تخطّي إلى المحتوى

لسماحة المرجع الديني
الشيخ صالح الطائي دام ظله

الزهراء سيدة النساء – الجزء الأول

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة
الحمد لله فاطر السماوات والأرض وله الشكر على نعمه التي تترى قال الله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا .
وصلى الله على خاتم النبيين وســيد المرســلين محمــد البشــير النذير الذي جعله الله رحمة لأهل الأرض في أجيالهم المتعاقبة، وعلى آله الطيبين الطاهرين الذين تمتد بانوارهم وجوه عديدة من تلك الرحمة والفيض السماوي , فقد جعلهم الله عدلاً للقرآن, وركناً للإسـلام, وركيزة للإيمـان فكانوا ولا زالوا أبواباً للهـداية وحجباً عقائديـة عن الضـلالة، يستظهر الناس على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم في سيرتهم الشريفة دروساً في الأخلاق والســمو والرفعة وبناء النــفس الإنســـانية بناء صــحيحاً يتناسب مع اسـرار التكوين وغايات الخلق وحكمة الحياة في النشأتين، فهم الدعاة الى الله عز وجل , وكانت سيرة كل واحد من اهل البيت عليهم السلام صفحة مباركة في التركيبة الإجتماعية والسياسية والعقائدية للمجتمع بالإسلامي.
وأخذ كل مسلم يدرك ضرورة التزود من معارف آل محمد وعلومهم وتلمس آثارهم في محاولـة السعي لإقتفائهـا والإجتهاد في اتباع نهجهم المقدس في عالم الدنيا الذي لم ينظروا اليه الا باعتباره دار انتقال وميدان ابتلاء وطـريقاً لبلـوغ الغايات الأخـروية الدائمة والنعيم الخالـد، فكـان عملهـم وسلوكهم تفسيراً وبياناً وتطبيقاً لآيات القرآن الكريم وحملاً جهادياً للوائه وتعاهداً مقصوداً لأحكامه وسننه، ومن اللطف الإلهي أن يجد المسلم والمسلمة نفسيهما منقادينً الى التدبر في دراسة سيرة اهل البيت عليهم السلام, وتتبع اخبارهم بشوق يعكس ذلك الرصيد الخـفي من نزعة الإيمان التي منّ الله بها علينا فجعلها في نفوســنا لرؤية موارد الهدى وسبل الرشاد والإعانة على اتخاذها دورباً في العمل والقول ومسالك النجاة والفوز في الدارين، قال تعالى[فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ] ( ).
لقد كانت الزهراء أمة في ميادين المعارف الإنسانية وعالم الزهد والتقوى والصبر , واختطت للناس جميعاً ولمعاشر النساء خاصة دروباً مضيئة في مسالك العبادة، وطرق الهدى وجعلت عيون أهل الإيمان ترى ابواب الجنة مفتحة , والطريق اليها معبداً والتنعم بالحياة بلذة التنسك واقعاً ملموساً، وروح السكينة بالإطمئنان الى القرب من رحمة الله تعالى باداء الفرائض واتيان الصالحات نافذة وعلى السلوك ظاهرة.
كانت الزهراء توأم الإسلام، واعدادها ونشأتها ميدان مبادئه في اطار الأسرة وعنوان أسس التشريع فيما يخص المرأة وموقعها في تركيبة المجتمع الإسلامي، ولا يمكن تصور تلك الوظيفة وعظمة شأنها وحساسية خطورتها من دون اعتبار للأحوال السائدة في المجتمعات القبلية المشركة آنذاك، اذ تتغشى الملأ روح الإزدراء من الحضور النسوي , ويظهر الإشمئزاز منذ الساعة الأولى لولادتها، قال تعالى وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ .
فكانت شخصية الزهراء مدرسة للأسر الإسلامية واربابها وركناً من أركان صرح التوحيد الخالد ومرتكزاً من مقومات مناهجه المتداخلة المتكاملة.
لقد أجمع المسلمون على إجلال الزهراء وتفضيلها ولا ترى بينهم من لا يدخر لها آيات المودة ويعلن عن اكرامها، ولعل الوقت اصبح مناسباً للبحث المستفيض عن الزهراء عليها السلام والجوانب المختلفة لسيرتها الطاهرة ومعالم حياتها وجهادها المتصل في مؤازرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولتثبيت دعائم الإسلام بحثاً يتناسب ومقامها السامي وروح العصر وظاهرة تعدد فروع العلم وابواب المعرفة .
وكانت تلك السيرة نعمة على أهل الأرض وذات منافع معينة , وأهل الإيمان أولى من غيرهم بها, وبالإستفادة من قواعدها وصيغها وتوظيفها في جلب المصلحة ودفع المفسدة, وكشف الصفحات المشرقة في تأريخ نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبيان وجوه العظمة في مسيرة رجاله وقادته ومنهم الزهراء عليها السلام، اذ يتجلى تسليط الأضواء على سيرتها وتحليل معالم جلالها ورفعة مقامها صورة حية لواقع المرأة في الإسلام والجانب القويم في صيغ النظر اليها والتعامل معها، وفيه منافع انتزاعية اخرى تتعلق باستنباط الدروس والعبر لصالح المرأة المسلمة في العالم المعاصر حيث تقاربت الحضارات وتزاحمت القيم والأفكار في مباراة تكاد تكون يومية مع سعتها مكانياً وشمولها لكثير من بقاع الأرض والأمصار.
ودخلت المبادئ ميدان اختبار مستحدث تملي ضروراته واصوله على المسلمين عامة ورجال الفكر منهم خاصة بذل الوسع والمواظبة على تعظيم الشعائر, وبيان وجوه الحكمة في الشريعة الإسلامية , وتكامل الشخصية الإسلامية بما اكتنزته من العقيدة الخالدة وجسدته في ايامها من الحياة الدنيا، وللزهراء عليها السلام في هذا الباب نصيب وافر , وتكون دراسة حياتها ضمن معالم ومضامين الواقع العلمي العالمي حاجة عقائدية ومناسبة مباركة للتوكيد وبلغة العصر على رجحان مبادئ الإسلام وسننه ورد كريم على ألسنة التضليل، وحصانة ضد حملة الإفتراء في ميدان نظرة الإسلام الى المرأة.
ودراسة حياة الزهراء عليها السلام واستنباط الأحكام منها سلاح كريم لدخول العولمة ومواجهة المفاسد العرضية المصاحبة لها، وفيها إشراقات ومعراج الى التقوى، وطرد للأخلاق الذميمة وتحلية بالصفات الحميدة واستيلاء لسلطان المعرفة على نفس المرأة واخراجها من ظلمات الجهل والغفلة وسبل الغواية والغي والهوى، اذ ان طرق الضلال متكثرة وسبل الشيطان للنفاذ الى النفوس متعددة، ولكنها واهية، قال تعالىإِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا.
ويتصف طريق الحق بالجلاء والبهاء والإستقامة ويتمثل بالسيرة النبوية التي هي تفسير عملي للقرآن.
وسيرة الزهراء عليها السلام رشحة منها واظهار للمعارف الإلهية، وايمان بالحقائق الربانية وسياحة في عالم الملكوت وإجتهاد ورياضة في جنب الله، وفيها خطاب للبصائر وترغيب بالتقوى، وكما كانت أم أبيها فهي أم الفضائل وأم الأئمة، وهي المصداق النسوي الكريم الذي أشار اليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الثقلين المتواتر والمشهور عند المسلمين ” إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي”( ).
لقد جاءت النصوص باستحباب قراءة المرأة لسورة النور، وهذا التخصيص يمكن أن يكون دليلاً لإستنباط وترغيب النساء بدراسة حياة الزهراء كما يحتاج الرجال التدبر بها للإتحاد في الخطابات الشرعية، وهي زينة عالم المرأة وكمال معارفه في هذه النشأة كطريق ومنزل من منازل السفر إلى الحق، وأسوة طاهرة ,ولا تجد تناقضا أو إختلافا في لزوم اتباعها ومحبتها وإكرامها، فكل مسلم ومسلمة هو من شيعة فاطمة عليها السلام [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي] .
وقد أنعم الله عز وجل علينا بصدور مائتين وأربعة وأربعين كتاباً من كتابناً الموسوم (معالم الإيمان في تفسير القرآن) وتقع في سورة البقرة وشطر من سورة آل عمران، وكلها قوانين وقواعد إستنباط من المضامين القدسية لذات آيات القرآن ومناهج وعلوم لم يشهد لها التأريخ مثيلاً ، كما مبين أدناه :
سياحة في أجزاء (معالم الإيمان)
يتضمن هذا السِفر الخالد والحمد لله وجوهاً :
الأول : تفسير آيات القرآن ابتداءً من آيات سورة الفاتحة ثم سورة البقرة ثم سورة آل عمران ، وقد صدر الجزء السادس والثلاثون بعد المائتين منه في تفسير الآية 191 من سورة آل عمران , وهو قوله تعالى الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
كما تضمن مصاديق أخرى من التفسير :
الثاني : دراسات قرآنية : وصدر فيها: الجزء الخامس ، الجزء السادس .
الثالث : مفاهيم قرآنية : وصدر بخصوصه الجزء التاسع عشر والجزء العشرون من هذا السِفر .
الرابع : الصلة بين آية وآية قرآنية أخرى ، أو شطر آية بشطر من آية أخرى ، ومن هذه الأجزاء :
أولاً : الجزء الرابع والثمانون ويختص بصلة الآية110 بالآيات 101-109 من سورة آل عمران.
ثانياً : الجزء الخامس والثمانون ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 94-102 من سورة آل عمران.
ثالثاً : الجزء السادس والثمانون ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 85-93 من سورة آل عمران.
رابعاً : الجزء السابع والثمانون ويختص بصلة الآية110 بالآيات 78-84 من سورة آل عمران.
خامساً : الجزء الثامن والثمانون ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 70-77 من سورة آل عمران.
سادساً : الجزء الثالث والتسعون ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 64-69 من سورة آل عمران.
سابعاً : الجزء العشرون بعد المائة ويختص صلة الآية (152) بالآية (151) من سورة آل عمران.
ثامناً : الجزء الثاني والعشرون بعد المائة ويختص بالقسم الأول من تفسير 153 وبصلة شطر من الآية153 بشطرمن الآية 151 من سورة آل عمران.
تاسعاً : الجزء الخامس والعشرون بعد المائة ويختص بالقسم الأول من تفسير الآية 154 وبصلة شطر من الآية بشطر من الآية 153 من سورة آل عمران.
عاشراً : الجزء الرابع والأربعون بعد المائة ويختص بصلة شطرمن الآية 161 بشطر من 164 من سورة آل عمران.
حادي عشر : الجزء السادس والثمانون بعد المائة ويختص بالصلة بين الآية 180 والآية 181 من سورة آل عمران .
الخامس : الأجزاء الخاصة بقانون (لم يغز النبي (ص) أحدا) وهي :
(159-160-161-163-164-165-166-167-169-171-172-173-175-176-177-178-182-185-188-192-200-208-212-218-226-228-238).
السادس : الأجزاء الخاصة بقانون (التضاد بين القرآن والإرهاب) وقد وقد ذكرت الأجزاء الخاصة بهذا القانون في المقدمة ، وعددها أربعة عشر جزءً.
السابع : الأجزاء الخاصة بقانون (آيات السلم محكمة غير منسوخة) وصدرت بخصوصه تسعة أجزاء هي (202-203-204-210-211-231-240-241-242) وآخرها الجزء السابق وهو الثاني والأربعون بعد المائتين .
الثامن : أجزاء (النزاع المسلح بين القرآن والإرهاب) وصدرت بخصوصه الأجزاء (220-221-222-225-227) .
التاسع : تفسير بعض آيات القرآن بأكثر من جزء من جهات :
الأولى : تفسير قوله تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، في أربعة أجزاء هي (89-90-91-92).
الثانية : تفسير قوله تعالى وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ، بثلاثة أجزاء هي (96-97-98).
الثالثة : تفسير قوله تعالى هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، في خمسة أجزاء هي (101-102-103-104-105).
الرابعة : تفسير نداء الإيمان [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] في ستة أجزاء ، وهي الأجزاء (131-132-134-137-138-139).
العاشر : إحصاء قوانين هذا السِفر في الأجزاء :
أولاً : الجزء التسعون بعد المائة ويتعلق باحصاء القوانين في الأجزاء (1-118) ويتضمن نحو ألفي قانون .
ثانياً : الجزء التاسع والتسعون بعد المائة ويتعلق باحصاء القوانين في الأجزاء (119-148) ويتضمن نحو ألف وثمانمائة قانوناً .
ثالثاً : الجزء التاسع عشر بعد المائتين ويتعلق باحصاء القوانين في الأجزاء (149-180) ويتضمن نحو ألفي وسبعمائة قانون .
رابعاً : الجزء التاسع والثلاثون بعد المائتين ويتعلق باحصاء القوانين في الجزء (181- وما بعده.
الحادي عشر : فهارس أجزاء التفسير في الجزء (189-213-229) .
[قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ].

الولادة المباركة
لقد كانت ولادة الزهراء عليها السلام آية تكوينية وعنواناً للصلة بين دار الإختبار ومنازل البقاء لبيان التوفيق في العمل، ودليلاً على التداخل بين العالم العلوي والعالم السفلي وخضوعهما معاً لمشيئة الله تعالى، وهي البشارة الكريمة للإرتقاء الروحي والجسدي للإنسان في عالم الملكوت بافاضات النبوة واشعاعات مدرسة الرسالة، وفيها بيان لفضله تعالى على المسلمين والمسلمات، وتوثيق وتوكيد لصدق نبوة الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وثناء عليه واكرام وتشريف له يترشح على أهل بيته للدلالة على منزلتهم في تعاهد أحكام الشريعة وحفظ لواء الإسلام.
فقد روي بالاسناد عن الهروي عن الإمام الرضا عليه السلام قال: “قال النبي صلى الله عليه وآله وســلم: لما عــرج بي الى السـماء اخذ بيدي جبرئيل عليه السلام فأدخلني الجنة فناولني من رطبها فأكلته فتحول ذلك نطفة في صلبي فلما هبطت الى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة، ففاطمة حوراء انسية فكلما اشتقت الى رائحة الجنة شممت رائحة ابنتي فاطمة”( ).
لتتجسد البركة وتنزل على اهل الأرض سحائب اليمن بولادة فاطمة الزهراء فتشرق ربوع الأرض مبتهجة بهذا النور الذي اراد الله له ان يكون مبعثاً للإيمان والعز والفضيلة، وفخراً متجدداً على الدوام لعموم المسلمين، فاتصال رحمته تعالى وحضورها في جميع جوانب الكيانات الأساسية للبناء العام لمجتمعاتهم وهياكل أسسها، اذ تفضل تعالى بجعل الجوهر الأساسي لشخص الزهراء من موجودات الجنة ليكون نبراساً للفضيلة وفيضاً ملكوتياً مباركاً.
وقد روى الحديث عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام وعن ابي سعيد الخدري وابن عباس وعن عائشة انها قالت: “قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما اسري بي الى السماء ادخلت الجنة فوقعت على شجرة من اشجار الجنة لم أرّ في الجنة احسن منها ولا أبيض ورقاً ولا أطيب ثمرة، فتناولت من ثمرتها فاكلتها فصارت نطفة في صلبي فلما هبطت الى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة رضي الله عنها فاذا اشتقت الى ريح الجنة شممت ريح فاطمة( ).
وتأتي روايـة علل الشرائع متناسـبة مع الأقوال المتباينـة في تـأريخ ولادة فاطمة الزهراء مما بعد البعثة الشريفة، لخلوها من التحديد الزماني والموقع المكــاني لتلك الأكــلة المباركة، فقد جاء عن القطان عن السكري عن الجوهـــري عن ابن عمارة عن ابيه عــن جابر عن ابي جعفر الإمام الباقر عليه الســلام عن جــابر بن عبد الله قال: “قيــل يا رسول الله انك تلثم فاطمة وتلتزمها وتدنيها منك وتفعــل بها ما لا تفعلـــه بأحد من بناتك؟ فقال: ان جبرئيل عليه السلام أتاني بتفاحة من تفاح الجنة فاكلتها فتحولت ماء في صلبي ثم واقعت خديجة فحملت بفاطمة فانا أشم منها رائحة الجنة”( ).
إنها عناية سماوية وبداية مباركة لنشأة الزهراء السامية تحث على التدبر الفكري للتأمل واستنباط الدروس الموضوعية والحكمية الكريمة في المقام ووجوه المنافع فيها سواء تلك التي تتعلق بشخصية الزهراء عليها السلام او بأهل البيت خاصة او تتغشى عموم المسلمين والمسلمات، وما يرتبط مباشرة باولئك الذين عاصروا الزهراء وشاهدوا تلك الحياة القدسية التي تنبعث منها أنوار الزهد والتقوى لتملأ جوانحهم وأركان حياتهم إذ لم تكن كرامة التكوين محصورة في مراحل الولادة والنشأة، فالله واسع كريم يأبى الا ان تكون رحمته متصلة دائمة تتغشــى في بقائها ما هو خارج دائرة الحدوث وان كانت ذات أفراد الله عز وجل لولادة الزهراء ان تبقى مناراً للأجيال وفخراً للإسلام وهو فرد مبارك في أسباب تفضيلها على من تقدمت في زمانها ممن إصطفى الله كمريم بنت عمران عليها السلام.
وكان اليوم العشــرون من شــهر جمادي الآخـــرة هــو يوم ولادتها عليها السلام ,و نسبه صاحب البحار الى كتاب حدائق الرياض للشيخ المفيد , وكتاب دلائل الإمامة لمحمــد بن جـــرير الطــبري وهو الارجح والمشهور , وفي كتاب مصباح الكفعمي ذكر ان اليوم كان يوم الجمعة وهو عنوان إكرام اضافي، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: خير أيامكم يوم الجمعة.
وقيل انها ولدت في آخر جزء من ليلة الجمعة وهي من أفضل الساعات وفيها يستجاب الدعاء، وكما أختلف في تاريخ الاسراء اختلف في سنة ولادة الزهراء على اقوال:
الأول : ذكرت بعض الروايات انها ولدت سنة خمس من المبعث، عن عبد الله بن جعفر وسعد بن عبد الله، وعن ابراهيم بن مهزيار عن اخيه علي بن مهزيار عن الحسن بن محبوب عن هشام بن سالم عن حبيب السجستاني قال سمعت ابا جعفر الباقر عليه السلام يقول: “ولدت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخمس سنين ولها ثماني عشرة سنة وخمسة وسبعون يوماً”( ).
الثاني : ولدت لسنتين مضتا من المبعث النبوي، اختاره الشيخ المفيد، وذكر ان جميع اولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولدوا قبل الإسلام الا فاطمة وابراهيم فانهما ولدا في الإسلام( )، وفيه نوع تشريف للزهراء عليها السلام.
الثالث : جاءت الرواية عن جابر بن عبد الله تحكي جملة من التواريخ ذات الموضوعية الخاصة في حيـاة اهل البيت ونسيج ايامهم فقد روي عنه انه قال: “ما رأيت فاطــمة تمشـي الا ذكرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تميل على جانبها الأيمن مرة وعلى جانبها الأيســر مرة، وولدت فاطمة بمكة بعد النبوة بخمس سنين وبعد الاسراء بثلاث ســـنين في العشــرين من جمـادي الآخرة واقامت مع أبيها بمكة ثماني سنين، ثم هاجرت معه الى المدينة فزوجها من علي بعد مقدمها المدينة بســنتين اول يوم من ذي الحجة، ودخل بها يوم الثلاثاء لســت خلون من ذي الحجـة بعد بدر وقبض النبي ولها يومئذ ثماني عشــرة ســنة وسبعة أشهر وولدت الحسن ولها اثنتا عشرة سنة( ).
الرابع : قال ابو الفرج: كان مولد فاطمة عليها السلام قبل النبوة وقريش حينئذ تبني الكعبة، وكان تزويج علي بن ابي طالب اياها في صفر بعد مقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبنى بها بعد رجوعه من كتيبة بدر ولها يومئذ ثماني عشرة سنة حدثني بذلك الحسن بن علي، عن الحارث عن ابن سعد عن الواقدي عن ابي بكر بن عبد الله بن ابي سبرة عن اسحاق بن عبد الله ابي فروة، عن جعفر بن محمد بن علي عليه السلام( ).
وفي أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ابن اسحاق: فاما القاسم والطيب والطاهر فهلكوا في الجاهلية، واما بناته فكلهن ادركن الإسلام، فاسلمن وهاجرن معه صلى الله عليه وآله وسلم( ).
ولكن الروايات وردت بما يفيد بان القاسم مات بعد البعثة النبوية رضيعاً وان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل على خديجة بعد موت القاســم، وهي تبكي فقالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَرَّتْ لُبَيْنَةُ الْقَاسِمِ فَلَوْ كَانَ اللَّهُ أَبْقَاهُ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ رَضَاعَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِنَّ تَمَامَ رَضَاعِهِ فِى الْجَنَّةِ. قَالَتْ لَوْ أَعْلَمُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَهَوَّنَ عَلَىَّ أَمْرَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم- إِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ تَعَالَى فَأَسْمَعَكِ صَوْتَهُ . قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَلْ أُصَدِّقُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ”( )، وروي عن الزبير، وبه يستدل على ان وفاة القاسـم لم تكن في ايام الجاهلية هذا بالإضافة الى ان الزهراء عليها السلام اصغر بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
والمختار هو الأول أعلاه والمنسوب وبالإسناد للإمام الباقر عليه السلام.
وسيأتي مزيد كلام في كتابي الموسوم (التجلي والشهود) في الربط والتقارب الزماني بين معجزة الإسراء وولادة فاطمة عليها السلام , وأن ليس بينهما إلا مدة الحمل المبارك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكل ثمرة في الجنة ثم هبط وواقع خديجة فكانت فاطمة عليها السلام .
وسيبقى يوم ولادة الزهراء عليها السلام رمزاً لاكرام المرأة والعز والفخر، ومناسبة كريمة لإظهار عز المرأة بالإسلام فقد كانت ولادتها وشخصها الكريم منعطفاً في تأريخ المرأة حيث تعطلت عندها كل أسباب الإضطهاد والتعسف التي كانت تمارس ضد جنس المرأة وكانت مضامين الإكرام الذي تتلقاها من لدن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعوة نوعية عــامة لإكــرام المرأة وإعطـائها حقوقها الشرعية والأخلاقية والإنسانية.
لذلك يقتضي فن الإنصاف ان يكون يوم العشرين من جمادي الآخرة يوماً للمرأة مطلقاً والمسلمة خاصة تتجسـد فيه رعاية الإسلام للمرأة وانقاذها من احوالها المتردية وشبح القتل ايام الولادة واهوال السبي والرق، وما رسخه الإسلام من قواعد عقائدية وتشريعية حالت دون استحداث وجوه جديدة لإضطهاد المرأة داخل البيت بالإضافة الى ما شيده من صرح خالد لحقوق المرأة في كافة الميادين، وكانت الزهراء عليها السلام رائدة هذا المضمار بما اولاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الإجلال والمنزلة الرفيعة وما كانت تحمله من سجايا ملكوتية تكامل فيها الخلق الكريم وصفات التقوى لتكون حجة رسالية على الملأ في استحقاق المرأة المؤمنة الشأن الرفيع وتلك الحقوق.

النشأة الكريمة
النشـــأة هـي التربيـة والإعـــداد في الصغر، وبدايـات توجـيه أنماط السـلوك وظهور المعالم الأولية لخلق الصبي بما يتلقاه من الآداب ورياضة النفس.
لقد حبى الله عز وجل فاطمة الزهراء بكرامات عديدة , منها ان نشأتها ذات خصوصيات مباركة تنمو فيها مداركها باطراد فائق فتكسب المعارف الدينية والإنسانية من أيام صباها لتكون مؤهلة لحمل عناوين الأسوة والريادة، بالإسناد عن ابن عباس قال: “لم تزل فاطمة تشب في اليوم كالجمعة وفي الجمعة كالشهر وفي الشهر كالسنة، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مكة الى المدينة وابتنى بها مسجداً وأنس اهل المدينة به وعلـت كلمته وعرف الناس بركته وسار اليه الركبان وظهر الإيمان ودرّس القرآن وتحدث به الملوك والأشراف وخاف سيف نقمته الأكابر والأشراف، وهاجرت فاطمة مع امير المؤمنين ونساء المهاجرين وكانت عائشة فيمن هاجر معها فقدمت المدينة فانزلت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أم أبي أيوب الأنصاري.
وخطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ســودة بنت زمعة وتزوجها في السنة العاشرة في مكة بعد وفاة خديجة عليها السلام , وكان زوج سودة السكران بن عمرو من مهاجري الحبشة ومرض ومات عنها .
ثم تزوج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الرابعة للهجرة أم سلمة .
فقالت ام سلمة: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفوض أمر ابنته اليّ فكنــت اؤدبها وكانت والله أأدب مني واعرف بالأشياء كلها( ).
والرواية تظهر صغر سنها عليها السلام آنذاك وهي شهادة كريمة لما تتصف به الزهراء من العلم والأدب والحكمة منذ ايام صباها، فقد كانت مستعدة لتحمل المسؤوليات الكبيرة التي ألقيت على عاتقها كما ان المحن التي واجهتها منذ أيامها الأولى وتصديها لها ووقوفها الى جانب أبيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم مجاهدة صابرة مؤمنة ومؤازرة جعل الجميع ينظر لها بهيبة واجلال واكبار.
لقد كانت نشأة الزهراء عليها السلام البداية العملية لعز المرأة فانها مناسبة وركن اساسي في تخليص الرجل من اعباء ظلمه للمرأة وآثاره السلبية المتراكمة وتأسيس وبيان للمفاهيم الممهدة لبناء الأسرة وفق قيم الإسلام في المجالات الإجتماعية والإخلاقية، وبما يعود بالنفع على الرجل ذاته مباشــرة بصفته الشــخصية وبعنوان الأبوة وما يتعلق بمطلق صفة الفردية ويصلح المجتمعات ويساهم في البناء الفكري والعقائدي للأجيال المتعاقبة.
لقد جعل الله عز وجل من ولادة الزهراء عليها السلام حجة للمسلمين ومناسبة كريمة لدرء الإفتراء عليهم بخصوص حقوق المرأة في هذا الباب الذي يتعمد أهل الريب والعداء فتحه وإثارة الشبهات المتعلقة بحقوق المرأة في الإسلام، فكانت ولادتها نبراساً يبين عظيم منزلة المرأة في الإسلام، كما ان اكرامها واجلالها من عموم المسلمين في كل زمان والى يومنا هذا رد عملي حاضر على تلك الإفتراءات، فمما يلتقي فيه المسلمون بجميع مشاربهم حبهم للزهراء عليها السلام وشخصها الكريم وحرصهم رجالاً ونساء على الإقتداء بسيرتها وسمتها وتسمية الأنثى من اولادهم بأحد أسمائها تبركاً وتفاؤلاً.
لقد جعل الله سبحانه نشأتها عليها السلام مثالاً كريماً لمدارس التربية في الإسلام وفلسفـة اكرامه للمرأة منذ ولادتها وبدايات نشـأتها والثقـة في أهليتـها للحيـاة الكريمة وخوض غمـار الجهاد فيها، والطمـأنينة الى قدرتهـا على تولي المسؤوليات العقائدية والأخلاقية وبما يساعد في إرتقاء الأمة في سلم الكمالات.
وقد بيّنا في معالم الإيمان في تفسير القرآن الجزء الخاص بتفسير آية واحدة هي الآية (282) من سورة البقرة دلالة تحمل المرأة للشهادة بقوله تعالى [فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ] على استحقاق المرأة لمنازل حفظ الأمانة وتوثيق العهود والديون، ومنع الخلاف والخصومة مع انشغالها بمسؤوليات الأسرة.
نسبها الشريف
هي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضـير بن كنانة بن خــزيمة بن مدركة ابن الياس بن مضر بن نــزار بن معد بن عدنان، وقد روي ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقف في نســبه عند عدنان ولم يتجــاوزه ويمسـك ويقول: كذب النسابون( )، ولذا تراهم مختلفين في الأسماء من بعـده، على قول ابن هشام: اد- وهو ابو عدنان – وقيل ان اسمه ادد بن مقوم بن ناحــور بن تيرح بن يعـــرب ابن يشــجب بن نابت بن اسـماعيل بن ابراهيم- خليل الرحمن – بن تارح وهو آزر بن ناحور بن ساروغ بن راعو بن فالخ ابن عبير بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن اخنوخ – وهو ادريس النبي- ابن يـرد بن مهليـل بن قينن بن يانش بن شـيث بن آدم عليه السلام( ).
وأم فاطمة الزهراء عليها السلام خديجة بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب، وهي امرأة كانت معروفة بشرفها وعـــزها ووقارها وكانت ذات مال تضارب به الرجال، والمعروف ان قريشــاً كانوا اهل تجارة فهم يتعاطون التجارة ويقـــومون بنــقل بضــائعهم الى بعض البلدان ومنها الشام التي يجلبون منها السلع المناسبة كالثياب وبعض الأطعمة، قال تعالى لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ .
وقريش عشيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا يخرجون من مكة لأغراض التجارة استيراداً وتصديراً لجدب بلادهم ولجلب ما يحتاجون وزوار البيت الحرام، وكانت لهم رحلة بالصيف وأخرى بالشتاء، الأولى الى الشام والثانية الى اليمن ويربحون الأموال، وقيل انهم كانوا يأخذون معهم من مكة الأدم واللب وما يقع من ناحية البحر من الفلفل ويجلبون الثياب والقمح.
وكانت خديجة من أفضل نساء قريش شرفاً ومالاً ونسباً، وكانت تعرض مالها للتجارة، فلما بلغها ما يتصف به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأمانة والصدق والعفة أعطته مالها ليخرج به الى الشام وابلغته انها تعطيه اكثر وافضل مما تعطي غيره، ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الشام رأت خديجة النماء والبركة في مالها والربح العظيم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأخذ غلامها ميسرة الذي خرج معه الى الشام يقص عليها ما رآه من الآيات وحسن الشمائل والأخلاق الحميدة عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكيف ان الملكين ظللا له في الحر، فارسلت اليه امرأة تبدي بواسطتها رغبتها في الزواج منه، وتم الزواج بعد رجوعه من الشام بشهرين وعدة ايام.
وتجتمع خديجة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النسب بالجد الثالث وهو قصي وهي من بني مخزوم.
وكان الأشراف وأهل الأموال يرغبون في نكاح خديجة ولكنها لا ترغب في أحد منهــم لما كتب الله لها من العــز والأفضــلية والإكـرام بالزواج من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وان تكون أماًً للزهراء البتول، وذكر انها كانت تسمى في الجاهلية بالطاهرة لشدة حرصها على عفافها.
ومع انها كانت تزيد في سني عمرها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم زواجها منه الا انه لم يتزوج عليها الى ان ماتت قبل الهجرة النبوية الشريفة الى المدينة المنورة بثلاث سنين، وكانت له في ايام الدعوة والسنين الأولى من البعثة عوناً وعضداً ومؤازراً كريماً، وقابلت بدايات الوحي بالتصديق وسخرت أموالها لبث ونشر الرسالة وإعلاء كلمة التوحيد.
بالإسناد عن عفيف الكندي قال: كان العباس بن عبد المطلب لي صديقاً وكان يختلف إلى اليمن يشتري العطر فيبيعه أيام الموسم، فبينا انا عند العباس بن عبد المطلب بمنى فاتاه رجل مجتمع فتوضأ فاسبغ الوضوء ثم قام يصلي، فخرجت امرأة فتوضأت وقامت تصلي، ثم خرج غلام قد راهق فتوضأ ثم قام الى جنبه يصلي، فقلت: ويحك يا عباس ما هذا؟ قال: هذا ابن اخي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يزعم ان الله بعثه رسولاً، وهذا ابن اخي علي بن ابي طالب قد تابعه على دينه، وهذه امرأته خديجة ابنة خويلد قد تابعته على دينه، قال عفيف بعدما اسلم ورسخ الإسلام في قلبه يا ليتني كنت رابعاً( ).
في هذا الواقع الكريم كانت ولادة الزهراء ونشأتها، تتعاهدها العناية الإلهية,وأبى الله لها الا الزواج من علي عليه السلام فكانت شعلة الإسلام الوهاجة التي تبعث الأضواء الى ارجاء الأرض لتجذب القلوب إلى ميادين الإسلام وأحكامه وسننه.
لقد نشأت الزهراء عليها السلام مع بدايات بناء صـرح الإسلام الخالد، ومن الآيات أن ذكر الزهراء عليها السلام سـيظل خالداً وعنواناً للعـز والعفة في الإســلام وآدابــه في الزهــد في الدنيا والإنقـطــاع الى العــبادة، كانت نشأتها فيضاَ ومدخلاً كريماً لصلاح النفوس والدعوة لكل النساء للدخول في الإسلام وباستعداد لقبول أحكامه وما سنّ فيه من الفرائض والطاعات.
لقد كانت نشأة الزهراء عليها السلام انعطافاً في الحياة الإجتماعية والأخلاقية والروحية للمجتمع العربي والمتمثل خاصة بقريش وسكان مكة ومن حولها باعتبارهم النواة الأولى في بناء الإسلام ومنطلقه العقائدي نحو الأمصار الأخرى وعبر الأجيال المتعاقبة، لذا أولاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعناية خاصة, وهو الذي لا ينطق عن الهوى , وسنته الشريفة حجة سواء القولية منها أو الفعلية او التقريرية أو التدوينية( ) لتجتمع وتتعدد نعم الله عليها كفيض من فضله وإحسانه ومنّه على أهل بيت النبوة وبواسطتهم على المسلمين جميعا، فلا غرابة والحالة هذه في القول بلزوم دراسة سيرة وحياة الزهراء عليها السلام دراسة مستفيضة من جميع جوانبها لتكون مناراً في ميادين العلوم الإجتماعية وأبواب المعرفة ولتســتنبط منـها الدروس البليغة النافعة في رحاب مدرسة النبوة التربوية والإعداد الأمثل لمقام العصمة ورداء الطهارة.
في رحاب أسمائها المباركة
الحمد لله الذي أنعم على المسلمين وجعل عندهم احكاماً ومناسك يلتقون بأدائها من غير إختــلاف أو تـعدد في وجوه الإجتهاد والإستنباط، وأسناها الصلاة التي هي عمود الدين، والصيام ووعـائه الزمـاني بلحاظ اليوم والشهر، وأداء فريضة الحج وافعـاله وأوانه لتكون معالم وأنواراً قدسية شاهـدة على الإعجـاز ومضامـين الثبـات في أحكـام الشريعـة.
واتخذ المسلمون القرآن إماماً طوعاً وانطباقاً وحاجة وضرورة ولم يتخلفوا عن دعوته بلزوم محبة اهل البيت وودهم، وتجلت معاني الود والإنجذاب الى اهل بيت النبوة باصدق صورها بحب جميع المسلمين للزهراء عليها السلام وكأنه جذبة من جذبات الحق ووسيلة للتقرب الى منازل رحمته، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “ان لربكم في ايام دهركم نفحات، الا فتعرضوا لها”( )، ومن كيفيات التعرض لنفحاته تعالى الحب في الله، ولله، ومودة أهل البيت عليهم السلام.
وصحيح ان الحب من الكليات المشككة التي تنطبق على اعيان متعددة وهيئات متفاوتة بالشدة والضعف، والتقدم والتأخر ولكنها تشترك بمعنى واحد، وتجدها في حب المسلمين لبضعة الرسول الأكرم من الكلي المتواطئ الذي يصـدق على افـراده بعرض ومرتبة واحـدة إمتثـالاً لقوله تعالى قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، وهــذه الآية تــدل في مفهومهـا على أهلية أصحـاب الكساء للمحبة في جنب الله ومرضاته.
والتقى المسلمون مرة أخـرى بالكيفية النفسانيـة والميل والمـودة فيـه تعالى وله، فكانت من أظهر وجوهها اجتماعهم على اكرام الزهراء وتقديسها وتعاهد ذكراها بقصد القربة ورجاء الفوز بشفاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باختيارهم بفخر لأحد أسمائها وساماً وإسماً لشطر من بناتهم رجاء ترشح إفاضات أسماء سيدة النساء على أفراد مجتمع النساء سيرة وسعة في الفكر، وفيه نظرة نورانية وصفاء للنفس ينعكس جرياً وانطباقاً على الواقع العام للأسرة المسلمة لما للمرأة من موضوعية في كيانها وإعداد أبنائها بل وبناء مقومات المجتمع عامة.
لقد إنتشرت للزهراء بين المسلمين أسماء كثيرة كل منها يرمز الى مضامين مختارة من معالي الفخر ومنازل العز، وأرسلها المسلمون إرسال المسلمات وتعارفـوا عليها وعلى تعـددها عبر الأجيال بقبول ورضـا لما تجسـده من إعتبارات الإستحقاق والأهلية بالإضافة لما تمثله من عناوين الإعتزاز لكل مسلم والرمز الأمثل لســلوك وعمل المرأة المؤمنة، فقد كان كل اسم من أسمائها مدرسة في الفضيلة ورسالة إلى أمم الأرض تشرح مبادئ الحكمة الرسالية وتوضح التفاصيل العملية للقواعد الأساسية للعقيدة الإسلامية في الميادين الإجتماعية والأخلاقية، ليتجلى لأهل التحقيق وعلماء الإجتماع كم هو عظيم نفع الاسم أولوية إختياره، ويمكن إعتبار كل اسم من أسمائها عليها السلام دلالة وبينة على بركات الزهراء وفضلها على الأجيال المتعاقبة بما تبعثه في النفوس من معاني التقوى، وما تهدي إليه من سبل الرشاد والفلاح، فكل واحد منها سبيل سالك إلى ساحل الأمن والفوز في الدارين.
وقد ذكرت في الجزء الثالث من رسالتي العملية (الحجة) وفي باب أحكام الأولاد مسألة (استحباب تسمية المولود باسم مستحسن وهو من حق الولد على الوالد والوالدة، بل يستحب تسميته قبل الولادة لعمومات قوله تعالى إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى ))، وافضل الأسماء ما تضمن العبودية لله عز وجل كعبد الله وعبد الرحيم، ويليها أسماء الأنبياء والأئمة عليهم السلام.
وفي الأسماء المؤنثة لمعاشر المسلمات يبرز اسم فاطمة من غير منافس في عموم مرتبته عند عامة المسلمين من جهة الاختيار والعدد والموضوع والخصوصية لأنه إفاضة سماوية مباركة وإختيار النبوة بالإضافة الى الدلالات العقائدية الذاتية لهذا الاسم المبارك، ولا غرابـة ان تجـد هذا الاسم الشريف يملأ بقاع الأرض ضياءً وتقتبسه الأمم الاخرى من غير العـرب والمسلمين، فتجـده في الوقت الحاضـر عند الملل والمذاهب والشعـوب الاخرى.
إن السلوك الجمعي لدى عموم المسلمين باختيار اسماء لبناتهم شــبيهة باســماء الزهراء عليها الســلام يحكــي التأثــر العام بسـيرة الزهراء عليها السلام والتفاؤل بصلاح بناتهم واجيال اولادهم بالإلتزام العام بمنهج الزهراء عليها السلام في الحيـاة، والعناية العظيمة التي يوليها المجتمع لحسن السيرة بالإضافة الى الإعتزاز المطلق بشخص الزهراء عليها السلام وما حازته هبة وكسباً من السبق الى الصالحات وسبل الخير.
إن قول الإمام الصادق عليه السلام: “لفاطمة عليها السلام تسعة أسماء عند الله عز وجل”( )، بيان لعظيم منزلتها وحسن خصالها وسمو مقام شخصها وما خصها الله به من الرحمة والكرامة، واشهر اسمائها:
الأول : فاطمة : أصل الفطم في اللغة هو القطع ويقال فطم الرضيع فطماً أي فصل من ثدي أمه، ويقال فطمتك بالعلم أي لقنتك اياه حتى استوفيته واستغنيت به او قطــعتك به عن الجهل، وورد بالإســنـاد عن يزيد بن عبد الملك عن الإمام محمد الباقر عليه السلام انه قال: “لما ولدت فاطمة عليها السلام أوحى الله عز وجل الى ملك فانطق به لسان محمد صلى الله عليه وآله وسلم فسماها فاطمة( )، ثم قال: اني فطمتك بالعلم وفطمتك عن الطمث، ثم قال الباقر عليه السلام: والله لقد فطمها الله تبارك وتعالى بالعلم وعن الطمث بالميثاق( )”، وبالإضافة إلى المعنى الواقعي الحقيقي فان هذا الفطم كنايـة عن عصمتها ونزاهـة مقامها من الدنس والرجس واجتنابهـا تكوينياً الأخلاق الذميمة.
وهناك أسباب وعلل أخرى لتسميتها عليها السلام فاطمة:
الأولى : جاءت التسمية لدلالات عقائدية تتعلق بالمستقبل ووراثة بيت النبوة وعلومها، فقد روي عن عبد الله بن الحسن عن الإمام الكاظم عليه السلام قال: “لم سُـــميت فاطمة فاطمة؟ قلت: فرقـــاً بينه وبين الأسماء، قال الإمام: ان ذلك لمن الأسماء ولكن الاسم الذي سُميت به ان الله تعالى علم ما كان قبل كونه فعلم ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتزوج في الأحياء وانهم يطمعون في وراثة هذا الأمر من قبله فلما ولدت فاطمة سماها الله تعالى فاطمة لما اخرج منها وجعل في ولدها فقطعهم عما طمعوا فبهذا سميت فاطمة لأنها فطمت طمعهم، ومعنى فطمت قطعت( ).
وفي الرواية بيان وتوكيد بان تسميتها عليها السلام من عند الله تعالى وفيه غاية التشريف والإكرام ووجود الاسم من قبل لا يمنع من تعدد مصاديق الإكرام لإقترانه بالعلة والغاية، ولقد كان الحسنان يسميان ابني الفواطم فبالإضافة الى ان اسم أمهما فاطمة فاسم جدتهما فاطمة بنت أسد أم الإمام علي بن ابي طالب عليه السلام، وأم خديجة جدتهما فاطمة بنت زائدة بن الاصم وجدة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إسمها فاطمة بنت عبد الله بن عمرو من بني مخزوم.
الثانية : تعلق التسمية بالآخرة ومنازل المؤمنين فيها والعواقب الحميدة لمحبة الزهراء عليها السلام فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام انه قال: “قال رسول الله لعلي: هل تدري لم سميت فاطمة؟ قال علي: لم سميت فاطمة يا رسول الله؟ قال: لأنها فطمت هي وشيعتها من النار( )”، وروي الحديث ايضاً عن الإمام الباقر عليه السـلام، وعن ابي هريرة يرفعه الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بالاسناد إلى دارم قال: حدثنا علي بن موسى الرضا ومحمد بن علي عليهما السلام قالا: سمعنا المأمون يحدث عن الرشيد، عن المهدي، عن المنصور، عن أبيه، عن جده قال: قال ابن عباس لمعاوية: أتدري لم سميت فاطمة فاطمة ؟ قال: لا، قال: لانها فطمت هي وشيعتها من النار سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقوله( ).
والشيعة اعم من المعنى الإصطلاحي الخاص في هذا الزمان وهو بالمعنى اللغوي الاتباع والأنصار واهل المحبة، وفي التنزيل وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ ، قيل من شــيعة نوح أي على منــهاجه وسنته في اتخاذ التوحيد عقيدة ومنهجاً والتزام العدل.
الثالثة : اكرام الزهراء عليها السلام في تســميتها بالإشـتقاق من أسماء الجلالة لما روي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال لفاطمة: “شق لك يا فاطمة إسماًً من اسمائه وهو الفاطر وانت فاطمة( )”.
الرابعة : اختيار التسمية لإعتبارات التنزيه والعصمة وابتعاد الرجس عن الزهراء عليها السلام ونقاء واقعها اليومي، فقد كان الاسم يدل حقيقة على المسمى وهو أمر يبدو واضحاً عند الإطلاع على شطر من الأغراض والغايات السامية لتلك التسمية وموضوعها ومصداقها الخارجي في سيرة الزهراء.
الثاني : البتول: البتل في اللغة القطع، والبتول على وزن رسول، وفي معنى البتول جهات:
الأولى : العذراء المنقطعة عن الأزواج والتي لا شـهوة لها، الزاهدة في النكاح، المعرضة عنه لعدم حاجتها الى الرجال.
الثانية : المنقطعة عن الدنيا يقال تبتل الى الله عز وجل أي انقطع واخلص ولذاك سميت فاطمة البتول.
الثالثة : إنفراد الزهراء بخصال من الحسن والصلاح واليقين من بين النساء , سئل احمد بن يحيى عن فاطمة رضوان الله عليها بنت سيدنا رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم قيل لها البتـول؟ فقال: “لإنقطاعهـا عن نسـاء اهل زمانها ونســاء الأمة عفافاً وفضــلاً وديناً وحسباً”،
الرابعة : “لانقطاعها عن الدنيا الى الله عز وجل( )”.
الخامسة : المبتلة التامة الخلق.
السادسة : بالإسناد عن الإمام علي عليه السلام ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل ما البتول فانا سمعناك يا رسول الله تقول: ان مريم وفاطمة بتول، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: “البتول التي لم تر حمرة قط أي لم تحض فان الحيض مكروه في بنات الأنبياء( )”.
السابعة : لوجوه الشبه بين الزهراء ومريم .
الثامنة : إخلاص الزهراء في عبادة الله , وفي التنزيل وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً، وفي تسمية فاطمة البتول زجر عن الرهبانية والتشديد على النفس في العبادة.
التاسعة : تلقي الزهراء التأديب بالتحديث والأخذ من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو فرع الو، فلم تطلب التأديب من الأمهات والنساء(وعن الأصمعي: المبتل النخلة تكون لها فسيلة قد انفردت واستغنت عن أمها، فيقال لتلك الفسيلة: البتول وأنشد:
ذلك ما دينك إذا جُنِّبتْ أجمالها كالبكر المبتل )( ).
ولقد كانت الزهراء شمساً مضيئة تشرق سيرتها على النفوس فتستلهم قبساً من انوارها الملكوتية وتستنير الأجيال في دروب سيرتها العبادية واخلصت الزهراء في العبادة والتنسك وقامت بين يدي الرحمن حتى تورمت قدماها.
لقد اعطت الزهراء مفهوماً اسلامياً لإسم البتول بالإنقطاع عن الدنيا بالعبادة، ليكون مصداقاً للشكـر ولتجتمع الإرادتـان التكوينيـة والتشريعـية في الخلق إذ اثبتت أهليتها لإستحقاق البتل ودوام الطهر، ولم يكن الا مقدمة بدنية وشرعية لإتصال عبادتها وادائها الفرائض فضلاً من الله تعالى في وجود النموذج الأمثل للمرأة المؤمنة في الجنة.
وظاهر الآيات ان هناك قاعدة كلية وهي وجود مصداق من كل نعمة من نعم الجنة في الحياة الدنيا ولو على نحو المسمى وفرد الطبيعة ويؤيد ما نذهب اليه قوله تعالى كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا والثمــرة أعـم من حمل الشجر فتشمل المال والولد والنسل، ولعلها وردت من باب المثال وليس الحصر.
لقد كانت الرائدة في الزهـــد والتقـــوى من غـــير ان تعـــرض عن الزواج الذي كان العـــنوان الإرتكازي لخلق المرأة والوظيفـة الأساسيـة لها في استمرار وجـود البشــر على سطـح الأرض، قال تعالى يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً.
ولتعلق الأمر فيها على نحو الضرورة العقائدية في حفظ نسـل النبوة كما ورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “كل بني انثى ينتمون الى عصبتهم الا ولد فاطمة فأنا وليهم وانا عصبتهم وانا ابوهم( )،وفي الحديث موضوعية لأبوة علي عليه السلام والمترشحة عن كونه نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في قوله تعالىفَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ.
وليس من الصدفة والإتفاق ان تتزوج الزهـــراء عليها الســـلام من الكفوء ذي المقام السامي، فقد كان هذا الزواج المبارك مبعث الإمامة والوعاء الشرعي والمنطلق التكويني لصرح بنائها وتسلسل أركانها، ولا غرابة بعدئذ بانه الطريق الوحيد المؤهل لحمل انبعاث اشعاعاتها ومسؤولياتها.
الثالث : الطاهرة: طهر الشيء- بالضم والفتح- اصــبح نزيهاً نقياً، ويقال امرأة طاهرة من النجاسة ومن العيب ومن الحيض.
وهذا الاسم للزهراء عليها السلام يحمل عبقات قرآنية فهو وسام اكرمها الله عز وجل به ففي قوله تعالى إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا روى أبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وعائشة ووائلة بن الأسقع ان الآية نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليه السلام( ).
كما روي عن أم سلمة انها قالت: “ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في بيتي فاستدعى علياً وفاطمة والحسن والحسين- وجللهم بعباءة خيبرية – ثم قال: اللهم هؤلاء اهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، فانزل الله تعالى قوله [ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا]، فقالت أم سلمة قلت: يا رسول الله أنا من أهل بيتك؟ فقال: لا، ولكنك على خير( ).
ويمكن القول في تفسير الآية ان الله عز وجل شرّف محمداً وأهل بيته بان خصهم بلطف وجعلهم يمتلكون الحصانة المطلقة عن المعاصي والقبائح على اختلاف انواعها وجنسها فكانوا رمز الصـلاح وسبل الهداية وحجة الله في الأرض، والآية اخبار عن الأهلية العقائدية لزعامة الأمة وهي دعوة للناس لاتباعهم والإقتداء بهم ومحبتهم.
وقد روي بالإسـناد عن شـــداد بن عبد الله قال سمعت وائلة بن الأسقع وقد جيء برأس الحســـين بن علي عليه الســـلام فلقيه رجل من اهل الشام فاظـهر سـروراً فغضب وائلة وقال: “والله لا أزال أحب علياً وحسناً وحسنياً ابداً بعد اذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في منزل ام سلمة يقول فيهم ما قال: قال وائلة: رأيتني ذات يوم قد جئت ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في منزل ام سلمة وجاء الحسن……الحديث( ).
ولقد تجسدت تلك الفضيلة والمنحة الإلهية في سلوك اهل البيت وواقعهم العبادي ومنهم الزهراء البتول التي كان النقاء عنوان حياتها وبها تفتخر الشعوب الإســـلامية اذ تتدافع المؤمـنات لمحاكاة جوانب حياتها المشرقة باسباب التقوى وتنجذب النفوس الى بريق أنوارها بما زرع الله في النفوس من حب للإيمان والميل الى اهله والود لرواده، وفي مصباح الأنوار عن ابي جعفر الإمام الباقر عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: “انما سميت فاطمة بنت محمد الطاهرة فطهارتها من كل دنس وطهورتها من كل رفث وما رأت قط يوماً حمرة ولا نفاساً( )”.
ويمكن ان تتفرع عن الآية بخصوص مسألتنا عدة مسائل:
الأولى: من الثابت ان السنة تفسير للقرآن فيمكن ان تكون الأخبار الواردة بطهارة الزهراء تفسيراً وبياناً لهذه الآية.
الثانية: إذا احتـــمل الكلام الاطلاق والتقييـد وإفادة بعض حالاته وأموره الاضافية فالاصل حمله على الاطلاق والعموم لعدم القرينة على التقييد ووجود الشرط، فيحمل التطهير على ارادة الاطلاق الا ما خرج بالدليل تخصصاً، بل الدليل مؤيد للاطلاق بخصوص الطهارة من الحيض بالإضافة الى عصمتها وسيرتها التي أجمع المسلمون على خلوها من الخلل والتقصير.
الثالثة: ان الله عز وجل يعطي بالأوفى والأوسع والاشمل والأتم والأكمل، فالطهارة جاءت في الآية الكريمة فضلاً منه تعالى على نحو العموم المجموعي فكلهم طهر واحد ويشمل الجميع حكم واحـد قوامـه النزاهة والعفة، وعلى نحو العموم الاستغراقي بطهر مستقل لكل واحد من أهل البيت.
الرابع : الصدّيقة: الصديق وزن فعيل للمبالغة، وهو الذي يلتزم التصديق بالحق ومسائله ويتخذ الصدق عادة له، وقيل هو الذي يصدق قوله بالعمل، وفي التنزيل يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ ، ولقد جاء على لسان الفتى الذي كان مع يوسف في السجن مدح وتكريم وثناء ليوسف عليه السلام لأنه كان صادقاً في أقواله وأفعاله ومخلصاً في دينه ولا يرتاب في عقـيدة التوحيد، كما ان الوقائع صدقت اقواله وما اخبر به من تأويل رؤياه وصاحبه.
ويمكن استنباط تأويل آخر للآية وهو ان الناس محتاجون لأقوال وافتاء يوسف عليه السلام لما فيها من مضامين الصدق ولأنهم مجبولون على الوثوق الأمين، والنفوس لا تركن الا للصادق، ويظهر جلياً واضحاً ميل الناس لدعوات الأنبياء لما يعرف عنهم من الصدق، ومن المفاخر التأريخية الوثائقية التي تحمل عنوان الحجة والدليل ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يسمى قبل البعثة النبوية المباركة بالصادق الأمين ولا غرابة بالقول بعصمة الأنبياء قبل النبوة وبعدها من الصغائر والكبائر، وان تعددت الأقوال في هذه المسألة.
قال الأشاعرة بامتناع الكبائر والصغائر الخسيسة على الأنبياء بعد البعثة مطلقاً، والصغائر غير الخسيسة عمداً لا سهواً، أما قبل البعثة فلا يمتنع صدور الكبيرة عنهم.
وقال أبو علي الجبائي وجماعة من المعتزلة: يجوز على الأنبياء الكبيرة قبل البعثة ولا يجوز بعدها.
ونسب الى الحشوية جواز ارتكاب الكبائر على الأنبياء قبل البعثة وبعدها.
ويرد لفظ (الصديق) في القـرآن الكريم مرة اخرى، ولكنه يتعلق بالمرأة، قال تعالى مَا الْمَسِيحُ ابن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ.
[وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ] له مفهومان: الأول إيجــابي، والآخـر سلبي، فالأول يعني انها تصدق بنبوة ولدها وما يخبر به عن الله عز وجل وتعمل بطاعته تعالى وتؤمن بالرسالة ويؤكده قوله تعالى وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا، كما يعني التزامها الصدق واتصافها به وحقيقة عظيم منزلتها.
أما المفهـوم السلبي فانه دحض ونفي لما وصفوها به من المبالغة في التقديس، وقد ذكر الله تعالى اكلها وابنــها عليــه السلام الطعام لبيان حاجتهما الى الغــذاء لديمومة الحيــاة وللتوكــيد بان الإحتياج ملازم للإمكان وعنوان الحدوث كما يدل على عدم استغنائه عن المؤثر.
والتأمل في اتصاف فاطمة عليها السلام بـ(الصديقة) يبين استحقاقها لهذا الاسم بالأولوية لتصديقها في القول والعمل بالرسالة الإسلامية ولمؤازرتها الصادقة الفعالة في بناء اركان العقيدة الإسلامية.
ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم – فاطمة أم أبيها- دلالات خاصة منها جهادها في مؤازرته خصوصاً في بدايات البعثة وظهور ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووراثة الإمامة من عقبها هذا من جهة، ومن جهة أخرى يمكن اعتبار الوصف ومضامينه فخراً للإسلام والمسلمين لإستحقاق الزهراء لهذا الاسم المبارك وانها صديقة حـقاً وواقعاً وصـدقاً، وفي الحديث: “فاطـمة عليها السلام صديقة لم يكن يغسلها الا صديق”( ).
الخامس : الزكية: تزكية النفس لغة طهارتها من الأخلاق الذميمة وشعبها وافرادها كالحسد والغضب والبخل والإندفاع في اللذات، وفي التنزيل أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً أي طاهرة وقيل ان الزاكية نفس لم تذنب قط والزكية اذنبت ثم غفر لها، ويحتاج هذا التفصيل الى دليل.
وفي قوله تعالى قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاَمًا زَكِيًّا أي انه طاهر من الذنوب مواظب على الخير وفعل الصالحات.
لقد كانت الزهراء عليها السلام طاهرة نقية من الدنس والذنوب، أبى الله الا ان تكون عنواناً للشرف ورمزاً للعفة وأسوة للهداية، وتتجلى في شخصها الكريم آيات العفة والعز والفخر والصلاح لتقتبس المؤمنات من سيرتها دروس الطهارة وسمو الرفعة، فلقد جعل الله نفوس البشر تميل الى الخير وشعبه وتكون للطهارة هيبة في الذوات واحترام في مختلف الأمصار والأعصار، وظل الإستهجان ملازماً لظاهرة السيئة حتى في المجتمعات التي كانت غافلة عن أحكام الرسالات السماوية كما في أيام الفراعنة مثلاً فقد جاء في سورة يوسف وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امرأة الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ.
قال حسان بن ثابت( ):
وان مريم احصنت فرجها
وجاءت بعيسى كبدر الدجى
فلقد احصنت فاطم بعدها
وجاءت بسبطي نبي الهدى( )
السادس : الراضية : الرضا لغة القبول المقرون بارتياح النفس وما يلائم اختيارهـــا، يقال: رضـــيت بالشــيء رضــاً أي اخترتــه ومثله رضيت عن زيد ورضـــيت عليه لغـــة، قال تـعالى وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى.
وفي تفســير الآية جـاء عن الإمام جعفـر الصـادق عليه الســلام انه قال: “دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على فاطمة عليها السلام وعليها كسـاء من ثلـة الإبـل وهـي تطحـن بيدهـا وترضـع ولدها فدمعـت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما ابصرها فقال: يا ابنتاه تعجلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة فقد انزل الله عليّ [وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى] ( )، وفي المناقب اضافة بعد قوله بحلاوة الآخرة فقالت: يا رسول الله، الحمد لله على نعمائه والشكر على آلائه، فانزل الله [وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى].
لقد كانت الزهـراء عليها السلام راضـية بكل ما يـرد عليها مـن أمـر الله عز وجل مستبشرة بفضله دائبة على شكره وطاعته بأصدق معاني العبودية وآيات الخشوع، هذا وقد ورد في اسمائها عليها السلام ايضاً المرضية.
السابع : المحدثة : المحدث – بفتح الدال – هو الذي تحدثه الملائكة، والتحديث باب مستقل عن النبوة ودونها، قال تعالى إِذْ قَالَتْ الْمَلاَئِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ، وفي الحديث: ان في كل امة محدثين من غير نبوة”، وهناك شواهد عليه في كتب المسلمين، وورد في وصف فاطمة عليها السلام: “ايتها المحدثة العليمة”( ).
الثامن : الزهراء: يقال رجل ازهر أي ابيض مشرق الوجه، والمرأة زهراء، وزهر الشيء: صفا لونه واضاء، واليوم الأزهر: يوم الجمعة، وعن بريدة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , قال: تعلموا سورة البقرة و سورة آل عمران فإنهما الزهراوان و أنهما تظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف( )، وفي صفات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ازهر اللون( ).
والزهراء اسم فاطمة البتول عرفتها الأجيال المتعاقبة به ودانت لها بالولاء بهذا الاسم المبارك الذي يحمل عناوين الصفاء واشراقة الإسلام ونور الإيمان وملكة التقوى، وعلو راية الحق والتوحيد.
وقد وردت أسـباب وعلل في تســـميتها عليها الســـلام بالزهراء أظهرها:
الأولى : المقام القدسي للزهراء عليها السلام، واكرامها باشتقاق تسميتها من ضياء إسمائه تعالى فضلاً منه سبحانه، وبياناً لسمو منزلتها، ودعوة للمؤمنين والمؤمنات على الإقتداء بها، بالإسـناد عن جابـر انه سـأل الإمام جعفر الصادق عليه السلام قائلا: “لم سُميت فاطمة الزهراء زهراء؟ فقال: لأن الله تعالى خلقها من نور عظمته فلما اشرقت اضاءت السموات والأرض بنورها وغشيت أبصار الملائكة وخـرت الملائكة لله سـاجـدين وقالوا: إلهنا وسـيدنا ما هذا النور، فاوحى الله اليهم هذا نور من نوري أسكنته في سمائي خلقته من عظمتي اخرجه من صلب نبي من أنبيائي افضله على جميع الأنبياء واخرج من ذلك النور أئمة يقومون بأمري يهدون الى حقي واجعلهم خلفائي في ارضي بعد انقضاء وحيي”، وروي عن الإمام الباقر عليه السلام مثله( ).
الثانية : الماهية الملائكية لشخص الزهراء عليها السلام ولعـل له ارتباطاً بولادتها المباركة عليها السلام وحديث الاسراء وكيف ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اكل ثمرة من ثمار الجنة ليلة اســري به ولما نزل واقع خديجة فكانت الزهراء، وورد بالإسناد عن ابن عمارة عن ابيه قال: سألت ابا عبد الله- الإمام الصادق- عليه السلام عن فاطمة لم سميت زهراء؟ فقال: لأنها كانت اذا قامت في محرابها زهر نورها لأهل السماء كما يزهر نورها لأهل الأرض( )، مما يدل على أن إشراقات الزهراء لا تختص بها بالذات بل تشمل البركات والفيوضات الظاهرة والباطنة التي تنعكس على النفوس بذخائر الهداية والإيمان.
الثالثة : الإشراقة المباركة على محيا الزهراء، والنور الذي كان يتجلى على وجهها لأمير المؤمنين عليه السلام بآيات العصمة وضياء الإمامة، عن ابي هاشم العسكري قال: “سألت صاحب العسكر- الإمام علي الهادي- عليه السلام لم سُميت فاطمة الزهراء فقال: كان وجهها يزهر لأمير المؤمنين عليه السلام من اول النهار كالشمس الضاحية وعند الزوال كالقمر المنير وعند غروب الشمس كالكوكب الدري( )”، وفي مرسلة ابان بن تغلب عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام بيان وتفصيل( ).
الرابعة : المنزلة الرفيعة لفاطمة الزهراء يوم القيامة وعلو مقامها في الجنة ومنازلها وظهوره ، وتجليه بالشفاعة.
الخامسة : تسميتها بالزهراء مقدمة مباركة وآية ودليل وبيان وذكرى، الحسـن بن زيد قال: “قلت لأبي عبد الله- الإمام جعفر الصادق- عليه السلام لم سميت فاطمة الزهراء قال: لأنه لها في الجنة قبة من ياقوتة حمراء ارتفاعها في الهواء مســيرة ســنة، معلقة بقدرة الجبار لا علاقة لها من فوقها فتمسكها الملائكة ولا دعامة لها من تحتها فتلزمها، لها مائة ألف باب على كل باب ألف من الملائكة يراها اهل الجنة كما يرى أحدكم الكوكب الدري في أفق السماء فيقولون هذه الزهراء لفاطمة عليها السلام( ).
وفي خبر يونس بن ظبيان قال: “قال ابو عبد الله عليه السلام لفاطمة عليها السلام تسعة أسماء عند الله عز وجل فاطمة، والصديقة، والمباركة، والطاهرة، والزكية، والراضية والمرضية، والمحدثة، والزهراء.
ثم قال عليه السلام: اتدري أي شيء تفسير فاطمة؟ قلت: اخبرني يا سيدي قال: فطمت من الشر( )، ثم قال لولا ان أمير المؤمنين عليه السلام تزوجها لما كان لها كفؤ الى يوم القيامة على وجه الأرض( )”.
واسماؤها على ما ذكره ابو جعفر القمي: فاطمة، البتول، الحصان، الحرة، السيدة، العذراء، الزهراء، الحوراء، المباركة، الطاهرة، الزكية، الراضية، المرضية المحدثة، مريم الكبرى، الصديقة الكبرى، ويقال لها في السماء النورية السماوية.
التاسع : المباركة : كانت فاطمة عليها السلام وستبقى ذات بركة في شخصها وذكرها والتأسي والإقتداء بها في زهدها وعبادتها وصبرها وتقواها وفضائلها.
وعن الصدوق باسناده إلى عبد المؤمن بن محمد رفعه قال (قال رسول الله صلى الله عليه واله: أوحى الله تعالى جلت عظمته إلى عيسى عليه السلام: جد في أمري ولا تترك، إني خلقتك من غير فحل آية للعالمين، أخبرهم آمنوا بي وبرسولي النبي الامي نسله من مباركة)( ).
ومن معاني البركة النماء والزيادة النافعة ومنها ما هو حسي ، ومنها ما هو عقلي ، ومنها ما هو خفي ، وقد تجلت في الزهراء وولادة الأئمة منها ، وكثرة ذريتها ، واتصافهم بالتقوى وانتشارهم في الأرض.
لقد اختلف في الاسم هل هو عين المسمى أم أنه غير المسمى، والصحــيح هو الثاني اذ ان الأسماء تتبدل باختلاف المسميات، والاسـم لفظ وضع للدلالة على الجوهر او العرض كعنوان يرمز اليه بمعزل عن الزمان.
والاسم يتأخر في وجوده عن المسمى ويمكن إعتبار الأسماء التي سُميت بها الزهراء عليها السلام صفات قدسية لها انتزعتها بجهادها وبدلائل العصمة التي أنعم الله بها عليها.
انها رائدة الصلاح والهادية الى العفة والتقوى وتماسك المجتمع الإسلامي بالإيمان والصبر والإخلاص.
ترى هل من اثر واقعي لهذه الإستفاضة في إختيار أسماء الزهراء أسماء لبنات المسلمين.
الجواب بالإيجاب أمر تؤكده الظواهر والأعراف، فبركات أسماء الزهـراء تتغشـى أفراد المجتـمع بحضـورها بين ظـهرانيهم بمعالم الإيمـان وتذكـر الناس بطرق الهداية والرشاد وتساهم بدعوتهم الى الصلاح ونبذ السيئات.
وستبقي اسماء الزهراء عليها السـلام شاهداً حياً على اتصال بركاتها وتأثير سيرتها الشريفة في العقول والمجتمعات، والتفاتة عامة للتعلق والإتصال بهدي بيت النبوة ومهبط الوحي، ووجود حقيقي وذهني تترشح عنه افاضـات التقوى والعرفان، ومناســبة لتخليص النفس من الكدورات الظلمانية والقيود الشيطانية وسجن حب الدنيا والتوجـه الجاد والمخلص الى صــيغ العبادة وســمات الاخلاص والصدق والعفة.
كنيتها
الكنية لغة اسم يطلق على الإنسان للإجلال والإكرام لذا تراه يحمل مضـــامين المـــدح والتعظـــيم وقـــد تقـف وراءه عناوين الهيبة ووجـــوه الفخر ويجوز ان يكون وصفاً حقيقياً وقد يأتي من باب المجاز اوجامعاً لهما، وكنية الزهراء على وجوه:
الأول : أم أبيها: هذه الكنية المباركة للزهراء ذات المدلولات السامية معروفة لدى عامة المسلمين، ويتلفظها اهل الإيمان باكبار وافتخار وهم يشعرون وباحساس فطري ان اموراً جساماً تبتني على هذه الكنية ودروساً جامعة تستلهم منها فهي وثيقة تأريخية تؤكد عظيم منزلة الزهراء، وكتاب مفتوح لكل مؤمنة لتدرك من خلاله صلاحية المرأة لوظيفة المؤازرة والنصرة في وجوه الفلاح والإصلاح ومراحل البناء في الميادين الهادفة.
روي بالإسنــاد عن الإمــام جعفـر بن محمد الصادق عليه السلام عن ابيه الإمام الباقر عليه السلام انه قال: “ان فاطمة كانت تكنى أم أبيها”( ).
والمعروف ان الأم هي التي تلد الإنسان بعد ان تحمله في رحمها مدة الحمل، ولكن العرب تطلق اسم الأم على ما يجمع أشياء متعددة، لذا سُميت سورة الفاتحة أم الكتاب لأنها أوله وأصله، ويسمون ايضاً لواء الجيش الذي يجتمعون تحته، ورايته التي يلتفون حولها أماً، وقال ذو الرمة في وصف راية لهم معقودة:
واسمر قوام اذا نام صحبتي
خفيف الثياب لا تواري له ازرا
على رأسه ام لنا نقتدي بها
جماع أمور لانعاصي لها أمراً( )

وصـحيـح ان الزهراء عليها السـلام أمـة في الخير ومنـار يقتـدي بضـيائـه الرجال والنساء عبر الاجيال المتعاقبة الا ان تقييد الصفة واختصاصها بالزهراء دون غيرها من آل الرسول له مدلولات خاصة في المقام، ومن اظهرها انها كانت تؤازر أباها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم خاصـة بعد وفـاة أمها خديجـة الكبرى قبل الهجـرة النبويـة المباركــة الى المديـنــة بثلاث ســنين ووفــاة ابي طالب عم النبــي في الســـنة ذاتها، وكان الإثنان حرزاً ومنعة للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وحاجزاً من قريش واتصال أذاهم ووصوله الى شخصه الكريم.
فبعد وفاتهما ازداد أذى قريش للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخذ المشركون يخططون بجد للقضاء عليه، كما حمل تعرضهم اليه طابعاً عدوانياً قاسياً واخـذ سفهاؤهم يزيدون من اساءتهم اليه كماً وكيفاً وعدداً، اعترضه احدهم مرة والقى بالتراب على رأسه الشريف، فدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيته، وبادرت الزهراء عليها السلام لإسـتقباله وهي تبكي وتزيل التراب عن رأسـه وتغسله، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “لا تبكي يا بنية فان الله مانع اباك”.
وهو جـواب فيه اعجـاز ونبـوءة واخبـار عن مستقبـل مشـرق بعـد تلـك المعانـاة القاسـية، وبيان لإكـرام النبي صـلى الله عليه وآله وسلم للزهـراء عليها السـلام اذ خصـها بالبشـارة والعــنايـة وخفـف عما أصابها من الحزن والألم لما تعرض له النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومقام النبوة.
لقد كـان للزهـراء عليها السـلام ومن قبل أمهـا دور وعمـل جهـادي في تعاهـد النبوة في أيـام سـنيها الأولى وفي تلقي أذى قريش ومواسـاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتزام الصبر واظهار روح التحمل، نصـرة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم واعلاناً للتـأييد وطـرداً لأسباب الوهـن والضعـف داخـل الأسـرة التي وتكون جـزءاً حيويـاً من المجتمـع والبيئة.
وصحيح ان موضوع كتابنا هو الزهراء عليها السلام وجهادها المتصل في نصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتسليط الأضواء على ما قامت به خديجة الكبرى في مؤازرة النبي وقيامها بالعون المادي والمعنوي لأداء الرسالة الا اننا لا يمكن ان نذهـب الى القول المعـروف عند اهـل الغرب والذي لم يثبت كقاعـدة كلية وهو ان وراء كل عظـيم امرأة ولا يصح للمرء ان يتوهمه في المقام، اذ ان وظيفة النبوة رسالة سماوية وان الله عز وجل هو الذي يتكفل نصرة نبيه واظهار دينه قال تعالى هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
ومهمات النبوة وافعال النبي واقواله لا تأتي من قدرات شخصية مكتسبة كما انها لا تتعلق في مرتكزاتها الى الأفـراد المحيطـين بالنبي وخاصـته، وانما هي صيغ ملكوتية يقف وراءها بوضـوح الوحي والإلهام، قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى .
فالله عز وجل هو الذي يهيء أسـباب النصرة للنبي ويسـخر من يؤازره بلطفه وحكمته الظاهرة في الخلق، ومنه في المقام زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من خديجـة بعد ان كانـت ترفـض الزواج من غيره وولادة الزهـراء تلك القديسـة المباركة التي تصـدت منذ أيـام صـباها وبعد وفاة أمها الى حمل راية النصرة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والضغط على قريش للتراجع عن مواصلة ايذائهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومواجهة اقطاب الكفر للتيار الإسلامي النامي بما اظهرته عليها السـلام من التأييد المعنوي للدعوة الذي يجسـد ايماناً بالإسـلام واعتناقـاً لمبادئه وسط تلك الحملات الشرسة والتعذيب البدني الذي كانت قريش والكفار يمارسونه ضد المؤمنين ومنه تهديدهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم او مكرهم وسعيهم لقتله في فراشه فأذن له له الله بالهجرة إلى المدينة , حيث بات الإمام علي عليه السلام في فراشه.
إن المنزلة الرفيعة التي نالتها فاطمة عليها السلام والمقام السامي الذي بشرت بادخاره لها في الجنة هو ثمرة الولادة المباركة وجزاء العترة الطاهرة، ورحمة ونعمة منه تعالى على المسلمين والمسلمات عامة، وأهل بيت النبوة خاصة، كما ورد في كثير من الروايات منها ما روي عن حذيفة ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “اتاني ملك فبشرني ان فاطمة سيدة نساء اهل الجنة او نساء امتي”( ).
ان تلك المنزلة تحتم على الباحث والمحقق الرجوع الى الأيام الأولى للدعوة وبدايات الإسلام اذ يغيب العنصر النسوي في جبهة الرفد والمؤازرة او يبدو ضعيفاً، ولكن الزهراء عليها السلام تبقى رائدة هذا المضمار والفرد المتميز فيه، وهي التي تحمل لواء الصمود والتحدي وتدعو بعلانية الى تأييد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتحث نساء قريش على ولوج باب الدعوة والضغط على الرجال في اتجاهين:
الأول: الكف عن ايذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
والثاني: التأمل في حقيقة الرســـالة والإسـتجابة لأحكامها والإنخراط الفردي والجماعي في صفوف الموحدين والمجاهدين الرساليين وبالمبادرة الى التسليم بالنبوة والنطق بالشهادتين.
ولا ينحصر موضـوع هذه الكنية الشـريفة بأيـام النبـوة ومرحـلة ما قبل الهجرة وما بعدها بل هــي اشـــارة الى مراتـب الأمامة وحفظ الأمانة في ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم واهل بيته الأطهار من ولد فاطمة.
الثاني : أم الحسن: كنية معروفة وشـائعة للزهــراء عليها السلام على طريقة العـرب وما اصـبح عندهم من البديهيات بان يكنى الشخص ويسـمى باضـافة اسم ابنه الأكبر الى ابوته له فيقال ابا فـلان تعظـيماً واكـراماً له، ويُقال أم فلان، لـذا اطــلقت كنية (ام الحسن) على الزهراء عليها السلام لأنه كان اكبر اولادها والكنية بطرفيها منتهى الفخر وقمة الشرف والعز.
وتكنى الزهراء عليها السـلام (ام الحسين) لعظيم منزلته عليه السلام وهو خامس اهل الكساء وعنوان الإباء ورمز التضحية من أجل دوام راية التوحيد والحفاظ على السنة النبوية الشريفة.
كما انها عليها السلام ام المحسن للحمل الذي اسقطته.
وتكنى الزهراء عليها الســلام أم الأئمة لأنها كانت الوعاء المبارك للإمـــامة وكانــت تتعـاهــد الإمامة وتهــيئ للأئــمة عليهم السلام المناخ المناسب لمتطلبات الرياســة العامة في قوله تعالى اللَّهُ نـُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ، ورد عن صــالح بن ســهل الهمداني قال ابو عبـد الله عليه الســلام: “[ كَمِشْكَاةٍ ] فاطمة عليها السلام [ فِيهَا مِصْبَاحٌ] الحسن …” الحديث( ).
تعليم النبي (ص ) لها
لقد ارسل الله عز وجل محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نبياً للناس جميعا من كان معاصـراً له ومن يأتي من الأجيال قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ فكانت بعثته مدرسة جامعة لكل الأمم تنهل منها المجتمعات انظمة حياتها وتستل منها الأنظمة والدساتير ويتعذر على الحكومات الإعراض عما فيها من التشريعات.
وكانـت الحياة اليومية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم نموذجاً مثالياً لتلك التشريعات، بل هي في الحقيقة جانب أساسي في بنائها، ولقد تسالم الفقهاء على اعتماد اقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وافعاله وتقريراته واعتبارها وجوهاً للسنة الشريفة ، وتفسيراً وبياناً للقرآن، ومصدراً ثابتاً للتشريع.
لقد ترعرعت الزهراء عليها السلام في اجواء السنة النبوية الشــريفة فلا تنهل الا من عذب أحكامها ومناهل ادابها، ويمكن اعتبـار تعليمـها ميدان الإنطلاق في بناء المجتمعات الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها وفي مختلف الأزمان وتوالي السنون، قوله تعالىوَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، متجدد في موضوعه وحكمه وبركاته.
ولعل السنة النبوة الشريفة الواصلة الينا لم تنقل جميع تفصيلات تأديب النبي صلى الله عليه وآله وسلم للزهـراء عليها السـلام وابواب تعليمه لها، ولكن صحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت كلها تأديباً ومدرسة سواء للزهراء او غير الزهراء من النساء والرجال، والإختلاف يتعلق بالأفـراد من جهة مقدار وحجم وأوقات الصحبة والتلقي والإستجابة بل انه يتعدى زمان البعثة وايام النبوة ليتصل بايامنا هذه، وللزهراء عليها السلام في المقام قدم السـبق والحظ العظيم فقـد فـازت بصحبة النبي منذ ايامها الأولى، وتلقفت بحسـن اسـتجابة سنن النبوة واحكام الرسالة، لتحمل لواء الإيمان ولتبقى للأجيال مناراً للتقوى والعز والتوفيق.
في الكافي بالإسناد عن زرارة عن ابي عبد الله الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: “جاءت فاطمة تشكو الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعض أمرها فاعطاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كربة( ) وقال تعلمي ما فيها فاذا فيها: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً او ليسكت( ).
وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخص فاطمة ويؤدبها، فقد يكون الأمر الذي جاءت له حاجة شـخصية كمـا تنقـل كثير من الروايات شكايتها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من الجوع او عمل المنزل ونحوه فردها النبي صلى الله عليه وآله وسلم مزودة بالمعـارف السـامية والعلوم الإنسانية التي تفتح آفاقاً من الرقي في دروب التكامل الروحي والأدبي ، ويكون هذا التعليم وكنوز الدعاء من ذخائر آل محمد التي ينتفع منها المسلمون والمسلمات على نحو العموم الإستغراقي.
ومن دلائل العصمة ان الزهراء عليها السلام كان تتلقى ذلك التعلم بقبول حسن وتضعه في واقع التنفيذ بوجــوه التمام ليكـون مثــالاً تقتدي به كافة نســاء المسـلمين وتؤديه باندفـاع مع استحضار الشعور بالإمتثال فبالنسبة للوصايا المكتوبة في تلك الوثيقة التأريخية التي سلمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى الزهراء، ترى ان الزهراء لم تكتف بعدم ايذاء الجيران بل كانت مصدر اشعاع عقائدي للجيران ولمن خلفهم من سكان الأرض، تقتبس منها المسلمات معالم العفة ومستلزمات الإيمان ووجوهه وكيفية تطبيق مبادئه عملياً.
وبالنسبة لإكرام الضيف فقد كانت الزهـراء عليها السلام تكرم الضيف ولا ترد السائل خائباً، وتتقرب الى الله عز وجل بالجود والكرم بطعام يومها، لتظهر الى الواقع العملي مكارم الأخلاق التي يبشر بها الإسلام كنظام يهيء جميع النواميس ويحدد الأعراف التي يرتكز عليها المجتمع وفق القيم العامة التي جاء بها القرآن ورسختها في النفوس والمجتمعات السنة النبوية المباركة.
بالإسناد عن حمزة بن حمران عن الصـادق عليه السلام عن ابيه الباقر عليه السلام عن جــابر بن عبــد الله الأنصــاري قال: صـلى بنــا رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة العصر فلما انفتـل جلس في قبلته والناس حوله، فبينما هم كذلك اذ اقبل شيخ من مهاجــرة العــرب عليه سـمل قد تهلـل واخـلق وهو لا يكـاد يتمالك كبراً وضــعفاً، فاقبــل عليه رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم يســتحثه الخبر فقــال الشيخ: يا نبي الله انا جائــع الكبـد فاطـعمني، وعاري الجســد فاكسـني، وفقـير فارشـني.
فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ما اجد لك شيئاً، ولكن الدال على الخير كفاعله انطلق الى منزل من يحب الله ورسـوله ويحبه الله ورسـوله، يؤثر على نفسه، انطـلق الى حجــرة فاطمة، وكان بيتها ملاصـقاً لبيت رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي ينفرد لنفسه من ازواجه، وقال: يا بلال قم فقف به على منزل فاطمة.
فانطلق الإعرابي مع بلال فلما وقف على باب فاطمة نادى باعلى صوته: السلام عليكم يا اهل بيت النبوة ومختلف الملائكة، ومهبط جبرئيـل الروح الأمين بالتنزيل، من عند رب العالمـين، فقالت فاطـمة: وعليك السـلام فمن انت يا هذا؟ قال: شيخ من العرب اقبلت على ابيك سيد البشر مهاجراُ من شقة وانا يا بنت محمد عـاري الجسد، جائع الكبد، فواسيني يرحمك الله.
وكان لفاطمة وعلي في تلك الحال ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثاً ما طعموا فيها طعاماً، وقد علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك من شــأنها فعمـدت فاطمة الى جلد كبش مدبوغ بالقـرظ( ) كان ينام عليه الحسن والحسين فقالت: خذ أيها الطارق فعسى الله ان يرتاح لك ما هو خير منه، قال الاعرابي: يا بنت محمد شكوت اليك الجوع فناولتيني جلد كبش ما انا صانع به مع ما أجد من السغب( ).
قال: فعمدت لما سمعت هذا من قوله الى عقد كان في عنقها اهدتها لها فاطمة بنت عمها حمزة بن عبد المطلب: فقطعته من عنقها ونبذته الى الإعرابي فقالت: خذه وبعه: فعسى الله ان يعوضك به ما هـو خير منه، فاخذ الإعرابي العقد وانطـلق الى مسجد رسول الله وهو صلى الله عليه وآله وسلم جالس في اصحابه فقال: يا رسول الله اعطتني فاطـمة بنت محـمد هذا العقـد فقالت: بعه فعسى ان يصنع لك.
قال: فبكى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: كيف لا يصنع الله لك وقد اعطتكه فاطمة ابنة محمد سيدة بنات آدم.
فقال عمار بن ياسر رحمة الله عليه: يا رسـول الله اتأذن لي بشراء هذا العقد؟ قال: اشـتره يا عـمار فلو اشـترك فيه الثقلان ما عذبهم الله بالنار، فقال عمار: بكم العقد يا اعرابي؟
قال: بشبعة من الخبر واللحم، وبردة يمانية استر بها عورتي واصلي فيها لربي ودينار يبلغني الى اهلي، وكان عمار قد باع سهمه الذي نفله رســول الله صلى الله عليه وآله وسـلم من خيبر ولم يبـق منه شـيئاً فقـال: لك عشرون دينار ومائتا درهــم هجـرية وبـردة يمانية وراحــلتي تبلغك اهلك وشبعك من خبز البر واللحم، فقال الإعرابي: ما اسـخاك بالمال ايها الرجل، وانطلق به عمار فوفاه ما ضمن له.
وعاد الإعرابي الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: أشبعت واكتسيت؟ قال الإعرابي: نعم واستغنيت بأبي أنت وامي، قال: فاجز فاطمة بصـنيعها، فقال الإعـرابي: اللهم انك إله ما اسـتحدثنــاك ولا اله نعبده سواك وانت رازقنا على كل الجهات اللهم اعط فاطمة ما لا عين رأت ولا اذن سمعت.
فأمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم على دعائه واقبل على اصحابه فقال: ان الله قد اعطى فاطمة في الدنيا ذلك؟ انا ابوها وما احد من العالمين مثلي، وعلى بعلها ولولا علي ما كان لفاطمة كفو ابداً، واعطاها الحسن والحسين وما للعالمين مثلهما سيدا شباب اسباط( ) الأنبياء وسيد شباب اهل الجنة، وكان بازائه مقداد وعمار وسلمان، فقال: وازيدكم قالوا: نعم يا رسول الله.
وبالإسناد عن البراء قال : لمّا نزلت {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين} جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلاً، الرجل منهم يأكل المسنّة ويشرب العس، فأمر عليّاً برِجْل شاة فأدمها ثم قال : ادنُوا باسم الله فدنا القوم عشرة عشرة فأكلوا حتى صدروا، ثم دعا بقعب من لبن فجرع منه جرعة ثم قال لهم : اشربوا باسم الله، فشرب القوم حتى رووا فبدرهم أبو لهب فقال : هذا ما يسحركم به الرجل، فسكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ فلم يتكلّم. ثمَّ دعاهم من الغد على مثل ذلك من الطعام والشراب ثم أنذرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا بني عبد المطلب إنّي أنا النذير إليكم من الله سبحانه والبشير لما يجيء به أحد منكم، جئتكم بالدنيا والآخرة فأسلموا وأطيعوني تهتدوا، ومَن يواخيني ويؤازرني ويكون وليّي ووصيي بعدي، وخليفتي في أهلي ويقضي ديني؟ فسكت القوم، وأعاد ذلك ثلاثاً كلّ ذلك يسكت القوم، ويقول علي : أنا فقال : أنت فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب : أطع ابنك فقد أُمِّر عليك ( )
قال : اتاني الروح يعني جبرئيل عليه السلام انها اذا هي قبضت ودفنت يسألها الملكان في قبره: من ربك فتقول : الله ربي، فيقولان : من نبيك : فتقول : ابي، فمن وليك ؟ فتقول : هذا القائم على شفير قبري علي بن ابي طالب عليه السلام.
الا وازيدكم من فضــلها: ان الله قد وكل بها رعيلاً من الملائكة يحفظونها من بين يديها ومن خلفها وعن يمينها وعن شمالها وهم معها في حياتها وعند قبرها وعند موتها يكثرون الصلاة عليها وعلى ابيها وبعلها وبنيها.
فمن زارني بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي ومن زار فاطمة فكأنما زارني، ومن زار علي بن ابي طالب فكأنما زار فاطمة، ومن زار الحسن والحسين فكأنما زار علي، ومن زار ذريتهما فكأنما زارهما، فعمد عمار الى العقد فطيبه بالمسك ولفه في بردة يمانية وكان له عبد اسمه سهم ابتاعه من ذلك السهم الذي اصابه بخيبر فدفع العقد الى المملوك، وقال له: خذ هذا العقد فادفعه الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانت له فاخذ المملوك العقد فأتى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واخبره بقول عمار فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم انطلق الى فاطمة فادفع اليها العقد وانت لها، فاخذت فاطمة عليها السلام العقد واعتقت المملوك فضحك الغلام فقالـت: ما يضحـكك يا غـلام؟ فقال: اضحكني عظم بركـة هذا العقـد اشبع جائعاً وكسـى عريانـاً واغنـى فقيراً واعتـق عبــداً، ورجع الى ربه( ).
هذا نموذج لإكرام الزهراء للضيف واعطاء السائل وسخاء نفسها الطاهرة بكل ما تملك من مال، اما بالنسبة للفقرة الثالثة من الوثيقة التعليمية التي سلحها بها رسول الله صلى الله عليه وآله وســلم وهــي ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً او يسكت، فمما لا يختلف فيه اثنان ان الزهراء لم تنطق الا بالذكر والحق، وكان التسبيح لها غذاءً والمحراب لها مقاماً.
بالإسناد عن المنهال بن عمرو عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة قالت: “ما رأيت احداً اشبه كلاماً وحديثاً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فاطمة، كانت اذا دخلت عليه رحب بها وقبل يديها واجلسها في مجلسه فاذا دخل عليها قامت اليه فرحبت به وقبلت يديه، ودخلت عليه في مرضه فسارها فبكت ثم سارها فضحكت، فقلت: كنت أرى لهذه فضلاً على النساء؛ فاذا هي امرأة من النساء، بينما هي تبكي اذ ضحكت فسألتها فقالت: اذا اني لبذرة( )، فلما توفى رسول الله سألتها فقالت: انه اخبرني انه يموت فبكيت، ثم اخبرني اني أول اهله لحوقاً به فضحكت( )”.
وكما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعل مع الإمام علي عليه السلام في مواصلة تعليمه واطلاعه على ابواب العلم وسبل التكامـل في المعرفة الإلهيـة فيجيبـه اذا سألـه ويحدثه ابتداءً اذا سكـت لإعداده للزعامـة وتهيئته لمستلزمات الإمامة، فقد كان صلى الله عليه وآله وسـلم يفعل ذات الشيء مع الزهراء في مسالك التعليم فاذا سألت حاجة في بعض امورها يأتيها الجواب نســكاً من العبادة، وورداً من الدعــاء، وسـبيلاً في دروب التقوى.
ان انشغال الزهراء عليها السلام بمسائل الشريعة والإمامة وانقطاع بيت النبوة الى المهمات الجسام جعل الحاجات التي تسعى الزهراء عليها الســلام لتوفيرها لشــؤونهـا وادارة مـنزل الوحـي افراداً قليلة، فهذا السعي يتجلى بلجوئها الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسؤاله قضاء حاجتها، ومن حـق المـرء ان يتوقع ســرعة اســتجابة النبي صــلى الله عليه وآله وسلم لسؤال الزهراء لمنزلتها العظيمة عنده، ويسر تلك المسألة وصغــرها ازاء تلــك الهبـات التي تفيــض بها يــد رسول الله صــلى الله عليه وآله وســلم على اهــل المدينــة والوافـدين والأعراب واصحاب المسألة.
وتأتي استجابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة بصيغ الكمالات والزهد التي دأب أهل البيت عليها، لتكون مدرسة في التعليم وآية في الحكمة، ولتعطي للمسلمين موعظة بليغة في كيفية تجسيد المحبة والشفقة وظهورها بالهداية والنصح الإيماني.
سألت عليها السلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاتماً فقال: الا أعلمك ما هو خير من الخاتم؟ اذا صليت صـلاة الليل فاطـلبي من الله عز وجل خاتماً تنالين حاجتك، فدعت ربها تعالى فاذا بهاتف يهتف: يا فاطمة الذي طلبت مني تحت المصلى فرفعت المصلى فاذا الخاتم ياقوت لا قيمة له من جهة الكثرة فجعلته في اصبعها وفرحت، فلما نامت من ليلتها رأت في منامها كأنها في الجنة فرأت ثلاث قصور لم تر في الجنة مثلها.
قالت: لمن هذه القصور؟ قالوا: لفاطمة بنت محمد، قالت: فكأنها دخلت قصراً من ذلك ودارت فيه فرأت سريراً قد مال على ثلاث قوائم فقالت عليها السلام: ما لهذا السرير قد مالت على ثلاث؟ قالوا: لأن صاحبته طلبت من الله خاتماً فنزع احد القوائم وصيغ لها خاتماً وبقي السرير على ثلاث قوائم. ( )
فلما اصبحت دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقصت القصـة، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “معاشـر آل عبد المطلب ليس لكم الدنيا انما لكم الآخـرة، وميعادكم الجنـة ما تصـنعـون بالدنيا فانها زائلة غرارة”، فامرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان ترد الخاتم تحــت المصلى فردت ثم نامــت على المصـلى فرأت في المنام انها دخــلت الجنـــة فدخلت ذلك القصر ورأت السرير على اربع قوائم فسألت عن حاله فقالوا: ردت الخاتم ورجع السرير الى هيئته( ).
هكذا تتجســد آفاق المحبــة الخالصــة في مقامات السعادة وسنن الزهد وفق معايير الزعامة في الخاصة، ولا يمكن ان يتم ذلك الا بالهام يفوق اوهام البشر ويتخطى مدارك افهامهم، فالمسألة لم تتعــلق بالحــاجة الآنية للزهراء بل هي اكبر واعظم، إنها إعداد للأمة في موازين الرسالة السـماوية وبناء عقائـــدي قائم على الزهــد والتقـوى والتخلي عن مباهج الدنيا وزينتها باتجاه الإستعداد للآخرة ومنازلها والنجاة من اهوالها.
وهي مدرسة فكرية لانشاء ووضع قواعد ارتكازية متينة لمجتمعات اسلامية متصفة بالصبر والهمة ومستندة الى التوكل على الله عز وجل ومعرضة عن حاجات دنيوية بسيطة وتمنع من بروزها الى المقدمة في الإنشغال والإعتبار والإهتمام والشأن.
وفيها دعوة الى التدبير والإقتصاد وعدم الإلتفات الى المظاهر المستحدثة لمباهج الدنيا وخطاب انحلالي متوجه الى جميع المسلمات عبر الأجيال المتعاقبة وان جاء بصيغة الواقعة والخبر، ولقد جاء في القرآن الكريم وفي آية المباهلة وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ ، والمقصود في المقام الزهراء عليها السلام باجماع الفقهاء والمفسرين والمؤرخين، لتكون أسوة ورمزاً لكل المسلمات وعنواناً للحضور النسوي في هذه الملحمة العقائدية، كما تكون استجابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصيغها درساً رسالياً مباركاً لعموم المسلمين والنساء اللواتي يساهمن في بناء المجتمع وتعاهد الإيمان من خلال الحياة اليومية في المنزل، وللسيرة الشخصية في مسالك الإيمان والتي تترك آثارها واضحة في سلوك الإبناء ذكـوراً واناثاً وتمثل محـوراً عصرياً يرفد التأريخ بجيل يتعاهد القيم الإسلامية ويرعى حرمة الإيمان ويقف سداً منيعاً في مواجهة هجمات الضلالة وتحرشات اقطاب الفكر.
لقد كان تعليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم للزهراء في شعب الفضيلة باب هدى وسبيل رشاد لكل امرأة من نساء المسلمين بل ولجميع المسلمين لما يمثله من أساس متين في صرح البناء الفكري والروحي والإجتماعي للإسلام ويمكن اعتباره من أولى صيغ الإصلاح الإجتماعي والعقائدي في تأريخ البشرية.
ولشخصية الزهراء عليها السلام مقام مبارك في منافع التعليم الهادف ذي صبغة الإطلاق وفي مختلف العصور، بما اظهرته عليها السلام من حســن استجابة وتمام الإلتزام بتعليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم واظهارها الرضا والقبول بما يأمر به، فعندما تأتي الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم تشكو طغيان الجوع لبضعة ايام ويكون رده صلى الله عليه وآله وسلم دعاء يعلمها اياه تراها ترجع مسرورة مستبشرة راضية، ومواظبة على الدعاء لتلتفت الأمة الى عظيم منزلة الدعاء عامة والى التأمل بالخصوصية المتعلقة بفرد الدعاء الذي ادخره البشير النذير صلى الله عليه وآله وسلم للزهراء واتحفها به وهي في حاجة وعســر، ولعــل هذه الوقــائع من اهــم المناســبات لحفظ جانب من السيرة النبوية الشــريفة وجعله من تراث المسلمين ومبادئ عقيدتهم لما فيها من دروس لحفظ السنة المباركة والتوكيد على موضوعية التوثيق والحاجــة الى التحــرز والإســتعانة بتلك النصوص من الأدعية والأوراد.
فكل مسلم يدرك بالفطرة ان ما اتحف به النبي صلى الله عليه وآله وسلم بضعته الطاهرة الزهـراء البتول من احسـن الكنـوز الدنيوية والذخائر الأخروية، وتقـــع على عاتق الفقهــاء والمفكرين من المسلمين مسؤولية ابراز تلك الصفحات المضيئة من وجوه تعليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم للزهراء عليها السلام لتملأ انوارها اجواء الحياة الإجتماعية للمسلمين وتظهر ثمارها يانعة في سلوك الأفراد ذكوراً كانوا او اناثاً، انه من إفاضات النبوة التي مــلأت أركان الزهراء ايماناً وعلماً فكانت هــادية مهدية ففي قوله تعالىفَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ. روي عن ابن عباس انه قال: “هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، وهم أهل الذكر والعلم والعقل والبيان، وهم أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة”( ).
وروي عن جابر ومحمـد بن مسلم عن محمد الباقر عليه السـلام انه قال: “نحن اهل الذكر( )”.
لقد كان تعليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم للزهراء تعليماً وارشاداً للأمة رجالاً ونساءً، فمن خلالها القى النبي صلى الله عليه وآله وسلم دروس الحكمة لتساهم في تهذيب النفوس وتخليصها من الكدورات الظلمانية وتساعدها في التوجه الى اداء الفرائض واتيان الصالحات بشغف وشوق، وكانت غذاء للأمة وباباً لعشق المسلمين لسيرة الزهراء وحبهم لشخصها الكريم، لتفتخر كل مسلمة بانوثتها بواسطة الزهراء وعظيم منزلتها في الإسلام وعند النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
صفة الزهراء
صيغ الإكرام والمودة في نفوس المسلمين لشخص الزهراء يبعث على تنازل حياتها وسيرتها بتقديس وإتعاظ، وقد يكون من عمو مات قوله تعالى[كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ] ( )، ولا يلتف المسلم تماماً الى هذا الجانب لعدة أسباب أظهرها:
الأول : إنها بضعة الرســول صــلى الله عليه وآله وســلم وللتبادر بانها تحمل ذات الصفات التي نعرفها عن شخصه الكريم من ملامح قدسية، وقد روى عن أم سلمة انها قالت: “كانت فاطمة بنت رسول الله اشبه الناس وجـهاً وشبهاً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم”( ).
الثاني : إجلال الزهراء وإكرامها وتنزيه مقامها عن المتابعة بلغة الوصف ومفردات الصفات الشخصية.
الثالث : العفة المطلقة التي كانت تتصف بها حياة الزهراء اليومية.
الرابع : تسليط الأضواء على تقوى الزهـراء عليها السلام يملي علينا الرجوع الى عناصر التكوين والخلق، ففي حديث الاسراء قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “ثم اني صرت الى السماء الخامسة ومنها الى السادسة وصرت الى الحجب اخذ جبرئيل عليه السلام بيدي وادخلني الجنة فاذا انا بشجرة من نور في اصلها ملكان يطويان الحلل والحلي فقلت: حبيبي جبرئيل لمن هذه الشجرة؟ فقال: هذه لأخيك علي بن ابي طالب عليه السلام وهذان الملكان يطويان له الحلي والحلل الى يوم القيامة، ثم تقدمت امامي فاذا انا برطب ألين من الزبد واطيب رائحة من المسك واحلى من العسل فاخذت رطبة فتحولت الرطبة نطفة في صلبي فلما ان هبطت الى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة، ففاطمة حوراء انسية فاذا اشتقت الى الجنة شممت رائحة فاطمة عليها السلام( )”.
والرواية تؤكد فضيلة مباركة تتفرد بها الزهراء عليها السلام وان انوارهـا تشـع ليس في سلـوك الزهـراء فقط بل وفي صـفتها وهيئتهـا باعتبارهـا الشخص الذي جمع الأنوار السماوية واضواء النبوة ومعالم الإمامة.
وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال لعائشـة: “ان فاطمة ليست كنساء الآدميين لا تعتل كما تعتلن( )”، وهذه الوثيقـة تجسـد المزايا التكوينيـة والخلقيـة التي تتصف بها الزهـراء عليها السـلام ولابـد ان تلك الأنوار الســماوية الكامــنة في تكــوين الزهـراء لا تخفى عن أمير المؤمنين عليه السلام لأمرين كانا مجتمعين عنده وهما الإمامة والزوجية، بل انها مخصوصة لحضرته إكراماً لأهل البيت وإجلالاً وسمواً لمقام الزهراء.
وورد في سبب تسميتها عليها السلام الزهراء، عن الإمام علي الهادي قال: “كان وجهها يزهر لأمير المؤمنين عليه السلام من اول النهار كالشمس الضاحية وعند الزوال كالقمر المنير وعند غروب الشمس كالكوكب الدري( ).
وورد عن انس بن مالك انه قال: “سألت أمي عن صفة فاطمة عليها السلام فقالت: كانت كأنها القمر ليلة البدر او الشمس كفرت( ) غماما او خرجت من السحاب وكانت بيضاء بضة( )( ).
والمعروف ان أنس خدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مدة اقامته في المدينة وهي عشر سنين، وقد روى أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما روى عن فاطمة، ومع هذا فانه يسأل أمه عن صفات الزهراء عليها السلام مما يعني أنه لم يرها.
إن التشبيه بالشمس التي يسترها السحاب الأبيض كما في الرواية يبين سر تلك الحجب النورانية ويؤيد ما ذهبنا اليه في انكشافها لأمير المؤمنين عليه السلام، وهذا السر الملكوتي علة وسبب مبارك لذلك الزواج المقدس وانفراد أمير المؤمنين عليه السلام بمستلزمات الإستحقاق للزواج من الزهراء والأهلية والكفاءة المحصورة للإقتران بها، وفيه توجيه كريم لرد سؤال بعض الصحابة في خطبتهم لها، من غير طعن بواحد منهم، ولكن سمات التشـريف والمنزلة العالية لأمير المؤمنين عليه السلام باب افتخار لكل مسلم، بالإضافة الى ان الجميع يشهد ويعترف بان له من الخصال الحميدة والمناقب العظيمة ما لم تكن عند غيره.
وفي كلام للإمام علي عليه السلام يتعلق برؤيته لوجه الزهراء ليلة الزفاف قال: “فلما نظرت الى وجه فاطمة اخذتني هيبة عظيمة من جهة كونها أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الشمائل الحسنة والكلام والإشارة.
وكما كان أمير المؤمنين عليه السلام يطلع على الأنوار المشرقة من محيى الزهراء البهـي فان اهل السماء كانوا يرون تلك الأنوار لما تضيئه من دائرة اشعاع حولها لأمر يتعلق باسرار الخلقة وعنصر التكوين الســماوي وآيات الهيـة يجعلهــا الله في الأرض ليســتنير بها او يســتدل بها أهل السماوات، بالإسناد عن ابن عمارة عن ابيه قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن فاطمة لم سميت زهراء؟ فقال: “لأنها كانت اذا قامت في محرابهـا زهـر نورها لأهل السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض( ).
هذا وقد ورد في رواية مرسلة عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: “ان ذلك النور لم يزل في وجههـا عليها السلام حتى ولد الحسين عليه السلام فهو يتقلب في وجوهنا الى يوم القيامة في الأئمة منا اهل البيت إمام بعد إمام( )”.
ان براهين التوحيد والحجج الدالة على صدق الدعوة الإسلامية أمران متلازمان في احوال كثيرة وتؤكد هذه الملازمة آيات عديدة منها ما كان ظاهراً في بيت النبوة ومهبط الوحي، ومنها وجوه العصمة التي كانت باباً مفتوحاً ولجت منه شعوب كثيرة الى الإسلام لتنهل من إفاضات الإسلام سبل الإرتقاء في الدارين وتتزود من علوم القرآن وسيرة النبي وآله المباركة مستلزمات اليقين وعناصر الإيمان، وما يرسخ التقوى في النفوس ليتوارث المسلمون الاحتراز من مواطن الشرك وطرق الضلال.
روى في المناقب ان علياً – عليه السلام – اسـتقرض من يهـودي شـعـيراً فاســترهنه شــيئاً فدفع اليه مــلاءة( ) فاطمــة رهـناً وكانت من الصوف فادخلها اليهـودي الى دار ووضعهـا في بيـت فلما كانـت الليلـة دخـلت زوجتــه البيـت الذي فيه الملاءة بشــغل فرأت نــوراً ســاطعـاً في البيت أضاء به كله فانصرفت إلى زوجها فاخبرته بانها رأت في ذلك البيت ضوءاً عظيماً فتعجب اليهودي زوجها وقد نسـي ان في بيتـه ملاءة فاطمـة فنهـض مسـرعاً ودخـل البيت فاذا ضياء المـلاءة ينتشـر شعاعها كأنه يشـتعل من بدر منير يلمع من قريب، فتعجب منه فانعم النظر في موضع الملاءة فعلم ان ذلك النور من ملاءة فاطمة فخرج اليهودي يعدو إلى أصدقائه وزوجته تعدو الى اقربائها فاجتمع ثمانون من اليهود فرأوا ذلك فاسلموا كلهم، وهو من عمومات قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: فاطمة بضعة مني )، بأن تترشح بركات النبوة عليها وبواسطتها للناس.
وعندما يكون الكلام متعلقاً برحمة إلهية وكرامة يمنّ الله بها على بعض خلقه فهو بالضرورة مجرد من صيغ المبالغة وخال من الغلو باعتباره وصفاً لجانب من رحمته تعالى التي وسعت كل شيء وتسليماً بقدرته التي تستجيب لها الأشياء جميعاً برضا وخضوع، لذا فان الأنوار التي تكسو وجه الزهراء وتتغشى شخصها المبارك رحمة منه تعالى للمسلمين وفضل كتبه للزهراء عليها السلام واشراقة ودلالة على تفضيلها على نساء العالمين وسر من أسرار الخليقة ترتبط به مسائل كونية متعددة وتستنبط منه مفاهيم وأحكام تنير الدرب لأهل الإيمان وتكون مدخلاً لكثير من الشرائع والقيم والمفاهيم.
ففي قوله تعالى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى، ذكر ان الله عز وجل اخرج ذرية آدم من صلبه في عالم الذر وجعلهم فهمـاء وعـقـلاء يفهمـون الخطاب واخذ عليهم ميثاقهم ان يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم ردهم إلى صلب آدم والناس محبوسون، والروايات الخاصة بعالم الذر وردت في طرق مختلفة وفي كتب التفسير والحديث ويشير بعضها الى خلق الله عز وجل الأرواح قبل الأجساد بألفي عام.
لذلك ورد بالإسناد عن عبد الرحمن عن ســدير الصـيرفي عن الإمام الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: خلق نور فاطمة عليها السلام قبل ان يخلق الأرض والسماء، فقال بعض الناس: يا نبي الله فليست هي انسية؟ فقال: فاطمة حوراء انسية، قالوا: يا نبــي الله وكيف هي حوراء انسية؟ قال: خلقها الله عز وجل من نوره قبل ان يخلق آدم اذ كانت الأرواح فلما خلق الله عز وجل آدم، عرضـت على آدم، قيل: يا نبي الله اين كانت فاطمة؟ قال: كانت في حقـة تحت ساق العرش.
قالوا: يا نبي الله فما كان طعامها؟ قال: التسبيح والتقديس والتهليل والتحميد، فلما خلق الله عز وجل آدم واخرجني من صلبه واحب الله عز وجل ان يخرجها من صلبي جعلها تفاحة في الجنة واتاني بها جبرئيل عليه السلام فقال لي: السلام عليك ورحمة الله وبركاته يا محمد، قلت: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته حبيبي جبرئيل، فقال: يا محمد ان ربك يقرئك السلام، قلت: منه السلام واليه يعود السلام، قال: أي محمد إن هذه التفاحة أهداها الله عز وجل اليك من الجنة، فاخذتها وضممتها الى صدري.
قال: يا محمـد يقول الله جل جلاله كلـها ففلقتها فرأيت نوراً ساطعاً وفزعـت منه، فقـال: يا محمـد مـالك لا تأكل، كلها ولا تخـف فـان ذلـك الـنور للمنصورة في السماء وهي في الأرض فاطــمة، قلت: حبيبي جبرئيل ولم سُميت في السماء المنصـورة وفي الأرض فاطمة؟ قال: سُميت في الأرض فاطمة لأنها فطمت شيعتها من النار وفطمت اعداءها عن حبها وهي في السماء المنصورة وذلك قول الله عز وجل وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ يعني نصــر فاطمة لمحبيهـا. هذا وقـد روي إنـها عليها السلام كانت مشـرقة الرباعيــة( ) أي إنها تضيء وتتلألأ وهي تشع نوراً( ).
ان النظر في صفات الزهراء لابد وان يكون من خلال روح التقديس والإجلال التي يحملها لها كل مسلم لما تنفرد به من منزلة في نفوس المسلمين مقرونة بهالة من الإكبار والتعظيم خاصة وانها بضعة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ومنار الإيمان ورمز الفخر ومحل الهيبة والوفاء وعنوان العفة والكرامة بالإضافة الى ان ذكرها استحضار لسيرة النبي صـــلى الله عليه وآله وسلم ولمقام النبوة، وقد روي عن جــابر بن عبد الله انه قال: “ما رأيت فاطمة تمشي الا ذكرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تميل على جانبها الأيمن مرة وعلى جانبها الأيسر مرة( )”.
وبالإضافة الى اســباب الخلق التكوينية وإعتبارات الوراثة فأنها عليها السلام اقتبســـت من رســـول الله صلى الله عليه وآله وسلم المكارم كلها وكانت مرآة مضيئة تبث الى الأمة الإسلامية ومجتمعاتها آداب النبـــوة ومعالم ســــنن الشريعة في ميادين العفة والورع وحسن الخلق.
زواجها
ان في قوله تعالى يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا… بياناً لوظيــفة المرأة والأســـباب التكوينية في وجودها كزوجـــة ووعاء لتكاثر بني آدم في الأرض كي يعبدوا الله عز وجـــل كما في قـــوله تعــالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ.
واثبات شئ لشئ لا يفيد النهي عن ضده من وظائف المرأة الأخرى حسب الزمان والمكان ، وخرجت بعض الصحابيات ومنهن فاطنة عليها السلام وعائشة إلى معركة أحد ، لمداواة الجرحى وشاركت بعضهن في الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واصيبت بجراحات .
والزهراء عليها السلام مع عظيم منزلتها في السماء والأرض هي أيضاً امرأة يقع عليها في هذا المقام مسؤولية عظيمة تشهدها الأرض الا وهي إظهار لواء الإمامة وحمل الإمامين الذين قال فيهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “الحسن والحسين إمامان قاما او قعدا( )”.
وفيه شاهد على الإطلاق في إمامة كل واحد منهما من وجوه:
الأول : قيامهما بوظائف الإمامة وهي الرئاسة العامة في أمور الدين والدنيا، أو عدم القيام بها.
الثاني : مواجهة الظالم وهو من عمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان، أو إتخاد الصبر رداءً، قال تعالىوَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ.
الثالث : الشهادة النبوية بأن قيام الحسن بالصلح مع معاوية ، وخروج الحسين بالسيف إنما هو من مصاديق الإمامة.
وفيه بيان للسعة في سنن الإمامة، ودعوة للمسلمين للتفقه في الدين وإستدامة المودة لأهل البيت.
ومثلما تحـتاج الشريعة الإســـلامية الى تلك الوظيفة القدســـية المباركة لسيدة نساء العالمين فان أعناق وجوه الصحابة اشرأبت الى ذلك الشرف الخالد الذي يتمثل بخطبة الزهراء ولكن انقلابهم خالين كان سريعاً لما يعلمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حلقات نشوء ونمو الإمامة في بيت الرسالة ومهبط الوحي والتنزيل، بالإضافة الى ان زواج الزهراء يمثل جوهراً في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتأريخ الإسلام فهي وليدة عهد الرسالة ونالت شرف الهجرة، وجاء أوان زواجها بـــعد وفاة أمها خديجـــة الكبرى في أحوال جهادية عصيبة.
وقد ورد عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وام سلمة وسلمان الفارسي: “ان فاطمــة بنت رسـول الله صلى الله عليه وآله وسـلم لما أدركت مدرك النســاء خطبهــا أكابــر قريش من أهل الفضل والسابقة في الإسلام والشرف والمال، وكان كلما ذكرها رجل من قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعرض عنه بوجهه حتى كان الرجل منهم يظن في نفسه انه ساخط عليه او قد نزل عليه فيه وحي من السماء، ولقد خطبها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابو بكر فقال له: امرها الى ربها، وخطبها بعد ابي بكر عمر بن الخطاب فقال له: كمقالته لأبي بكر.
وفي رواية عن بريدة( ) ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لكل منهما انها صغيرة.
وان ابا بكر وعمر كانا ذات يوم جالسين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعهما سعـد بن معـاذ الأنصـاري ثم الأوسـي فتذاكـروا عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال أبو بكر: قد خطبها الأشراف من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن أمرها إلى ربها ان شاء أن يزوجها زوّجها.
وان علـي بن ابي طالب لم يخطبهـا من رسـول الله صلى الله عليه وآلـه وسلم ولم يذكرها له ولا اراه يمنعه من ذلك الا قلة ذات اليد، وانه ليقع في نفسي ان الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم انما يحبسانها عليه.
قال: ثم اقبل ابو بكر على عمر بن الخطاب وعلى سعـد بن معاذ فقال: هل لكم في القيام الى علي بن ابي طالـب حتى نذكـر له هذا، فان منعه قلة ذات اليد واسيناه واسعفناه، فقال له سعـد بن معاذ: وفقك الله يا أبا بكر فما زلت موفقاً قوموا بنا على بركة الله ويمنه، قال سلمان الفارسي: فخرجوا من المسجد والتمســوا علياً في منزله فلم يجــدوه وكان ينضح ببعير – كان له – الماء على نخل رجل من الأنصار باجــرة، فانطلـقوا نحـوه فلما نزل اليهم علي عليه السلام قال: ما وراءكم وما الذي جئتم له؟
فقال له ابو بكر: يا ابا الحسن انه لم يبق خصلة من خصال الخير إلا ولك سابقة وفضل وأنت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمكان الذي عرفت من القرابة والصحبة والسابقة، وقد خطب الأشراف من قريش الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابنته فاطمة فردهم وقال: ان امرها الى ربها ان شاء الله ان يزوجها زوّجها، فما يمنعك ان تذكرها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتخطبها منه فاني أرجو ان يكون الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم انما يحبسانها عليك.
قال: فتغرغرت( ) عينا علي بالدموع وقال: يا أبا بكر لقد هيجت مني ساكناً وايقظتني لأمر كنت عنه غافلاً، والله ان فاطمة لموضع رغـبة وما مثـلي قعد عن مثلها غير انه يمنعني من ذلك قلة ذات اليد.
ولعل في الخبر إشارة الى أن الإمام ينتظر الوقت المناسب لما فيه من الحجة والتوثيق.
قال: ثم ان علي بن ابي طالب حل عن ناضحـه وأقبل يقـوده الى منزلـه فشـده فيه، ولبس نعله واقبل الى رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في منزل زوجته ام سلمة( ) ابنة أبي امية بن المغيرة المخزومي فدق علي عليه السلام الباب فقالت ام سلمـة: من بالباب؟ فقال لهـا رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قبل ان يقول علي انا علي، قومي يا ام سلمة فافتحي له الباب ومريه بالدخول فهذا رجل يحبه الله ورسوله، ويحبهما، فقالت ام سلمة: فداك ابي وأمي ومن هـذا الذي تذكـر فيه هـذا وانـت لم تره؟ فقـال: مـه يا أم سلمة فهذا رجل ليس بالخرق ولا بالنزق هذا أخي وابن عمي وأحب الخلق اليّ.
أقول : إن زواج الإمام علي عليه السلام من فاطمة الأول من شهر ذي الحجة من السنة الثانية للهجرة أي بعد واقعة بدر بشهرين ونصف الشهر ، أما زواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أم سلمة فهو في شهر جمادى الآخرة من السنة الرابعة ، أي أنه متأخر زماناً عن زواج علي عليه السلام ، ولعل زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي فتحت الباب للإمام علي عليه السلام هي غير أم سلمة ، ولعلها سودة بنت زمعة.
قالت أم سلمة: فقمت مــبادرة اكــاد ان اعثــر بمرطي، ففتحت الباب فاذا انا بعلي بن ابي طالــب عليه السلام والله ما دخـــل حتى علم اني قد رجعت الى خدري ثم انه دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: السـلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليك السلام يا ابا الحسن…اجلس.
قالت ام سلمة: فجلس علي بن ابي طالب عليه السلام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعل ينظر الى الأرض كأنه قصد الحاجة وهو يستحي ان يبديها، فهو مطرق الى الأرض حياءً من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فقالت ام سلمة: فكأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم ما في نفس علي عليه السلام فقال له: يا ابا الحسن اني أرى انك أتيت لحاجة فقل حاجتك وابدأ ما في نفسك، فكل حاجة لك عندي مقضية.
قال علي عليه السلام : فداك أبي وأمي انك لتعلم انك اخذتني من عمك ابي طالب ومن فاطمة بنت اسد وانا صبي لا عقل لي؟ فغذيتني بغذائـك، وأدبتني بأدبـك، فكنت اليّ افضل من ابي طالب ومن فاطمة بنت أسـد في البر والشفقـة، وان الله تعالى هداني بك وعلى يديك واستنقذنـي مما كان عليه آبائـي واعمامي من الحيرة، وانك والله يا رسول الله ذخري وذخيرتي في الدنيا والآخرة يا رسول الله فقد احببت مع ما شد الله من عضدي بك ان يكون لي بيت وان يكون لي زوجة أسـكن اليها، وقد أتيتك خاطباً راغباً أخطب اليك إبنتك فاطمة، فهل أنت مزوجني يا رسول الله؟
قالت ام سلمة فقال: يا ابا الحسن فهل معك شيء أزوجك به؟ قال علي عليه السلام: فداك أبي وأمي والله ما يخفى عليك من امري شيء أملك سيفي، ودرعي، وناضحي وما املك غير هذا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي اما سـيفك فلا غنى بك عنـه، تجاهـد به في ســبيل الله وتقاتل به أعداء الله، وناضحك تنضح به على نخـلك واهلـك وتحمل عليه رحلك في سفرك ولكني قد زوجتك بالدرع ورضيت بها منك.
يا ابا الحسن أبشرك؟ قال علي عليه السـلام قلت: نعم فداك ابي وامي فانك لم تزل مأمون النقيبة، مبارك الطائر، رشيد الأمر صلى الله عليك.
فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابشر يا ابا الحسن فان الله عز وجل قد زوجكها في السماء من قبل ان ازوجك في الأرض ولقد هبط علي في موضعي من قبل ان تأتينــي ملك من السماء له وجــوه شتى، واجنحة لم أر قبله من الملائكة مثله، فقال لي: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، ابشر يا محمد باجتماع الشمل وطهارة النسل، فقلت وما ذاك ايها الملك؟ فقال لي: يا محمـد انا ســيطائيل الملك الموكل باحـدى قوائم العـرش، سألت ربي عز وجل ان يأذن لي في بشارتك وهذا جبرئيل عليه الســـلام في اثري يخبرك عن ربك عز وجل بكرامة الله عز وجل.
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فما استتم كلامه حتى هبط عليّ جبرئيل فقال السلام عليك ورحمة الله وبركاته يا نبي الله.
ثم انه وضع في يدي حريرة بيضاء من حرير الجنة وفيه سطران مكتوبان بالنور فقلت: حبيبي جبرئيل ما هذه الحريرة؟ وما هذه الخطوط؟ فقال جبرئيل: يا محمد ان الله عز وجل اطلع الى الأرض اطلاعة فاختارك من خلقه برسالته، ثم اطلع الى الأرض ثانية فاختار لك منها أخاً ووزيراً وصاحباً وختناً، فزوجه ابنتك فاطمة.
فقلت حبيبي جبرئيل ومن هذا الرجل؟ فقال لي: يا محمد اخوك في الدنيا وابن عمك في النسب علي بن ابي طالب، وان الله اوحى الى الجنان ان تزخرفي فتزخرفت الجنان والى شجرة طوبى( ) احملي الحلي والحلل وتزينت الحور العين، وامر الله الملائكة ان تجتمع في السماء الرابعة عند البيت المعمور فهبط من فوقها اليها وصعد من تحتها اليها، وامر الله عز وجل رضوان فنصب منبر الكرامة على باب البيت المعمور( ) وهو الذي خطب عليه آدم وعرض الأسماء على الملائكة، وهو منبر من نور، فاوحى الى ملك من ملائكة حجبه يقال له: راحيل ان يعلو ذلك المنبر وان يحمده بمحامده ويمجده بتمجيده وان يثني عليه بما هو اهله، وليس في الملائكة احسن منطقاً ولا احلى لغة من راحيل الملك، فعلا المنبر وحمد ربه ومجده وقدسه واثنى عليه بما هو اهله فارتجت السماوات فرحاً وسروراً.
قال جبرئيل: ثم اوحى الله اليّ ان اعقد عقدة النكاح فاني قد زوجت أمتي فاطمة بنت حبيبي محمد عبدي علي بن ابي طالب فعقدت عقدة النكاح، واشهدت على ذلك الملائكة اجمعين، وكانت شهادتهم في هذه الحريرة وقد أمرني ربي عز وجل ان اعرضها عليك، وان اختمها بخاتم مسك وان ادفعها الى رضوان، وان الله عز وجل لما اشهد الملائكة على تزويج علي من فاطمة أمر شجرة طوبى ان تنثر حملها من الحلي والحلل، فنثرت ما فيها فالتقطته الملائكة والحور العين، وان الحور العين ليتهادينه ويفخرن به الى يوم القيامة.
يا محمد ان الله عز وجل أمرني ان آمرك ان تزوج علياً في الأرض فاطمة وتبشــرهمــا بغلامــين زكــيين نجيبين طاهرين طيبين خيرين فاضلين في الدنيا والآخرة، يا ابا الحســـن فوالله ما عـرج الملك من عندي حتى دققت الباب الا واني منفذ فيك امر ربي عز وجل امض يا ابا الحسن أمامي فاني خارج الى المسجد ومزوجك على رؤوس الناس، وذاكر من فضلك ما تقر به عينك واعين محبيك في الدنيا والآخرة.
وسأل فاطمة عن رأيها في الزواج من علي فسكتت (الله أكبر، سكوتها إقرارها)( ).
قال علي: فخرجت من عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسرعاً وانا لا اعقل فرحاً وسروراً فاستقبلني ابو بكر وعمر فقالا: ما وراءك؟ فقلت: زوجني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابنته فاطمة، واخبرني ان الله عز وجل زوجنيها من السماء، وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خارج في اثري ليظهر ذلك بحضرة الناس، ففرحا بذلك فرحاً شديداً ورجعا معي الى المسجد.
فما توسطناه حتى لحق بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وان وجهه ليتهلل سرورا وفرحاً فقال: يا بلال فاجابه فقال: لبيك يا رسول الله قال: اجمع اليّ المهاجرين والأنصار فجمعهم، ثم رقى درجة من المنبر فحمد الله واثنى عليه وقال:
معاشر المسلمين ان جبرئيل اتاني آنفاً فاخبرني عن ربي عز وجل انه جمع الملائكة عند البيت المعمور وانه اشهدهم جميعاً انه زوج أمته فاطمة ابنة رسول الله من عبده علي بن ابي طالب وامرني ان ازوجه في الأرض واشهدكم على ذلك.
ثم جلس وقال لعلي عليه السلام: قم يا ابا الحسن فاخطب انت لنفسك، قال: فقام، فحمد الله واثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وســلم وقال: الحمد لله شــكراً لأنعــمه وأياديـــه، ولا اله الا الله شهادة تبلغه وترضيه، وصلى الله على محمد صلاة تزلفه وتحظيه، والنكاح مما أمر الله عز وجل ورضــيه، ومجلســـنا هذا مما قضــاه الله واذن فيه، وقد زوجــني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابنته فاطمة وجعــل صـداقها درعي هذا وقد رضيت بذلك فاسألوه واشهدوا.
فقال المسلمون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زوجته يا رسول الله؟ فقال: نعم، فقالوا: بارك الله لهما وعليهما، وجمع شملهما.
وانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى ازواجه فامرهن ان يدففن لفاطمة، فضربن بالدفوف، قال علي: فاقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا ابا الحسن انطلق الآن فبع درعك وائتني بثمنه حتى اهيء لك ولأبنتي فاطمة ما يصلحكما.
قال علي عليه السلام فانطلقت فبعته باربعمائة درهم سود هجرية، من عثمان بن عفان فلما قبضت الدراهم منه وقبض الدرع مني قال: يا ابا الحسن لست أولى بالدرع منك وانت أولى بالدراهم مني فقلت: بلى، قال: فان الدرع هدية مني اليك فاخذت الدرع والدراهم، واقبلت الى رسول الله صلى الله عليه وآله وســلم فطــرحت الدرع والدراهم بين يديه واخبرته بما كان من امر عثمان فدعا له بخير، وفي رواية: فسكبت الدراهم في حجره صلى الله عليه وآله وسلم فلم يسألني كم هي ولا انا اخبرته.
وقبض رســول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبضة من الدراهم ودعــا بابي بكر فدفعها اليه وقال يا ابا بكـــر اشتر بهذه الدراهم لإبنتي ما يصلح لها في بيتها وبعث معه سلمان وبلالاً ليعيناه على حمل ما يشتريه.
قال ابو بكر: وكانت الدراهم التي اعطانيها ثلاثة وستين درهماً فانطلقت واشتريت فراشاً من خيش مصر محشواً بالصوف، ونطعاً( ) من أدم ووسادة من أدم حشوها من ليف النخل، وعباءة خيبرية وقربة للماء وكيزاناً( ) وجراراً ومطهرة للماء وستر صوف رقيقاً، وحملناه جميعاً حتى وضعناه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما نظر اليه بكى وجرت دموعه، ثم رفع رأسه الى السماء وقال: اللهم بارك لقوم جل آنيتهم الخزف.
قال علي: ودفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باقي ثمن الدرع الى ام سلمة فقال: اتركي هذه الدراهم عندك، ومكثت بعد ذلك شهراً لا اعاود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في امر فاطمة بشيء استحياء من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير اني كنت اذا خلوت برسول الله يقول لي: يا ابا الحسن ما احسن زوجتك واجملها ابشر يا ابا الحسن فقد زوجتك سيدة نساء العالمين.
قال علي عليه السلام: فلما كان بعد شهر دخل علي اخي عقيل بن ابي طالب فقال: يا اخي ما فرحت بشيء كفرحي بتزويجك فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم يا اخي فما بالك لا تسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدخلها عليك فنقر عيناً باجتماع شملكما، قال علي عليه السلام والله يا اخي اني لأحب ذلك وما يمنعني من مسألته الا الحياء منه فقال: اقسمت عليك الا قمت معي.
فقمنا نريد رسول صلى الله عليه وآله وسلم فلقينا في طريقنا أم أيمن( ) مولاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرنا ذلك لها فقالت: لا تفعل ودعنا نحن نكلمه فان كلام النساء في هذا الأمر احسن واوقع بقلوب الرجال.
ثم انثنت راجعـة فدخلـت الى أم سلـمة فاعلمتها بذلـك واعلمت نسـاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاجتمعن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان في بيت عائشة فاحدقن به وقلن: فديناك بآبائنا وامهاتنا يا رسـول الله قد اجتمعنا لأمـر لو ان خديجـة في الإحياء لقرت بذلك عينها.
قالت ام سلمة: فلما ذكرنا خديجة بكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال: خديجة واين مثل خديجة صدقتني حين كذبني الناس ووازرتني على دين واعانتني عليه بمالها، ان الله عز وجل امرني ان ابشر خديجة ببيت في الجنة من قصب.
قالت ام سلمة فقلنا: فديناك بآبائنا وامهاتنا يا رسول الله انك لم تذكر من خديجة امراً وقد كانت كذلك غير انها قد مضت الى ربها فهناها الله بذلك وجمع بيننا وبينها في درجــات جنته ورضوانه ورحمته يا رسول الله وهذا اخوك في الدنيا وابن عمك في النسل علي بن ابي طالب يحب ان تدخل عليه زوجته فاطمة عليها السلام وتجمع بها شملـه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: يا ام سلمة فما بال علي لا يسألني ذلك؟ فقلت: يمنعه الحياء منك يا رسول الله.
قالت ام ايمن: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انطلقي الى علي فأتيني به فخرجت من عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاذا علي ينتظرني ليسألني عن جواب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما رآني قال: ما وراءك يا أم ايمن، قلت: اجب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال عليه السلام: فدخلت عليه وقمن ازواجه فدخلن البيت وجلست بين يديه مطرقاً نحو الأرض حياء منه، فقال: اتحب ان تدخل عليك زوجتك؟ فقلت وانا مطرق: نعم فداك ابي وامي فقال: نعم وكرامة يا ابا الحسن ادخلها عليك في ليلتنا هذه او في ليلة غد ان شاء الله، فقمت فرحاً مسروراً وامر صلى الله عليه وآله وسلم ازواجه ان يزينّ فاطمة عليها السلام ويطيبنها ويفرشن لها بيتاً ليدخلنها على بعلها ففعلن ذلك.
واخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الدراهم التي سلمها الى ام سلمة عشرة دراهم فدفعها اليّ وقال: اشتر سمناً وتمراً وقطاً، فاشتريت واقبلت به الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحسر عن ذراعيه ودعا بسفرة من أدم وجعل يشدخ التمر والسمن ويخلطهما بالأقط حتى اتخذه حيساً( ).
ثم قال: يا علي ادع من احببت، فخرجت الى المسجد واصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متوافرون، فقلت: اجيبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقاموا جميعاً واقبلوا نحو النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاخبرته ان القوم كثير، فجعل السفرة بمنديل وقال: ادخل علي عشرة بعد عشرة، ففعلت وجعلوا يأكلون ويخرجون ولا ينقص الطعام، حتى لقد أكل من ذلك الحيس سبعمائة رجل وامرأة ببركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قالت ام سلمة: ثم دعا بابنته فاطمة ودعا علي عليه السلام فاخذ علياً بيمينه وفاطمة بشماله وجمعهما الى صدره فقبل بين اعينهما ودفع فاطمة الى علي وقال: يا علي نعم الزوجة زوجتك، ثم اقبل على فاطمة وقال: يا فاطمة نعم البعل بعلك، ثم قام يمشي بينهما حتى ادخلهما بيتهما الذي هيئ لهما ثم خرج من عندهما فاخد بعضادتي الباب فقال: طهركما الله وطهر نسلكما انا سلم لمن سالمكما وحرب لمن حاربكما استودعكما الله واستخلفه عليكما، وروي عن ابن عباس وجابر: انه لما كانت الليلة التي زفت فاطمة الى علي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم امامها وجبرئيل عن يمينها وميكائيل عن يسارها وسبعون ألف ملك من خلفها يسبحون الله ويقدسونه حتى طلع الفجر( ).
وعن ابن بابويه ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم امر بنات عبد المطلب ونساء المهاجرين والأنصار ان يمضين في صحبة فاطمة وان يفرحن ويرجزن ويكبرن ويحمدن الله ولا يقولن ما لا يرضي الله، وقد ذكر ابن شهر آشوب عن كتاب مولد فاطمة اراجيز( ) بالمناسبة لبعض ازواج النبي والمؤمنات( ).
وقال علي عليه السلام ومكــث رســول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك ثلاثـاً لا يدخل علينا فلما كان في صبيحة اليوم الرابـع جاءنـا ليدخل علينا، فصـادف في حجرتنـا اسمـاء بنت عمـيس الخثعمية( ) فقال لها: ما يقفـك ها هنــا وفي الحجـرة رجـل؟ فقالت: فـداك ابي وامي ان الفتــاة اذا زفت الى زوجها تحتاج الى امرأة تتعاهدها وتقوم بحوائجها فاقمت ههنا لأقضــي حوائــج فاطمة عليها الســلام، قال صلى الله عليـه وآله وسلم : يا اسماء قضى الله لك حوائج الدنيا والآخرة.
قال علي عليه السلام: وكانت غداة( ) قرة وكنت انا وفاطمة تحت العباءة فلما سمعنا كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأسماء ذهبنا لنقوم فقال: بحقي عليكما لا تفترقا حتى ادخل عليكما فرجعنا الى حالنا ودخل صلى الله عليه وآله وسلم وجلس عند رؤوسنا وادخل رجليه فيما بيننا، واخــذت رجله اليمنى فضــممتها الى صـدري، واخذت فاطمة رجله اليسرى فضمتها الى صدرها، وجعلنا ندفئ رجليه من القر.
حتى اذا دفئتنا قال: يا علي ائتني بكوز من ماء فاتيته فتفل فيه ثلاثاً وقرأ فيه آيات من كتاب الله تعالى ثم قال: يا علي اشربه واترك فيه قليلاً ففعلت ذلك فرش باقي الماء على رأسي وصدري وقال: اذهب الله عنك الرجس يا ابا الحسن وطهرك تطهيراً.
وقال: ائتني بماء جديد فاتيته به ففعل كما فعل وسلمه الى ابنته عليها السلام وقال لها: اشربي واتركي منه قليلاً ففعلت فرشه على رأسها وصدرها وقال صلى الله عليه وآله وسلم: اذهب الله عنك الرجس وطهرك تطهيراً، وامرني بالخروج من البيت وخلا بابنته وقال: كيف انت يا بنية وكيف رأيت زوجك؟ قالت له: يا ابه خير زوج الا انه دخل عليّ نساء من قريش وقلن لي: زوجك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فقير لا مال له.
فقال لها: يا بنية ما ابوك بفقير ولا بعلك بفقير، ولقد عرضت علي خزائن الأرض من الذهب والفضة فاخترت ما عند ربي عز وجل، يا بنية لو تعلمين ما علم ابوك لمسجت الدنيا في عينيك.
والله يا بنية ما ألوتك نصحاً ان زوجتك اقدمهم سلماً واكثرهم علماً واعظمهم حلماً يا بنية ان الله عز وجل اطلع الى الأرض اطلاعـة فاختار من اهلها رجلين: فجعل احدهما اباك والآخر بعلك، يا بنية نعم الزوج زوجك لا تعص له امراً.
ثم صاح بي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: لبيك يا رسول الله: قال: ادخل بيتك والطـف بزوجتك، وارفق بها فان فاطمة بضعة مني يؤلمني ما يؤلمها ويسرني ما يسرها استودعكما الله واستخلفه عليكما.
قال علي عليه السلام: فوالله ما اغضبتها ولا اكرهتها على امر حتى قبضها الله عز وجل، ولا اغضبتني ولا عصت لي امراً، ولقد كنت انظر اليها فتنكشف عني الهموم والأحزان.
قال علي عليه السلام: ثم قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لينصرف فقالت له فاطمة: يا ابه لا طاقة لي بخدمة البيت فاخدمني خادماً تخدمني وتعينني على أمر البيت، فقال لها يا فاطمة الا تريدين خيراً من الخادم؟ فقال علي: قولي: بلى، قالت: يا ابه خيراً من الخادم فقال: تسبحين الله عز وجل في كل يوم ثلاثاً وثلاثين مرة وتحمدينه ثلاثاً وثلاثين مرة وتكبرينه اربعاً وثلاثين مرة فذلك مائة باللسان وألف حسنة في الميزان، يا فاطمة انك ان قلتها في صبيحة كل يوم كفاك الله ما اهمك من امر الدنيا والآخرة( ).
لقد كان زواج الزهراء مدرسة عقائدية في ميدان الإجتماع وبناء الأسرة كما ساهم بصورة فعالة في تأسيس قواعد وأسس إسلامية لتكوين المجتمعات وتنظيم هياكلها وفق صيغ متيسرة وغير معقدة لتكون سبيلاً لرسوخ الإيمان في القلوب ونشر لواء الإسلام سواء كان بابراز هذه الوجوه المشرقة من انظمته، او بالتخفيف من مؤونة الزواج وستبقى بركات هذا الزواج المقدس تتغشى اهل الإسلام وهم ينهلون منه الدروس النافعة ويستفيدون من انواره في تنظيم حياتهم، ومن اهم تلك الدروس والمسائل المستنبطة منه:
الأول : إدراك موضوعية الزواج وضرورته للمرأة والمجتمع، وحــاجة الأمة الإسلامية لتلك الوظيفة السامية للمرأة، فلقد كان دخول الزهراء الى الحياة الزوجية دعوة الى كل امرأة مسلمة بالمبادرة الى الزواج والإستعداد لقبوله باعتباره امراً تكوينياً وتشريعياً، بالإسناد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: جـاءت امرأة الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسألته عن حق الزوج على المرأة فأخبرها، ثم قالت: فما حقها عليه، قال يكسوها من العري ويطعمها من الجوع واذا اذنبت غفر لها، قالت: فليس لها عليه شيء غير هذا قال: لا، قالت: لا والله لا تزوجت ابداً ثم ولت فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ارجعي فرجعت فقال: ان الله عز وجل يقول وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ )( ).
الثاني : الإخبار العملي بان الزواج لا يتعارض مع اقبال المرأة على العبادة وارتقائها في مسالك الرشاد ومنازل التقوى، بالإسناد عن عبد الصمد بن بشير قال: دخلت امرأة على الإمام الصادق عليه السلام: فقالت: اصلحك الله اني امرأة متبتلة فقال: وما التبتل عندك قالت: لا اتزوج قال: ولم؟ قال: التمس بذلك الفضل، فقال: انصرفي فلو كان ذلك فضلاً لكانت فاطـمة احق به منك انه ليس احد يســبقها الى الفضل( ).
لقد سأل الإمام عليه السلام عن مفهوم التبتل عند المرأة لأنه في الإصطلاح الإسلامي يعني الإنقطاع الى الله تعالى واخلاص النية وفي التنزيل وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً سأل عنه لأمور:
الأول: معرفة اعتقاد المرأة وما تذهب اليه في قولها.
الثاني: لبيان مفهوم حقيقة التبتل.
الثالث: للمنع من الغلو والتفريط.
الرابع: للحيلولة دون انتشار مثل هذه المفاهيم بين النساء والرجال.
الخامس: الاتعاظ والاستدلال بسيرة الزهراء عليها السلام وان عملها كان حجة على المؤمنات.
الثالث : التعجيل بزواج البنت حال بلوغها والمبادرة الى القاء حجب الستر عليها بالزواج لما فيه من معالم العز والعفة والإبتعاد عن الفاحشة ودروب الخطيئة والتوجــه الى قـبول احكام الدين باذن صاغية ونفس مستجيبة واعية، وفي مرسلة الكليني عنه عليه السلام: ان الله عز وجل لم يترك شيئاً مما يحتاج اليه الا وعلمه نبيه وكان من تعليمه اياه انه صعد المنبر ذات يوم فحمد الله واثنى عليه ثم قال: ايها الناس ان جبرئيل اتاني عن اللطيف الخبير، فقال: ان الابكار بمنزلة الثمر على الشجر اذا ادرك ثمارها فلم تجتن افسدته الشمس ونثرته الرياح وكذلك الأبكار اذا ادركن ما يدرك النســاء فليس لهن دواء الا البعـولة والا لم يؤمن عليهـن الفسـاد لأنهن بشر، قال: فقام اليه رجل فقال: يا رسول الله فمن نزوج؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: الإكفاء قال: ومن الأكفاء؟ فقال: المؤمنون بعضهم اكفاء بعض، وروي عن الإمام الرضا عليه السلام قريباً منه( ).
لقد كانت حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم واهل بيته الميدان التطبيقي الأول لمبادئ الإسلام فمنها يطلع المسلمون على الوجه العملي للأحكام الشرعية اذ يقومـــون بمحاكاتها وفق صيغ تتبع الأثر، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ملتفتاً لسنن المحاكاة ومؤيداً في المقام بالوحي، فبزواج الزهراء اخذ المسلمون يتسابقون في تزويج بناتهم ويجتنبون التسويف والتردد في الأمر وتلقت الشابات من المسلمات الأمر بالقبول والرضا، لتتجلى بركات سيرة أهل البيت إلى الحياة الخاصة والأسرية للمسلمين.
الرابع : لقد ســاهم زواج الزهــراء عليها الســلام من امير المؤمنين عليه السلام في القضاء على وأد البنات بالتوظيف الحسن للبنت في كيان الإسلام وبيان عدم امكانية الإستغناء عنها بل والحاجة اليها في مراحل بنائه الأولى ، قال تعالى وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ.
الخامس : بيان استحباب الزواج والحث عليه .
السادس : الحسن الذاتي والوضعي لقلة المهر .
السابع : الزهراء أسوة حسنة للمسلمات في حسن التبعل .
و(عن المسور بن مخرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني)( ).
وتطاول خالد بن عبد الله القسري على بئر زمزم ببئر حفرها الوليد فنضب ماؤها ثم لم يعرف مكانها (عن الواقدي ، قال : ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ، وفيها استعمل الوليد بن عبد الملك خالد بن عبد الله القسري ، فخطب الناس على منبر مكة ، فلم يزل واليا للوليد حتى مات الوليد ، وولي سليمان ، فعزله عن مكة قال الواقدي في حديثه هذا : فحدثني عمر بن صالح ، عن نافع مولى بني مخزوم قال :
سمعت خالد بن عبد الله القسري يقول على منبر مكة وهو يخطب الناس : أيهما أعظم ، أخليفة الرجل على أهله أم رسوله إليهم ؟ والله لو لم تعلموا فضل الخليفة ، إلا أن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام استسقاه ، فسقاه ملحا أجاجا ، واستسقاه أمير المؤمنين ، فأسقاه عذبا فراتا يعني استسقاه إبراهيم عليه الصلاة والسلام فسقاه ملحا أجاجا يعني زمزم ويعني استسقاه الخليفة فسقاه بئرا حفرها الوليد بن عبد الملك بين الثنيتين : ثنية ذي طوى وثنية الحجون ، فكان ينقل ماؤها فيوضع في حوض من أدم ليعلم فضله على زمزم قال : ثم غارت البئر ، فذهبت ولا يدرى أين هي إلى اليوم) ( ).
وأد البنات لا يظهر من جديد
مع إنشغالي بكتابة وتصحيح الجزء الحادي والتسعين من التفسير والحمد لله، وإلقائي لمحاضرات البحث الخارج في الفقه والأصول والتفسير فقد وقفت عند نشر إحدى كبريات الصحف البريطانية يوم أمس خبرا بأن ثلاث مستشفيات عندهم تزاول إجهاض( ) المرأة إذا كان جنس المولود لا يرغب به الأبوان وهو في الغالب كما تقول الجريدة من جنس الأناث، مع حرمته قانوناً لعدم وجود ضرورة أو سبب عرضي كتشوه الجنين أو لإنقاذ الأم، وهو شرعاً جناية محرمة وتجب معه الدية كاملة لنفخ الروح في الجنين.
وكانت العرب تدفن البنات حية خشية لحوق العار بهم بإغارة العدو ووقوعهن في السبي, ومخافة الإملاق في سني الجدب، والمراد من الموؤدة أي البنت المدفونة حية، قال تعالى[وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ *بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ] وبين القتل والوأد والقتل إزهاق للحياة بالتسبيب فعموم وخصوص مطلق، والوأد قتل بالدفن في الأرض وخاص بالبنات , وذكر أن الحامل إذا إقتربت حفرت حفرة، فإذا جاءها المخاض تجلس عليها، فإذا ولدت بنتاً رمت بها، وإذا ولدت إبناً ضَمّته(أي أن الزوج والزوجة يشتركان في الوأد) وذكر أن الرجل إذا ولدت له بنت ألبسها جبة من صوف أو شعر وتركها ترعى له الإبل والغنم لعدم العناية بها أو العطف عليها , وإذا أراد قتلها تركها إلى أن يبلغ طولها ستة أشبار( ) أو صار عمرها ست سنوات فيذهب بها إلى الصحراء ويلقيها في حفرة، ويهيل عليها التراب ,كما نهى الله عن قتل الأولاد خشية آفة الفقر[وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ] ( )، ويدخل معه في الحرمة إسقاط الجنين لهذه العلة لوحدة الموضوع في تنقيح المناط.
وكراهية ولادة البنت عليه أكثر الأمم، ولكن هذه الكراهية على مراتب متفاوتة، وجاء الإسلام لمحاربتها بالأصل وليس الوأد فقط , قال تعالى[وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ] ( ).
ويظهر أيضاً على نحو السالبة الجزئية بعدم إنصاف البنت في الميراث من غير راجح شرعي ، وقيام الآباء بالإحتيال في منعها وحرمانها من التركة بالوقف والحبس على الأولاد الذكور على نحو الخصوص، ومنهم من يلجأ إلى حمل البنات على إسقاط حقهن في الميراث عند وفاة المورث وحال الأسف والأسى على فقده أيام مجلس الفاتحة، والتي لا تهب حقها يهجرونها, وتسمى هذه المسالة في الفقه(هبة بنات القبائل) ويذهب بعضهم إلى حرمتها، ومنهم من يعدها من الإكراه.
وقالوا إن قريشاً لا تأد البنات ولكن ورد في بعض الأخبار ما يدل على وجود هذه الظاهرة عندهم وسئل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن العزل فقال(ذلك الوأد الخفي) ( )، وورد عن جابر بن عبد الله أنه قال:كنا نعزل والقرآن ينزل) ( )، والمختار كراهة العزل، وفي المسألة(454) من رسالتي العملية(يجوز على كراهة ان تتعاطى الزوجة حبوب منع الحمل بإذن الزوج وبشرط ان لا تقتل البويضة بعد التلقيح وخلوها من الاضرار المعتد بها والتي لا تحتمل، ومن الكراهة بالعنوان الثانوي في زمان العولمة كما في قلة إنجاب المسلمين بالقياس للأمم الأخرى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(تزوجوا، فإني مكاثر بكم الأمم، وإن السقط ليرى محبنطئا بباب الجنة، فيقال له: ادخل، فيقول: حتى يدخل أبواي) ( )، ويدل الحديث في مفهومه على أن السقط يبعث، وأن الذي يتم إجهاضه بغير حق يشتكي إلى الله وكأنه مقتول ذكراً كان أو أنثى.
ولم تسأل الموؤدة يوم الحشر عن قاتلها بل تُسأل عن الذنب الذي فعلته لتقتل، وفيه زيادة في التخويف والوعيد فتقول ليس لي ذنب، فتقوم الحجة على القاتل، فتتعلق الموؤدة بأبيها فتقول بأي ذنب قتلتني، وكان ذوو الشرف يمتنعون ويمنعون منه.
وقيل أيقتل أحدهم بنته ويغذو كلبه) ، لقد نزل القرآن لتثبيت الصلاح في الأرض، وفيه بيان وتوكيد لعظيم فضل الله على النساء بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وأخرج الطبراني عن صعصعة جد الفرزدق قال قلت يا رسول الله إني عملت أعمالاً في الجاهلية فهل فيها من أجر أحييت ثلثمائة وستين من الموؤدة أشتري كل واحدة منهن بناقتين عشراوين وجمل فهل في ذلك من أجر فقال النبي صلى الله عليه وسلم ” لك أجره إذ منَّ الله تعالى عليك بالإسلام)( ).
وهل تشمل عمومات آية الوأد الإجهاض المتعمد للحمل بسبب كونه أنثى وليس ذكراً، الجواب نعم، إذ أن هذا الإجهاض عملية مستحدثة ومترشحة عن الإكتشافات العلمية والطبية الحديثة، وأصل هذا الإجهاض كراهية ولادة البنت مع إنعدام الغزو والنهب والإسترقاق في هذا الزمان، وفيه تأكيد لإعجاز القرآن وعالميته، وملائمة أحكامه لكل الأزمنة، وإستحضار حرمة وأد البنات وموافقتها للقوانين الوضعية وحقوق الإنسان ومحاربة العنف ضد المرأة والأطفال مصداق لقوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( )، وبيان أن آية الوأد لم تأت بخصوص العرب أو زمان التنزيل، بل هي تهذيب للنفوس، وإصلاح للمجتمعات، وحاجز دون التمييز ويتجلى في هذا الزمان تنزه المسلمين والمسلمات عن الوأد وإحترازهم من الإجهاض، ولا عبرة بالقليل النادر منهم الذي يلوم نفسه ويدرك أن إقدامه على الإجهاض معصية وإثم يستلزم الإستغفار , وهذا التنزه زاجر وبرزخ دون تجدد الوأد في أقطار الأرض، وهو من عمومات قوله تعالىكُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ.
ولقد كانت معجزات الأنبياء السابقين حسية، كناقة صالح، وعصا موسى، وإبراء عيسى عليهم السلام الأكمه والأبرص ، أما معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القرآن فهي عقلية ومنها إنقطاع الوأد وأشكاله المستحدثة وإلى يوم القيامة بآية الوأد التي تتكون من بضع كلمات لتكون برسمها وتلاوتها ومصاديقها المتجددة في كل زمان حجة وبرهاناً حاضراً على صدق نبوته.
الخامس : التوكيد على عنصر الإيمان في اختيار الزوجة، وقد ورد عــن محمد بن مسلم عن الإمام محمد الباقر عليه السلام انه قال: “اتى رجل الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستأمره في النكاح فقال: نعم انكح وعليك بذوات الدين تربت يداك، وقال: انما مثل المرأة الصالحة مثل الغراب الأعصم الذي لا يكاد يقدر عليه، قال: وما الغراب الأعصم قال: الأبيض احدى رجليه”( ).
لقد لبست النسوة بزواج الزهراء رداء الوقار وتسابقن الى الإلتزام باحكام الحجاب بوعي وبصيرة وادركن انه سبيل للسعادة الزوجية وطريق للعز والرفعة والإكرام.
السادس : الحيلولة دون التردد في الـزواج من قبل المجاهـدين الذين عاهدوا الله على التفاني تحت راية الإسلام والمشاركة باخلاص في كتائبه، لأن الإمام علي عليه السلام رائد هذا المضمار وبسيفه قام الإسلام، بالإضافة الى الرونق المهيب لهذا الزواج الأمر الذي يجعل نفوس المؤمنين كافة تميل باندفاع الى موضوع الزواج وقد روي عن الإمام علي عليه السلام انه قال: “ان جماعة من الصــحابة كانوا حرموا على انفسـهم النساء والإفطار بالنهار والنوم بالليل فاخـــبرت ام سلمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخرج الى اصحابه فقال: اترغبون عن النســاء اني آتي النســاء وآكــل بالنهار وانام بالليل، فمن رغب عن ســـنتي فليــس منـي وانزل الله لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَـلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ، فقالوا: يا رسول الله قـد حلفنـا على ذلـك فانـــزل الله لاَ يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ .
السابع : أهمية اختيار الكفيء في موضوع الزواج في الإيمان وغيره من الإعتبارات، فلقد كان هذا الزواج فريداً من نوعه للقدسية الخاصة التي تضمنها وللمنزلة السامية لكل من شخص الإمام علي والزهراء عليها السلام انه الكفؤ المناسب ضمن المفاهيم الإسلامية والقيم الإجتماعية السائدة كما في كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع جويبر وفيه: فالناس اليوم كلهم ابيضهم واسودهم وقرشيهم وعربيهم وعجميهم من آدم وان آدم خلقه الله من طين وأن أحب الناس الى الله أطوعهم له واتقاهم( ).
انه ميثاق بيت النبوة وكنز الإمامة ووعاء حفظ الشريعة هذا وقد ورد بالإسناد عن الإمام الرضا عليه السلام عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: “كل نسب وصهر منقطع يوم القيامة الا سببي ونسبي( ).
لقد أراد الله عز وجل لهذا النسب العز والرفعة في النشأتين، أما في الدنيا فلأنه عنوان الهداية وداعية الى الايمان لما يمثله من حضور النبوة بالنسب الذي ينعكس بتقيد الذرية بالاسلام وسعيهم في الصالحات، وفي الآخرة يترشح الفضل عليهم ثواباً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومجازاة لجهاده وصبره وتحمله أعباء النبوة.
مهرها
المهر- بفتح الميم- صداق المرأة وما يدفع لها لقاء الزواج منها، ومع ضرورة كونه معلوماً فانه لم يحــدد في الشــريعة بمقــدار كثرة وقلة، لتظـهر وجوه الحكمة في الفقه الإســـلامي ونظرته المستوعبة لكل الأحوال والأزمان ومدى اكرامه للمرأة وحفظه لحقوقها خاصة وان يؤكد على ملكيتها له عند إنشاء العقد وسقوط نصفه بالطلاق قبل الدخول مثلاً.
وكانت كثرة المهر والمبالغة فيه احياناً موضوعاً لعناية وتحذير نفر من اهل الإصلاح ورجال الدول الإسلامية، وقد جرت محاورة في الصدر الأول من العهد الإسلامي حالت دون التمادي والدوام في البحث في الموضوع، فقد قام عمر بن الخطاب خطيباً وقال: “أيها الناس لا تغالوا بصداق النساء، فلو كانت مكرمة في الدنيا او تقوى عند الله لكان اولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما اصدق امرأة من نســائه اكثر من اثني عشر اوقية، فقامت اليه امرأة فقالت له: لم تمنعنا حقاً جعله الله لــنا والله يقــول وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فقال عمر: كل احد اعلم من عمر، ثم قال لأصحابه: تسمعونني اقول مثل هذا القول فلا تنكرونه علي حتى ترد عليّ امرأة ليست من اعلم النساء( )”.
ولابد ان يتبادر الى الذهن وفق مقاييس المنطق ونواميس العقل وقواعد الملازمة ان اعظم شــخصية في عالم النســاء لابد ان يكـون مهرها اغلى واعلى مهر وان يكون اسطورة التأريخ وحديث اجيال النساء في منتدياتهن وعلة التباري بينهن وانتقاله الى الأسر والبيوتات المتباينة، وقد حصل في ذات الموضوع نوع تصور وهو إدراك الماهية من غير ان يحكم عليها بنفي أو اثبات عندما دخــلت الزهراء عليها السلام في سن الزواج، فقد روى عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عن آبائه عليهم الســلام: “ان ابا بكر اتى النبي صلى الله عليه وآله وســـلم فقال: يا رســول الله زوجني فاطمة، فاعـــرض عنه، فاتاه عمـــر فقال مثل ذلك فاعرض عنه فأتيا عبد الرحمن بن عوف فقالا: انت اكثر قريش مالاً فلو أتيت رســـول الله صلى الله عليه وآله وسـلم فخطبت اليه فاطمة زادك الله مالاً الى مالك وشرفاً على شرفك، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له ذلك، فاعرض عنه فأتاهما فقال: قد نزل بي مثل الذي نزل بكما، فأتيــا علي بن ابي طالــب وهو يســـقي نخلات له..” ( ) الحديث.
ومهر الزهراء فصل من تلك المدرسة العقائدية ومناسبة واقعية لترسيخ اسس الزواج السليم واتساع رقعته والتقليل من قيوده وشروطه.
فقد تقدم ان الإمام علي عليه السلام باع درعه مهراً للزهراء عليها السلام كما روي بالإسناد عن معاوية بن وهب عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام انه قال: “زوّج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة على درع حطمية، وكان فراشها اهاب كبش يجعلان الصوف اذا اضطجعا تحت جنوبهما”.
لقد كانت الزهراء مباركة كريمة وستتصل تلك البركة عند عموم المسلمين وفي اجيالهم المتعاقبة في تيسير مقدمات الزواج فيما بينهم وعدم تحملهم لمعاناة كثيرة بعد الزواج وما ينجم عنها من آثار سلبية واضرار كما ورد عن الإمام علي عليه السلام انه قال: “لا تغالوا بمهور النساء فتكون عداوة”.
لقد اصبح مهر الزهراء سنة متبعة ومرغوب فيها وتتصدى لرغائب النفس وتمنع ترك الزمام في المقام للهوى وغلبة الحرص، وكانت محل الرضا وعين القبول ففي خطبته للزواج من ام الفضل بنت المأمون قال الإمام محمد الجواد عليه السلام: “الحمد لله اقراراً بنعمته …
الى ان قال ثم ان محمد بن علي بن موسى يخطب أم الفضل ابنة عبد الله المأمون وقد بذل لها من الصداق مهر جدته فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو خمسمائة درهم( )، جياداً فهل زوجته يا أمير المؤمنين؟ قال المأمون: نعم زوجتك يا ابا جعفر ام الفضل ابنتي على الصداق المذكور فهل قبلت النكاح، قال الجواد عليه السلام: نعم قبلت النكاح ورضيت به.
وقد يبدو مهر الزهراء الآن امراً طبيعياً ومقبولاً ومحل افتخار المسلمين بعد ادراك منافعه واهميته ولكنه في يوم اعلانه لم يكن كذلك بالنسبة الى نفر من المسلمين لإعتبارات العرف والمنزلة، فقد روى بالإسناد عن موسى ابن ابراهيم المرزوي عن موسى بن جعفر عن ابيه عن جده عليه السلام عن جابر بن عبد الله قال: “لما زوّج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة من علي أتاه أناس من قريش فقالوا: إنك زوجت علياً بمهر خسيـس، فقال: ما انا زوجت علياً ولكن الله عز وجل زوجه ليلة أسري بي عند سدرة المنتهى فاوحى الله الى السدرة ان انثري ما عليك فنثرت الدر والجواهر والمرجان، فابتدر الحور العين فالتقطن، فهن يتهادينه ويتفاخرن ويقلن: هذا من نثار فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم( ).
وتفشى ذلك الإحتجاج الى معاشر النساء ليكون لهن في المقام فعل حســن ومــبادرة اكثر من الترديد وهو من منافع وميراث خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي المناقب عن معقل بن يسار وابي قبيل وابن اسحاق وحبيب بن ابي ثابت وعمران بن الحصين وابن غسان والإمام الباقر عليه الســـلام مع اختــلاف الروايات واتفاق المعنى، ان النسوة قلن: “يا بنت رسول الله خطبك فلان وفلان فردهم ابوك وزوجك عائلاً، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله زوجتني عائلاً، فهز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده معصمها وقال: لا يا فاطمة ولكن زوجتك أقدمهم ســلماً، وأكثرهم علماً وأعظـمهم حلماً، اما علمت يا فاطمة انه اخــي في الدنيا والآخــرة، فضــحكت وقالت: رضــيت يا رسول الله”.
وفي رواية ابي قبيل: “لم ازوجك حتى أمرني جبرئيل”، وفي رواية عمران بن الحصين وحبيب بن ابي ثابت: “أما اني قد زوجتك خير من أعلم”، وفي رواية ابن غسان: “زوجتك خيرهم”.
وفي كتاب ابن شاهين: عبد الرزاق عن معمر عن ايوب عن عكرمة قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “انكحك أحب اهلي اليّ”.
ان هالة التقديس الملكوتية التي احاطت بموضوع الزواج بالإضافة الى الأمر الذي جاء به جبرئيل وما فــيه من الدلالات والإصطفـاء المبـارك والمقبول برضا أمور تجعل المهر في حقيقته عظيماً ولا ترتقي إليه لغة الأموال ومقاديرها، او انه يكون ثانوياً ويتراجع أمام منازل الكرامة في حدوث الزواج، وقيام الزواج على اعتبارات الإيمان ومنازل التقوى باب مفتوح لكل امرأة وان الثواب فيه متصل وغير مجذوذ وان لم يصل قطعاً الى مقامات الأولياء والآثار الواضحة للفوارق حسب المنازل وهو أمر مســـلم به ومأخـوذ عن كل ذي عقل بالإعتبار، أي ان كل امرأة باستطاعتها الرضا باليسير من المهر وعناوينه بعد تقديم الإيمان وســـلامة الدين والإعتـــقاد في اختــيار الزوج والرضــا به كطـريق لمسالك الإيمان.
لقد كان مهــر الزهراء مدرســـة عرفانيـــة وأخلاقية سـاهمت في تيســـير أمور الزواج وأعانــت على كثرة الانجاب وإنتشار لواء الإسلام.
إن هذه الحقائق المســـتنبطة هي الغاية الأساسية في تحديد المهر ونفقات الزواج لدى أهل الإيمان، ولوحة مشــرقة في تأريخ الإنسانية تلقي بظلالها المباركة على النفـــوس وتتغلغـــل بين النسـاء والرجال فتمنع الإعتراض والتردد المنبعــث من منظار المـادة المجردة من اعتبارات البناء النفسي والعقائدي، انها مبادرة لولادة جيل جديد متمسك بأركان الدين ونوامــيس الشـــريعة ووارث كريم ملتزم باحكام الملة.
وعن الحسين بن خالد أنه سأل الإمام موسى بن جعفر عليه السلام (عن مهر السنة كيف صار خمس مائة ، فقال : إن الله تبارك وتعالى أوجب على نفسه أن لا يكبره مؤمن مائة تكبيرة ويحمده مائة تحميدة ويسبحه مائة تسبيحة ويهلله مائة تهليلة ويصلى على محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله مائة مرة ثم يقول : اللهم زوجنى من الحور العين ” إلا زوجه حوراء وجعل ذلك مهرها، ثم أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وآله أن سن مهور النساء المؤمنات خمس مائة ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله)( ).
أفضلية الزهراء
مع اهمية موضوع التفضيل وحساسيته فانك تجد لذة خاصة في متابعة ادلة تفضيل الزهراء بشطريها النقلي والعقلي مع الحرص على معرفة الإمتداد الزماني الطولي والعرضي لهذا التفضيل المبارك يشمل عموم النساء ومنهن افضل نساء الأمم السابقة للإسلام، ومنهن القديسة الطاهرة مريم بنت عمران التي نص القرآن الكريم على تفضيلها بالإصطفاء والإختيار باعتبار ان تفضيلها يتعلق بزمانها وولادتها للسيد المسيح، وقد جاءت الأحاديث النبوية الشريفة بتفضيل الزهراء على نحو الإطلاق والعموم.
وهل تفضيل الزهراء عليها السلام خاص بالدار الآخرة ام في الدنيا او في كلا الدارين، الجواب: هو الأخير لاصالة الاطلاق ودلالة الآيات القرآنية والنصوص.
والتفضيل في الآخرة أعم من التفضيل في الدنيا لما ينشر سبحانه من وجوه رحمته في الآخرة من غير ان ينقص ذلك من فضل الزهراء وتفضيلها، كما يدل ما ورد عن ابن عباس: “ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: افضل نساء اهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسيا بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم بنت عمران”.
ان تفضيل الزهــراء نعمــة متجــددة على اهل الإســلام وهــي جزء من العز الذي تفضل الله تعالى به على المؤمنين وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، لقد ختم الله الأنبياء بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وجعل الإسلام شريعة متكاملة التزمت الزهراء عليها السلام بكافة وجوهها واحكامها من غير تفريط او تلكأ او تأخير، الأمر الذي يكون ضميمة قدسية للأسباب الأساسية لتفضيل الزهراء عليها السلام، ومن اهمها الآيات القرآنية التي وردت بحقها كآية التطهير وآيات الأبرار وآية المودة وغيرها، بالإضافة الى الأحاديث النبوية الشريفة التي اظهرت بوضوح عظيم منزلة الزهراء عليها السلام ورجحان تفضيلها، عن مجاهد قال: “خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو آخذ بيد فاطمة فقال: من عرف هذه فقد عرفها ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمد وهي بضعة مني وهي قلبي وروحي التي بين جنبي، فمن آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله”.
لقد جعل هذا الحديث الكثير من العلماء والمحققين ومن مختلف فرق المسلمين يميلون الى تفضيل الزهراء على سائر النساء بما في ذلك مريم بنت عمران، ويقول السبكي: “الذي نختاره وندين به ان فاطمة بنت محمد افضل”، ولما سئل ابن داود استدل على تفضيل الزهراء عليها السلام بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فاطمة بضعة مني وقال: لا اعدل ببضعة رسول الله احداً.
ولا تعارض بين تفضيل الزهراء واصطفاء مريم بنت عمران الذي تؤكده الآية الكريمة وَإِذْ قَالَتْ الْمَلاَئِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فالإصطفاء هو الإنتقاء والإختيار، افتعال من الصفوة لذا قيل ان معناه في الآية الكريمة اختيارك على نساء العالمين بحال جليلة من ولادة المسيح عيسى عليه السلام، واليه يذهب الزجاج واختاره الجبائي، وقال الإمام الباقر عليه السلام: “اصطفاها اولاً من ذرية الأنبياء وطهرها من السفاح، والثاني اصطفاها لولادة عيسى عليه السلام من غير فحل( ).
اما التفضيل فهو الترجيح والتمييز والزيادة في العناية او الدرجة قال تعالى وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً.
وورد عن الإمام محمد الباقر عليه السلام والحسـن وابن جـريـج ان قوله تعالى وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ يعني على عالمي زمانها.
ويأتي هذا الحصر والتقييد بسبب لغة العموم التي ترد في خصوص الزهراء عليها السلام ففي حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الإمام الرضا عليه السلام عن آبائه: “ان الزهراء افضل نساء اهل الأرض( ).
بالإسناد عن ابن عباس وابي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: “فاطمة سيدة نساء العالمين ما خلا مريم بنت عمران”( )، وهذا الحديث لا يتعارض مع الأحاديث التي جاءت بالنص على افضلية الزهراء عليها السلام بل ان الجمع بين مجموع الأحاديث الواردة في المقام يقود الى توكيد تفضيل مريم بنت عمران فيما يخص زمانها وحديث الملائكة لها والمقام الذي نالته بولادتها للسيد المسيح.
فلقد وردت في اكرام الزهراء آية التطهير واعتزاز جبرئيل بكونه من أهل العباء، وهي ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيد الأولين والآخرين وانما يكون إفتخار الناس بانسابهم من جهة الآباء، ولقد بشرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند ولادة الحسن وكذا عند ولادة الحسين عليه السلام بان قال لها: “ليهنئك ان ولدت اماماً يسود اهل الجنة”( ).
ولقد تكفل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الزهراء عليها السلام منذ ولادتها وتعاهدها بمبادئ النبوة ورعاية الأبوة ولا شك في ترجيح كفالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفضل تأثيرها وعظيم أثرها.
لقد أسهمت الزهراء عليها الســلام في الجهاد والصبر في أيام الإسلام الأولى كما انها ولدت على فطرة الإسلام وفي هذا يحتج بتفضيل الزهراء عليها السلام على بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الثلاث الأخـــر بالرغـــم من انها اصــغر منهن سناً، هذا الى جانب ما اكرمها الله عز وجل به من جعل نسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها.
لقد كان الإكرام الخاص الذي نالته الزهراء عليها السلام من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مناراً وأمارة ودلالة على تفضيلها، بالإضافة الى سيرتها المباركة ومنزلتها في الجنة وما أعد الله لها من المقام الكريم السامي وما تدل عليه الروايات الواردة في باب الشفاعة من الدرجة الرفيعة يوم القيامة للزهراء عليها السلام، والإذن لها في الشفاعة اذناً يدل في سعته على تفضيلها واكرامها.
دعاؤها
الدعاء عالم ملكوتي مبارك وسفر روحي، باتخاذه سبيلاً يرتقي العبد في درجات العز والرفعة ويستطيع من خلاله تحقيق القرب بالمناجاة فتدركه أسباب الرحمة.
ان قوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ رحمة إلهية دائمة ومنهل كريم من اهل الأرض قريب وهو مدرسة عبادية يستثمرها اهل الإيمان ويستفيدون من وجودها المستمر بين ظهرانيهم.
والدعاء لغة هو النداء ويأتي ايضاً بمعنى الإستغاثة وهي إحدى وجوه العنوان الإصطلاحي للدعاء وتمثل العبادة ركناً اساسياً في صرح الدعاء لذا ورد في الحديث: ان الدعاء مخ العبادة( ).
لقد كانت ايام الزهراء عليها الســلام رحلة في عالم الدعاء، وسياحة في رحاب العبادة، فقد كانت مواظبة على التسبيح والدعاء والصلاة.
وكانت الزهراء عليها السلام حريصة على التعميم في الدعاء لما فيه من تقريب للإستجابة وزيادة الثواب ونزول الرحمة وسعة الإنتفاع، بالإسناد عن عبادة الكلبي عن جعفر بن محمد عن ابيه عن علي بن الحسين عن فاطمة الصغرى عن الحسين بن علي عن اخيه الحسن بن علي بن ابي طالب عليهم السلام قال: “رأيت امي فاطمة عليها السلام قامت في محرابها ليلة الجمعة فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم، وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشيء فقلت لها: يا أماه لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت: يا بني الجار ثم الدار”.
إنه تجسيد عملي لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “اذا دعا أحدكم فليعم فانه أوجب للدعاء”، فالزهراء عليها السلام تدرك مسؤوليتها أزاء المسلمين وتحرص على استفادتهم من دعائها لتتغشاهم الرحمة ببركة وجودها وليدفع عنهم الأذى بما تناجي به ربها.
إن الحمد لله شعبة من شعب الدعاء كما في حديث عرفة: “أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير “( )، وهو والتهليل سـبيل لقضـاء الحوائج وبـاب يتقرب به العبد الى مرضاة الله ورحمته لما فيه من إشـتغال بذكره تعالى وإعراض عن الدنيا ومباهجها وما يجسده من صدق العبودية وإخلاص الطاعة، ولقد أكد القرآن الكريم حقيقة واعتبار الحمد والثناء عليه تعالى جزءاً من الدعاء، قال تعالى وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
ولقد كان تسبيح الزهراء عليها السلام آية في التمجيد وكنزاً من كنوز آل محمد، بالإسناد عن الإمام الباقر عليه السلام قال: ما عُبد الله بشيء من التمجيد أفضل من تسبيح فاطمة ولو كان شيء افضل منه لنحله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة”( ).
ولقد دأبت الزهراء عليها السلام على المبادرة الى الدعاء في مضان الإجابة وفي الساعات التي تفتح فيها ابواب السماء ففي ليلة القدر حيث يستجاب الدعاء وتضاعف الحسنات وتزكو وتقبل الطاعات ترى الزهراء عليها السلام تقوم تلك الليلة وتهيء اسباب الإستعداد لإحيائها وتجعل اهل بيتها ينامون في النهار لمساعدتهم على قيامها واحيائها وتعالجهم خلالها بقلة الطعام وتحثهم على الإجتهاد في العبادة والدعاء اثناءها وتقول: “المحروم من حرم خيرها”.
وقد روي ان دعاء الزهراء عليها السلام هو: “بسم الله الرحمـــن الرحيم يا حي يا قيوم برحمتك استغيث فاغثني، ولا تكلني الى نفسي طرفة عين واصلح لي شأني كله”.
إن إشتغال الزهراء عليها السلام الدائم بالعبادة وتلقيها وجوه العلم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة وهي بضعته الطاهرة التي يخصها بما هو ثمين ونافع ومحمود العواقب أمر يؤكد أن للزهراء عليها السلام أكثر من دعاء، وقد ورد عن ابن طاوس انه قال: “وجدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال للزهراء عليها السلام: يا فاطمة الا اعلمك دعاء لا يدعو به أحد إلا أستجيب له ولا يجوز فيك سحر ولا سم ولا يشمت بك عدو ولا يعرض لك الشيطان ولا يعرض عنك الرحمـــن، ولا ينزع عنك نعمة ولا يرد لك دعوة ويقضي حوائجك كلها قالت: يا ابه لهذا احب اليّ من الدنيا وما فيها.
قال تقولين: يا اعز مذكور واقدمه قدماً في العز والجبروت، يا رحيم كل مسترحم ومفزع كل ملهوف يا راحم كل حزين يشكـو بثه وحزنه اليه، يا خير من سئل المعروف منه واسرعه، يا من يخاف الملائكة المتوقدة بالنور منه، اسألك بالأسماء التي تدعوك بها حملة عرشك ومن حول عرشك بنورك يسبحون شفقة من خوف عقابك، التي يدعونك بها جبرئيل وميكائيل واسرافيل الا أجبتني وكشفت يا إلهي كربتي وسترت ذنوبي، يا من يأمر بالصيحة في خلقه فاذا هم بالســاهرة محشرون، وبذلك الاسم الذي أحييت به العظام وهي رميم أحي قلبي واشرح صدري واصلح شأني، يا من خُص بالبقاء وخلق لبريته الموت والحياة والفناء، يامن فعله قول، وقوله امر، وامره ماض على من يشاء، اسألك بالاسم الذي دعاك به خليلك حين ألقي في النار، فدعاك به فاستجبت له وقلت يا نار كوني برداً وسلاماً على ابراهيم، وبالاسـم الذي دعاك به موسى من جانب الطور الأيمن فاستجبت له، وبالاسم الذي خلقت به عيسى ابن مريم من روح القدس، وبالاسم الذي تبت به على داود، وبالإسم الذي وهبت به لزكريا يحيى، وبالاسم الذي كشفت به عن ايوب الضر، وتبت به على داود، وسخرت به لسليمان الريح تجري بامره والشياطين وعلمته منطق الطير، وبالاسم الذي خلقت به العرش، وبالاسم الذي خلقت به الكرسي، وبالاسم الذي خلقت به الروحانيين، وبالاسم الذي خلقت به الجن والإنس، وبالاسم الذي خلقت به جميع الخلق، وبالاسم الذي خلقت به جميع ما اردت من شيء، وبالاسم الذي قدرت به على كل شيء، اسألك بحق هذه الأسماء الا ما اعطيتني سؤلي وقضيت حوائجي يا كريم، فانه يقال لك: يا فاطمة، نعم نعم”.
ومن الأدعية التي يمكن نسبتها للزهراء عليها السلام دعاء للفرج وتشتيت الغم وطرد الهم والضيق والخلاص من السجن ورد في قصة رجل كان مسجوناً في الشام مدة طويلة مضيقاً عليه، فرأى في منامه كأن الزهراء عليها السلام أتته فقالت له: “ادعُ بهذا الدعاء فتعلمه ودعا به، فتخلص ورجع الى منزله، والدعاء هو: اللهم بحق العرش ومن علاه، وبحق الوحي ومن اوحاه، وبحق النبي ومن نباه، يا سامع كل صوت يا جامع كل فوت يا بارئ النفوس بعد الموت، صل على محمد وأهل بيته وآتنا وجميع المؤمنين والمؤمنات في مشارق الأرض ومغاربها فرجاً من عندك عاجلاً بشهادة ان لا اله الا الله وان محمداً صلى الله عليه وآله وسلم عبدك ورسولك صلى الله عليه وآله وسلم وعلى ذريته الطيبين الطاهرين وسلم تسليماً”.
لقد أولت الزهراء عليها السلام للدعاء عناية خاصة باعتباره سفراً روحياً مباركاً، فيه حث لعموم المسلمين على الإلتجاء الى الله عز وجل والتوجه اليه وسؤاله بعظيم قدرته القاهرة لجميع الأشياء والتي تنقاد لها جميع نواميس الطبيعة وان كان موضوع الدعاء خارج ميدان الأسباب التكوينية المتعارفة انها مدرسة للإرتقاء في عالم الملكوت ومناسبة للنجوى وتجلي اسباب الرحمة والإستجابة.
حرز الزهراء
الحرز هو الموضع الحصين والمكان الآمن (يقال: احرزت الشيء أحرزه احرازاً: اذا حفظته وحصنته من الأخذ او التعرض للتلف، وفي حديث الدعاء: “اللهم اجعلنا في حرز حارز( )”.
ويسمى التعويذ حرزاً لما يمثله من التجاء الى الله عز وجل وتحصن بعزته واتقاء بكنفه، وكما كان اهل بيت النبوة باباً للرحمة والذكر فانهم التزموا باللجوء الى الله تعالى والتوكل عليه سبحانه في الضراء والسراء، وكانوا يتوجهون الى الله تعالى متوسـلين محترزين من صنوف البلاء ويفيضون بتلك المنة على اهل الإيمان للإنتفاع بها ولترسيخها في الأجيال المتعاقبة منهم.
وقد روي عن سلمان الفارسي ان الزهراء عليها السلام علمته بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلاماً وقالت: “علمنيه أبي محمد كنت اقوله غدوة وعشية، يقول سلمان: قلت علميني الكلام سيدتي، فقالت: ان سرك ان لا يمسـك اذى الحمى ما عشــت في دار الدنيا فواظب عليه، ثم قال سلمان علمتني هذا الحرز فقالت: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله النور، بسم الله نور النور، بسم الله نور على نور، بسم الله الذي هو مدبر الأمور، بسم الله الذي خلق النور من النور، الحمد لله الذي خلق النور من النور، وانزل النور على الطور في كتاب مسطور في رق منشور بقدر مقدور على نبي محبور، الحمد لله الذي هو بالعز مذكور وبالفخر مشهور وعلى السراء والضراء مشكور، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين، قال سلمان فتعلمتهن فوالله لقد علمتهن أكثر من ألف نفس من اهل المدينة ومكة ممن بهم الحمى فكل برئ من مرضه باذن الله تعالى( )”.
خاتمها
الخاتم حلقة ذات فص من غيرها يضعها الإنسان في اصبعه زينة ويقال تختم أي لبس الخاتم، ويستعمل للإمضاء وإثبات الهوية في العقود والمواثيق.
وحينما أرسل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الرسل الى الملوك يدعوهم إلى الإسلام كتب اليهم كتباً، قيل يا رسول الله: ان الملوك لا يقرأون كتاباً الا مختوماً، فاتخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ خاتماً من فضة، فصه منه،نقشه ثلاثة أسطر:
(محمد)(رسول)(الله).
وقد روي ان خاتم الزهراء عليها السلام كان من الفضة وورد ذكر نعشه على وجوه:
الأول : أمن المتوكلون.
الثاني : نعم القادر الله.
الثالث : الله ولي عصمتي
الرابع : نقش خاتمها هو ذات نقش خاتم سليمان بن داود وهو(سبحان من ألجم الجن بكلماته).
وفي الخبر ان لهذه الكلمات في فص الخاتم نفعاً وتأثيراً لحفظ المال والولد والبدن ودفع العدو والآفة والبلية.
تسبيحة الزهراء
تسبيح الله تعالى يعني تنزهه وتثني عليه وتقدسه عز إسمه، وكلمة “سبحان” مصدر بمعنى سبح الله تسبيحاً، وقد جاءت في القرآن في اكثر من أربعين مورداً وتتضمن ارشاداً للعقول الى سبل الهداية وتقويماً لمسار تفكير البشر ببيان عظيم قدرة الله، ودفع ما لا يليق به من الصفات عن أوهامهم، كما انها باب للأمن والتوكل عليه سبحانه واخلاص العبادة له ووجه من وجوه الإحتراز بقوته.
ولقد أثنى الله عز وجل على الملائكة لمواظبتهم على صفة التسبيح قال تعالى يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ ، ولقد كانت الزهراء عليها السلام دائبة على التسبيح ومواظبة عليه في الليل والنهار بما أدبها به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اذ جعلها تدرك ان التسبيح والذكر والعبادة هي الوظيفة الأساسية للإنسان في وجوده على سطح الأرض.
عن أبي الــورد بن ثمامــة عن علي عليه الســلام: “انه قال لرجل من بني ســـعد الا أحــدثك عني وعــن فاطمــة انها كانــت عندي وكانت من أحب اهله( ) اليه – أي الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – وإنها إستقت بالقربة حتى أثر في صدرها وطحنت الرحى حتى مجلت يداها وكسحت البيت حتى إغبرت ثيابها وأوقدت النار تحــت القدر حتى دكنت ثيابها فاصابها من ذلك ضرر شديد، فقلت لها: لو أتيت اباك فســألتيه خادماً يكفــيك مر مــا أنت فــيه من هذا العمل، فأتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوجدت عنده حداثاً فاستحيت وانصرفت.
قال: فعلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم انها جاءت لحاجة فغدا علينا ونحن في لفاعنا( )، فقال: السلام عليكم يا اهل اللفاع فسكتنا واستحيينا لمكاننا، ثم قال: السلام عليكم فســكتنا، ثم قال: السلام عليكم فخشينا ان لم نرد عليه ان ينصرف، فقلت: وعليك السلام يا رسول الله، ادخل فلم يعد ان جلس عند رؤوسنا فقال: يا فاطمة ما كانت حاجتك امس عند محمد، فخشينا ان لم نجبه ان يقوم، قال: فاخرجت رأسي فقلت: اني والله اخبرك يا رسول الله انها استقت بالقربة حتى اثر في صدرها وجرت بالرحى حتى مجـــلت يداهـا وكسحت بالبيت حتى اغبرت ثيابها، واوقدت تحت القدر حتى دكنت ثيابها، فقلت لها: لو اتيت ابــاك فسألتيه خـادماً يكفيك مر ما انت فيه من هذا العمل، قال: افلا اعلمكما ما هو خير لكما من الخادم اذا اخذتما منامكــما فســبحا ثلاثاً وثــلاثين واحــمدا ثلاثاً وثلاثين وكبرا اربعاً وثلاثين، قال: فاخرجت فاطمة عليها السلام رأسها فقالت: رضيت عن الله ورسوله ورضيت عن الله ورسوله ورضيت عن الله ورسوله( )”.
وعن الإمام عليه السلام أنه قال : (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ لَمَّا زَوَّجَهُ فَاطِمَةَ بَعَثَ مَعَهُ بِخَمِيلَةٍ وَوِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ وَرَحَيَيْنِ وَسِقَاءٍ وَجَرَّتَيْنِ فَقَالَ عَلِيٌّ لِفَاطِمَةَ عليهما السلام ذَاتَ يَوْمٍ وَاللَّهِ لَقَدْ سَنَوْتُ حَتَّى لَقَدْ اشْتَكَيْتُ صَدْرِي قَالَ وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ أَبَاكِ بِسَبْيٍ فَاذْهَبِي فَاسْتَخْدِمِيهِ فَقَالَتْ وَأَنَا وَاللَّهِ قَدْ طَحَنْتُ حَتَّى مَجَلَتْ يَدَايَ فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا جَاءَ بِكِ أَيْ بُنَيَّةُ قَالَتْ جِئْتُ لَأُسَلِّمَ عَلَيْكَ وَاسْتَحْيَا أَنْ تَسْأَلَهُ وَرَجَعَتْ فَقَالَ مَا فَعَلْتِ قَالَتْ اسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ فَأَتَيْنَاهُ جَمِيعًا فَقَالَ عَلِيٌّ عليه السلام يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ لَقَدْ سَنَوْتُ حَتَّى اشْتَكَيْتُ صَدْرِي وَقَالَتْ فَاطِمَةُ عليها السلام قَدْ طَحَنْتُ حَتَّى مَجَلَتْ يَدَايَ وَقَدْ جَاءَكَ اللَّهُ بِسَبْيٍ وَسَعَةٍ فَأَخْدِمْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَاللَّهِ لَا أُعْطِيكُمَا وَأَدَعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ تَطْوَ بُطُونُهُمْ لَا أَجِدُ مَا أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ وَلَكِنِّي أَبِيعُهُمْ وَأُنْفِقُ عَلَيْهِمْ أَثْمَانَهُمْ فَرَجَعَا فَأَتَاهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَقَدْ دَخَلَا فِي قَطِيفَتِهِمَا إِذَا غَطَّتْ رُءُوسَهُمَا تَكَشَّفَتْ أَقْدَامُهُمَا وَإِذَا غَطَّيَا أَقْدَامَهُمَا تَكَشَّفَتْ رُءُوسُهُمَا فَثَارَا فَقَالَ مَكَانَكُمَا ثُمَّ قَالَ أَلَا أُخْبِرُكُمَا بِخَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَانِي قَالَا بَلَى فَقَالَ كَلِمَاتٌ عَلَّمَنِيهِنَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ تُسَبِّحَانِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا وَتَحْمَدَانِ عَشْرًا وَتُكَبِّرَانِ عَشْرًا وَإِذَا أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ
قَالَ فَوَاللَّهِ مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ) ( ).
كما ورد في الحديث في مسند أحمد 2/203 , وقد ذكرته في الجزء الثاني والأربعين بعد المائتين من معالم الإيمان في تفسير القرآن في باب معجزة زهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
لتبقى هذه التسبيحة ثروة يومية بأيدي المسلمين والمسلمات الغني والفقير , والكبير والصغير , كما يؤتي بها في التعقيب بعد الصلاة .
لقد أراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأهل بيته ما أراده لنفسه من الزهد وإيثار الفاقة , والصبر على المسكنة والحاجة , ورجاء الأجر والثواب , وهل الحديث أعلاه من مصاديق حديث الثقلين الجواب نعم .
(في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في خطبته بغَدِير خُمّ: “إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي، وإنهما لم يفترقا حتى يردا علي الحوض”)( ).
ومن مصاديق الثقلين استمرار أهل البيت عليهم السلام على ذات نهج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الزهد والتقوى وفيه شواهد كثيرة .
لقد تطلعت الزهراء عليها السلام الى أبيها صلى الله عليه وآله وسلم ليتحفها بخادم مما تأتي به سرايا الغزو من الأسرى لتعينها على حوائج المنزل تخفيفاً عنها عليها السلام ولتتفرغ للإشتغال بذكر الله، ولكنه صلى الله عليه وآله وسلم استجاب لها في وجه آخر غير الذي سألت لما يعلمه من مواطن الأجر والثواب وما فيه خير الدنيا والآخرة، وعلّمها دعاء يصلح ان يكون كنزاً وذخيرة بل وسلاحاً وعنصر ايمان يملأ الجوانح والأركان ساعات النهار ويكون حرزاً في الليل وعند غلبة النوم ومدرسة عقائدية يهتدي بانوارها المسلمون والمسلمات.
وقد ورد في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام انه قال: “تسبيح فاطمة الزهراء عليها السلام الذكر الكثير الذي قال الله تعالى اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا “، وهذا التأويل والتطبيق بالإضافة الى أخبار أخرى تفيد الإطلاق كقوله عليه السلام: “ما عُبـــد الله بشيء من التحميد افضل من تسبــيح فاطمة..” الحديث، دليل على ظهور الإستحباب الذاتي للتسبيح من غير اعتبار لخصوصية خارجية او وصف عرضي كالتعقيب.
ووردت بعض الروايات بتعليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الزهراء التسبيح من دون تقييد بزمان محدد من الليل او النهار، وقد روي عن الصحيحين: ان علياً قال اشتكي مما اندء بالقرب، فقالت فاطمة: والله اني اشتكي يدي مما اطحن بالرحى، وكان عند النبي اسارى فامرها ان تطلب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم خادماً فدخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسلمت عليه ورجعت فقال أمير المؤمنين: ما لك، قالت: والله ما استطعت ان اكلم رسول الله من هيبته، فانطلق علي معها الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال لهما: لقد جاءت بكما حاجة، فقال علي: مجاراتهما فقال: لا ولكنني ابيعهم وانفق اثمانهم على اهل الصفة والصفة شقيفة عند مدخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسكنها الغرباء والفقراء من المهاجرين الذين ليس لهم مساكن او مال، وعلمها النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسبيحة الزهراء”( )”.
نعم وردت روايات خاصة لتوكيد استحبابه في التعقيب دبر الصلاة المكتوبة لخصوصية الدعاء ولتعدد المطلوب في المقام وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام انه قال: “في كلّ يوم في دبر كلّ صلاة أحبّ إليّ من صلاة ألف ركعة في كلّ يوم”( ).
وقال لأحد اصحابه: “انا نأمر صبياننا بتسبيح الزهراء كما نأمرهم بالصلاة فالزمه فانه لم يلزمه عبد فشقي”( )، وفيه حث على انتشار رقعة تعلمه لتشمل الصبيان والصغار من اولاد المؤمنين كي يشبوا على الشغف بالذكر ومودة الزهراء عليها السلام وادراك الترابط الدائم والوثيق بين الثقلين والانتفاع من مدرسة الدعاء وما فيها من الإفاضات.
إن نسبة التسبيح الى الزهراء عليها الســلام دعــوة الى الإهـتمام الجاد به واشارة الى دلالات القبول ولوحة مشرقة في حياة اهل البيت، ودليل على إخلاصهم العبودية لله تعالى والإلتجاء إليه في الشدة والرخاء.
هذا وقد وردت منافع جانبية أخرى لتسبيحة الزهراء مثل دفع الرؤيا المكروهة وما يتفرع عنه من طرد الكوابيس وعدم الراحة اثناء النوم وقبله، ففي الخبر عن داود بن فرقد عن اخيه ان شهاب بن عبد ربه سألنا ان نسأل ابا عبد الله عليه السلام وقال: “قل له ان امرأة تفزعني في المنام بالليل، فقال قل له: اجعل مسباحاً وكبر الله اربعاً وثلاثين وسبح ثلاثاً وثلاثين واحمد الله ثلاثاً وثلاثين…الحديث( )”.
وكيفية التسبيح على المشهور (الله اكبر) اربعاً وثلاثين مرة، ثم (الحمد لله) ثلاثاً وثلاثين، ثم (سبحان الله) كذلك، يكــون المجـموع مائة، وبهذه الكيفية وردت نصــوص كثيـرة منها صحيحة محمد بن عذافــر قال: “دخـــلت مع ابي على ابي عبد الله عليه الســلام فســأله ابي عن تســـبيحة فاطمة عليها السلام فقال عليه السلام: (الله اكبر) حتى احصـــى اربعــاً وثلاثين مرة، ثم قال: (الحمــد لله) حــتى بلــغ سبعاً وستين ثم قال: (سبحان الله) حتى بلغ مائة يحصيها بيده جملة واحدة( ).
وقال بعض الفقهاء بتقديم التسبيح على التحميد مستندين الى بعض الأخبار التي تنص على هذه الكيفية منهم الصدوق ووالده والشيخ وابن الجنيد، ومن هذه الاخبار خبر ابن فرقد المتقدم ويمكن حمل الإختلاف في الترتيب الظاهر من اجتماع الأخبار على امكانية التخيير ولكنه لا ينفي حضور الإحتياط في اتيان المشهور.
وهناك روايات أخرى في فضل تسبيحة الزهراء وموضوعيتها الخاصة في التعقيب وغيره لتؤكد كلها مجتمعــة ومنفــردة على تفضـل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الأمة وبما يوحي له الله عز وجل من خلال الزهراء عليها السلام، وليظهر بركات أهل البيت في أجيال المسلمين المتعاقبة والإقتداء بســـننهم وهديهـــم لبلوغ الغايـــات ونيل المـطالب ليبقى تسبيح الزهراء أحد ذخائر مدرسة الدعاء في الإسلام، بالإضافة إلى ما يحتويه ويترشح عنه من مفاهيم عقائدية وأخلاقية وإجتماعية وآداب عامة.
أداؤها للعبادات
العبادة عمل بنية ومنهاج وفيها خضــوع لله وإسـتجابة لأوامره، وهي إشتغال بطاعة الله وعكوف على فرائضه وتقيد باحكام الفريضة، وتجسيد عملي للإمتثال للأوامر الإلهية، والعبادة الوظيفة الأسـاسية لوجود الإنسان على سطح الأرض، وهي علة خلقه، قال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ.
والعبادة لغة الخضوع والتذلل، والتعبد: التنسك، وهي بحسب الإصطلاح اتيان المأمور به والمواظبة عليه، وتشمل العبادة الإعتقاد السليم من توحيـده تعالى وعــدم الإشـراك به والإيمـان بمـا جـاء به الأنبيـاء من عنـده سـبحانـه، كما تشمـل ما تتعلـق تأديتـه بالبـدن كالصـلاة والصـوم والحـج الذي يمكن اعتباره ايضاً من العبادات المالية ومن اهم اقسامها الزكاة والخمس.
وكانــت وظيفــة الزهراء عليها الســـلام العـبادية مركبة ومضاعفة فقوله تعالى وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا الخاص بنســاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمكن تطبيق مصداق على نساء أهل البيت كما ورد عن السـجاد عليه السلام ومن باب الأولوية والثواب لسـلالة النبوة وفرعــها الرئيســـي التي ترتكز عليه جملة من الفـــروع والمجتمعات، فلعبـــادة الزهراء عليها الســلام تأثيـــر كبير ونوع إمامة في توجيه معاشر النســـاء نحـــو الهداية والصلاح وهي دعوة لتلقي وقبول مبادئ الإسلام في مراحله الأولى وايام البعثة النبوية المباركة.
لقد اخلصت الزهــراء عليها السلام لباريها وســخرت نفســها لعبادته بدأب وصدق، وجاء في الخبر: “انه ما كان في هــذه الأمة أعبد من فاطمة، كانت تقوم حتى تورم قدماها( )”.
لقد جسدت الزهراء بحسن عبادتها ايمانها المطلق بنبوة ابيها وتحسست لنزول الوحي في بيت الرسالة، انها شهادة ووثيقة تأريخية على مؤازرتها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتسليمها الفوري التام بما جاء به من أحكام وعبادات من عند الله عز وجل.
ونشير في هذا المقام الى مسألة مهمة وهي عدم امكانية الفصل بين عبـادة الـزهـراء عليهـا السـلام وتأهـيلها لمـوضـوع المباهـلة وانفـرادهــا مـن بين النساء بذلك الشرف الخالد والمنزلة الرفيعة ذات المضامين الجهادية والنفع العام، وأظهرت الآية الكريـمة فَقُــلْ تَعَالَـوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنـَا وَأَبْنَاءَكُـمْ وَنِسَاءَنـَا وَنِسَاءَكُـمْ صلاحية الزهراء عليها السلام لتمثيل الأمة وللمواجهة العقائدية والفكرية مع الملل الأخرى ذات البعد المتصل والممتد زمانياً.
كما ان الرواية التي وردت بالإسناد عن الإمام الحسن بن علي عليه السلام والناطقة بان الزهراء قامت في آخر جمعة من حياتها أي ضمن الأسبوع الذي توفت فيه قامت في المحراب حتى طلـوع الفجـر تؤكـد انقطاعها الى العبادة وعدم اشتغالها بغير مناسك التقوى وحسن إستعدادها للقاء الله تعالى.
لقد حددت الزهراء عليها السلام باجتهادها في العبادة المعالم الرئيسية لشخصية المرأة المؤمنة ومسار العمل اليومي للمسلمة وبذا وضعت الأسس الراسخة لصرح الإيمان ضمن الأسرة والمجتمع وحثت الأمهات بالأسوة والنموذج العملي على تربية ابناءهــن تربية سـليمة مبنية على قواعد الشريعة وادراك ضرورة الإلتزام بالفرائض واخلاص العبادة لله عز وجل.
جهادها
الجهاد في الإصطلاح الشرعي هو بذل النفس والمال وتحمل المشاق لإعلاء الإسلام وتعظيم شعائره وتثبيت اركانه في الأرض، ولقد كانت السنون الأولى لنزول القرآن الكريم اشد مراحل الجهاد واكثرها صعوبة على المؤمنين وتحمل فيها النبــي صلى الله عليه وآله وسلم واهــل بيـتــه اقسى صنوف التعسف والإضطهاد، وفي الحديث: ” ما اوذي نبي مثل ما أوذيت”( ).
وكانت وفاة خديجة عليها السلام وابي طالب في سنة واحدة مناسبة وامتحاناً لقريش لتنال من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتصعد من ايذائها واســاءتها المتصلة له، قال ابن اســحاق: “فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المصائب بهلاك خديجة وكانت له وزير صدق على الإسلام يشكو اليها، فلما هلك عمه ابو طالب وكان له عضدا وحرزاً في امره ومنعه، وناصراً على قومه وذلك قبل مهاجره الى المدينة بثلاث سنين، فلما هلك ابو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأذى ما لم تكن تطمح به في حياة ابي طالب( )”.
في تلك الأحوال القاسية والبيئة المعادية التي اجتمع فيها أقطاب قريش لوأد الإسلام، تصدت الزهراء عليها الســلام لمسؤوليات الرعاية والمؤازرة والتأييد والنصــرة لكلمة التوحيد وسـاهمت في الذب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومواساته والتخفيف عنه، واظهار الغلظة والشــدة مع الكفار الذين يؤذونه.
روى عن عبد الله بن مسعود انه قال: “بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم قائماً يصلي بمكة واناس من قريش في حلقة، فيهم ابو جهل بن هشام، فقال: ما يمنع احدكم ان يأتي الجزور التي نحرها آل فلان فيأخذ سلاها ثم يأتي به حتى اذا سجد وضعه على ظهره، قال عبد الله: فانبعث اشقى القوم وانا انظر اليه فجاء به حتى وضعه على ظهره، قال عبد الله: فلو كانت يومئذ منعة لمنعته، وجاءت فاطمة عليها السلام اليه وهي يومئذ صبية حتى أماطته عن ظهر ابيها ثم جاءت حتى قامت على رؤوسهم فاوسعتهم شتماً، قال: فوالله لقد رأيت بعضهم يضحك حتى انه ليطرح نفسه على صاحبه من الضحك، فلما سلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم اقبل على القوم فقال: اللهم عليك بفلان وفلان، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد دعا عليهم اسقط في ايديهم، فوالله الذي لا اله غيره ما سمى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ احداً الا وقد رأيته يوم بدر، وقد اخذ برجله يجر الى القليب مقتولاً( ).
انها وثيقة تاريخية تؤكد جهاد الزهراء عليها السلام خـارج البيت دفاعـاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسـلم ونصرة للإسلام ولتؤكد للملأ بان الإسلام ليس غريباً.
إن اطلاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم كنية (أم ابيها) على الزهراء لابد ان تكون له علل واسباب تثبت استحقاق هذا الشرف العظيم ولعل الجهاد والذب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من اهم تلك الأسباب، بالإضافة الى صبرها في جنب الله وتحملها لشطر من البلاء والأذى الذي صوبه المشركون نحو الذين آمنوا بالرســالة في ايامهــا الأولى، ففي صفحة كل واحد منهم قصة تحكي معاناته من قريش واذاهــا الذي لم يُستثن منه فرد من المسـلمين رجلاً كان او امرأة، حراً او عبداً، صغيراً او كبيراً.
دخل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مكة يوم الفتح بآية ومعجزة من عند الله في السنة الثامنة للهجرة، بعد أن كانت قريش هي التي تغزو المسلمين في قعر دارهم في المدينة المنورة نواة وعاصمة الدولة الإسلامية التي شاء الله عز وجل أن تبقى إلى يوم القيامة.
إذ جاء غزو كفار قريش للمسلمين في المعارك الآتية:
الأولى: معركة بدر في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة إذ زحف الكفار في نحو ألف رجل، فنصر الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بمدد ملائكة من السماء قال تعالى إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ، وقتل من الكفار سبعون وأسر سبعون، مع أن عدد المسلمين ثلاثمائة ونيف.
الثانية: معركة أحد والتي وقعت في النصف من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة، إذ جاءت قريش وعطفان بثلاثة آلاف رجل، وإنتهت المعركة بإنسحاب قريش وخشيتهم من الرجوع إلى القتال، قال تعالىلِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ، وقيل أن فاطمة عليها السلام كانت تداوي الجرحى وقد خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خلف المشركين في اليوم الثاني.
قال ابن هشام: فلما كان الغد من يوم الاحد لست عشرة ليلة مضت من شوال، أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو، وأذن مؤذنه: ألا يخرجن أحد إلا من حضر بومنا ؟ بالامس، فكلمه جابر بن عبدالله فأذن له، قال ابن إسحاق: وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبا للعدو ليبلغهم أنه خرج في طلبهم، ليظنوا به قوة، وأن الذى أصابهم لو يوهنهم عن عدوهم( ).
قال ابن إسحاق: فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة فقال: ” اغسلي عن هذا دمه يا بنية، فوالله لقد صدقنى في هذا اليوم، وناولها على بن أبى طالب سيفه فقال: وهذا فاغسلي عنه دمه، فوالله لقد صدقنى اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لئن كنت صدقت القتال لقد صدقه معك سهل بن حنيف وأبو دجانة “( ).
وفيه شاهد على جهاد فاطمة وأنها كانت إلى جانب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإمام عليه في مواجهة الكفار وهو من الدلائل على حديث البضعة.
وقال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم عن ابن أبى نجيح قال: نادى مناد يوم أحد: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا على( ).
الثالثة: معركة الخندق إذ زحف عشرة آلاف من المشركين على المسلمين في المدينة في السنة الخامسة للهجرة واقعة لم تشهد لها الجزيرة مثيلاً.
ولم تمض ثلاث سنوات حتى دخل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومعه عشرة آلاف من أصحابه مكة فاتحين، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلمته المشهورة (نَعَمْ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِى سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ) ( )، وليكون فيه ضعف للكفار قال تعالىلِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا.
وأمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقتل نفر سماهم وان وجدوا تحت أستار الكعبة، وآمن أكثرهم وعفا عنهم، ومنهم إثنان دخلا بيت أم هانئ مستجيرين .
وقال ابن إسحاق: حدثنى سعيد بن أبى هند، عن أبى مرة مولى عقيل بن أبى طالب أن أم هانئ ابنة أبى طالب قالت: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة فر إلي رجلان من أحمائي من بنى مخزوم قال ابن هشام: هما الحارث بن هشام وزهير بن أبى أمية بن المغيرة.
قال ابن إسحاق: وكانت عند هبيرة بن أبى وهب المخزومى، قالت: فدخل علي أخى علي بن أبى طالب فقال: والله لاقتلنهما، فأغلقت عليهما باب بيتى، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأعلى مكة فوجدته يغتسل من جفنة إن فيها لاثر العجين، وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به ثم صلى ثمانى ركعات من الضحى ثم انصرف إلي فقال: ” مرحبا وأهلا بأم هانئ ما جاء بك ؟ ” فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي، فقال: ” قد أجرنا من أجرت وآمنا من أمنت فلا نقتلهما ( ).
ويبين الحديث أن فاطمة كانت إلى جانب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في جهاده، وأنها كانت تتولى شؤونه الخاصة، وإكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للنساء من بني هاشم.
خلقها
الخلق: السجية ومرتكز العادة وانماط السلوك وعرف بانه كيفية نفسانية تصدر عنها الأفعال بسهولة، وقد وردت احاديث كثيرة في مدح حسن الخلق ومن سعادة الرجل ان يكون له ولد يعرف فيه شبه خَلقه وخُلقه.
وكما كانــت الزهــراء تشبـه في هيئتها وصفـات خَلقهـا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فانها ايضاً تشبهه في مكارم الإخلاق وكمال الأدب، ولقد مدح الله عز وجل نبيه الكريم بقوله تعالى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم ” أدبني ربي فاحسن تأديبي”( )، فان الزهراء عليها السلام كانت صورة مباركة تعكس مدرسة التأديب السامي اذ تربت في حجر النبوة ومهبط الرسالة والوحي، ونشأت وترعرعت في ظل اشراف وتوجيه مباشر من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسـلم، حتى أن أعباء النبوة والوظائف الجسيمة للرسالة لم تمنعه من المواصلـة اليومية للعناية الخاصة التي كان يوليها للزهراء عليها السلام وحتى بعد زواجــها فانه صــلى الله عليه وآله وسـلم كان يمر عليها كل صباح يتفقدها ويوجهها ويســدد أفعالها ويطمئن الى مكارم اخلاقها.
ولا يمكن فصل تلك الرعاية النبوية الخاصة للزهراء عن الوحي والمشيئة الإلهية المباشرة بدليل آية التطهير إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.
ومما هو ثابت نقلاً وعقلاً وعرفاً ان النبي لا يفعل الا ما يأمره الله به، ولا يصدر الا عن ارادته تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى فان العناية بالزهراء افاضة سماوية ذات غايات سامية تتغشى عموم المسلمين والمسلمات.
لقد تجسدت في أخلاق الزهراء عليها السلام مدرسة النبوة والمثل العليا في الإسلام وما كان يجاهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من اجـله في الإرتقاء وسمو الأخلاق وحسن السلوك وصولاً الى الغايات الأساسية والأخروية لمستقبل هذه الأمة ومصير الأفراد في عواقب الأمور.
إن سيرة الزهراء عليها السلام وخلقها طريق النجاة وسبيل الفوز ويقتضــي الحال تدبر الـــدروس والعبر في التكامــل الاخــلاقي الذي كان الصفة الدائمة لســـلوك الزهراء عليها السلام، والسعي الجاد للإقتداء بهديها واتباع نهجها واعداد الأجيال وتهيئة النفوس لقبول معالم الرسالة في السلوك اليومي والعلاقات الإجتماعية والمعاملات خاصـــة وان سيرة الزهراء وخلقها كان انعكاساً لأخلاق النبوة، فقد روي بالإســـناد عن عائشــــة قالت: “ما رأيــت أحـــداً كان أصــدق لهجة من فاطـمة الا ان يكون الذي ولدها صلى الله عليه وآله وسلم( )”.
لقد كان خلق الزهراء عليها السلام امتداداً لآداب الرسالة وفيه رحمة وحجة وبرهان ودليــل على امــكان محاكاة أخـــلاق النبوة وتجسـيد أسـمى معاني الصـلاح عند ذراري الأنبيـاء ايضاً، وان العصمة التي اتصف بها الأنبــياء من الممكن ان ينالها الإنســان بالإكتساب وحسن التعلم والإقتداء الصالح والتوفيــق والعناية الإلهيــة، وهي ايضاً تجسـيد عملي وتطـبيق لقـولـه تعالى ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .
ولقد أحسنت الزهراء عليها السلام للأمة اذ التزمت بآداب الرسالة وسنن التقوى والهدى والصلاح فكانت النموذج الأمثل للإيمان والرائد الفرد في الصلاح لعموم النســاء، فلا غـرابة ان تكون سـيدة النسـاء أي انها نالت تلك الرتبة بجــدارة وتوفيـق، وسيرتها تشهـد بصحة تلك الأخبار الواردة في هذا الباب دلالة وواقعاً، كيف لا وهي شبيهــة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سمته ومنطقه.
بالإسناد عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت:” ما رأيـت احداً كان أشبـه كلاماً وحديثـاً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فاطمة، وكانت اذا دخلت عليه قام اليها فقبلها ورحب بها كما كانت تصنع هي به صلى الله عليه وآله وسلم( )”.
ولعل تلك المنزلة والحظوة التي نالتها الزهراء عليها السلام عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكونها الأسوة في الخلق الحسن ولما ارتقته في مسالك الآداب الإسلامية الرفيعة والتزامها جانب الحق والصدق في مختلف أحوالها الشريفة.
روي انه كان بينها وبين عائشة شيء، فقالت عائشة: “يا رسول الله سلها فانها لا تكذب”.
وانا نعلم ان العصـمة طاردة للكذب وغيره من الصفات الذميمة ولكن هذا القول وامثاله دليل حاضر ولسان تأريخي على صدق عصمة الزهراء عليها السلام وتنزيهها واعتبار خلقها النموذج الأمثل والرائد الأكمل.
ان خلق الزهراء وســيرتها الإجــتماعية مدرســـة عــقائديـة تحتـم على رجال العلم المسلمين وذوي الإختصاص في هذا الباب ان ينهلوا من فيضها ودروسها النفســـية والإجــتماعية وبما يصـلح الأجيال ويســاهم في هــداية المسـلمين رجالاً ونساءً وترسيخ قيم الإسلام ومبادئه.
محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها.
المحبة حالة نفســانية ومــيل في القلب نحـو المقصود بها، هذا عند عامة الناس، اما عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلها عناوين اضافية اخرى يحمل كل منها معنى مستقلاً قائماً بذاته لإعتبارات النبوة وحكمة الوحي ومستلزمات الرسالة، فهي بالإضافة الى انحصارها في المقاصد الإلهية أي ان الحــب يكون معــها في الله ولله تكون رمزاً للتعظيم وشهادة للإيمان ومنزلة رفيعة لمن تناله محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكرم فاطمة اكراماً يتعدى حدود البنوة كماً وتظهر المحبة مقترنة معه بوضوح وانجلاء.
بالإسناد عن جميع بن عمير قال: “قالت عمتي لعائشة وانا اسمع له انت مسيرك الى علي ما كان: قالت: دعينا منه انه ما كان من الرجال أحب الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من علي ولا من النساء احب اليه من فاطمة”.
ان هذا التفضيل للزهراء من بين النساء واجتماعها والإمام علي عليه السلام في التفضيل في منازل محبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له دلالات بينات، وهو محل اعتزاز وفخر وتقديس للزهراء وباب للإقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في الإلتزام بمحبة الزهـراء عليها السلام، وفيه تقرب الى رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووسيلة الى نيل شفاعته.
وفي حديث للإمام علي عليه السلام قال في فاطمة: “انها كانت عندي وكانت من أحب اهله اليه وانها استقت بالقربة حتى اثر في صدرها…” الحديث.
وتنبعث من الحديث أضواء قدسية خاصة، فمع ما تتمتع به الزهراء من المنزلة الرفيعـة عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهــو الذي ارسله الله عز وجل رحمة , قال تعالىوَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ تراه لا يستنكر ما تجده الزهراء عليها السلام من العناء والجهد، وفيه دعوة للنساء المسلمات للعمل المنزلي والصبر في تحمل اعباء تدبير شـؤون الأسـرة وفي تحمل شـطر من مسؤوليات العائـلة وان لم يكن على سبيل الفرض والواجب ولكنه باب للألفة والتيسير والتعاون ودليل على بركة المرأة وتخفيف لأعباء الزوجية واجتناب للآثار السلبية والضارة التي تنجم عن الإنفاق الزائد في البيت والمتطلبات المرهقة للمعيشة.
ان اجتهاد المؤمنة في اعمال المنزل وصبرها على نقص وغياب بعض مستلزماته عنصر بركة يؤدي الى تفرغ الزوج لشؤون دينه وواجباته الشرعية ووظائفه الإجتماعية ذات المردود النافع، كما ان تطوعها في الإشراف المباشر على تربية الأولاد يساهم في خلق جيل صالح لما فيه من حرص وقصد وابتعاد عن التفريط.
لقد تحملت الزهراء عناءً كبيراً من اجل بناء نظام متكامل للأسرة الإسلامية تسوده روح الإلفة والتعاون والإيثار ويعمل باخلاص ويسعى من اجل غايات سامية، وذات العناء تحمله النبي صلى الله عليه وآله وسلم اذ ان الزهراء احب الناس اليه، واختارها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتحمل اعباء تلك المسؤوليات الجسام لتكون أسوة لعموم المسلمات وقدوة حسنة، وعبرة تحول دون إستثناء بعض النساء والترفع عن تلك المسؤوليات او الجمود عند الواجبات الزوجية التي تحددها الشريعة، ولإحتمالات مستحدثات ثانوية واحوال طارئة، وفي هذا الاختيار دعــوة لنيل الثــواب الجزيل والأجر العظيم لما تبذله المرأة من جهد تطوعاً ونافلة.
عن ابي سعيد الخدري قال: “كانت فاطمة من اعز الناس على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدخل عليها يوماً وهي تصلي فسمعت كلام رسول الله في رحلها فقطعت صلاتها وخرجت من المصلى فسلمت عليه فمسح يده على رأسها وقال: يا بنية كيف أمسيت رحمك الله عشينا غفر الله لك وقد فعل”( )، وفي لسان العرب عززت عليه، كرمت عليه، والحديث شهادة من الوحي، وبيان لعظيم منزلة الزهراء في نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم المقدسة.
علمها عليها السلام
أصل العلم اليقين الخالي من الإحتمال ويطلق ايضاً على الإعتقاد الراجح، ومعنى العلم في اللغة والإصطلاح واحد، كما يأتي العلم احياناً بعنوان المعرفة، وورد عن امير المؤمنين عليه السلام انه قال: “رأيت العلم علمين: مسموع ومطبوع، فلا ينفع مسموع اذا لم يكن مطبوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع”.
وقد قسم العلم من حيث الجهة والمصدر والماهية الى علم موهبة وعلم مكتسب، ومن الأول ما جـاء بحق يحيى بن زكـريا عليه السـلام في قولـه تعالى وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا، ومن الثاني الــعلوم الدينــية ومعرفة الأحكام الشرعية وابواب الحلال والحرام وغيرها من العلوم كعلم الأبدان المسمى بالطب وهناك تقسيمات اخرى للعلم( ).
والزهراء التي اخذت من مناهل النبوة واكتسبت من منازل الوحي الذي كان يهبط في بيتهم وعلى ابيها خاتم الأنبياء، وهل كان علمهـا موهبة أم كان مكتسباً او كان جامعاً للأمرين معاً؟
الأقوى هو الأخير، فمن المكتسب تعليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويدخل جزء منه بعلم الموهبة ولكن بالواسطة المباركة وهي النبوة، بالإضافة الى التحديث الذي يبدو جلياً بمصحف فاطمة.
ان العناية الإلهية والفضل الرباني تغشى الزهراء طيلة ايامها وفي جميع نواحــي حياتها ومن ذلك باب العلم، وكانت تروي الحديث النبوي، وتبين ما كــان متعلقاً بشؤونها الخاصة وأحكام النساء ضمن معالم الشريعة.
ومرة قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها: “أي شيء خير للمرأة، قالت: ان لا ترى رجلاً ولا يراها رجل فضمها اليه وقال ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ )( )”.
وإستشهاده صلى الله عليه وآله وسلم بالآية الكريمة لتقرير ومدح قول الزهراء عليها السلام يتضمن عدة معان منها: بيان ما اكتسبته من العلم الهبة وتوكيد الإصطفاء والإشارة الى الأسرار الملكوتية في مفاهيم الإجابة وما تجسده من علم زاخر تتمتع به الزهراء عليها السلام، بالإضافة الى انه تعليل لتفضيلها على غيرها ودليل على إستقامة قولها وما يمثله من حاجة شرعية للمرأة ووظيفة جهادية للمؤمنة ودعوة النساء للعمل بقول الزهراء عليها السلام.
وبالإسناد عن الإمام موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: “قال علي عليه السلام استأذن اعمى على فاطمة فحجبته، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لها: لم حجبته وهو لا يراك، فقالت عليها السلام ان لم يكن يراني فانا أراه، وهو يشم الريح فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اشهد انك بضعة مني”( )، وقد أستدل به على عدم رؤية المرأة للأعمى بالإضافة الى ما روي وبطرق متعددة ان ابن ام مكتوم استأذن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنده عائشة وحفصة فقال لهما: “قوما فادخلا البيت فقالتا: انه اعمى، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ان لم يركما فانكما تريانه( )”.
لقد سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الزهراء سؤال استقراء كشفاً للحكم وتثبيته وليصبح رداً شرعياً دائماً على اولئك الذين يستخفون بموضوع الستر والساتر ويتهاونون في بعض جزئياته واحكامه فجاء جوابها شاملاً وجامعاً لموضوع الرؤية واعتبار شم الطيب وما فيه من محاذير شرعية بالنسبة للأجنبي عن المرأة.
ان شهادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للزهراء في المقام وانها بضعـة منه وثيقـة نبويـة تؤكـد فضـل الزهـراء عليها السلام والخصال الكريمة التي تؤهلها للسيادة على النساء، وضرورة التفات كل واحدة منهـن الى تفاصيـل الأحكام الشرعيـة التي تظهـر جليـة بسيـرة الزهراء عليها السلام المباركة التي تشع أنوارها إلى اليوم لتدخل إلى بيوت المسلمين وتنفذ الى شغاف قلوبهم.
دعاء النبي (ص) لها
من المتواتر عند جميع المسلمين ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتعاهد الزهراء عليها السلام ويحرص على رؤيتها كل يوم تقريباً، وفي كل لقاء له مع الزهراء او مع غيرها من الناس درس وموعظة وعبرة، لما فيه من وجوه السنة القولية والفعلية والتقريرية على نحو الانفراد او الاجتماع أو التداخل وتلك كبرى كلية فتكون النتيجة وفق القياس الإقتراني وقواعده الأسـاسية ان اللقاء اليومي المتجدد بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والزهراء عليها السلام موعظة ورحمة خاصة ونوعية عامة، كما تتبين معالمه بالأحاديث الخاصة في المقام، فكل فعل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مدرسة وفيض ملكوتي.
وكان يقوم بتعاهد اعز الناس عليه بالدعاء وهو سلاح الأنبياء ليؤدبها على الإعتصام بالله عز وجل بالإسناد عن جابر عن الإمام الباقر عليه السلام عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: “خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يريد فاطمة وانا معه فلما انتهيت الى الباب وضع يده عليه، فدفعه ثم قال: السلام عليكم، فقالت فاطمة: عليك السلام يا رسول الله، قال: ادخل، قالت: ادخل يا رسول الله، قال: ادخل ومن معي، فقالت: يا رسول الله ليس عليّ قناع، فقال: يا فاطمة خذي فضل محلفتك فغطي به رأسك، ففعلت ثم قال السلام عليكم فقالت: وعليك السلام يا رسول الله قال: ادخل، قالت: نعم ادخل يا رسول الله، قال: انا ومن معي، قالت: ومن معك.
قال جابر: فدخل رسول الله ودخلت انا واذا وجه فاطمة اصفر كأنه بطن جرادة فقال رسول الله: مالي ارى وجهك اصفر( )، قالت: يا رسول الله الجوع، فقال صلى الله عليه وآله وسلم اللهم مشبع الجوعة ورافع الضيعة اشبع فاطمة بنت محمد، فقال جابر: فوالله فنظرت الى الدم ينحدر من قصاصها حتى عاد وجهها احمر فما جاعت بعد ذلك اليوم( ).
وفي الرواية دروس عديدة ومسائل منها:
الأولى : تفقد النبي صلى الله عليه وآله وســلم للزهراء عليها الســلام خاصة وان خروجه كان بقصد زيارتها وفيه دلالة على الإكرام والإجلال.
الثانية : احضار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأحد اجلاء الصحابة لإحداث الزيارة لابد وان يكون ذا مقاصد منها حديث الرواية وتوثيق الحادثة وبيان اكرام جابر مع عدم التفريط بقواعد الحجاب واحكامه حتى في حالة غياب الساتر المطلوب لإمكان الإنتقال الى الساتر الإضطراري.
الثالثة : إستئذان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع ان البيت من وأهل بيته، وهو أولى بالمؤمنين من انفسهم ولكنه أراد ان يعطي للناس درساً في موضوع الإستئذان وعدم اهماله او تركه ولكي لا يهجموا على العورات ويطلعوا على الخصوصيات.
الرابعة : تعرض فاطمة عليها السلام للجوع واشتداد وطأته عليها وهي تتلقاه بصبر ورضا ولم تخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحالها الا حينما سألها.
الخامسة : تقتضي قواعد الحكمة توقع توفير افضل ما يسد رمق الزهراء، وهي احب الناس الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان يوزع في النهار المبالغ والهبات العظيمة، وذكر أنه يعطي مائتين او ثلاثمائة الف ويبيت اهله من غير عشاء الأمر الذي يستنتج منه ان الدعاء اعظم اثراً وانسب علاجاً.
السادسة : معرفة الأمة لنص الدعاء الخاص بالجوع، وتوكيد تأثير الدعاء تأثيراً مستمراً نافعاً يتعدى وقت الدعاء وساعته، ليكون رحمة متصلة وكرامة دائمة.
السابعة : قبول الزهراء عليها السلام المطلق لإتخـاذ الدعـاء واقية وشـفاءً وبديـلاً عن الغذاء وتلك درجـة عالية في مراتب الإيمان ومنازل اليقين.
الثامنة : بيان منافع الإنقطاع الى الله عز وجل وضرورة الإستعداد للإستغناء عن الدنيا.
لباس الزهراء
اللباس مظهر ستر ووقار , و من مظاهر الزينة وأمارة على حال الإنسـان وواقعه المعاشي أو زهده ومنهاجه، قال تعالىيَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ.
ولقد انعم الله على المسلمين بما صبروا وجاهدوا في سبيله فتحسنت مستويات المعيشــة مع الغـزو والفتوحات، وجاء الذهب والفضة في الغنـائم ودخل الفيء( ) بيوت المدينــة واقــترن ذلك برسوخ الإسلام واستقرار المجتمع فاخذت معالم الزينة تتسع وتبدو واضحة خاصة على النساء في صورة حلي ومصوغات، وكان طبيعياً ان تشمل تلك الظاهرة بيت النبوة الذي كان له السبق والرياسة في السرايا والكتائب .
وكانت مناقب امير المؤمنين عليه السلام في الحروب والكتائب محط اعتزاز كل مسلم وهي فخر للمؤمنين على تعاقب الأجيال فهل اتخذت الزهراء الذهب زينة؟
بالإسناد عن الإمام الرضا عن آبائه عن علي بن الحسين عليه السلام قال: “حدثتني اسماء بنت عميس قالت: كنت عند فاطمة اذ دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي عنقها قلادة من ذهـب كان اشتراها لها علي بن ابي طالب من فيء، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا فاطمة لا يقول الناس ان فاطمة بنت محمد تلبس لباس الجبابرة فقطعتها وباعتها واشترت بها رقبة فاعتقتها فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم”( ).
ومما في الرواية من المضامين القدسية ان اسنادها سلسلة ذهبية ذات انوار تبعث في النفس الإطمئنان والوثوق، وفيها توكيد على اهميـة وشأن سيرة أهل البيت اليومية وتوثيقها والإهتمام الخاص بجوانب الورع ومضامين الزهد فيها.
لقد أبدى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اعتراضه على لبس فاطمة للقلادة الذهبية لا لحرمة الفعل بل لعنوان ثانوي يتعلق بآداب النبوة واحكام الإمامة وضرورة التأسي باحوال الفقراء وكي لا يزدروا واقعهم وتلبس الفوارق الطبقيــة لباسـاً واقعياً او تنتشـر ظاهرة الحيـازة والإكتنـاز ومـا فيها من أضرار على مسالك الجهاد وروح الصبر والإقدام على التضحية.
ويتعلق ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم للجبابرة بموارد الحكم والسلطان، فالجبابرة جمع جبار وهو المسلط والمتكبر وذو الشأن العظيم، ولا يطلق على غير الله عز وجل الا على سبيل الذم.
وظاهر قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكراهة التنزيهية ولا تستفاد منه الحرمة خاصة مع إطلاقات جواز لبس النساء للذهب، فكان الحديث مدرسة خاصة بآل محــمد ويمتد إلى عموم أسر الحكام والأمراء كموعظة وتنبيه لوحدة الموضوع في تنقيح المناط.
ولقد كانت استجابة الزهراء عليها السلام فورية محمودة حاسمة فهي لم تكتف بنزع القلادة والإحتفاظ بها وادخــارها في صــندوق خاص خاصة وان العلة تتعلق بقول الناس في لبسها بل عمدت عليها السلام الى قطعها اشارة الى انتزاع ذكرها من القلب والتخلي الدائم عن فكرة اقتناء مثلها، وفعلاً فقــد كانت الزهــراء وفية باقية على ذلك الموقف الذي يعطي دروساً في التواضع وخلع حب الدنيا وعدم الإستجابة لزخرفها.
وبالنسبة للألف واللام في (الناس) الواردة في الحديث هل هي عهدية او جنسية استغراقية، أي هل المقصود من الناس في الحديث اولئك المعاصرون للزهراء عليها السلام والقريبون منها، ام انه يشمل غيرهم ايضاً من الأجيال المتعاقبة، الظاهر هو الأخير بقرينة تعرض الناس لسيرة آل محمد عليهم السلام واستنباط الدروس الخاصة منها في كل زمان، انها مدرسة النبوة التي تنفذ الى ميادين الحياة المختلفة وتتحدى اهل الريب والعناد، وترى المستشرقين والى الآن يسلطون الأضواء على جوانب عديدة من احوال قادة المسلمين، لذلك يتضح المغزى التأريخي لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم واحتجاجه على لبس الزهراء عليها السلام للذهب وما في اعراضها عن لبسه من نفع للإسلام وصيانة لمدرسة النبوة.
ولم تكتف الزهراء عليها السلام بالتخلي عن القلادة وبيعها ولم توظف ثمنها لحاجاتها الخاصة ولمستلزمات المنزل ونحوها مما لا يكون باباً للمؤاخذة واللوم، بل اتجهت صوب الإحسان والإيثار واظهار الوجه الإنساني للإسلام وتوكيد مسؤولية آل محمد ازاء المستضعفين والمماليك والبؤساء اذ عمدت الى عتق مملوك وتحرير رقبته وتخليصه من الرق طلباً للثواب ونشراً لروح العتق ولغة تحرير العبيد، وليترسخ الإيمان في قلوبهم وينمو الأمل في صدورهم بحياة كريمة تحت لواء الإسلام، والواقع الحالي للمجتمعات الإسلامية خير شاهد عليه، وهو دليل على ظهور ثمار هذا العمل وتلك الروح، وترى انعدام ظاهرة العبيد وإستقرار المجتمع في حياة يسودها التكافل بين الأفراد.
لقد كانت الزهراء حريصة على تسخير أيامها ولياليها لوجوه العبادة والإنقطاع الى الله تعالى فاظهرت عزوفاً عن زينة الدنيا واعرضت عن اغرائها، واعطت النساء مطلقاً والمسلمات خاصة درساً بان مباهج الدنيا في الزهد فيها، وان هذا الزهد عون على نفاذ البصيرة وانكشاف الحجب لرؤية الدنيا على حقيقتها وانها لا تعدو ان تكون دار ابتلاء واختبار وعقبة يستلزم اجتيازها بسلاح التقوى لبلوغ المقامات الرفيعة في الآخرة والخلود في دار النعيم.
وهناك روايات وأحاديث اخرى تؤكد زهد الزهراء عليها السلام وتظهـر أمـارات التواضـع في لباسهـا وقد مـر بعضهـا في مباحث هذا الكتاب.
محبتها للنبي (ص)
ليس من مسلم الا وفي قلبه موضع خاص لمحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كحق اخلاقي ونزعة تكوينية في الشكر، كان الأولى بالناس ان يدركوا عدم إنحصارها بالمسلمين اذا ما نظروا وفق معايير الإنصاف اذ ان بعثته فيض من البركات متصل ومتجدد إلى يوم القيامة، آثار تلك الرحمة واضحة وظاهرة بأنماط إيجابية نافعة في الحياة الروحية والإجتماعية والأخلاقية لعموم اهل الأرض سواء كان بالتأثير المباشر او غير المباشر.
وتظهر أمارات ومفاهيم تلك المحبة على سلوك المسلم وتتجسـد في اقواله وافعاله ولكن الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعاشوا في صحبته نالوا فرصة مباركة في أبراز معالم تلك المحبة على صعيد الواقع العملي والتطبيق الفعلي.
ومن اكثر الناس استثماراً لتلك المناسبة الشريفة الزهراء عليها الســلام وكانت مــن أقرب الناس إليه وأكــثرهم صلة به، فهـــي ابنته التي صحبته في وقائع وأحداث أيام الإسلام الأولى وفي مراحل البناء والفتح.
وقد تقدم كيف انها واجهت كبار مشركي قريش عند اساءتهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما كانت تخفف عنه وطأة اذاهم وتشد عضده وتوفر عليه بعض الوقت والجهد الذي يحتاجه الإنسـان في شـؤونه الشـخصية والمنزليـة، مع إدراكها وجوه المصلحة ودفع المفسدة وأنه مساهمة في خدمـة الإسلام ونشـر مبادئه فقد كان مطلـق فعلهـا جـزءً من تأييد متصل للنبوة واعلاناً عن الإيمان بها والولاء للمبعوث بأشـرف رسالة.
لقد سخرت الزهراء عليها السلام نفسها لخدمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم واعانته ونصــرته حتى اصــبح من الصعب على الباحث الفرز في المقام بين الأبوة وشخص النبي والنبوة فقد كانت بارة بابيها، ملتزمة بتمام الطاعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مخلصة للرسالة ومؤمنة بالنبوة وما جاء به من عند الله عز وجل.
لقد ورد في بعض الروايات بان الإسلام قام بمال خديجة وسيف علي عليه السلام أي أن للعاملين موضوعية واثراً حاسـماً وجلياً في نشـر الإسلام، ترى هل لفعل الزهراء ووقوفها الواعي خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أثراً جلياً في المقام وعند التقييم، الجواب نعم لذا فإن نعته لها بأنها أم أبيها شاهد نبوي من مقامات الوحي على إخلاصها في تعضيد النبوة.
قامت الزهراء عليها السلام بعد وفاة خديجة الكبرى بوظيفة خدمة ابيها رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم بجـد واخلاص وتـفان واللطـيف في الأمـر انها لم تفارق افراد تلك الوظيفة وآدابها حتى بعد استقرار الإسلام وتعدد ازواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووجود الخدم والعبيد.
عن عبد الله بن الحسـن قال: “دخل رســول الله صـــلى الله عليه وآله وسلم على فاطمة فقدمت اليه كســـرة يابســــة من خــبز شـعير فافطر عليها ثم قال: يا بنية هذا اول خبز أكل ابوك منذ ثلاثة ايام، فجعــلت تبكي ورســول الله صلى الله عليه وآله وســـلم يمســـح وجهها بيده”( ).
لقد كانت الزهراء عليها السلام دائمة الحرص ودائبة التعاهد لشخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم يؤلمها ما يؤذيه ويسخطها ما يضره، تتحسس باركانها ما يصيبه كيف لا وهي بضعته الطاهرة، روى ابو نعيم باسناده عن ابي ثعلبة الخشني قال: “قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غزاة له فدخل المسجد فصلى فيه ركعتين وكان يعجبه اذا قدم ان يدخل المسجد فيصلي فيه ركعتين ثم خرج فاتى فاطمة فبدأ بها قبل بيوت ازواجه فاســتقبلته فاطـــمة فجعلت تقــبل وجهــه وعينيه وتبكــي فقال لها رســول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما يبكيك؟ قالت: اراك قد شـــحب لونك، فقال لها: يا فاطـــمة ان الله عز وجل بعـــث أباك بأمر لم يبق على ظهر الأرض بيت مدر ولا شعر الا دخله عــزاً او ذلاً يبلغ حيث بلغ الليــل”( ).
وفي الحديث مسائل :
الأولى : بعث الإطمئنان في نفس الزهراء .
الثانية : بيان فضل الله على النبي صلى الله عليه وآله وسلم واهل بيته وعلى المسلمين.
الثالثة : في الحديث شاهد من السنة النبوية على إستحباب الصلاة ركعتين عند القدوم من السفر.
الرابعة : عشق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للصلاة.
الخامسة : منزلة فاطمة عليها السلام عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإعطائه الأولوية لزيارتها.
السادسة : بيان أثر الجهاد في سبيل الله على وجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السابعة : الحديث مصداق لقوله تعالىوَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ.
الثامنة : إنذار الكفار والذين يصرون على الإعراض عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
التاسعة : بشارة شيوع الدعوة إلى الله وإتساع دائرة حكم الإسلام وبلوغ أخبار ومعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمضى الأرض ومواطن الكفر والضلالة.
ولم يفتر حب الزهراء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بل تجسدت معالم التقديس والتنزيه ومتعلقات الأبوة بصــبغة النبوة والصـحبة المباركة بانقطاع الزهراء عليها السلام عن الدنيا بفقده وانتقاله الى الرفيق الأعلى دون ان تنسى شخصه الكريم فكانت تبكيه ليلاً ونهاراً وباستمرارها على البكاء ومظــاهر الحزن ضــج المســلمون وتعاطفوا معها وادركوا صــدق الـولاء للنبوة والإخلاص للرسالة والوفاء للإسلام.
جاء في رواية الصدوق: “انه لما قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم امتنع بلال من الأذان وقال: لا اؤذن بعد رسـول الله فقالت فاطمة ذات يوم: اني اشتهي ان اسمع صوت مؤذن ابي بلال فبلغ ذلك بلالاً: فاخذ في الأذان فلما قال: الله اكبر ذكرت اباها وايامه ولم تتمالك من البكاء، فلما قال: اشهد ان محمداً رسول الله شهقت وسقطت لوجهها وغشي عليها، فقال الناس امسك عن الأذان يا بـلال فان ابنة رسـول الله قد فارقـت الدنيـا، فلما افاقت من غشوتها سألته ان يتم الأذان فلم يفعل وقال لها: يا سيدة النساء اني اخشى عليك مما تنزلينه بنفسك اذا سمعت صوتي فاعفته من ذلك( )”.
وهذه الحادثة بيان لحقيقة حزن الزهراء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفقده، انها كانت ترى فيه عنوان الرسالة السماوية بالإضافة الى الأبوة الكريمة فهما امران غير منفصلين.
وجاء عن الإمام علي عليه السلام انه قال: “لقد غسلت النبي في قميصه فكانت فاطمة تقول لي: ارني القميص أي ابا الحسن فاذا اريتها اياه اخـذته وشمته وبكت حتى يغشـى عليها، فلما رأيت منها ذلك غيبته عنها( )”.
لقد كان شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم ماثلاً امامها لا تريد ان يفارق ذاكرتها واحاسيسها لعظيم المسؤولية السماوية التي تحملها وأداها باخلاص وتفان، واقواله وافعاله الكريمة حاضرة في المدرك والحافظة عندها، فلا يطرأ عليها بخصوصها سهو او نسيان مما يعني انطباع سيرتها بنهج النبوة.

فاطمة والرؤيا
لقد جاءت الرؤيا في سبــعة مواضع من القرآن، اربعة منها في يوسف عليه السلام رؤية وتأويلاً قال تعالىإِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ، ورؤيا واحــدة وقعـــت لإبراهيـم الخليل احد الرسل الخمسة اولي العزم، واثنتين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسـلم، بالإضافة الى ورودها في تفســير بعض الآيات واسباب نزولها.
ولقد ساهمت الرؤيا في بلورة صور الواقع والقاء اطلالة على آفاق المستقبل وبعث الأمل في النفوس واجتناب أبواب الأذى ومواطن الهلكة باستقراء رؤيا الإنذارات.
ولقد اخبر النبي صلى الله عليه وآله وسـلم عن عالم الرؤيا واقسامها وبصورة لم يستطع العلم الحديث تجاوزها، فقد ورد بالإسناد عن عوف بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: “الرؤيا على ثلاثة منها تخويف من الشيطان ليحزن به ابن آدم، ومنها الأمر يحدث به نفســه في اليقظة فيراه في المنام، ومنها جــزء من ســـتة واربعـين جزءاً من النبوة “( ).
وتتجسد تلك الأقسام في بيت النبوة بالحدث والمثال ليكون عبرة للناس وتذكرة حاضرة في كل زمان.
ومرة تأتي أم الفضل بنت الحارث( ) زوجة العباس عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم برؤيـا رأتها قائـلة: رأيت رؤيا اعظمها ان اذكرها لك فقال: اذكريها فقالت: رأيت كأن بضعة منك قطعت فوضعت في حجري، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ان فاطمة حبلى تلد غلاماً اسميه حسيناً وتضعيه في حجرك، قالت: فولدت فاطمة حسيناً فكان في حجري اربيه”.
لقد كان الفرق كبيراً بين ظنها في موضوع الرؤيا وبين تأويل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها باشراقة نور وفرح مبارك في بيت النبوة، واظهر التأويل انتقال عنوان البضعة الى أبناء الزهراء عليها السلام وأنهم بضعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
انها بشارة وفخر ودعوة لإكرام الحسين عليه السلام قبل ولادته والتحذير من التعدي على حقه وقتله في كربلاء.
وفي قوله تعالى إِنَّمَا النَّجْوَى مِنْ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ روي بالإسناد عن ابي بصير عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام انه قال: “كان ســبب نزول هذه الآيــة ان فاطمة عليها السلام رأت في منامها ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم همّ ان يخرج هو وفاطمة وعلي والحسن والحسين عليهم السلام من المدينة فخرجوا حتى جاوزوا من حيطان المدينة فتعرض لهم طريقان، فاخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات اليمين حتى انتهى بهم الى موضع فيه نخل وماء فاشترى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شاة كبراء – وهي التي في احدى اذنيها نقط بيض- فامر بذبحها فلما أكلوا ماتوا في مكانهم.
فانتبهت فاطمة باكية مذعورة فلم تخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك فلما اصبحت جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحمار فاركب عليه فاطمة عليها السلام وامر ان يخرج امير المؤمنين والحسن والحسين عليهم الســلام من المدينة وكـما رأت فاطمة في نومها فلما خرجوا من حيطــان المدينة عرض له طــريقان فاخـذ رسول الله صلى الله عليه وآله وســـلم ذات اليـمين كما رأت فاطمة حتى انتهوا الى موضع فيه نخل وماء فاشترى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شاة كما رأت فاطمة عليها السلام فامر بذبحها فذبحت وشويت.
فلما ارادوا اكلها قامت فاطمة وتنحت ناحية منهم مخافة ان يموتوا فطلبها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى وقع عليها وهي تبكي فقال: ما شأنك يا بنية ؟ قالت يا رسول الله اني رأيت البارحة كذا وكذا في نومي وقد فعلت انت كما رأيته فتنحيت عنكم فلا اراكم تموتون، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصـلى ركعتين ثم ناجـى ربـه فنزل عليه جبرئيل فقال: يا محمد هذا شيطان يقال له: الدهار وهو الذي ارى فاطمة هذه الرؤيا، ويؤذي المؤمنين في نومهم بما يغتمون به، فامر جبرئيل فجاء به الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: انت اريت فاطمة هذه الرؤيا؟ فقال: نعم يا محمد، فبزق عليه ثلاث بزقات فشجه في ثلاث مواضع.
ثم قال جبرئيل لمحمد: قل يا محمد اذا رأيت في منامــك شيئاً تكرهه او رأى احـد من المؤمنـين فليقل: اعـوذ بما عاذت به مـــلائكة الله المقربون وانبياؤه المرسلون وعباده الصالحون من شر ما رأيت ومن رؤياي، ويقرأ الحمد والمعـوذتين وقـل هـو الله احـد ويتفل عن يسـاره ثلاث تفـلات، فانـه لا يضــره ما رأى، وانزل الله على رسوله إِنَّمَا النَّجْوَى مِنْ الشَّيْطَانِ )( ).
لقد اراد الله عز وجل للمؤمنين ان يتعظوا بالزهراء ورؤياها ويستنبطوا منها الدروس والعبر ويتحصنوا من الشيطان واذاه بما لاقته الزهراء عليها السلام التي تنحت ناحية كما في الرواية وهي تعلم ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ســيفتقدها ويطــلبها قبل ان يهموا بالأكل لتضع القصة كاملة بين يديه فيكون فيها بيان خالد للأمة وميثاق دائم يتصدى فيه الناس لكيد الشــيطان ولتنهل منه مدارس التحليل النفســي الحــديثة وغيرها الدروس خاصة.
وورد الحديث برواية اخرى عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: “رأت فاطمة عليها السلام في النوم كأن الحسن والحسين ذبحا او قتلا فاحزنها ذلك، فاخبرت به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رؤيا فتمثلت بين يديه قال انت اريت فاطـمة هذا البـلاء؟ قالـت: لا، فقال: يا اضـغـاث انت اريت فاطمة هذا البلاء؟ قالت: نعم يا رسول الله، قال: فما اردت بذلك، قالـت: اردت ان احزنهـا، فقال لفاطمة: اسمعي ليس هذا بشيء( ).
ولعل تلك الرؤيا تختلف عن هذه، وكل واحدة منهما مدرسة في بطلان بعض الأحلام وضرورة عدم الإلتفات اليها، ولقد كانت الزهراء عليها السلام سبباً لحصول المسلمين على دعاء خاص من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لدفع شـر الرؤيا المكـروهة واجتناب اثـرها الواقعـي والنفسي، فقد روي عن الصادق عليه السلام انه قال: “شكت فاطمة عليها السلام الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما تلقاه في المنام فقال لها: اذا رأيت شيئاً من ذلك فقولي: اعوذ بما عاذت به ملائكة الله المقربون وانبياء الله المرسلون وعباد الله الصالحون من شر رؤياي التي رأيت ان تضرني في ديني ودنياي”( ).
وفي حياة المؤمنين والمؤمنات وفي مختلف الأمصار والأزمان شواهد لرؤى يرون فيها الزهراء عليها السلام في المنام وفيها تزف لهم البشارة او تخبر بقرب الأمل والشفاء وقد يكون فيها وقاية وعلاج او حرز، والمعروف ان الشيطان لا يتجسد في المنام بشخص الزهراء عليها السلام لاطلاق آية التطهير الواردة في المعصومين عليهم السلام.
“روي ان الخليفة العباسـي المهدي رأى في منامه شريكاً القاضي مصروفاً بوجهه عنه فلما انتبه قص رؤياه على الربيع فقال: ان شريكاً مخالف لك وانه فاطمي محضاً، قال المهدي: عليّ بشريك فاتي به، فلما دخل عليه قال بلغني انك فاطمي؟ قال شريك: اعيذك بالله ان تكون غير فاطمي الا ان تعني فاطمة بنت كسرى قال: لا، ولكن اعني فاطمة بنت محمد.
قال: فتلعنها قال: لا، معاذ الله، قال: فما تقول فيمن يلعنها؟ قال: عليه لعنة الله، قال: فالعن هذا- يعني الربيع- قال الربيع: لا والله ما ألعنها يا أمير المؤمنين، قال له شريك: يا ماجن فما ذكرك لسيدة نساء العالمين وابنة سيد المرسلين في مجالس الرجال؟
قال المهدي: فما وجه المنام- أي تأويل رؤياه- قال ان رؤياك ليست برؤيا يوسف عليه السلام وان الدماء لا تستحل بالأحلام”( ).
فكما ان رؤية المؤمنين والمؤمنات للزهراء عليها السلام تبعث البهجة والغبطة في نفوسهم وتزيدهم إيماناً، فانها تسبب فزعاً وخوفاً في قلوب الظالمين، وفي أمالي المفيد النيسابوري أن زرة النائحة رأت فاطمة عليها السلام فيما يرى النائم أنها وقفت على قبر الحسين تبكي وأمرتها أن تنشد:

أيها العينان فيضا
* واستهلا لا تغيظا

وابكيا بالطف ميتا
* ترك الصدر رضيضا

لم امرضه قتيلا
* لا ولا كان مريضا( )

عن ابن عباس قال: رأت فاطمة في منامها النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالت: فشكوت اليه ما نالنا من بعده، قالت: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لكم الآخرة التي اعدت للمتقين وانك قادمة علي عن قريب( )، ليكون من سنن أهل البيت البشارة باللقاء تحت عرش الله في أعلى عليين.
رؤياي والزهراء
عندما دفعت الى المطبعة في بغداد عام 1993م أحد أجزاء كتابي الموسـوم (فلسفة الإمامة في الصـحيفة الســجادية) الذي هو محاولـة ظاهـرة لتجســيد امتلاء النفس بحب صفوة الله آل محمد عليهم السلام، عرجت على أرض كـربلاء لزيارة الحسين عليه السلام، وفي طريق العودة إلى النجف الأشرف بعد صلاة العشــاء أردت النـوم في السيارة قليلاً للتزود بالراحة والتهيئ للتحضير والإعداد لدروس اليوم التالي الحوزوية , إذ كنت أقوم بالتدريس مع طلوع الشمس في أورقة الحوزة العلمية، ولكن ما ان أغمضت عيني طواعية حتى رأيت سـيدتنا فاطمــة الزهـراء عليها السلام وقد ألقي في روعـي بفضل الله تعالى انها الزهراء، ولم تكن عليها السلام طويلة ولا بالقصيرة ولكنها للقصر أقرب وهي مجللة بالســواد والحجــاب , لا يمكـن ان يرى منها شيء، بما في ذلك الوجه الشريف، الذي حجب بسـتر كثيف واق، وكان الرداء الأســود وردنه يــزيد على حــد أصــابع اليد المباركة، وبقيــت هنيئــة في لحظة مباركة تتضـمن عناوين التشــريف والأمر الفيـاض بلغة الإشـارة من الأعلى.
لقد أّولت الأمر بالمبادرة الى إعداد كتاب عن سيدة نساء العالمين الزهراء البتول خاصة , وان المكتبة الإسلامية تشكو الفقر في هذا الباب.
فصدر لي والحمد لله الجزء الأول والثاني من ( الزهراء سيدة النساء )
وتحتاج المكتبة الإسلامية إلى دراسات ورسائل عن الزهراء بما يتناسب وعظيم منزلتها في الإسلام , وما لسيرتها من أثر فعال في بناء المجتمعات الإسلامية وإعداد الشخصية المؤمنة مطلقاً وبما يشمل افراد المذكر والمؤنث منها، وما لذلك من خصوصية في الأثر والتأثير تنبعث اشعاعات أنوارها الرسالية من فيض سنن سيرة الزهراء ومعالم شخصيتها التي يتكامل فيها البناء العقائدي والحس الإيماني، وأسأل الله تعالى ان تكون تلك المناسبة فيضاً مباركاً وحرزاً وواقية وبشارة شفاعتها عليها السلام.
فاطمة والحجاب
قال تعالى يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا.
لقد تفضل الله تعالى على المسلمين كافة بآية الحجاب لتكون نظاماً شاملاً في بلاد المسلمين وحاجزاً دون التمادي في ابراز بعض النساء لجزء من مفاتن الجسد.
والجلابيب جمع جلباب وهو اعم من الخمار تغطي به المرأة رأسها وترسل الفاضل منه على صدرها، وعن ابن عباس: “هو الرداء الذي يستر من فوق الى اسفل”( )، وقيل أراد بالجلابيب الثياب والقميص والخمار وما تستر به المرأة.
وعن ابن سيرين: “سألت عبيدة السلماني عن ذلك: فقال: ان تضع رداءها فوق الحاجب ثم تديره حتى تضعه على انفها”، وعن السدي: “ان تغطي احدى عينيها وجبهتها والشق الآخر الا العين( )”.
وفي الآية بيان للمنفعة والثمرة العاجلة الحاصلة من الأمر وهي علم الآخرين بما لهن من هوية الإيمان وعنوان الستر والصلاح وكأن الحجاب والحالة هذه شعار اسلامي خاصة وانت ترى الإلتزام به ينحصر ظاهراً بالمسلمات، ومن بركات الحجاب عدم تعرضهن للأذى وبه يتقى ما يكره لما يبعثه من اجلال وهيبة في النفوس والوقاية والحصانة من السوء واهله، وفي هذا الزمان ترى الحجاب شعاراً اسلامياً، ودعوة الى الله، وحثا للمرأة على الصلاح والستر.
والآية الكريمة تبين حكماً ذا موضوعية في الميدان الإجتماعي والأخلاقي ساهم في بناء القواعد الروحية لتثبيت عقائد الإسلام فاصبح من الضروري المحافظة على هذا التشريع خاصة وانه جاء بعد واقع متراكم من الجهل وعدم الإلتزام بالقيم، وخلو البلاد من ســنن وضوابط اخلاقية تنشر رداء العفة ومعايير التماسـك الإجتماعي، الأمر الذي يطرد او يضعف روح الإستعداد لقبول الصيغ الجديدة للحجاب وضرورته الملحة.
لقد جاءت الآية بالخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كتكليف عيني ليتولى بنفســه وظــيفة الإبـــلاغ والمتابعة والإشراف المباشر، كما انها بدأت من حيث التطـــبيق العملي بامهات المؤمنـين وبنات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليصــبحن اسوة للمسلمات وقدوة حسنة وباب هداية لعموم النســاء، ويأخذن منهن آداب الحجاب ويحرصن على محاكاتهن.
والآية مدنية وبنات النبي صلى الله عليه وآله وسلم توفين قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله وســلم محمد صلى الله عليه وآله وسلم باستثناء فاطمة عليها السلام وغير معلوم من منهن عاصرت نزول الآية الكريمة الا ان الزهراء كانت حاضــرة زمان نزول الآية وهو القدر المتيقن، ولغة الجمع قد تطلق على المفرد تعظيماً ونحوه، وقد ورد في آية المباهلة قوله تعالى وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ والمقصود من نساءنا في الآية الزهراء عليها السلام باتفاق المسلمين، ومما لا يخفى ان الزهراء عليها السلام كانت مؤهلة لتحمل تلك المسـؤولية التأريخية بما تمتلكه من عناصر الإيمان والإخلاص للدين والمســـارعة الى طاعة الله ورسوله بهيئة التجرد عن الدنيا والإعراض عن زينتها تلك الصفة التي تهيء مناخاً كريماً لتلقي الأوامر الإلهية برضا وقبول واستجابة حسنة خالية من التردد او التلكئ في التطبيق والعمل.
وتلك مكرمة للزهراء ربما تكون بعضاً من علل تفضيلها وكونها سيدة نساء العالمين فان مسؤوليتها متشعبة ومتداخلة وكان للتوفيق بادائها بعد تأريخي واثر خالد ساهم بتثبيت الأحكام الشرعية والآداب الإسلامية في أعماق المجتمعات وصميـم الواقع الإنساني فكانت سيرة الزهراء عليها السلام نبراساً ينير للمسلمين والمسلمات طرق الهداية ويسلط الأضواء الزكية على سبـل الرشاد ويحبـب الى النفس مستلزمـات العفة ومظاهر الستر.
وبالإسناد عن الإمام موسى بن جعفر عن ابيه جعفر بن محمد عن ابيه: “ان فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل عليها علي عليه السلام وبه كآبة شديدة قالت: ما هذه الكآبة فقال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن مسألة ولم يكن عندنا جواب لها، فقالت: وما المسألة قال: سألنا عن المرأة ما هي؟ قلنا عورة، قال: فمتى تكون ادنى من ربها؟ فلم ندر، فقالت: ارجع اليه فاعلمه ان ادنى ما تكون من ربها ان تلزم قعر بيتها، فانطلق فاخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، فقال: هذا من تلقاء نفسك يا علي، فاخبره ان فاطمة اخبرته فقال: صدقت ان فاطمة بضعة مني( )”.
وعند الأخذ بنظر الإعتبار الواقع الفكري الحالي وما زرعه الإسلام في النفوس من معتقدات ذات معالم ايمانيـة واضحة، يبدو الجواب ليس صعباً ولكن الواقع آنـذاك مختلف، فالإسـلام لا يزال حديثاً والتركيز في الدعوة متوجه بصورة رئيسية الى الجهاد والتثبيت السياسي لمبادئ الإسلام ونشر رايته حول المدينة من غير الفراغ عن صيغ الدفاع عن بيضة الإسلام وجماعته ومستقر الدعـوة ومرتكز سلطانه، كما ان المجتمع لم يتغير جذرياً بعد والعادات الجاهلية لا زالت باقية وغير معدومة، والنساء في الأيام الأولى للإسلام قد يخرجن متبذلات وتبرز المرأة منهن في درع وخمار ومن غير ستر الوجه ولم يكن علي عليه السلام يجهل الجواب ولكنه رجع لإقامة الحجة وبيان المنزلة العلمية للزهراء عليها السلام واهليتها للإفتاء والإستنباط.
وسؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فمتى تكون ادنى من ربها؟ لابد ان يجعل الإنسان يفكر بوجوه العبادة وما يناسب المرأة منها خاصة وان الجهاد موضوع عنها، ولكن الزهراء ذهبت الى الوظيفة الأساسية للمرأة في خلق واعداد جيل مسلم قادر على اداء مسؤوليته وفق مبادئ الرسالة واحكام الشريعة أي انها لا تنحصر في الأبناء وافراد الأسرة بل وتتعدى الى الأقران والأكفاء والأفراد ومن هو في سنها، فصلاح المرأة دعوة لصويحباتها للإقتداء بها وحجب للفتيان والشطار عن المعصية ودروب الفواحش و من العصمة امتناع المعصية، فاذا امتنعت النساء عن التبرز والتزامهن البيوت تدبيراً واصلاحاً وتنظيماً للمعيشة وستراً وورعاً يساعد الشباب في التوجه نحو اعمالهم الدينية والدنيوية والحرص على اشباع الغرائز بالطرق الشرعية كالزواج.
لقد أخبرت الزهراء عن حقيقــة تعبديــة وهي ان جــهاد المرأة ينحصر في التزام البيت طلباً لمرضاة الله تعالى، أما موضوع تحمل أعباء المنزل وتربية الأولاد فهو عنوان مستقل لم تنص الشريعة على ضرورة قيام المرأة به، ولا يدخــل في باب العلة الغــائية او نحوها لإلتزام المرأة لبيتها.
لقد أولت الزهراء عليها السلام عناية خاصة لموضوع الحجاب تتناسب ومنزلته في إعداد المرأة المؤمنة وتهيئة مستلزمات الصلاح في المجتمع الإسلامي.
واستمرت عنايتها وحرصها على التقيد بالحجاب ظاهراً طيلة ايام حياتها المباركة وتعدى اثره في الموعظة الى ما بعد وفاتها اذ تجسد بوصيتها فيما يتعلق بهيئة جنازتها كما سيأتي ان شاء الله.
وهذا لا يمنع من تحملها اعباء الوظيفة العقائدية كبضعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأم للأئمة تتولى صيانة وتعاهد أحكام الشريعة الأمر الذي تجسد في أهم جوانبه في مصحف فاطمة.
أولادها
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “كل بني انثى ينتمون الى عصبتهم الا ولد فاطمة فانا وليهم وانا عصبتهم وانا ابوهم( )”.
قول مبارك وحديث شريف تشــع منه أنوار قدســية ويظهر للمسلمين الحضور النسبي للنبوة في الأجيال الإسلامية المتعاقبة ويحول دون الشك او التردد في مضامين القبول لموضـــوع إكـرام ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليبقى دعوة لتلمس وجوه البركة في العقب الطاهر.
ولا غرابة ان يخرج أرباب السير هذا الحديث وأمثاله في باب فضل الزهراء، وبيان ما خصت به من بين أبناء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلقد نالت الزهراء عليها السلام تمام الفضل وشاركت غيرها فيما عندهم منه ولم يشاركها غيرها في جوانب منه، ولا يمكن فصل هذا الموضوع عن الإختيار في زواجها وعلله.
ولقد كانت الزهراء مؤهلة لنيل أعلى مراتب الشرف لما بلغته من منازل التقــوى ولإرتقائـها مقامات اليقين بروح الإخلاص وبدأب متصل في مسالك العفة والنسك والإيمان، ومما يبعث الغبطة في النفس انك لا ترى للزهراء حاسـداً او ساخطاً عبر التأريخ وفي مختلف المجتمعات ولا تجد عند ازواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم والهاشميات مطلقاً نفرة طبيعية تلك التي تنجم عن محبة مشاركة الغير في الأمر المحبوب.
وقد ورد عن عمر بن الخطاب انه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة ما خلا سببي ونسبي، كل قوم عصبتهم لابيهم ما خلا ولد فاطمة فاني أنا أبوهم وعصبتهم”( )، وروي قريب منه عن الإمام علي عليه السلام وبلغة الإطلاق في عدم انقطاع النسب الشريف وإرادة إتصال النسب في النشأتين.
لقد ولد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ثمانية اولاد من الذكور والإناث، والذكور القاسم وهو اكبر اولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبه كان يكنى، توفى وله من العمر سنتان، والطاهر والطيب وهو عبد الله واختلف في ولادته هل كانت قبل الإسلام او بعده وامهم خديجة بنت خويلد، ومن المؤرخين من لم يذكر الطاهر من اولاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وابراهيم من مارية القبطية ولد في جمادى في السنة التاســعة للهجــرة وتوفى في التاســع والعشـــرين من شوال من السنة العاشرة، وكسفت الشمس يومها، ودفــن في البقيع، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: “ان له مرضعاً يتم رضاعه في الجنة”( )، والباقي من الأناث.
وذكر ان اعرابياً جاء من الشام وابن عباس كان في المسجد الحرام يفتي الناس فسأل عن ابناء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبناته، فاخبره ابن عباس ان ابناءه كانوا خمسة القاسم والطاهر والمطهر والطيب وهم من خديجة، وابراهيم من مارية، وبناته كن اربعاً زينب وام كلثوم وفاطمة ورقية من خديجة، وكلهم مات في حياته صلى الله عليه وآله وسلم الا فاطمة فانها بقيت اربعين يوماً من بعده.
والزهراء عليها السلام بعد ان زوّجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الإمام علي بن ابي طالب عليه السلام ولدت الحسن عليه السلام في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة وقيل سنة اربع، ثم ولدت الحسين عليه السلام في اليوم الثالث من شعبان من السنة التالية لولادة الحسن عليه السلام، ومن البنات انجبت زينب وام كلثوم واسقطت فاطمة عليها السلام ولداً كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد سماه وهو حمل محسناً.
وذكر بالإسناد ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي: “انت اخي وابو ولدي تقاتل على سنتي”( )، وكان الحسن والحسين يخاطبان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكلمة: يا ابتاه، ولم يقولا تلك اللغة في الخطاب لأمير المؤمنين عليه السلام الا بعد وفـاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد كان الحسـن يقول له قبلهـا: يا ابا الحسن، والحسـين يقول له: يا ابـا الحسن، تشرفاً بالإنتماء لرسـول الله صلى الله عليه وآله وسلـم واجـلالاً لعظيم شأنه وتوكيداً للنسب وبياناً اجتماعياً لحقيقته وشهادة يومية لصدقه.
لقد أكدت الســنة النبوية الشريفة على الوحدة التكوينية لأهل الكساء بمضامين الكمال والعصمة والتجدد والثبات في العقيدة، وفي الخبر عن عبدالرحمن بن عوف قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: أنا الشجرة وفاطمة فرعها وعلي لقاحها والحسن والحسين ثمرها – وزاد رزق الله: وشيعتنا ورقها، الشجرة أصلها في جنة عدن، والفرع والورق والثمر في الجنة( ).
ولقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن حوادث آخر الزمان في احاديث وخطب له عديدة ومما يذكره فيها إتصال حبل ذريته , فقد ورد بالإسناد عن سعيد بن المسيب عن ام سلمة قالت: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: المهدي من عترتي من ولد فاطمة( )”.
وكانت مسألة العترة وذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا تزال محط إعتزاز المسلمين وسبيلاً لتلمس بركات النبوة وحضورها في الذاكرة واستحضار قيمها عند التعرض لأبناء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
روي عن الشعبي انه قال: “كنت بواسط وكان يوم اضحى فحضرت صلاة العيد مع الحجاج فخطب خطبة بليغة فلما انصرف جاءني رسوله فاتيته فوجدته جالساً مستوفزاً وقال: احضروا الشيخ: فاتوا به: فاذا هو يحيى بن يعمر( ) فاغتممت غماً شديداً، فقال له الحجاج: انت تزعم انك زعيم اهل العراق؟ فقال يحيى: انا فقيه من فقهـاء اهل العـراق، قال فمن اين فقهك وقد زعمت ان الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ما انا بزاعم ذلك بل قائله بحق ثم قال: بكتاب الله عز وجل، فنظــر اليّ الحجــاج وقال اســمع ما يقول: فان هـــذا مما لم اكن اسمع عنه، اتعـرف انت في كتاب الله عز وجل ان الحسن والحسين من ذرية محمـد صلى الله عليه وآله وسلم، وفكر الحجاج ملياً ثم قال ليحيى: لعلك تريد قول الله عز وجل فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ وان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج للمباهلة ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين؟ قال الشعبي فكأنما اهدي الى قلبي سروراً فقلت في نفسي: قد خلص يحيى.
وكان الحجاج حافظاً للقــرآن، فقال له يحـيى: والله انها لحجة في ذلك بليغة، ولكن ليست هي احتج لما قلت، فاصفر وجه الحجاج ملياً ثم رفع رأسه الى يحيى وقال له: ان انت جئت من كتاب الله بغيرها في ذلك فلك عشـرة آلاف درهم وان لم تأت بها فانا في حل من دمك، قال: نعم، قال الشعبي: فغمني قوله ان كان في الذي نزع به الحجاج ما يحتج به يحيى ويرضيـه بانه قد عرفه وسبقـه اليه ويتخلص منه حتـى يرد عليه واقحمه فـان جـاءه بعد هذا بشـيء لم آمن ان يدخـل عليه من القول ما يبطل به حجــته لئــلا يدعــي انه قد علم ما قــد جهله هــو، فقال يحـيى للحجاج: قول الله عز وجل وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ من عني بذلك؟ قال الحجاج: ابراهيم، قال يحيى: فداود وســليمان من ذريته، قال الحــجاج: نعـم، قال يحــيى ومن نص الله عليه بعد هذا انه من ذريته؟ فقرأ الحجاج وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ قال يحيـــى: ومـــن؟ قال [ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى ] قال يحيى: ومن اين كان عيسى من ذرية ابراهيم ولا أب له؟ قال: من قبل أمه مريم، قال يحيى: فمن أقرب مريم الى ابراهيم أم الحســن والحســين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكأنما ألقمه حجراًً فقال: اطلقوه قبحه الله وادفعوا اليه عشرة آلاف درهم لا بارك الله له فيها، ثم دعا بجزور فنحره وقام فدعا بالطعام فأكـل واكلنا معه وما تكلم بكلمة حتى انصرفنا ولم يزل مما احتج به يحيى بن يعمر واجماً( )”.
ووردت الرواية وذكر ان الواقعة جرت مع سعيد بن جبير وليس يحيى بن يعمر، ولا زالت انوار تلك الشجرة المباركة تملأ ربوع الأرض بسمات التوحيد وآيات الإيمان وتزهر حياتها في ارجائها براعم من فروعها بعز ومحافظة على لواء الإسلام وبقاء مبادئه حية، انها ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونسله الذي تفرع من ابنته الزهراء عليها السلام وزوجها علي بن ابي طالب عليه السلام والنسب الشامخ الذي يتمنى الناس كلهم ان يكونوا منه وهم لا يتمنون الإنتساب لأحد من هؤلاء فان انتماءهم لرسول لله صلى الله عليه وآله وسلم يملأ الدنيا فخراً وعزاً، ويلقي على كل واحد منهم وفي كل زمان ومكان ذكراً كان أو انثى أعباء ومسؤوليات اضافية.
وفي حديث أسامة بن زيد قال: “طرقت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض الحاجة فقال: هذان ابناي وابنا ابنتي اللهم اني احبهما فاحبهما واحب من يحبهما( )”.
ولم يتردد الصحابة يوماً في اظهار الحب والإكرام لذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا يسعون للتبرك بهم والإنتفاع منهم والصدور عنهم، وتحتوي كتب السيرة والتأريخ على قصص كريمة في هذا الباب اذ تسجل كل واحدة منها آيات من الإجلال للحسن والحسين تسليماً بضرورة محبتهما واقراراً بانهما ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اقراراً جماعيـاً يأتي احياناً صـريحاً واخـرى دلالة ومضموناً وقصداً في الفعل.
عن مدرك بن زياد قال: “رأيت ابن عباس آخذاً بركاب الحسن والحسين فقيل له: اتأخذ ركابهما وانت اسن منهما فقال: ان هذين ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اوليس من سعادتي ان آخذ بركابهما”، وقد يأتي الإقرار بلغة الفعل والقصد ويحمل ذات المضامين والتسليم برضا بسمو مقامهما، فلما دوّن عمر بن الخطاب الديوان وفرض العطاء ألحق الحسن والحسين بفريضة ابيهما مع اهل بدر لقرابتهما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونسبهما منه ولأنهما ولداه ففرض لكل واحد منهما خمسة آلاف.
وعن الإمام الحسين عليه السلام قال: “اتيت على عمر بن الخطاب وهو على المنبر فصعدت اليه فقلت له: انزل عن منبر ابي واذهب الى منبر ابيك، فقال عمر: لم يكن لأبي منبر واخذني واجلسني معه فلما نزل انطلق بي الى منزله فقال لي: من علمك هذا؟ فقلت ما علمنيه احد، قال: يا بني لو جعلت تغشانا؟ قال: فاتيته يوماً وهو خال بمعاوية وابن عمر بالباب فرجع ابن عمر ورجعت معه فلقيني بعد ذلك فقال: لم ارك تأتينا، فقلت: اني جئت وانت خال بمعاوية وابن عمر بالباب، فرجع ورجعت معه، قال: انت احق بالإذن من ابن عمر وانما انبت ما ترى في رؤوسنا الله ثم انتم( )”.
لقد كان الصحابة يرون باعينهم كيف ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقطع خطبته الكريمة وينزل من المنبر ليتلقى الحسنين وكيف يغذيهما برأفته وعطفه ويتعاهدهما بعناية ابوية خاصة كجزء من اشرافه المباشر على تربيتهما واعدادهما اعداداً مثالياً لأعباء ومسؤوليات الإمامة وتعليم ابناء المسلمين التزود من فيض آل محمد واصلاحهما تهيئة لحصون الشريعة ودوام كلمة التوحيد وحمل الأعقاب للوائه عبر أحقاب التأريخ، قال تعالى وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ .
لقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يشمل الزهراء وابنيها برعاية يومية خاصة في حضره وكانوا هم منقطعين اليه مواظبين على التعلق به واتيان ما يأمر به وما يحبـه ويرضاه وملتزمين بطاعته ومحبته ولم ينسهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى في اليوم الذي غادر فيه الى الرفيق الأعلى ففي رواية ام سلمة قالت: “دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً يوم توفى فحنا عليهم ثم قال: اللهم اني استودعهم وصالح المؤمنين، قالت الزهراء عليها السلام: يا رسول الله هذان ابناك تورثهما شـيئاً، قال: اما حسن فان له هيبتي وسؤددي، واما حسين له جرأتي وجودي( ).
ولم تكن تلك العناية والرعاية التي تلقاها الحسن والحسين عليهما السلام من لدن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منحصرة في باب العاطفة والشفقة الأبوية بل كانت ذات مضامين ملكوتية واسرار عقائدية واعتبارات فكرية تتعلق بواقع الإسلام وامتداد الرسالة خاصة وان نشأتهما اقترنت بنشوء الإسلام وبداية تغلغل أحكام الشريعة في صلب المجتمعات واركانها الروحية والإقتصادية والأخلاقية والجهاد المتواصل لهدم معالم المجتمع الجاهلية والوثنية بالإضافة الى العمل الدؤوب والمستمر لبناء صرح الإسلام وترسيخ اسس الإيمان لتبقى راية التوحيد زاهرة عالية حتى يوم القيامة.
لقد حظي الحسنان برعاية واشراف مبارك منذ ولادتهما فعن عكرمة قال: “لما ولدت فاطمة الحسن اتت به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسماه حسناً، ولما ولدت حسيناً اتت به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: هذا احسن فشق له اسماً من اسمه وقال: هذا حسين”( ).
ولقد سبقت البشارة بهما قبل ولادتهما بحديث الاسراء الذي جاء مقدماً في زمانــه على زواج الزهراء عليها الســلام فبالإســناد عن ابن عباس: “قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ليلة عرج بي الى السماء رأيت على بــاب الجنة مكتوبــاً لا اله الا الله، محمــد رسول الله، علي حبيب الله، الحسن والحسين صفوة الله، فاطمة أمة الله، على باغضهم لعنة الله( )”.
ولقد تجسدت بركات عناية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالحسنين منذ ايام ولادتهما الأولى بآيات من الكرامة، روي ان الزهراء عليها السلام سئلت عن شهر رمضان فقالت: “اليوم شـهر رمضان، فقالوا: هل رأيتم الهلال قالت: لم نر الهلال، ولكن ابني الحسين ترك الرضاعة منذ السحر”، وربما كان نتيجة لما روي من ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يمر على بيت فاطمة كل صباح بعد ولادة الحسين عليه السلام ولمدة اربعين يوماً فيضع ابهامه الشريف في فم الحسين فيتغذى من سبحاته القدسية.
ان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عملاً رائداً في تربية واعداد كل مسلم وآثاره وبركاته ترى واضحة في سلوك الأفراد ونظام المجتمعات الإسلامية وجاء القرآن يبعث المسلمين والمسلمات للعمل لسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالىلَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ .
وحسن سمت الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام باب من ابواب تلك الرحمة وسبيل مبارك لزرع تلك القيم في الأجيال المتعاقبة، اذ كانا يتلقيان الأحكام الشرعية من معلم الإنسـانية الأول الذي اعدهما للأغـراض السامية النبيلة.
عن يزيد بن ابي زياد قال: “خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بيت عائشة فمر على بيت فاطمة فسمع حسيناً يبكي فقال: ألم تعلمي ان بكاءه يؤذيني”( ).
إنه درس للأمة باجتناب إيـذاء الحسين ولقد شــملت الســماء بعنايتها ولدي الزهراء بما نالاه من حضوة عند ملائكة السماء تشير الى منزلتهما واهـمية نســبهما وانتمائهــما الى رســـول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما لذلك من عناصر التقديس والإجلال، وفي الحديث أن جبرئيل نزل يوما فوجد الزهراء نائمة والحسين قلقا على عادة الاطفال مع أمهاتهم فقعد جبرئيل يلهيه عن البكاء حتى استيقظت فأعلمها رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك) ( ).
إن مسؤوليات الدولة الإسلامية واعباء الرسالة وتبليغ الأحكام بلغة البشارة والإنذار واستقبال الوفود المتدفقة من اطراف الجزيرة العربية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم معلنة اسلامها وما تحتاج من توجيه وتعليم ونحوه وقيام النبي بها أحسن قيام، ومع هذا فانها لم تشغله عن تفــقد الزهــراء عليها الســلام وبيتهــا بل انه أخذ على عاتقه مسؤولية تفقد الحسنين يومياً، “اتى فاطمة عليها السلام يوماً فقال: اين ابناي؟ فقالت: ذهب بهما علي، فتوجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوجدهما في مشربة وبين ايديهما فضل من تمر، فقال: يا علي الا تقلب ابني قبل الحر( ).
لقد تفضل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الأمة الإسلامية باشرافه المباشر على تعليم الزهراء وولديها اصول الدين واحكام الفرائض ليكون سنة ثابتة وترسيخاً للأحكام وبياناً ونوراً وحاجزاً دون التفريط او التحريف بتلقيها من مصدر الوحي ومنبـع التشريع ومحل النبوة، عن الصادق عليه السلام قال: “ان رسـول الله صلى الله عليه وآله وسـلم كان في الصلاة والى جانبه الحسين فكبر رسـول الله صلى الله عليه وآله وسـلم فلم يحر الحســين التكبير ثم كبر رســول الله فلم يحــر الحسين التكبير ولم يزل رســول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكبر ويعــالج الحسـين التكــبير فلم يحر حتى اكمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبع تكبيرات فاحار( )، الحسين عليه السلام التكبير في السابعة، قال الصادق عليه السلام: فصارت سنة”.
لقد تعلم الحسنان المشي في صغرهما بالسير الى المسجد النبوي، والتوجه مباشرة الى حيث يجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكأنما لا يعرفان من الدنيا الا النبي وكانت سـيرتهما طوال حياتهما تشهد بذلك فقد كان كل منهما يحاكي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سنته وعبادته وعمله وكانا أشبه الناس خلقة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ليكون هذا الشبه حجة حاضرة وظاهرة على كل مسلم لاكرامهما، ومناسبة للتذكير بحضور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهراني الأمة بذريته الطاهرة.
وذكر أن عدي بن حاتم الطائي دخل على معاوية، فقال له معاوية: ما فعلت الطرفات؟ يعني أولاك، قال: قتلوا مع علي، قال: ما أنصفك عَليّ قتل أولادك وبَقَّى أولاده، فقال عدي: ما أنْصَفْتَ عليّاً إذ قتل وبقيت بعده، فقال معاوية: أما إنه قد بقيت قطرة من دم عثمان ما يمحوها إلا دم شريف من أشراف اليمن، فقال عدي: واللهّ إن قلوبنا التي أبغضناك بها لفي صدورنا، وإن أسيافنا التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، ولئن أدنيت إلينا من الغدر فتراً لندنيَنَّ إليك من الشر شبراً، وإن حَزَّ الحلقوم وحشرجة الحيزوم لأهْوَنُ علينا من أن نسمع المساءة في علي( ).
لقد كان الصحابة يستحضرون برؤية الحسن والحسين أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسنته الشريفة لأن صلة الحسنين به لاتنحصر بالبنتوة والنسب بل تشمل تعاهدهما لسنته، في القول والعمل إلى جانب الشبه في الخلقة المباركة وإشراقتها على النفوس.
وكثيراً ما كان الحسنان يرافقان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة وكانت تلك الرفقة مناسبة للتزود من الأحكام الشرعية ولمعرفة بعض الدروس الشرعية والفقهية والتربوية، عن ابي ليلى قال: “دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيت تمر الصــدقة ودخل الحسين فاخذ تمرة فجعلها في فيه فاستخرجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم من فيه وقال: ان الصدقة لا تحل لنا( ).
وكان لهذا التأديب والتعليم أثر كبير في سيرة الحسين عليه السلام فظهر في عمله باجمل حلة وابهى ســلوك بعد إنتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى ، وساهم في تثبيت الإيمان في قلوب التابعين، وحديثي العهد بالدخول في الإسلام وتعلمهم لأحكام الدين والعبادات.
وأولى أهل البيت عليهم السلام وكبار الصحابة الحسنين عناية واكراماً خاصاً وكانت رؤيتهما تذكر بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وسيرتهما الشريفة تؤكد صحة الإنتساب للنبي ورسالته.
وحافظ الإمام علي عليه السلام باهتمام بالغ على الحسن والحسين عليهما السلام وحرص على عدم تعرضــهما للاخــطار والبلوى وكان يقــول في بعض حـروبه: “املكوا عليّ هذين الغلامين فاني انفس بهما عن القتل لئلا يقــطع نسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم( ).
اما بنات الزهراء عليها السلام فانهن عنوان العفة وتمام التقوى ورزانة العقل وكل واحدة منهن ممتلئة علماً وفقهاً وجرت في دمائهن سيرة الزهراء وما فيها من آيات الصبر والورع واليقين فعندما كان الإمام علي عليه السلام يهيء اهل البيت لإستيعاب احداث ووقائع عاشوراء تحدث مرة مع ابنته زينب- وهي كبرى بناته- واخبرها بما ينتظرها من المسؤولية والبلاء في كربلاء، ويقرب لها بصيغة التلميح والتنبيه والإشارة وكلمات الإجمال رفقاً بها فبادرت الى الإجابة: “اني اعلم هذا، لقد اخبرتني به امي الزهراء”، والمعروف ان الزهراء توفت ولم تتجاوز زينب الخامسة من عمرها.
وذكر ان زينب قالت يوم عاشوراء: “يا اماه أديت الأمانة، وانها قبلت الحسين عليه السلام في نحره”.
ولم تنحصر أسباب الكرامة والتوفيق في اولاد الزهراء عليها السلام الصلبيين بل تعدت الى ذريتها وعقــبها وبوجــهين:
الأول : الإمامة التي نال عظيم شرفها تسعة من ابناء الحسين عليه السلام تنتقل بين كل واحد منهم والآخر بالبنوة.
الثاني : الشرف العام لذلك النسب الرفيع والفرع المبارك الذي انعكــس في أحــيان وبقاع كثيرة بلباس التقوى وصـــيغ الإيمان الظاهــرة على سلوك وافعال أولئك السادة وبيوتاتهم.
ولقد ذهب نفر قليل من الفقهاء وخلافاً للمشهور الى حلية الخمس لمن انتسب الى الزهراء عليها السلام وبني هاشم مطلقاً من طرف الأم ومن المتقدمين وقال به السيد المرتضى.
ولكن اللغة والعرف وظاهر النص يجعل مدار الحكم يثبت لمن انتسب الى هاشم بالأب وهو المشهور شهرة عظيمة، وهو المختار، ولكنه لا يمنع من صدق اسم الولد وانطباقه حقيقة على الذي ينتمي لهاشم من جهة الأم مباشرة.
وحكي أن الرشــيد أمــر وزيره عــلي بن يقطين إن يهـيء لأولاده ثياباً جديدة ليوم العيد، وكان علي بن يقطين وهو مشهور بالتشيع والــولاء لأهـــل البيت عليهم الســلام يسمع من الرشيد وحاشـــيته ردهم لنســبة اولاد الزهراء عليها السلام الى جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وان اولاد البنت ليسوا باولاد استدلالاً بقول الشاعر:

بنونا بنو ابنائنا وبناتنا

بنوهن ابناء الرجال الأباعد

واحضر علي بن يقطين ثياباً جديدة لأولاد الرشيد وترك اولاداً صغاراً لبنت الرشيد كانت قد رجعت الى داره بعد ان مات زوجها، فدخل هؤلاء الصغار على جدهم هارون الرشد باكين محزونين، فغضب الرشيد على علي بن يقطين وقال: لم تركت هؤلاء الصغار ولم تحضر لهم ثياباً جديـدة مثــل سـائر اولادي قال: ما امرتني قال: ألم آمرك بتجديد ثياب اولادي قال: ولكنكـم تقولـون ان اولاد البنـت ليســـوا باولاد فتنـبه الرشــيـد.
وقيل ان بيت الشعر اعلاه مجعول، وعلى فرض عدم الجعل والفرق بينهما ليس كبيراً واسعاً لصياغته شطراً وشهرته , وهو قول شاعر ولا يصلح للإرتقاء لمقام الحجة في الأمور الشرعية وحقيقة النسب، فانه محمول على المبالغة وطبيعة العرف في زمان محدد , وقد يتعلق بجانب من جوانب الحياة خاصة في المجتمعات القبلية والحاجة فيها الى الرجال، واولاد البنت يكونون غالباً في دار أبيهم ونفعهم له.
وأنشد للمأمون بن الرشيد:

وانما امهات الناس اوعية
مستودعات وللآباء ابناء( )
وقد أكرم القرآن الأمهات ســواء بالبر بالوالدين وذكرهما بعرض واحد او لذكرهن بالخصوص كما في قوله تعالى وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ وغيرهــا من الآيــات، وجاءت السنة الشريفة بإكرام الأم والإعتناء بجانبها واعطائه الأولوية وتقديمها على الأب، والنسـبة للأب بواسطة الأم يؤكده باب الميراث وهو شطر العلم وقد حث النبي صلى الله عليه وآله وسلم على تعلمه وقد يكون من وجوه تعلمه ما يعطى لإبن البنت من المنزلة وصحة النسب.

الزهراء في القرآن
الحمد لله الذي تفضل على أهل الأرض بالقرآن كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وانعم علينا مرة أخرى اذ جعله تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ.
ولقد تصدى المسلمون لحفظه وصيانته من التحريف والضياع وتعاهدوه بالتلاوة وتدبر آياته والتي تكون كل منها مدرسة فكرية وعقائدية تستنبط منها المعارف والعلوم والحقائق وتلك ايضاً آية اخرى من ايات إعجاز القرآن ودليل عقلي على نزوله بالوحي من عند بديع السماوات والأرض ويتجلى الإعجاز أيضاَ بالصلة بين كل آيتين من القرآن كما بيناَه مفصلاً في علم التفسير( ).
وما دام القرآن تبياناً لكل شيء فلابد ان منزلة آل محمد عليهم السلام ووظيفة المسلمين في نوع الصلة معهم تتجلى ظاهرة في القرآن سواء بالظهور اللفظي ,او عبر التفســير والتأويل والســنة النبوية التي هي المصدر الثاني للتشريع والترجمة العملية لآيات القرآن واحكامه وقد أمضى القرآن الكريم السنة النبوية باعتبارها تفصيلاً لآياته ومستنداً موثوقاً وسبيلاً الى طاعة الله عز وجل ونفى عنها معارضتها للقرآن.
والوقوف عند قوله تعالى وَمَا آتَــاكُـــمْ الرَّسُـولُ فَخُــذُوهُ وَمَا نَهَــاكُـمْ عَنْـهُ فَانْتَهُــوا، وقفة علمية تناســب عظــمة ودلالات هذه الآيـة الكريمة وما فيـها من شهادة وإمضاء قرآني لأقوال النبي صـــلى الله عليه وآله وســلم يظهر ما لأهـل بيت النبوة من المنــزلة، فمن أســرار الحكمة في الآية المشــار اليها أعلاه ان صدرها يتعلق بموضوع كتابنا هذا وبحق آل محمد وتمامها هو مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ…..
وقد كانت الزهراء عليها السلام من المثال الأمثل لذوي القربى هؤلاء ونالت القسط الأوفر من عناية النبي صلى الله عليه وآله وسلم واقطعها فدكاً، ويمكن استحضار علم التفسير لكشف المراد والتأويل ومقاصد الآيات القرآنية التي تتضمن ما لها من الكرامة والعز واسباب المودة، وهي كثيرة.
دلالة آية المباهلة
قال تعالى فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ.
وتسمى هذه الآية الكـريمة آية المباهلة، والمباهلـة لغـة التبـاري في الدعـاء والإبتهال لإثبات حق واظهار صدق ولتكون اللعنة على الظالم ونزلت الآية في المدينة المنورة في السنة التاسعة او العاشرة للهجرة النبوية المباركة عندما قدم اليها وفد نصارى نجران وزعماؤهم الدينيون، وبالإسناد عن عامر بن سعد بن ابي وقاص عن ابيه قال: “لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللهم هؤلاء اهل بيتي”.
وقد روي بالأسناد عن الشعبي عن جابر قال: “قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العاقب والطيب فدعاهما الى الإسلام فقالا: اسلمنا يا محمد فقال: كذبتما ان شئتما اخبرتكما ما يمنعكما من الإسلام، فقال: هات الينا، قال: حب الصليب وشرب الخمر واكل لحم الخنزير، قال جابر: فدعاهما الى المباهلة فواعداه الى ان يأتياه بالغداة” .
وفي تفسير الثعلبي عن مجاهد والكلبي: “ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما دعاهم الى المباهلة قالوا نرجع وننظر فلما تخالوا للعاقب – وكان صاحب الرأي فيهم قالوا: يا عبد المسيح ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى ان محمداً نبي مرسل ولقد جاءكم بالفصل من امر صاحبكم، والله ما باهـل قوم نبياً قط فعـاش كبيرهم ولا نبــت صغيرهـم ولئن فعلتم لتهلـكـن فان أبيتـم الا الف دينكم والإقامة على ما انتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا الى بلادكم.
فاتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد غدا محتضناً بالحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها وهو يقول: اذا انا دعوت فأمنوا، فقال: اسقف نجران: يا معشر النصارى اني لأرى وجوهاً لو سألوا الله ان يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها فلا تباهلوا فتهلكوا( ) ولا يبقى على وجه الأرض نصراني الى يوم القيامة، فقالوا: يا ابا القاسم رأينا ان لا نباهلك وان نقرك على دينك ونثبت على ديننا قال: فاذا ابيتم المباهلة فاسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم فأبوا.
قال: فاني اناجزكم فقالوا: ما لنا بحرب العرب من طاقة ولكن نصالحك على ان لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على ان نؤدي اليك كل عام الفي حلة: الف في صفر والف في رجب وثلاثين درعاً من حديد فصالحهم على ذلك .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفسي بيده ان الهلاك قد تدلى على اهل نجران ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولأضطرم عليهم الوادي ناراً، ولأستأصل الله نجران واهله حتى الطير على رؤوس الشجر ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا.
وحديث المباهلة متواتر بين المسلمين وورد بعشرات الطرق المختلفة والكتب المعتبرة تتجلى فيه مضامين الصدق في الدعوى والإخلاص في الإيمان واضطرار الآخرين للإقرار برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند توكيد اهل البيت على بيان الحق ووقوفهم مجاهدين في التوجه نحو المباهلة وادراكهم للسلامة والنجاة مما يلحق الطرف الكاذب او المكذب من النكال والعذاب والإبتعاد عن رحمته تعالى.
ولقد أجمع المسلمون على ان المقصود في الآية الكريمة [نِسَاءَنَا] هي الزهراء عليها السلام، والنساء: اسم لجماعة الأناث من جنس الإنسان وهو جمع كثرة وجمع القلة “النسوة” كما في قوله تعالى وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امرأة الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ وهو جمع لا واحد له من لفظه والمفرد له امرأة.
وحضور الزهراء عليها السلام هذه الواقعة التأريخية والإحتجاج الفعلي والبدني والمنازعة العقائدية له مدلولات عديدة منها:
الأول : ان الزهراء رمز للمسلمات وأسوتهن والممثل لجماعتهن في المحافل الدينية الكبيرة وفي تلقي الأمر النازل من السماء، وهي الرائدة في منازل الدفاع والذب عن الأمة.
الثاني : قيام الزهراء بالدعوة الجهادية ذات التضحية لكل النساء لدخول الأمة والتسليم بصدق الرسالة المحمدية، وحث معاشر النساء على الإشتراك بالدعوة والجهاد ضمن الأحكام الخاصة بالمرأة في هذا الباب.
الثالث : بيان لإشتراك المرأة في الجهاد والوجوه التي يمكن لها اتيانها منه واعتبار المقام من باب الإمكان والمثال لا الحصر.
الرابع : بروز الزهراء عليها الســلام الى الصدارة في منازل الفضل والمناقب.
الخامس : اندفاع الزهراء عليها السلام بحرص وتفان الى مواطن الثواب واسباب الأجر.
السادس : التوكيد للنصارى وغيرهم على افضلية الزهراء واعطاؤهم درساً بافضليتهـا على مريم بنت عمران والمؤمنات في الملل السابقة للإسلام.
السابع : جعل نصارى نجـران ومن ورائهم اهل الكتاب وغير المسلمين مطلقاً يدركون استعداد المسلمات وعوائل المســلمين للوقوف خلف النبي صلى الله عليه وآله وســلم ومؤازرته ونصــرته واقترانها بالتسليم والرضا.
الثامن : ورود النساء في الآية الكريمة بلغــة الجمع وتحقــق المصــداق الواقعي في شــخص الزهـراء يدل على ان الزهــراء عليها الســلام كانـت امة في الخير والصلاح قال تعالى إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا.
التاسع : صلاحية الزهراء عليها السلام للتصدي للدعاء الحاســم الذي هو سلاح الأنبياء واظهار تعلق روحها الطاهرة بروح القدس وان حضــورها كان حضـــوراً جمعياً من حيث الجهة والحيثية والإعتبار.
العاشر : إستعداد الزهراء عليها السلام للبذل والتضحية من أجل إحقاق الحق وصدق النبوة.
الحادي عشر : المباهلة شاهد عملي عام يؤكد اطمئنان الزهراء عليها السلام لصدق قضيتها وسلامة سيرها وصحة شهادتها على نبوة ابيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني عشر : خروج الزهراء للمباهلة آية من آيات النبوة وبراهينها ودلالة على اكرام الإسلام للمرأة واظهار ما لها من الشأن في الدعوة وانتشار الإسلام.
الثالث عشر : اظهار ما للزهراء عليها السلام من الكمال والمنزلة الرفيعة حيث امر الله تعالى بحضورها وقائع المباهلة وقيامها بالدعاء.
الرابع عشر : دخول دعاء الزهراء عليها السلام في مرتبة الدعاء المستجاب.
الخامس عشر : ان الزهراء عليها السلام مرضية عند الله عز وجل ومباركة في القول والفعل.
السادس عشر : إستمرار الزهراء في الوقوف خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم مؤازرة ناصرة مصدقة وان زواجها وما رزقها الله من الأولاد العظام رفد كبير ومــبارك في ذات الســبيل ففي صباها تصدت للذب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكف اذى قريش والآن تسخر كل ما تملك من اجــل مباهــلة الكــفار والمشـركين واستعداداً لها.
السابع عشر : إعانة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشد عضده لكي تقر عينه بموقفها في نصرته والتوكيد له بالإستعداد للإستجابة في كل ما يطلب من اجل احقاق الحق واثبات الرسالة.
الثامن عشر : الإمتثال للأوامر الإلهية ولأوامر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتصدي للتفسير العملي للآيات القرآنية النازلة، وفيه درس بليغ للمسلمين جميعاً وتأديبهم على طاعة الرسول الأكرم.
التاسع عشر : بيان موضوعية الدعاء سلاحاً وفعلاً جهادياً مؤثراً ومباركاً.
العشرون : جواز اشتراك النساء في شؤون الدين واصوله والسعي في انتشاره ضمن القيود التي يضعها الشارع المقدس.
الحادي والعشرون : مسؤولية المؤمنة خارج المنزل فيما يخص تعظيم شعائر الله وترسيخ الشريعة.
الثاني والعشرون : ضرورة تفقه المرأة واعانتها على اتيان الأعمال الصالحة بوعي وبصيرة في الدين.
الثالث والعشرون : إستعداد الزهراء عليها السلام لتجديد موضوع المباهلة مع غير وفد نجران وتكرارها مع اليهود مثلاً وبقاء الزهراء عليها السلام دون غيرها طرفاً أساسياً في تحديد قوى الضلالة والجحود، فقد روى بالإسناد عن عليـاء بن أحمــر اليشكــري انه قال: لما نزلت هذه الآية فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ … أرسـل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى علي وفاطــمة وابنيهـما الحسن والحسين ودعا اليهود ليلاعنهم، فقال شاب من اليهود: ويحكم أليس عهدتم اخوانكم بالأمس الذين مسخوا قردة وخنازير لا تلاعنوا، فانتهوا( ).
الرابع والعشرون : الإثبات التأريخي الخالد لقدسية الزهراء عليها السلام وعظيم منزلتها ومكانتها في نصرة الإسلام وقيام حجة وبرهــان قاطــع للإحتجــاج في تفضـــيل الزهــراء عليهـــا الســلام وضــرورة اكرامـــها والإفتخــار الإسلامي العام بما قامــت به من عمل جهادي رائد.
الخامس والعشرون : حسم الموقف بسرعة، وانصياع وفد نجران للحق والصدق حال رؤية الزهراء عليها السلام وحضورها للمباهلة، فقد جاء بالرواية ان رؤساء وفد نجران وبعد نزول الآية الكريمة وقراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها عليهم اتفقوا في الرأي على استنظار الى صبيحة اليوم التالي فلما رجعوا الى رحالهم قال لهم الأسقف: انظروا محمداً في غد فان غدا بولده واهله فاحذروا مباهلته، وان غدا باصحابه فباهلوه فانه على غير شيء وعندما حل نهار اليوم التالي وهو اليوم الرابع والعشرون من شهر ذي الحجة جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم آخذاً بيد علي بن ابي طالب عليه السلام والحسن والحسين عليهما السلام يمشيان خلفه وفاطمة عليها السلام، وخرج النصارى يقدمهم اسقفهم فلما رأى الأسقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد اقبل بمن معه سأل عنهم، فقيل له: هذا ابن عمه علي بن ابي طالب وهو صهره وابو ولديه، وهذان الطفلان ولدا بنته من علي وهم أحب الخلق اليه وهذه الجارية بنته فاطمة أعز الناس عليه وأقربهم الى قلبه، فنظر الأسقف الى العاقب وصاحبه وقال لهما: انظروا اليه قد جاء بخاصته من ولده واهله ليباهل بهم واثقاً بحقه، والله ما جاء بهم وهو بمخوف يتخــوف الحجة عليه، فاحذروا مباهلته فقال الأسقف: يا ابا القاسم انا لا نباهلك ولكنا نصالحك فصالحنا فصالحهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ان يدفعوا الفي حلة…” الحديث( ).
السادس والعشرون : بيان حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم للزهراء عليها السلام، وانه كان لله وفي ســيبل الله، وانه يكـــرمها لما تعتــقده مــن التصديق التام بالرسالة، واسـتعدادها للتضحية في سبيل الله واعلاء كلمة التوحيد ونشر راية الإسلام والتصدي للمنكرين والجاحدين.
وجاءت الآية لبيان جانب من شرائط المباهلة، وذكر شطرمن الآيات من وجوه:
الأول: ما تتضمنه من لغة التوكيد والتشديد.
الثاني: التعدد في اطراف المباهلة لبيان موضوعيتها.
الثالث: اتخاذها موعظة وعبرة لدى الأطراف والناس جميعاً.
الرابع: كثرة الأفراد، في المباهلة دعوة للإلتفات اليها وايلاؤها عناية خاصة.
الخامس: الإخبار عن أهمية المباهلة وانها حكم شرعي تترتب عليه عواقب متعددة.
السادس: لغة الإنذار والوعيد للأبناء والنساء، فاذا أصابهم بلاء فيما بعد وعلى نحــو طارئ وغير متوقع وفــق العادة والمتعارف، فانهم يعلمون انه من المباهلة واشتراكهم فيها، اما اذا انحصرت المباهلة بشخص المجادل ونزل بهم البلاء فقد لا يلتفتون الى سبب.
السابع: لقد أراد الله من المباهلة حصول التوبة عند الخصم والكف عن الجدال، وهذا الكف والإمتناع لا يختص بشخص المجادل بل يشمل الأبناء والأزواج باعتبار ان البيت والأسرة وعاء لما يحمل من المذهب ويصر عليه من الشبهات، كما انها تتجدد عندهم ورب ابن يكون أشد من أبيه في الجدال والخصومة وطرح الشبهات فجاءت الآية لزجره وهو صغير، ودعوته للإعتبار والإتعاظ.
الثامن: المباهلة دعوة الى الهداية والإيمان، وصيغة سامية من صيغ التبليغ ونشر المبادئ، ولا يقتحم ميادينها الا من كان على الحق فأنفرد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون بها لتكون شهادة تأريخية خالدة تؤكد صدق النبوة وتبين كنوز الرسالة.
التاسع: تدل المباهلة والدعوة اليها عدم لجوء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القتال ابتداء وان الإسلام لم ينتشر بالسيف بل ثبت في الأرض بالحكمة والموعظة الحسنة والإحتجاج القائم على البرهان والبديهيات.
العاشر: المباهلة لجوء الى الله، واستغاثة به تعالى مما يدل على بلوغ الأمر حالاً لا تطاق ليس من جهة التحمل والقدرة النفسية على الجدل، لأن المسلمين يتحلون بمراتب عالية من الصبر، فلا يضرهم الجدال، ولكن الإصرار عليه ومواصلته ايذاء وداء يسري في النفوس والمجتمعات فأمر الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان يلجأ اليه سبحانه ليتكفل الأمر وينجي المؤمنين.
الحادي عشر: تدل آية المباهلة وحضور الأبناء على امتداد الجدال واثاره الضارة الى الإبناء بطريقين:
أولاً: وهم صغار وابناء.
ثانياً: عندما يكبرون ويكونون رجالاً وقادة , اما الأول فان الصغير سريع التأثر بما حوله وما يسمعه ويراه، ويتعذر عليه رد الشبهات.
وقد ينصت الى الشبهة ويفوته ابطالها، اولا يدرك مضامينه فترسخ في ذهنه تلك الشبهة , واما الثاني فانهم سيصبحون رجال الغد وقادة الأمم، وسيتعرضون لذات الإبتلاء، وهو جدال الكافرين بالباطل مع الإكثار من الشبهات كتركة, فجاءت المباهلة ليتخلصوا وابناءهم والأجيال اللاحقة من الإصرار على الجدال، والتعدي فيه.
الثاني عشر: بيان موضوعية الأهل والأبناء على نحو مركب فبالنسبة للمسلم يكون الأولاد عضداً ورافداً وعوناً ووارثاً للإيمان، وبالنسبة للكافر سبباً للفتنة والأذى ونزول البلاء.
الثالث عشر: موضوعية البنات في الجهاد العقائدي والسعي النوعي العام بين الملل والمذاهب.
الرابع عشر: لقد جاء نزول الآية وسط مجتمعات لا تعطي للمرأة شأناً خارج الأسرة، بل كان الوأد معروفاً في الجزيرة العربية.
الخامس عشر: جاء القرآن ليعطي منزلة للمرأة في الجهاد والسعي في سبيل الله، وهذا السعي مستحدث في نوعه ومحله وموضوعه وحكمه، فاما الأول فان المرأة دخلت عالم الإحتجاج والمباهلة، اما الثاني فقد خرجت المرأة من البيت الى ساحة المعركة ولكن ليس بالسيف والرماح، بل بالدعاء والمسألة.
السادس عشر: الآية دعوة لإكرام المرأة والإلتفات الى عظيم منزلتها في الإسلام، وما تقوم به من درء المفاسد ودفع الشرور.
السابع عشر: الجدال الوارد في الآية أعم من ارادة المناظرة، فالقصد منه ايذاء المسلمين، والإفتتان بالشبهات، وبعث روح الشك وحب الجدال واشغال المجاهدين والعباد عن أداء وظائفهم لذا فان منافع المباهلة لا تنحصر باسكات الكافرين، ففيها ايجاد لمقدمات بث الدعوة ونشر مبادئ الإسلام وتهيئة أسباب التلاوة والقراءة.
الثامن عشر: في الآية تنمية لملكة التقــوى عند المســلمين، فمــن المضـامين التي ترتكز عليها المباهلة ان أفرادها من جانب المسلمين قادة وسادة في الصلاح ليكون دعاؤهم مستجاباً، واستغاثتهم مقبولة.
التاسع عشر: تبعث الآية على الثقة بالمرأة وأعمالها العبادية ويستطيع الرجل ان يثق بها ويعتمد عليها ويلوذ بساحتها.
لقد جاءت المباهلة لتشمل الأمة كلها بلحاظ عناوين أفرادها، وهذا من الإعجاز القرآني الموضوعي، فتكفي مباهلة الرسول الأكرم او اشتراك أحد اهل بيته او أصحابه، ولكن الآية جاءت لتخبر عن تــعدد أفـراد المباهلة من غير اعفاء واستثناء لأحد الأطراف، وهذا التعدد والشمول عنــوان للتحدي وامارة على الحرب وظهور العداء بين الإسلام والكفر، وبين الحق والباطل، ودعوة لإشــتراك المسـلمين جميعاً بالمباهلة بدعائهم ومشاعرهم وتعضيدهم وانتمائهم لمن يباهل منهم، بينما الكافرون في فرقة وتشتت.
لقد أخبرت الآية بان المسلمين على استعداد لحضور المباهلة وعدم تخلف أحد منهم، لأن الآية جاءت بصيغة الإخبار والقطع وان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستطيع ان يحضر معه الأبناء والنساء ومن يصدق عليه انه نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس من دليل على وقوع هذا الأمر من الكافرين، وفيه وجوه:
الأول: قد يتخلف أهل الكافر واكاذب ويمتنعون عن حضور المباهلة.
الثاني: يحضرون معه ولكن يبادرون الى دخول الإسلام عند حصول المباهلة ومنهم من لم يكن يعلم بآيات النبوة لأن الكافر لا يقوم بابلاغ أهله بها ولا يجعلهم يطلعون عليها وهو الواسطة بينهم وبين ما يحصل خارج البيت، فتأتي آية المباهلة لتجعلهم وجهاً لوجه أمام الحقائق وتحملهم وزر الكفر واصرار الآباء على الجدال، اما أولاد المسلمين فهم على بينة من الأمر ويدركون ما هم عليه من الحق والصدق فلا غرابة ان يشمل اصطلاح الصحابة فاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.
الثالث: يحضرون مع آبائهم فينالهم العذاب والعقاب، بل ان العذاب ينزل بهم وان لم يحضروا لأمرين:
أولاً: جحود الآباء.
ثانياً: بقاء الأبناء على نهج آبائهم والإصرار على الجدال بالباطل.
لقد جاءت آية المباهلة لإستئصال الجدال بالباطل وتنزيه المجتمعات منه، ومن وجوه هذا استئصال الكفر ايمان ذراري الكافرين، وكم من قرية وبلدة كان اهلها كفاراً فأصبح أبناؤهم مسلمين.
ومن وجوه التحدي في الآية موضوعية الرأفة على العيال ومحبتهم والحرص على عدم وصول الأذى اليهم، فالكافر في جداله يريد ان يؤذي المؤمنين في أنفسهم وابنائهم وعقيدتهم فجاءت المباهلة لرد الأذى في نفسه وابنائه بسبب كفره وعناده، فكأن هذه الآية من مصاديق قوله تعالى [فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ] ( )، فجاءت المباهلة لإدخال البؤس والحزن في قلب الكافر بسبب ما يحل بساحته هو وعياله من المصائب والشدائد، ومع ان الآية جاءت باحضار الأبناء والنساء من الفريقين بعرض واحد الا ان هناك تبايناً في الذات والموضوع والحكم من وجوه:
الأول: ايمان وطهارة أهل بيت النبوة واتصاف خصمهم بالكفر والجحود.
الثاني: اقبال اهل البيت الى المباهلة طاعة لله ورسوله، بخلاف الكافرين الذين يأتون مكرهين.
الثالث: علامات السكينة والبهجة على أهل البيت عند المباهلة، والفزع والخوف على الكافرين.
الرابع: استثمار أهل البيت مناسبة المباهلة للدعاء والتضرع والخشية منه تعالى، ولا موضوع عند الكافرين في المباهلة، ان وقوف جميع المسلمين مع أهل البيت في مباهلتهم عز لهم وفيها تنمية لود ومحبة المسلمين لأهل البيت وتجلي حقيقة وهي ان هذا الحب مترشح عن حسن امتثالهم لأمر الله عز وجل، ومشاركتهم بالجهاد والى جانب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتخليص المسلمين والى الأبد من أهل اللجاج والعناد وليكون ابناء رسول الله أسوة لأبناء المهاجرين والأنصار.
وفي الآية اثم كبير للكافرين، وثواب عظيم لأهل البيت يتمثل بمساهمتهم الجهادية في المباهلة، وتأسيسهم لقواعد مشاركة اولاد المهاجرين والأنصار بل أولاد المسلمين عامة في الجهاد وفق المستطاع وقواعد الميسور.
ومع رفع القلم عن الصبي وعدم توجه التكليف له حتى يبلغ، فقد جاءت هذه الآية بمشاركة الأبناء في المباهلة، وفيه وجوه:
الأول: ارادة الأولاد البالغين، لشمولهم بالخطاب التكليفي.
الثاني: اضافة الحسن والحسين للأولاد البالغين على نحو الإستثناء من الصبيان، اجلالاً لقدرهما ولورود النصوص بشأنهما كما ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: الحسن والحسين امامان قاما او قعدا، والمشاركة في المباهلة من القيام وارادة الجهاد وهي سعي في ذات الله.
الثالث: اطلاق اللفظ وشمول الأولاد مطلقاً كباراً وصغاراً، ولكل من الفريقين احضار اولاده صغاراً وكباراً او هما معاً أي يأتون بالصغير والكبير في آن واحد.
الرابع: خصوص الأبناء الصغار من الفريقين لأنه أكثر اثارة للشفقة والرحمة وليشعر الأب بانه يعرض نفسه وأولاده وعياله للأذى والإبتلاء ويمكن الإستدلال عليه بان الزهراء عليها السلام أشتركت في المباهلة بعنوان (النساء) مع انها بضعة رسول الله الطاهرة، والحسن والحسين ابناها الا انها تلتقي معهم بالبنوة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
والأصح هو الثالث لإصالة الإطلاق ولأن المدار على عنوان الإبن وجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالحسن والحسين لإثبات حقائق متعددة منها:
اولاً: ان الحسن والحسين ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد وردت فيه نصوص عديدة، وعليه اجماع المسلمين.
ثانياً: تحمل أهل البيت للمسؤوليات الجهادية منذ نعومة أظفارهم.
ثالثاً: ليس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من ابناء الا الحسن والحسين والزهراء فجاء بهم للدلالة على صدق نبوته وصحة عمله، وهو مصداق عملي للآية السابقة [ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِنْ الْمُمْتَرِينَ] فحضور النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومعه الإمام علي والزهراء والحسن والحسين عليهما السلام يدل بالدلالة الإلتزامية على انعدام الشك في نفسه وانه وأهل بيته قد بلغوا مراتب اليقين.
وهو دعوة للمسلمين للجهاد في سوح المعارك، أي ان الزهراء والحسن والحسين يقومون بالمباهلة والملاعنة مع الكفار فيندفع الصحابة في القتال ودعوة الناس الى الإسلام بالموعظة والسيف، كما ان عليا اشترك بالقتال من أول معركة مباركة وخرج للمباهلة، ولم يتخلف عن أحدهما ليفوز بالإنفراد بما في هذا الجمع من المنقية والتي تذكر هنا لأول مرة.
رابعاً: الأسوة والقدوة للمهاجرين والأنصار في أنفسهم وفي اعداد ابنائهم للتضحية في سبيل الله.
وتدل الآية على اهتمام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالناشئة والصغار واعدادهم للمسؤوليات الجهادية فخروجه بالحسن والحسين دعوة للصغار من ابناء المسلمين للإقتداء بهما وأخذ الدروس منهم.
خامساً: من المسلمات ان النبي صلى الله عليه وآله وســلم لا يفعل الا ما يأمره  به، وجــاء خـروجه للمباهلة تفسيراً عملياً للآية القرآنية وكان خروجه بأهل البيت بأمر منه تعالى لبيان المصداق العملي للآية.
سادساً: لقد بعث خروج أهل البيت الخوف والفزع في قلوب وفد نصارى نجران وكان من أسباب تراجعهم عن المباهلة وسؤالهم المصالحة على الجزية، وأخرج الحاكم وصححه عن جابر ان وفد نجران أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا ما تقول في عيسى فقال هو روح الله وكلمته وعبد الله ورسوله قالوا له هل لك أن نلاعنك انه ليس كذلك قال وذاك أحب اليكم قالوا نعم قال فإذا شئتم فجاء وجمع ولده الحسن والحسين فقال رئيسهم لا تلاعنوا هذا الرجل فوالله لئن لاعنتموه ليخسفن باحد الفريقين فجــاؤا فقالوا يا أبا القاسم انما أراد أن يلاعنك سفهاؤنا وانا نحب أن تعفينا قال قد أعفيتكم ثم قال ان العذاب قد أظل نجران.
والمعروف ان المسلمين لا يبدأون العدو بالقتال، حتى يبدأ هو بالإعتداء فيأتي الرد دفاعاً عن الإسلام والمسلمين، اما المباهلة فقد بدأ بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو الذي دعا الخصم للملاعنة ولم ينتظر الإذن منهم بالخروج والموافقة الصريحة، بل قام بالخروج بأهل بيته امام الملأ، وقد ورد عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأهل بيته ان انا دعوت فآمنوا انتم( ).
وإجماع المسلمين على ان آية المباهلة حصلت مع وفد نصارى نجران وهذا شاهد على الدقة والضبط في تأريخ الإسلام وأحكام القرآن والمصاديق العملية لآياته، وأراد الله عز وجل لهذه المدينة الذكر في كتب التفسير والسنة النبوية لتكون دليلاً على قدوم الوفود من المدن المختلفة لدخول الإسلام، او لرؤية معالم النبوة وأسرار التنزيل.
لقد جاء الخطاب في الآية بصيغة الجمع (تعالوا) وهو على قسمين:
الأول: عام، يتعلق بأحكام آية المباهلة الى يوم القيامة.
الثاني: خاص بسبب نزول الآية ومجيء وفد نجران، فتظهر الآية انهم كانوا جماعة ومعهم أولادهم وأهليهم وقد وردت النصوص في عددهم على أقوال:
الأول: انهم أربعة عشــر رجــلاً من اشــرافهم منهــم الســيد وهــو الكبير والعاقب الذي يكون بعده وصاحب رأيهم، عن ابن عباس.
الثاني: ثمانية من أساقف العرب، عن ابن عباس ايضاً.
الثالث: ذكر السيد والعاقب فقط، وعن الشعبي: العاقب والطيب.
الرابع: ذكر أسماء الأشخاص الذين بعثهم أسقف نجران.
وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق سلمة بن عبد يشوع عن أبيه عن جده ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان بسم الله اله ابراهيم واسحق ويعقوب من محمد رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران ان أسلمتم فانى أحمد اليكم الله اله ابراهيم واسحق ويعقوب أما بعد فانى أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد فان أبيتم فالجزية وان أبيتم فقد آذنتكم بالحرب والسلام.
فلما قـرأ الاسقف الكتاب فظع به وذعر ذعرا شديدا فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة فدفع إليه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقرأه فقال له الاسقف ما رأيك فقال شرحبيل قد علمت ما وعد الله ابراهيم في ذرية اسمعيل من النبوة فما يؤمن أن يكون هذا الرجل، ليس لى في النبوة رأى، لو كان رأى من أمر الدنيا أشرت عليك فيه وجهدت لك فبعث الاسقف إلى واحد بعد واحد من أهل نجران فكلهم قال مثل قول شرحبيل فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة وعبد الله بن شرحبيل وجبار بن فيض فيأتونهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فانطلق الوفد حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم وسألوه فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالواله ما تقول في عيسى بن مريم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عندي فيه شئ يومى هذا فاقيموا حتى أخبركم بما يقال لى في عيسى صبح الغد فانزل الله هذه الآية ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب إلى قوله فنجعل لعنة الله على الكاذبين فأبوا أن يقروا بذلك.
فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد بعد ما أخبرهم الخبر أقبل مشــتملا على الحسن والحسين في خميلة له وفاطمة تمشى خلف ظهره للملاعــنة وله يومــئذ عدة نســوة فقال شرحبيل لصاحبيه انى أرى أمرا مقبلا ان كان هذا الرجل نبيا مرسـلا فلاعناه لا يبقى على وجه الارض منا شعر ولا ظفر الا هلك فقالا له ما رأيك فقال رأى أن أحكمه فانى أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا فقالا له أنت وذاك فتلقى شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انى قد رأيت خيرا من ملاعنتك قال وما هو قال حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح فمهما حكمت فينا فهو جائز فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلاعنهم وصالحهم على الجزية.
أي ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي بعث الى أهل نجران يدعوهم الى الإسلام، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث الى الملوك والسلاطين يدعوهم الى الإسلام ومنهم ملك الروم وكسرى والنجاشي، فمن باب أولى ان يدعو أهل نجران.
وفي الحديث ذكر لأسماء الأشخاص الذين بعثهم أسقف نجران وهذا لا يتعارض مع ذكرهم بالصفة في أكثر النصوص او ذكر عددهم وانهم أربعة عشر رجلاً او ثمانية لإمكان الجمع بين الأحاديث وارادة الفرد الأهم بالعدد القليل منهم، وارادة مجموع أفراد الوفد بالعدد الكثير وهو أربعة عشر.
ولم تذكر الأخبار ان وفد نجران جاءوا معهم بالأولاد والنساء، وفيه وجوه:
الأول: مجيء اولادهم وازواجهم معهم الى المدينة، كما كان بعضهم يخرج ومعه ثقله واهله في الغزو.
الثاني: ان وفد أهل نجران يحضرون معهم اولاداً ونساءً لنصارى في المدينة.
الثالث: يستعينون بالذي يجادل النبي والمسلمين وان كان من اليهود او غيرهم، فيخرج معهم اولاده ونساءه للمباهلة.
الرابع: لم يحضر من نجــران الا الوفد، ولم يأت مــعهم الأولاد والنساء ولكن احكام الآية جاءت عامة وشــاملة لزمان النبوة وما بعده.
الخامس: امهال وفد نجران ريثما يأتون بأولاهم ونسائهم.
والأرجح هو الأول وان الوفد جاء معه بالأولاد والأهل، والتباين صغروي فحتى في حال عدم حضــور الأولاد والنسـاء معهم، فان الملاعنة تشملهم لأن خطاب النبي موجــه الى الوفد بدعوة اهليهم معهم فمن لم يكن حاضـراً يحتسب مشــتركاً لأن وليه رضــي له بالمباهــلة لــذا فقد ورد ان السيد قال للعاقب: قد والله علمتم ان الرجل نبي مرسل ولئن لاعنتموه انه ليستأصلكم وما لاعن قــوم قط نبيا فبقى كبيرهم او نبت صغيرهم.
لقد جاءت المباهلة مع أهل نجران من باب المثال، وليس الحصر فكما كانوا رسل قومهم الى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فانهم أصبحوا رسل الإسلام الى الناس جميعاً في موضوع التحدي والملاعنة، وتوكيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على صدق نبوته، ويمكن معرفة نتائج المباهلة على اهل المدن الأخرى بلحاظ ان أكثر مدن وقرى الجزيرة واليمن أخذت ترسل وفودها لإعلان الشهادتين ودخول الإسلام، أو انهم يأتون الى المدينة المنورة ويسمعون من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويــرون الآيات فلا يرجعـون الا وقد أسلموا وأتقنوا اداء الصلاة.
ولم يحدثنا التأريخ ان وفداً آخر جاء وأراد المباهلة او انها عرضت عليه مما يدل توقف حالات الجدال والمغالطة ذات صبغة العناد والإصرار، وبذا تكون آية المباهلة من آيات الجهاد وهي سلاح عقائدي خفف عن المسلمين ومنع من ايذائهم بالجدال، وجعلهم يتوجهون لوظائفهم العبادية، وكانت سبباً في فضح رؤوس الضلالة الذين يفرون من المباهلة ويدرك الناس جميعاً ما في هذا القرار من معاني العجز والوهن وانعدام الدليل وزيف ما يتمسكون به.
وجاءت آية المباهلة لتدعو الناس الى نبذ العناد والإستكبار، وتحثهم على الإلتفات الى آيات النبوة والتدبر فيها، وفيها إشارة لغضب الله على الكافرين الذين لم يكتفوا بالجحود بل أصروا على اللجاج والخصومة والغلو بالأنبياء، لأن الغلو بعيسى دعوة للبقاء على شريعته.
فمن يقول ان عيسى ابن الله لا يختار له بديلاً، لإنفراده عيسى بهذه الخصوصية التي توجد عند أي شخص آخر، ولأن مسألة النبوة والوهية عيسى امر غير صحيح شرعاً وعقلاً، وتضر بالشخص والجماعة جاءت آية المباهلة للتخلص من الغلو المانع من دخول الإسلام، ولم تنحصر مضامين آلة المباهلة في تنقية المجتمعات بأهل زمان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل هي باقية الى يوم القيامة.
لقد نزلت آية المباهلة في السنة التاسعة او العاشرة للهجرة النبوية المباركة وروي ان وفد نصارى نجران جاءوا مرتدين الثياب الحبرات جباباً وأردية، يقول بعض من رآهم من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما رأينا وفداً مثلهم وكان فيهم اربعــة عشـــر رجـلاً هم زعماء القوم، من الأربعة عشر ثلاث نفر اليهم يرجع لهم القرار وهم السيد واسمه الأسيم وهو امامهم وصاحب رحلهم، و(العاقب) وهو امير القوم والذي لا يصدرون الا عن رأيه واسمه عبد المسيح .
وابو حارثة بن علقمة وهو اسقفهم وجدهم وامامهم وصاحب مدارسهم وكنائسهم وكان قد شرف فيهم ودرس كتبهم حتى اصلح نفسه علمياً في شؤون دينهم واكرمه ملوك الروم واعانوه بالمال وبنوا له الكنائس لعلمه بامور دينهم.
وحديث المباهلة متواتر ومتوارث بين المسلمين وورد بعشرات الطرق المختلفة وتظهر فيه مضامين الأخلاق في الإيمان واطمئنان اهل البيت لدينهم وعقيدتهم.
( ورآهم الأسقف قال: يا أبا القاسم ! إنا لا نباهلك ، ولكن نصالحك فصالحنا على ما ينهض به . فصالحهم رسول الله ” صلى الله عليه وآله وسلم ” على ألفي حلة من حلل الأواقي ، قسمة كل حلة أربعون درهما ، فما زاد أو نقص ، فعلى حساب ذلك ، وعلى عارية ثلاثين درعا ، وثلاثين رمحا، ثلاثين فرسا، إن كان باليمن كيد، ورسول الله ضامن حتى يؤديها، وكتب لهم بذلك كتاباً( ).
ولقد جاء لفظ (أنفسنا) ويراد منه غير شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقرينة (تعالوا ندع) فالدعوة مركبة من داع ومدعو، فكما تأتي دعوة الأبناء والنساء تأتي دعــوة الأنفس، وورد لفظ (النساء) بجمع الكثرة، بينما ورد لفظ (الأنفس) بجمع القلة، والإجماع على خروج الإمام علي عليه السلام مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المباهلة وفيه اكرام وتشــريف للصحابة والمسـلمين جميعاً، ومن الآيات ان المهاجرين والأنصار تلقوا هذا الإختيار بالرضا والقبول، وهو عنوان جهاد.
وفي اختيار أهل البيت وجوه:
الأول: خاصة النبي أعلم بأحواله الشخصية وصدقه.
الثاني: يبدأ النبي في دعوته من أهل بيته.
الثالث: لزوم تصـديق أهل البيت بالنبوة قبل غيرهم لأنهم أعلم بالآيات والمعجـزات الخارقة التي يختص بها النبي من بين الناس.
الرابع: من المسلمات ان الإنســان أكــثر شفقة على أهل بيته واولاده من غيرهم، فاحضاره لهم في الملاعنة عنوان التحدي وشاهد صدق.
لقد كانت المباهلة معركة حاسمة ومواجهة عقائدية بمدد سماوي، وتوقف عليها ثبات دعائم الدين في المجتمعات وهي شاهد بان الإسلام انتشر بالحكمة والعلم.
والواو في و(نساءنا) و(أنفسنا) تفيد المغايرة والتعدد، أي ان الأبناء غير النساء وهل يشترط الذكورة في لفظ الإبن الوارد في الآية ام تصح الأنثى الجواب هو الأول، فلابد من حضور الولد الذكر الذي يتولى مسؤولية حفظ الدين ووراثة العقيدة والمسؤولية العامة، وقد جاءت الزهراء عليها السلام بصفة النساء لتمثل نساء الأمة مع ان لفظ الأبناء يشملها.
وقد جاء تقديم الأبناء على النساء، ولابد له من دلالات عقائدية منها:
الأولى: أولوية الإبن عند الإنسان في المحبة والرأفة والعناية.
الثانية: الأب أكثر شفقة على الإبن منها على الزوجة.
الثالثة: جاءت الآية بصيغة الإنذار والوعيد وبدأت بالأبناء لبعث الخوف على الأولاد والنسل.
الرابعة: بيان الأثر الآجل المترتب على المباهلة وانه يعني هلاك النسل، الأمر الذي يجعل الكافر والمعاند يرتد ويمتنع عن الجدال والمغالطة.
الخامسة: الإخبار بان المباهلة حكم باق مـع الأبناء في أجيالهم المتعاقبة.
وجاء تقديم النساء على الأنفس وفيه مسائل:
الأولى: التوكيد على منزلة المرأة ولزوم عدم الإستهانة بدعائها وسؤالها.
الثانية: بيان اثر استئصال النساء على الرجال والمجتمعات، فاذا وقعت الملاعنة على المرأة واصابتها الآلام والأسقام فان الرجل ينشغل عن الجدال والبحث عن الشبهات.
الثالثة: توجه الخطاب التكليفي للمرأة على نحو الاستقلال وليس التبعيةللرجل أباً كان او ابناً.
وجاء لفظ ابناءنا، ونساءنا باضافته الى صيغة الجمع في ارادة الطرفين، وعدم انحصار الأمر بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين وان كان ظاهره اضافة الضمير للمتكلم.
وقد جاء لفظ أنفسنا آخرها لبيان مسك الختام واتصال الإنذار وان البلاء وأثره ينزل بالأهل والشأن قبل ان يصل الى الأنفس، كما ان الأنفس والصحابة موجودون في سوح المعارك والجهاد، والملاعنة وظيفة اضافية لهم.
ويلاحظ في الآية عدم تكافئ الفريقين فطرف الإسلام فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صاحب الكمالات الانسانية وسيد ولد آدم، وفيه أهل الكساء وما لهم من عظيم المنزلة على فرض وجود أبناء وأهل وفد نجران معهم.
وعدم التكافئ هذا باب لتعجيل نزول البلاء بالخصم وشدته لذلك لم يرتطم الخصم بها، كما ان التفصيل والتعدد في أطراف المباهلة بيان لتشريع المباهلة وشروطها الثابتة الى يوم القيامة وامكان وقوعها في المسائل الإبتلائية في باب الجدال والعناد بعد انتقال الرسول الأكرم الى الرفيق الأعلى.
وقد ورد في موضوع النزول عن علياء بن أحمر اليشكري قال لما نزلت هذه الآية قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم الآية أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى على وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين ودعا اليهود ليلا عنهم فقال شاب من اليهود ويحكم أليس عهدكم بالامس اخوانكم الذين مسخوا قردة وخنازير لا تلاعنوا فانتهوا( ).
ولا تعارض بين هذا الخبر وما ورد في اسباب النزول وخصوص المباهلة مع وفد نصارى نجران.
مما يعني ان المباهلة قانون وتشـريع خاص عند الإبتلاء بأهل الخصومة وزاجر لهم لإجتناب الجدال، ودعوة لدخول الإسلام وتوكيد لثقة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهــل بيته وأصحابه بالتنزيل، واطمئنان نفوسهم لما هم عليه من الهدى والدعوة الى المباهلة وحدها مرتبة رفيعة من مراتب الإيمان.
قوله تعالى (ثم نبتهل ), تفيد (ثم) معنى الترتيب والتراخي، فتأتي المباهلة والملاعنة بعد دعوة الأهل، وفي الآية مسائل:
الأولى: اشتراط حضور الأهل في المباهلة.
الثانية: كثرة الأطراف تفيد موضوعية الواقعة عقائديا وتأريخيا، والتحذير من العناد، ولزوم عدم الملاعنة الا بعد الوثوق من الأمر.
الثالثة: اعطاء مهلة محدودة بين الدعوة الى المباهلة ووقوعها كفرصة للتدبر والتأمل والنظر في العواقب، مما يدل على ان المباهلة لم تشرع الا لهداية الناس أولاً واصلاحهم ومنعهم من التعدي بالجدال والمغالطة.
ولقد أخبر القرآن عن حقيقة وهي ان الإسلام يستحق الجهاد دونه بالمباهلة وانها خالية من الضرر والإضرار وفيها ثبات دعائم الدين ولابد ان يكون أحد الفريقين على صواب والآخر على ضلالة لذا رجع وفد نصارى نجران ولم يدخلوا في المباهلة ورضوا بالجزية.
والفعل الثلاثي بهله بهلاً واسـم فاعله باهل، والأنثى باهلة، والبهلة- بضم الباء- لعنة، لقد دعاء النبي الطرف الآخر الى الإشـتراك في الإبتهال والتضرع الى الله بنزول اللعنة على الطرف الذي يكذب بآيات الله( ).
وتبين الآية أهلية أهل البيت للإحتجاج واقامة البرهان والتصدي للمناظرة، وهذه الأهلية مكتسبة بالقرآن وآياته وتدل بالدلالة التضمنية على استجابة أهل بيت النبوة لأمر النبي بالمباهلة وحضورهم معه، ويترشح من هذا الحضور ايمانهم بالآيات وان العلم الذي جاء للنبي يتغشى أهل بيته والمسلمين جميعاً، وفي الآية مسائل:
الأولى: الإنتفاع الأمثل من نزول الآيات القرآنية لتجلي آثارها بالقدرة على البرهان.
الثانية: الإخبار عن حصول الإحتجاج والجدال مع الآخرين من الملل الأخرى.
الثالثة: جاءت المباهلة على نحو الأمر الإلهي وليس الإذن وحده وما يفيد الإباحة، والأمر بها أعم من وقوعها، ولكنه ينبئ عن استعداد النبي لها وعزمه على التصدي لها بفخر واعتزاز.
الرابعة: جاء الأمر بالمباهلة متعقباً لمجيء العلم، فالعلم مادة المباهلة الواقية من شرور الملاعنة والسلاح لقهر الكفار والأعداء.
الخامسة: بيان القواعد والأصول العامة للمباهلة ومنها:
الأول: ابتداء النبي بالدعوة للمباهلة.
الثاني: عدم الدعوة لها الا بعد ان يأتي الكفار للإحتجاج والجدل.
الثالث: تعيين اطــراف المباهلة من قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعدم تركه للكفار.
الرابع: دخول الأهل وأقرب الناس في المباهلة لإقامة الحجة.
الخامس: التكافئ والتساوي من الطرفين بخصوص اشتراك الأهل لإظهار التحدي وحال اليقين، ولبعث الفزع والخوف في نفوس الكافرين.
السادسة: المباهلة وسيلة ومادة للإحتجاج، فهي دعوة الى  وبرزخ دون التعدي والظلم والقتال، فقد يأتي شخص او جماعة من أهل الخصومة والعناد للإحتجاج والجدال فتدعوهم للمباهلة فيمتنعون وفيه اقرار عملي بانعدام حال اليقين عندهم، ويتسرب روح الشك الى نفوسهم فيما كانوا يظنون.
السابعة: ان لعنة   على الكاذبين من غير ملاعنة، ولكن الملاعنة تأتي للتوكيد واشتراك الكافر بلعن نفسه.
الثامنة: استجابة الآل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واستعدادهم لحضور المباهلة حيث يأمر ويختار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
التاسعة: تدل الآية على تصديق اهل بيت النبوة للنبي في دعوته لدرجة استعدادهم للتضحية، وهذه الحال لا تكون الا مع ادراك صدق النبي في دعوته وعلى نحو يومي محسوس، لأن إيمان الأهل يختلف عن غيره، فهم يرون دقائق الأمور، والوقائع اليومية ويطلعون على الحقائق كما هي من غير حجاب او تستر، ولقد كان أهل بيت النبوة أول الناس ايماناً وأكثرهم تصديقاً برسالته صلى الله عليه وآله وسلم , وتجلى هذا الايمان في هذه الوثيقة القرآنية.
العاشرة: عدم الوقوف عند حال الإحتجاج، فالآية تدعو للجوء الى المباهلة والدعاء والملاعنة وسؤال  عز وجل انزال العقاب بالكاذب، وفيه أمور:
الأول: عدم حسم الإحتجاج وبقاء كل فريق على رأيه ومذهبه.
الثاني: تكذيب الكافرين للحق الذي نزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: ارادة الكافرين الإيذاء والحرب بالإحتجاج والجدل والمناظرة والا لما أدى الأمر الى المباهلة، لذا جاء أول الآية بنسبة الإحتجاج وابتدائه الى الكافرين وانهم أختاروا الخوض في العلوم القرآنية واسرار الغيب التي جاء بها القرآن، فكأنهم أختاروا العداوة والحرب على النبوة والتنزيل.
الحادية عشرة: جاءت الآية بالتفصيل في ذكر أفراد الأهل الذين تتم المباهلة بهم وهم:
اولاً: الأبناء وبصيغة الجمع.
ثانياً: النساء.
ثالثاً: الأنفس، والمراد غير شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا مانع من التعدد وارادة نفس النبي ايضاً والتي تظهر من قوله تعالى [ثُمَّ نَبْتَهِلْ].
الثانية عشرة: اشتراك الأهل جميعاً في المباهلة، بمعنى ان وظيفتهم ليس الحضور وحده، بل المساهمة في الدعاء والملاعنة مما يعني انهم على علم ووعي بالفعل وآثاره ونتائجه، وعلى ثقة واقرار بالإسلام وصدق التنزيل، وهذا فخر لهم وللإسلام والمسلمين جميعاً ان يكون ابناؤهم ورثة لعقيدة التوحيد ويتولون مهام الجهاد وتحمل أعباء المسؤوليات العقائدية في حياة الآباء بما يتخطى قوانين التركة، ويجعلهم مؤهلين لخلافة الأرض ومواجهة الكافرين والآباء بين ظهرانيهم، وفيه قرة عين وسر للآباء وسكينة لنفوسهم، كما انه سبب لزيادة الإيمان في نفوسهم، بمعنى ان الشخص يكتسب الإيمان من آبائه ويزداد من ايمان ابنائه وهذا سر ينفرد به الإسلام.
لقد دعا عيسى بني اسرائيل الى عبادة  وطاعته، فأبوا واصروا على ما هم عليه وجحدوا برسالة عيسى الا الحواريين، وأمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أهل بيته بالجهاد معه في المباهلة فبادروا اليها طائعين، وأمر أصحابه بالجهاد في سبيل  في ميادين المعركة فلم يترددوا او يبخلوا بالدم والنفس.
لقد خاطب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفد أهل نجران بانه يدعو اهل بيته، ثم يخرج معهم، أي ان الخطاب ودعوة وفد أهل نجران جاءا قبل ان يدعو اهل بيته بمعنى ان خروجهم معه الى المباهلة من المسلمات وفيه دلالة على انقياد أهل البيت لأمر النبي.
والمباهلة وان تضمنت الملاعنة والطرد من رحمة  الا انها لا تخرج عن مضامين الإصطفاء والرافة الإلهية من وجوه:
الأول: عدم وقوع المباهلة ذاتها، لإمتناع أهل الكتاب عنها سواء كان هذا الإمتناع بالصرفة أي ان  صرفهم عنها رأفة بهم، وامهالاً او لأنهم رأوا الآيات وصدقها وهو الذي تدل عليه الأخبار.
الثاني: ان المعاند والذي يصر على الجحود ويخرج عن أحكام الإصطفاء والرأفة باختياره وظلمه لنفسه ثبت في علم الأصول ان الإمتناع بالإختيار لا ينافي الإختيار.
ولما سأل ابراهيم الإمامة ورد في التنزيل قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ.
الثالث: ان المباهلة لإحقاق الحق وحفظ النظام، وقواعد التنزيل فلا يمنع من تشريعها اصابة بعض الكافرين الذي يقدمون عليها بالضرر.
وتمنع الآية من الإفتراء والغلو من قبل الناس لأنهم يعلمون ان المباهلة واللعنة تنتظرهم من المسلمين وحملة القرآن، بمعنى ان آية المباهلة حصن وواقية من التمادي في الغلو والإفتراء واستحداث موضوعات جديدة منهما.
وجاءت المباهلة بالنفوس الشريفة، ولم تتعرض للمال وبذله لأنه لا شيء أغلى من النفس، ولأن المباهلة مقدمة لإستئصال الباطل.
ومع كل آية من القرآن يطل علينا علم او علوم جديدة، منها ما أستقرأ وتم استظهاره ومنها ما ينتظر أوانه وما يساعد على التوصل اليه من العلة المادية كمناسبة الموضوع والحكم والإجتهاد المتعدد في الغوص في علوم القرآن.
وجاءت هذه الآية بسن نظام المباهلة وتأسيس قواعده ليكون قانوناً ثابتاً في الأرض وتشريعاً دائماً ومن الأسرار فيه ان مصاديقه قليلة جداً مع ان علة تشريعه هو قيام الكفار بالجدال والإحتجاج ومناظرة المسلمين، وهذا الأمر ظاهر ومحسوس وتراه في كل مكان وزمان الا ان الأمر لم يصل الى المباهلة فما هو السبب، فيه وجوه:
الأول: تقييد المباهلة بشروط وحالات مخصوصة.
الثاني: تعيين موضوع المباهلة كما لو كان خاصاً بقصة عيسى والآيات التي جاء بها.
الثالث: المباهلة توكيد للإيمان وبلوغ مراتب رفيعة في المعارف الإلهية والإستفادة مما في آيات القرآن من العلوم.
الرابع: يدل هذا القانون على تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين على غيرهم، مع امتلاكهم لصناعة الجدل وبلوغ المطلوب ونتيجة القياس بما أنزل  عليهم من الآيات والعلوم وكشـف لهم من أسرار الغيب فانهم يمتازون عن غيرهم بسلاح المباهلة، هذا الســلاح الذي لـم يمتلكــه غيرهم من الأمم ولن يســتطيع غيرهم امتلاكــه لأنه كنـز سماوي خاص بهم، ويحتاج كماله وتمامــه الى الجــزاء الإلهي وهـو اللعنة على الكاذبين.
ويدل هذا القانون على ملازمة المسلمين للصدق وقول الحق في باب العقائد والنبوات والأحكام وفق ما جاء به القرآن، ويمنع المسلمين من التحريف والتغيير والتبديل، فسلاح المباهلة وسر انتصارهم في المناظرة وعواقبها هو التقيد بما جاء به القرآن خصوصاً وان دعوة القرآن للمباهلة لا تعني حصر الدعوة لها بالمسلمين، فقد يطلب الطرف الآخر المباهلة غروراً وعناداً واستكباراً.
وتبين الآية اتحاد البرهان في الموضوع الواحد، فلابد ان يكون الحق الى جانب أحد الطرفين دون خصمه، فمن يلجأ الى الجدل ويسد اذنه عن سماع البرهان والتدبر فيه تكون أمامه المباهلة وما يترتب عليها، وفي هذا القانون مدد الهي للمسلمين من وجوه:
الأول: الإرتقاء في سلم العلوم.
الثاني: القدرة على صناعة الجدل والمناظرة.
الثالث: بعث السكينة بالنفس وعدم الخــوف من الكفار وما سيأتون به، فمتى ما ادرك الإنسان انه على الحق فلا يضره مواجهة الباطل ويكون مستعداً للتصدي له.
الرابع: رفع الحرج من المباهلة والملاعنة، فلولا هذه الآية لما أقدم مسلم على المباهلة وان حصل فهو فرد نادر ويلاقي معارضة متعددة الوجوه، فجاءت هذه الآية لتشريع المباهلة.
الخامس: لو حصلت المباهلة فان المسلم يفرح بجهاده في باب الكلمة والإحتجاج، ويطمئن وأهله لما فعله، ويتطلع الى بطش وغضب  على الكافرين وظهور أماراته عليهم عاجلاً او آجلاً.
والمباهلة وان جــاءت بخصوص قصــة عيســى الا انها أعم ولا تنحصر بموضوع مخصــوص، او زمان معين، فلذا يصدق عليها انها قانون ولا يضر بها ندرة حدوثها، فيكفي ان المسلم يستعد للإحتجاج والمباهلة.
ومن شرائط هذا القانون سبق الإحتجاج واقامة البرهان ودعوة الناس للإيمان بالدليل وذكر البديهيات والمشهورات والآيات التي تدل على صدق التنزيل، كما في ميدان المعركة وسبق الوعظ والنصح للقتال ودعوة الكافرين للإسلام وترغيبهم فيه وحثهم على ترك قتال المسلمين واستعمال سلاح البشارة والإنذار والوعد والوعيد قبل وقوع المعركة، فكذا بالنسبة للمباهلة فيأتي الإحتجاج واقامة البرهان قبل الدعوة اليها، وهذا من عمومات قواعد اللطف الإلهي والرحمة الإلهية.
ولم يرد لفظ التحدي في القرآن ولكنه فرع الإحتجاج والجدال ومن مفاهيم الثبات على الإيمان والتقوى والتحدي على وجوه:
الأول: التحدي القولي، باستحضار البرهان كوسيلة لتحصيل المطلوب، والإتيان بالدليل لإســكات الخصـم، وهـو على أقسام:
أولاً: مواصلة المناظرة.
ثانياً: دفع شبهات الكفار، وابطال ما يزعمون مما يخالف الحق والتنزيل.
ثالثاً: بيان الحق وكشف الحقائق والإخبار عن الوقائع بلغة الصدق والإنصاف.
الثاني: التحدي العملي، وهو على وجوه:
أولاً: المواظبة على العبادات.
ثانياً: حسن الإمتثال للأحكام الشرعية فهو دعوة للناس لدخول الإسلام.
ثالثاً: السعي في دروب الإحتجاج والبرهان وبذل الوسع لإبطال الشبهات.
رابعاً: المباهلة وهو أمر مركب من:
الأول: الدعوة الى المباهلة، ولا تأتي الا بعد الحجة، وظهور الإصرار من الخصم على ميله عن الحق.
الثاني: اجراء المباهلة وحصولها بين المتخاصمين.
ولقد جاءت آية المباهلة بمعاني التحدي كلها الا القسم الثاني من الفرع الأخير الذي هو جزء من التحدي ولكن وفد نصارى نجران نكصوا وأمتنعوا عن اتمامه ووقوعه , وفيه نصر وعز للزهراء والمسلمات إلى يوم القيامة , وهو من الشواهد على كونها سيدة النساء.
ومن وجوه التحدي الصبر عن الأذى وتحمل المشاق في جنب ، وما من نبي الا وتلقى الأذى من قومه وهو يدعوهم الى التوحيد والنبوة , وحياة الزهراء مدرسة في الصبر وحسن التأسي .
ليكون التحدي ملازماً للرسالة وللإيمان وهو ليس متحداً، بل متعدداً، ويتضمن وجوهاً:
الأول: التحدي الذاتي الذي يعني الثبات على الإيمان، وبقاء المسلمين على نهجه وايمانه، وهذا القسم انطباقي ودائم ولا يقبل النسخ والتغيير، لضرورة الإقرار بأصول الدين واتيان الواجبات.
الثاني: التحدي الغيري وهو على قسمين:
الاول: اراءة الخصم مصاديق الإيمان الشخصية والذاتية واظهار معالم الدين.
الثاني : بيان ما عليه الكافر من الضلالة ومخالفة الرشاد، وتسفيه قوله، وابطال حجته كما يمكن تقسيم التحدي بلحاظ الضيق والسعة الى اقسام:
الأول: التحدي الشخصي وهو الذي يقوم به شخص واحد ومن أشرف مصاديقه تحدي النبي في قومه وتبدو أفضلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على غيره من الأنبياء اذ انه تحدى المشركين من قومه ومن غيرهم، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، وكان المشركون أولي القوة وأظهروا الإتحاد في مواجهة النبوة، أما أهل الكتاب فانهم مليون يصدرون عن تنزيل من السماء وينتسبون الى النبوة، ولم يكن يتم النصر عليهم الا بالمدد الإلهي.
ومن الآيات في المقام ان جهاد وتحدي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للكفار وأهل الخصومة لم يكن تدريجياً وعلى مراتب، بل جاء على نحو دفعي ومشترك فقد واجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته المشركين وشبهات أهل الكتاب في آن واحد، وكانت الشبهات مركبة ومتعددة.
ولم يرجئ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أحد الجهادين ويؤخر تحدي أحدهما الى ما بعد الغلبة على الآخر، او يقوم بتبعيض التحدي خصوصاً وانه ليس من ملازمة بين مواجهة المشركين، وأقوال أهل الكتاب او بين ادعاء ومزاعم أهل الكتاب أنفسهم، فقد واجه الجميع بالقرآن وآياته.
الثاني: التحدي بالنفس وأهل بيت النبوة، والذي يتجلى بآية المباهلة هذه.
الثالث: التحدي النوعي العام من المســلمين، وفيه النصــر والقــوة والعز واتساع الإسلام، وهو ثمرة من ثمار جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصدق أحكام القرآن، واتقان المسلمين لمقدمات البرهان وثباتهم في ميادين المعارك، ومن خصائص قانون التحدي تنمية ملكة التقوى والعزم على مواجهة تحديات الأعداء اذ ان التحدي متبادل وهو جزء من الصراع، فكأنه حاجة للمؤمنين في دروب الجهاد، ومن مصاديق هذا القانون تحدي القرآن للتحريف والتغيير والتبديل أمساَ واليوم وغداً.
وكما أحمع المسلمون على إنفراد الإمام علي عليه السلام بالعمل بآية النجوى قبل نسخها وهي إذ أن حب فقدموا [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً] ( ).
وتحصل الإجماع في إنفراد فاطمة عليها السلام بالمباهلة مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وليس من امرأة من أزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنات غيرها حضرت مباهلة مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو من بعده.
وبعد صلح الحديبية سنة ست للهجرة والذي عقد بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومشركي قريش دخلت قبيلة خزاعة في عهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبنو بكر بن عبد مناة في عهد قريش، وكان بين القبيلتين دم قبل العهد، إذ قتلت خزاعة من بني بكر ثم إنشغلت القبائل بأخبار الإسلام ومعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآيات القرآن التي نقذت إلى شغاف القلوب، ولكن بني بكر عمدت على خزاعة بعد العهد والميثاق وأعانت قريشاً بني بكر، وأمدتهم بالسلاح، وقاتل رجال من قريش معهم مستخفين ضد خزاعة فخرج وفد من خزاعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسأل النجدة والنصرة بعد نقض قريش للعهد، وقدم عمرو بن سالم الخزاعي ودخل المسجد النبوي ووقف والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جالس بين أصحابه فالقى قصيدة يشكو بها ما أصاب قومه ومما قاله:
وَنَقَضُوا مِيثَاقَك الْمُـــــــــــــوَكّدَا
وَجَعَلُوا لِي فِي كَدَاءٍ رُصّدَا
وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أَدْعُو أَحَـــــدَا
وَهُمْ أَذَلّ وَأَقَلّ عَـــــــــــدَدَا
هُمْ بَيّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجّدًا
وَقَتَلُونَا رُكّعًــــــــــا وَسُجّدَا( ).
فقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: نصرت يا عمرو بن سالم.
وخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ حَتّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَدِينَةَ ، فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ أُمّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ فَلَمّا ذَهَبَ لِيَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ طَوَتْهُ عَنْهُ فَقَالَ يَا بُنَيّةُ ؟ مَا أَدْرِي أَرَغِبْت بِي عَنْ هَذَا الْفِرَاشِ أَمْ رَغِبْت بِهِ عَنّي ؟ قَالَتْ بَلْ هُوَ فِرَاشُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَنْتَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ نَجَسٌ وَلَمْ أُحِبّ أَنْ تَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ وَاَللّهِ لَقَدْ أَصَابَك يَا بُنَيّةُ بَعْدِي شَرّ . ثُمّ خَرَجَ حَتّى أَتَى رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَكَلّمَهُ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ شَيْئًا ، ثُمّ ذَهَبَ إلَى أَبِي بَكْرٍ فَكَلّمَهُ أَنْ يُكَلّمَ لَهُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ مَا أَنَا بِفَاعِلِ ثُمّ أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ فَكَلّمَهُ فَقَالَ أَأَنَا أَشْفَعُ لَكُمْ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ؟ فَوَاَللّهِ لَوْ لَمْ أَجِدْ إلّا الذّرّ لَجَاهَدْتُكُمْ بِهِ . ثُمّ خَرَجَ فَدَخَلَ عَلَى عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللّهِ عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَرَضِيَ عَنْهَا ، وَعِنْدَهَا حَسَنُ بْنُ عَلِيّ غُلَامٌ يَدِبّ بَيْنَ يَدَيْهَا ، فَقَالَ يَا عَلِيّ إنّك أَمَسّ الْقَوْمِ بِي رَحِمًا ، وَإِنّي قَدْ جِئْت فِي حَاجَةٍ فَلَا أَرْجِعَنّ كَمَا جِئْت خَائِبًا ، فَاشْفَعْ لِي إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ وَيْحَك يَا أَبَا سُفْيَانَ وَاَللّهِ لَقَدْ عَزَمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى أَمْرٍ مَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُكَلّمَهُ فِيهِ . فَالْتَفَتَ إلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ يَا بْنَةَ مُحَمّدٍ ؟ هَلْ لَك أَنْ تَأْمُرِي بُنَيّك هَذَا فَيُجِيرَ بَيْنَ النّاسِ فَيَكُونَ سَيّدَ الْعَرَبِ إلَى آخِرِ الدّهْرِ ؟ قَالَتْ وَاَللّهِ مَا بَلَغَ بُنَيّ ذَاكَ أَنْ يُجِيرَ بَيْنَ النّاسِ وَمَا يُجِيرُ أَحَدٌ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم( ).
وفي الحديث مسائل:
الأولى: إكرام الإمام علي عليه السلام للزهراء.
الثانية: إستئذان الإمام علي من الزهراء فيما يخص الحسن عليه السلام.
الثالثة: أهلية الحسن عليه السلام للإجارة بين المسلمين مع صغر سنه , إذ أنه ولد في السنة الثالثة للهجرة ومجئ أبي سفيان في السنة الثامنة، وهو من عمومات (قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم للحسن: إن ابني هذا سيد و قال أيضا للحسن و الحسين إبناي هذان إمامان قاما أو قعدا و قال صلى الله عليه وآله وسلّم إن كل بني بنت ينتسبون إلى أبيهم إلا أولاد فاطمة فإني أنا أبوهم) ( ).
مناظرة المأمون مع الإمام الرضا
وذكر ان المأمون سأل الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام فقال له: ما الدليل على ولاية جدك؟ فقال عليه السلام: آية [ أَنْفُسَنَا ]، فقال المأمون: لولا [نِسَاءَنَا]، فقال الرضا عليه السلام: لولا [ أَبْنَاءَنَا ]، فسكت المأمون.
وجاء خبر آخر بالعكس في الفقرتين الأخـيرتـين أي ان المأمـون قال لولا [أَبْنَاءَنَا]، فقال الرضا عليه السلام لولا [نِسَاءَنَا]، والأول اشهر واظهر، ولم يذكر الحديث في الكتب المعتبرة وقيل انه في حاشية نسخة من كتاب عيون اخبـار الرضا في الخزانـة الرضويـة في المشهـد الرضـوي، وفي حاشية نسخة من كتاب مصباح الكفعـمي في تبريـز، فالخبر ضعيف سـنداً، وفي بيـان وتـأويل الحـديث وجوه:
الأول : لقد أراد المأمون في احتجــاجه بقـوله تعالى لولا [نِسَاءَنَا] ان المراد جنس النساء وليس القضية الشخصية لأن الزهراء عليها الســـلام ابنـــة الرسـول صــلى الله عليه وآله وســلم فجــاء وصـف [نِسَاءَنَا] بصيغة الجمع مما يعني ان المراد من [أَنْفُسَنَا] ليس علياً على نحو الخصوص بل مطلق الذكور من المسلمين، وان المقصود الذكور والأناث من المســلمين، فابطل الإمـام الرضا عليه الســلام احتجــاجه وقال له لــولا [أَبْنَاءَنَا] أي لو كان المراد من [نِسَاءَنَا] جنس النسـاء، والمراد من [أَنْفُسَنَا] ذكــور المســلمين لدخل الحسنان في [أَنْفُسَنَا] ايضاً بل هــو من باب الأولوية، فلابد من ارادة الأشخاص على وجه التخصيص، بالإضافة الى الســنة الفعلية فقــد أجمـــع علماء الإسلام في الفقه والكلام والتفسير على ان النبي صلى الله عليه وآله وســلم جاء بفاطمة وعلي والحسن والحسين للمباهلة، وان الآية نزلت فيهم على نحو التعيين.
الثاني : احتجاج المأمون وقوله لولا [نِسَاءَنَا] يعني ان لفظ (نساء) جاء بصيغة الجمع واطلق على الواحد للتعظيم او لمطابقة المضاف اليه وان قصد منه شخص الزهراء عليه السلام، فكذا [أَنْفُسَنَا] فان المراد منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من باب الأولوية في التعظيم والتفخيم ولم يدخل معه علي عليه الســلام فتــكــون الدعوة مبنية على المسامحة، فاحتج الإمام الرضا عليه السلام بقوله تعالى [أَبْنَاءَنَا] وان لفــظ الأبــناء اطــلق على الإثنـين وهما الحسن والحسين، فكذا لفظ [ أَنْفُسَنَا ] أريد منه الإثنان شخص الرسـول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام لأصالة الحقيقة وعدم الظن بالمسامحة مع إمكان حمل الكلام على الحقيقة.
الثالث :ان إطلاق لفظ [نِسَاءَنَا] على فاطمة عليها السلام من باب المجاز لأنها بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكذا بالنسـبة لإطلاق [أَنْفُسَنَا] على علي عليه السلام فهـو من باب المجـاز، فلا يترتـب على المجاز حكم شرعي لأنه مبتنى على المسامحة، فبين له الإمام الرضا عليه السلام بان قوله تعالى [أَبْنَاءَنَا] حقيقة في الحسنين، وعليه الإجماع فكذا في [أَنْفُسَنَا] في علي عليه السلام وعدم وصول التوبة إلى الإشارة والمجاز مع إمكان حمل الكلام العربي على الحقيقة وبيان النصوص والمتبادر هو الحقيقة.
الرابع :ان الآية اعم من واقعة المباهلة وان قوله تعالى [نِسَاءَنَا] يُراد منه نساء الأمة، وكان مجئ فاطمة للمباهلة من باب المثال الأقرب وليس الحصر، وكذا بالنسبة لعلي عليه السلام وان أي مسلم يصلح ان يؤتى به في المباهلة فاحتج الإمام عليه السلام بقوله تعالى [أَبْنَاءَنَا] أي انه جاء حصراً بالحسن والحسين وليس من باب المثال فليس من ابناء عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم الا الحسـن والحسين فكذا بالنسـبة لعلي عليه السلام بالإضافة الى حمل الآية على الظاهر وان المدعو هو علي دون غيره.
الخامس : لم يـرد من الأبنـاء الا الحسـن والحسـين ولم يحـضـر النبـي صــلى الله عليه وآله وســلم ولداً من اولاد المسلمين مع ان الآيـة جـاءت بصــيغة الجمـع لأنه ليس له أبناء الا الحسن والحســين، فكذا بالنسـبة لـ[أَنْفُسَنَا] فليس من الصحابة هو نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم الا علياً، وقد آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين والأنصار، وجعل علياً أخاه.
السادس : أراد المأمون ان المدعو جماعة من الأصحاب الا انه لم يحضر الا امير المؤمنين ولم يتقدم منهم الا امير المؤمنين فلا يختص الإمام علي عليه السلام بآية [أَنْفُسَنَا] وحده بدليل ان المراد من [نِسَاءَنَا] جماعة من النساء لم تحضر الا فاطمة، فذكر الإمام الرضا عليه السلام آية [أَبْنَاءَنَا] لبيان ان المدعو في جميع موضوعات الآية هو عين الحاضر، والحاضر هو المدعو بذاته.
ان رد الإمام الرضا عليه السلام ينفي المجازية عن بنوة الحسن والحسين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ويؤكد انهما إبناه حقيقة واعتبار علياً عليه الســلام هو نفس رسول الله بحسب دعوة الآية، وليس ابن عــمه فقط، فالإمــام تـربى في حجــر النبي صــلى الله عليه وآله وسلم وردت سنن الوصاية والإمامة منه.
وعنه عليـه الســلام: “انه بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الإثنين فآمنـت به يوم الثلاثاء”، بالاضافة الى حديث المنزلة وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام:”اما ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي”( )، والذي يمكن اعتباره تفسيراً لآية المباهلة.
إفاضات آية التحريم
تؤكد آية التحريم من ســورة النســـاء ان اولاد الزهــراء عليها السلام هم ابناء النبي صلى الله عليه وآله وسلم من صلبه وان كانوا ابناء بنته اذ ان الإنتساب بالبنوة غير المباشرة لا يمنع من شموله باطلاق صفة الإبن للصلب وما يترتب عليه من احكام اجتمــاعية وقضـــائية وفقهية الا ما خـرج بالدليل، في مقابل الولـد الإضافي والولد بالتبني الذي كان شــائعاً قبل الإســلام وابطله القرآن قال الله تعالى وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ.
ولقد اشار الإمام محمد الباقر عليه السلام إلى آية التحريم للإستدلال على القول بان الحسن والحسين ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اذ خاطب ابا الجارود قائلاً: “يا ابا الجارود ما يقولون لكم في الحسن والحسين قال ابو الجارود قلت: ينكرون علينا انهما ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: فاي شيء احتججتم عليهم؟ قلت احتججنا عليهم بقول الله عز وجل في عيسى بن مريم [وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ …]الآية( )، فجعل عيسى بن مريم من ذرية نوح قال: فاي شيء قالوا لكم؟ قلت: قالوا قد يكون ولد الإبنة من الولد ولا يكون من الصلب قال: فاي ــ شيء احتججتم عليهم، قلت: احتججنا عليهم بقوله تعالى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ثم قال: أي الإمام الباقر عليه السلام- أي شيء قالوا؟ قلت: قالوا قد يكون في كلام العرب ابني رجل واحد فيقول ابنائنا وانما هما ابن واحد وآخر من صلب ابناءنا، فقال ابو جعفر الإمام الباقر عليه السلام لأعطينك من كتاب الله عز وجل انهما من صلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يرد قلت: واين ذلك جعلت فداك؟ قال: من حيث قال الله حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ .
يا ابا الجارود: وهل كان يحل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نكاح حليلتيهما؟ فان قالوا نعم، فكذبوا والله وان قالوا لا فهما والله ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من صلبه وما حرمتا عليه الا للصلب”( )، والحلائل جمع الحليلة بمعنى المحللة وهي الزوجة يقال حليلة الرجل أي زوجته التي تحل له حليلته.
ان الإستشهاد القاطع والمبارك بالقرآن الكريم لتوكيد انتساب اولاد الزهراء عليها السلام لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر ذو شأن بالغ ايام الدولة الأموية , وارتفاع بعض الأصوات بالنداء في تحديد وتقييد نسب أهل البيت ووقوفه عند أمير المؤمنين عليه السلام او عند فاطمة عليها السلام فترى أحد افراد جيش ابن زياد يخاطب الحسين يوم عاشوراء (يا ابن فاطمة) والمقام يستوجب تنزيه فاطمة فضلاً عن ضرورة إكرامها في أبنائها، بالإضافة لما في القول من حجة على القائل وإقرار بعظيم منزلة الحسين عليه السلام.
كلمات تلقاها آدم
يفيد التلقي في المقام معنى القبول، ويتعلق موضوع الآية بما سبقها من الآيات في سورة البقرة وكيف ان آدم وحواء أكلا من الشجرة التي نهيا عن الأكل منها فتبعه خروجهما من الجنة وهبوطهما الى الأرض وحكي عن ابن عباس ان آدم قال عندها لله تعالى: “ارأيت يا رب ان تبت واصلحت! فقال له تعالى: اني راجعك الى الجنة وكانت هذه الكلمات( )”، وفي رواية ســعيد بن جــبير عنه قال ســـألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الكلمات التي تلقى آدم من ربه فتاب عليه، قال: “سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين الا تبت علي فتاب عليه”( ).
وروى الصدوق فيما يخص الآية قال: “سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين”.
وقد يقول قائل كيف يكون هذا الإكرام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولأهل بيته وهم لم يخلقوا بعد، والجواب بعلم الله تعالى ما سيكونون عليه من المنزلة والمقام والتفصيل وقد وردت روايات تفيد ان آدم اطلع وهو في الجنة على عظيم منزلتهم عند رب العالمين وافضليتهم بما يتحملونه من الأذى في جنب الله قال الإمام علي بن الحسين عليه السلام: “حدثني ابي عن ابيه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا عباد الله ان آدم لما رأى النور ساطعاً من صلبه اذ كان الله قد نقل أشباحنا من ذروة العرش الى ظهره رأى النور ولم يتبين الأشباح فقال: يا رب ما هذه الأنوار؟
فقال الله عز وجل: أنوار أشباح نقلتهم من أشرف بقاع عرشي الى ظهرك ولذلك أمرت الملائكة بالسـجود لك إذ كنت وعاء لتلك الأشباح فقال آدم: يا رب لو بينتها لي، فقال الله عز وجل أنظر يا آدم الى ذروة العرش فانطبع فيه صور أنوار أشباحنا التي في ظهره كما ينطبع وجه الإنسان في المرآة الصافية فرأى أشباحنا فقال: ما هذه الأشباح يا رب قال الله عز وجل: يا آدم هذه أشباح افضل خلايقي وبرياتي، هذا محمد وانا الحميد المحمود في فعالي شققت له إسماً من أسمي، وهذا علي وانا العلي العظيم شققت له اسماً من اسمي، وهذه فاطمة وانا فاطر السماوات والأرض فاطم أعدائي من رحمتي يوم فصل قضائي وفاطم اوليائي عما يعيرهم ويشينهم، فشققت لها أسماً من إسمي، وهذا الحسن وهذا الحسين وانا المحسن المجمل شققت إسميهما من إسمي، هؤلاء خيار خليقتي وكرام بريتي بهم آخذ وبهم اعطي وبهم أعاقب وبهم أثيب فتوسل بهم اليّ يا آدم واذا دهتك داهية فاجعلهم اليّ شفعائك فاني آليت على نفسي قسماً حقاً الا أخيب بهم آملاً ولا أرد بهم سائلاً فلذلك حين زلت منه الخطـيئة دعا الله عز وجل بهم فتاب الله عليه وغفر له( )”.
لقد جعل الله عز وجل أهل الكساء باباً لنزول رحمته وطريقاً مباركاً لمغفرته والنجاة من سخطه، فهم الأدلاء على الله التائبون في مرضاته الذابون عن دينه بتوفيقه وكانوا بفضله سبيلاً إلى رضاه.
وقد ورد في الآية المباركة موضوع البحث وفي تفسير الإمام انه لما نزلت من آدم الخطيئة واعتذر الى ربه عز وجل قال: يا رب تب عليّ واقبل معذرتي واعدني الى مرتبتي وارفع لديك درجتي فلقد تبين نقص الخطيئة وذل لها اعضائي وساير بدني قال الله تعالى: يا آدم اما تذكر أمري إياك بان تدعوني بمحمد وآله الطيبين عند شدائدك ودواهيك وفي النوازل تبهظك، قال آدم: يا رب بلى.
قال الله عز وجل: فبهم بمحمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام خصوصاً فادعني أجبك الى ملتمسك وأزدك فوق مرادك.
فقال آدم: يا رب والهي وقد بلغ عندك من محلهم انك بالتوسل بهم تقبل توبتي وتغفر خطيئتي وانا الذي اسجدت له ملائكتك وابحته جنتك وزوجته حواء أمتك واخدمته كرام ملائكتك.
قال الله تعالى: يا آدم انما امرت الملائــكة بتعظــيمك بالسجــود لك اذ كنت وعاء لهذه الأنوار ولو كنت سألتني بهم قبل خطيئتك ان اعصمك منها وان افطنك لدواعي عدوك ابليس حتى تحتذر منها لكنت قد جعلت ذلك ولكن المعلوم في ســـابق علمي يجري موافقاً لعلمي، فالآن فادعني بهم لأجيبك، فعند ذلك قال آدم: اللهم بجاه محمد وعلي وفاطمة والحســن والحســـين والطيبين من آلهم لما تفضـــلت بقـــبول توبــتي وغـــفران زلتي واعادتـــي من كرامتك الى مرتبـــتي، فقال الله عز وجل: قد قبلت توبتك واقبلت برضواني عليك وصرفت آلائي ونعمائي اليك واعدتك الى مرتبتك من كراماتي ووفرت نصيبك من رحماتي فذلك قول الله عز وجل فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )( )”.
آية الخمس
قال تعالى وَاعْلـَمُــوا أَنَّمَــا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُـمُسَـــهُ وَلِلرَّسُــولِ وَلِــذِي الْقُــرْبَى وَالْيَـــتــَامَى وَالْمَسَـــاكِـينِ وَابْــنِ السَّبِيلِ لقد أكرم الله عز وجل أهل بيت النبوة بآية من فضله تجسد مضامين التنزيه والتفضيل ومعالم العز بان عوضهم الله من صدقات الناس وأوساخ أموالهم التي جعلها الله عز وجل لفقراء المسلمين والمحتاجين منهم، وقد روى عن الإمام علي بن الحسين ومحمد الباقر عليهما السلام ان الصدقات محرمة على اهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
وصحيح ان مستحق الخمس هو كل من انتسب الى هاشم بالأب من ابناء عبد المطلب وذراريهم ولكن هناك في المقام امران جديران بالإهتمام:
الأول : انه ينبغي تقديم الأقرب منه علقة باعتبار انه باب تفضيل وترجيح وسبيل تقرب، وان فاطمة عليها السلام وذريتها هم الأقرب الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ.
المعروف ان الأولاد هم الأقرب لأبيهم من غيرهم شرعاً وعقلاً وعرفاً وهم المرتبة الأولى فيما يتعلق بميراثه وهم محارمه للبنوة.
الثاني : ذرية فاطمة هي المنتشرة في الأرض في هذا الزمان والثابت نسبهم الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والى هاشم من طرفي الأب والأم ويعرفون بحسب فن الأنساب وادلة البينة والشياع المفيد للإطمئنان، وقلة وجود غيرهم من ذراري بني هاشم بالقياس لكثرة ذريتها تؤكد ما حبى الله به الزهراء عليها السلام من الإكرام والفضل والثواب العاجل، خاصة وان موضوع الخمس جاء لأداء حق الأنبياء في ذراريهم وأهليهم ولما إستحقوه من الثواب وما تحملوه من البلاء والصبر في سبيل الله باخلاص وجهاد متصل، وليكون صلة بينهم وبين الأجيال التي لم تدرك زمان النبوة ولعل فيه سراً سماوياً واجراً يرتبط بتلك الصلة والمحافظة على استمرارها بالخمس , والعناية الخاصة ببيت النبوة بما استحقوه من الفرض والثواب والإكرام لما فيه استمرار الرسالة لذلك، روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام انه قال: “ان الله لا اله الا هو حيث حرم علينا الصدقة انزل لنا الخمس فالصدقة علينا حرام، والخمس لنا فريضة، والكرامة لنا حلال( )”.
وفي ذوي القربى روي عن جبير بن مطعم عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: هم بنو هاشم بن عبد مناف وبنو عبد المطلب بن عبد مناف، وقيل هم بنو هاشم خاصة من ولد عبد المطلب، لأن هاشماً لم يعقب الا منه، عن ابن عباس ومجاهد.
وقال الشافعي بصرف سهم الرسول الى الخيل والكُراع في سبيل الله، وسهم ذي القربى لبني هاشم وبني المطلب يستحقونه بالاسم والنسب فيشترك فيه الغني والفقير.
وقد بيّنا احكام الخمس في الجزء الثاني من رسالتنا العملية (الحجة) والجزء الأول من (حجة النساء) وفي كتاب العهد.

ذوو القربى
قال تعالى وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا والمراد من ذوي القربى في الآية الكريمة هم اقرباء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو المروي عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام، وقيل قرابة الإنسان وهو المروي عن ابن عباس والحسن ولكنه لا يتعارض مع القول الأول لأن الخطاب موجه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمراد من حقهم هو الخمس والحقوق المالية والصلة في النفقة ونحوها خاصة مع قرينة [الْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ] في الآية وحقهم هو نصيبهم من الزكاة والصدقات.
وذكر انه لما نزلت هذه الآية استدعى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام واعطاها فدكاً وقد ورد عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام انه قال: “لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ادعوا لي فاطمة فدعوها فقال: يا فاطمة، قالت: لبيك يا رسول الله، فقال: هذه فدك هي مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب وهي لي خاصة دون المسلمين وقد جعلتها لك لما امرني الله به فخذيها لك ولولدك( ).
وفدك تبعد عن خيبر مسيرة يومين، واسمها في هذا الزمان (حائط)، وتقع خيبر شمالي المدينة المنورة على بعد 171 كيلومتراً منها، وكانت عبارة عن حصون وقلاع منيعة صعبة المرتقى، وتبعد فد عن المدينة المنورة نحو 222كم.
واجماع المسلمين والنصوص على ان أهل فدك استسلموا من غير قتال بعد ان دخلهم الرعب أثر فتح خيبر وقتل علي عليه السلام لبطلهم مرحب، فكانت أرضها خالصة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ولا تجب النفقة الا على العمودين أي الآباء والأبناء وان نزلوا وفيه نصوص كثيرة منها صحيحة جميل بن دراج: “لا يجبر الرجل الا على نفقة الأبوين والولد( )”.
وفي غيرهم من الأقارب يكون الأمر مستحباً ويتعلق ايضاً بالفقر والإحتياج، وذهب الشافعي الى القول بالنفقة على الولد والأبوين فقط مع الفقر اما اذا كانوا في سعة او ليسـوا من محارمه فلا، وقــال ابو حنيفة بان حق المحارم كالأبوين والولد ان ينفق عليهم ان كانوا فقراء عاجزين وكان الرجل موسراً.
ويفيد منطوق الآية اتيان ما يخص اهل البيت من الحق العام بالعنوان والصلة فكانت الزهراء عليها السلام هي المؤهلة بالأولوية لذلك الحق، والسنة النبوية القولية والفعلية جاءت تفسيراً للآية الكريمة.
الأهل والصلاة
بعد نزول قوله تعالى وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجيء الى باب علي وفاطمة عليهما السلام تسعة أشهر كل يوم عند حضور الصلاة خمس مرات فيقول: “الصلاة يرحمكم الله”، وهو المروي عن الإمام الرضا عليه السلام( ) وعن بعض الصحابة.
وفي الآية الكريمة عناية زائدة بالزهراء فبالإضافة الى اشتراكها في الأمر الخاص لأهل بيت النبوة بالصـــلاة مع الأمر العام المتوجه إلى جميع المسلمين، فان التفسـير والتطبيق كان خاصاً بالزهراء وبيتها في فرده الظاهري الواضح والمتكرر، وقد ورد ان النــبي صلى الله عليه وآله وسلم اســتمر على مجــيئه الى بيـــت فاطمة وقوله الصلاة رحمكم الله كل يوم اذا شهد المدينة حتى فارق الدنيا( )”.
ولقد أحسنت الزهراء عليها السلام الإستجابة لنداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما أفردها به من العناية في هذا الباب فكانت دائمة القيام في محرابها حتى تورمت قدماها ولم تفتر عن الصلاة حتى الساعات الأخيرة من أيام عمرها الشريف.
مخاطبة مقام النبوة
قـــال تــعالى لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا تــنهى الآية الكريمة المسلمين عن مخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذات الصيغ التي يتخـــاطبون بها فيما بينهـــم وينادي بها بعضهم بعضاً لإقتضـاء الحال اختصاص النبي صلى الله عليه وآله وسلم باكرام واجلال مناسـب للرسالة وما يكون مرآة لصدق الإيمان بها من خلال لغة الإحترام والإقـــرار لشـــخص صاحبها بالكرامة السماوية والإصطفاء الأمثل.
وعن الإمام الباقر عليه السلام في الآية قال: “يقول لا تقولوا يا محمد ولا يا ابا القاسم ولكن قولوا يا نبي الله يا رسول الله”، وفيما يتعلق الأمر بالزهراء عليها السلام فقد ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام انه قال: “قالــت فاطـمة لما نـزلت هذه الآيـة هبـتُ رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان اقول له يا ابه فكنت اقول: يا رســول الله، فاعــرض عني مـرة او اثنتين او ثلاثاً ثم اقبل عليّ فقال: يا فاطمة انها لم تنزل فيك ولا في أهـلك ولا في نســلك انت مني وانا منــك انما نـزلت في اهـل الجفـاء والغلظــة من قريش أصحاب البذخ والكـبر، قولي يا أبه فانهـا أحيى للقلب وأرضى للرب( )”.
لقد أراد الله عز وجل العز لمقام النبوة ولآل الرسول الكرام، ويتجلى في الحياة اليومية بالنداء الكريم وصيغ الاجلال ومخاطبة المسلمين لهم بما يدل على الجزاء العاجل لأداء أمانة السماء، وإكرام الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ذريته.
آية التطهير
قال تعـالى إِنَّمَا يُـرِيـدُ اللَّهُ لِيُـذْهِبَ عَنْكُـمْ الرِّجْــسَ أَهْـــلَ الْبَيْتِ وَيُطَـهِّرَكُـمْ تَطْـهِيرًا ورد عن ام سلمة قالت: “في بيتي نزلت الآية وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين فجللهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكساء كان عليه ثم قال: اللهم هؤلاء اهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهــرهم تطهــيراً، قالت ام ســـلمة: فانا معهـم يا نبي الله؟ قال: انت على مكانك وانت على خـــير( )”، وفي رواية زيــد بن علي عن ابيه عن جده الإمام الحسين عليه السلام: “وانا منهم بدل وانا معهم”.
وروى قريب منه عن ابي سعيد الخدري وانس بن مالك وعائشة وام سلمة ووائلة بن الأسقع واللام في [ لِيُـذْهِبَ ] للتوكيد، والرجس: الأفعال القبيحة والمآثم ووسوسة الشيطان، وقد يأتي بمعنى السخط واللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة كما ورد في عاد قوم هود بقوله تعالى قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا وقال ابن عباس: الرجس: السخط.
ومن القرائن الدالة على ان المراد من أهل البيت هم الخمسة اصحاب الكساء ان اللام في [أَهْل الْبَيْتِ] للعهد وليس للجنس، اي ان مدخولها معهـود ومعلـوم عنـد طـرفي الخطـاب المتكـلم والسـامـع، ومجـيء الضـمــير هنا بالتذكير بخــلاف الضــمائر الأخــرى في الآية الكـريمـة فـقد جـاءت مؤنثة، [وَقـَرْنَ]، [وَلاَ تَـبَرَّجــْنَ]، [وَأَقِـمْـنَ]، [وَآتـِينَ]، [وَأَطِعْنَ]، وجاء صــدر الآية بصيغة الإنشاء والأمر بينما جاءت خاتمتها جملة خبرية وقاعدة كلية ثابتة.
وقد ورد عن الإمـام الصادق عليه السلام: “ان صــدر الآيــة يكون في شيء وذيلها في شيء آخر”، وهو ظاهر للوجدان في شــواهـد كثيرة من القرآن، نعم يمكن ان يترشـــح ذهاب الرجــس عن اهــل البيت عليهم الســلام بالواسطـة على ازواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويمكن تفسير ما ورد في قصة ابراهيم وقوله تعالى قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْل الْبَيْتِ ، وقــوله تعــالى في قــصـة موسى فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا ، على هذا السياق وان لم تكن ملازمة بين الآيتين وآية التطهير الذي يتجلى في إكرام بيت النبوة وموضوعية لفظ [أَهْل الْبَيْتِ] عنوان اصــطلاحي عقائدي وكلامي اسلامي لا يتعارض مع اللغة اذ ان لفظ (الأهـل) في الآيتين لا ينحصر بالزوجة، واهل البيت سكانه، واهل الرجل اخص الناس به، واهل الإسلام: من يدين به كما في لسان العرب( ).
والأقوى ان [أَهْل الْبَيْتِ] مفهوم عام ملاكه الصلة الوثيقة بالنسب او السبب والإتحاد في القربى والرحم، وله مصاديق عديدة منها الزوجة والأولاد، والرحم القريب، وقد ورد وصف علي عليه السلام بانه نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والقرائن الحالية والمقالية وحديث اهل الكساء المتواتر لفظاً وموضوعاً واشخاصاً يدل على ان المراد من الآية الكريمة هم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين.
والظاهر ان المراد من الإرادة في قوله تعالى [إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ] هو الإرادة التكوينية والتــشريعية معاً لأصـــالة الإطـــلاق ولعظيم فضل الله تعالى على اهــل البيت والمســلمين لأن الإرادة هـــي الـعلم بالنفع الداعي الى إيجاد الفعل، او المفسدة الصارفة عنه، ويسمى الأول داعياً والثاني صارفاً، لذا جاء في الآية بلغة الإذهاب وقد عرّفها الأشاعرة وجماعة من المعتزلة انها صـفة زائدة مغايرة للقدرة والعلم مخصصة للفعل.
وتقسيم الإرادة الى تكوينية وتشريعية إستقرائي، والمراد من الأول في ايجاد الاشياء وخلق الكائنات لتصبح في عالم الوجود، وهي لا تتخلف عن ارادته كعدم تخلف المعلول عن علته، قال تعالى [إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ] ( )، أما الارادة التشريعية فهي تشريع الاحكام وبيان السنن والتكاليف العامة.
والآية دعوة للمسلمين لإكرام وود أهل البيت عليهم السلام والإقتداء بهم على نحو الإتحاد والإنفراد والإطلاق الموضوعي لعمومات الآية الكريمة، لذا ورد في العلل خبر عبد الله بن فضل الهاشمي قال: “قلت لابي عبد الله عليه السلام: يا ابن رســول الله كيف صــار يوم عاشـوراء يوم مصيبة وغم وحزن وبكاء دون اليوم الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، واليوم الذي ماتت فيه فاطمة، واليوم الذي قتل فيه أمير المؤمنين عليه السلام، واليوم الذي قتل فيه الحسن بالسم؟ فقال: إن يوم الحسين أعظم مصيبة من جميع سائر الايام، وذلك أن أصحاب الكساء الذين كانوا أكـرم الخـلق على الله عزوجل كانوا خمسـة، فلما مضى عنهم النبي صلى الله عليه وآله بقي أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين، فكان فيهم للناس عزاء وسلوة، فلما مضت فاطمة كان في أمير المؤمنين والحسن والحسين للناس عزاء وسلوة، فلما مضى أمير المؤمنين عليه السلام كان للناس في الحسن والحسين عزاء وسلـوة، فلما مضى الحسن كان للناس في الحسين عزاء وسلوة، فلما قتل الحسـين لم يكن بقي من أصحاب الكساء أحد للناس فيه بعده عـزاء وســلوة، فكان ذهابه كذهاب جميعهم كما كــان بقـاؤه كبقاء جميعهم، فلذلك صار يومه أعظم الايام مصيبة . . .” ( ) الحديث .
ولم تنحصر عناية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بموضوع الآية الكريمة في اسباب النزول وساعته بل تعدى الى المتابعة اليومية بشأن اهلها وترتبت عليها احكام يومية في السيرة والعلم، لما جعل الله لهم من عظيم المنزلة وما اولاهم بفضله من الكرامة، ولتوكيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم عظيم منزلتهم يلتفت المسلمون الى علو مقامهم ولمواصلة العناية الزائدة بهم وتعاهدهم في مقامات الإرتقاء التي إختار الله لهم.
وقد ورد بالإسناد عن انس بن مالك : ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يمر بباب فاطمة سـتة اشهر اذا خـرج الى صـلاة الفجـر يقول: الصلاة يا أهل البيت إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا )( ).
وعن ابن عباس انه قال : شهدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن ابي طالب عند وقت كل صلاة فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ، رحمكم الله كل يوم خمس مرات، والضمير (نا) في (شهدنا) يدل على لغة الجمع والتعدد، أي ان الصحابة كانوا يشهدون ما يقوم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من النداء على باب فاطمة عليها السلام لذلك ورد في هذا الباب الحديث عن أبي الحمراء ومعقل بن يسار ايضاً( ).
وتفضل الله تعالى باذهاب الرجس عن أهل البيت إما أن يكون في اتيانهم للطاعات واجتنابهــم للنواهــي وما حـــرم الله، او انه عناية خاصة ولطف الهي وملكة قدسية وتوفيق مخصوص من لدنه تعالى، وورود أداة الحصر (انما) يفيد الوجه الثاني الذي يرجحه ايضاً ورود الآية في حقهم من دون المسلمين وكانت ام المؤمنين أم سلمة حاضرة ساعة نزول الآية الكريمة كما تقدم بيانه.
إنها نعمة من عند الله على المسلمين جميعاً ان يخص نفراً من اهل بيت النبوة بالعصمة والحصانة وربما كان ذلك منحصـراً بالأنبياء من الأمم السابقة دون غيرهم من الأولياء والمؤمنين الا ما خرج منهم بالدليل الخاص كما في إصطفاء وإجتباء مريم ابنة عمران.
ولعل دراسة مقارنة بين ما خصّ الله عز وجل به اهل البيت وما كان عند الأنبياء من قبل تظهر بوضوح فضله تعالى على المسلمين والسعـة في رزقه الكريم على قادة الديانة التي كتب الله لها البقاء والسيادة حتى يــوم القيامة، ففي قــصــة يوسف وبخصوص قوله تعالى ولقد هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ورد تفسير وبيان للآية الكريمة عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام اذ قال: لقد همت به لولا ان رأى برهان ربه لهم بها ولكنه معصوم، والمعصوم لا يهم بذنب ولا يأتيه( )، وهناك أقوال أخرى في الآية الكريمة.
لقد خص الله يوسف عليه السلام بالبرهان الذي جاء ساعة الإبتلاء وانتفع منه عندما رآه لتترشح بركات عصمته وتوقيه من المعصية على أهل مصر عامة وآل يعقوب خاصة .
أما اهل البيت عليهم السلام فقد شرّفهم الله بآية التطهير وجعل عند كل منهم ملكة اجتناب المعاصي وتفضل الله بارادته ومشيئته فابعد الأعمال القبيحة والمآثم عنهم رحمة وفضلاً واكراماً وتشريفاً لهم ونعمة على عموم المسلمين اذ تؤكد الآية الكريمة نزاهة ساحة اهل البيت وتأيـيدهم بلطف الهي وحجب قدسية لدوام ملكة العصمة بتميز فائق عمن سبق من الأمم خاصة على قاعدة الإلزام لمن يقول بجواز اتيان الصغائر او نحوها على الأنبياء قبل النبوة مثلاً.
وإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم باجتباء يرجع في جانب منه الى آية التطهير، فقد روي عن عائشة وغيرها ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لفاطمة: “يا فاطمة ابشري فان الله تعالى اصطفاك على نساء العالمين وعلى نساء الإسلام وهو خير دين”.

الصلاة على النبي محمد (ص)
قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.
لقد ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام بان الصلاة من الله عز وجل رحمة، ومن الملائكـة تزكية، ومن الناس دعــاء، واما قوله [وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا] فانه يعني التسـليم له فيما ورد عنه قال الراوي ابن ابي حمزة فقلت: “كيف نصلي على محمد وآل محمد، قال عليه السلام: تقولون صلوات الله وصـلوات ملائكته وانبيائه ورسله وجميع خلقه على محمد وآل محمد والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته، فقلت: فما ثواب من صلى على النبي وآله بهذه الصلاة، قال: الخروج من الذنوب كهيئة يوم ولدته امه( )”.
والأحاديث في هذا الباب كثيرة وجاءت مروية في كتب المسلمين وبطرق مختلفة وهي تؤكد مجتمعة ومنفردة على إكرام اهل البيت وشمولهم بالآية الكريمة مفهوماً وسنة وتفسيراً.
وفي قــولــه تــعــالى وَهُــوَ الَّذِي خَــلَقَ مِنْ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا روي عن ابن عباس وابن مسعود وجابر وام سلمة والبراء وانس والإمام الباقر عليه السلام: “ان البشر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والنسب فاطمة، والصهر علي عليه السلام( )”، وهو من باب التطبيق والمثل الأسمى والأسوة الحسنة والتوكيد على عظيم منزلة أهل بيت النبوة.
وقال ابن سيرين: نزلت الآية في النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي زوج فاطمة وهو ابن عمه وزوج ابنته فكان نسباً وصهراً.
آية المودة
قال تعالى قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى.
وهذه الآية الكريمة وثيقة سماوية خالدة تؤكد ضـرورة ملازمة المودة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي بعثه الله عز وجل بشـيراً ونذيراً وهادياً من عنده وجاء حرف الجـر (في) لبيان محل المـودة وان المراد اهل البيت الذين يجـب ان يتوجه الحب لهم، ولا يخلو المقام من دعوة لتفضيل الإنسان لهم على خاصته وتقديم كل مسلم لهم على قرابته في الود والمحبة شكراً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته للإسلام وتحمل أعباء الرسالة، اذ انه لم يطلب من اسباب الدنيا شيئاً وانما سألهم ما فيه صلاحهم وهدية النفوس ومنعها من الزيغ.
وقد روى في أسباب نزول الآية وهي مدنية: “ان الأنصار قالوا فعلنا وفعلنا كأنهم افتخروا فقال العباس او ابن عباس لنا الفضل عليكم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتاهم في مجالسهم فقال: يا معشـر الأنصار ألم تكونوا أذلة فاعزكم الله بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: الم تكـونوا ضلالاً فهداكم الله بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أفلا تجيبوني؟ قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: الا تقولـون ألم يخـرجك قومـك فآويناك او لم يكذبوك فصدقناك أولم يخذلوك فنصرناك؟ قال: فما زال يقـول حتى جثوا على الركب، وقالوا: أموالنا وما في ايدينا لله ولرسوله فنزلت الآية( )”.
أي انها جاءت بياناً على ماهية الأجر على اداء وظائف النبوة وتوضيحاً لنوعه وتحديداً لمكانه ومنعاً للإجتــهاد في مــقابل النص، وزجراً عن الانصــياع للنفس الشهوية والغضبية، وقد اكدت السنة النبوية الشريفـة اهميـة هذه الـمــودة وما لها من عظــيم الشــأن في خواتيم الأعمال فقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: “من مات على حب آل محمد مات شهيداً، الا ومن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له، الا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الإيمان، الا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير، الا ومن مات على حب آل محمد يزف الى الجنة كما تزف العروس الى بيت زوجها، الا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان الى الجنة، الا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، الا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة الا ومن مــات على بغــض آل محمـد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله، الا ومن مات على بغض آل محمــد مــات كافراً، الا ومن مــات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة”.
إن الولاء لأهل البيت سبيل النجاة في الدارين، فالمحبة في المقام عنوان للهداية والمتابعة في المبدأ والمنهاج والإرتباط الروحي المتصل عبر العصور بالمحاكاة في العمل والمماثلة في الفعل العبادي والإلتزام باوامرهم في مرضاته تعالى كمدخل آمن الى الجنة.
هذا وقد ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن ابيه عن جابر بن عبد الله قال: “جاء اعرابي الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقــال: يـا رســول الله اعــرض عليّ الإســلام، فقال: تشــهد ان لا اله الا الله وحده لا شـريك له وان محمــداً عبده ورســوله، قال: تسـألني عليه اجــراً قــال: لا الا المــودة في القــربى قال: قــرباي او قــرباك، قال النبي صلى الله عليه وآله وســلم: قــربـاي، قال: هــات ابايعك فعــلى من لا يحبــك ولا يحــب قــرباك لعــنـــة الله، قال النبي صـــلى الله عليه وآله وســلم: آمين( )”.
وهذا الأجر والثواب ثمرة ومعلول ونتيجة وهو بذرة وعلة وسبب لآفاق عريضة في دروب الصلاح ومســالك النجاة، انه ســر من أســرار آل محمد التي لا يعرف الناس كنهها مع حاجتهم الى كل فــرد من أفــراد تلك المعــرفة وما في كل جــانب مــنه من افاضــات وعلوم، وما في الآية من بيان اجمالي دعوة للدراسة الموضوعية لشــعب تلك المودة وكيفيتها وصيغها، ومناسبة لإستنباط الدروس بما ينفع الأجيال المتعاقبة ويرسخ القواعد السليمة والأحكام التفصيلية لتلك المودة وذلك الأجر وما يتخللهما من مضامين الإستجابة وآداب الشكر.
وروي انها لما نزلت قيل: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم قال: علي وفاطمة وابناهما( )”، لتكون محبة الزهراء عليها السلام ودوام ودها واجلال مقامها امراً إلهياً يحمـل معه آيات من الثواب والأجر وصيانة الشريعة واحكامها بتنظيم توجهات القلب ونزعة العواطف وميل الأهواء ومنع العتو والجحود وبداياته النفسية لذا يقول الشيخ ابن عربي :
رأيــت ولائـــــي آل طـــــه فريضـــة
على رغم اهل البعد يورثني القربى
فما طلب المبعوث اجراً على الهدى
بتبليغه الا المودة في القربى( )

آية البحرين
قال تعالى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ.
روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في الآية قال: علي وفاطمة لا يبغي احدهما على صاحبه”، وعن ابن عباس: “ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهما، (واللؤلؤ والمرجان) الحسن والحسين عليهما السلام( ).
وقيل ان علياً شبه بالبحر لغزارة علمه وكذا شبهت فاطمة لغزارة علمها، والآية لها معان ووجوه متعددة، هذا التفسير من باب الحقيقة والمثل الأمثل والتطبيق.
فالزهراء وامير المؤمنين عليهما السلام لم يبغ احدهما على الآخر كان كل منهما المثل الأعلى في الإيمان والصبر، والنفع الى عامة الناس، ولقد توج زواجهما بولادة الحسنين لتشع منهما أنوار الهدى وضياء الإيمان.
وليحكي آية سماوية في انظمة الخلق وانتقال نور النبوة عبر الأصلاب والأرحام الطاهرة حتى كانت خاتمته عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليكون زواج امير المؤمنين وسيد الوصيين من بضعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيدة نساء العالمين حرز الدنيا وسر الخليقة وحضوراً دائماً للإمامة التي يكون وجودها اصلاً وجزءً اساسياً من مقومات الحياة على الأرض فضلاً عما فيها من اسباب النعيم، وفي صحيحة جميل قال: “قلت لأبي عبد الله عليه السلام ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ قال: تسأل هذه الأمة عما انعم الله عليها برسوله ثم بأهل بيته”.
وفي صحيحة ابن ابي عمير عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام قال: “نحن نعيم المؤمن وعلقم الكافر”، وعن الإمام الباقر والصادق عليهما السلام في معنى النعيم: “هو الأمن والصحة”.
النذر الخالد
قوله تعالى يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا.
الآيات مدنية وجاءت روايات عديدة ومن طــرق مختــلــفـة تؤكد كلها انها نزلت في فاطــمة وعلي والحســن والحســين عليهم السـلام لإيثار مرضاته تعالى على الضروري من حاجاتهم البدنية للطعام والغذاء.
فقد ورد عن ابن عباس ومجاهد وغيره في كتب التفسير واسباب النزول والحديث: “ان الحسن والحسين مرضا فعادهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ناس معه، فقالوا: يا ابا الحسن لو نذرت على ولـدك فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما: فقالوا: ان برئا مما بهما ان يصوموا ثلاثة ايام، فشفيا في وقت ليس فيه عند آل محمد شيء من طعام او مال، فاستقرض امير المؤمنين عليه السلام من شمعون الخيبري اليهودي ثلاثة اصوع( ) من شعير فطحنت منها الزهراء صاعاً وخبزته خمسة ارغفة لكل واحد منهم رغيف لافطاره وصلى الإمام علي صلاة المغرب في المسجد خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولما عاد ووضع الطعام بين ايديهم وارادوا ان يشرعوا بالإفطار وقف عليهم سـائل فقال: السـلام عليكم اهل محمد، مسكين من مســاكين المسلمين اطــعمونا يرحمكـم الله من موائد الجنة، فآثروه واعطى كل منهم طعامه له، وباتوا لم يذوقوا الا الماء واصبحوا صياماً للنذر الذي كان عليهم، فلما امســوا ووضعــوا الطعــام بين ايديهم متهيئين للإفطار أتاهم يتيم وسألهم القوت فتصدق كل منهم بقوته.
فلما كان اوان الإفطار من اليوم الثالث من صيامهم وقف عليهم اسير فاعطوه قوتهم ولم يذوقوا في الأيام الثلاثة الا الماء يفطرون به ويمسكون، وفي اليوم الرايع اخذ الإمام علي عليه السلام الحسن والحسين بيده فما رآهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد التصــق ظهرها ببطنهــا وغـارت عيناها فسـاءه ذلك، وفي رواية انــه صلى الله عليه وآله وسلم قال: واغــوثاه يا الله آل محمد يموتـــون جوعاً، فهبط جبرئيل وقال: خذها يا محمد هنأك الله في اهل بيتك فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: وما آخذ يا جبرائيل فاقرأه سورة هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ )( )”.
لقد كانت الآيات الشريفة آية في الإكرام ومدرسة لأولياء الله وبياناً لمسالك الإرتقاء في سبل اليقين، اراد الله عز وجل بها تشريف آل محمد وتوثيق جهادهم في سبيل الله وايثارهم غيرهم على انفسهم وخلو بيوتهم حتى من المؤونة اللازمة وفيه موعظة وعبرة لجميع المسلمين وبمختلف طبقاتهم.
وفي الآيات الأخرى من السورة إخبار عما أعد الله لهم من المنازل والمقام الكريم وليبقى باباً مفتوحاً لمن اقتدى باهل البيت وحاكى الزهراء عليها السلام في زهدها وصبرها وتقواها، ولقد خلد فعلهم العبادي هذا فقـد جاء خالصاً لوجه الله لقوله تعالى إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا.
ويلاحظ في وصف الجنة في تلك الآيات من سورة الدهر عدم ذكر الحور العين مع ذكر المعالم الأساسية لنعيمها وقيل ان عدم ذكرها جاء اكراماً للزهراء ولعظيم شأنها.
لقد أنعم الله عليهم بعد هذا الإبتلاء بالبشارة بحسن الجزاء فقال عز من قائل فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا.
والآية الكريمة شاهد حاضر دائم على ان اهل البيت هم النعيم لما تحملوه في سبيل الله سواء في ايام الدعوة والجهاد او في ايام الصبر والساعات المباركة لتلك الحياة التي تركت انواراً بهيجة تضيء للمؤمنين سبل الرشاد وتحثهم على تحمل المشاق في مرضاته تعالى.
وجاء في دلائل الإمامة عن الإمام الحسين عن أمه الزهراء عليها السلام انها قالت: (قال لي أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إياك والبخل فانه عاهة لا تكــون من كــريم، وإياك والبخل فانه شجرة في النار، واغصـانها في الدنيا فمن تعلق بغصن من اغصانها ادخله النار).
والبخل: الشح في الشيء وخلافه الجــود، وللبخل معنيان، ففي العرف منع السائل وقلة الكرم، وفي الشرع منع الواجب، ومعناه العام منع العطاء والشح بالعلم والنصيحة، واهل البيت عليهم السلام أئمة في الجود والكرم والخلق الحميد لملكة العصمة وتأديب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم منزهون عن وجـوه البخل والشــح مطلقاً، ولقد جادوا بأرواحهم الطاهرة في سبيل الله وشوقاً للقائه وتثبيتاً لأركان الاسلام في الارض.
وعملاً بأصالة الاطلاق في علم الأصول فان المراد من البخل المنهي عنه في الحديث هو المعنى الاعم الشامل لوجوه الشح والامساك في الميادين المختلفة وعلى كافة مراتبه، اذ انه من الكلي المشكك الذي له مراتب متعددة ومتفاوتة ولكنها تشترك بمعنى وموضوع واحد، ولقد أظهر أهل البيت أسمى آيات الكرم والجود، قربة الى الله عز وجل.
قانون إنفاق اهل البيت في الضراء
لقد ورد بخصوص أهل البيت قوله تعالى وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا لبيان أن الإسلام دين الرحمة المطلقة والرأفة بالناس عموماَ والمبادرة إلى قضاء الحاجات لعامة الناس والنسبة بينه وبين الإرهاب التضاد في المقدمات والسنخية والأثر فلا يجلب الرفعة والإحسان إلا الأمن والسلم والتراحم والثناء والأجر والثواب.
وقد ورد بطرق متعددة في تفسير أهل البيت العملي لهذه الآية منها عن (أبي صالح عن ابن عباس قال : أبو الحسن بن مهران وحدّثني محمد بن زكريا البصري قال : حدّثني سعيد بن واقد المزني قال : حدّثنا القاسم بن بهرام عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس في قول الله سبحانه وتعالى {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا}( ).
قال : مرض الحسن والحسين فعادهما جدّهما محمد رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم} ومعه أبو بكر وعمر وعادهما عامّة العرب فقالوا : يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذراً وكل نذر لا يكون له وفاء فليس بشيء.
فقال علي عليه السلام : إن برأ ولداي مما بهما صمتُ ثلاثة أيام شكراً.
وقالت فاطمة عليها السلام : إن برأ ولداي مما بهما صمت لله ثلاثة أيام شكراً ما لبس الغلامان العافية ، وليس عند آل محمد قليل ولا كثير .
فانطلق علي عليه السلام إلى شمعون بن جابا الخيبري ، وكان يهودياً فاستقرض منه ثلاثة أصوع من شعير، وفي حديث المزني عن ابن مهران الباهلي فانطلق إلى جار له من اليهود يعالج الصوف يقال له : شمعون بن جابا .
فقال : هل لك أن تعطيني جزّة من الصوف تغزلها لك بنت محمد {صلى الله عليه وآله وسلم} بثلاثة أصوع من الشعير قال : نعم ، فأعطاه فجاء بالسوق والشعير فأخبر فاطمة بذلك فقبلت وأطاعت.
قالوا : فقامت فاطمة عليها السلام إلى صاع فطحنته وأختبزت منه خمسة أقراص لكل واحد منهم قرصاً وصلى الإمام علي مع النبي (عليهما السلام) المغرب .
ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه إذ أتاهم مسكين فوقف بالباب فقال : السلام عليكم أهل بيت محمد ، مسكين من مساكين المسلمين ،
أطعموني أطعمكم من موائد الجنة ، فسمعه علي ح فأنشأ يقول :
فاطم ذات المجد واليقين
يا ابنة خير الناس أجمعين
أما ترين البائس المسكين
قد قام بالباب له حنين
يشكوا إلى الله ويستكين
يشكوا إلينا جائع حزين
كل امرء بكسبه رهين
وفاعل الخيرات يستبين
موعدنا جنة عليين
حرمها الله على الضنين
وللبخيل موقف مهين
تهوى به النار إلى سجين
شرابه الحميم والغسلين
من يفعل الخير يقم سمين
ويدخل الجنة أي حين
فأنشأت فاطمة :
أمرك عندي يا ابن عمّ طاعه
ما بي من لؤم ولا وضاعه
غذيت من خبز له صناعة
أطعمه ولا أبالي الساعه
أرجو إذ أشبعت ذا المجاعه
أن ألحق الأخيار والجماعه
وأدخل الخلد ولي شفاعه
قال : فأعطوه الطعام ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا شيئاً إلاّ الماء القراح،
فلمّا كان اليوم الثاني قامت فاطمة إلى صاع فطحنته فاختبزته وصلّى الإمام علي مع النبي(عليهما السلام).
ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه فأتاهم يتيم فوقف بالباب فقال : السلام عليكم أهل بيت محمد ، يتيم من أولاد المهاجرين ، استشهد والدي يوم العقبة،
أطعموني أطعمكم الله على موائد الجنة فسمعه الإمام علي فأخذ يقول :
فاطم بنت السيد الكريم
بنت نبي ليس بالزنيم
لقد أتى الله بذي اليتيم
من يرحم اليوم يكن رحيم
موعده في جنّة النعيم
قد حرّم الخلد على اللئيم
ألا يجوز الصراط المستقيم
يزل في النار إلى الجحيم
فأنشأت فاطمة :
أطعمه اليوم ولا أبالي
وأوثر الله على عيالي
أمسوا جياعاً وهم أشبالي
أصغرهم يقتل في القتال
بكربلا يقتل باغتيال
للقاتل الويل مع الوبال
تهوى به النار إلى سفال
وفي يديه الغل والأغلال
كبوله زادت على الأكبال.
قال : فأعطوه الطعام ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا شيئاً إلاّ الماء القراح ، فلمّا كان في اليوم الثالث قامت فاطمة عليها السلام إلى الصاع الباقي فطحنته واختبزته وصلى الإمام علي مع النبي (عليهما السلام) ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه إذ أتاهم أسير فوقف بالباب فقال : السلام عليكم أهل بيت محمد، تأسرونا (وتشدوننا) ولا تطعمونا، أطعموني فإني أسير محمد أطعمكم الله على موائد الجنة، فسمعه الإمام علي فأنشأ يقول :
فاطم يابنة النبي أحمد
بنت نبي سيد مسوّد
هذا أسير للنبي المهتد
مكبّلٌ في غلّه مقيّد
يشكو إلينا الجوع قد تمدد
من يطعم اليوم يجده من غد
عند العلي الواحد الموحّد
ما يزرع الزارع سوف يحصد
فأنشأت فاطمة تقول :
لم يبق مما جاء غير صاع
قد ذهبت كفي مع الذراع
ابناي والله من الجياع
يارب لا تتركهما ضياع
أبوهما للخير ذو اصطناع
يصطنع المعروف بابتداع
عبل الذراعين طويل الباع
وما على رأسي من قناع
إلاّ قناعاً نسجه انساع قال : فاعطوه الطعام ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا شيئاً إلاّ الماء القراح فلما أن كان في اليوم الرابع وقد قضوا نذرهم أخذ الإمام علي بيده اليمنى الإمام الحسن وبيده اليسرى الإمام الحسين , وأقبل نحو رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم} وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع فلمّا نضر به النبي (عليهم السلام) قال : يا أبا الحسن ما أشدّ ما يسؤني ما أرى بكم ، أنطلق إلى ابنتي فاطمة عليها السلام فانطلقوا إليها وهي في محرابها وقد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع وغارت عيناها،
فلما رأها النبي(عليه السلام) قال : واغوثاه بالله، أهل بيت محمد يموتون جوعاً فهبط جبرائيل(عليه السلام) فقال : يا محمد خذها، هنّأك الله في أهل بيتك قال : وما أخذنا يا جبرائيل فاقرأه {هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان} إلى قوله {وَلا شُكُورًا}( ) إلى آخر السورة.
قتادة بن مهران الباهلي في هذا الحديث : فوثب النبي(عليه السلام) حتى دخل على فاطمة عليها السلام فلما رأى مابهم انكب عليهم يبكي ,ثم قال : أنتم من منذ ثلاث فيما أرى وأنا غافل عنكم.
فهبط جبرائيل (عليه السلام) بهذه الآيات {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عيناً يشرب بها عباد الله يفجّرونها تفجيرا}( ) قال : هي عين في دار النبي (عليه السلام) تفجر إلى دور الأنبياء (عليهم السلام) والمؤمنين.) ( ).
ويدل قول الزهراء عليها السلام اصغرهم يقتل باغتيال عن علم الزهراء باستشهاد الحسين عليه السلام في أرض كربلاء وأنه يقتل في طلبه الحق والعصمة وان قاتله مخلد في النار .

قانون التضاد بين الإنفاق في السراء والضراء وبين الإرهاب
وفي الحديث مسائل :
الأولى : كانت الزهراء تعلم باستشهاد الحسين عليهم السلام في كربلاء باخبار من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : وجود جيران من اليهود للمسجد النبوي وبيوت النبي وأهل البيت حتى بعد صلح الحديبية وواقعة خيبر , إذ ولد الحسين عليه السلام في الثالث من شهر شعبان من السنة الرابعة للهجرة مما يدل على نزول هذه الآية في المدينة ونزلت آية وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا بالإضافة إلى ذكرها للأسير , ولم يكن عند المسلمين أسير إلا بعد معركة بدر وكثرة هجوم وغزو المشركين المدينة المنورة ووقوع الأسرى منهم في أيدي المسلمين , ومقابلتهم بالرأفة والإحسان في سجن إنما كانوا طلقاء في المدينة, وأسباب نزولها على عدم حجز الأسرى .
الثالثة : إنفاق أهل البيت عليهم السلام في حال الضراء والفاقة .
الرابعة : ترغيب أهل البيت عليهم السلام المسلمين بالإنفاق في الشدة والعسر , وكذا من باب الأولوية في حال السراء .
الخامسة : عناية المسلم بالإنفاق , صرف له عن الظلم والتعدي والإرهاب لقانون إقتران الرأفة والرحمة بالإنفاق .
السادسة : لقد كان المسلمون يظنون أنهم لا يؤجرون على إنفاق القليل فنزل قوله تعالى [فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه] ( ).
ليأتي إنفاق أهل البيت في الخبر في حال الصيام والنسك في الوفاء بالنذر والضيق والعسر ترجمة لهذه الآية , وبعث للمسلمين للإنفاق .
السابعة : هذا الإنفاق في سبيل الله وفيه تنمية لملكة الإيمان , وهو باعث للسكينة في النفوس , لذا نزلت الآيات بالأجر والثواب على الإنفاق بقصد القربة , قال تعالى مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.
وهل هذا الإطعام من مصاديق حديث الثقلين إذ ورد (عن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني تارك فيكم خليفتين : كتاب الله عز وجل حبل ممدود ما بين السماء والأرض ، وعترتي وأهل بيتي ، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض) ( ).
أم أن القدر المتيقن من الحديث هو ما بعد انتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى الجواب هو الأول لإرادة الإطلاق والإستصحاب , وكما يجب على المسلمين العمل بأحكام القرآن في حياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإنهم يتبعون أهل البيت في مرضاة الله عز وجل , ومنه إطلاق المودة في قوله تعالى [وَأَسِيرًا] ( ) على أمور :
الأول : إطعام اهل البيت للمشرك الحربي فلم يكن آنذاك من الأسرى إلا المشركين , كما في وقوع سبعين أسيراَ من قريش بيد المسلمين في معركة بدر .
نعم معركة بدر متقدمة زمان على زواج الإمام علي من الزهراء عليهما السلام في السنة الثانية للهجرة بعد معركة بدر وقبل معركة أحد , وكأنه مكافأة من الله عز وجل للإمام علي عليه السلام في جهاده وشجاعته وتضحيته يوم بدر .
الثاني : يدل إطعام أهل البيت للمشرك وأنه جزء من النذر وتقرير وإمضاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على وجوب الرأفة بالناس جميعاَ , وحرمة الإرهاب وقتل الأبرياء وسفك الدماء ومع شدة وطأة الفقر والفاقة , فإن الله عز وجل أمر المسلمين بالإنفاق على كل حال .
وعن (أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كاد الفقر أن يكون كفراً ، وكاد الحسد أن يغلب القدر) ( ).
الثالث : بيان صدق إيمان المسلمين بقهر الفقر بالإنفاق والصبر وأداء الصلاة ليكون من معاني قوله تعالى يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ .
عدم صيرورة الفقر سبباَ للسرقة والعدوان والإرهاب .
الرابع : وقد صدرت لنا في قانون لم يغزُ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أحداَ أجزاء متعددة من تفسير معالم الإيمان وهي :
الأول : الجزء التاسع والخمسون بعد المائة .
الثاني : الجزء الستون بعد المائة .
الثالث : الجزء الواحد والستون بعد المائة .
الرابع : الجزء الثالث والستون بعد المائة .
الخامس : الجزء الرابع والستون بعد المائة .
السادس : الجزء الخامس والستون بعد المائة .
السابع : الجزء السادس والستون بعد المائة .
الثامن : الجزء السابع والستون بعد المائة .
التاسع : الجزء التاسع والستون بعد المائة .
العاشر : الجزء الواحد والسبعون بعد المائة .
الحادي عشر : الجزء الثاني والسبعون بعد المائة .
الثاني عشر : الجزء الثالث والسبعون بعد المائة .
الثالث عشر : الجزء الخامس والسبعون بعد المائة .
الرابع عشر : الجزء السادس والسبعون بعد المائة .
الخامس عشر : الجزء السابع والسبعون بعد المائة .
السادس عشر : الجزء الثامن والسبعون بعد المائة .
السابع عشر : الجزء الثامن والسبعون بعد المائة .
الثامن عشر : الجزء الثاني والثمانون بعد المائة .
التاسع عشر : الجزء الخامس والثمانون بعد المائة .
العشرون : الجزء الثامن والثمانون بعد المائة .
الواحد والعشرون : الجزء الثاني والتسعون بعد المائة .
الثاني والعشرون : الجزء المائتان.
الثالث والعشرون : الجزء الثامن بعد المائتين.
الرابع والعشرون : الجزء الثاني عشر بعد المائتين.
الخامس والعشرون : الجزء الثامن عشر بعد المائتين.
السادس والعشرون : الجزء السادس والعشرون بعد المائتين.
السابع والعشرون : الجزء الثامن والعشرون بعد المائتين.
الثامن والعشرون : الجزء الثامن والثلاثون بعد المائتين.
الزهراء في السنة
قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رحمة لأهل الأرض انتفع من هذه الرحمة المسلمون من وجوه متعددة ، بلحاظ أنهم من أهل الأرض وعمارها ، وبالشهادتين وتحملهم أعباء مسؤولية الإلتزام بالأحكام الشرعية وفروع الدين والمحافظة على شعائر الله وتعاهدها .
وكل جيل منهم يؤدي وظائف عبادية ويكون وارثاً وموروثاً اجتهد في الحفاظ على كنوز الإسلام ومنها خزائن الحديث النبوي الشريف والسنة المباركة التي أنارت للمسلمين دروب الحياة وجددت لهم معالم مسالك النجاة وسبل الفوز فيها ، قال تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
فلا غرابة اذن ان يولي المسلمون السنة النبوية والحديث الشريف عناية كبيرة ويروا فيه اشراقات مباركة تحول دون الضياع والإرباك في السلوك وتساهم في بلورة الفكر السليم ازاء المسائل الشرعية والإجتماعية ونحوها، وتكون بياناً وتأويلاً وتفسيراً لايات القرآن الكريم ومصدراً ثانياً للتشريع.
أما بخصوص الأشخاص فان كلمة واحدة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقولها في مدح قوم او الثناء على شخص ما تكفي لحيازته معاني الشرف وعناوين العز المؤبد والعكس ايضاً قاعدة جارية بالضد من ذلك أي ان كلمة يطلقها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذم شخص تلحق به العار على مر العصور.
ولقد احتلت الزهراء عليها السلام موضعاً مباركاً من السنة القولية فكان ما يخصها من الحديث النبوي صفحة منيرة تملأ كل نفس مؤمنة فخراً وبهجة بالإضافة الى ما فيها من جوانب الحكمة والتربية والتأديب ففي كل حديث يخص الزهراء عليها السلام دروس رسالية تحث المؤمنين على التقوى والتمسك بعرى الإيمان.
إنها مناسبة مباركة لمعرفة سمو ورفعة منزلة الزهراء عليها السلام ووثيقـة نبوية خـالدة تشهــد بأهليتهــا واستحقاقهـا للسيادة على النساء .
وكما ورد في الحديث نزل القرآن (باياك اعني واسمعي ياجارة) أي ان الخطاب قد يكون موجهاً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن المقصــود به الأمة باجيالها المتعاقبة، أو للناس جميعا , أو يأتي الخطاب للنبي والمراد غيره كما في قوله تعالى [لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ] ( ).
إذ ينقسم الخطاب والأمر والنهي من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى أقسام :
الأول : الخطاب خاص والحكم خاص كما في قوله تعالى يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ.
الثاني : الخطاب خاص ، والحكم عام مثل يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ، ومنها فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.
المختار أن القسم الثاني أعلاه هو الأكثر وهو من أسرار بقاء أحكام آيات القرآن غضة طرية إلى يوم القيامة .
الثالث : الخطاب الجامع للخاص والعام .
وكذا بالنسبة للحديث النبوي فقد يكون موجهاً للزهراء عليها السلام وهو دعوة لأنصارها ومحبيها وكل من يقتفي أثرها المبارك ويكون حجة على من آذاها او ظلمها، ومن تلك الأحاديث الشريفة:
الأول : حديث البضعة – بفتح الباء -: روى بالإسناد عن سعد بن أبي وقاص قال: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: فاطمة بضعة مني، من سرها فقد سرني ومن ساءها فقد ساءني، فاطمة أعز الناس اليّ”، وفي رواية: اعز البرية عليّ.
والبضعة- بفتح الباء – القطعة من اللحم، والأذى: ايصال المكروه وما يغتم به، ورابني هذا الأمر: أي اساءني وازعجني، والريبة بالكسر الاسم من الريب وهو التهمة والظنة.
ويبعث الحديث السرور والبهجة في نفس الزهراء وذريتها والمسلمين جميعاً، ولا يتعلق موضوعه بايام حياة الزهراء بل هو متصل في الأزمان المتلاحقة سواء باظهار محبتها او باكرام ذريتها.
وورد بالإسناد عن المسور بن مخرمة انه قال : انه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: انما ابنتي بضعة مني يريبني ما ارابها، ويؤذيني ما آذاها( )، وفي حديث أخر بذات الإسناد (وإن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري)( )، وروى عن عبد الله بن الزبير نحوه.
وحديث (فاطمة بضعة مني) حديث مستفيض مشهور ومروي عند جميع المسلمين بطرق مختلفة.
ويظهر الحديث ما للزهراء من عظيم المنزلة فهي فرع النبوة كما يتعدى الأمر موضوع النسب والبنوة ليتصل بابواب العلم ومناهل الإستنباط، فما ورد في حديث الحجاب يؤكد جانباً منه، “وعندما سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم اصحابه عما هو خير للمرأة لم يجبه احد واخبر امير المؤمنين عليه السلام الزهراء بذلك، فقالت: فهلا قلت له خير لهن ان لا يرين الرجال ولا يرونهن، فرجع فاخبره بذلك، فقال: من علمك هذا؟ قال: فاطمة، قال: انها بضعة مني”( ).
فهذا التعليل يفيد الزهراء شعبة من شعب النبوة وفرع الرسالة وانها تمتلك شطراً مما افاء الله به على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ابواب العلم المختلفة وان لها مقاماً سامياً في ميادين المعرفة وسنن الشريعة يبعث الفخر في نفوس المسلمات وفيه شاهد بأنها رائدة عالم المرأة والنموذج الأمثل والمبارك لجنس النساء.
وثناء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على فاطمة الزهراء دعوة للمسلمين جميعاً في اكرام النبي صلى الله عليه وآله وسلم لشخص الزهراء ورعاية حرمتها باجتناب ايذائها وتوجيه الإنذار لكل من تراوده نفســه وتحدثه بالتعرض لما لها من الحقوق على عامة المســلمين، وفيه تخويف من غضب الرحمن لأن ايذاها ايذاء وغم مستحدث للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا.
ان قوله صلى الله عليه وآله وسلم: “ويريبني ما ارابها” تأديب بلغة الإنذار والوعيد والتحذير للنهي عن كل ما من شأنه ان يغيض الزهراء عليها السلام او يسبب لها حزناً ونوعاً من الإساءة، واطلاق الحديث يشمل الإيذاء غير المباشر واسباب الظنة والتهمة وان كانت لا ترقى الى منزلة الإيذاء الفعلي الخارجي ولكنها قد تكون مقدمة له او سبباً من اسبابه، ولعظيم منزلة الزهراء وقرب مقامها من النبوة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم ورأفة بالمسلمين جاء الحديث الشريف ليجتنب المسلمون ايذاء الزهراء ويحرصوا على المبالغة في إكرامها وإجلالها ويدركوا وظيفتهم ومسؤوليتهم الشرعية ازاءها وما ينبغي من اكرامها في ذريتها الطاهرة ونسلها المبارك الذي يبعث كل فرد منه وفي كل زمان اضواء قدسية تشع بالإيمـان وتدعــو الى الهداية وتذكــر بالرســالة وايامها، وربما كان جزءاً من علة ما ورد في استحباب النظر الى الذرية الطاهرة، لأنها فرع الرسالة.
بالإسناد عن الحسين بن خالد عن الإمام الرضا عليه السلام قال: “النظر الى ذريتنا عبادة، قلت: النظر الى الأئمة منكم او النظر الى ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: بل النظر الى جميع ذرية النبي عبادة ما لم يفارقوا منهاجه ولم يتلوثوا بالمعاصي( )”.
وفي التاريخ الإسلامي شواهد كثيرة تجسد عناية ومودة رجال الإسلام وعامتهم بالذرية الطاهرة وحرصهم على اكرامهم وتلمس البركة والأجر في اعانتهم والسعي في مسائلهم وحوائجهم.
جاء في الخبر: “ان عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسـن السـبط دخل على عمـر بن عبد العزيز فرفــع محله واكرمه وقضـى حوائجــه، ولما سـئل عن سبب اكرامه وتعظيمه له اجاب: لقد حدثني الثقة كأني اسمع ذلك من فم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: فاطمة بضـعة مني يسرني ما يسرها ويغضبــني ما يغضــبها، وعبد الله هذا بضعة من فاطمة بضــعة رسول الله( ).
الثاني : حديث الغضب: اخرج ابن ابي عاصم عن عبد الله بن عمرو بن سالـم المفلــوج بسنــد عن اهـل البيت عن علي ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لفاطمة: ان الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك( ).
وعن علي بن الحســين عن ابيه عن علــي: “قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة: ان الله يرضى لرضاك ويغضب لغضبك( )”.
وغضب الله عز وجل سخطه وارادة الإنتقام ممن عصى امره تعالى، وعقابه للذين لا يطيعونه، والغضب من صفات الفعل وليس من صفات الذات( )، وقد ورد في الحديث القدسي: “سبقت رحمتي غضبي”( )، والغضب أشد من اللعنة.
أما الغضب عند الناس فهو الإنتقال الى حال الإنفعال وغليان دم القلب وقد يكون مقدمــة للإنتقـام وهو على شعبتين، فمنه ما هو محمود وهو ما كان نصرة للدين واستنكاراً لمنكر واستهجاناً لمأثم، ومنه ما كان مذموماً وهو ما كان خلافه او بسبب هيجــان العاطفـة وارادة الإنتقام للدنيا، ونقيض الغضــب الرضا وهو القبـول ومدخل الإنعام وأثر الملائمة من الإستحسان، ورضــا الله عز وجــل ثوابه ونــزول رحمته لأنه سبــحانه لا ينتقل من حــال الى حـال فالتغـير والحاجــة الى المحــل من صفات المخلوق.
الحديث الشريف أعلاه مكرمة خاصة للزهراء عليها السلام ويجسد قدسية نفسها الطاهرة وانقطاعها الى الله تعالى بروح القدس، وانها بلغت مراتب اليقين وامتلأت جوانحها بالإيمان، وفيه إخبار بان محبته تعالى سرت في دمها وجوارحها وتحصنت بالورع واكتنزت بالعلم والمعرفة الإلهية وأحرزت ملكــة العصمة، وملأت اركانها اسرار الحكمة وكانت سيرتها عنواناً لعقيدة الإيمان وسنن الإسلام وما فيه رضا الله عز وجل.
ولا ينفصل الحديث عن آية التطهير في تفسيرها وتأويلها واحكام تطبيقها والله يرزق من يشاء بغير حساب.
ومما نقل في المقام ما روى بالإســناد عن الإمــام جعــفـر الصادق عليه السلام بالإســـناد عن ابيه عن علي بن الحســين عن الحسين بن علي عن علي بن ابي طالب عليه السلام عن رســول الله صــلى الله عليه وآله وسـلم انه قال: “يا فاطمة ان الله ليغضب لغضبك ويرضى لرضاك”.
وجاء صندل للإمام جعفر الصادق عليه السلام فقال له: “يا ابا عبد الله ان هؤلاء الشباب يجيئونا عنك باحاديث منكرة، فقال له ابو عبد الله: وما ذاك يا صندل؟ قال: جاؤنا عنك انك حدثتهم ان الله ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها، قال له الإمام جعفر الصادق عليه السلام: يا صندل ألستم رويتم فيما تروون ان الله ليغضب لغضب عبده المؤمـن ويرضى لرضاه قال: بلى.
قال: فما تنكرون ان تكون فاطمة مؤمنة يغضب الله لغضبها ويرضى لرضاها، فقال له صندل: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ )( )”.
إنه برهان وقياس مؤلف من يقينيات انتج يقيناً بذات القياس إضطراراً لظهور النتيجة ولإستحالة تخلف المعلول عن علته.
وهو قياس منطقي مؤلف من قضايا مباركة، ففيه مقدمتان وحدود ونتيجة تكون حجة دامغة وبياناً كريماً، اذ ان الكلي الطبيعي لا يتحقق وجوده في الخارج الا بوجود افراده، فالزهراء عليها السلام الفرد الأمثل في الجنس الإيماني المتميز بالفصل والماهية الخاصـة برداء العصـمة الذي يؤهلها للأولوية والإستحقاق الثابت وشمولها بعمومات هذا الحديث.
وروي الحديث بلسان فاطمة عليها السلام ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرن رضاه برضاها، وان رضاها مشتق من رضاه وسخطها فرع من سخطه فقد ذكر انها قالت لأبي بكر وعمر: “نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول رضى فاطمة من رضاي وسخطها من سخطي فمن أحب ابنتي فاطمة فقـد احبني ومن ارضـى فاطمة فقد أرضاني ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني، قالا: نعم سمعناه من رسول الله”.
لقد كانت الزهراء عليها السلام تدرك اشتقاق علمها من علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويعكس هذا الحديث وجهاً من وجوه الحديث السابق وهو حديث البضعة، وتسليم الصحــابة بمضامينه الرسالية مضــافاً الى سيرة الزهــراء عليها الســلام التي تؤكــد اهليتها لذلك المقـام الرفيـــع وما انعم الله على جميع المسلمين لما نالته من التوفيق لهذه المســـؤولية العامة، ويمكن اعتباره شهادة فخر تتيح لعموم النساء الإستنباط منها لما يعـلي شأنهن ويؤكد قدرتهن على الإرتقاء في سبل الحياة المختلفة ودروب الجهاد والبناء.
وهو مناسبة وفرصة لكل المسلمين لنيل رضا الله تعالى ورضا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالسعي فيما يرضي الزهراء سواء باتباعها في سيرتها والتزام النساء باحكام الدين والحجاب، او الإحسان الى اولادها، وقد افتى بعض متأخري المتأخرين بكراهة الجمع بين فاطميتين تنسبان الى الزهراء عليها السلام من طرف الأبوين او الأب فقط لما رواه الصدوق باسناده (عن ابن حماد قال: “سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: لا يحل لأحد ان يجمع بين اثنتين من ولد فاطمة عليها السلام ان ذلك يبلغها فيشق عليها، قلت: يبلغها قال: أي والله)( )”.
ولكن المشقة اعم من الأذى ونشر الحرمة، فقد يرى الإنسان ما يشق عليه ولكنه لا يتأذى منه- والمشقة لغة الشدة والصعوبة وعدم السهولة، والمشــقة لا تــوجب البطلان ولا تصلح الرواية لتقييد اطلاقات النكاح وعمومـاته خاصـة مع كون الإجماع بخلافه، والمشهور اعرض عن هذه الرواية وليس من قدماء الفقهاء او متأخريهم من ذكر المسألة في المحرمات بل ولا المكروهات ايضاً فالأقوى الجواز، والكراهة على فرض وجودها تكليفية، والحديث يظهر بمفهومه تعلق رضا الزهراء عليها السلام برضا ابنائها، وان البر والإحسان مع ابنائها يسرها ويرضيها وفيه رضا لله عز وجل ورسوله وان وجود ذريتها بين ظهرانينا فرصة لنيل مودتها والتقرب الى رحمة الله.
ويستلزم الأمر اجتناب ايذائها بقصد الإساءة الى ابنائها وظلمهم، بالإسناد عن الزهري وابن ابي مليكة والمسور بن مخرمة: “ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: انما فاطمة شجنة مني يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها”.
ومما تذكر به أيام عمر بن عبد العزيز إظهاره الحرص على انصاف أولاد فاطمة عليها السلام، وقد روى ان سهل بن عبد الله جاءه فقال: “ان قومك يقولون انك تؤثر عليهم ولد فاطمة، فقال عمر بن عبد العزيز: سمعت الثقة من الصحابة ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: فاطمة بضعة مني يرضيني ما ارضاها ويسخطني ما اسخطها فوالله اني لحقيق ان اطلب رضا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورضاها في رضا ولدها وقد علموا ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسره مسرتها( )”.
الثالث : حديث السفر: يحكي هذا الحديث اكرام النبي صلى الله عليه وآله وسلم للزهراء وحرصه الدائم على تعظيمها واجلال شأنها وما لها من منزلة كريمة ومقام سامي عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي النظام الإجتماعي العام المسلمين، وجاءت أحاديث متواترة من طرق المسلمين المختلفة تفيد ان النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم كان اذا سافر يجعل آخر عهده ببيت فاطمة عليها السلام واذا قدم من سفر جعل اول الناس به عهداً بيت فاطمة).
و(كان يمر ببيت فاطمة وعلي عليهما السلام فيقول : السلام عليكم أهل البيت إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ))( ).
انه درس من السيرة النبوية الشريفة في تعظيم الزهراء عليها السلام وباب تعليم للمسلمين بضرورة اكرامها وتفضيلها ورعاية حرمتها وتقديم مودتها ان مجيء النبي صلى الله عليه وآله وسلم للزهراء عليها السلام اول قدومه من السفر والغزو قبل دخوله بيوت امهات المؤمنين ذو مدلولات كثيرة، فقد روي بالإسناد عن ابي ثعلبة الخشني قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اذا قدم من غزو او سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم يأتي فاطمة ثم يأتي ازواجه …” وذكر تمام الحديث( ).
لقد تظافرت الأحاديث على هذا التقديم والعناية الخاصة بالزهراء من لدن النبي الإكرم صلى الله عليه وآله وسلم ليتأسى الصحابة ومن خلفهم عموم المسلمين بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في اكرامه للزهراء عليها السلام فيتبارون في السعي في وجوه رضاها، ويتوخون الحيطة والحذر من الأبواب التي تســبب في ايذائـها، وسيبقى هذا الإكرام الخاص للزهراء عليها السلام باباً واسعاً للفخر والإعتزاز وسبيلاً لليقين برفعتها في منازل التقوى ومناسبة لإستنباط الدروس والعبر وحجة في المقام ووثيقة يســتديم معـها تفضيل الزهراء عليها السلام وتنزيهها.
وهذا التفضيل والتشريف المبارك مدخلاً للحكمة والتأديب والتوكيد على خلق آل محمد عليهم السلام وسجاياهم الراسخة في المثل العليا.
زهد أهل البيت
روى ابو داود باسناده عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اذا سافر كان آخر عهده بانسان من اهله فاطمة، واول من يدخل عليها اذا قدم فاطمة، فقدم من غزاة له وقد علقت مسحاً او ستراً على بابها، وحلت الحسن والحسين قلبين من فضة.
فقدم فلم يدخل، فظننا ان ما منعه ان يدخل ما رأى، فهتكت الستر وفككت القلبين عن الصبيين وقطعته بينهما، فانطلقا الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهما يبكيان فاخذه منهما وقال يا ثوبان، اذهب بهذا الى آل فلان – اهل بيت بالمدينة- ان هؤلاء اهل بيتي اكره ان يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، يا ثوبان اشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج( )”.
وفي رواية البحار: “انه بعثت الزهراء عليها السلام بالستر الى ابيها وقالت: اجعل هذا في سبيل الله، فلما اتاه قال صلى الله عليه وآله وسلم: قد فعلت فداها ابوها ثلاث مرات، ما لآل محمد وللدنيا فانهم خلقوا للآخرة وخلقت الدنيا لهم”( ).
ومن مدلولات هذا التكريم للزهراء عليها السـلام من قبــل النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه درس في ضرورة اعراض اهل البيت عليهم السلام عن زينة الدنيا وزخارفها كي لا يهتموا الا بوجوه العبادة وأداء الفرائض.
وفيه بيان لتأديب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأهل البيت الركن والثقل الثاني لما تركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأمة، انه صفحة مشرقة تجسد ما للزهراء من الرفعة في منازل الإيمان وما لها من الشأن والمنزلة الخاصة في صرح بناء الإسلام، فهي أمة في الخير ومرآة النبوة ورائدة الصلاح والوعاء القدسي الطاهر للإمامة.
ويعكس الحديث المقام السامي لنفس الزهراء عليها السلام وامتلاءها بالحكمة والفطنة والمعرفة واستعدادها للتخلي عن الرغائب ومظاهر البهجة مطلقاً وحرصها الدائم على التزام طاعة الله ورسوله والإستعداد التام للآخرة.
وفي الحديث دروس الى المسلمين عامة واهل البيت خاصة وفيه تنبيه للمسلمين جميعـاً بالتدبــر في عظمــة منزلة الزهــراء عليها الســلام في التأريخ الإسلامي والإلتفات الى اجتناب مايكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه موعظة لذرية الزهراء عليها السـلام وابنائها عبر القرون لنزع رداء الدنيا والزهد في متاعها وعدم الإنقيـاد للذاتها واسباب الفتنة فيها قال تعالىوَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
تعاهد مقام الأسوة
يحرص أهل البيت على ترك ما يكره النبي لمقامات الإمامة والأسوة للناس، ففي التزامهم باحكامهم الهداية وتقيدهــم بآداب الرشاد صــلاح للأمة وتعاهــد لأحكام الشــريعة يصــلح موضـوعاً للإقتداء به ومنهــلاً مباركاً لعموم المسلمين على اختلاف اصول انسابهم ومشاربهم لما جعله الله عز وجل من محبة اهل البيت ومحاكاتهم في الخيرات في نفوس المسلمين تكوينياً في طينتهم واصل خلقتهم رحمة من الله تعالى او اكتساباً وتعلماً من القـرآن والسنة والسيرة والوجدان ومن خلاله يمكن تلمس المنافع الكثيرة التي يحصل عليها المسلمون باكرامهم واتباعهم لأهل البيت، أي ان اكرام الذرية الطاهرة امر يحتاجه كل مسلم وهو ضياء ينير له دروب النجاة والفوز.
ويوحي هذا الحديث بان الإنتساب للزهراء عليها السلام مدخل لترك زينــة الدنيا وعدم اتبـاع الهــوى ومقاومــة النفــس في رغباتها ليكون سبيلاً لترسبخ دعائم الدين في بناء المجتمــعات وبـاباً لمحاكاة الزهراء عليها السلام في جانب من جوانب سيرتها المباركة، ففي الحديث: “اعلى درجات الزهد ادنى درجات الورع، واعلى درجات الورع ادنى درجات اليقين، واعلى درجات اليقين ادنى درجات الرضا( )”.
هذا وقد تـقــدم في أســماء الزهـراء عليها السلام الراضية والمرضية.
الرابع : حديث الجَفنةَ( ):
بفتح الجيم- بالإسناد عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم اقام اياماً لم يطعم طعاماً حتى شق ذلك عليه وطاف في منازل ازواجه، فلم يصب عند واحدة منهم شــيئاً.
أتى فاطمة فقال: يا بنية هل عندك شيء آكله فاني جائع .
فقالت: لا يا رسول الله فلما خرج من عندها بعثت اليها جارة لها برغيفين وقطــعة لحــم فاخــذته منها فوضعته في جفنـة لها وغطت عليها.
وقالت: لأوثرن بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على نفسي ومن عندي ، وكانوا جميعاً محتاجين الى شبعة طعام.
فبعثـت حسناً وحسيناً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرجع اليها .
فقالت : بأبي وأمي قد أتانا الله بشيء فخبأته، قال: هلمي .
فأتته فكشــفت عن الجفـنة فاذا هي مملوءة خبزاً ولحماً فلما نظرت اليها بهتت ، فعرفت انها كرامة من الله تعالى فحمدت الله وصلّت على نبيه، فقال: من اين لك هذا يا بنية .
فقالت : هو من عند الله ان الله يرزق من يشــاء بغير حساب.
فحمد الله تعالى وقال: الحمـد لله الذي جعلك شبــيهة بســيدة نساء العالمين في نساء بني اسرائيل في وقتهم كانت اذا رزقها الله تعالى فســئلت عنه قالت هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى علي عليه السلام ثم أكل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين وجميع ازواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته جميعاً وشبعوا وبقيت الجفنة كما هي .
قالت فاطمة : فاوسعت منها على جميع جيراني وجعل الله فيها البركة والخير كما فعل الله بمريم عليها السلام( ).
وروى الزمخشري قريباً منه في تفسير الآية السابعة والثلاثين من سورة آل عمران( ).
مسائل في حديث الجفنة
وفي هذا الحديث آيات مشرقة ومسائل ودروس في السيرة منها:
الأولى : ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي يواصل وظائف النبوة واعباء الرسـالة الكبيرة ذات الأبعاد والمضــامين المتعـددة والمتشعبة قد يطوي عدة ليالي متتالية من غير ان يذوق الطعام جهاداً في طاعة الله تعالى وصبراً في دروب العبادة وانقطاعاً الى الله تعالى وعبرة للصحابة والمسلمين من خلفهم بعدم الإنشغال في الدنيا وحاجتها والنفس ومتطلبات الغرائز والبدن.
نعم يمكن التوقف عند حقيقة مفادها: “ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصوم الوصال فقيل له في ذلك فقال: :اني لست كأحدكم اني اظل عند ربي فيطعمني ويسقيني.
انه من مختصات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولتعلق روحه بالملأ الأعلى لذلك فقد نهى صلى الله عليه وآله وسلم عن صوم الوصال( ).
ولكن هذا الإطــعام قد لا يتعــدى ايام الصــيام تلك في احيان كثيرة ولعل جنسه متوجه الى الروح بفيض ملكــوتي كما ان موضوعه اجنبي عن المقام.
الثانية : عندما طاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ازواجه واستدار على حجراتهن لم يجد عندهن طعاماً يأكله فماذا يعني هذا؟ انه بيان لحالة الكفاف والإفتقار الى الزاد وما يفضل عن المؤونة بين الحين والآخر وهو من أسمى مراتب الزهد .
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا صلى أحدكم المكتوبة وخرج من المسجد فليقف بباب المسجد ثم ليقل: اللهم دعوتني فأجبت دعوتك وصليت مكتوبتك وانتشرت في أرضك كما أمرتني فأسألك من فضلك العمل بطاعتك واجتناب سخطك والكفاف من الرزق برحمتك)( ).
الثالثة : المنزلة الســامية للزهراء عليها الســلام في المجتمع والتي تظهر بما يبديه الجيران من الحرص على اكرامها وقصد تفقد احوالها الذي يدل على رضاهم وتأثرهم بسيرتها وحسن صلاتها عليها السلام معهم.
وقد تقدم ان الزهراء وحتى ايامها الأخيرة كانت تقدم المؤمنين على نفسها في الدعاء والمسألة الى الباري عز وجل وتقول تعليلاً وتقريباً وما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم”الجار قبل الدار”( ).
الرابعة : إيثار الزهراء عليها السلام النبي على نفسها وتقديمه وتفضيله في جميع الأحوال بما في ذلك المنافع الخاصة وهذا امر نابع من عقيدة الزهراء عليها السلام ورسوخ حقيقة عقائدية واخلاقية في لزوم تقديم وتفضيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وايمانها المطلق برسالة ابيها .
فلم تقدم ولديها اللذين كانا حاضرين ساعة وصول هذا الطعام مع ما يشعران به من الجوع وضعف المقاومة لآثاره، بل وبادرت إلى إرسالها خلف النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم مستبشرة وفيه موعظة ورشحة من مصاديق قوله تعالىالنَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
الخامسة : قيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإستجابة تلبية لدعوة الزهراء عليها السلام وعدم التردد فيها مع عظيم مسؤولياته.
السادسة : ادراك الجميع كرامة الزهراء عليها السلام وتجلي أسباب اكرامها ومعرفة نساء النبي لأفضلية الزهراء عليها السلام وجانب من اسرار اكرام النبي صلى الله عليه وآله وسلم لإبنته.
السابعة : مضاعفة مقدار ما في الجفـنة من اللحم والخـبز في آية من الله تعالى وفضل منه تعالى على الزهراء عليها السلام خاصة وحجة تؤكد عظيم مقامها.
الثامنة : التجاء الزهراء الى الحمد والثناء على الله سبحانه حالما رأت فضل الله تعالى واقرارها بنعمه واحسانه، لذا نعتها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشبيهة مريم عليها السلام أي لما خصها الله عز وجل به من الكرامة الجليلة وما قابلت به تلك النعمة والفضل بالتسليم بانه من عند الله عز وجل.
التاسعة : الفخر والإعتزاز لشهادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بوقوفها في نفس مقام مريم من التكرمة من عند الله مما يناله خاصة الأولياء وان لم يكونوا انبياء، والآية الكريمة التي يشير اليها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم هي قوله تعالى كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ .
وفي الآية قيل : ان زكريا كان يجد عند مريم فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف”، وهو المروي عن الإمام الصادق عليه السلام وابن عباس ومجاهد وقتادة وابن إسحق( ).
العاشرة : ان بلوغ فاطمة الزهراء عليها السلام درجة الشــبه والمماثـلة مع مريم عليها السلام لا يعني بالضرورة وقوف الزهراء عليها السلام عندها فهي بضعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة وان ايام عمــرها وجهادها المتصل وورعها وتقواها الى ما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورفقتها لأمير المؤمنين مناسبة للإرتقاء في مراتب التفضيل، والتشــابه في الموضوع والواقعــة لا يمنع من تفضــيل الزهراء عليها السلام لما فيه من صبغة الإعجاز ولوجوه أخرى من أبواب التقديم والفضل والسيادة خاصة مع وجود النصوص الدالة على مثل هذا التفضيل.
الحادية عشرة : بلوغ أهل البيت وجميع أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حالة الشبع والإكتفاء بهذه المكرمة وهو دليل على ان الله عز وجل لن يضيع أهل البيت وهو الكفيل بسد حاجاتهم وبآيات الحكمة والعبرة والموعظة.
الثانية عشرة : مع فضل الله تعالى بملأ الجفنة بالخبز واللحم فانه تعالى جعل فيها النماء والزيادة والبركة وتلك منّة اضافية.
النبوة والكفاف
ومن معاني الكفاف من الرزق توفير خصوص الحاجة في المأكل والملبس ونحوه ومثل (الكفاف من الرزق شبع يوم وجوع يوم)( ) وهو بعيد .
(الكفاف من الرزق قدر القوت و هو ما كف عن الناس أي أغنى)( ).
وفي طواف النبي على منازل ازواجه سائلاً الطعام ومظهراً للجوع مسائل:
الأولى : إنه موعظة لهن ، قال تعالى النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ.
الثانية : خير مواساة .
الثالثة : لطف واعتذار .
الرابعة : إنه دعوة للصبر والرضا .
الخامسة : الشهادة لأزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر والرضا بحال الزهد في بيت النبوة .
وتوكيد لإلتفاته صلى الله عليه وآله وسلم للواقع المعاشي الجهادي اليومي لبيت النبوة وافراده.
وهو إشارة لضرورة القبول بوظائف بيت النبوة ودعوة لتحملهن أعباء المسؤولية والرضا بهذا التجرد عن الدنيا وزينتها من مقام الزعامة الدينية والإجتماعية والرياسة العامة وهو امتحان ليس باليسير خاصة بالنسبة للمرأة ولهذه الأسباب ترى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يذهب الى بيت فاطمة عليها السلام الا بعد طوافه على جميع منازل ازواجه.
لتكون آية الجفنة عند الزهراء شاهداً على عظيم منزلة الزهراء عليها السلام ، ولزوم إكرامهن لها ، وبيان رحمة الله عز وجل بأهل البيت .
العناية بالجار
لقد أولى الإسلام بالجار وحسن معاشرته موضوعية في الواقع اليومي ، ومن غير تقييد بملة أو مذهب الجار .
(قال المجاشعي : وحدثناه الرضا علي بن موسى ، عن أبيه موسى ، عن أبيه أبي عبد الله جعفر بن محمد، عن آبائه، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام : قال قيل يا نبي الله، أ في المال حق سوى الزكاة قال نعم، بر الرحم إذا أدبرت، و صلة الجار المسلم، فما أقر بي من بات شبعان وجاره المسلم جائع. ثم قال ما زال جبرئيل عليه السلام يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)( ).
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (من آذى جاره حرم الله عليه ريح الجنة، ومأواه جهنم وبئس المصير، ومن ضيع حق جاره فليس منا، وما زال جبرئيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)( ).
لقد ذكرت الزهراء عليها السلام الجيران باطعامهم من الجفنة التي أطعمهما الله جميعاً أي انها حريصة على دوام صــلات الود مع كل جــار ومــد جســور الإحسـان مــع كل بيت من بيوتهم وإكرامهــم عمــلاً منها بآيــات القرآن الكريم قال تعالى وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ والتزاماً باقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته الكريمة وورد عنه انه قال : ما زال جبرئيل يوصيني بالجار حتى ظننت انه سيورثه( ).
ترى كم دار من الجيران وصـلت اليهم افاضــات هذه النعــمة ونالوا مــن تلك المكـرمة واكلوا من ذلك الطعام المبارك ذي التركــيبة الســماوية الخاصــة والســنخ القدســي والمصــدر الملكوتي.
والجيران جمع جار وهو لغة الملاصق في السكن من الجور أي الميل لأن ظل بيته يميل على بيتك وقد يراد معنى الإجارة والألفة، والجار شرعاً هو ما وردت الإشارة اليه فيما رواه الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : كل اربعين داراً جيران بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله.
وروي قريب منه عن عائشة مرفوعاً بالاضافة الى قول الزهراء عليها السلام (فاوسعت منها على جميع جيراني).
كما في نص الحديث وفيه تأكيد لنوع المكرمة ومعرفة الزهراء عليها السلام بالمفهوم الشرعي لإصطلاح الجيران وما اتصف به آل محمد من الكرم والسخاء وكثرة العطاء والرأفة بالناس وشمول الإطعام لعموم الجيران ومطلق البيوت القريبة من بيت الزهراء عليها السلام.
دار الامتحان
لقد قدّر الله الرزق على شــطر من اولــيائه وحــتى عــلى نفر من الأنبياء مع عظـــيم منزلتهــم عنـد الله عز وجل وكرامتهم عنده لحكمة جارية في الخلق ولتأديبهم في الإســتغناء عن الدنيا واعراضهم عنها واصــلاحهم لعــدم جعلها غـــاية في عملهم .
وفيه مسائل :
الأولى : جزء من اعدادهــم للرســـالة.
الثانية : بلوغ منازل الكــمالات النفسـانية .
الثالثة : إنه الإرتقاء الروحي وقبول الوحي وتلقي الآيات .
الرابعة : فيه اقتراب من حضرة الجلالة .
الخامسة : إنه مدرسة في الموعظة والإعتبار.
السادسة : تأسي واقتداء الناس بهم ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا، في باب الصبر والدعاء ورجاء فضل الله.
وفي يونس بن متى ورد قوله تعالىفَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عليه، فقد دعا يونس على قومه لإعراضهم عن دعوته للإيمان، وظن انه مستثنى من العذاب والبلاء الذي يصيبه بلحاظ التباين الموضوعي بينه وبينهم فضيق عليه في بطن الحوت ، وبقي لم يغادر منازل التسبيح وكانت العاقبة البهيجة في قوله تعالى فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ.
إن ما تعرض له أهل بيت النبوة من الإبتلاء مدرسة لأجيال المسلمين ليستنبطوا منه وجوه الحكمة وابواب الموعظة وليكون عوناً لهم على مواجهة مشاق الدنيا وعدم الجري وراء زينتها او السعي المرهق للجمع من متاعها وليرتقي المؤمن الى درجة الرضا بالقليل ويستغني باليسير على العبادة .
روي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: “عرض عليّ ربي ان يجعل لي بطحاء مكة ذهباً، فقلت: لا يا رب، ولكن اشبع يوماً واجوع يوماً فاذا جعت تضرعت اليك وذكرتك واذا شبعت شكرتك وحمدتك( ).
رواية أخرى لحديث الجفنة
روي حديث الجفنة بصيغة اخرى فيها تفصيل مبارك يساهم في ظهور الدلالة في المتن فقد ورد عن ابي سعيد الخدري وهل هو من المتحد أم المتعدد انه قال: “قال علي ذات يوم: يا فاطمة هل عندك من شيء تغذينه .
قالت: لا والذي اكرم ابي بالنبوة ما اصبح عندي شيء اغذيكه ولا اكلنا بعدك شيئاً، ولا كان لنا شيء بعدك منذ يومين أوثرك به على بطني وعلى ابني هاذين .
قال علي: يا فاطمة الا اعلمتيني حتى ابغيكم شيئاً، قالت: اني استحي من الله ان اكلفك ما لا تقدر عليه، فخرج من عندها واثقاً بالله حسن الظن به .
فاستقرض ديناراً فبينما الدينار في يده اراد ان يبتاع لهم ما يصلح لهم اذ عرض عليه المقداد في يوم شــديد الحــر قد حولته الشمـس من فوق وآذته من تحته فلما رآه انكره .
فقال: يا مقداد ما ازعجك من رحلك هذه الســاعة؟ قال: يا ابا الحســن خل سبيلي ولا تسألني عما ورائي .
فقال : يا ابن أخي انه لا يحل لك ان تكتمني حالك .
قال : اما اذا أبيت فو الذي اكـرم محمداً بالنبوة ما ازعجني من رحـلي الا بالجهد .
ولقد تركت أهلي يبكون جوعاً فلما سمعت بكاء العيال لم تحملني الأرض فخرجت مغموماً راكباً رأسي فهذه حالتي وقصتي، فهملت عينا علي عليه السلام بالبكاء حتى بلت دموعه لحيته، ثم قال احلف بالذي حلفت به ما ازعجني غير الذي ازعجك.
ولقد اقترضت ديناراً فهاك واوثرك به على نفسي فدفع له الدينار ورجع حتى دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فصلى الظهر والعصر والمغرب فلما قضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاة المغرب مرّ بعلي في الصف الأول فغمزه فسار خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى لحقه عند باب المسجد.
ثم قال : يا ابا الحسن هل عندك شيء تعشينا به فاطرق علي عليه السلام لا يحر جــواباً حــياءً من النبي صــلى الله عليه وآلــه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اما ان تقول لا فننصرف عنك او نعم فنجــيء معك، فقال: حبــاً وتكــريماً اذهــب بنا .
وكان الله سبحانه وتعالى قد اوحى الى نبيه ان تعشى عندهم، فاخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيده فانطـلقا حتى دخلا على فاطــمة في مصلاها وخلفها جفنة تفور دخاناً، فلما سمعت كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرجت من المصلى فسلمت عليه.
وكانت اعز الناس عليه فرد عليها السلام ومسح بيده على رأسها، وقال: كيف امسيت عشينا غفر الله لك وقد فعل.
فاخذت الجفنة فوضعتها بين يديه فلما نظر علي ذلك وشم ريحه رمى فاطمة ببصره رمياً شــحيحاً، فقالت: ما اشح نظرك واشده، سبحان الله هل اذنبت فيما بيني وبينك ما استوجبه به من السخط .
قال: وأي ذنب أعظم من ذنب اصبته اليوم، اليس عهدي بك اليوم وانت تحلفين بالله مجتهدة ما طعمت طعاماً منذ يومين، فنظرت الى السماء.
فقالت : إلهي يعلم ما في ســمائه ويعلــم ما في ارضــه اني لم اقل الا حقاً، قال فأنى لك هذا الذي لم أر مثله ولم اشم مثل رائحته ولم آكل اطيب منه.
فوضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم كفه المباركة بين كتفي علي ثم هزها وقال: يا علي هذا ثواب الدينار وهذا جزاء الدينار وهذا من عند الله إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ، ثم استعبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم باكياً وقال: الحمد لله كما لم يخرجكما من الدنيا حتى يجريك في المجرى الذي اجرى فيه زكريا، ويجريك يا فاطمة في المجرى الذي اجرى فيه مريم كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا ))( ).
والحال لا يمنع من تكرار المكرمة خاصة مع وجود المقتضي وانعدام المانع بالإضافة الى ملاحظة فروق متعددة بين الكرامتين، ولا غـرابة في تكرار حدوثها في بيت النبوة الذي شــهد ولســنوات متعددة نزول الوحي وهبوط الملائكة، وقضى رجاله ونساؤه ايامهم في الجهاد في سبيل الله وبذل الأرواح والأموال من اجل إعلاء لواء التوحيد وجعل كلمة الله باقية في الأرض حتى يوم القيامة، وليكون التكرار ذكرى ورحمة متجددة.
انهم يعيشون باجسادهم مع أهل الأرض وقلوبهم منقطعة الى الله عز وجل، ومن رحمته سبحانه التفضل عليهم بين الحين والآخـر بآية او كرامة او رحمة نازلة او منة تخترق نواميس الطبيعة وتجتاز قيود الأسباب والعلل المباشرة الظاهرة لتكون عبرة وموعظة وهداية وإنابة ودعوة ملحة للتدبر والتفكر في بديع صنع الله تعالى ، وفي التنزيل وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا.
الخامس : سيدة النساء: السيد في اللغة عنوان تفضيل وترجيح وتفوق في الخير او المنزلة ويطلق على المالك والشريف والكريم والرئيس والذي يتلقى اذى قومه بصــبر.
و(عن عبد الله بن الحارث عن علي عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من تنشق الأرض عنه ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع)( ).
وفيه شـكر لله عز وجل وتحدث بنعمته لقوله تعالى وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ولكي تقر عيون المســلمين ويزدادوا ايمـاناً وفيه ايضاً اخبار عن منازل المتقين يوم القيامة.
إن إطلاق صفة سيدة النساء على فاطمة الزهراء عليها السلام ذو دلالات وتأثير ويمكن ان تبنــى عليه جملة من المسائل الكلامية والعقائــدية في طــريق إثبات العــصمة لهــا وتوجــيه التفضيل لبيت النبوة.
أحاديث تفضيل الزهراء
الأحاديث الواردة في تفضــيل الزهــراء وســـيادتها متعــددة الوجوه فتارة تنفرد الزهــراء بالســيادة المطلقة للنســاء في الــدارين، وتـــارة تختص في أحد الدارين، أو تأتي شاملة لنساء المسلمين .
ومن القسم الأول أي السيادة المطلقة : ذكر ابن السراج قال : حدثنا محمد بن الصباح قال حدثنا علي بن هاشم عن كثير السواء عن عمران بن حصين ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاد فاطمة رضي الله عنها وهي مريضة فقال لها: كيف تجدينك يا بنية، فقالت: اني لوجعة وانه ليزيدني اني ما لي طعام آكله، قال: يا بنية اما ترضين انك سيدة نساء العالمين قالت: يا ابت فاين مريم بنت عمران، قال: تلك سيدة نساء عالمها وانت سيدة نساء عالمك، اما والله لقد زوجتك سيداً في الدنيا والآخرة( ).
والأحاديث في هذا الباب كثيرة منها ما روى بالإسناد عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس قال : ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان جالساً ذات يوم وعنده علي وفاطمة والحسن والحسين فقال: اللهم انك تعلم ان هؤلاء اهل بيتي واكرم الناس عليّ فأحبب من أحبهم وابغض من أبغضهم ووال من والاهم وعاد من عاداهم واجعلهم مطهرين من كل دنس، معصومين من كل ذنب وايدهم بروح القدس منك، – الى ان قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم – وانها أي فاطمة عليها السلام- لسيدة نساء العالمين، فقيل: يا رسول الله أهي سيدة نساء عالمها، فقال: ذاك لمريم بنت عمران فاما ابنتي فاطمة فهي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين.
وانها لتقوم في محرابها فيسلم عليها سبعون ألف ملك من الملائكة المقربين وينادونها بما نادت به الملائكة مريم…الحديث.
ومن القسم الثاني وجوه :
الأول : ورد عن ابن عباس وابي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: “فاطمة سيدة نساء العالمين ما خلا مريم بنت عمران”( ).
الثاني : ذكـر الدراوردي عن موســى بن عقبــة عن كــريب عــن ابن عبــاس قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: سيدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران ، ثم فاطمة ، ثم خديجة ، ثم آسية امرأة فرعون”( ).
الثالث : عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: خير رجالكم علي، وخير شبابكم الحسن والحسين وخير نسائكم فاطمة( ).
الرابع : بالإســناد عن ابي هــريرة قــال : قــال رســـول الله صـلى الله عليه وآله وســلم: أفضـل نســـاء الجنة خـديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد.
تفضيل النساء الأربعة
ما جاء في التفضيل الإجمالي للنساء الأربعة فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “خير نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون”( )، وروي بلفظ (حسبك) ، وقال عكرمة عن ابن عباس: “خط النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اربعة خطوط فقال: افضل نساء اهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية( )”.
ومن القسم الثالث وتفضيلها على نساء المسلمين أمور:
الأول : روى المنادي ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “خديجة خير نساء عالمها ومريم خير نساء عالمها، وفاطمة خير نساء عالمها”.
الثاني : بالإسناد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال لفاطمة: “اما ترضين اني زوجتك اول المسلمين اسلاماً، واعلمهم علماً فانك سيدة نساء امتي كما سادت مريم قومها..”الحديث.
الثالث : روى الترمذي قال: “حدثنا عبد الرحمن واسحق بن منصور قالا: اخبرنا محمد بن يوسف عن اسرائيل عن ميسرة بن حبيب عن المنهال بن عمرو عن زر بن حبيش عن حذيفة قال: سألتني امي متى عهدك تعني بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت ما لي به عهد منذ كذا وكذا، فنالت مني .
فقلت لها: دعيني آتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاصلي معه المغرب واسأله ان يستغفر لي ولك، فاتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فصليت معه المغرب فصلى حتى صلى العشاء، ثم انفتل فتبعته، فسمع صوتي.
فقال: من هذا حذيفة؟ قلت: نعم، قال: ما حاجتك غفر الله لك ولأمك، قال: ان هذا ملك لم ينزل الأرض قط قبل هذه الليلة استأذن ربه ان يسلم علي ويبشرني بان فاطمة سيدة نساء اهل الجنة وان الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة( ).
وفي القسم الأول من الأحاديث بيان واضح بان الزهراء عليها السلام سيدة نساء العالمين وان تفضيلها يتعدى في بعده الزماني المفهوم التأريخي لأحكام الإسلام ليشمل جميع الأعصار السابقة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما فيها من النساء اللاتي رزقهن الله عز وجل فضلاً واجتباءً وعلواً في سلم اليقين وسبل الترجيح بالإستصحاب القهقري المستنبط من النص.
أما في القسم الثاني فان المضمون لا يختلف عن الأول في توكيد السيادة للزهراء عليها السلام على جميع نساء العالمين وفيه بيان اضافي بذكر مريم بنت عمران يظهر بجلاء لغة التعميم لأفضلية فاطمة الزهراء عليها السلام على نساء العالمين من الأولين والآخرين، أما ورود (خلا) في الحديث فيدل على الاستثناء، وهو حرف ينصب الكلمة التي بعده، وقد يرد بمعنى حاشا ويجر ما بعده لفظاً.
وهذا الإستثناء متعلق بمريم بنت عمران ولا يمكن أن يكون عنصر تفضيل لها على الزهراء كما انه لا يمنع من صحة وثبوت سيادة الزهراء عليها السلام وتفضيلها على عموم النساء في مختلف الأزمان ما عدا مريم بنت عمران، والحال هنا له معنى الإستثناء.
ان القول بفعلية (خلا) مع نصب ما بعده وهو الأرجح يفيد ان الكلام متكون من جملتين فان قوله عليه السلام : فاطمة سيدة نساء العالمين” جملة واحدة، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ما خلا مريم بنت عمــران فاطمة ســيدة نســـاء العالمين” جملة واحدة.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ما خــلا مريم بنت عمران ، جـملة اخرى حالية او اسـتئنافية، اما بالنســـبة للحديث الذي يفــيد تقديـــم مريم بنت عمران عليها السلام، فالظاهر تقديمها ضمن النساء الأربعة ذوات الأفضلية.
ومن حيث اللغة تأتي (ثم) لافادة الترتيب والتراخي على الأصح والأشهر في باب العطف والتشريك، وقد تفقد معنى التراخي نحو قولك (اقمت ثم صليت) وورد قول بعدم افادتها الترتيب عند مجيئها، وقال الأزهري ” وزعم قوم انها لا تفيد الترتيب”( ) هذا من جهة اللغة الأمــر الذي قد يجعــل هذا الحديث غير واجـد لشرائط الحجية والمعارضة.
بالإضافة الى موضوعية السند في أحكام التعارض، فلو تنزلنا وقلنا بصحة سند هذه الرواية ومساواته مع سند غيرها فان المزية تبقى للأحاديث القائلة بتفضيل الزهراء عليها السلام لكثرتها وتعدد واختلاف طرقها بما في ذلك اكثر من حديث ورد عن ابن عباس- الذي ينسب اليه رواية هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومرجحات الصدور تعطي الترجيح للروايات القائلة بسيادة الزهراء عليها السلام.
ويمكن الجمع بين الأحاديث القائلة بتفضيل النساء الأربعة والأحاديث القائلة بتفضيل الزهراء على نحو الخصوص، بان الأخيرة تكون مقيدة للأولى وحاكمة عليها من غير تعارض بينها.
فبعضها في طول بعضها الآخر في التفضيل ، وفيه دعوة للمسلمين لاكرامهن ، وعموم المؤمنات .
ومما يجب الإشارة اليه في المقام ان هذا الترتيب متعلق بالجنة ومنازلها دون الحياة الدنيا ويوم القيامة ومن وجوه تكريم مريم اقترانها بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في الدار الآخرة.
وهذا الحديث معارض بالحديث المروي بالإسناد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون”( ).
ومقتضى الأصل والقواعد الأولية على التنزل بصحة الإسناد في المتعارضين هو سقوطهما ولكن لجهل التأريخ وزمان الصدور لكل منهما يرجح التقييد والنسخ والتخصيص في المقام وان حديث سيادة فاطمة عليها السلام ناسخ لحديث سيادة مريم عليها السلام في الجنة ايضاً خاصة مع احتمال تأخير البيان ولوجود مصلحة في التأخير وتعلق ذلك بالأعمال الجهادية التي قامت بها الزهراء عليها السلام في امتداد ايام عمرها وساعاته.
خير النساء
وعن عبد الله بن مسعود (قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: خير رجالكم علي بن أبي طالب وخير شبابكم الحسن والحسين، وخير نسائكم فاطمة بنت محمد.
وعن علي قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج لمباهلة النصارى بي وبفاطمة والحسن والحسين.
وعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني، وإلا فصمتا، وهو يقول: أنا شجرة، وفاطمة حملها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمرتها، والمحبون أهل البيت ورقها من الجنة حقاً حقاً.
وعن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: لا تسألوني قبل أن تشوب الأحاديث الأباطيل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا الشجرة، وفاطمة أصلها، أو فرعها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمرتها، وشيعتنا ورقها، فالشجرة أصلها في عدن والأصل والفرع واللقاح والورق والثمر في الجنة)( ).
وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ان خير نسائكم فاطمة” فانه ناظر الى نساء المسلمين خاصة، واثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره، بمعنى ان ثبوت سيادة الزهراء على نساء العالمين لا ينفي سيادتها على غيرهن من نساء الملل السالفة، ومما لا يمكن تجاهله في المقام هو المنزلة الجليلة للمسلمات مطلقاً وفي زمان الهجرة والفتح خاصة، وقد سجل التأريخ لبعض منهن مواقف مشرفة وصفحـات مشرقــة في الجهاد والصبر والتقوى فكانت بعضهن رافداً روحياً ومعنوياً لسرايا الغزو ولنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ولعل للحديث مناسبة وغايات تتعلق بمنازل النســاء ومراتبهن الدينية والإجتماعية لضرورة اكرامهن للزهراء عليها السـلام ومحاكاتها في سيرتها وما تواظب عليه من الصالحات وهو ايضاً امضاء لفعلها واجلال لنشأتها واشارة كريمة لمحاسن فعلها وهذا الحديث نص صريح في افضلية الزهراء وتوكيد عظيم مقامها، وذكر خصوص الزمان والمكان لا يمنع من التقائه بالأحاديث الواردة في تفضيلها عليها السلام مطلقاً للتسليم بتفضيل المرأة المؤمنة في الإسلام وايامه.
السادس : حديث الركنين: ركن الشيء: جانبه والذي يعتمد عليه، وروي بالإسناد عن حماد بن عيسى الجهني قال: “حدثنا جعفر بن محمد عن ابيه عن جابر ان رسول اله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي بن ابي طالب رضي الله عنه: سلام عليك يا ابا الريحانتين اوصيك بريحانتي من الدنيا خيراً، فعن قليل ينهد ركناك والله خليفتي عليك ، قال( ): فلما قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال( ): هذا احد الركنين الذي قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلـما ماتت فاطمة رضي الله تعالى عنها، قال علي رضي الله عنه : هذا الركن الذي قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم( )، وفي رواية هـذا الركن الآخر”.
واراد بريحانتيه الحسن والحسين عليهما السلام لبيان عظيم منزلتهما عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشدة حبه لهما اذ ان الريحان يطلق على الرحمة والرزق.
ويبين الحديث مقام الزهراء عليها السلام وما لحضــورها من تأثير فعال في بناء الإسلام وشد ازر الإمام علي عليه السلام سواء بما تقدمه من دعم ومساعدة وعون او ما يدفع بسببها من وجوه الأذى والإبتلاء ومشاق الحياة.
فضل الزهراء
الفضيلة: الدرجة الرفيعة وهي خلاف النقيصة.
قال تعالى وَفَضَّــلَ اللَّهُ الْمُجَاهــِدِيــنَ عَلَى الْقَــاعِــدِينَ أَجْرًا عَظِــيمًا وهذه الآية الكريمة وثيقة خالدة في بيان تفضيل المجاهدين من المؤمنين الذين انفقوا أموالهم وبذلوا مهجهم لإعلاء كلمة التوحيد واختاروا الغربة عن الأوطان ليتعاهدوا الإسلام في ايامه الأولى ذوات المحن والويلات يفوزوا بعلو المنزلة وارتفاع القدر.
ولقد كان للزهراء عليها السلام نصيب وافر في الفخر الذي تجسده هذه الآية الكريمة فلقد تحملت اعباء الهجرة ومؤازرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة ايضاً في وسط مجتمع قريش الطاغوتي واعطت دروساً في الجهاد والذب عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كانت في مضامينها حثاً للمؤمنين ودعوة لعموم النساء في الإقدام على الإنخراط في صفوف المسلمين والمساهمة الجادة في تهيئة مستلزمات اعلان الدعوة ونشرها.
وقد يرد التفضيل بمعنى كثرة الثواب الذي يتناسب وفعل الصالحات وما فيه سمات الأخلاص واليقين وصدق السريرة ونحوه مما كان ظاهراً ومعروفاً في عبادة الزهراء عليها السلام وحياتها التي كانت مسخرة لطاعته تعالى وطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي السنة النبوية شواهد عديدة مباركة يؤكد كل فرد منها مستقلاً ومنضماً الى غيره افضلية الزهراء عليها السلام مع بيان جلالة قدرها اذ يتضح من قراءتها تعظيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها.
لذا ترى بعض العلماء والمحققين يستنبط افضلية الزهراء عليها السلام على غيرها من النساء من السنة النبوية، وصرح بافضليتها على سائر النساء حتى على السيدة مريم بنت عمران كثير من العلماء والمحققين، منهم التقي السبكي والجلال السيوطي والبدر الزركشي والتقي المقريزي.
وفي بيان علة تفضيل الزهراء عليها السلام على اخواتها من بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتبادر الى الذهـن موضوع المباهلـة وآيـة التطهير وان الزهراء عليها السلام هي التي ورثت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وان نسله وذريته بواسطتها.
ولتفضيل الزهراء عليها السلام وجوه واسباب فالى جانب مؤهلات شخصها الكريم وحياتها الجهادية والعبادية المتميزة، فان لها الأفضلية بانتسابها الى اشرف الخلائق النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وامها الطاهرة الرفيق المؤازر والناصر له بالإضافة الى الزواج الذي اتصلت به إمامة للأمة وولادتها للحسن والحسين ريحانتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وتلك ابواب للعز والفخر لم تجتمع لامرأة قط وفيها كرامة للمسلمين جميعاً وآيـة في شرف بيت النبــوة ومعــدن الرسالة واتصـاله بالذرية الطاهرة.
وفي قوله تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ….
ورد في تفسير العياشي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام انه قال: “انها مثل ضربه لأهل بيت العصمة والطهارة”، وفي المعاني: “غصن الشجرة فاطمة عليها السلام وثمرها اولادها وورقها شيعتها”.
لقد اجتمعت فيهم الكمالات الإنسانية وكانوا الدعاة الى الله والفرد الأمثل في الصلاح وآية الله في العالمين، يعرف الناس بهم مسالك التقوى، وتبقى عرى الإيمان بالإقتداء بهم راسخة قوية.
المحدثة
المحدث: بضم الميم وفتح الحاء والدال- هو الذي تحدثه الملائكة وفي حديث المعصوم عليه السلام: “ان اوصياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم محدثون أي تكلمهم الملائكة”، وفيه ايضاً: “ان في كل امة محدثين من غير نبوة”، وتلاحظ في الحديث لغة الجمع والتي قد تعني الإجتماع في زمان واحد والله واسع كريم.
وفي الخبر عن زيد بن علي قال: “سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: انما سميت فاطمة محدثة لأن الملائكة كانت تهبط من السماء فتناديها كما تنادي مريم بنت عمران فتقول: يا فاطمة ان الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين، يا فاطمة اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين فتحدثهم ويحدثونها فقالت لهم ذات ليلة: أليسـت المفضـلة على نساء العالمين مريم بنت عمران؟ فقالوا: ان مريم كانت سيدة نساء عالمها وان الله عز وجل جعلك سيدة نساء عالمك وعالمها وسيدة نساء الأولين والآخرين( )”.
والتحديث فضل من الله عز وجل خص به نفراً من خاصة اوليائه المخلصين ليكون عنواناً للصــلة ومعاني القــرب بين الملائكة والبشر ونعمة متجددة على أهل الأرض وحبلاً للإرتقاء في عالم الملكوت وترسيخاً لروح اليقين والله شاكر عليم، وهو غير الوحي وغير النبوة وادنى منها ولم يكن منحصراً في زمـــان الإســـلام والإمامة فيه، فقد ورد في الصحيح عن الأحول قال: “ســـمعت زرارة يسأل ابا جعفر الإمام الباقر عليه السلام قائلاً: اخبرني عن الرسول والنبي والمحدث: فقال: الرسول الذي يأتيه جبرئيل قبلاً فيـــراه ويكلمه، واما النبي فهو يرى في منامه على نحـــو ما رأى ابراهيم عليه السلام ونحـو ما كان رســـول الله صلى الله عليه وآله وسلم من اسباب النبوة قبل الوحي حتى اتاه جبرئيل من عند الله بالرســـالة، وكان محـمد صلى الله عليه وآله وسلم حـــين جمع له النــبوة وجـــاءته الرســـالة من عند الله يجيئه بها جبرئيل ويكلمه بها قبــلاً، ومن الأنبـــياء من جمـــع له النبـوة ويرى في منامــه يأتيــه الروح فيكــلمه ويحـــدثه من غير ان يكـــون رآه في اليقظة، واما المحــدث فهو الــذي يحــدث فيســـمع ولا يعــاين ولا يــرى في منامه”( ).
وبالإسناد عن اسماعيل بن بشار قال: حدثنا علي بن ابي جعفر الحضرمي بمصر منذ ثلاثين سنة قال حدثنا سليمان قال محمد بن ابي بكر لما قرأ وما ارسلنا من قبلك من رسول ولا نبي. ولا محدث: قلت وهل يحدث الملائكة الا الأنبياء؟ قال ان مريم لم تكن نبية وكانت محدثة، وام موسى بن عمران كانت محدثة ولم تكن نبية، وسارة امرأة ابراهيم قد عاينت الملائكة فبشروها باسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب ولم تكن نبية، وفاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كانت محدثة ولم تكن نبية( )”.
وما ورد بخصوص تحــديث مريم بنت عمران مقتبس من قوله تعالى وَإِذْ قَالَتْ الْمَلاَئِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وبخصوص ام موسى قال تعالى وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ اما سارة زوجة ابراهيم فقد ورد ذكرها في قوله تعالى وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
والزهراء عليها السلام لا تقل منزلة عند الله عن اللائي اصطفى الله بالتحديث ان لم تكن ارقى رفعة ومقاماً كما مثبت في السنة النبوية والشواهد، وتفسير بعض الآيات الوارد بشأن الزهراء عليها السلام دليل على تفضيلها واستحقاقها لمرتبة التحديث وتلقي كلام الملائكة.
لقد جاء ذيل الحديث اعلاه للبيان وازالة الإلتباس ومنع التوهم والإفتراء، ولتوكيد قاعدة كلامية ثابتة وهي ان المحدث ليس نبياً ولا رسولاً، وان الله عز وجل لم يبعث امرأة نبية قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ] ( ).
ان موضوع تحديث الملائكة لأفراد قليلين من خاصة الأمة أمر معروف بين الفقهاء وكتاب السير خاصة في المراحل الأولى للإسلام وهناك شواهد كثيرة في الروايات ذكرت في كتب عامة المسلمين منها ما اخرجه احمد: “عن حذيفة بن اليمان انه اتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: بينما انا اصلي اذ سمعت متكلماً يقول: اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، بيدك الخير كله، اليك يرجع الأمر كله علانيته وسره، فأهل أن تحمد، انك على كل شيء قدير، اللهم اغفر لي جميع ما مضى من ذنبي، واعصمني فيما بقي من عمري، وارزقني عملاً زاكياً ترضى به عني، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ذاك ملك يعلمك تحميد ربك( )”.
مصحف فاطمة
موضوع مصحف فاطمة له خصوصية وحساسية متشعبة، فشطر من المسلمين يحمل عليه، ومنهم من يؤمن به بإخفات ومنهم من يتخذ موقف عدم الالتفات اليه، ومنهم من يحتسبه كنزاً من الكنوز المدخرة عند أهل البيت عليهم السلام.
ومن أهم اسباب الإشكال في المقام هو تسميته بالمصحف، فنفر من المسلمين يرفض وجود كتاب مرادف للقرآن في تسميته ويشعر بخطورة الأمر خاصة وان هذا الكتاب لم يطلع عليه ولم يعرف بالدقة مضمونه وما يحتويه.
ولم تصل النوبة الى حصر لفظ المصحف لغة وشرعاً وعقلاً بينما ترى اسم الواجب موضوعاً للمفهوم العام والطبيعي الذي يتصف بوجوب الوجود ولكنه ينحصر بالله تبارك وتعالى.
فلفظ المصحف لم يوضع بازاء فرد معين وهو القرآن بل هم اعم كما تدل عليه كتب اللغة وليس من اشتراك لفظي بين القرآن ومصحف فاطمة، والمشترك اللفظي هو اللفظ الذي وضع لمعنيين او اكثر بحيث يكون كل معنى مغايراً للآخر، فهومتحد اللفظ ومتعدد المعنى وفيه وجوه :
الأول : المشهور امكان وقع المشترك اللفظي وهو المختار،وقد بيناه في البحث الخارج في علم الأصول( ).
الثاني : قيل وجوب وقوع المشترك اللفظي ومدركه تناهي الالفاظ، وكثرة وعدم تناهي المعاني.
الثالث : عدم وقوع المشترك اللفظي.
وقال جمع بامتناع حصول المشترك اللفظي في اللغة وعدم حصول اشتراك لفظي لعدم التغاير اللغوي في أصل الوضع ، أما المشترك المعنوي فهو اللفظ الموضوع بازاء مفهوم كلي ينطبق على مصاديق متعددة في الإستعمال كلفظ انسان، شجر، ماء.
اما من جهة الإشتراك المعنوي فان لفظ المصحف لم يوضع لفرد مخصوص بل وضع اللفظ فيه لمفهوم كلي وليس فيه الا وضع واحد وهو وضع اللفظ بازاء معنى كلي، وهو الجامع بين دفتيه صحفاً وأوراقاً، واطلاق لفظ المصحف على القرآن من المنقول , والعنوان الإصطلاحي والحقيقة المتشرعة.
ويمكن ان ينحل الإشكال على مصحف فاطمة الى قسمين، الأول خاص بالتسمية، والآخر يتعلق بالمسمى موضوعاً وحكماً ودلالة.
وعند التحقيق يبدو ان الخلاف صغروي في القسمين، فالتسمية غير منافية لقواعد الوضع والنقل في اللغة، أما المسمى فليس في مصحف فاطمة أحكام للحلال او للحرام كما سيأتي.
ولعل المرتكز للاحتجاج على تسمية (مصحف فاطمة) هو الغيرة على الدين الحنيف والحرص على القرآن، فيمكن الاشكال مثلاً على تسمية كتاب سيبويه في النحو بـ(الكتاب)، باعتبار ان الكتاب اسم علم بالغلبة يدل على فرد معين وليس مشتركاً بين افراد متعددين، وتنزيه القرآن يمنع من وقوع الاتفاق والمصادفة في المقام، قال تعالى الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ.
ولأن تلك التسمية على اطلاقها يقصد بها القرآن وقد يرد عنواناً جامعاً للكتب السماوية المنزلة ومن غير ظهور تعارض في المقام، باعتبار ان القرآن جامع للمضامين التي جاءت بها تلك الكتب قال تعالى وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ.
وفي علم الأصول يكون التبادر من علامات الحقيقة، فحينما يطلق لفظ (المصحف) ينصرف الذهن الى القرآن ككتاب سماوي يتعبد به، ولكن هناك مسألتان:
الأولى: ان لفظ مصحف فاطمة لم يؤت به على نحو الاطلاق، بل التقــييد كما في قولك: (رب الناقة)، و(ربة البيت)، فهذا القيد يفيـد الاخـتصاص والملكية ، أما (الرب) على نحو الاطلاق فهو إسم من أسماء الله تعالى، وفي التنزيل قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ.
الثانية: لم يطلق اسم (المصحف) على كـتاب الله الا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أخرج ابن أشته في كتاب المصاحف عن طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: (لما جمعوا القرآن فكتبوه في الورق، قال ابو بكر: التمســوا له اسماً، فقال بعضهم: السفر، وقال بعضهم المصحف، وحكى المظفـري ذلــك ببيان تــأريخ واوان تلك التسـمية اذ قال في تأريخه: ان ابن مسعود قال: رأيت بالحبشــة كتابـاً يدعونه المصحف فسموه به( ).
وذكر أن أول من سمى القرآن مصحفاً هو عتبة بن مسعود أخو عبدالله بن مسعود( ).
وقيل ان القرآن الذي صنفه عثمان سمي مصحفاً لأنه كان قبل ذلك سوّراً متفرقة وايات منقطعة وورقاً منتشراً وصحفاً مشتتة، فأنهم اذا جمعوا الصحف وجعلوها مجتمعة نسخة واحدة سموها مصحفا، وقد جمع القرآن في ايام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يسم بالمصحف، بل كان اسمه وبالنص من عند الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم, قال تعالىوَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ.
والظاهر ان أصل تسمية مصحف فاطمة لغوي محض وليس اصطلاحياً وانه كان صحفاً متعددة انتظمت في جامع واحد، كما ان موضوعه يختلف عن مصحف عائشة ومصحف حفصة، لأن الاخيرين هما قرآن، ومصحف فاطمة اخبار وأنباء عن حوادث تقع لأهل البيت، لقد تفضل سبحانه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تعاهد ذريته من بعده في الإمامة، وأراد تهيئة نفوسهم لملاقاة المصائب والأذى في جنب الله.
والمصحف: بضم الميم وكسرها، والكسر لغة أهل الحجاز اخرجوه مخرج ما يتعاطى باليد، والضم لغة أهل نجد وهي الاشهر والاجود، والفرق بين الكتاب والمصحف ان الكتاب يكون ورقة واحدة ويكون جملة أوراق، بينما المصحف لا يكون الا عدة من الأوراق يجمع بعضها الى بعض بين دفتين، فبينهما عموم وخصوص مطلق، فكل كتاب بين دفتين هو مصحف، وليس كل مصحف هو كتاب، وكذا النسبة بين الصحف والمصحف فاذا جمعت الصحف بين دفتين صارت مصحفاً.
وفي الفروق اللغوية: (وأكثر ما يقال المصحف لمصحف القرآن)، أي انه يطلق على غير القرآن ولكن على نحو غير شائع، وقد اصبح المصحف اصطلاحاً خاصاً بالقرآن وهو الجامع للصحف المنتظمة بين دفتين، أي ان النسخة الواحدة منه تسمى مصحفاً.
قال الازهري: (وانما سمي المصحف مصحفاً لأنه اصحف أي جعل جامعاً للصحف المكتوبة بين الدفتين)( ).
ولعل تسمية مصحف فاطمة لم تكن متأخرة في زمانها عن تسمية القرآن بالمصحف التي لم تكن شائعة، وربما كانت إجتهاداً في مقابل النص، او انها تتعلق بالنسخـة الواحدة منـه وهو الارجـح لصحتها لغـوياً وللأولـوية، ولحمل عمل المسلم على الصحة، ووردت بعض النصوص عن الأئمة عليهم السلام تطلق اسم المصحف على القرآن، وقد وردت تسمية (القرآن) سبعين مرة في القرآن.
ولا يعني موضوع مصحف فاطمة ان الزهراء عليها الســلام أول مؤلفة في الاسلام، فالموضوع أجنبي عن التباري الذي تصدى له نفر من الكتاب والمحققين في باب أول من ألف من المسلمين، فمصحف فاطمة تحديث واخبار من الملائكة له قدسية سماوية تنزهه وترقيه عن المقارنة والتزاحم مع لغة الاخبار والاحداث مع ما فيها من معاني السمو والرفعة والشرف والعز.
ويبرز الى الخارج علم آل محمد بالوقائع واطلاعهم على حوادث الزمان كما في خطب أمير المؤمنين عليه السلام المذكــورة في نهج البلاغة التي أخبر فيها عن حكم معاوية ومروان بن الحكم والحجاج على نحو الإشارة والتلميح.
وفي الصحيح عن أحمد بن محمد ومحمد بن الحسين عن ابن محبوب عن ابن رئاب عن أبي عبيدة الحذاء( ) قال: (سأل أبا عبد الله الإمام جعفر الصادق عليه السلام بعض اصحابنا عن الجفر، فقال: هو جلد ثور مملوء علماً، فقال له: ما الجامعة؟ قال: تلك صحيفة طولها سبعون ذراعاً في عرض الأديم مثل فخذ الفالج، فيها كل ما يحتاج اليه الناس وليس من قضية الا وفيها حتى أرش الخدش)، قال له، فما مصحف فاطمة؟ فسكت – أي الإمام الصــادق عليه السلام – طويلاً ثم قال: انكم تبحثون عما تريدون وعما لا تريدون، ان فاطمة مكثت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وســلم خمسة وســـبعين يوماً، وكان دخلها حزن شديد على أبيها، وكان جبرائيل يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ويطيب نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها. وكان علي عليه السـلام يكتب ذلك، فهذا مصــحف فاطمة عليها السلام)( ).
انها مواساة من الملائكة لآل الرسول ووفاء له في جهاده وحسـن تأديب للمسلمين وتوديع من جبرئيل لمنازل الوحي على نحو الإخبار بالوقائع والأحداث وفيه جزاء عاجل لأهل البيت وواقية وحفظ لهم وللمؤمنين.
وتعد هذه الصحيحة وثيقة في التعريف بمصحف فاطمة وبيان مضامينه، ولا تعارض في هذا الحديث وموضوعه مع القرآن وآياته لاختلاف الموضوع والماهية.
ولا يرقى إلى منزلة القرآن أمر من اخبار السماء سواء كان ذلك حديثاً قدسياً او تحديثاً او شبهه من الآيات والكرامات والإلهام، وفي الخبر: (ان في كل أمة محدثين) ( )، أي تحدثهم الملائكة، وبين التحديث والوحي عموم وخصوص مطلق، فكل وحي هو تحديث وليس العكس، والوحي بمعناه الاصطلاحي أرقى من التحديث، والوحي على أقسام:
الأول : الوحي الى الأنبياء.
الثاني : الوحي الى الصديقين وَإِذْ قَالَتْ الْمَلاَئِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ.
الثالث : الوحي الى الصالحين واصحاب الأنبياء وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي.
الرابع : الوحي الى الحيوان وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ.
ووحي النبوة يخص الأنبياء والرسل دون غيرهم من البشر وهو أرقى وأشرف مصاديق الوحي، بل انه يختلف في سنخيته وموضـوعه واعجازه عن الاقســام الاخرى، ولا يعـني هذا انحصار نفعه بالأنبياء، بل ان منافعه وفوائده في النشأتين تتغشى الناس كافة واتباع الأنبياء خاصة.
وبانتقال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الى الرفيق الأعلى انقطع الوحي والتنزيل، وبقي التحديث على نحو القضية الشخصية وهو أدنى مرتبة من الوحي.
ان ما ورد في صحيحة أبي عبيدة الحذاء اعلاه توكيد لاعجاز القرآن واعلان عن صدق نزوله من عند الله عز وجل بالبينة المباشرة الكاشفة، لتضاف الى الدلالات والآيات العظيمة التي رافقت نزوله وكانت جزءً منيراً من وقائع فترة النبوة والتأريخ الاسلامي.
وفي حسنة أبي بصير قال: “دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت: جعلــت فداك ان شــيعتك يتحـدثون ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علم علياً عليه السلام ألف باب مــن العلم يفتح منه ألف باب – الى ان قال – ثم قال عليه السلام: وان عنـدنا لمصحف فاطمة عليها السلام، وما يدريهم ما مصحـف فاطمة؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثــلاث مرات، والله ما فيه مــن قرآنكــم حــرف واحد، قال: قلــت: هذا والله العلم، قال: انه العلم، وليس بذلك، ثم سكت ســاعة، ثم قال: وان عندنا علم ما كان وما هو كائن الى ان تقوم الساعة”( ).
وقوله عليه السلام (فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات) له مدلولات عديدة منها:
الأول : جــاءت المقـارنة بخصـوص الحجم والكم والمقــدار في وصف تقريبي.
الثاني : في الوقت الذي أطلق الإمام الصادق عليه السلام اسم المصحف على مصحف فاطمة عليها السلام فأنه لم يسم القرآن الا بإسمه المعــروف به في السـماء وهــو (القرآن)، وتلك مســألة لبيان الفرق في المقــام والحرص على قدسية القرآن وافراده بعناوين التنزيل.
الثالث : في مصحف فاطمة حفظ للأئمة عليهم السلام من أجل استمرار الإمامة وأداء وظائفها.
الرابع : اضافة (القرآن) في الحديث الى ضمير الجماعة المخاطب دلالة أكيدة على اعتقاد الشيعة بأن ليس عندهم الا قرآن واحـد نازل من عند الله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وان الأئمة عليهم السلام يثبتون ذلك في اذهانهم باعتباره أمراً متسالماً عليه عقائدياً وعند المسلمين جميعاً.
الخامس : قوله عليه السلام: (ما فيه من قرآنكم هذا حرف واحد) حجة واشارة الى مصحف فاطمة وموضوعه وانه يختلف في مضمونه عن القرآن الذي هو تبيان لكل شيء.
السادس : انه دفع وهم ورد متقدماً زماناً على ما قد يورده بعضهم من الشبهات في الموضوع كما ظهر في هذا الزمان.
السابع : ان هذه الفقرات تؤكد على تعظيم الشــيعة للقــرآن وعدم اســتغنائهم عنه واقرارهم بعدم وجود شبيه او مثيل له، وهو مما أنعم الله به عليهم ، وعلى المسلمين في معتقداتهم بتوجـيه الأئمة عليهم السلام.
الثامن : أكد الإمام عليه السلام في الحديث بـ(أنه العلم) وليس بذلك، أي أنه ليس بالعلم الكامل الذي يفي بحاجات المكلفين في دعوة وتنبيه إلى المسلمين جميعاً وتحذير من الخلاف في موضوع مصحف فاطمة لانه لا يتعلق بالأحكام الشرعية والحياة اليومية.
ولعل هذا يظهر واضـحاً في الحديث السابق المروي عن ابي عبيدة حينما سئل الإمام الصادق عليه السلام عن مصحف فاطمة، فقال بعد سكوت طويل، “انكم تبحثون عما تريدون وعما لا تريدون”.
ولا نقول بثانوية الموضوع وعدم أهميته، ولكن الأحاديث تظهر بجلاء عدم ضرورة الإهتمام الفعلي المتصل بالموضوع ، وأولوية تركه إلى أهله وزمانه المناسب واجتناب المؤاخذة بسببه ولا مدخلية لموضوعه لافعال العبد التي يحكم مسارها القرآن.
وهذه الروايات مدرسة تجسد الإرتقاء الفكري لدى المؤمنين وتضغط بالحاح على أهل الإنصاف من عامة المسلمين لمنع حملة الإفتراء بصدد موضوع مصحف فاطمة، خاصة وانهم لم يتخلوا عن القرآن فهم وباقي المسلمين حملة لوائه والمتمسكون به وباحكامه.
ومن اعجاز القرآن الذاتي والغيري بقاؤه إماماً وقائداً وعدم وجود كتاب ينافسه خصوصاً بعد تخلف السنة النبوية عنه رتبة لأنه كلام الله المنزل على نبيه والذي جعله الله تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ.
وأخرج أحمد عن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني تارك فيكم خليفتين : كتاب الله عز وجل حبل ممدود ما بين السماء والأرض ، وعترتي وأهل بيتي ، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ( ).
لقد التزم المسلمون بحديث الثقلين وتعاهدوا مضامينه ومن ذلك إقرارهم بموضوع مصحف فاطمة لما ورد بخصوصه من النصوص الصحيحة عن اهل البيت الأطهار وما فيه من مكرمة سماوية لبضعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفرع الرسالة، من غير ان يتعارض او يتزاحم هذا الالتزام مع اتخاذ القرآن هو الإمام والمصدر الأول للتشريع وبعده السنة النبوية.
ومع التســليم بصحة الأخبار الواردة بصدد مصحف فاطمة ووجوده الخارجي، فلابد من العناية بموضوعه لأن الأمر يدخل في باب الإعتقاد ولا يفيد فيه الخبر الصحيح الا الظــن، ولما انعــم الله عز وجل علينا بالإســتغناء بالقــرآن كـتاباً ودليلاً ومنهاجاً.
ولا نطلب منهم اجتناب رده بحجة وجود النهي عن رد ما يقوله اهل الكتاب مما لم تثبت صحته او يظهر زيفه وبطلانه لما اخرجه البخاري باسناده عن ابي هريرة الذي قال: “كان اهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تصدقوا اهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا )( )، فهذا الطلب مرتكز على قياس مع وجود الفارق، لكن الأولى هو النظر بعين السعة والفهم الموضوعي.
لقد كان حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بياناً لإستغناء المسلمين على مذاهــب غيرهم والإكتــفاء بما عندهم وعــدم توجـيه فضل من الإهتمام لما يأتي من اهل الكتاب لأسباب عديدة يمكن استنباطها وحكمها من آيات القرآن الكريم واحـاديث اخرى من السنة النبوية الشريفة.
ان علة النهي عن تصديق او تكذيب اهل الكتاب اجنبية عن المقام ولا يمكن الإحتجاج بها او دعوة المسلمين من خلالها الى السكوت عن حديث مصحف فاطمة عليها السلام واذا كانت ثمة صلة فهي وجوه الإلتقاء بين ذلك النهي والإمتناع الإبتدائي لشطر من المسلمين عن قبول موضوع مصحف فاطمة، فهم ينطلقون من منازل الحرص على القرآن والإقتناع بالإكتفاء به واستغنائهم عن غيره، فهو الجامع للأحكام والتشريعات السماوية مع إجماع الأمة على عدم وجود كتاب نازل مقارن له او جاء بعده.
ويقتضي الواجب الإسلامي المؤازرة الصادقة والاتحاد والإلتقاء عند القرآن إماماً وهادياً ونوراً ودليلاً، والإلتزام بموضوع مصحف فاطمة لا يتعارض مع ما نذهب اليه جميعاًً من اليقينيات وضروريات الدين وتنزيه واجلال القرآن، ولان الزهراء عليها السلام كانت محدثة – بفتح الدال- فقد أخبرت بهذا الطريق بأمور وحوادث بقيت محفوظة متوارثة عند أهل البيت عليهم السلام الذين هم ردف القرآن.
وفي خبر حماد بن عثمان قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: “يظهرالزنادقــة ســنة ثمانـية وعشرين ومــائة لأني نظرت في مصحف فاطمــة، فقلت: وما مصحف فاطـمة؟ فقال: ان الله تعالى لما قبض نبيه صلى الله عليه وآله وسلم دخل على فاطمة من وفاته من الحزن ما لا يعلمه الا الله تعالى فارسل اليها ملكاً يسلي عنها غمـها ويحدثها، فشكت ذلك الى امير المؤمنين فقال لها: اذا احسست بذلك وسـمعت الصوت فقولي لي، فاعلمته فجعل يكتب كل ما سمع حتى اثبت من ذلك مصحفاً، قال: ثم قال: اما انه ليس فيه شيء من الحلال والحرام ولكن فيه علم ما يكون( ).
وفي الحديث بيان واخبار عن جانب من محتويات مصحف فاطمة ومضامـينه، وهو ضعيف سنداً بعمــر بن عبد العزيز بن أبي بشــار، وقال عنه النجاشي: عربي، بصري مخلط له كتاب، وعن الفضل بن شاذان: انه يروي المناكير وليس بغال.
وقد يقول قائل: سلمنا انه خال من الحلال والحرام ولكن هل يتعرض لمواضيع لم ترد في القرآن الكريم وهل هو متمم لما جاء في القرآن؟ الجواب: ان في القرآن تبياناً لكل شيء وهو ليس بحاجة الى متمم له قال تعالى مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ.
ولكن مصحف فاطمة يتناول شطراً من الأحداث والوقائع مما ورد في القرآن مجملاً، فالحروف المقطعة التي جاءت في القرآن ورد قول بانها رمــوز وعلامات تشـــير الى آياته تعالى وبلائه وايــام الدول وعدد الأقوام وآجالهم( )، ولا مانع من احتمال البيان والتفسير لتلك الحروف في مصحف فاطمة، وان قوله عليه السلام (يظهر الزنادقة سنة ثمانية وعشــرين ومائة…) هــو مـن هذا البــاب واخــبار عن مضــمون مصحف فاطمة، فهو حجــة في صــحة دلالته وامكــان وجــوده من غير تناف مع القرآن.
بالإسناد عن فضيل بن سكرة قال: دخلت على ابي عبد الله عليه السلام فقال: يا فضيل أتدري في أي شيء كنت انظر قبيل؟ قلت: لا، قال: كنت انظر في كتاب فاطمة عليها السلام ليس من ملك يملك الأرض الا وهو مكتوب فيه باسمه واسم ابيه وما وجدت لولد الحسن فيه شيئاً( )، وفي الحديث مسألتان:
الأولى : يمكن تسمية مصحف فاطمة كتاب فاطـمة منعاً للإشكــال الحاصـل عند بعض المسلمين بالنسبة لتسميته بالمصحف.
الثانية : هذا المصحف موجــود عند الأئمة عليهـم السلام وانهم يرجعـون اليه عند الحـوادث والوقائع ذات الإبتلاء العام وكأنه حرز سماوي للتوقي من الفتن.
والقدر المتيقن من أولاد الحسن في الحديث هنا محمد بن عبد الله بن الحسن واخوه ابراهيم وانهما لن يملكا، وليس ذرية الإمام الحسن عليه السلام مطلقاً، وكأن الإمام عليه السلام يخبر عن فشل ثورتهما، وفيه درس وموعظة وآية تبين جانباً من ذخائر العلم عند اهل البيت وتحذير ونصح ونفع ومنع شخصي من الإندفاع معهما واجتناب لإنتقام بني العباس الذي لاقاه انصارهما بعد هزيمتهما وقتلهما في سنة خمس واربعين ومائة للهجرة، وذكر موضــوعهما يأتي من بــاب المثال لا الحصر في موضوعات مصــحف فاطــمة المتعلقة بهذا الجانــب والخبر وتحقق مصداقه الخارجي دعوة للناس للجوء الى الأئمة عليهم السلام لزيادة البصيرة وتلمس طرق الهداية والرشــاد خصوصاً عند ظهور الفتن وتقلبات الزمان.
ومحمد بن الحسن الملقب بالنفس الزكية وامه هند بنت ابي عبد الله بن زمعة ولد سنة مائة للهجرة واخوه ابراهيم يكبره بثلاث سنوات، وقد تطلعت نفوس بني هاشم لمحمد بن الحسن واعداده للخلافة والقيام ضد الدولة الاموية، وقيل ان المنصور بايع محمداً بن الحسن في نفر من بني هاشم ولكن بعد قيام الدولة العباسية اختفى محمد وابراهيم، وبعد مجيء المنصور للحكم جاءته العيون بنيتهما – أي محمد بن الحسن واخيه ابراهيم – بالخروج فسعى في طلبهما والبحث عنهما.
واتفق محمد واخوه على الخروج في يوم واحد، الأول في المدينة، والآخر في البصرة، وتخلف ابراهيم عن موعد الخروج اياماً بسـبب مرض الم به ولما ظهر محمد بالمدينة وادعى الخلافة دعا الإمام الصادق عليه السلام الى بيعته وتكلم معه بغلظة ثم امر بحبسه واصطفى ماله واموال الذين لم يخرجـوا معه من قومــه، وكان الإمــام عليه السلام يعظه وينصحه ويعتذر عن الخروج معه ويخبره بان الأمر لا يتم له وانه سيقتل.
وأرسل المنصور جيشاً كبيراً لقتال محمد بن الحسن وجعل قيادته لولي عهـــده عيســى بن موســى بن علــي بن عبد الله بـن عبــاس بن عبد المطلب واقتتلا في موضع قريب من المدينة يقال له”احجار الزيت” وتفرق عن محمد اصحابه قبل ان يقتل، وقيل هــو اذن لهم بذلك عند بدء القتال.
ولما بقي محمد بن الحسن وحده دخل داره وامر بالتنور فسجر ثم القى فيه السجل الذي فيه اسماء من بايعوه كي لا يؤخذوا ويعاقبوا وقيل انه مصداق لتســميته بالنفــس الزكية لـما (روي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: يقتل باحجار الزيت من ولدي نفس زكية)، وبعد حرق السجل خرج محمد بن الحسن وقاتل حتى قتل في شهر رمضان لسنة خمس وأربعين ومائة للهجرة النبوية المباركة وقيل في الخامس والعشرين من رجب من نفــس الســنة وهــو ابن خمس وأربعين سنة.
أما أخوه إبراهيم فقد خرج في البصرة وكان قوياً وذا اطلاع في العلوم وكان خروجه في رمضان في تلك السنة وتلقب بامير المؤمنين وجاءه خبر مقتل اخيه وهو على المنبر فتمثل بقول الشاعر:

ابا المنازل يا خير الفوارس

يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا

الله يعلم اني لو خشيتهم

واوجس القلب من خوف لهم فزعا

لم يقتلوه ولم اسلم اخي لهم

حتى نموت جميعاً او نعيش معا

وندب له المنصور عيسى بن موسى نفسه وامره بالتوجه من المدينة الى قتال ابراهيم، وقد اشـير على ابراهيم بالبقــاء في البصــرة، ولكنه استــمع الى القول بالتوجه نحو الكوفة لوجود الأعوان والأنصار فيها، وقال له بعض اصحابه انهم يخرجون بوصـوله، والتقى الجيشــان بباخمرى وهي قــرية قريبة من الكوفة واشتدت الحرب بينهم وانهزم جيش عيسى بن موسى وظهر عليه الإنكسار، ولكن جنوده عادوا وكروا على اصحاب ابراهيم فقتلوا كثيراً منهم وجاء سهم غرب( ) فاصاب ابراهيم في فمه واجتمع عليه اصحابه ثم جاءه العــدو واحتز رأســه، وكان قتله في ذي القعدة او ذي الحجة من سنة خمس واربعين ومائة وهو ابن ثمان واربعين سنة، وجيء برأسه فوضع في طست بين يدي المنصور فلما نظر اليه قال: وددت انه فاء الى طاعتي.
وقال المعلى بن خنيس: “كنت عند ابي عبد الله الصادق عليه السلام اذ اقبل محمد بن عبد الله بن الحسن فسلم، ثم ذهب ورق له ابو عبد الله عليه السلام ودمعت عينه، فقلت له: لقد رأيتك صنعت به ما لم تصنع بغيره، قال: رقــقت لــه، لأنه ينســب في امر ليس له لم أجــده في كتــاب علي في خلفاء هذه الأمــة ولا ملــوكها”، وروي قـريب منه عن العيص ابن القاسم.
وقد وردت الروايـة عن الفضــيل بن يســـار في محــمد واخــيه ابراهيم قال: سمعت ابا عبد الله الصادق عليه السلام يقول: ان خرجا قتلا.
وشطر من مواضيع مصحف فاطمة من هذا القبيل، خاصة وان احاديث اهل البيت عليهم السلام تضمنت اعلاناً بان كلامهم مستنبط من القرآن او ان اصوله الكلية في القرآن، فقد ورد في الكافي عن ابي الجارود قال: “قال ابو جعفــر عليه السلام: اذا حدثتكم بشـــيء فاسألوني اين هذا من كتاب الله، ثم قال في حديثه: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن القيل والقال، وفساد المال، وكثرة السؤال، فقيل له: يا ابن رسول الله اين هذا من كتاب الله، قال: ان الله تعالى يقول: لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ، وقال: [ وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا] ( )، وقال: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ.
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبرما بعدكم، وفصل ما بينكم، ونحن نعلمه( ).
ويمكن ان يكون مصحف فاطمة احد وجوه ذلك العلم ومصادره اللدنية، انه سر مبارك مكنون وكنز مذخور وحرز وواقية مما في الأيام والوقائع من انعطافات تأريخية حادة وصيغ مباركة في الإستعداد لها والتعامل معها وفق ما قد يرد في خصوصها في مصحف فاطمة ليكون عوناً على حفظ الإمامة وسبيلاً لنجاة المؤمنين وسلامتهم.
ان هذا القول يفتح آفاقاً من البحث والتحقيق لتبيان فلسفة مصحف فاطمة وما له من اهمية خاصة من الصعب معها القول بامكان الإستغناء عنه، ولقدكان المؤمنون محتاجين فيما لاقوه من العناء والأذى الى مصحف فاطمة وما فيه من الإخبار عبر ما يراه المعصوم من الوجوه التي تقتضي المصلحة الكشف عنها وبيان ما يتعلق بها، فليس كل ما موجود في مصحف فاطمة بخصوص واقعة يبينه الإمام عليه السلام فقد يكتفي بالإعراض وعدم النصرة او التلميح والكناية والتعريض او التقرير تقية من السلطان وغيره.
وخلاصة القول تتجلى بوجوه:
الأول :ان ما في مصحف فاطمة من الإخبار عن بعض الحوادث كما في الكافي والإرشاد وغيرهما باب من علوم آل محمد وفرع من المسائل المستنبطة من القرآن يتعلق بالإخبار والحوادث.
الثاني : ربما تضــمن مصحف فاطــمة عليها السـلام امثالاً وحكماً مما تتجلى فيه الدروس العقائدية والموعظة والحث على اللجوء الى القرآن وعلومه.
الثالث : انه دليل وسبيل الى القرآن الكريم وتوكيد لإعجازه فمن إعجاز القرآن إخباره بالمغيبات وقد يرد الإخبار على نحو الإجمال كجزء من الإبتلاء العام. وما وصلنا احاديث معدودة بخصوصه تثبت ذلك ويبعث في النفس المؤمنة الإطمئنان على سلامة الفكر واستقامة المبدأ وتنفي ما يفترى بصدده.
الرابع : سيبقى باب البحث في هذا الموضوع مفتوحاً كما انه ثمرة من ثمار التحديث وسر من اسرار آل محمد المباركة التي تتضمن علوماً خاصة ومسائل جهادية صعبة ومواعظ ودروساً في العبر والتحمل والأمل والرجاء وما فيه عون على حفظ الملة وتثبيت الأقدام، وهو فرع التحديث وفرد مستقل من افراده.
ومصحف فاطمة هــو غير اللوح الذي كـان عند جابر الأنصاري وانه وجده في يد الزهراء عليه السلام، فقد ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام انه قال: “انه طلب ابي محمد الباقر عليه السلام جابر بن عبد الله الأنصـاري وقال له: ان لي اليك حاجــة متى يكون ان تلاقيني في الخلوة حتى اسألك عن شيء اريده، قال جابر: جعلت فداك انا حاضر كلما اردت، فطلب ابي الخلوة، فقال: يا جابر اخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد امي فاطمة عليها السلام وعما اخبرت به انه مكتوب في اللوح.
قال جابر: اشهد بالله اني دخلت على امك فاطمة في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأهنيها بولادة الحسين فرأيت في يدها لوحاً اخضر ظننت انه من زمرد ورأيت فيه كتاباً ابيض شبه النور، فقلت لها: بابي وامي انت يا بنت رسول الله ما هذا اللوح، فقالت: هذا اللوح اهداه الله الى رسوله فيه اسم ابي وبعلي واسما ابني واسماء الأوصياء من ولدي فاعطانيه ليسرني بذلك، قال جابر: فاعطتنيه امك فاطمة فقرأته واستنسخته، فقال ابي عليه السلام: هل لك يا جابر ان تعرضـه عليّ، قال: نعم، فمشى معه ابي حتى انتهى الى منزل جابر، فاخرج الى ابي صحيفة من رق، قال جابر: اشهد بالله اني هكذا رأيته في اللوح مكتوباً بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله العزيز العليم لمحمد نوره وسفيره وحجته ودليله نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين، عظم يا محمد اسمائي واشكر نعمائي ولا تجحد آلائي اني انا الله لا اله الا انا…” الحديث.
وهذا اللوح خطاب قدسي موجه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي حياته، كما يختلف مصـحف فاطمة جملة وتفصيلاً عن موضــوع قرآن الإمام علي عليه الســلام الذي باشــر بجمــعه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للتباين الموضوعي، وشرف القرآن.
ان مصحف فاطمة تدوين لما حدثته الملائكة بها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووجود مصحف فاطمة لا يعني عدم وجود وثائق اخرى عندها لأن اثبات شيء لا يدل على نفيه عن غيره خصوصاً مع ملاحظة وراثة اهل البيت عليهم السلام لعلوم النبوة، كما في الصحيفة السجادية فان وجودها لا ينفي وجود ادعية اخرى للإمام السجاد عليه السلام غير الصحيفة وادعيتها( ).
وهل في مصحف فاطمة وصيتها ام لا، الاقوى نعم، فقد ورد في مرسلة يونس عمن ذكره عن سليمان بن خالد قال: “قال ابو عبد الله عليه السلام: ان في الجفر الذي يذكرونه لما يسؤوهم، لأنهم لا يقولون الحق والحق فيه، فليخرجوا قضايا علي وفرائضــه ان كانوا صــادقين ، وسلوهم عن الخالات والعمات، وليخرجـوا مصــحف فاطمة عليها الســلام فان فيه وصــية فاطـــمة ومعه سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ان الله عز وجل يقول اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )( ).
والرواية ضعيفة السند، ويحتمل ان الضمير عائد الى الجفر، او ان الوصية وضعت في المصحف وهي من ميراث الإمامة، او ان تلك الوصية كانت مما املتها وحدثتها بها الملائكة، ويؤكد الحديث موضوعية مصحف فاطمة وان توارثه من علامات الإمامة في ولد الحسين لأن المشهور يجبر ضعف السند وبه قال المشهور، بالاضافة الى النصوص صحيحة السند التي تدل على وجود مصحف فاطمة.
ترى اين هو الآن مصحف فاطمة؟ انه جزء من ميراث الإمامة ودلائلها، ولا يتحقق الإطلاع عليه الا من خلال النصوص التي قالها الأئمة عليهم السلام ودل الدليل او القرينة بان مضامينها مقتبسة من مصحف فاطمة، وعدم الإيجاد اعم من عدم الوجود فليس كل ما لا نجده يعني انه غير موجود او غير حقيقي، نعم للآخرين ان يقولوا هو ليس حجة علينا ما دمنا نجهل مضامينه وان الأئمة عليهم السلام حرصوا على عدم إظهاره، وهو قول يختلف عن الإنكار على نحو السالبة الكلية.
وقد ورد في رواية الصدوق في الفقيه عن الرضا عليه السلام قال: “للإمام علامات، يكون اعلم الناس واتقى الناس واحلم الناس واعبد الناس واسخى الناس ويولد مختوناً، ويكون مطهراً، ويرى من خلفه كما من بين يديه، ولا يكون له ظــل، واذا وقع على الأرض من بطن امه وقع على راحتيه رافعاً صوته بالشهادتين، ولا يحتلم، وتنام عيناه ولا ينام قلبه ويكون محدثاً- بفتح الدال- ويستوي عليه درع رسول الله، الى ان قال: ويكون عنده الجفر الأكبر والأصغر اهاب ماعز واهاب كبش فيها جميع العلوم حتى ارش الخدش وحتى الجلدة ونصف الجلدة وثلث الجلدة، ويكون عنده مصحف فاطمة عليها السلام”.
ان وجود مصحف فاطمة عند الإمام دليل على موضوعيته ومايحتويه من المضامين القدسية الي تفتح ابواباً من العلم، وكما كانت ولادة الزهراء عليها السلام آية تحمل اسراراً سماوية كما تقدم في حديث الاسراء فان روحها الطاهرة كانت مؤهلة للإرتقاء في عالم الملكوت وتلقي حديث الملائكة لسنخية التكوين.
وستكون من علامات المهدي عجل الله تعالى فرجه انه يخرج للناس مصحف فاطمة.
ويمكن اعتبار مصحف فاطمة ممهداً او من المقدمات للإمام المهدي، هو ممهد عند اهل البيت عليهم السلام على نحـو الموجبة الكلية بمعنى عدم انحصار وظيفته في التمهيد للإمام المهدي بل لكل امام، فيساهم في تعاهد الإمامة ويحفظ الإمام ولكن لا على نحو القضية الشخصية يعني ليس فقط للإمام المهدي بل يحفظ الإمامة على نحو النوع، يمنع الإمامة من الخوض في الفتن ومن الإندفاع وراء الحماس من غير التخلي عن رفض الباطل مع إستدامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو واجب ولكن له مراتب، وبما لا يجلب الضرر فلذا كان مصحف فاطمة نوراًً للإمامة وللمؤمنين ولزوماً وإجتناباً عن الفتن.
لبأس بالدراسة والتحقيق بخصوص (مصحف فاطمة) بالحجة والبرهان وفـق منهاج إيمـاني يبتنى إبتــداء واســتدامة على القرآن إماماً ودليلاً وهادياً، ومنطلقاً ومن مفاهيم ود ومحبة اهل البيت، وكما كانت الزهراء وحب المسلمين لها من أهم معالم الوحدة الاسلامية ، وليس عند المسلمين كتاب سماوي إلا القرآن وهو سالم من التحريف لا تصل إليه يد التغيير والتبديل رسماً ولفظاً أمس واليوم وغداً.
أسأل الله تعالى أن يكون حديث الثقلين وموضوع مصحف فاطمة مدخلا للانفتاح الفكري والتقارب في مسائل علم الكلام بين عموم فرق المسلمين في زمان تتداخل فيه الحضارات والمذاهب الاجتماعية والسياسية، الأمر الذي يجعل تلمس أسباب ووجوه التفاهم بين المسلمين حاجة عقائدية ملحة، ليكون مصـحف فاطمة من مصاديق إرث النبوة ووقاية وحرزاً من حصول الضرر أو الاضرار عن قصد أو من غير قصد.
وسيبقى الخلاف في مصحف فاطمة صغروياً وكل من الفريقين لا يقصد الا اكرام القرآن وحصر الاهتمام واستنباط الاحكام به، والملاك هو الإجماع على اتباع الحق والتمسك بالقرآن كتاباً ودستوراً دائما وما مصحف فاطمة الا بياناً لبعض آياته ظهر على لسان الائمة وإخباره بتحديث ملكوتي وفيض دائم يكون عرضه على القرآن وعدم مخالفته لأحكامه مدخلاً للإطلاع على كنوز علوم اهل البيت عليهم السلام وسبيلاً لوحدة الكلمة ونبذ الفرقة.
مصحف فاطمة والتقية
تتصف التقية بالمندوحــة والســعة وتعني اخفاء الرأي والحكم خوفاً وخشية او مداراة، ويلج الإنسان مواردها طوعاً او كرهاً عن قصد او من غير قصد ويدل على تشريعها الأدلة الأربعة الكتاب والسنة ، فمــن الكتاب آيات وشواهد كثيرة منها قوله تعالى إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً، ومن السنة نصوص كثيرة منها (لا ايمان لمن لا تقية له)، وعلى لزوم التقية الإجماع محصله ومنقوله، وسيرة العقلاء في الأزمنة السالفة وابتناؤها على التدارك وحفظ النفس والمال والعرض واجتناب المواجهة التي ترجح معها الخسارة والضرر.
فالتقية ليست من المبتكرات والحقائق الشرعية او المتشرعية، ولا من مختصات ملة او طائفة بل انها ملازمة لوجود الإنسان في الأرض ومنذ ان قتل قابيل اخاه هابيل.
وهناك شواهد واحداث حصلت للأنبياء تدل بالدلالة التضمنية والإلتزامية على اعتمادهم لمبدأ التقية ولو على نحو مؤقت كما في قوله تعالى حكاية عن ابراهيم عليه السلام فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ، وعن يوسف في قوله تعالى أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ.
وتتعلق التقية بحصول الخوف على النفس او العرض او المال سواء كان هذا الخوف راجحاً او محتملاً، حالياً او مستقبلاً، قريباً او بعيداً، وقد تكون ابتداء ومن غير خوف طلباً للود ونشراً للألفة والمحبة بين المسلمين ومنعاً للفتنة والخصومة ومنها التقية المداراتية وهي خاصة في التعامل مع فرق المسلمين في المناسك والعادات ونحوها مما لا يتنافى والثوابت والقواعد العامة في اصل التشريع.
قال الإمام الصادق عليه السلام: عليكم بالتقية فانه ليس منا من لم يجعلها شعاره ودثاره مع من يأمنه لتكون سجيته مع من يحذره( ).
وتعطي التقية الإولوية لقوة المسلمين، ودوام وحدتهم، وحفظ المؤمنين واجتناب الفرقة والتشتت فلا يضر معها ترك جزء او شرط في عمل فرعي لعمومات قاعدة تقديم الأهم على المهم.
وتمثل مضامين مصحف فاطمة اسمى آيات التقية وآدابها بما تبينه من مفاهيم اليقظة والحيطة والحذر وقراءة المستقبل بافاضة سماوية واسرار غيبية وتلك نعمة عظيمة ينفرد بها المسلمون سواء من اخذ بها او من تغشته بالواسطة والأثر والنفع النوعي العام.
لقد كان مصحف فاطمة إماماً في التقية وأخذ الحائطة للدين والنفس بما ذكره الأئمـة عليهم الســلام وكان اخفاؤه وجــهاً من وجوه التقيــة خشـــية مطالبة السلاطين والولاة بالكتب وذخائر الإمامة، كما حصل في بعض الوقائع، او للاكتفاء بالإستنباط من القرآن خصوصاً وانه جامع للعلوم والأحكام.
لقدحرص الأئمة عليهم السلام على العناية بمصحف فاطمة وحفظه بالتوارث على نحو القضية الشخصية كجزء من ميراث علوم النبوة، وفي خبر عبد الله بن عيسى عن أبيه عن جده قال: ” التفت علي بن الحسين إلى ولده وهو في الموت وهم مجتمعون عنده، ثم التفت إلى محمد بن علي ابنه، فقال: يا محمد هذا الصندوق فاذهب به إلى بيتك ثم قال: أما إنه لم يكن فيه دينار ولا درهم ولكنه كان مملوءا علما “( ).
ولم يكن الإخفاء والحفظ وعدم الاعلان خاص بمصحف فاطمة، ففي حديث الصحيفة السجادية: “ان يحيى قال لمتوكل: والله يا متوكل لولا ما ذكرت من قول ابن عمي – أي الإمام الصادق عليه السلام – أقتل واصلب لما دفعتها إليك ولكنت بها ضنيناً، ولكني أعلم ان قوله حق أخذه عن آبائه وانه سيصح، فخفت ان يقع مثل هذا العلم الى بني أمية فيكتموه ويدخروه في خزائنهم لأنفسهم”( ).
الزهراء والإمامة
الإمامة زعامة الناس في أمور الدين والدنيا وعرفت ايضاً بانها الرياسة العامة لجميع المخلوقات.
واختلف المسلمون في وجوب الإمامة وعدمه في مباحث متشعبة لا زالت وستبقى متصلة لأهمية الموضوع وحساسيته واثره في معالم حياة المسلمين والإنسانية عموماً بلحاظ وظائف الإسلام العالمية ومدى تأثير الإختلاف العميق بين المسلمين في مسألة اساسية من مسائله.
وهناك اجماع بين المسلمين- لم يشذ منه الا القليل- على وجوب الإمامة ولكن اختلفوا في هذا الوجوب فقال الأشاعـرة والجبائيان( ) بوجوبها على الخلق سمعاً، اما الأمامية والمعتزلة فقد قالوا بوجوبها عقلاً، وذهب ابو الحسن البصري والبغداديون الى القول بانها واجب على العقلاء.
وقال نفر من العلماء ان نصب الإمام واجب على الله تعالى وجوباً عقلياً باعتبار ان الإمامة لطف واللطف واجب على الله، ولابد من الإشارة في المقام الى كلام الأئمة عليهم السلام، فمع ما فيه من البيان في هذا الباب فانه خال من اصــطلاح الوجـوب على الله تنزيهاً لمقام الربوبية وانطلاقاً من منازل العبودية ذات الإخلاص والتي تنبعث منها آيات الخشوع وامارات الخضوع، والإمامة رحمة ورأفة تفضل بها الله على الناس والمؤمنين خاصة، انها فضل ونعمة دائمة ذات منافع خاصة وعامة وفي كل زمان.
والإمامة عندنا أمر معهود من الله تعالى ورسوله وهي من توابع النبوة تنال باستحقاق ونص وأصالة وعصمة ليأخذ الإمام بايدي الناس لفعل الطاعات ويمنعهم من ركوب المعاصي.
ولقد كان للزهراء عليه السلام المقام المبارك في موضوع الإمامة وساهمت في بنائه وانجازه وفق مشيئة الله تعالى، فزواج الزهراء عليها السلام من امير المؤمنين عليه السلام الحجر الأساس واللبنة المباركة الأولى للإمامة المتصلة إلى يومنا هذا، بل هي علة الزواج وماهيته.
ولقد كانت عليها السلام عوناً للإمام علي عليه السلام في جهاده ومؤازرته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وشاركته في مواطن الصبر في جنب الله وتحملت راضية صنوف البلاء في مرضاته تعالى.
وتصدق بقوت يومه فتابعته والحسنان فنزلت آيات الأبرار من سورة الدهر، ولم تمنعه عن منازل الفضيلة بل كانت وزيراً له وعوناً في الصالحات، ولم تشغله يوماً بطلب أو مسألة، وكان انقطاعها عن الدنيا ومواظبتها على العبادة درساً خالداً وشهادة على قدسيتها وطهارتها وتقواها.
إن شخصها الكريم عنوان الصلة الملكوتية بين النبوة والإمامة فهي فرع النبوة ومنها تفرعت الإمامة، ليس في النسب فحسب بل في التقوى والزهد وفروع العلم، وظهر ذلك الإيمان الذي كان يملأ اركانها ويبعث انواره الى القلوب على سجايا الحسنين والأئمة من ولدها فكانوا دعائم الإسلام وحجج الحكيم العلام.
وبالإسناد عن الحسن بن موسى الوشا البغدادي قال: “كنت بخراسان مع علي بن موسـى الرضا في مجلسه وزيد بن موسى حاضر وقد اقبل على جماعة في المجلس يفتخر عليهم ويقول نحن ونحن وابو الحسن مقبل على قوم يحدثهم فسمع مقالة زيد فالتفت اليه فقال: يا زيد اغرك قول بقالي الكوفة ان فاطمة احصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار والله ما ذلك الا للحسن والحسين وولد بطنها خاصة.
فاما ان يكون موســى بن جعفر عليه الســلام يطـيع الله ويصوم نهاره ويقوم ليله، وتعصيه انت ثم تجيئان يوم القيامة سواء لأنت اعز على الله تعالى منه، ان علي بن الحسين كان يقول: لمحسننا كفلان من الأجر ولمسيئنا ضعفان من العذاب، قال الحسن الوشا: ثم التفت اليّ وقال يا حسن كيف تقرأون هذه الآية قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فقلـت: من الناس من يقرأ انه عملَ غير صالح، ومنهم من يقرأ انه عملُ غيرَ صالح نفاه عن ابيه، فقال عليه السـلام: كلا، لقد كان ابنـه ولكن لما عصـى الله تعالى نفاه الله عن ابيه، كذا من كان منا لم يطع الله فليس منا، وانت اذا اطعت الله فانت منا اهل البيت( )”.
وتبين الرواية المسؤولية الاضافية التي يتحملها اهل البيت في ميدان الإلتزام بالأحكام الشرعية وذلك فرع من الأعباء المتعلقة بالإمامة والقربى وللأولوية في مفهوم الآية الكريمة يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا، فقد روي بالإسناد عن علي بن الحسين: “ان رجلاً قال للإمام علي بن الحســين زين العــابدين عليه السلام: انكم اهل بيت مغفور لكم، قال: فغضب وقال: نحن احرى ان تجري فينا ما اجرى الله في ازواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ان يكون كما تقول، انا نرى لمحسننا ضعفين من الأجر، ولمسيئنا ضعفين من العذاب، ثم قرأ الآيتين”.
وتؤكد الرواية موضوعية الورع والتقوى في موازين الأعمال وعدم الإتكال على النسب مع علو شرفه، وكرامة ذرية الزهراء عليها السلام جاءت ايضاً برداء العفة والحصانة ولغة والجهاد المتصل والمتوارث، وفي الحديث: “ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشر الزهراء عليها السلام عند ولادة كل من الحسن والحسين بان يقول لها: ليهنئك ان ولدت اماماً يسود اهل الجنة”.
وكفالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للزهراء عليها السلام امر ذو تأثير مبارك في اعداد الحسنين للإمامة، وفي السنة القولية والفعلية والتقريرية شواهد كثيرة تدل على العناية النبوية الخاصة بالحسن والحسين واصلاحهما للإمامة.
الزهراء وإعمال المنزل
من البديهيات المتسالم عليها بين المسلمين ان حياة الزهراء عليها السلام كانت نبراساً ودليلاً مرشداً لإجيال المسلمين والمسلمات كما تظهر آثارها في الواقع الإجتمـاعي للأمة على اختلاف مشارب الأفراد والجماعات وفي فروع الحياة المتشابكة، وكما تحاكى في اسمائها فان اجيال المسلمات يحرصن على الإقتداء بها فيما يتعلق بشؤون المنزل واعماله اليومية.
فمع قدسية مقام الزهراء عليها السلام وشرف منبتها ومع ما شرعه الإسلام من اكرام للمرأة وعدم وجوب اعمال المنزل عليها فان الزهراء عليها السلام أبت الا التواضع وتحمل شطر من اعمال المنزل لتوفر افضل المقدمات والحال المناسـبة لأمير المؤمنين عليه السلام للجهـاد في ميادين القتال ومؤازرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولتقدم للمؤمنات دروساَ في العمل اليومي الجهادي، وتكون اسوة كريمة لهن في العمل الأسري ذي المشاق والمتاعب التي تتضاءل وتهون بتناسب طردي مع مساهمة المرأة الإيجابية فيها.
لقد رفضت الزهراء عليها السلام بعملها في المنزل وشؤونه رداء الكبر خاصة وحرصت على ان تكون مواظبة بدأب على العمل صابرة محتسبة راضية دون ان تنسى ذكر الله عز وجل فقد كان لسانها بالذكر دائباً طرياً لذا ورد في الحديث: ا”نها وجدت مرة وبين يديها شعيراً وهي تطحن فيه وتقول[وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى]”( )”.
لقد كان عمل الزهراء عليها السلام المنزلي امراً شائعاً معروفاً عند الصحابة وبيوتات اهل المدينة وفي ذلك حكمة ودلالات كثيرة باعتباره درسـاً وموعظة وحثاً لنساء المؤمنين ليتحملن مسؤولياتهن الجهادية في البيوت، وليتفرغ الرجال للدفاع عن الإسلام وتثبيت دعائمه ونشر لوائه، “روي ان النبي صلى الله عليه وآله وسـلم والناس كانوا في المسجد ينتظرون بلالاً ان يأتي فيؤذن اذ اتى بعد زمان فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما حبسك يا بلال؟ فقال: اجتزت بفاطمة عليها الســلام وهي تطــحن واضــعة ابنها الحســن عند الرحى وهي تبكي فقلت لها: ايما احب اليك ان شـئت كفيتك الرحى فقالت: انا ارفق بابني، فاخذت الرحى فطحنت فذاك الذي حبسني، فقال النبي: رحمك الله”.
انها صفحة مشرقة للحياة الإجتماعية في الإسلام اذ يتعاهد المسلمون هذا التواضع والشفقة والتضامن ومباشرة الأعمال الصغيرة الى جانب المهام التأريخية العظيمة، وفي الآية نكتة وهي سماع الصحابة للواقعة وتوثيقها وامضاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لفعل بلال وتأخير أوان الأذان والصلاة اكراماً للزهراء عليها السلام مع الإمكان العام للتنزه عن تلك الأعمال خاصة مع كثرة الأسرى والعبيد في ايام الفتوحات الإسلامية المباركة.
وبالإسناد عن أبي البختري عن الإمام الصادق عليه السلام قال: “تقاضا علي وفاطمة الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الخدمة، فقضى على فاطمة بخدمة ما دون الباب، وقضى على علي بما خلفه، قال: قالت فاطمة: فلا يعلم ما داخلني من السرور الا الله باكفائي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحمل رقاب الرجال”، وقيل في معنى تحمل رقاب الرجال أي تحمل امور واعمال تتحملها رقابهم كحمل الحطب وقرب الماء.
لقد جاء هذا الحكم ليكون عبرة ومنهاجاً للأسر الإسلامية فيما يتعلق باعمال المنزل لا عن حاجة اهل البيت له الا بمقدار اطاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والتبرك باوامره والأمر بالرجوع اليه، وتوكيد الرضا بحكمه كجزء من الإنقطاع الى الآخرة، كما ورد في سبب تسمية الزهراء بالرضية “انها ذهبت الى النبي صـلى الله عليه وآله وسـلم فطـلبت منه خـادمة وقالت: لا اطيق على شدائد اشغال البيت، فعلمها النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسبيح فاطمة وبشرها بثوابه فقالت ثلاثاً: رضيت عن الله ورسوله فرجعت الى بيتها وقالت طلبت من ابي خير الدنيا فاعطاني خير الآخرة”.
وهناك اخبار في المقـام وروايات تدل على وجـود مـدد وعـون للزهـراء عليها السلام في شؤونها واعمالها.
ففي حديث: “عن ابي ذر يرفعه الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: ان ابنتي فاطمة ملأ الله قلبها وجوارحها ايماناً ويقيناً، وان الله علم ضعفها فاعانها على دهرها وكفاها، اما علمـت ان لله ملائكــة موكلين بمعونة آل محمد”.
لقد كان بيت الإمامة مدرسة للأجيال واسوة لعموم النساء وموعظة للأسرة المسلمة ودعوة للوفاق بين الزوجين وحاجزاً دون الخلافات الهدامة داخل هيكل الأسرة، انه باب لفهم روح الحياة اليومية والتنعم بساعات الدنيا كرحمة ومناسبة للعبادة والذكر، ان المدارس الإجتماعية الحديثة مطالبة بدراسة تلك الحياة ذات العز والرفعة واستنباط الدروس والعبر والأحكام منها وبما يخدم الإنسانية عموماً، وهي باب لتحصين المجتمعات الإسلامية وتحصيل الكفاية فيها من اليد العاملة.
وفي الصحيح ورد بالإسناد عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابي عمير عن هشام بن سالم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: “كان امير المؤمنين عليه السلام يحتطب ويسقي ويكنس وكانت فاطمة تطحن وتعجن وتخبز”.
أي انها عليها السلام كانت تقوم باعمال المنزل وتتحمل ما فيها من المشاق كالطحن على الرحى، ولكنه لا يصلح دليلاً على وجوب اعمال المنزل على المرأة كما ذكر: “وعندي ان هذه النظرية- وجوب خـدمة المرأة في دار زوجها- يجـب ان تعـم جميـع نساء زماننا، لما فيه من تمرين السيدة على مباشرة منزلها( )”.
ان هذا القول مطروح لمخالفته للإطلاقات والعمومات الواردة بوجوب تحمل الزوج لنفقات زوجته في باب الإطعام ومستلزماته والكسوة والسكن، ولسيرة زوجات النبي وازواج الصحابة، وكان فـعل الزهـراء عليها السلام امراً جهادياً ومدرسة عقائدية ومصدراً لعز الإســلام، ومدداً وتخفيفاً في ايام الجهاد وحالات الضيق وموعظة ودرساً في التواضع والزهد والرضا، ولا دليل على وجوبه واستدامة حكمه على النساء، نعم هو ندب ودعوة للمسلمات عبر الأجيال للإقتداء والتأسي بسيــرتها الكريمة في هذا الباب ذي الأهــمية المتجددة في كل مكان وزمـان، انه رسالة عملية وحث على مبــادرة المرأة وتطـوعها في اعمال المنزل من غير تعارض حكمي مع وجوبها اصلاً على الزوج.

الباب المفتوح
عندما تشرفت ربوع المدينة المنورة بوصول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مهاجراً ونزوله على ابي ايوب سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المربد لمن هو؟ وبعد ارضاء اهله اتخذه مسـجداً وامـر ببنائه فشـارك المهاجرون والأنصار بدأب وعزيمة في بنائه، بل ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعمل معهم وينقل الحجار واللبن تواضعاً ومشاركة واسوة حسنة وترغيباً للمهاجرين والأنصار، وروي ان الإمام علي عليه السلام ارتجز يومها:

لا يستوي من يعمر المساجدا

يـدأب فيـه قائــماً وقــــاعـــدا

ومن يرى عن الغبـار حائــدا( )

وعندما بُنيت بيوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحجـرات ازواجه كانت الأبواب تطل مفتوحة على المســجد وكذا باقي البيوت المحيـطة بالمسجد الى ان امر النبي صلى الله عليه وآله وسلم باغـلاق الأبواب كلها الا باب فاطمة عليها السلام، قال الترمذي حدثنا محمد بن حميد الرازي حدثنا ابراهيم بن المختار عن شعبة عن ابي يحيى عمرو بن ميمون عن ابن عباس: “ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امر بسد الأبواب الا باب علي( )”.
وروى البيهقي بسنده عن ام سلمة قالت: “خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى صرحة هذا المسجد فقال: ألا لا يحل هذا المسجد لجنب ولا لحائض الا لرسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين، الا قد بينت لكم الأسماء ان لا تضلوا( )”.
بالإســناد عن بريدة قال: “قــرأ رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم فِي بُيُــوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُـرْفَـعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيــهَا بِالْغُــدُوِّ وَالآصَــال فقام اليه رجل فقال: أي بيوت هذه يا رسول الله؟ قال: بيوت الأنبياء، فقام اليه ابو بكر فقال: يا رسول هذا البيت منها واشار الى بيت علي وفاطمة عليهما السلام، قال: نعم من افضلها”، وروى الثعلبي في تفسيره مثله( ).
انه تكريم لأهل البيت وترجمة عملية لأحكام آية التطهير وبيان واخبار بانهم منزهون من الدنس ومطهرون من الرجس، لذا ورد بالإســناد عن ابــي سعيد انه قال: “قـال رســول الله صـــلى الله عليه وآله وسلم لعلي: يا علي لا يحل لأحد ان يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك( )”، وفسر بانه (لا يحل لأحد يستطرقه جنباً غيري وغيرك)، والظاهر ان الحديث يتضمن اعجازاً في الوحي لما فيه من الدلالة على توسعة المسجد ودخول بيوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبيت الإمام علي عليه السلام في المسجد.
لقد كان ابقاء باب فاطمة عليها السلام مفتوحاً على المسجد عنوان افتخار ورمز الفضيلة وقد استشهد به كثير من الصحابة، وذكر احمد بن حنبل في مسنده عن ابن عمر قال: “ولقد اوتي ابن ابي طالب ثلاث خصال لأن تكون لي واحدة منهن احب الي من حمر النعم، زوجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابنته، وسد الأبواب الا بابه في المسجد، واعطاه الراية يوم خيبر”.
وقد ورد موضوع الباب المفتوح في كثير من قصائد المدح والإفتخار منها ما قاله الصاحب بن عباد:
وما سد عن خير المساجد بابه
وابوابهم اذ ذاك عنه تســـــد
وزوجته الزهراء خير كـــــريمة
لخير كريم فضلها ليس يجحد

ولقد بقي باب الزهراء عليها السلام مطـلاً على المسـجد النبـوي ليكـون شاهداً وعنواناً لمضامين خاصة من العز والإكرام لشخصها الكريم الى ان كانت أيــام الوليد بن عبد الملك الذي امر عامله على مكـة والمديـــنة بالزيادة في المسجد، وهــدم بيت فاطمة عليها السلام وكان فيه يومئذ الحســن بن الحســن بن علي وزوجــته فاطمة بنت الحسين وولدهما، وكان الحسن بن الحسن بن علي قد خطب الى عمه الحســين عليه السلام احــدى ابنتيه، فــقال الحســين عليه السلام: “اختر يا بني احبهما اليك فاستحى الحسن ولم يتكلم هيبة واجلالاً للإمام الحسين عليه السلام، فقال له الإمام الحسين: اني اخترت لك ابنتي فاطمة، فهي اكثرهما شبهاً بفاطمة امي بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم”.
وفي هذا الإختيار حرص على بقاء صفة الزهراء عليها السلام وملامحها في ذريتها كما كان اهل البيت يحرصون على محاكاة الزهراء عليها السلام في عبادتها وتقواها، ان بقاء باب الزهراء عليها السلام مفتوحاً من جهة المسجد النبوي الشــريف امــر له دلالات كـثيرة، فهو توكيد لعظيم منزلتها ومصداق عملي لآية التطهير كما انه عز ورمز لغـزير علمها وانكشاف الحجب من امامها وحيازتها الروح القدسي الذي يرقى على الروح الفكري والعقلي والخيالي، ولتتجلى لها المعارف الربانية وبعض لوائح العلوم الملكوتية.
وقد روى عن امير المؤمنين عليه السلام انه قال: “كنت ادخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكل يوم دخلته وكل ليلة دخلته فيخليني فيها ادور معه حيثما دار وقد علم اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسـلم انه لم يصـنع ذلك باحـد من الناس غيري، فربما كان في بيتي يأتيــني رســـول الله صلى الله عليه وآله وسـلم اكثر من ذلك في بيتي، وكنت اذا دخلت عليه اخلاني واقام عني نساءه فلا يبقى عنده غيري، واذا اتاني للخلوة معي في منزلي لم تقم عني فاطمة ولا احد بني، وكنت اذا سألته اجابني واذا سكت عنه وفنيت مسائلي ابتدأني”.
(وفي الجوف من الروضة المقدسة زادها الله طيباً، حوض صغير مرخم في قبلته شكل محراب، يقال انه كان بيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقال ايضاً هو قبرها والله اعلم)( ).
إكرام الإمام علي لها
وبنت محمد سكني وعرسي

منوط لحمها بدمي ولحمي

هذا البيت من الشعر للإمام علي عليه السلام في اجلال الزهراء عليها السلام وفيه بيان للتداخل العقائدي والروحي بينهما، وهناك أبيات أخرى منسوبة للإمام علي عليه السلام تتعلق بذات الموضوع.
لقد أولى الإسلام حسن الخلق عناية كبيرة ولم يخضع العلاقات الأسرية للعمومات والإطلاقات فحسب بل أولاها عناية خاصة فتضمنت الشريعة احكاماً تفصيلية للعلاقات الزوجية تتكفل نظاماً اجتماعياً مثالياً يساهم في نشر المحبة في ربوع الأرض تحت ظلال راية التوحيد وباشراقة الشريعة المحمدية.
وكانت الصلة والعلاقة بين الإمام علي عليه السلام والزهراء هي النموذج الأكمل في الواقع التطبيقي لتلك الأحكام وقبساً من انوار الرسالة لما كان يسودها من مناخ الألفة والتقديس المتبادل والحرص على اجتناب الغضب والإغضاب، وكان كل منهما يتحمل مقداراً اضافياً من الصبر والعناء في سعيه لإجتناب تكليف الأخر.
ان هذا السعي رافد من روافد العمل الجهادي والكمال الإيماني، وعن العياشي مرسـلاً “عن الإمام محمد الباقر عليه السلام قال: ضمنت لعلي عليه السلام عمل البيت والعجين والخبز وقم البيت وضمن لها علي عليه السلام ما كان خلف الباب: نقل الحطب وأن يجئ بالطعام، فقال لها يوما: يا فاطمة هل عندك شئ ؟ .
قالت: والذي عظم حقك ما كان عندنا منذ ثلاثة أيام شئ نقريك به قال: أفلا أخبرتني ؟ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهاني أن أسألك شيئا فقال: لا تسألين ابن عمك شيئا إن جاءك بشئ عفو وإلا فلا تسأليه( ).
وذكر حديث الجفنة بوجه قريب مما تقدم، وليس هناك ما يمنع التكرار في الكرامة مع وجود القرينة على التكرار والأصل الإتحاد وفيه توكيد للقدرة الإلهية في تسخير الأشياء الخارقة خلافاً لنواميس الطبيعة واسبابها المحسوسة فضلاً منه تعالى ورحمة وحجة لآل محمد ودليلاً وثواباً على التزامهم بالسعي في مرضاته تعالى بانقطاع عن الدنيا وحاجات النفس والبدن.
ان الإمام علي عليه السلام اولى الناس بالتزام حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووصيته بعدم اغضاب الزهراء وهو المعصوم من الزلل والمطهـــر من الرجــس، وســتبقى ايام حياتهما تبعث بانـوارهــا في ثنـايا الحياة الإجتماعيـة للمسلمين وتحثهم على المحافظة على اللباس الإيماني للأسرة.
هذا وقد وردت بعض الأخبار تفيد انه حدث كلام بين الإمام علي عليه السلام والزهراء عليها السلام يوماً ما، فقد روي عن ابي هريرة انه قال: “صلى بنا رسول الله الفجر ثم قام بوجه كئيب وقمنا معه حتى صار الى منزل فاطمة فابصر علياً نائماً بين يدي الباب على الدقعاء( )، فجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمسح التراب عن ظهره ويقول: قم فداك ابي وامي يا ابا تراب ثم اخذ بيده ودخلا منزل فاطمة فمكثـا هنيئة ثم سمعنا ضحكاً عالياً ثم خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بوجه مشرق فقلنا: يا رسول الله دخلت بوجه كئيب وخرجـت بخــلافه فقال: كيف لا اخرج وقد اصلحت بين اثنين احب اهل الأرض الى اهل السماء( )”.
والرواية ضعيفة سنداً ودلالة، وفيها مسائل:
الأول : من المعروف بين المسلمين ان الإمام علي عليه السلام لم يتخلف عن صلاة الفجر والصلاة خلف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسـلم ايام حضـوره في المدينة بينما يشير ظاهر الرواية الى وجوده نائماً بعدها مباشرة.
الثاني : تسمية الإمام علي عليه السلام بـ(ابي تراب) امر يحتاج الى دراسة مستقلة تظهر ما لبني امية من اثر وتأثير محتمل في موضوعه وتوكيدهم عليه بحسد وخبث، خصوصاً وانه قد ورد عن بعض صحابة امير المؤمنين حينما سأله بنو امية عن ابي تراب قال: “لا اعرفه، ذاك امير المؤمنين علي بن أبي طالب”.
الثالث : مع ان الرواية لم تبين او تذكر شـخص صاحب الضحك العالي الا انه فعل غير معهود في بيت الرسالة فقد كان ضحكـهم التبسـم ويتلقون النعمة والبشارة والسرور بالحمد والشكر لله.
الرابع : ليس هناك من تناسب بين جواب النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “كيف لا اخرج”، وسؤالهم له دخلت بوجه كئيب، اذ ان الجواب جاء لبيان الخروج مطلقاً ونفي عدمه، والسؤال كان عن علة اشراقة الوجه.
وهناك رواية اخرى في المقام تفيد ذات الموضوع بالاسناد عن حبيب بن ابي ثابت قال: “كان بين علي وفاطمة كلام فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والقـي له مثال فاضـطجـع عليه فجـاءت فاطـمة من جانب، وجاء علي فاضطجع من جانب قال: فاخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يد علي فوضعها على سرته واخـذ يد فاطمة بوضعها على سرته فلم يزل حتى اصلح بينهما، ثم خرج فقيل له يا رسول الله دخلت وانت على حال وخرجت ونحن نرى البشرى في وجهك قال: ما يمنعني وقد اصلحت بين اثنين احب من على وجه الأرض الي( )، ولكن الرواية لم ترفع الى المعصوم وقائلها هو حبيب بن ابي ثابت تابعي مات سنة سبع عشرة ومائة، وقال البيهقي: حبيب وان كان ثقة فانه كان يدلس( )”.
ومع هذا فالرواية لم تتعرض لتسمية علي بأبي تراب، ووجود كلام بين علي وفاطمة عليهما السلام اعم من الخصومة والخلاف فلعله لبيان حكم شرعي للأمة يتوسطه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولو كان بين الإمام علي والزهراء عليهما السلام كلام فلابد من تأويله وفهمه من جهة المصالح التي تتعلق به وذلك لإلتقاء فعليهما في مسالك العصمة ولإشتراكهما في حصانة آية التطهير.
واثبات مثل هذا الخبر امر مستبعد، لذا ورد عن الصدوق انه قال: “ليس هذا الخبر بمعتمد عندي ولا هو بمعتقد في هذه العلة لأن علياً وفاطمة ما كان ليقع بينهما كلام يحتاج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى الإصلاح بينهما لأنه سيد الوصيين وهي سيدة نسـاء العالمين مقتديان بنبي الله في حسن الخلق( )”.
وقد روي عن محمد بن كعب القرظي قال: “قال عمار بن ياسر خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في معركة ذات العشيرة فلما قفلنا نزلنا منزلاً فخرجت انا وعلي بن ابي طالب صلوات الله عليه ننظـر على قوم يعتملون، فنعسنا فنمنا، فهفت الريح علينا تراب فما نبهـنا الا كـلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لعلي: يا ابا تراب لما عليه من التراب اتعلم من اشقى الناس؟ فقال: خبرني يا رسول الله، فقال: اشقى الناس اثنان احمر ثمود الذي عقر الناقة، واشقاها الذي يخضب هذه ووضع يده على قرنه( )”.
ومن وجوه اكرام الإمام علي عليه السلام للزهراء هو عدم الزواج عليها حتى وفاتها.
الزهراء وواقعة كربلاء
لقد إنتقلت الزهراء عليها السلام إلى الرفيق الأعلى قبل واقعة كربلاء بخمسين سنة وتركت الحسين يومها وعمره سبع سنوات ولكنها لم تكن تجهل ما سيحدث للحسين عليه السلام يوم عاشوراء، فقد وردت روايات تفيد ان جبرئيل اخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما سيلقاه الحسين من القتل والزهراء حامل به، فاخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الزهراء بالأمر.
وتكرر هذا الاخبار عند ولادة الحسين وعند نشأته، بالإسناد عن ابي خديجة عن الإمام جعفـر الصـادق عليه السلام قال: “لما ولدت فاطمة الحسين جاء جبرئيل الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ان امتك تقتل الحسين من بعدك، ثم قال: الا اريك من تربتها فضـرب بجناحه فاخرج من تربة كربلاء فاراها اياه ثم قال: هذه التربة التي يقتل عليها”.
ولقد أصاب الزهراء عليها السلام الأسى من هذه الأخبار واشتد حزنها لما سيلقاه الإمام الحسين عليه السلام وما يدل عليه بالدلالة الإلتزامية من نكوص وجحود وعتو اولئك الذين يشاركون في قتله.
لذا يمكن القول بان البلاء رافق الزهراء عليها السلام منذ صباها حين مؤازرتها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في بدايات الدعوة وايام الجهاد، ثم ما لبث ان اتصل مع الأحزان والهموم والحوادث المفجعة التي تنتظر فاغرة فاها اهل البيت في القادم القريب من الأيام.
لقد أراد الله عز وجل إكرامها في الصبر على المحن وتوالي البلاء وليعرف الناس عظيم فضلها بالتوفيق الى الإجتهاد في العبادة مع شدة الإمتحان ودروس الإختبار، ان قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (فاطمة بضعة مني) ( )، له اشراقات متعددة الجوانب وفيه اشارة لطيفة لما لها من مقامات القرب والتحديث والعصمة، واخبار عما تلاقيه من الأذى فلقد تحمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم صنوف الأذى حتى قال: “ما اوذي نبي مثل ما أوذيت”( ).
انها مدرسة آل محمد ذات العزة والرفعة والمنزلة العالية في الصبر والتقوى فهي رائدة الصلاح والسبيل الى الفلاح.
وكانت ســيرة اهل البيت حجة على الناس في ضرورة الصبر في جنب الله عز وجل المقرون بالطاعة والتقوى، كما كانت رادعاً للغلاة فيهم فتواضعهم والتزامهم الشكر له عز وجل في جميع احوالهم يؤكد للناس صــيانتهم وتعاهدهم لوظــائف العبودية لله عـز وجل إلهاً وخالقاً.
لقد سجل التأريخ للزهراء بكاءها على الحسين عليه السلام وكان دعوة لتجديد الحزن والأسى لواقعة كربلاء وفي كل عام تحل فيه ذكرى عاشوراء.
واورد المجلسي في المجلد العاشر من بحار الأنوار روايات عديدة تشير الى ثواب البكاء على الحسين وان الزهراء عليها السلام بكت مصيبة الحسين منذ الأيام الأولى لولادته.
الزهراء والشفاعة
الشفاعة لغة التدخل لإمضاء مسألة او تقرير طلب او التماس العفو والتجاوز بمرجح من ذمام او جاه او وسيلة، وقد نطقت آيات القرآن بحصول الشفاعة، وورد لفظ الشفاعة ومشتقاته في ثمانية وعشرين موضعاً من القرآن او نحوها.
والشفاعـة ثابتة لله عز وجــل أصــالة واختصاصــاً وملكية مطــلقـة على الدوام قال تعالى قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
نعم قد يتفضل الله عز وجل على نفر من اوليائه بالإذن بالشفاعة حيث يشاء قال تعالى مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ولابد من الإشارة في المقام الى انحصار الشفاعة بمنازل مرضاته تعالى لعمومات قوله تعالى وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى.
ولقد جاءت السنة النبوية الشريفة ببيان وبشارات الشفاعة وثبوت وقوعها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ففي صحيح مسلم بالإسناد عن انس عن رسـول الله صـلى الله عليه وآله وسلم قال: “انا اول شفيع في الجنة، لم يصـدق نبي من الأنبياء ما صـدقت، وان من الأنبياء نبـياً لم يصـدقه من امته الا رجل واحد”( ).
ان الشفاعة رحمة من الله عز وجل ووجه من وجوه رأفته وباب فتحه الله عز وجل لتقر عيون المؤمنين ويتنعموا بالكرامة من عنده تعالى وينالوا بفضله تعالى العفو.
وقد ورد في الروايات ما يؤكد مقام الزهراء عليها السلام والإذن لها بالشفاعة يوم القيامة فضلاً منه تعالى واكراماً لبضعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي سخرت كل ساعات حياتها للجهاد في سبيله تعالى وتعظيم شعائره وترسيخ دعائم الإسلام.
بالإسناد عن محمد بن مسلم قال: “سمعت ابا جعفر عليه السلام يقول: لفاطـمة وقــفة على باب جهنم فاذا كان يوم القيامة كتب بين عيني كل رجل مؤمن او كافر فيؤمر بمحب قد كثرت ذنوبه الى النار فتقرأ فاطمة بين عينيه محـباً فتقول: الهي وسيدي سميتني فاطمة، وفطــتمت بي من تــولاني وتولى ذريــتي من النــار ووعدك الحق وانت لا تخلف الميعاد.
فيقول الله تعالى: صــدقت يا فاطــمة اني سـميتك فاطمة وفطمت بك من احبك وتولاك واحب ذريتك وتولاهم من النار وقولي الحق وانا لا اخلف الميعاد .
وانما امرت بعبدي هذا الى النار لتشفعي فيه من شفعك وليتبين ملائكتي وانبيائي ورسلي واهل الموقف موقفك مني ومكانك عندي فمن قرأت بين عينيه مؤمناً فخذي بيده وادخليه الجنة”( ).
زيارتها لقبور الشهداء
ستبقى قلوب المسلمين والمسلمات تشـتاق لمعـرفـة تفاصيل الحيـاة اليومية للزهراء عليها السلام باعتبارها الأسوة والمثال والنموذج السليم الكامل، ولم يكن الإجماع على استيعاب العبادة لساعات عمرها الشريف امراً وافياً كافيـاً لتلك اللهفة والحاجـة التي تأخـذ بقلوبهم وتلـح عليها لمعرفة دقائق تلك التفاصيل في العبادة والنسك لأسباب عديدة تتعلق بانجذابها الى مفاهيم وسبل اكرام الزهراء عليها السلام وادراك ضرورة الإقتداء بها.
ولقد كانت لوفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم آثار واضحة على حياة الزهراء عليها السلام اذ اســتعدت للآخــرة ولوداع الدنيا بالإشتغال في العبادة واستحضار عاقبة الشهداء الكريمة فكانت تزور قبورهم وتجتهد هناك بالدعاء والإستغفار.
ففي الكافي بالإسناد عن احمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن النضر عن هشام بن سالم قال: “سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول عاشت فاطمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمسة وسبعين يوماً لم تر كاشرة ولا ضاحكة، تأتي قبور الشهداء في كل جمعة مرتين الإثنين والخميس فتقول: هيهنا كان رسول الله، وهيهنا كان المشركون”، وفي مرسلة ابان عن الصادق عليه السلام ايضاً: “انها كانت تصلي هناك وتدعو حتى ماتت( )”.
لقد كانت تلك الزيارة حلقة وصل بين الدنيا وعالم الآخرة واعلاناً بالقبول والرضا بمغادرة دار الدنيا واثباتاً عملياً للرغبة في لقاء الله عز وجل والإجتماع باوليائه في دار النعيم الخالد.
وليس في تلك الزيارة او تكرارها ما ينافي الشريعة او يتعارض مع السنة، بل انها وبذاتها حجة في المقام ودليل مستقل على صحة الفعل وجواز زيارة القبور، بالإضافة لما فيها من حكمة وموعظة وعبرة للتدبر وارشاد العقول، ان في القرآن بياناً في المقام وحجة على اولئك الذين يتركون التحديات الكبيرة التي تواجه المسلمين ويكثفون جهودهم ويسخرون ويبددون طاقــات كثيرة في ذم واســتهجان زيــارة قبور اولياء الله، مستندين الى حديث لا يتعلق بهذه الأمة المرحومة بل يخص فريقاً من أهل الكتاب إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
جواز زيارة القبور
زيارة القبور وهو موضوع مستقل عن اتخاذها مساجد، فقد ورد جواز زيارة القبور في مختلف كتب المسلمين، “وان النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج الى المقبرة وسلم على اهلها المؤمنين” وفي رواية عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: “فزوروا القبور فانها تذكرة بالموت( )”.
كما وردت عن اهل البيت عليهم السلام روايات مستفيضة تفيد استحباب زيارة القبور وكيفية التسليم على اهلها( )، وهي خالية من التقية وسالمة من المعارض، الأمر الذي يدل على ان الصحابة والتابعين وتابعي التابعين متسالمون على جواز زيارة القبور.
اما بخصوص اتخاذ القبور مساجد فالمشهور الكراهة، وعن صريح الغنية وظاهر المنتهى الإجماع عليه، لوجود نصوص تنهى عن الصلاة على القبر وبين القبور واتخاذ القبر قبلة، وورود نصوص اخرى تنفي البأس عن الصلاة بين القبور.
وفي صحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السلام قال: “قلت له الصلاة بين القبور قال: بين خللها ولا تتخذ منها قبلة فان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ذلك وقال: لا تتخذوا قبري قبلة ولا مسجداً فان الله لعن الذين اتخذوا قبور انبيائهم مساجد ( )”،ويحتمل ان المـراد من اتخاذه قبلة الصلاة من جميع الجهات واستقباله دون الكعبة.
والقدر المتيقن من النهي هو موضع السجود ومقدار ما يضع المصلي جبهته من الأرض ضمن ابعاد القبر الواقعية دون ما يحيط به من الأرض، ومن علل المنع ارتفاع القبر عن الأرض باكثر من أربعة اصابع، كما ان في القرآن حجة وتبياناً قال تعالى قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا.
زيارة قبر الحمزة
لقد اعطت الزهراء عليها السلام للمسـلمين درسـاً باكـرام المؤمنين عند موتهم واهمية الحرص على رفعة شأن ومنزلة الشهداء في النفوس والعرف والمجتمع باتخاذها قبور الشهداء بقعة مباركة للدعاء والذكر والإستغفار.
روي بالإسناد عن يونس ان الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: “ان فاطمة كانت تأتي قبور الشهداء في كل غداة سبت فتأتي قبر حمزة وتترحم عليه وتستغفر له( )”، ورواه الصدوق مرسلاً.
وحمزة بن عبد المطلب عم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم استشهد في معركة أحد التي وقعت في النصف من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة ، إذ زحف مشركو قريش بثلاثة آلاف رجل لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه حتى صاروا على بعد خمسة كيلو مترات من المسجد النبوي فاضطر النبي محمد للخروج لقتالهم ومعه ألف من أصحابه ، وانخزل عبد الله بن أبي بن أبي سلول رأس النفاق بثلاثمائة من وسط الطريق راجعين إلى المدينة .
و(قالوا : علام نقتل أنفسنا ، وقال لهم عبد الله بن عمرو بن حرام الانصاري : تعالوا قاتلوا في سبيل الله واتقوا الله ولا تخذلوا نبيكم أو ادفعوا عن حريمكم وأنفسكم إن لم تقاتلوا في سبيل الله .
وقيل: معناه، أقيموا معنا، وكثروا سوادنا قالوا أي المنافقون لو نعلم قتالا لاتبعناكم )( ).
وسقط يومئذ سبعون شهيداً من المسلمين منهم حمزة بن عبد المطلب ، قال تعالى وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ , وكانت الزهراء حاضرة واقعة أحد .
ومن بين أجزاء كتابي الموسوم (معالم الإيمان في تفسير القرآن) صدرت ثلاثون جزء خاصة بقانون (لم يغز النبي محمد (ص) أحداً) وهذه الأجزاء هي :
(164-165-166-168-169-
170-171-172-174-176-
177-178-180-181-182-
183-187-193-194-196-
204-212-216-221-229-
239-256-261-266-271).
لقد ورد في اعمال المدينة المنورة استحباب زيارة حمزة بن عبد المطلب وشــهداء احــد خصوصـاً يوم الإثنين والخميس من ايام الأسبوع.
وهل هناك غايات اضافية في زيارة الزهراء عليها السلام لقبور الشهداء تتعلــق بزيارة المؤمنين لقبــور ائمة اهـــل البيت عليهم السـلام وخاصة قبر الحسين الذي وردت نصوص متواترة تؤكد فضل زيارته وأهمية تعاهدها حتى بالنسبة للنساء اللائي ضربت عليهم الخدور للاعتبار والموعظة.
أوقافها
الوقف هو تحبيس العين وتسبيل المنفعة، وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “حبس الأصل وسبل الثمرة”( )، ويصح القول انه صدقة تحمل عناوين الدوام وفيه اجر وثواب عظيم متصل، ويمكن ان يكون فرداً من مصاديق الحديث المستفيض عند المسلمين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: “اذا مات ابن آدم انقطع عمله الا عن ثلاث ولـد صـالح يدعـو له، وعلم ينتفع به بعد موته، وصدقة جارية”، وروي قريب منه عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام( )، والوقف صدقة جارية ومنفعة متصلة فيها بر واحسان.
ولقد كانت الزهراء عليها السلام مبادرة الى الصالحات مسارعة في فعل الخير.
وتحرص على تجسيد العقيدة على مستوى الواقع ولا تتوانى في اثبات امكانية تطبيقها عملياً مع بيان بركات التطبيق العملي وما فيه من تثبيت مفاهيم الشريعة وان كلف الجهد الشاق والإنـفاق الذي يأتي على ما في اليد، وفي صحيحة ابي بصير قال: “قال ابو جعفر الإمام محمد الباقر عليه السلام: الا اقرئك وصية فاطمة، قلت: بلى، فاخرج حقاً او سفطاً فاخرج منه كتاباً فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما اوصت به فاطمة بنت محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اوصت بحوائطها السبعة العواف والدلال والبرقة والمبيت والحسنى والصافية وما لأم ابراهيم الى علي بن ابي طالب، فان مضى فالى الحسن، فان مضى الحسن فالى الحسين، فان مضى فالى الأكبر من ولدي، شهد الله على ذلك والمقداد بن الأسود والزبير بن العوام وكتب علي بن ابي طالب( )”، وورد في صحيحة عاصم بن حميد مثله.
وكلمة (من ولدي) أي من ذرية الزهراء عليها السلام دون اولاد امير المؤمنين من زوجات أخر وذرياتهم، وفيه ايضاً (الى الأكبر من ولـدي دون ولدك) لما ولي عمر بن عبد العزيز رد فدك على ولد فاطمة و كتب إلى واليه على المدينة أبي بكر بن عمرو بن حزم يأمره بذلك فكتب إليه إن فاطمة قد ولدت في آل عثمان و آل فلان و فلان فعلى من أرد منهم فكتب إليه أما بعد فإني لو كتبت إليك آمرك أن تذبح شاة لكتبت إلي أ جماء أم قرناء أو كتبت إليك أن تذبح بقرة لسألتني ما لونها فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقسمها في ولد فاطمة من علي عليه السلام و السلام( ).
قال المنصور لعمرو بن عبيد رحمه الله تعالى عظني قال بما رأيت أم بما سمعت قال بما رأيت قال رأيت عمر بن عبد العزيز و قد مات فخلف أحد عشر ابنا و بلغت تركته سبعة عشر دينارا كفن منها بخمسة دنانير و اشتري موضع قبره بدينارين و أصاب كل واحد من ولده دون الدينار ثم رأيت هشام بن عبد الملك و قد مات و خلف عشرة ذكور فأصاب كل واحد من ولده ألف ألف دينار و رأيت رجلا من ولد عمر بن عبد العزيز قد حمل في يوم واحد على مائة فرس في سبيل الله ورأيت رجلا من ولد هشام يسأل الناس ليتصدقوا عليه( ).
والحيطان السبعة امر يثبت خصوصية معينة لذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحصراً لآل محمد بالمفهوم الأخص وليس الأعم، وفي الكـافي عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد البزنطي عن ابي الحسن الثاني- الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام قال: “سألته عن الحيطان السبعة التي كانت ميراث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة، فقال: انما كانت وقفــاً فكان رســول الله صلى الله عليه وآله وســلم يأخــذ اليه منها مـــا ينــفق على اضيافه والتابعة تلزمه فيها، فلما قبض جــاء العباس يخاصــم فاطمة فيها فشهد علي وغيره انها وقف على فاطمة عليها السلام وهي الدلال، والعــواف، والحســنى، والصــافية، وما لأم ابراهـيـم، والميثـب، والبــرقة”( )”.
بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم
لوفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانتقاله الى الرفيق الأعلى وجهان غير مختلفين:
الأول: انها كانت خاتمة الوحي وايام الرسالة وصفحة جهادية تمثل الذروة في صدق العبودية والتفاني في مسالك طاعته.
الثاني: بداية مراحل البناء الإسلامي الخالية من مصاديق الوحي والمعتمدة على التنزيل والسنة.
واصبح المسلمون في اكتفاء عقائدي من حيث احكام الشــريعة بنزول القرآن وبيانه، وفي السنة النبوية الشريفة تفصـيل واحكام تنير للمسلمين دروب الحياة ولكن فقد شخص النبي صلى الله عليه وآله وسـلم ذو أثر ووقع عظيم على النفوس والسلوك العام، ومنه الأسى والحزن الذي حدث في واقع بيت الرسالة وبيوت المسلمين.
لقد كانت شؤون اهل البيت تشغل جانباً مباركاً من عناية النبي صلى الله عليه وآله وسلم باعتبارها جزءً من شــؤون الإســلام وركـناً تأريخياً من بناء صرحه الخـالد لما يمثله اســتمرار حضــورهم من ثقل ايماني وصـــراط عقائدي يهدي الى الرشــد والفــلاح، بالإضافة الى لزوم اكرامــهم والصــدور عنهم باعتبــارهم عــدل القــرآن والثقل الثاني الذي اوصى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم به في حديث الثقلين.
لذا فمن البديهي ان يهتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باحوال اهل البيت سـاعة وفاته ولحظة استعراضه لأمور الأمة وما سيصيبها، وفي الخبر عن المفيد عن الصدوق عن ابيه عن احمد بن ادريس عن محمد بن عبد الجــبار عن ابن ابي عمــير عن ابان بن عثـــمان عن ابان ابن تغلب عن عكــرمة عن عبد الله بن عباس قال: “لما حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوفاة بكى حتى بلت دموعه لحيته فقيل له: يا رسول الله ما يبكيك فقال: ابكي لذريتي وما تصنع بهم شرار امتي من بعدي كأني بفاطـــمة ابنتي وقد ظــلمت بعـدي وتنادي يا ابتاه يا ابتاه، فلا يعينها احــد من امتـــي، فســـمعت بذلك فاطـمة فبكت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تبكي يا بنية فقالت: لست ابكي لما يصنع بي من بعـدك ولكني ابكي لفراقك يا رسول الله، فقال لها: ابشري يا بنت محمد بسرعة اللحاق بي فانك اول من يلحق بي من اهل بيتي”.
وفي الخبر دلالات عديدة منها استعداد الزهراء عليها السلام لتحمل البلاء وانتظـارها له بعزيمة وصبر ورباطة جأش، وان وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم اكبر المصائب عندها، لا لأن باب البلاء يفتح مصراعيه عليها بالملازمة الزمانية معها، بل لذات المصيبة ولفقد شخص النبي فمصــيبتها مركبة وذات شتتعب من الأحــزان ووجــوه متزاحمة من الآلام ولذا تفضل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمواساتها بالبشارة.
لقد خص النبي صلى الله عليه وآله وسلم الزهراء عليها السلام بحديث قرب اجله فقد روى البخاري بسنده عن عائشة انها قالت: “انا كنا ازواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنده جميعاً لم تغادر منا واحدة، فاقبلت فاطمة سلام الله عليها تمشــي ما تخطــى مشيـتها من مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما رآها رحب بها وقال: مرحباً بابنتي ثم اجلسها عن يمينه او عن شماله ثم سارها فبكت بكاء شديداً، فلما رأى حزنها ســارها الثانية فاذا هي تضحك فقلت لها انا من بين نسائه: خصك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالسر من بيننا ثم انت تبكين، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سألتها عما سارها قالت: ما كنت لأفشي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سره.
فلما توفى قلت لها: عزمت عليك لما اخبرتني؟ قالت: اما الآن فنعم، فاخبرتني قالت: اما حين سارني في الامر الأول فانه اخبرني ان جبرئيل كان يعارضه بالقرآن كل سـنة مرة وانه قد عارضه به العام مرتين ولا ارى الأجل الا قد اقترب اليّ واصبري فاني نعم السلف انا لك، قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعي سارني الثانية، قال: يا فاطمة الا ترضين ان تكوني سيدة نساء المؤمنين او سيدة نساء هذه الأمة”( )”.
وفي الحديث دلالات عقائدية خاصة أظهرها:
الأول : انه يؤكد بصورة عملية حديث (فاطمة بضعة مني).
الثاني : المنزلة السياسية والشأن المبارك للزهراء عليها السلام في بناء الإسلام واستحقاقها للإنفراد بسر ذي شأن عظيم وانعطاف كبير في تأريخ الإسلام.
ان القول بأهلية الزهراء لتحمل مسؤولية هذا السر كتماناً واستعداداً لا يعني بالضرورة التعريض بازواج النبي صلى الله عليه وآله وســلم فكل له وظيفــته ومقامـه، ويؤكد قولنا هذا اطلاق عائشـــة للحــديث من غير تحفـــظ وتردد، كما ان قولها (انا كنا أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنده جميعاً لم تغادر منا واحدة)، تســليم بتفضيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم للزهراء فيما يخص مستقبل الأمة وشؤونها واقرار بجلالة قدرها.
الثالث : اكـرام النبي صلى الله عليه وآله وسلم للزهـراء باخبارهـا بالطارئ من امر الوحي النازل وعرضه عليها دليلاً وامارة على قرب الفراق وأوان المغادرة.
الرابع : اجلال واكرام النبي صلى الله عليه وآله وسلم للزهراء عليها بالترحيب ودنو المجلس حال وصولها وكأن في الأمر حثاً لأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المبالغة في اكرامها عليها السلام والنظر اليها باعتبارها فرع النبوة.
الخامس : امر النبي صلى الله عليه وآله وسلم للزهراء عليها السلام بالصبر بعد وفاته، وفيه اشارة الى ما ستتعرض له من المحن والأذى بعد مغادرته الى الرفيق الأعلى.
السادس : حرص الزهراء عليها السلام على كتمان اسرار النبوة مع بيان قدرتها على تحمل هذا العبأ التأريخي الكبير على نحو القضية الشخصية والوديعة الخاصة من بين عامة المسلمين بما في ذلك كبار الصحابة وازواج النبي.
السابع : الإقرار الواقعي العام والتسليم بأهليتها للمسؤوليات الجسام والسيادة المطلقة على النساء.
وسيبقى موضوع ولادة الزهراء وما يترشح عنه من الكرامات شاهداً حياً على صحة حديث الاسراء وحدوثه بالجسم والروح، وتأثير ما وقع خلاله في العبادات والمعاملات والاحكام، وهو دعوة الى اكرامها من قبل المسلمين جميعاً.
اما من ناحية وجدها وما اصابها بسبب مصيبة الإسلام بفقد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد كان امراً عظيماً يجدد الحزن والأسى في كل بيت من بيوت المسلمين .
وقد روي : ” انها عليها السلام ما زالت بعد ابيها معصبة الرأس ناحلة الجسم منهدة الركن , باكية العين محترقة القلب ، يغشى عليها ساعة بعد سـاعة وتقول لولديهـا : اين ابوكما الذي كان يكرمكما ويحملكما، أين ابوكما الذي كان من اشد الناس حباً لكما وشفقة عليكما، ولا تزال تعدد وجوه بره بهما فتبكي اباها وتندبه في بيت لها سمي بعدئذ ببيت الأحزان”، وقيل هو نفسه مسجد فاطمة , وموضــعه في جهة قبة مشهد الحسن عليه السلام والعباس.
قال ابن جبير: “ويلي القبة العباسية بيت فاطمة الزهراء عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويعرف ببيت الأحزان ويقال انه هو البيت الذي آوت اليه والتزمت الحزن فيه منذ وفاة ابيها الى ان لحقت به”.
لقد اعتبرت الزهراء عليها السلام من البكائين الخمسة لإتصال بكائها على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقيل ان رأس البكائين ثمانية: “آدم ونوح ويعقوب ويوسف وشعيب وداود وفاطمة وزين العابدين عليهم السلام”، وقد ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه الســلام انه قال: “اما فاطمة فبكــت على رســـول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى تأذى اهل المدينة فقالوا لها: آذيتنا بكثرة بكائك اما ان تبكي بالليل واما ان تبكي بالنهار، وكانت تخرج الى مقابر الشهداء فتبكي( )”.
لقد أثرت مصيبة وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالزهراء تأثيراً استوعب ما بقي من ايامها في الدنيا وظهرت علاماته على انماط عملها واحاسيسها وقد روى عمرو بن دينار عن الإمام محمد الباقر عليه السلام قال: “ما رؤيت فاطمة ضاحكة قط منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى قبضت( )”.
وروي شعر منسوب للزهراء عليها السلام عند وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذكر انها قالته على قبره:
انا فقدناك فقد الأرض وابلها …وغاب مذ غبت عنا الوحي والكتب
فليت قبلك كان الموت صادفنا …لما نعيت وحال دونك الــكثب( )
لقد كانت تنتظر اللحاق بالرسـول الأمـين صلى الله عليه وآله وسلم حســب ما أخبرها بانها أول اهـله لحوقاً به، وبعد ان انعم الله على الناس ببقاء الإمامة وحضــورها المصــاحب لأيام الحـياة الدنيا وما يلازمه من أمل واشراقة هدى تملأ ربوع الأرض بالبشارة التي خص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بها الزهراء عليها السلام ومن خلالها أجيال المســـلمين المتعاقبة اذ قال لها:
“ابشري يا فاطمة فان المهدي منك( )”.
و روى حرث بن شريح عن محمد بن علي بن الحنفية أنه قال يا أهل العراق تزعمون أن أرجى آية في كتاب الله عز و جل [يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ] و إنا أهل البيت عليهم السلام نقول أرجى آية في كتاب الله [ وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى] و هي والله الشفاعة ليعطينها في أهل لا إله إلا الله حتى يقول رب رضيت .
و عن الصادق (عليه السلام) قال دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم على فاطمة عليهاالسلام و عليها كساء من ثلة الإبل و هي تطحن بيدها و ترضع ولدها فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لما أبصرها فقال يا بنتاه تعجلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة فقد أنزل الله علي[وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى]، و قال زيد بن علي إن من رضا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أن يدخل أهل بيته الجنة( ).
لما صالح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قريشا عام الحديبية كان في أشراطهم أنه من أحب أن يدخل في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أدخل فيه فدخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم و دخلت بنو بكر في عقد قريش وكان بين القبيلتين شر قديم ثم وقعت فيما بعد بين بني بكر و خزاعة مقاتلة ورفدت قريش بني بكر بالسلاح وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا و كان ممن أعان بني بكر على خزاعة بنفسه عكرمة بن أبي جهل و سهيل بن عمرو فركب عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم المدينة وكان ذلك مما هاج فتح مكة .
فوقف عليه و هو في المسجد بين ظهراني القوم فقال :
لا هم إني ناشـــــــد محمدا حلف أبينا و أبيه الأتلدا
إن قريشا أخلفوك الموعدا و نقضوا ميثاقك المؤكدا
و قتلونا ركعا و سجدا فقال رسول الله : حسبك يا عمرو ثم قام فدخل دار ميمونة و قال : اسكبي لي ماء فجعل يغتسل و هو يقول لا نصرت إن لم أنصر بني كعب و هم رهط عمرو بن سالم ثم خرج بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فأخبروه بما أصيب منهم و مظاهرة قريش بني بكر عليهم ثم انصرفوا راجعين إلى مكة .
و قد كان صلى الله عليه وآله وسلّم قال للناس كأنكم بأبي سفيان قد جاء ليشدد العقد و يزيد في المدة و سيلقى بديل بن ورقاء فلقوا أبا سفيان بعسفان و قد بعثته قريش إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلّم ليشدد العقد فلما لقي أبو سفيان بديلا قال : من أين أقبلت يا بديل قال : سرت في هذا الساحل و في بطن هذا الوادي قال : ما أتيت محمدا قال : لا فلما راح بديل إلى مكة .
قال أبو سفيان : لئن كان جاء من المدينة لقد علف بها النوى فعمد إلى مبرك ناقته و أخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى فقال أحلف بالله تعالى لقد جاء بديل محمدا ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فقال : يا محمد احقن دم قومك وأجر بين قريش وزدنا في المدة فقال صلى الله عليه وآله وسلّم : أ غدرتم يا أبا سفيان قال : لا , قال صلى الله عليه وآله وسلّم : فنحن على ما كنا عليه فخرج فلقي أبا بكر , فقال : أجر بين قريش , قال : ويحك واحد يجير على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ثم لقي عمر بن الخطاب فقال له مثل ذلك ثم خرج فدخل على أم حبيبة فذهب ليجلس على الفراش فأهوت إلى الفراش فطوته فقال : يا بنية أرغبة بهذا الفراش عني .
فقالت نعم هذا فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ما كنت لتجلس عليه و أنت رجس مشرك ثم خرج فدخل على فاطمة عليهاالسلام , فقال : يا بنت سيد العرب تجيرين بين قريش وتزيدين في المدة فتكونين أكرم سيدة في الناس .
فقالت : جواري جوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم , قال : أتأمرين ابنيك أن يجيرا بين الناس .
قالت : و الله ما بلغ ابناي أن يجيرا بين الناس وما يجير على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أحد فقال : يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني فقال علي عليه السلام : إنك شيخ قريش فقم على باب المسجد و أجر بين قريش ثم الحق بإرضك , قال : وترى ذلك مغنيا عني شيئا , قال : لا والله ما أظن ذلك ولكن لا أجد لك غير ذلك , فقام أبو سفيان في المسجد .
فقال : يا أيها الناس إني قد أجرت بين قريش ثم ركب بعيره فانطلق , فلما قدم على قريش قالوا ما وراك فأخبرهم بالقصة فقالوا : و الله إن زاد علي بن أبي طالب على أن لعب بك فما يغني عنا ما قلت , قال : لا و الله ما وجدت غير ذلك .
قال : فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم بالجهاز لحرب مكة و أمر الناس بالتهيئة وقال : اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها وكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم الخبر من السماء فبعث عليا عليه السلام و الزبير حتى أخذ كتابه من المرأة وقد مضت هذه القصة في سورة الممتحنة ثم استخلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أبا ذر الغفاري و خرج عامدا إلى مكة لعشر مضين من شهر رمضان سنة ثمان في عشرة آلاف من المسلمين ونحو من أربعمائة فارس ولم يتخلف من المهاجرين و الأنصار عنه أحد( ).
روي أن عليا عليه السلام لما ماتت فاطمة وفرغ من جهازها ومن دفنها رجع إلى البيت فاستوحش فيه وجزع عليها جزعا شديدا ثم أنشأ يقول:
أرى علل الدنيـــــا علي كثيرة وصاحبها حتى الممات عليل
لكل اجتماع من خلـيلين فرقة وكل الذي دون الفراق قليل
وإن افتقادي فاطما بعد أحمد دليـــل على أن لا يدوم خليل
وكان يزور قبرها في كل يوم فأقبل ذات يوم فانكب على القبر وبكى بكاء مرا وأنشأ يقول:
ما لي مررت على القبور مسلما قبر الحبيب فلم يرد جوابي
يا قبر ما لك لا تجيـــــــــب مناديا أمللت بعدي خلة الأحباب
فأجابه هاتف يقول:
قال الحبيب وكيف لي بجوابكم وأنا رهين جنــــــــــــادل وتراب
أكل التراب محاسني فنــــسيتكم وحجـبت عن أهلي وعن أترابي
فعليكم مني السلام تقــطعت مني ومنكم خلة الأحبــــــاب( )

المحتويات
صفحة الموضوع صفحة الموضوع
3 المقدمة 39 أم الحسن
11 الولادة المباركة 40 تعليم النبي (ص) لها
16 النشأة الكريمة 51 صفة الزهراء
15 نسبها الشريف 57 زواجها
18 في رحاب أسمائها المباركة 78 مهرها
21 فاطمة 83 أفضلية الزهراء
23 البتول 87 دعاؤها
26 الطاهرة 91 حرز الزهراء
28 الصديقة 92 خاتمها
30 الزكية 92 تسبيحة الزهراء
31 الراضية 98 اداؤها للعبادات
32 المحدثة 99 جهادها
32 الزهراء 103 خلقها
35 كنيتها 106 محبة النبي (ص) لها
36 أم أبيها 108 علمها عليها السلام

المحتويات
صفحة الموضوع صفحة الموضوع
110 دعاء النبي (ص) لها 212 حديث الغضب

115 لباس الزهراء 215 قانون إنفاق اهل البيت في الضراء
117 محبتها للنبي (ص) 221 قانون التضاد بين الإنفاق في السراء والضراء وبين الإرهاب

121 فاطمة والرؤيا 216 حديث السفر

رؤياي بالزهراء	220	حديث الجفنة

127 فاطمة والحجاب 228 سيدة النساء
131 اولادها 234 حديث الركنين
144 مناظرة المأمون مع الإمام الرضا 234 فضل الزهراء
147 الزهراء في القرآن 236 المحدثة
149 دلالات حديث المباهلة 239 مصحف فاطمة
185 افاضات آية التحريم 259 مصحف فاطمة والتقية
187 كلمات تلقاها آدم 261 الزهراء والإمامة
189 آية الخمس 264 الزهراء واعمال المنزل
191 ذوو القربى 268 الباب المفتوح
193 الأهل والصلاة 271 اكرام الإمام علي لها
194 مخاطبة مقام النبوة 275 الزهراء وواقعة كربلاء
195 آية التطهير 277 الزهراء والشفاعة
200 الصلاة على النبي محمد (ص) 278 زيارتها لقبور الشهداء
201 آية المودة 281 أوقافها
204 آية البحرين 283 بعد وفاة النبي (ص)
205 النذر الخالد 291 الفهرس
208 الزهراء في السنة
210 حديث البضعة

رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد
4753 لسنة 2024