الحدوث تجوزاً وليس حقيقة، وهو الأمر الذي يعرف بالقرينة، كما انه يمكن استعمال الفعل الماضي بدل المضارع في الجملة اعلاه، والمضارع بدل الماضي فيصح المعنى بقولك يجيئني زيد بعد عام، وسيضرب قبله بايام.
وتقول: جاء زيد شهر كذا، وقد ضرب في ذلك الوقت او فيما بعده.
اما لو لم تكن قرينة او اضافة تدل على استعمال الفعل في غير ما وضع له، فيكون الأصل استعماله في زمانه المتعارف له للإطلاق، والتبادر والإطراد وهما من علامات الحقيقة ولا ينطبقان على استعمال الفعل لغير زمان حدوثه بالقرينة المعينة وتعدد الدال والدلول.
ويمكن للماتن الإستدلال بآيات من القرآن على انبساط الفعل على أفراد الزمان مثل قوله تعالى وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ.

ثم لا باس بصرف عنان الكلام إلى بيان ما به يمتاز الحرف عما عداه ، بما يناسب المقام ، لاجل الاطراد في الاستطراد في تمام الاقسام . فاعلم أنه وإن اشتهر بين الاعلام ، أن الحرف ما دل على معنى في غيره ، وقد بيناه في الفوائد بما لا مزيد عليه ، إلا أنك عرفت فيما تقدم ، عدم الفرق بينه وبين الاسم بحسب المعنى ، وأنه فيهما ما لم يلحظ فيه الاستقلال بالمفهومية ، ولا عدم الاستقلال بها ، وإنما الفرق هو أنه وضع ليستعمل وأريد منه معناه حالة لغيره وبما هو في الغير ، ووضع غيره ليستعمل وأريد منه معناه بما هو هو . وعليه يكون كل من الاستقلال بالمفهومية ، وعدم الاستقلال بها ، إنما اعتبر في جانب الاستعمال ، لا في المستعمل فيه ، ليكون بينهما تفاوت بحسب المعنى ، فلفظ ( الابتداء ) لو استعمل في المعنى الآلي ، ولفظة ( من ) في المعنى الاستقلالي ، لما كان مجازا واستعمالا له في غير ما وضع له ، وإن كان بغير ما وضع له ، فالمعنى في كليهما في نفسه كلي طبيعي يصدق على كثيرين ، ومقيدا باللحاظ الاستقلالي أو الآلي كلي عقلي ، وإن كان بملاحظة أن لحاظه وجوده ذهنا كان جزئيا ذهنيا ، فإن الشئ ما لم يتشخص لم يوجد ، وإن كان بالوجود الذهني ، فافهم وتأمل فيما وقع في المقام من الاعلام ، من الخلط والاشتباه (68).
(68) الفرق بين الاسم والحرف في اللفظ
تعرض الماتن الى الحرف كقسم من اقسام الكلام بما يخص مبحث المشتق من اجل متابعة التعرض لجميع اقسام الكلام اطراداً في النظر اليها بخصوص ما يتعلق بها في المقام .
وفي كلام الماتن نوع اعتذار وتفسير لإعادة بحث الحرف بعد ان ذكره في باب الوضع ولكنه هنا لبيان الفرق بين الاسم والفعل من جهة والحرف من جهة اخرى، ليأتي الإطراد واستيعاب الكلام لجميع اقسام الكلام، والمعروف وجود فرق بين الاسم والفعل من جهة وبين الحرف .
فالحرف لا يدل على معنى الا في غيره، وقيل (ان وجوده آلياً ومرآة لحال الغير) ولكن هذا التعريف لا ينطبق على الحرف، ولا يصلح تفسيراً للتعريف المتقدم، فهو ليس مرآة لغيره نعم معناه لا يتضح إلا بالإضافة إلى غيره كالاسم المجرور , وقد ورد في الحديث ما يدل على موضوعية الحرف.
و(عن عوف بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قرأ حرفاً من القرآن كتب الله له به حسنة ، لا أقول (بسم الله) ولكن باء ، وسين ، وميم ، ولا أقول (الم) ولكن الألف ، واللام ، والميم)( ).
ولكن الماتن نفى وجود فرق بين الاسم والحرف في المعنى كما تقدم، وقال ان الفرق بينهما بحسب اللفظ , وانكر القول باستقلال الاسم بالمعنى وافادته للمفهوم، وعدم استقلال الحرف بافادة المعنى .
فالفرق ان الحرف وضع للاستعمال كغيره ولكن المراد منه الدلالة الناقصة التي لا تتم الا بغيره، والهاء في قول الماتن (وضع لغيره) أي لهيئة الاسم والفعل، فوضع اللفظ فيهما ليستعمل في المعنى على نحو الإستقلال .
فحرف الجر (الباء) يحتاج في معناه الى غيره، أما الاسم والفعل فان كلاً منهما يفيد المعنى لذاته وعلى نحو الإستقلال.
ثم اقر الماتن بوجود هذا الفرق بينهما , ولكنه منحصر في جانب الاستعمال وشرط الواضع، لا في المستعمل فيه الذي يكون هو المعنى مما يعني عدم التفاوت بينهما في المعنى، ولكن هذا الفارق في الوجود الذهني والدقة العقلية لا يصح جعله سبباً لتخطئة الأعلام وما تعارف عليه قديماً وحديثاً بان الحرف ما دل على معنى في غيره .
فالتحليل العقلي لا ينافي البساطة فالإنسان مثلاً بسيط وان كان التحليل العقلي يحلله الى جنس وفصل، وعلم الأبدان يجزئه الى أعضاء واركان وعظام وحواس، وحصول معنى الحرف في غيره لا يعني ان وجوده الذهني موجود في غيره، كما في وجود العرض، فله استقلاليته في المادة والهيئة وله موضوعية في الكلام بحيث لا يستطيع الإستغناء عنه بذاته لذا صار قسماً من أقسام الكلام وما ذكروه للإستدلال على وحدة المعنى بينه وبين الاسم ليس بتام ويدل على وجود فارق لغوي في المعنى بينهما من وجهين:
الأول: التباين في موضوع الجملة، فسرت من البصرة يكون محلها ابتداء سيري البصرة، او سرت ابتداء البصرة، فجاء استعمال ابتداء وهو اسم بدل الحرف الذي يفيد الربط.
فالجملة الإسمية ابتداء سيري البصرة، موضوعها الابتداء، أي ابتداء السير وباضافة قرينة علمنا ان المقصود من فرد الابتداء هذا هو ابتدائي أنا دون غيري بالسير والمشي وجود كلمة (سيري) المتكونة من كلمتين ايضاً، فالابتداء لا تعرف ماهيته الا بكلمة السير.
الثاني: الإختلاف في المعنى، قال الماتن قبل اسطر (ان الجملة الإسمية كزيد ضارب، يكون لها معنى صح انطباقه على كل واحد من الأزمنة) وكأنها من باب لا بشرط .
أما بالنسبة للجملة التي فيها الحرف فهي بشرط شيء وتفيد زمناً مخصوصاً، فهناك فرق بين (سرت من البصرة) وبين : أسير من البصرة، او سوف اسير من البصرة بلحاظ الزمان، ولكن ابتداء سيري من البصرة يستوعب الأزمان الثلاثة، كما ان قولك سرت من البصرة يتعلق بفرد واحد من السير، اما ابتداء سيري فهو مفهوم كلي وان انطبق على فرد واحد، وقد يفيد معنى مغايراً فابتداء سيري ظاهره نفي السير قبله، اما سرت ففيه إخبار عن حال معينة من السير دون غيرها.
رابعها: إن اختلاف المشتقات في المبادئ، وكون المبدأ في بعضها حرفة وصناعة، وفي بعضها قوة وملكة، وفي بعضها فعليا ، لا يوجب اختلافا في دلالتها بحسب الهيئة أصلا، ولا تفاوتا في الجهة المبحوث عنها ، كما لا يخفى، غاية الامر إنه يختلف التلبس به في المضي أو الحال، فيكون التلبس به فعلا ، لو أخذ حرفة أو ملكة، ولو لم يتلبس به إلى الحال، أو انقضى عنه، ويكون مما مضى أو يأتي لو أخذ فعلياً ، فلا يتفاوت فيها أنحاء التلبسات وأنواع التعلقات ، كما أشرنا إليه(69).
(69) تلبس الذات بالمبدأ
هذا هو الأمر الرابع من الأمور الستة التي اراد الماتن تقديمها قبل الخوض في مسألة المشتق وانه حقيقة في خصوص استعماله للذات المتلبسة بالمبدأ أم أنه أعم ، ويكون موضوعاً للجامع بين الذات المتلبسة بالمبدأ وبين ما انقضى عنها التلبس.
والظاهر ان هذا الأمر اشارة للتفصيل في المبادئ بخصوص المقام، فلا يقال ان بعضها يكون حقيقة في الأعم اتفاقاً وبحكم المبدأ الذي يكون التلبس فيه على نحو الإستدامة، ومن المبادئ ما يكون بعضها حرفة كالبقال والخباز وبائع الحبوب او صناعة كالخياط والميكانيك .
وفي بعضها قوة كالكاتب بالقوة والتعلم والمحاسب، ومن يزاول التعلم وينال المبدأ بالإكتساب.
ومنها ما هو فعلي بالذات كالحيوان لما فيه من الحياة.
وهذا الاختلاف لا يسبب التباين في دلالتها ولا موضوعية له في الإختلاف الناشيء بين الأصوليين في مرحلة انقضاء تلبس الذات بالمبدأ، نعم يكون الاختلاف جزئياً بخصوص الواقع الفعلي وحال التلبس .

خامسها: إن المراد بالحال في عنوان المسألة ، هو حال التلبس لا حال النطق ضرورة أن مثل (كان زيد ضاربا أمس ) أو ( سيكون غدا ضاربا ) حقيقة إذا كان متلبسا بالضرب في الامس ، في المثال الاول ، ومتلبسا به في الغد في الثاني ، فجري المشتق حيث كان بلحاط حال التلبس ، وإن مضى زمانه في أحدهما ، ولم يأت بعد في آخر ، كان حقيقة بلا خلاف ، ولا ينافيه الاتفاق على أن مثل ( زيد ضارب غدا ) مجاز ، فإن الظاهر أنه فيما إذا كان الجري في الحال ، كما هو قضية الاطلاق ، والغد إنما يكون لبيان زمان التلبس ، فيكون الجري والاتصاف في الحال ، والتلبس في الاستقبال . ومن هنا ظهر الحال في مثل ( زيد ضارب أمس ) وأنه داخل في محل الخلاف والاشكال (70).
ومراده بالحال حال النسبة والجري، فنطلق عليه انه مجتهد مع انه كان نائماً وحينما نقول ان زيداً نجار لا يعني هذا انه ساعة النطق كان يزاول النجارة، بل يكفي انه بالقوة سيكون نجاراً ولم يتلبس بها، لذا فان اطلاقه هنا للإستصحاب ونقول هذا مهندس مع انه ليس متلبساً بعمله حال النطق او انقضى عنه العمل به وان كان متلبساً به فعلاً، فسواء كان المراد من المبدأ فعليته او صنعته او حرفته فان الدلالة واحدة في مبحث المشتق.
فاختلاف المشتقات من جهة المبادئ او وجوه التلبس لا يوجب تفاوتاً في الجهة المبحوث عنها في مبحث المشتق.
(70) أقسام التلبس
في قول الماتن بيان وتعريف للحال لمنع اللبس في أوان التلبس، فهناك فرق بين حال التلبس وحال النطق .
فالأول خاص معين يدل على اوان الفعل، والثاني عام وغير معين، أي ان الأول يخص وقتاً محدداً، والثاني قد يكون نكرة غير منحصر بوقت محدد، وحتى لو كان أوان النطق معيناً، فانه قد يكون سابقاً للأول او مقترناً او متأخراً عنه .
وفي علم الأصول يعرف المشتق بانه كل لفظ اطلق على الذات حال اتصافها بمبدأ من المبادئ سواء كان اتصاف الذات بتلك الصفة بلحاظ حلول الصفة فيها كما في زيد عادل او صدورها منها مثل هذا الرجل كريم او انتزاعها عنها كما في (كان فلان متزوجاً) كما يعرف مثلاً بانه حقيقة في المتلبس بالمبدأ في الحال.
واقسام الحال أربعة :
الأول : حال النطق أي الزمان الذي ينطق فيه الإنسان للإخبار عن اتصاف الذات بالمبدأ.
الثاني : حال التلبس أي أوان تلبس الذات بالمبدأ، فالمراد من (زيد صائم) أي أنه متلبس في ذلك اليوم بالصيام.
الثالث : حال الجري وهو النسبة الإيقاعية واستصحاب تلبس الذات بالمبدأ في الزمان الواقع بين حال التلبس وحال النطق، فاذا قلت (زيد كاتب) وانما كان كاتباً قبل يومين، فاليوم المتوسط وهو يوم أمس هو الجري.
الرابع : حال النسبة: أي نسبة تلبس الذات بالمبدأ قبل او اثناء او بعد انقضاء التلبس، ولابد ان يكون موضوع المشتق خاصاً بالتلبس وزمانه لإفادته المعنى والبيان لدى المتكلم والسامع وللإنصراف والتبادر.
ونشكل على الماتن ان قيد أمس في (كان زيد ضارباً أمس) يخرجه عن حريم النزاع في المقام لأن لفظ أمس قرينة على تعلق الكلام والموضوع بتلبس مضى وانصرم مفهومه .
وأن الخلاف بين الأصوليين فيما اذا قلنا “زيد ضارب” ولم نقيده بيوم امس، وان كنا نعلم انه حال النطق لم يكن ضارباً، والفرق بينهما ان الجملة الأولى التي ذكرها الماتن (كان زيد ضارباً امس) فيها اخبار عن تلبس الذات بالمبدأ يوم امس، فهي لم تخبر عن زمان النطق واتصاله بحال النسبة بل فصلت بينهما، واخبرت عن حال النسبة في زمان غير زمان النطق، فحينما تقول (زيد طالب) في وقت قد انهى دراسته ولم يعد طالباً، وقع الخلاف بين الأعلام هل هو حقيقة ام مجازاً.
لأننا وصفناه بوصف قد انقضى عنه، وكون زيد ضارباً حقيقة يوم امس اجنبي عن مبحث المشتق الذي فيه حال النسبة، وفي هذا المثال تتعلق حال النسبة أي نسبة الضرب الى زيد بيوم امس وليس اليوم .
نعم لو كان ضارباً قبل يومين، وقلنا انه ضارب يوم امس لدخل الأمر في باب المشتق بالمعنى الإصطلاحي، وهل يطلق عليه عنوان الضرب يوم أمس من باب الحقيقة أم المجاز لتردد الضرب بين أمس الذي سبق هذا اليوم مباشرة .
أم المراد الزمن السابق لليوم سواء كان قبل يوم أو شهر أو سنة، وحتى هذا الأمر عالجته اللغة فاذا اريد اليوم السابق لليوم الذي أنت فيه قبل التنوين واذا اريد غيره منع من الصرف.
انقضاء تلبس الذات بالمبدأ
ولا اشكال في صحة كلام الماتن من اطلاق الضرب على الأول حقيقة وفي الثاني مجازاً، لأنه في الأول جملة خبرية وفي الثاني تكون اقرب الى الجملة الإنشائية .
والحق ان هذين المثالين خارجان من مفهوم المشتق وفق الاصطلاح الاصولي لعدم جريان الاحوال الثلاث على كل منهما للقيد الزماني الوارد في المثالين وهما (أمس) و(غداً)، الا ان الأمر سهل بالنسبة للمقام خصوصاً وانه جاء على نحو المثال، ولكنه لا يدل على المدعى ولا يثبت ان المراد هو حال التلبس في الرد على من قال ان المراد بالحال حال النطق.
ثم ان قوله (ضارباً امس) ينفي وجود حالات ثلاث للتلبس خصوصاً ما وقع فيه النزاع من انقضاء حال تلبس الذات بالمبدأ وهو الضرب فيخرج عن محل النزاع بهذا الحصر.
ويعود الماتن الى الإقرار بموضوعية حال النطق من غير التصريح به بقوله “وانما الخلاف في كونه حقيقة في خصوصه او فيما اذا جرى عليها في الحال بعد ما انقضى عنها التلبس .
وهذا الكلام لا يتعلق بالمثالين لإنعدام الأخبار عن حال النطق، واذا كان ظاهراً بالقرينة والقيد الزماني الذي يفيد حصر الحقيقة وتعيينها واخراج الأزمنة الاخرى بالتخصص فتكون جرياً وانطباقاً من المجاز.
وقد ذهب المشهور الى اعتبار حال التلبس , وهو الأقوى مع موضوعية حال النطق .
وحال التلبس يدل عليه مفهوم التعريف تارة واخرى يكون ظاهراً.
أما بالنسبة لحال النطق فيدل عليه المفهوم، وقد يتداخلان معاً ، وتقول (زيد مسافر) لعدم ظهور موضوعية للزمان في الجملة الاسمية ، فالمراد حال التلبس وحال النطق إلا ان تدل قرينة على الإنصراف عن احدهما.
فالمراد من حال التلبس بالمبدأ هو فعلية اتصاف الذات بالمبدأ، وقيام المبدأ بها.
وجعل الماتن (امس) قيداً للموضوع وحال التلبس وادخل الزمان في مفهوم الإسم ومدلوله بحيث فصل بين حال النطق وحال التلبس، الا انه لا يصلح قاعدة كلية في بحث المشتق.

سادسها: إنه لا أصل في نفس هذه المسألة يعول عليه عند الشك، وأصالة عدم ملاحظة الخصوصية، مع معارضتها بأصالة عدم ملاحظة العموم، لا دليل على اعتبارها في تعيين الموضوع له(71).
(71) الأصل اللفظي
لقد نفى الماتن وجود أصل لفظي أو عملي يمكن الرجوع اليه عند الشك في عموم المشتق او خصوصه، ولا نحتاج الأصل الا في القسم الثالث من اقسام المشتق وهو انقضاء تلبس الذات بالمبدأ ، على القول بأنه مجاز فيما لو لم تتلبس الذات بالمبدأ، وحقيقة حال تلبس الذات بالمبدأ.
والأقوى ان مسألة الأصل سيالة في الأصول اللفظية ، وقد لا يكون التعارض المدعى تاماً لوجود اسباب الترجيح بينها او ما هو اكثر من أسباب الترجيح لأن مثبتات الأصول اللفظية حجة.
إن إجراء أصالة عدم ملاحظة الخصوصية يعني أن الوضع للمعنى الأعم، وهو معارض مع أصالة عدم ملاحظة العموم كما قال الماتن ولكن التدقيق قد لا يثبت هذا التعارض بين القاعدتين.
فقد يكون بين الاصالتين عموم وخصوص مطلق، نعم يمكن ان يقال ان أصالة عدم ملاحظة الخصوصية معارضة مع أصالة ملاحظة الخصوصية بلحاظ ان الخاص هو القدر المتيقن والمراد من الكلام على خلاف العام مع وجود القرينة ومقدمات الحكمة والا فقد لا تصل النوبة الى هاتين الأصالتين إثباتاً وثبوتاً ، لأصالة الإطلاق وأصالة عدم ملاحظة الخصوصية متفرعة عنها.
وهل تعتمد أصالة الحقيقة خصوصاً وان الموضوع يدور بين الحقيقة والمجاز الجواب ان الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له وتنقسم الى لغوية وشرعية وعرفية.
والحقيقة اللغوية ما كان وضع اللفظ بيد واضع اللغة كالإنسان والماء، والشرعية اللفظ الذي وضعه الشارع وثبت من قبله، والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له.
والأصل اللفظي هو الحكم الظاهري الذي يعمل به في باب الإلفاظ ويسمى اصلاً لفظياً عقلائياً، وسمي اصلاً لأنه مجعول في حق الشارع، وهو لفظي لأن مجراه باب الألفاظ، وعقلائياُ لأن مدركه بناء العقلاء ومنه أصالة الحقيقة، وأصالة الظهور، وأصالة عدم الإشتراك، وأصالة عدم النقل.
فالعقلاء إذا شكوا أن هذا اللفظ المعين وضع لموضوع خاص أم لا، فانهم يبنون على عدم وضعه للخاص، ولكن لو علموا انه موضوع لمعنى، وشكوا هل وضع لمعنى آخر ايضاً سواء على نحو الإستقلال أم الإشتراك بنوا على العدم ويعبر عنه بأصالة عدم الإشتراك .
وإذا شكوا هل اضمر الماتن في كلامه شيئاً وحذف متعلقاً، او مضافاً يبنون على العدم لأصالة عدم الإضمار، واذا شكوا هل جاء الكلام لقصد الظاهر ام انه اراد التعريض والإساءة والتلميح لموضوع آخر يبنون على أصالة الظاهر.
أصالة العموم
واذا شك العقلاء هل بنى المتكلم على العموم أم أراد المعنى الأخص بنوا على العموم ويعبر عنه بأصالة العموم.
ولا ملازمة بين أصالة العموم وأصالة الحقيقة ، فالأولى الشك في ارادة ومجازية العام والمطلق، وأصالة الحقيقة هي الشك في مجازية اللفظ، وذهب جمع الى القول بان المتكلم بالعام يريد ترتيب حكم عام وقاعدة كلية.
فلا يمكن ان يكون عندنا اصالتان متعارضتان في مورد واحد وبلحاظ حيثية واحدة بمعنى ان يقال بأصالة العموم من جهة، وأصالة عدم العموم من جهة اخرى، فالمعروف هو أصالة العموم وأصالة الإطلاق، خصوصاً وان ارادة العموم ترد عند الشك في الوضع وليس في الإستعمال، وبعد العلم بكيفية الإستعمال، وقيل
فإذا عرفت ما تلونا عليك ، فاعلم أن الاقوال في المسألة وإن كثرت ، إلا أنها حدثت بين المتأخرين ، بعد ما كانت ذات قولين بين المتقدمين ، لاجل توهم اختلاف المشتق باختلاف مباديه في المعنى ، أو بتفاوت ما يعتريه من الاحوال ، وقد مرت الاشارة إلى أنه لا يوجب التفاوت فيما نحن بصدده ، ويأتي له مزيد بيان في أثناء الاستدلال على ما هو المختار ، وهو اعتبار التلبس في الحال ، وفاقا لمتأخري الاصحاب والاشاعرة ، وخلافا لمتقدميهم والمعتزلة (72).
ان مجرى أصالة العدم العقلائية بعد العلم بالوضع.
وقد يقال ان أصالة عدم ملاحظة العموم اخص من أصالة العموم لقيد الملاحظة ولكنه يحتاج الى بيان، وهل تتعلق الملاحظة بالوضع ام بالإستعمال ام المستعمل فيه، والظاهر انها تتعلق بالوضع فهو يتعلق بالعموم واجماله، والملاحظة فرد منه.
(72) نقاط خلاف في المشتق
لقد كان الخلاف في مسألة المشتق بين المتقدمين ينحصر في قولين:
الأول : وضعه لخصوص المتلبس مطلقاً في كل المقادير.
الثاني : وضعه للأعم، وقد نسب الى اكثر الأشاعرة المجاز مطلقاً، والى مشهور الامامية والمعتزلة الحقيقة مطلقاً، ثم نشأت اقوال تفصيلية بين المتأخرين منها :
الأول : التفصيل بين اسم الفاعل واسم المفعول.
الثاني : التفصيل بين ما اذا كان المبدأ من الملكات والصناعات او غيرها ، فالضارب مثلاً ينحصر بالتلبس.
أما العالم والسائق والنجار ونحوه فيتصل لأن العلم والصنعة ملكة، ويزول الضرب من الشخص ، ولكن ملكة الإستنباط راسخة عنده لإجتماع شرائطها وتحصيلها.
الثالث : التفصيل بين المتعدي كضارب، وغيره كعالم.
الرابع : التفصيل بين ما اذا طرء ضد وجودي، وغيره فحينما يكون انسان يسكن مدينة ، ويتحول الى مدينة اخرى او انسان تعلم لغة اخرى فمرة ينسى لغته الأصلية ومرة يحافظ عليها مع اللغة الجديدة.
الخامس : ما يمكن التفصيل بين الجوامد والمشتقات، فالأولى عناوين للذاتيات كالحجر، والثانية عناوين للعرضيات كضارب.
وربما كان التوهم للتفاوت بما يعتريه من الأحوال والا فان الموضوع هو دلالة هيئة المشتق على خصوص المتلبس او الأعم، ولقد اختار الماتن جعل تلبس الذات بالمبدأ في الحال حقيقة دون استعماله في المنقضي فهو مجاز وبه قال المتأخرون واكثر الأشاعرة.
واستدل الماتن بتبادر خصوص التلبس بالمبدأ في الحال ثم جمع بين ما انقضى عنه وجعله بعرض واحد كالمتلبس به في الإستقبال من جهة المجاز ولكنهما ليسا بعرض واحد خصوصاً مع اختلاف المبادئ وانحاء التعلق، فالبحث يجب ان يتعلق بالفرد المشكوك فيه وهو ما انقضى فيه تلبس الذات بالمبدأ .
لذا قال الماتن وصحة السلب مطلقاً عما انقضى عنه كالمتلبس به في الإستقبال أي هل يخرج التبادر هذا الفرد بالتخصيص او التخصص والتبادر في الإصطلاح هو انسباق المعنى الى الذهن من اللفظ عند سماعه.

ويدل عليه تبادر خصوص المتلبس بالمبدأ في الحال (73).
(73) الإستدلال بالتبادر في المشتق
بينما يتعرض الماتن الى الأقوال في المسألة واشكاله على تعددها عند المتأخرين بلحاظ التفاوت في المبادئ او الأحوال اتجه الى ذكر وجوه الإستدلال على ما اختاره ، وهو موضوعية التلبس في الحال، واستدل بالتبادر، وسيأتي قول الماتن بأن القائل بعدم الاشتراط بالتلبس بالحال يستدل ايضاً بالتبادر.
ومن الأصوليين من لم يستدل بالتبادر مع ان اختياره نفس اختيار الماتن، والتبادر يتوقف على العلم الإجمالي الإرتكازي للعلقة الوضعية بين اللفظ والمعنى، وانسباق الذهن الى معنى بلحاظ مادة اللفظ ذاته، وليس بلحاظ القرينة الحالية او المقالية .
لذا قالوا ان التبادر علامة الحقيقة، ولا يمنع من انطباقه على مبحث المشتق، ولكن التبادر هنا لا يتعلق باصل الوضع والعلم به، بل بتخصيص فرد معين من افراد ثلاثة او تساويها او اثنين منها بعرض واحد.
فصحيح ان التبادر فرع العلم الإجمالي الإرتكازي ولكن العلم التفصيلي يتوقف على التبادر، فمعرفة فرد الحقيقة في المشتق يتوقف على التبادر، وما استدل به الماتن هو الصحيح، والظاهر ان استعمال التبادر هنا على نحو الإستعمال المجازي لمفهومه.
الوجوه المحتملة في المشتق
ويقول الماتن ببساطة مفهوم المشتق الأمر الذي يتفرع عنه جرياً وانطباقاً القول بوضعه لخصوص المتلبس دون ما اذا انقضى عنه التلبس، لأن القول بالأعم يستلزم وجود جامع بين حال التلبس بالمبدأ، وزمان انقضائه، ليكون اللفظ موضوعاً للجامع، وللتباين بين الوجود والعدم، ووجود العرض المحمول حال التلبس وانعدامه عند الإنقضاء او انعدام المبدأ ذاته فان المعنى يكون متبايناً تباين الملكة وعدمها، والوجوه المحتملة خمسة :
الأول : ان المشتق موضوع لخصوص التلبس بالحال.
الثاني : انه موضوع للأعم بالإشتراك المعنوي.
الثالث : للأعم بالإشتراك اللفظي.
الرابع : للتلبس المستقبلي دون غيره.
الخامس : لما انقضى عنه التلبس على نحو الحصر.
والقسم الرابع والخامس يخرجان بالتخصيص.
الأقوال في المشترك اللفظي
والمشترك اللفظي هو الذي وضع لمعنيين او اكثر بحيث يكون كل معنى مغاير للآخر فهو متحد اللفظ ومتعدد المعنى كما تقدم بيانه ، وفيه وجوه :
الأول : قال المشهور بامكان وقوع المشترك اللفظي .
الثاني : قال الماتن بوجوبه .
الثالث : ذهب جماعة الى امتناعه في اللغة .
الرابع : المختار امكانه ووقوعه مثل لفظ (العين).
اما الإشتراك المعنوي فهو اللفظ الذي وضع لمفهوم كلي ويستعمل في مصاديق بلحاظ اشتراكها في صدق المفهوم الجامع وان اختلفت في الخصوصية مثل لفظ (الإنسان) يقع على زيد ، وسلمان ، وعمرو ، و(البحر) ، ولابد للمشترك بقسميه من جامع، وليس من جامع بين المتلبس بالحال والذي انقضى عنه التلبس بالمسمى والذات والأجزاء، وقالوا: “ولا يمكن ان يكون هناك جامع بين التلبس والإنقضاء الا من ناحية الزمان”، والأقوى ان الزمان نفسه ليس بجامع بلحاظ انقسامه الى آنات انشطارية متعددة.
والقائل بامتناع المشترك اللفظي في اللغة العربية او غيرها فمدركه انه خلاف البيان والغرض من وضع الألفاظ ازاء المعاني، فالغرض هو ايصال المعنى واضحاً الى السامع بحيث يفهم المراد من اللفظ وهو لا يتم بالمشترك لأنه يدل على عدة معاني بعرض واحد فيحصل معه اللبس وهو خلف.
واعتماد نظرية التعهد والإلتزام النفساني في الوضع بمعنى ان اللفظ وضع لمعنى معين على نحو التعهد وان ارادة معنى آخر يعتبر ناقضاً لعهده، لا تعني الحصر بمعنى واحد على القول بالاشتراك.
الفرق بين الإشتراك اللفظي والمعنوي
هناك فروق بين الاشتراك اللفظي والمعنوي :
الأول : ان الاشتراك اللفظي يوضع لمعنى شخصي، وفرد معين او مفهوم كلي، اما المشترك المعنوي فيوضع لمفهوم ومعنى كلي له مصاديق متعددة.
الثاني : الاشتراك المعنوي وضع على نحو متحد، وفي مقابل معنى كلي، بينما جمع المشترك اللفظي أفراداً متعددة متباينة وعلى نحو الإستقلال لكل منها.
الثالث : انطباق المشترك المعنوي على معانيه المتعددة والمتشخصة في الخارج على نحو الإستقلال لكل منها هو اشتراكها في المفهوم الكلي الذي وضع له اللفظ، اما المشترك اللفظي فالظاهر وضعه لكل فرد منها بوضع خاص لا يرتبط بالمعنى الآخر.
الرابع: ان الإتحاد في المشترك المعنوي في حيثية مخصوصة جامعة لأفراده، تجدها في كل معنى من المعاني المتعددة له، اما في المشترك اللفظي فان الإتحاد يقع في اللفظ ولا جامع مشترك بين المعاني التي وضع لها، نعم قد تكون هناك حيثية او وجه شبه بينها.
الخامس: هناك نسبة تحليلية بين معاني المشترك المعنوي، فصحيح ان لكل فرد من افراده وجوداً مستقلاً ولكن بينها نوع ارتباط يتبادر الى الذهن الرابط بينها ويسمى مفهوم النسبة، فحينما نطلق لفظ الطير فانه عنوان للطيران والإرتفاع في الجو، فهناك مفهوم كلي يتبادر الى الذهن.

وصحة السلب مطلقا عما انقضى عنه، كالمتلبس به في الاستقبال، وذلك لوضوح أن مثل : القائم والضارب والعالم، وما يرادفها من سائر اللغات، لا يصدق على من لم يكن متلبسا بالمبادئ ، وإن كان متلبسا بها قبل الجري والانتساب ، ويصح سلبها عنه(74).
(74) صحة السلب وعدمها
هناك اصطلاحان احدهما صحة السلب، والآخر عدم صحة السلب، فالأول يعني السلخ الذهني لمعنى كلي عن فرد مخصوص، فلفظ العالم يتبادر منه الى الذهن تحصيل العلم والإرتقاء وبلوغ المراتب العالية في العلم، فاذا سمع انسان بمن يدرس مقدمات العلم ومبادئه فيرى صحة سلب مفهوم العالم المرتكز في تصوره ولا يصدق حمل لفظ العالم عليه فتكون هذه علامة كون معنى طالب العلم مبايناً للعالم ولو على نحو الموجبة الجزئية وعدم كونه مصداقاً حقيقياً ويكون استعماله فيه مجازياً وليس حقيقيا.
أما الآخر وهو عدم صحة السلب فيعني انطباق المصداق الخارجي على المعنى الذي وضع له اللفظ على نحو مطابق للإرتكاز والوجود الذهني وان كان هذا الوجود اعم من الوضع فيشمل المنقول وان جعلوه حجة في الوضع، فاذا رأينا شجرة الرمان فانه يصدق عليها انطباق لفظ الشجر وصحة حمله عليها، ولا يمكن ان نسلب عنها لفظ الشجر، وعدم السلب هذا علامة الحقيقة وليس المجاز .
المراد من صحة الحمل
الحمل على قسمين :
الأول : الحمل الأولي وهو الذي يتحد فيه المحمول مع الموضوع من جهة المفهوم ، ويكون المحمول مقوماً للموضوع وحداً له، سواء كان حداً تاماً أي ان المتصور مجموع الأجزاء وهو الجنس القريب مع الفصل القريب، او حداً ناقصاً أي ان المتصور بعض اجزاء الشيء المساوي كتعريف الإنسان بالناطق، وحد الشيء معناه الذي ينطبق عليه الوصف ويمنع غيره من التداخل معه.
فالحمل الأولي يبين ماهية وحقيقة الشيء كالعالم فيما عنده من العلوم، أما قيامه بالإفتاء والإستتنباط والإستنتاج فهو ليس حملاً أولياً.
الثاني : الحمل الشائع الصناعي الذي يعني النظر الى الموضوع بلحاظ ما يلحقه من الآثار والأحكام .
واطلاق صفة الشائع عليه بلحاظ شيوعه بين الناس، ونعته بالصناعي لغلبة تداوله في العلوم التي تسمى الصناعات.
والحمل الشائع يأتي بعد مرحلة الأولي وبعد تصوره وتشخصه أي ان الأولى سمي بذلك لأنه الأصل والإبتداء في التصور والظهور.
فالإنسان حيوان ناطق بالحمل الأولي، وهو ضاحك او ماشِ بالحمل الشائع الصناعي .
فكونه ضاحكاً لا يصح الا بعد لحاظ وجوده وتشخصه، كما ان الضحك ليس جزء من ماهيته بل هو عرض لا تتقوم الإنسانية به .
وكذا بالنسبة للعالم فان علمه لا يتقوم بالإفتاء وصرف الذات، فهل يمكن ان يكون للمشتق معنيان احدهما بالحمل الأولي والآخر بالحمل الشائع الصناعي سواء قلنا بان معناه بسيط او مركب كما هو ظاهر كلامهم في ادخاله في مبحث الحقيقة والمجاز، الأقوى لا، لشمول الإصطلاح لهما معاً، ولارادة معنى وموضوع مخصوص من المشتق سواء كان بالحمل الأولي أو الشائع الصناعي.
وكذا بالنسبة لحمل الزوجية على الأربع فانه من الحمل الشائع الصناعي لأن الزوجية ليست من ذاتيات الأربع ولا تتقوم ذات الأربع بها إلا مع التزاحم في باب البرهان وهو لازم للذات وخارج عن ماهيتها.
الحمل البسيط والمركب
أما الحمل البسيط والحمل المركب، فالأول الذي يأتي بمفاد كان التامة، والمحمول معه هو الوجود وثبوت الشيء، وتسميته بالبسيط لأن الإثبات فيه ليس مركباً بل يتعلق بما هو من غير اضافة خارجية على ماهيته كالماء بغض النظر عن طهارته أو جريانه أو كثرته.
اما الحمل المركب فهو ما كان بنحو كان الناقصة، والتي يتم فيها اثبات شيء لشيء، ويتعلق باثر او حكم او عرض من اعراضه، ومثاله (الإنسان ماشِ) اذ يتم فيه اثبات شيء لشيء لذا يطلق عليه المركب.
وقال الماتن صحة السلب مطلقاً، والإطلاق هنا على قسمين :
الأول : يتعلق بالمعنى من غير تقييد بحيثية معينة .
الثاني : يتعلق بانواع المشتق، والقول بالتفصيل بين اسم الفاعل واسم المفعول، وبين ما اذا كان المبدأ من الملكات والصناعات او غيرهما ونحوه من الوجوه التي قال بها المتأخرون وقد تقدم ذكرها، وتتعلق صحة السلب او عدمها بالحمل الشائع الصناعي لذا يمكن ان نستدل به على ان المشتق مركب وليس بسيطاً.
واستدلال الماتن بصحة السلب صحيح ، إذا أن نعت القائم والضارب كمشتق لا يتصل الى زمان ما بعد انقضاء التلبس فلا يشمل واقعاً حال الجري والإنتساب، بالإضافة الى طرو الضد الوجودي قهراً وانطباقاً، فالقائم حينما ينقضي زمان تلبسه بالقيام يكون قاعداً او نائماً وبحالة وكيفية منافية للمشتق بعد فقده المبدأ، مما يدل بالدلالة التضمنية على مجازية اطلاق المشتق عليه سواء كانت بنحو الحمل كالقيام والضحك والمشي، او العرض كالبياض والسواد مع ظهور التضاد بين اللونين فلو كان حقيقة لكان هناك تضاد بين المبدأ وبين الوصف.
والضدان والنقيضان من المتقابلين، والضدان هما العرضان الوجوديان من نوعين مع عدم امكان الإجتماع بينهما ، في محل واحد وعدم توقف تصور احدهما على تصور الآخر كالسواد والبياض .
وامكان ارتفاعهما معاً ، فاللون الأسود واللون الأبيض يرتفعان باللون باللون الأحمر مثلاً .
والنقيضان هما الإيجاب والسلب وهما والوجودي والعدمي كما يمكن الإستدلال بالإطراد ايضاً لعدم اتصال المنقضي عند المبدأ.
ولا يجتمع النقيضان في محل واحد ، ولكنهما لا يرتفعان ، كالليل والنهار ، والصيام والإفطار ، قال تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.
ويمكن القول بأن النسبة بين التضاد والتناقض عموم وخصوص من وجه ، فمادة الإلتقاء عدم الإجتماع في محل واحد سواء بالنسبة للمتضادين أو المتناقضين ، أما مادة الإفتراق فان المتضادين يرتفعان معاً ، أما المتناقضان فلا يرتفعان جميعاً .

كيف وما يضادها بحسب ما ارتكز من معناها في الاذهان يصدق عليه، ضرورة صدق القاعد عليه في حال تلبسه بالقعود، بعد انقضاء تلبسه بالقيام، مع وضوح التضاد بين القاعد والقائم بحسب ما ارتكز لهما من المعنى، كما لا يخفى (75) ولا يرد على هذا التقرير ما أورده بعض الاجلة من المعاصرين ، من عدم التضاد على القول بعدم الاشتراط ، لما عرفت من ارتكازه بينها ، كما في مبادئها إن قلت: لعل ارتكازها لاجل الانسباق من الاطلاق، لا الاشتراط قلت : لا يكاد يكون لذلك ، لكثرة استعمال المشتق في موارد الانقضاء ، لو لم يكن بأكثر (76).
(75) التضاد بين حال التلبس وحال النسبة بالنسبة لما انقضى عنه التلبس ينفي وجود الجامع بينهما ان نجده من حيثية اخرى يكون مدار الفهم وصيغة المخاطبة دائرة مدارها، فحينما ينقضي تلبس القيام ويصدق عليه انه الآن متلبس بالقعود، فلا ريب انه يحصل تضاد وتعارض في العناوين الإشتقاقية المأخوذة من المبادئ الوجودية المتضادة.
وكذا بالنسبة للسواد والبياض، ونفي اجتماع الضدين يدل على عدم الوضع للأعم الا ان يقال بان المشتق اعم، وانه لا مفهوم يستلزم الحصر بالتلبس بالحال، بمعنى ان المشتق موضوع للأعم ويحتاج الى قرينة زائدة لمعرفة ان المراد هو التلبس بالحال او انقضاء التلبس.
(76) شمول المشتق للأعم
والمراد المحقق الميرزا حبيب الله الرشتي في بدائعه بنفي التضاد بين الأوصاف المتقابلة المذكورة لنفي القول باشتراط التلبس في صدق المشتق ولتعليل القول بالأعم، وتعليقاً على الإستدلال فان مفهوم البياض يفنى عند طرو السواد فيكون الصدق مجازياً والا لزم تصادق المتضادين قال في البدائع: قلت : وهذا الإستدلال في غاية السقوط ونهاية الفساد لأن مفهوم ابيض على القول بعدم اشتراط بقاء المبدأ في صدق المشتق ليس مضاداً لمفهوم اسود، بل النسبة بينهما على هذا القول نسبة التخالف بطريق العموم

إن قلت : لعل ارتكازها لاجل الانسباق من الاطلاق ، لا الاشتراط . قلت : لا يكاد يكون لذلك ، لكثرة استعمال المشتق في موارد الانقضاء ، لو لم يكن بأكثر (77).
من وجه لا نسبة التضاد كما لا يخفى .
فالجسم العارض له السواد بناء على هذا القول مادة لإجتماع المفهومين فلا اشكال.
وقول الماتن من عدم الاشتراط، أي عدم اشتراط التلبس بل اطلاق المشتق وشموله للمعنى الأعم، والضمير في بينها عاقد للصفات كالقيام والقعود والبياض والسواد والعلم والجهل، ومباديها أي مبادئ الصفات.
(77) إطلاق المشتق لخصوص التلبس
لقد قال الماتن بان التضاد مترشح عما ارتكز في الأذهان من معاني الصفات ودلالالتها على نحو الحقيقة والصدق، لأن المجاز خلاف الأصل، ثم استحدث الماتن اشكالاً .
بقوله (ان قلت) ان الإرتكاز ليس بحجة لأنه اعم من ان ينحصر بالتلبس ولا يدل على الوضع فلعل ارتكاز التضاد متولد من الإنسباق الإطلاقي وليس من حاق( ) اللفظ واصل وضعه، أي ان التضاد لا يثبت الا بمقدمتين :
الأولى: من الوضع المخصوص وهو غير ثابت.
الثانية: انه وضع للمعنى الأخص وارادة التلبس دون غيره، ولكن التبادر الإطلاقي لا يدل بالضرورة على الوضع بمعنى عدم الملازمة بينه وبين الوضع لإحتمال النقل والتفاهم على اساس العرف .
ثم اتجه الماتن الى رد هذا الإشكال بقوله (لا يكاد يكون لذلك) أي ان الإرتكاز الذهني بين المتضادات ليس بسبب التبادر الإطلاقي لأن المشتق يستعمل في المنقضي عنه التلبس بل هو اكثر من حال التلبس .
وهذه الكثرة تمنع من انصراف الإطلاق الى خصوص حال التلبس، فلابد ان يكون احتساب حال التلبس دون غيره مبنياً على حاق اللفظ وانه موضوع لخصوص المتلبس بالمبدأ دونما انقضى عنه.
والضمير في (ارتكازها) عائد للمضادة بين الصفات فهذه المضادة لا تدل على التعدد في وضع المشتق لأنها أمارة على الإطلاق وهي فرع الإنسباق الإطلاقي الذي هو اعم من الوضع لأن الاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز وكثير من الأسماء الموضوعة لمعنى جامع تستعمل بأزاء فرد خاص منها بلحاظ مقدمات الحكمة لوجود قدر متيقن في مورد التخاطب.
والمشتق في اطلاقه ينصرف الى خصوص المتلبس، وهذا لا يدل على انه وضع له دون ما انقضى عنه التلبس، فاجاب الماتن بالرد على هذا الإشكال بان المشتق يستعمل في موارد الإنقضاء بصورة كثيرة وشائعة مما ينفي دعوى الإنصراف الى المتلبس.
ومع عدم ثبوت الإطلاق كعلة للإنسباق يبقى عندنا اشتراط وضعها لخصوص المتلبس، أي ان الماتن اعتمد طريقة السبر والتقسيم، فبعد اثبات ان الإطلاق ليس علة لإرتكاز التضاد، فانه يعني اشتراط التلبس وليس القول بالأعم، ولأن التلبس المطلق اعم من التلبس الفعلي، ولكن الإنسباق من الإطلاق لا يدل على التضاد خاصة وان الإطلاق اعم من الوضع.
وهناك مفهوم مردد بين عدة مصاديق على نحو الإجمال، كما في مفهوم اليوم وهو يبدأ من طلوع الفجر او من طلوع الشمس على اختلاف بين الاصطلاح الشرعي والطبيعي ، والأول هو المختار.
فلو بدء الإنسان عمله عند طلوع الشمس، فعند ترك مقدار الفجر الصادق وبدأ من المفهوم الثاني للفجر فهل يبقى مفهوم اليوم عليه لأن الشك ليس في الفرد الخارجي بل في تعيين المعنى الذي ينطبق عليه اللفظ

إن قلت : على هذا يلزم أن يكون في الغالب أو الاغلب مجازا ، وهذا بعيد ، ربما لا يلائمه حكمة الوضع . لا يقال : كيف ، وقد قيل : بأن أكثر المحاورات مجازات . فإن ذلك لو سلم ، فإنما هو لاجل تعدد المعاني المجازية بالنسبة إلى المعنى الحقيقي الواحد . نعم ربما يتفق ذلك بالنسبة إلى معنى مجازي ، لكثرة الحاجة إلى التعبير عنه . لكن أين هذا مما إذا كان دائما كذلك فافهم(78).
فالشك في بقاء المفهوم وتردده بين ما هو مقطوع الإرتفاع، وما هو مقطوع البقاء.
وهذا الموضوع قريب من مبحث المشتق الا ان الأصوليين لم يقفوا عنده طويلاً بل اكتفوا بذكره في ذيل مسألة استصحاب الكلي.
وقد تتعدد المعاني المجازية او يكثر استعمال معنى مجازي معين حتى يشيع وينتشر ويزيد على استعمال اللفظ في معناه الحقيقي ويسمى بالمجاز المشهور، وهذا لا يتعارض مع الأصل وهو الإستعمال الحقيقي للفظ، فقد تكون الحاجة لكثرة استعمال المجاز طارئة.
(78) تعدد المجازات بالنسبة للحقيقة الواحدة
ويرد على هذا المبنى ان اكثر استعمال اللفظ يكون في حالات المجاز والإنقضاء، وليس الحقيقة إذ ان الإستعمال الحقيقي يتعلق بحال التلبس بالمبدأ واستعمال اللفظ في المجاز على نحو الكثرة والغلبة خلاف حكمة الوضع التي تعني وضع اللفظ للمعنى الذي تكثر الحاجة اليه في المحاورات والتخاطب.
بمعنى ان المجاز امر عرضي طارئ، فلو كان المعنى المجازي محتاجاً اليه لوضع له اللفظ بالأصل .
وكثرة المجازات تدل على الحاجة اليها مما يعني ان المشتق يستعمل في المعنى الأعم من المتلبس بالمبدأ من غير منافاة بينه وبين الوضع بمعنى انه كما يكثر استعمال المجاز فكذا يطلق المشتق على المعنى الأعم .
وبعد ان ذكر الماتن الإشكال قال ان هناك فرقاً بين الاستعمال الحقيقي والاستعمال المجازي، فالأول دائمي، والآخر اتفاقي أي ان الاستعمال المجازي وان كثر فانما هو اتفاقي لأنه عبارة عن استعمال للفظ في غير ما وضع له وهو على اقسام :
الأول : المجاز في الكلمة بوجود وجه مشابهةبين المعنى الحقيقي والمعنى المستعمل فيه.
الثاني : المجاز في الإسناد كما في قولهم (جرى النهر) انما الجريان للماء ، وفي قوله تعالى بخصوص أهل الجنة تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
يتسالم علماء التفسير بأن المراد جريان مياه الأنهار أي أنه من المجاز في الإسناد .
والمختار أن المراد على وجهين :
الأول : المفهوم أعلاه بجريان المياه في الأنهار التي هي أوعية لها .
الثاني : جريان وحركة ذات الأنهار وانتقالها حيث يسأل ويشاء أهل الجنة لحمل الكلام على ظاهره ، وما أذهب إليه باجتماع الحقيقة والمجاز في اللفظ الواحد إحياناً .
وإن قيل بأن القرآن يفسر بعضه بعضاً وقد ورد في ذم الذين كفروا مع كثرة النعم عليهم بقوله تعالى أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ.
وأن المراد جريان الماء في الأنهار ، فالجواب إنه قياس مع الفارق لأن النعم في الآخرة أعظم ، قال تعالى فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
وفي حديث الإسراء والمعراج ، قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (فاغتسلت في نهر الرحمة فغفر لي من ذنبي ما تقدم وما تأخر ثم أخذت على الكوثر حتى دخلت الجنة فإذا فيها ما لا عين رأت وما لا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وإذا أنا بأنهار من ماء غير آسن وأنها من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى)( ).
الثالث : المجاز في الحذف كما في قوله تعالى وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ أي اسأل اهل القرية.
فالمجاز لم يتوقف على وضع الواضع واذنه وترخيصه وتحديده للمعاني المجازية او تحديد وجوه الشبه بينها وبين المعاني الحقيقية بل يكفي توافق النفوس واستحسانها وميلها الى اطلاق اللفظ على معاني مستحدثة.
والمائز الذي جعله الماتن غير كاف، فكما يعترف بان اكثر استعمال اللفظ في المجاز فلماذا لا يكون استعمال المشتق في المجاز ايضاً خصوصاً وان موضوع المشتق كله مستحدث ومتأخر عن الوضع.
قلت: مضافا إلى أن مجرد الاستبعاد غير ضائر بالمراد، بعد مساعدة الوجوه المتقدمة عليه، إن ذلك إنما يلزم لو لم يكن استعماله فيما انقضى بلحاظ حال التلبس، مع أنه بمكان من الامكان، فيراد من جاء الضارب أو الشارب وقد انقضى عنه الضرب والشرب جاء الذي كان ضاربا وشاربا قبل مجيئه حال التلبس بالمبدأ، لا حينه بعد الانقضاء، كي يكون الاستعمال بلحاظ هذا الحال، وجعله معنونا بهذا العنوان فعلا بمجرد تلبسه قبل مجيئه (79).
الاول : فيما يتعلق بمادة الامر من الجهات ، وهي عديدة : الاولى : إنه قد ذكر للفظ الامر معان متعددة ، منها الطلب ، كما يقال ، أمره بكذا . ومنها الشأن ، كما يقال : شغله أمر كذا . ومنها الفعل ، كما في قوله تعالى : ( وما أمر فرعون برشيد)( ). ومنها الفعل العجيب ، كما في قوله تعالى : ( فلما جاء أمرنا ). ومنها الشئ ، كما تقول : رأيت اليوم أمرا عجيبا . ومنها الحادثة ، ومنها الغرض ، كما تقول : جاء زيد لامر كذا . ولا يخفى أن عد بعضها من معانيه من اشتباه المصداق بالمفهوم ، ضرورة أن الامر في ( جاء زيد لامر) ما إستعمل في معنى الغرض ، بل اللام قد دل على الغرض ، نعم يكون مدخوله مصداقه ، فافهم ، وهكذا الحال في قوله تعالى ( فلما جاء أمرنا ) يكون مصداقا للتعجب ، لا مستعملا في مفهومه ، وكذا في الحادثة والشأن . وبذلك ظهر ما في دعوى الفصول، من كون لفظ الامر حقيقة في المعنيين الاولين ، ولا يبعد دعوى كونه حقيقة في الطلب في الجملة والشئ ، هذا بحسب العرف واللغة(80).
(79) الخروج من حصول حالة المخالفة او التضاد على القول بالمعنى الأعم في المشتق يدفع الى التفصيل والقول بالمجاز فيما انقضى عنه التلبس وهو حسن وموافق للمشهور خصوصاً وأن الصفات المتقابلة كالضارب والنائم يقعان على موضوع وشخص واحد ومأخوذة من مبادئ متضادة وهما الضرب والنوم، فلو كان كل منهما حقيقياً لحصلت مخالفة لإجتماع.
(80) معاني الأمر
المقصد الأول : في الأوامر، وفيه فصول: المبدأ الذي انقضى التلبس به مع المبدأ الذي حصل التلبس به فعلاً في ذات واحدة، فلابد من مائز ومرتكز في الأذهان يفصل بينهما او قرينة تدل عليه بما يعني تعدد الرتبة فيكون التلبس في الحالة من افراد الحقيقة والذي انقضى عنه من المعنى المجازي.
جرت عادة الاصوليين بعد ذكر عدة مباحث لغوية كنوع مقدمة ، جعل مبحث الأوامر في بدايات مباحث علم الأصول او قل انها برزخ بينهما، إذ أن الأوامر ليست من المسائل الأصولية بناء على ما وضع كضابطة للمسألة الأصولية ككبرى لقياس ينتج حكماً كلياً فرعياً .
وعلم الرجال والتحقيق في نوع الخبر هل هو صحيح ام موثق ام حسن ام ضعيف، والإجماع على انه ليس من المسائل الأصولية بل يقع صغرى في مقدماتها.
ومبحث الأوامر لا يتعلق بحجية الظهور التي هي من المسائل الأصولية بل انه من مباحث اصل الظهور واثباته.
وقدم الماتن ما يتعلق بمادة الأمر (الألف، الميم، الراء) وذكرت سبعة معان لمادة الأمر ، وجاء بالأمثلة مع ان بعض الأمثلة يصلح لمعان اخرى غير التي تقابلها كما في الفعل، والشأن والشيء، لذا قال الماتن ان بعضها من اشتباه المصداق بالمفهوم، ولكنه أقرب الى تعدد المصاديق منه الى الإشتباه بين المصداق والمفهوم، لذا قال بعض شراح الكفاية انه بمعنى ما استعمل فيه لفظ (الأمر) مصداق لأحد هذه المعاني، لا انه مستعمل في مفهومه، وهذا التقريب لا يدل عليه ظاهر عبارة الماتن، وحتى الطلب فانه اعم من ان يكون مفاعلة بين شخصين فقد يكون طلباً وسعياً لبلوغ غاية او حاجة كطلب الماء.
وقد وقع الخلاف في تعدد معاني مادة الأمر هل هو من المشترك اللفظي ام من المشترك المعنوي، ومنهم من جعل الإشتراك اللفظي بين الأمر بمعنى الطلب وبين معنى الشأن لما يقال شغله أمر كذا، لتبادر كل منهما من اللفظ، ولكن الماتن اشكل عليه بان لفظ الأمر لم يستعمل في مفهوم الشأن حتى يعتبر من معانيه بل استعمل في مصداقه، أي ليس الشأن من المعاني الحقيقية للأمر، والأقوى ان الشأن من معاني الأمر، وان قياس الألفاظ لا يؤخذ بالدقة والتحليل العقلي كما في باب الفصل والجنس
وانه من المشترك اللفظي والمعنوي بحسب اللحاظ ومفردات معانيه، فالأمر تارة يكون انشائياً كما في الطلب، وتارة يكون خبرياً كما في الشأن والحادثة الا انه يدل على مفهوم عام وعنوان جامع لمعانيه التي يجمعها، وقولك (جئت لغرض كذا) يفهم الغرض والغاية من اللام.
ليبقى معنى الأمر هو الشأن والفعل والحاجة، ومنهم من قال انه مشترك لفظية واشكل على هذا القول ومنهم من جعله مشتركاً معنوياً بين الكل ومنهم من احتمل كونه مشتركاً لفظياً بين الطلب وباقي المعاني، وهو من المشترك المعنوي بين المعاني الأخرى عدا الطلب واستبعد المشترك اللفظي.
الجامع بين معاني الأمر
مع الاتفاق على وجود جامع بين معاني الأمر فقد اختلف في الجامع بين معانيه عدا الطلب، على اقوال :
الأول : الشيء.
الثاني : الفعل.
الثالث : الشأن.
الرابع : الشغل.
لقد حرص القائلون بالتفصيل على افراد الطلب , ويمكن ان يدخل بالإشتراك المعنوي بلحاظ جهتي وهوان مفاد وغاية الطلب فعل وشأن ما وان ترشح عن الإرادة والبعث سواء كانت الارادة التكوينية أو التشريعية، وان موضوع آلة الطلب هي القول أو الفعل أو الكتابة أو الإشارة، وكذا بالنسبة لموضوعه لأن الأمر يؤخذ بحسب صدوره من الفاعل.
فهو فعل ومن المشترك المعنوي ايضاً لإمكان تصوير الجامع .
والمفهوم العام الجامع بين الطلب والمعاني الأخرى للأمر، وقد يراد من الأمر الذوات والأعيان كما في عمومات لفظ الشيء، نعم يرد الأمر بمعنى الشيء أي ان المراد منه الذوات والجواهر، لذا اختار الماتن كون الأمر حقيقة في الطلب في الجملة والشيء لغة وعرفاً، وما لا يدخل تحت هذين العنوانين يكون مجازاً بلحاظ ان الشيء يدل على ذات ما، كما انه عام فيشمل ايضاً الصفات كالحسن والقبح والملكات كالعلم والكرم، والأفعال كالأكل والشرب والأعيان كالشجر والماء.
والطلب أيضاً متعدد فيشمل الطلب الوجوبي والندبي والطلب العبادي، والطلب بين العالي والداني من الناس، وتارة يعرف المائز بين معاني الأمر والمقصود منها بالأمارات والقرائن المقالية والحالية، ولا يعني هذا انه مفهوم كلي متكثر المعنى بحيث يشمل مصاديق كثيرة.

وأما بحسب الاصطلاح، فقد نقل الاتفاق على أنه حقيقة في القول المخصوص، ومجاز في غيره، ولا يخفى أنه عليه لا يمكن منه الاشتقاق، فإن معناه حينئذ لا يكون معنى حدثيا، مع أن الاشتقاقات منه ظاهرا تكون بذلك المعنى المصطلح عليه بينهم، لا بالمعنى الاخر، فتدبر (81).
(81) هل معاني الأمر من الحقيقة والمجاز
ويمكن الإشكال على ما في المتن من وجوه :
الأول : التقسيم الى حقيقة ومجاز أمر منفصل عن المعنى الإصطلاحي اذ ان الحقيقة والمجاز يتعلقان بأصل الوضع في الحقيقة واستعمال اللفظ في معنى آخر في المجاز لوجود وجوه للنسبة بينه وبين الحقيقة.
الثاني : عدم ثبوت الإتفاق على اعتبار لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص وهو صيغة (افعل) وانه مجاز في غيره.
الثالث : الإصطلاح الأصولي مأخوذ من اللغة، وفرع للمعنى الأعم من الحقيقة والمجاز والحقيقة اللغوية او الشرعية او العرفية، الا ان يثبت بأصل الوضع ان مادة الأمر موضوعة للقول المخصوص أي صيغة افعل ، وهذه الصيغة هي المراد من لفظ الأمر اصطلاحاً وهو امر لم يثبت، وعلى فرض ثبوته فلا موضوعية للإصطلاح في المقام لتقدم المعنى اللغوي الحقيقي رتبة على الاشتقاق والإستعارة.
نعم يمكن القول انه في الإصطلاح الأصولي يعني صيغة افعل وبذا لا يرد الإشكال الذي ذكره الماتن بخصوص الاستفادة اذ ان الإشتقاق لا يؤخذ من المعنى الإصطلاحي سواء كان جامداً كما في صيغة افعل لأن معناها ليس حدثياً، او على القول بان مبدأ الإشتقاق هو المصدر الذي هو معنى يدل على الحدث، واسم المصدر يدل على لفظ وهذا اللفظ يدل على الحدث.

وإنما المهم بيان ما هو معناه عرفا ولغة، ليحمل عليه فيما إذا ورد بلا قرينة، وقد استعمل في غير واحد من المعاني في الكتاب والسنة، ولا حجة على أنه على نحو الاشتراك اللفظي أو المعنوي أو الحقيقة والمجاز (82).
(82) معنى الأمر في القرآن
أي لو ثبت نقل الأمر من اصل الوضع واستعماله في القول المخصوص وقوله (لو ثبت النقل) أي النقل الى القول المخصوص والمعروف في علم المنطق ان المنقول هو استعمال اللفظ في معنى نقل له من معناه الحقيقي، فيدل على ان استعماله في القول المخصوص جاء متأخراً، وقد يكون استعمال مادة الأمر في الإصطلاح بالصيغة الخاصة .
والاشتقاق بلحاظ معنى آخر، وان المدار ليس على الإشتقاق انما على بيان معنى الأمر لغة وعرفاً بعد تحديده اصطلاحاً، وقد استعملت مادة “الأمر” في القرآن بمعاني متعددة من غير استقراء للإشتراك اللفظي او المعنوي او الحقيقة والمجاز فينصرف الى المعنى الخاص متحداً او متعدداً، بلحاظ القرائن ومناسبة المقام لحجية الظواهر ولثبوت تعدد معاني مادة الأمر.
ووردت مادة الأمر في القرآن أكثر من مائتي مرة بصيغة الاسم والفعل ، ومن معانيه في القرآن :
الأول : الدين ، وعقيدة التوحيد ، قال تعالى حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ.
الثاني : الأمر بمعنى الإلزام والتكليف ، قال تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا.
الثالث : القضاء وتنجز الفعل ، وفي التنزيل وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ.
الرابع : الوعد والموعود ، قال تعالى أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ.
الخامس : الشأن ، قال تعالى وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ.
السادس : فعل ماض ، قال تعالى إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ.
السابع : فعل أمر ، كما في قوله تعالى خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ.
وهناك من اوصل معاني لفظ الأمر الى أربعة وعشرين معنى منها التهديد والإمتحان والإختبار والتعجيز والإستهزاء والطلب الحقيقي، فهي دواعٍ لإيقاع النسبة بين المبدأ والفاعل كما لو كان ايقاعها بداعي الطلب.
ولا بأس بالإشارة في المقام الى النسبة بين الطلب والإرادة لأن الآمر هو فاعل مريد، لذا فمن صفاته تعالى الثبوتية انه مريد وعليه إجماع علماء الإسلام، وان اختلفوا في معنى الإرادة وهل هي نفس العلم ام علم خاص يتعلق بما في الفعل من المصلحة الباعثة على تحصيله من غير ان يتأثر الله سبحانه بمولدات هذه الإرادة .
وهل النسبة بين العلم والإرادة التساوي ام العموم والخصوص من وجه ام التباين.
وما ذكر في الترجيح ، عند تعارض هذه الاحوال ، لو سلم ، ولم يعارض بمثله ، فلا دليل على الترجيح به ، فلا بد مع التعارض من الرجوع إلى الاصل في مقام العمل (83).
ونسب الى الإشاعرة القول بالتغاير بين الإرادة والطلب، أي ان النسبة بينهما التباين وما وضع بازاء احدهما غير الذي وضع بازاء الآخر.
اما المعتزلة فقالوا بالإتحاد بينهما وان الإرادة نفس الطلب أي ان النسبة بينهما التساوي والخلاف صغروي.
(83) انتقل الماتن الى موارد الترجيح فيما اذا دار الأمر بين الاشتراك اللفظي او المعنوي، او الحقيقة والمجاز من الترجيح بالغلبة او الظن، وتقديم المجاز على الاشتراك او العكس.
وقال الماتن لابد مع التعارض من الرجوع الى الأصل في مقام العمل، وليس المراد الأصل اللفظي بل الأصل العملي كالإستصحاب والبراءة والاشتغال.
ولكن هناك خلط بين معاني اللفظ ومادة الأمر، وبين أصل الإشتقاق والوضع .
فمسألة الاشتراك اللفظي او المعنوي، او الحقيقة والمجاز ليس لها شأن كبير في المراد من اللفظ بل تتعلق بالمادة التي تدل على الحدث .
أما الهيئة فتعني الدلالة على نسبة المادة الى الفاعل، وفي الماضي تدل على تحقق الحدوث، اما في الفعل المضارع فتدل على التلبس به في الحال او المستقبل.
انتفاء التعارض في القرآن
ولا تصل النوبة الى الأصول العملية في موارد التعارض بل ان التعارض غير موجود في القرآن بين معاني اللفظ والأمر، فقد يستعمل اللفظ بارادة المعنى المتعدد منه من غير تعارض بينها، وبحسب التفسير والتأويل أي ان ذات اللفظ يستعمل في عدة معان، ويثبت التعدد او الإتحاد في المعنى بحسب تفسير الآية وتأويلها وسياقها.
فمثلاً قوله تعالى وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ والذي ذكره الماتن مثالاً لإرادة الفعل من لفظ (الأمر) فانه اعم وقد يراد منه شأن فرعون، والأمر أي الطلب وأوامر فرعون التي يصدرها في قتل المسلمين واستحياء نسائهم وجمع الجيوش للحاق بموسى عليه السلام وقومه ، وأمر بذبح شاة وقال لا يأكل كبدتها حتى يجتمع عنده ألف ألف حصان أي مليون سوى الإناث ، كما عن ابن عباس( ).
وايضاً الفعل العجيب كما في حكمه ومسألة موته غرقاً، وشأنه ايضاً وادعائه الربوبية وابتلاء وامتحان واستدراج فرعون بالملك .
ويمكن ان يراد منه الحادثة لكثرة الحوادث التي تدل على جهل وجحود وضلالة فرعون واعراضه عن الرسول موسى عليه السلام ، قال تعالى فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ.
والآيات التي جاء بها ودخوله وقومه النار خصوصاًَ لفظ (امر) في الآية يحتمل تعدد المعاني والمفاهيم قال تعالى إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ* يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ.
وتستلزم مباحث الأصول التفقه في علوم القرآن وعدم تطبيق النظريات المستقرأة من العلوم العقلية والتي لم تثبت كليتها واطلاقها على علوم القرآن، والاصل ان تكون علوم القرآن مصدراً للأصول، فعمومات قاعدة انتفاء التعارض في القرآن، تشمل الفقه والأصول وغيرهما.
الجهة الثانية : الظاهر اعتبار العلو في معنى الامر ، فلا يكون الطلب من السافل أو المساوي أمرا ، ولو أطلق عليه كان بنحو من العناية ، كما أن الظاهر عدم اعتبار الاستعلاء ، فيكون الطلب من العالي أمرا ولو كان مستخفضا لجناحه (84).
(84) الأمر من العالي إلى الأدنى
بعد بيان المعاني المتعددة للفظ الأمر جاءت الجهة الثانية لبيان اعتبار العلو في الأمر وفيه وجوه :
الأول : موضوعية العلو : أي يشترط في الأمر ان يكون من العالي الى الداني.
الثاني : عدم لحاظ العلو : فيصح الأمر اذا جاء الطلب من المساوي او من الداني إلى العالي.
الثالث : إنه حقيقة في الأول اعلاه، وفي الثاني مجاز، ويحتاج الى مؤونة زائدة وعناية.
الرابع : موضوعية الإستعلاء فلابد للعالي في الأمر من اظهار هيئة الإستعلاء سواء بصيغة الأمر، او بالقرائن، او بالتشديد، والتوكيد، والتهديد ونحوها، فالعالي اذا اصدر امراً خالياً من الإستعلاء فانه لا يتعدى الطلب والسؤال فلا يكون امراً على هذا المبنى.
الخامس : عدم اعتبار( ) الإستعلاء فيكون الطلب من العالي الى الداني امراً وان كان مستخفضاً لجناحه، ومجيء امره بصيغة الرجاء والتوسل والحث والترغيب، فالمعتبر في الأمر هو منزلة ومقام العالي دون التفات الى استعلائه واستدل عليه بالعرف والوجدان.
السادس : استحضار الإستعلاء احياناً، وعدم اعتباره احياناً اخرى بحسب القرائن والإمارات، فالعالي قد يأتي بطلب وهو لا يقصد الأمر وان
وأما إحتمال اعتبار أحدهما فضعيف ، وتقبيح الطالب السافل من العالي المستعلي عليه ، وتوبيخه بمثل : إنك لم تأمره ، إنما هو على استعلائه ، لا على أمره حقيقة بعد استعلائه ، وإنما يكون إطلاق الامر على طلبه بحسب ما هو قضية استعلائه ، وكيف كان ، ففي صحة سلب الامر عن طلب السافل ، ولو كان مستعليا كفاية (85).
كان عالياً كما هو بين الناس لأن العلو من الأمور المتزلزلة غير الثابتة وقد يأمر مستخفضاً لجناحه ، ولم يستحضر الإستعلاء ولكن القرائن تفيد الأمر لكفاية العلو.
السابع : اعتبار احد الأمرين اما العلو او الإستعلاء، اما جانب العلو فبين، فيتحقق العلو واقعاً، اما الإستعلاء فيلحظ بمفرده، كما لو طلب المساوي من مثله ولكن بصيغة الإستعلاء، وكذا بالنسبة للداني من العالي، فالعلو مفقود ولكن الإستعلاء موجود.
وقد ضعفه الماتن إذ أنه لا يصدق عليه أمر لموضوعية العلو في الأمر، لأن العقلاء لا يرضون للداني ان يأمر العالي، ويقبحون منه استعلاءه لمنافاته للواقع والعرف والوجدان.
(85) بين العلو والإستعلاء
أي لحاظ احد الأمرين العلو او الإستعلاء على نحو التخيير وليس بين العلو والإستعلاء التعيين، ولا تخلو العبارة من مسامحة، اذ ان المراد عدم كفاية الإستعلاء حصراً لصحة سلب الأمر عن طلب المستعلي غير العالي، وان مدار الأمر على العلو، اما الإستعلاء فهو فرع العلو وليس امراً مستقلاً ذا موضوعية في عناوين الأمر.
ثم ان العقلاء يذمون الطالب الأدنى اذا وجه امراً الى العالي بصيغة الإستعلاء ويوبخونه بالقول لِمَ تأمره؟ او ليس لك ان تأمره

الجهة الثالثة : لا يبعد كون لفظ الامر حقيقة في الوجوب ، لانسباقه عنه عند إطلاقه ، ويؤيد قوله تعالى [فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ] ( )وقوله صلى الله عليه وآله ( لو لا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك ) وقوله صلى الله عليه وآله: – لبريرة بعد قولها : أتأمرني يا رسول الله ( لا ، بل إنما أنا شافع ) إلى غير ذلك (86).
لأن العلو من شرائط الأمر عقلاً وشرعاً وعرفاً، وان الأدنى ليس له ان يوجه الأمر لمن هو اعلى منه .
وسيرة العقلاء والظواهر حجتان .
فلا اعتبار بالإستعلاء ان صدر من الداني والسافل الى الأعلى منه بل انه يكون محل توبيخ وتقبيح واستهجان من العقلاء، وقد لا يصدق عليه حينئذ انه استعلاء الا على نحو المجاز والعناية الزائدة وكأنه من اللغو العملي، فلا يصح القول بكفاية الاستعلاء لثبوت الأمر حقيقة، والاستعلاء وحده اذا كان صادراً من الأدنى الى الأعلى فلا يصدق عليه أنه أمر على نحو الحقيقة.
(86) وجوه صيغة الأمر
الأمر مركب من مادة وهيئة، وتأتي المادة بصيغة فعل الأمر او الماضي او المضارع وهي موضوعة بالوضع الشخصي، واما الهيئة فهي موضوعة للنسبة والإضافة والإرتباط لتكون عنواناً للمحاورة والبيان باعتبارها فرداً من المعاني الحرفية فالمادة تمثل النسبة الباعثية، ويكون المأمور مبعوثاً، والهيئة موضوعاً لنسبة هذه المبعوثية وايجاد المادة، وبحسب مفهوم الطلب ايجاد المادة فان صيغة الأمر تفيد وجوهاً محتملة :
الأول : الوجوب، لأصالة الإطلاق بلحاظ ان الإستحباب يحتاج الى مؤونة زائدة لما فيه من حصة اضافية وهي الإذن في الترك، بينما يكون الوجوب هو المتبادر من الطلب وصيغة الأمر.
الثاني : المعنى الأعم للوجوب والإستحباب لإشتراكهما في طلب الفعل، وان كلاً منهما مركب، ويلتقيان بالمنع من الترك والإذن فيه، وهما بعرض واحد من جهة الحاجة الى المؤونة الزائدة فلا يصح التمسك بالإطلاق لإثبات الوجوب .
والطلب فيهما من الكلي المشكك الذي له مراتب متعددة تتجلى بالشدة في الوجوب، والضعف والإسترخاء في الإستحباب .
وليس هناك نوع مغايرة بينهما فلا يتبادر الوجوب من الطلب واشكل على هذا القول بان شدة الطلب في الوجوب كافية للمائز وعدم الإشتراك مع الإستحباب، لأن الأخير عنوان ضعيف لا يقدر على الإشتراك مع الوجوب، ولكن هذا الإشكال ليس بتام لأنه لا ينفي المؤونة الزائدة في الإستحباب ولأن الإستعمال اعم من الحقيقة والمجاز والنقاش في الكبرى وهو المعنى الأعم.
الثالث : إرادة الإستحباب إلا مع القرينة التي تفيد الوجوب .
والمختار هو الأول أعلاه .
واستشهد الماتن بالآية الثالثة والستين من سورة النور لإفادة الأمر الوجوب على نحو الحقيقة، لأن التحذير يدل على الوجوب لوجود المقتضي للحذر.
ولكن الحذر في الآية لا يدل على الوجوب حصراً بل يفيد التنبيه واخذ الحائطة للدين وهو حسن عقلاً وشرعاً، والمخالفة التي تحذر منها الآية اعم من مخالفة الوجوب فتشمل مخالفة الإستحباب التي لا تعني الإذن في تركه بل الإتيان بخلافه، فالآية لا تثبت المدعى لذا لم يجعلها الماتن من الأدلة على قوله بل جعلها مؤيداً، والتأييد أدنى رتبة من الدليل.
وتمام الآية فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ تفيد التعرض للفتنة وهي من الكلي المشكك وتعني الإمتحان والإبتلاء، والآية تدعو لأخذ الحائطة للدين واجتناب الوقوع في الشبهات.
وذكر الماتن الدليل الثاني للقائلين بدلالة الأمر على الوجوب بالخبر: “لولا ان اشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة”( )، وبما ان استحباب السواك عليه الإجماع والنصوص فلابد ان الأمر هنا يدل على الوجوب.
ولكن الوجوب هنا يترشح من قرينة المشقة المانعة منه أي ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر بالسواك لما فيه من المشقة، ولو امر به لأصبح واجباً، ولبيان ان احكام الشريعة واوامرها من عند الله وخالية من المشقة وفي التنزيل يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.
حديث بريرة
استدل الماتن بحديث بريرة اذ انها كانت أمة لعائشة، وزوجها عبد اسمه مغيث فلما اعتقتها عائشة علمت بريرة بخيارها في نكاحها بعد العتق وارادت عدم تجديد عقد النكاح مع زوجها، فاشتكى زوجها الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
فقال لها : ارجعي الى زوجك، فانه ابو ولدك وله عليك منة، فقالت: يا رسول الله اتأمرني بذلك ، فقال: لا انما انا شافع( ).
وتقريب الإستدلال ان نفيه صلى الله عليه وآله وسلم للأمر بالرجوع يدل على المرتكز في الأذهان من دلالة الأمر على الوجوب فلذا قال صلى الله عليه وآله وسلم : انا شافع ، للتمييز بين الأمر والشفاعة.
وفيه مسائل :
الأولى : المراد بالأمر هنا الحكم الشرعي بمعنى ان بريرة تقول هل على كل من تفارق زوجها عند العتق ان ترجع اليه.
الثانية : الظاهر ان بريرة سمعت حقها في عدم الرجوع من الصحابة وبعد قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ارادت ان تعرف الحكم الشرعي من فيّ رسول الله.
الثالثة : الحديث لا يدل على استعمال الأمر في الوجوب لأن الشفاعة اعم، وهي تتعلق بالوجوب والإستحباب والإباحة ، فحينما يخرج الوجوب بالتخصص لا يبقى الإستحباب وحده مفاد الشفاعة.
الرابعة : لقد جاء جواب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبريرة حكماً شرعياً للأمة عبر أجيالها المتعاقبة والى يوم القيامة.
الخامسة : قد يرد الجواب في القضية الشخصية، ولكن المراد منه تأسيس او تثبيت قاعدة كلية وحكم فرعي وهو ان المرأة اذا اعتقت انفسخ زواجها من العبد.

وصحة الاحتجاج على العبد ومؤاخذته بمجرد مخالفة أمره ، وتوبيخه على مجرد مخالفته ، كما في قوله تعالى[قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ] ( ) وتقسيمه إلى الايجاب والاستحباب ، إنما يكون قرينة على إرادة المعنى الاعم منه في مقام تقسيمه ، وصحة الاستعمال في معنى أعم من كونه على نحو الحقيقة ، كما لا يخفى (87).
(87) دلالة الأمر على الوجوب
استشهد الماتن بسيرة العقلاء لإثبات دلالة الأمر على الوجوب، بعد ذكر الآية القرآنية والحديثين الشريفين فان مؤاخذة العبد على عدم استجابته لأمر المولى يدل على كون الأمر حقيقة في الوجوب.
لقد قصد الماتن أمرين معاً :
الأول: ظهور الأمر في الوجوب.
الثاني: نشوء الوجوب من وضع اللفظ للأمر وهو مراده في قوله “لا يبعد كون لفظ الأمر حقيقة في الوجوب” وليس من ملازمة بين الظهور العرفي وبين حقيقة الوضع فقد يفيد الإستعمال معنى معيناً من غير ان يكون هذا المعنى هو المراد في اصل الوضع.
كما استشهد الماتن بذم وتقبيح فعل إبليس، ومؤاخذته على تركه الإمتثال لأمره تعالى في السجود لآدم، فلو كان هناك اذن في ترك السجود لما توجه له اللوم ونزل عليه العقاب من عنده الله تعالى.
ولما جاء التوبيخ لإبليس بالسؤال الإستنكاري عن المانع الذي حال دون استجابته للأمر، وقد يشكل عليه بان نواميس السماء لها خصوصية تختلف عن نواميس وأحكام الأرض ، قال تعالى قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ.
وحقيقة الأمر متحدة لحجية ظواهر الألفاظ ولأن الآيات نزلت مبينة وجاءت لإفهام بني آدم والمسلمين وكونها اصلاً لإشتقاق القواعد الكلية لعلم الكلام والأصول وغيرهما.
الأمر بين الوجوب والإتحباب
لقد ذكر الماتن تقسيم الأمر الى الإيجاب والإستحباب وانه موضوع للجامع بينهما فكل منهما قسيم للآخر مع وجود مقسم لهذه الأقسام، ولكنه قيده في مقام التقسيم بلحاظ القرينة وليس على نحو دائم، وبين ان صحة الإستعمال في معنى اعم من كونه على نحو الحقيقة .
وقد يكون استعمال لفظ الأمر في المعنى الأعم حقيقة فكذا يمكن القول ان استعماله في الوجوب لا يدل على الحقيقة ، لقانون الإستعمال اعم من الحقيقة والمجاز، ويبقى عنده الإحتجاج بالوضع ، ودونه خرط القتاد.
والمدار على ظهور الأمر عرفاً وليس اثبات الوضع ونشوئه من حاق اللفظ، فاثبات الوضع ليس سهلاً والثمرة منه في المقام شبه معدومة.
وليس من دليل على ان استعمال اللفظ في القرآن والسنة وأيام النزول كان منحصراً بلحاظ اصل الوضع التعييني بل الأصل فيه هو الوضع التعيني الا ان يدل دليل على الوضع التعييني وجعل الواضع اللفظ دالاً على المعنى. 
وأما ما أفيد من أن الاستعمال فيهما ثابت، فلو لم يكن موضوعا للقدر المشترك بينهما لزم الاشتراك أو المجاز، فهو غير مفيد (88).

(88) القائل بالمعنى الأعم للأمر افاد بان ثبوت استعمال الأمر في الإستحباب بعرض واحد مع الوجوب مما يدل على ان كلاً منهما قسيم للآخر من غير حاجة للإستعانة بقرينة زائدة لدلالة الأمر على الإستحباب، لإنتفاء الإشتراك اللفظي الذي هو خلاف أصل الوضع .
كما انه اذا كان حقيقة في احدهما فهو مجاز في الآخر، والمجاز متفرع عن الأصل، ومع عدم ثبوت انه حقيقة في احدهما ومجاز في الآخر يتعين وضع الأمر لجامع الطلب .
ورد الماتن هذا القول بانه غير مفيد لأنه عند تعارض الأحوال من الحقيقة والمجاز، والإشتراك اللفظي او المعنوي وما قيل من ترجيح المجاز عند التعارض مع الإشتراك او غلبة الإشتراك المعنوي فان الترجيح هنا استحساني ولا يفيد الظن المعتبر، ما دام لا يوجب الظهور العرفي في معنى خاص ولإختلاف المقامات ولحاظ القرائن، واثر الأصل العملي كالإستصحاب والبراءة والإشتغال اذا لم يكن هناك ظهور له حجية.
أصالة ظهور اللفظ
لقد أراد الماتن تأكيد حقيقة وهي ان المدار على ظهور اللفظ في احد الأحوال، لأن الظهور مقدم على المرجحات التي ذكرها الأصوليون للرد على ما افاده القائل بالمعنى الأعم واستعمال اللفظ فيه والدلالة على وضعه له أي للمعنى الأعم .
لقد رد الماتن القول بان مجرد الإستعمال في الجامع ليس حجة على وضع لفظ الأمر لجامع الطلب .
وقلنا ان المدار على الظهور العرفي وليس اصل الوضع في الجملة خصوصاً مع تعذر معرفة اصل الوضع ، وظاهر كلام الماتن الملازمة بين
والاستدلال بأن فعل المندوب طاعة ، وكل طاعة فهو فعل المأمور به ، فيه ما لا يخفى من منع الكبرى ، لو أريد من المأمور به معناه الحقيقي ، وإلا لا يفيد المدعى (89).
الجهة الرابعة: الظاهر أن الطلب الذي يكون هو معنى الامر ، ليس هو الطلب الحقيقي الذي يكون طلبا بالحمل الشائع الصناعي ، بل الطلب الانشائي الذي لا يكون بهذا الحمل طلبا مطلقا(90).
الوجوب واصل الوضع.
(89) وهذا وجه آخر من ادلة ارادة المعنى الأعم للطلب، وهو ان المستحب طاعة وفاعله ممدوح وحينما يؤتى به يصدق عليه انه امتثال للأمر، وهو برهان يفيد الإشتراك المعنوي والعنوان الجامع للأمر.
واشكل عليه الماتن من انعدام الكبرى وعدم ثبوتها وهي وضع الأمر للجامع، لتكون كل طاعة فعلاً للمأمور به على نحو الحقيقة، اما لو كان الإستعمال مجازياً في المندوب فلا يثبت المدعى.
(90) بين الإرادة والطلب
ومنهم من اشكل على تقسيم الإرادة والطلب الى الواقعي والإنشائي لأن الإرادة كيفية نفسانية لا تصلح للإنشاء باعتبار ان الإنشاء عبارة عن الإيجاد، والماتن ملتفت الى هذا الإشكال اذ اعترف بالإنفكاك بين الإرادة الحقيقية والطلب المنشأ بالصيغة الكاشفة عن مغايرتهما وقال (وهو مما لا محيص من الإلتزام به)، وقال انه لا يتعارض ولا يضر بدعوى الإتحاد اصلاً وكأن الماتن قسم الطلب والإرادة الى وجوه :
الأول : الطلب الحقيقي.
الثاني : الطلب الإنشائي.
الثالث : الإرادة الحقيقية.
الرابع : الإرادة الإنشائية.
وقال ان المغايرة بين الطلب الإنشائي والإرادة الإنشائية او بين الإرادة الحقيقية والطلب الإنشائي لا تضر بالبحث لأن موضوعنا هو الطلب الحقيقي والإرادة الحقيقية وهما ليسا متغايرين.
لقد قام الماتن بتقسيم كل من الطلب والإرادة الى عدة اقسام ثم جعل المغايرة في بعض اقسامهما بلحاظ قصد الإصطلاح والمعنى، فكل منهما ينحل الى :
الأول : الوجود الحقيقي.
الثاني : المفهوم.
الثالث : الوجود الإنشائي.
فيكون الإتحاد بالأصل والعينية، وتكون المغايرة بين الطلب الإنشائي والمعنى الحقيقي للإرادة.
لأن الغالب في الطلب هو انشاؤه، وارادة اتيانه من قبل الغير أما حقيقة الإرادة فهي العزم والقصد وما سمي بالكلام النفسي.
ومال بعض الأصوليين كالخونساري الى القول بالتغاير بين الطلب والإرادة، ولابد من رجوع مباحث علم الكلام الى القرآن والسنة وقول المعصوم.
معنى الإرادة
مسألة الإرادة من أهم المسائل الكلامية وكثرت فيها اختلافات المتكلمين وتعددت اتجاهاتهم واقوالهم والنزاع بينهم في اكثره نزاع صغروي ولفظي، فقد اختلفوا في الإرادة على وجوه :
الأول : انها صفة زائدة على الذات.
الثاني : عين الذات.
الثالث : انها فرع العلم بالأصلح والنظام الأحسن.
الرابع : انها من عوارض الذات كما تبدو في الإرادة الإنسانية.
الخامس : انها أول مخلوق لله، ومنها تفرعت وتشعبت المخلوقات الأخرى.
السادس : انها من صفات الفعل.
والإرادة لها معنيان :
الأول : الحب .
الثاني : العزم على اتيان الفعل .
والحب عند الإنسان كيفية نفسانية تتعدى قدراته، وهي عنوان رغباته وطموحاته وميله بحسب غلبة النفس الشهوية أو الغضبية وأثر العقيدة والهدى في توجيه الإرادة.
لكن معناها بالنسبة لله عز وجل يختلف عنه في الماديات والأرواح الحيوانية والإنسانية ذات الوجود الممكن التي تشعر بالحاجة الى الغير دائماًُ.
فصفات الله تعالى عين ذاته، وارادته سبحانه غير مسبوقة بالتصور او التصديق او الميل النفسي.
لذا قالوا ان الإرادة من صفات الذات، وانها تعني الحب الإلهي ، وكأنها عين الذات، فواجب الوجود منزه عن الأعراض والكيفيات النفسانية وبلحاظ الأثر وتوجه الأمر ودلالتها على قدرة الله تعالى يمكن احتسابها صفة فعلية واضافية كالخلق والرزق والتدبير خصوصاً مع موضوعية القيود الزمانية والمكانية والحدوث والكثرة، وهي ايضاً فرع الحب الإلهي ودلالة عليه لأنه سبحانه يحب الخير والكمال.
فالإرادة بلحاظ تعلقها بأفعاله الإختيارية صفة ذاتية، اما بالنظر لتعلقها بالأفعال والموجودات الخارجية فهي بالتبع.
البرهان اللمي والبرهان الإني
يتعلق الحب الإلهي بالأصالة بذاته المقدسة، اما تعلقه بمخلوقاته فبالتبع، لذا يتجلى فيها بديع صنعه وصفة الكمال والحكمة والنظام الأحسن مع بقاء المخلوقية والإمكان .
وقد اطلق الفلاسفة اصطلاح (العناية) على الصفة التي تتغشى النظام الأحسن ولإثبات ان نظام الوجود هو الأحسن والأمثل بطريقين:
الأول البرهان اللمي.
فالله سبحانه محب للخير والكمال وعلى القول بأن صفاته عين ذاته لذا فان نظام الكون الذي جاء بارادته ومشيئته سبحانه هو أفضل نظام وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، الموجود والمعدوم وهو العالم بالنظام الأحسن، والقادر على كل شيء، فابتدع الوجود على افضل حال وهو الواسع الكريم الذي لا يبخل بشيء ولا تنقص خزائنه.
والبرهان اللمي هو الإستدلال بالعلة على المعلول .
الثاني : وهو البرهان الإني.
فالتدبر في المخلوقات وما فيها من التمام والكمال والأسرار والمنافع يدل على انها النظام الأحسن، ولا يضرها المخلوقية والإمكان بل انهما يزيدان العالم جمالاً وبهجة لما يدلان عليه من قدرة الصانع وبديع خلقه وعظمته، ومبحث اتحاد الطلب والإرادة الذي عليه الإمامية والمعتزلة او تباينهما كما عليه الأشاعرة بحاجة الى تنقيح في عناوينه.
فقد يحدث احياناً خلط اثناء التحقيق بين :
الأول : إرادة الفاعل.
الثاني : إرادة الآمر، فالآمر غير الفاعل وان احتاج كل منهما الى ذات المقدمات للإتيان بالفعل الإختياري ولابد من التمييز بين ارادة واجب الوجود، وارادة الإنسان المختار للتباين بينهما.
الكلام صفة فعلية
الله تعالى متكلم ، وهو سبحانه يتكلم متى شاء وكيف شاء ، ومن شواهد القرآن في المقام تكليم الله عز وجل لآدم قبلاً وتكليم الملائكة ، ومنه قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ.
وقيل الكلام صفة ذاتية فعلية ، فهي صفة ذاتية بلحاظ الأصل ، وصفة فعلية بلحاظ آحاد الكلام .
وقد اتفق علماء الإسلام على انه تعالى متكلم واختلفوا في مقامات :
الأول : الطريق الى ثبوت كون الله تعالى متكلماً، فقال الأشاعرة انه العقل ، وقال المعتزلة أنه السمع لقوله تعالى وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا واليه مال الإمامية والحق هو الطريقان معاً.
الثاني : عن المعتزلة ان كلام الله تعالى اصوات وحروف قائمة بغيره لا بذاته فهو تعالى قادر على كل شيء وهو الذي يجعل الكلام في الأشياء.
الثالث : عن الحنابلة والكرامية( )، انه اصوات وحروف قائمة بذاته تعالى، وعبارة عن حروف واصوات مركبة تركيباً مفهماً.
الرابع : عن الأشاعرة ان كلام الله ليس من جنس الأصوات والحروف بل هو معنى قائم بذاته يسمى الكلام النفسي الذي يعبر عنه بالعبارات المختلفة وهو مغاير للعلم وليس بحرف ولا صوت ولا امر ولا نهي ولا خبر ولا استخبار.
الخامس : اختلفوا في الكلام هل هو قديم أم حادث، وقال الأشاعرة بقدم المعنى وقالوا الحنابلة بقدم الحروف.
وقالوا انه ليس بارادة ولا علم وانما الإنشاء بالطلب والمنع، وان الطلب صفة قائمة بذاته والكلام قديم، فلا يكون هو الطلب الإنشائي لان الكلام اللفظي ليس بقديم .
واشكل عليه بانه لو كان الكلام قديماً لزم تعدد القدماء، وهذا الإشكال غير تام لان القائل بقدم الكلام لا يكون امراً منفصلاً عن الذات المقدسة، وكأنه في هذه المسألة يقول بان صفاته عين ذاته، لأن غرض الأشاعرة من القول بالكلام النفسي هو دفع وهم، ولاثبات أن الله تعالى ليس محلاً للحوادث، وان الطلب قديم قائم بذاته تعالى للتسالم بين المتكلمين بأن الله تعالى ليس محلاً للحوادث .
فكون الشيء محلاً للحوادث يدل على انه حادث ومتغير، وكل متغير ممكن، وحينئذ لا يكون الطلب عندهم هو الإنشائي، لأن الطلب الإنشائي ليس بقديم فهو امر مترجل الى الخارج في حينه وبلحاظ اسبابه ومناسبته فهو كصدور الإلفاظ فالتكلم ليس من صفات النفس لأنه انشاء وفعل مترجل الى الخارج وقد التزموا بان الطلب صفة قائمة بذاته تعالى.
الجملة الخبرية
اما بالنسبة للخبر والجملة الخبرية فقالوا ان الكلام هو العلم بثبوت النسبة او عدم ثبوتها بين طرفيها وهما الموضوع والمحمول، وقال الماتن (من ذهن او خارج كالإنسان نوع او كاتب).
والمراد من الذهن هو المعقولات الثانية التي موطنها الذهن كالنوعية والجنسية، اما الكتابة فهي مما ثبت في الخارج كالمشي والأكل ونحوهما، ومفاد كلامه (قدس سره) ان الجملة الخبرية لا تدل الا على ثبوت النسبة بين طرفيها او عدمها في ذات الأمر، ولا تدل على العلم بالثبوت ولكنه عند واجب الوجود لا ينفصل عن العلم به لأن علمه عين ذاته.

لا يخفى أنه ليس غرض الاصحاب والمعتزلة، من نفي غير الصفات المشهورة، وأنه ليس صفة أخرى قائمة بالنفس كانت كلاما نفسيا مدلولا للكلام اللفظي، كما يقول به الاشاعرة، إن هذه الصفات المشهورة مدلولات للكلام إن قلت: فماذا يكون مدلولا عليه عند الاصحاب والمعتزلة ؟ قلت : أما الجمل الخبرية ، فهي دالة على ثبوت النسبة بين طرفيها ، أو نفيها في نفس الامر من ذهن أو خارج ، كالانسان نوع أو كاتب وأما الصيغ الانشائية، فهي على ما حققناه في بعض فوائدنا موجدة لمعانيها في نفس الامر ، أي قصد ثبوت معانيها وتحققها بها ، وهذا نحو من الوجود ، وربما يكون هذا منشأ لانتزاع اعتبار مترتب عليه شرعا وعرفا آثار ، كما هو الحال في صيغ العقود والايقاعات (91).
(91) الكلام النفسي
لقد أراد الماتن التقريب بين قول المعتزلة والأشاعرة وهو صلح لا يرضاه الطرفان بلحاظ ادلة الأشاعرة، ولكن فكرة التقريب وتقسيم الطلب والإرادة امر حسن لوحدة الموضوع في تنقيح المناط وللإجماع على أن الله تعالى متكلم وانه سبحانه ليس محلاً للحوادث، لذا فان النزاع صغروي .
لقد انكر المعتزلة الكلام النفسي، والكلام اما ان يكون خبراً واما انشاءً، وليس في الخبر صفة زائدة في النفس، بل انه مركب من الموضوع والمحمول والنسبة بينهما، وكذا بالنسبة للإنشاء كالتمني والترجي والاستفهام والنداء فليس فيه صفة زائدة تسمى الكلام النفسي، فقد ذكرت صفات الله تعالى وليس فيها صفة الكلام النفسي.
والمراد من الكلام النفسي هو المعاني القائمة بالنفس التي تدل عليها الألفاظ ، وهو غير العبادات وكأن الكلام اللفظي مرآة له ، وتتغير العبادات ولكن الكلام النفسي قائم بالذات غير متغير ، ولا يختلف باختلاف العبادات والدلالة .
والمراد من الصفات غير المشهورة الكلام النفسي والتمني والترجي ونحوها فلا دليل على وجود صفة الكلام النفسي كمدلول للكلام اللفظي، فاذا كان الإمامية والمعتزلة ينفون الكلام النفسي فما هو المدلول على الكلام اللفظي والجملة الخبرية وثبوت النسبة بين طرفيها وهما الموضوع والمحمول كما في حال الإيجاب ونفيها بينهما كما في حال السلب .
بمعنى ان الجملة الخبرية لا تحتاج الى الكلام النفسي ومدلول دال عليها، بل انها بذاتها تتضمن تلك الدلالة، وان ذهب الأشاعرة الى القول بان نسبة احد طرفي الخبر الى الآخر قائمة بنفس المتكلم بصفة غير الإرادة لأنه قد يخبر عما لا يعلمه او يشكه، وقد يأمر بما لا يريده كما في حال اختبار السيد لعبده، او المعتذر الذي يقول افعل ما شئت، وهو لا يريد من المخاطب ان يفعل شيئاً او يقتص منه ولكن لرفع اللوم.
نعم ادراك النسبة في باب التصور والوجود الذهني يحتاج الى العلم النظري والدلالة العقلية وهو امر خارج الأخبار واثبات النسبة كما ان الجملة الإنشائية تأتي بصيغة ايجاد مفاهيمها في الذهن والخارج وهذا من أسرار استعمال الألفاظ أزاء المعاني المخصوصة في باب المجاز والمنقول .
لذا تترتب على اللفظ أحكام كالأمر والنهي، وعقود كالبيع والصلح والنكاح، وايقاعات وغير ذلك من الآثار الشرعية والعرفية.
لقد استدرك الماتن بان الصيغ الإنشائية وان افادت المعنى المقصود منها بالدلالة المطابقية مثل صيغة الاستفهام والتمني والترجي فانها تدل بالدلالة الإلتزامية على ثبوتها في النفس وانها موضوعة لإيقاعها وانشائها، وان الداعي لصدورها ثبوت تلك الصفات في النفس، فكلمة التمني (ليت) انما هي مترشحة عن ميل وتمنِ لذلك الشيء وكذا الترجي والاستفهام فانها أمور تدل على وجود تلك الصفات في النفس.
فالجملة الخبرية لا تدل على ثبوت النسبة في النفس وكذا بالنسبة للإنشائية فانها لا تدل دائماً على ادراك المتكلم وسبق التصور، فبعد ان ابطل الماتن القول بان مداليل الألفاظ مطابقة للصفات والكلام النفسي اعترف بكون الصفات النفسية مدلولة للكلام اللفظي بالدلالة الإلتزامية سواء بالوضع او الإطلاق .
بلحاظ ان انشاء الطلب كاشف عن قيامه في النفس اما وضع ايقاعه أي الدلالة الإلتزامية العقلية الوضعية او لأجل الإطلاق وانصراف اللفظ اليه.
الاستدلال ببيت شعر وردنا عليه
ولابد من التفصيل والبيان ومنع الخلط والإرباك، فالإرادة عند واجب الوجود تختلف عن الإرادة عند الإنسان والمخلوق فالله سبحانه لا يفكر ولايهم ولا يتصور.
وقد ذكر الماتن قول الشاعر :
إنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا … جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلًا
وبيت الشعر هذا استدل به بعض الأشاعرة على الكلام النفسي كما في الشوارق وان هناك صفة قائمة بالنفس غير الإرادة واللفظ يدل عليها، وان النفس فيها صفة تسمى الكلام يدل عليها اللفظ وهو حاك لها.
والبيت للشاعر الأخطل ابي مالك غياث بن غوث (9 – 90) للهجرة (640 – 708) م وهو من بني تغلب ونشأ في اطراف الحيرة بالعراق، وتهاجى مع جرير والفرزدق، وتقرب الى الأمويين واكثر من مدحهم، وصار شاعرهم ، والإستدلال بهذا البيت الشعري غير تام لوجوه :
الأول : جهة الصدور فهو لم يصدر عن نبي او معصوم، وليس بحجة ولم يصدر عن مسلم، فالأخطل نشأ على المسيحية.
الثاني : لا يدل على المدعى بالكلام النفسي، وان الطلب صفة زائدة في النفس غير الإرادة.
الثالث : الشعر لا يكفي للإستدلال في علم الكلام، فحجته في اللغة ومعاني الألفاظ ، وتلك الحجة تأتي من الشعراء في الجاهلية في الغالب ممن لم يخالط لسانهم المولدين.
الرابع : مراد الشاعر الأخطل هو الإنسان وكلامه وجوانحه ولا يقصد البحث الكلامي وكلام الله سبحانه.
الخامس : الشاعر يذهب في أحيان كثيرة الى المعنى المجازي، والى الحس والوجدان، والخيال، والمثال، ومع طرو الاحتمال يبطل الاستدلال.
السادس : لا يعتمد الشاعر دائماً الإلتزام بالحقائق والقواعد الكلية فقد يقصد في شعره قضية في واقعة.
السابع : يدل قوله تعالى وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ*أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا، على التحذير والإنذار من اتباع الشعراء ، واتخاذ كلامهم حجة ودليلاً .
ولم يرد لفظ (يتبعهم) (يهيمون) في القرآن إلا مرة واحدة في الآيات أعلاه.
وورد لفظ (الغاوون) بصيغة الرفع مرتين ، احداهما في الآية أعلاه ، والأخرى في بيان سوء عاقبة الغاو بقوله تعالى فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ.
كما ورد أربع مرات بصيغة النصب والجر (الغاوين) في موضوع ذم الذين يتبعون الشياطين ، والمراد من الغاويين الضالون عن الصراط وطريق الرشد عن سفاهة .
بحث منطقي
تتعلق مواضيع علم المنطق بالافكار والتدبر لذا عرف المنطق بوجوه :
الأول : علم قوانين الفكر .
الثاني : العلم الذي يدرس صورة الفكر لا مادته .
الثالث : آلة تعصم الذهن من الخطأ .
الرابع : علم التفكير الصحيح.
نعم يتعرض للإلفاظ كونها رموزاً للمعاني وصيغ لسانية وضعت لإفادة المعاني وبيانها، فيحتاج التعرض للألفاظ ببيان دلالتها.
والدلالة هي ما يتوصل بها إلى معرفة الشئ ، كدلالة الألفاظ على المعاني ، ويسمى الدال والدليل دلالة.
لأن اللفظ الدال على معنى يلزم منه العلم بشيء آخر، وهو المدلول ويحتاج علم الأصول يحتاج تعريفات علم المنطق فيما يخص الألفاظ والدلالة وغيرها.

الفهرس
المقدمة 3
ترجمة صاحب كفاية الأصول 10
فيوضات الحمد لله 13
م/ عدم جواز كتابة (باسمه تعالى) بدل البسملة او حذف إسم الجلالة من الأسماء مثل(عبد ا…) 15
أقسام مباحث الأصول 17
أسباب خلاف الفقهاء 18
بين الحقيقة والمجاز 20
موضوع كل علم 22
السنة المصدر الثاني للتشريع 24
المصالح المرسلة 25
الأصول الأربعة ليست بمرتبة واحدة 26
علم الفقه 29
المقولات العشرة 30
مثال للمقولات العشرة 32
مسائل كل علم 34
أقسام العوارض 36
غاية وثمرة علم الأصول 36
الأدلة السمعية 38
بين المسألة الأصولية والمسألة الفقهية 39
أطراف الوضع 41
تعدد معنى الوضع في آية قرآنية 42
المشترك اللفظي 44
)قانون الإبتداء بالبسملة 48
النسبة بين البسملة والتسمية 51
قانون الحمد بعد البسملة 53
(7)موضوع علم الأصول 56
تعريف علم الأصول 57
مسائل خارج التعريف 59
بين الحد والرسم 60
المحل على قسمين 61
أقسام الموضوع 61
أقسام الواسطة 63
بين العرض الذاتي والقريب 64
تمايز العلوم 66
العلم سور لمسائله 68
تمايز العلوم بلحاظ الأغراض 70
تداخل مسائل العلوم 72
المبادئ التصورية والتصديقية 73
نظريات الوضع 74
مثال للمشترك اللفظي 75
الحاجة إلى الوضع 77
دلالة الألفاظ على معانيها 79
الواضع للغة 80
كيفية الوضع 83
تعليم آدم اللغة 86
خلافة الإنسان في الأرض 87
لغة الخلافة 88
عربية القرآن 89
نظرية التعهد 91
نظرية الاعتبار 95
الوضع التعييني 96
الوضع التعيني 97
أقسام الوضع 97
الهوهوية 99
الوضع العام 100
حاجة الحرف إلى موضوع 104
النسبة بين الاسم والحرف في الإستعمال 106
المعنى الإخطاري والإيجادي 107
مقارنة بين الإخطار والإيجاد 108
بين الإخبار والإنشاء 110
علامات الحقيقة والمجاز 111
أصالة الحقيقة 112
المجاز 115
بين الوضع والطبع 119
استعمال المجاز بالطبع 121
استعمال اللفظ في المعنى 122
أقسام الدلالة 124
استقلال العلقة بين اللفظ والمعنى 127
الوضع العام 129
لا أصل لتسمية ابن سينا رئيس العقلاء 130
قانون التبادر 132
أحوال اللفظ 134
الحقيقة الشرعية 136
الأقوال في الحقيقة الشرعية 141
هل الحقيقة الشرعية برزخ بين الحقيقة والمجاز 143
تعيين المعنى الشرعي 145
العلاقة بين الكل والجزء 147
التشبيه 148
المصطلحات الشرعية 149
تأريخ الألفاظ الشرعية 152
الأصل المثبت 154
أصالة عدم النقل 154
ألفاظ العبادات للصحيح أم للأعم منه 156
ثمرة بحث الصحيح والأعم منه 158
النقل من المعنى اللغوي إلى الشرعي 160
الملازمة بين الصحة والامتثال 164
قضاء العبادة 165
ألفاظ المعاملات 167
وحدة الأثر 169
وضع الألفاظ للمعنى الأعم 173
وضع ألفاظ العبادات 179
أقسام الوجود 180
الاصطلاح بين الشرع والعرف 183
اللفظ بين الصحيح والفاسد 186
الوضع عام والموضوع له خاص 187
الإجمال في الطلب 188
مقدمات الحكمة 189
الاستقلالي والارتباطي 190
التبادر 193
إرادة الصحيح من اللفظ 195
أصل الوضع للصحيح 198
اللفظ الجامع للصحيح والناقص 200
دلالة التقسيم على وجود مقسم 202
استدلال القائل بالأعم 203
حديث دعي الصلاة أيام اقرائك 204
قسما الفقه 206
وضع ألفاظ المعاملات للصحيح 208
بين العقد الشرعي والعرف 208
نشأة المشترك اللفظي 209
وجوه في المشترك اللفظي 212
المجمل 213
أقسام المجمل 213
أجمال الإجمال 216
المشترك اللفظي والنقل 218
المشتق 219
معنى المشتق نحوياً 220
أقسام المشتق الأصولي 222
مصطلح المشتق 224
موارد معنى المشتق 225
إتصال التلبس 227
قسما الممكن 228
بين الفعل والمصدر 230
مسألة فقهية في المشتق 231
أفراد الزمان والمشتق 235
تعريف الزمان 237
المشتق في علم النحو 239
الاسم غير المسمى 240
دلالة الأفعال على الزمان 241
النهي عن المنكر خير محض 242
الفرق بين الاسم والحرف في اللفظ 249
تلبس الذات بالمبدأ 252
أقسام التلبس 253
انقضاء تلبس الذات بالمبدأ 255
الأصل اللفظي 257
أصالة العموم 258
نقاط خلاف في المشتق 259
الإستدلال بالتبادر في المشتق 261
الوجوه المحتملة في المشتق 261
الأقوال في المشترك اللفظي 262
الفرق بين الإشتراك اللفظي والمعنوي 263
صحة السلب وعدمها 264
المراد من صحة الحمل 264
الحمل البسيط والمركب 266
شمول المشتق للأعم 268
إطلاق المشتق لخصوص التلبس 269
تعدد المجازات بالنسبة للحقيقة الواحدة 271
معاني الأمر 275
الجامع بين معاني الأمر 276
هل معاني الأمر من الحقيقة والمجاز 278
معنى الأمر في القرآن 279
انتفاء التعارض في القرآن 281
الأمر من العالي إلى الأدنى 283
بين العلو والإستعلاء 284
وجوه صيغة الأمر 285
حديث بريرة 287
دلالة الأمر على الوجوب 289
الأمر بين الوجوب والإتحباب 290
أصالة ظهور اللفظ 291
بين الإرادة والطلب 292
معنى الإرادة 293
البرهان اللمي والبرهان الإني 294
الكلام صفة فعلية 295
الجملة الخبرية 297
الكلام النفسي 298
الاستدلال ببيت شعر وردنا عليه 300
بحث منطقي 301

رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد
4691 لسنة 2024