بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مسائل في التفسير
السؤال الأول: هل من قول جديد بفي اعجاز القرآن؟
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
الجواب وبالله التوفيق،
اعجاز القرآن علم مستقل وباب تنشطر منه علوم عديدة ومواضيع وآيات كثيرة، والمعجزة هي أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة.
ولقد تصـدى نفر من العلماء للتصنيف في بابه منهم الواسطي المتوفي سنة 306 للهجرة النبوية المباركة، والخطابي، والرماني المتوفي سنة 382، والقاضي الباقـلاني المتوفي سنة 403 الذي قال فيه ابن عربي “ولم يصــــنف مثــل كتابه”، والرازي المتوفي سنة 606 هـ.
أقول: ليس المدار على المصنف والكتاب بل على موضوع اعجاز القرآن ذاته، فما كتب فيه قليل ومحدود وشاهد على التقصير المجموعي، والتقصير مركب ومتعلق بذات القرآن ومحتواه وظاهره وبالآفاق العلمية الجديدة وما يجب ان يرقى معها علم اعجاز القرآن لتكون توكيداً ودليلاً عليه وليكون هو طريقاً مضيئاً لها وللأكتشافات الجديدة في عالم الأرض والسماء.
من المؤلفين في هذا الباب من حصر اعجاز القرآن بالفصاحة والبلاغة أو السلامة من العيوب والصرفة أي صرف الناس عن الاتيان بمثله، أو في علم البيان وهو ما يحترز به عن الخطأ في تأدية المعنى وعن عدم الوضوح فيه، وبه تعرف وجوه تحسين الكلام، ومنهم من أكد على اخباره بالمغيبات ونحوه، قال الإمام فخر الدين: وجه الاعجاز الفصاحة وعناية الاسلوب والسلامة من جميع العيوب، وقال الزملكاني: وجه الاعجاز راجع الى التأليف الخاص به لا مطلق التأليف، أما الذي أذهب اليه فهو:
1- شطر اعجاز القرآن الى اعجاز نفسي واعجاز غيري، بل ان كلاً منهما قابل للتقسيم العلمي والمنطقي، من اعجازه الغيري مثلاً عدم وصول يد التحريف اليه وعدم الخلط بينه وبين السنة والحديث القدسي من جهة اخرى.
2- ان الواقع والوجدان يشهدان على ان في كل آية اعجازا متعدد الوجوه وان لم تدركه عقول الرجال في هذا الزمان وما سبق، وقد ذكرت شطراً منها بإطار علمي مبارك في تفسير كل آية من تفسيرنا الموسوم “معالم الإيمان”.
الباحثون في هذا الزمان وحاملوا شهادة الماجستير والدكتواره اثناء اعدادهم لرسالاتهم ودراساتهم يتوجهون الى دراسة العلماء والمصنفين القدماء والمتأخرين بحثاُ وتحقيقاً وهو أمر حسن ولكن نريد الابداع تفكيراً ونهجاً وثمرة علمية.
خذ مثلاً لذلك لغــة الإطـراء والتـفـخـيم للزمخشري (467 – 538 هـ) في الدراسات الحديثة لما في تفسيره “الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل” من اظهار لعلوم بلاغة القرآن، ولكن بلاغة القرآن أعم من ان يحيط بها مصنف او مصنفون، واكثر من هذا فهي تتجدد في كل زمان كعلم توليدي على ضوء ما تفرزه التحقيقات العلمية وحتى في باب اللغة.
واني أرجو واناشد ان تفتتح كلية للبلاغة على نحو الاستقلال، اذ ان العلوم في انشطار نتيجة الحاجة ولإستخراج كنوز مستحدثة من علوم القرآن واللغة أي اما ان يكون هذا الانشطار معلولاً لغيره، أو علة وما كان منه معلولاً يكون ايضاً علة وسبباً لمنافع وعلوم مستحدثة، فاستقلال علم البلاغة يفتح ابواباً ويهيئ اسباباً مباركة لدراسة آيات القرآن من جهة البلاغة والفصاحة لاسيما وقد اشتهر بين المتقدمين ان اعجاز القرآن في البلاغة.
ومن اعجاز القرآن ان آياته تفسر بعضها بعضاً، فاذا علمنا اننا لم ولن نحيط بتفسير الآية المُفسِرة ولا الآية المفسَرة أدركنا ان باب العلم في اعجاز القرآن لا زال مفتوحاً.
وقد حرصت في بحث التفسير وهو أكبر دروس الحوزة العلمية الشريفة ان أفرد باباً لاعجاز القرآن في كل موضوع نتعرض له.
ومن اعجازه الغيري على سبيل المثال لا الحصر، وتوكيداً لما نذهب اليه وحثاً على البحث والتحقيق ونوع منهجية في هذا المضمار العلمي الذي لم يعط حقه مع عدم الغفلة عن ابواب الاعجاز التي أتعب العلماء المتقدمون والمتأخرون انفسهم في بحثها وتحقيقها:
1- تثبيته لنبوة الأنبياء السابقين.
2- خلوده.
3- منزلته العالمية وازديادها بإطراد.
4- مدرسة اسمائه.
5- أثره في النفوس.
6- نزوله بالعربية.
7- أثر فضحه للمنافقين.
8- تثبيته لدعائم الدين.
9- هو سلاح متعدد الوجوه ونفاذه متصل في الميادين المختلفة.
10- حجيته.
11- شهادته على كل زمان.
12- حاجة الناس له.
13- أهليته لكل زمان ومكان.
14- طريقيته لاسلام كثير من الناس فحتى في هذا الزمان ترى شخصاً يعتنق الدين الاسلامي لقراءة آيات من القرآن الكريم وبصورة اتفاقية.
15- من اعجازه هذه المجلدات الضخمة في علم التفسير والدراسات المتنوعة وهي لا تزال قاصرة عن ادراك عظيم اسراره وكنوز خزائنه.
16- ارتفاع الوحي بانتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى الرفيق الأعلى.
17- دراسة مقارنة بينه وبين الكتب السماوية الأخرى.
18- سلامته من التحريف.
19- هو عون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللمسلمين.
20- البحوث الموسعة في باب اخباره عن المغيبات.
21- خلوّه من التناقض او التضاد او التعارض.
22- التكامل في عقيدته وأحكامه.
23- عدم الخلط بينه وبين السنة والحديث القدسي.
24- الآثار العملية والواقعية لشطر من آياته سواء في الأحكام كما في مسائل الحلال والحرام أو في المجتمعات كما في آية الحجاب، او شــــطر من آيــة كما في قوله تـعــالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ لذا ترى العالم ينشغل بهلال شهر رمضان وهلال شوال ويتابع خبر الهلال والاختلاف والائتلاف في الحكم في موضوعه.
25- آيات الأحكام.
26- القرآن يوم القيامة.
27- أهمية علومه الخاصة كأسباب النزول والنسخ ومحكمه ومتشابهه ونحوها.
••••••••••••••
السؤال الثاني: المتسالم عليه بين المسلمين ان الله قادر على كل شيء ويعزز ذلك قوله تعالى إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، فلماذا خلق الله السموات والأرض في ستة أيام؟ نوروا قلوب مواليكم نور الله قلوبكم وزادكم شرفاً ورفعة.
الجواب: مع ان عدد آيات القرآن الكريم نحو 6236 آية ويكون أول الاية في شيء وأوسطها في شيء وآخرها في شيء اخر فأنه خال من التعارض والتناقض وتلك خصوصية ينفرد بها القرآن الكريم ونوع اعجاز ذاتي يتجدد نابض بالحياة يدعو الناس الى الإيمان ويتحدى والى يوم القيامة أهل الريب والجحود أي ويترشح منه اعجاز غيري.
وورد ذكر خلق السماوات والإرض في سـتة أيام ضمن سبع آيات في حكمة وبيان يرتبط موضـوعه في شطر منها بمتعلقها وما بعدها في الآية أو الآيات التالية، اما لتوكيـد دوام البركة وعظيم الخلق أو على المبنى الذي نذهب اليه بان للتكرار في القرآن تعدداً للمعاني والمقاصد واسراراً متشعبة، فالآية المتكررة لفظاً لها معنى ومضمون يختلف بحسب موقعها من القرآن فلا ملازمة بين المنطوق والمفهوم.
وكانت ثلاث آيات منها بذكر ما بينهما من الموجودات والخلائق أيضاً كما في قوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.. ، واربع مرات من غير ذكرها كما في قــــوله تعـالى إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.. ، ويمكن القول انه من المجمل والمبين ولمضامين في التأويل والتفسـير، ولا تعارض بين هذه الآيات وقوله تعالى [ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ] ( )، بل ان هذه الآية تفسر تلك الآيات:
1- لأن الأمر بسيط غير مركب وهو يتعلق بالتقدير والإرادة أما وجود السماوات والأرض فهو الخلق والوجود الخارجي ونتاج الأمر، ولكن لماذا لم يكن وجود السماوات والأرض بعد الأمر مباشرة من غير ثمة وقت أو زمن، وهو سؤال صغروي اذ ان الكبرى هي خلقه تعالى للسماوات والأرض، فوجودها به دليل على التوحيد وكمال القدرة وان السماوات والأرض حادثة والحادث ممكن وكل ممكن محتاج للصانع المختار، وانها غير أزلية بل مسبوقة بالعدم ونسبة الخلق له تعالى دلالة على عدم وجودها اتفاقاً أو واجباً لغير ارادته وأمره تعالى. وهي أيضاً اخبار بأن موجودات العالم وما تدركه اوهام البشر انما هي من صنعه فلا تخشوا الا الله وهو نوع تأديب لنا كي لا نرجو غيره.
2- لا خلاف ولا شبهة انه تعالى قادر على ان يخلق امثال السماوات والأرض بلحظة ولكن هذه المدة وهي بمقدار ستة أيام من أيام الدنيا على الاقوى انما كانت لحكمة إلهية وعلة تتعلق بالخلائق وابتدأت بيوم الاحد واكتملت يوم الجمعة.
3- ان ترتيب الخلق وتوالي الحوادث سبيل للإقرار بالصانع ومعرفة حكمته وعظيم قدرته، انه تعالى مع قدرته على الخلق بالكاف والنون من غير وجود وقت فاصل بين الأمر والجعل والإيجاد، الا انه سبحانه قادر على ان يخلق على مراحل وبالترتيب والتجزئة في الخلق ليكون دليلا على سلطانه وسعة قدرته على الأشياء كلها ومنها الخلق على مراحل وفي أزمان طولية متعددة.
4- نبين هنا مسألة لعلها جديدة ولكنها الأهم في الجواب على ما طرحتموه من تساؤل وهي ان السماوات والأرض أشياء مركبة وكل منها حقيقة لها وجود مستقل فهذه الآية جاءت على طريقة اللف والنشر البلاغية وهي مجملة ولها بيان وتفصيل في السنة الشريفة، أي ان خلق السماوات والأرض جاء بذات الأمر [ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ] ( ).
لكن لكل وجود منها أمر وارادة خاصة، للأرض أمر خاص، وكذا للسماوات، وايضا لما بينهما، وليس من دليل يمنع من القول بأن لكل منها أمرا مستقلاً وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: “ان الله خلق الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق الشجر والماء والعمران والخراب يوم الأربعاء، فتلك أربعة أيام وخلق الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة الشمس والقمر والنجوم والملائكة وآدم”( ). فالايتان في مفروض السؤال احداهما تفسر الأخرى.
ان كل حادث مركب وهو محتاج الى جزئه ويحتاج الى المؤثر، فحتى في خلق آدم وهو جرم صغير بالقياس الى السماوات والأرض تم أيضاً على مراحل بدليل قوله تعالى فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ، بالإضافة الى النصوص الكثيرة الدالة على التدرج في خلق آدم.
وقد روي بالاسناد عن ابن مسعود وغيره من اصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه لما بلغ الحين الذي أراد الله عزوجل أن ينفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس فقالت الملائكة: قل الحمد لله، فقال الحمد لله فقال الله عزوجل له: رحمك ربك، فلما دخل الروح في عينيه نظر الى ثمار الجنة، فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل ان تبلغ الروح رجليه عجلان الى ثمار الجنة … الحديث( ).
وعن ابن عباس قال: أمر الله تبارك وتعالى بتربة آدم فرفعت، فخلق آدم من طين لازب حمأ مسنون قال: وانما كان حمأمسنوناً بعد التراب. قال: فخلق منه آدم بيده، فمكث أربعين ليلة جسداً ملقى، فكان ابليس يأتيه فيضربه برجله، فيصلصل فيصوت، قال: فهو قول الله تبارك وتعالى مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ، يقول: كالشيء المنفرج الذي ليس بمصمت، قال: ثم يدخل في فيه ويخرج من دبره، ويدخل في دبره ويخرج من فيه، ثم يقول: لست شيئاً للصلصلة، ولشيء ما خلقت، ولئن سلطت عليك لأهلكنك، ولئن سلطت عليّ لأعصينك( ).
ويمكن الاستدلال ايضا بمنهج تفسير القرآن بالقرآن على التعــدد في خــلق الســـــماوات والارض كما في قـوله تعالى خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وقوله تعالى فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ، كما ان الواو في الاية تدل على المغايرة والخلق غير المخلوق، وهذا القول لا يتعارض مع ما ورد في الخبر انه تعالى اراد ان يعلم عباده الرفق في الامور والصبر عليها، لقد افاض الله عز وجل عليها الوجود بأمره لتكون مسخرة لنا وعوناً على العبادة والعلم عند الله.
••••••••••••••
مسائل في التقليد والاجتهاد
السؤال الثالث: لم أزل حائراً في اتخاذ مقلد معين علماً بأني أديت فريضة الحج قبل اكثر من عشر سنوات فهل يكون حجي صحيحاً أم لا؟، وكذلك باقي العبادات؟ وكيف أستطيع أن اختار مرجعاً للتقليد وهل يجب الالتزام بكل ما في رسالة ذلك المجتهد؟
الجواب: أداء التكاليف العبادية الخمس وهي الواجبات والمحرمات والمندوبات والمكروهات والمباحات وكذا المعاملات التي لا تحتاج في تقومها إلى قصد القربة كحيازة المباحات والأطعمة والأشربة والعقود كالبيع والإجارة والنكاح والإيقاعات كالطلاق والإقرار يتم بأحد طرق ثلاث الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط، وهي طرق فطرية لدرك الواقع ويمكن الاستدلال على كل منها.
وقد ادعى السيد المرتضى الاتفاق على بطلان عبادة تارك طريقي الاجتهاد والتقليد ولكن القدر المتيقن هو موارد ترك الواقع، واذا كان الاجتهاد بعيداًً عنكم ويتعذر عليكم الاحتياط، فلابد إذا من التقليد منذ أول سني التكليف وهو بالنسبة للانثى إتمام تسع ســنوات هــلالية من عــمرها وللذكرخمس عشرة سنة.
والذي يأتي بأفعاله العبادية بلا تقليد أما أن يكون جاهلاً مقصراً أو قاصراً غير ملتفت، والظاهر ان الحكم هو الثاني دون الأول الأشد، وأنكم أديتم الفريضة بقصد القربة فإذا كانت أعمالكم مطابقة لفتوى المجتهد الذي يجب تقليده حين العمل أو الذي ستقلدون فهو صحيح خصوصاً وإنكم في الحج ترجعون إلى المشايخ والمرشدين الذين يرافقون قوافل الحجيج ويجتهدون بإخلاص في تبليغ الأحكام والإرشاد إلى المناسك، والظاهر انه مستجمع للأجزاء والشرائط وفقد الموانع ومبرئ للذمة لحديث الرفع وقاعدة نفي الحرج والاطلاقات وأصالة البراءة وحجية الظواهر.
ومع العلم بمخالفة ما أتيتم به لفتوى من يجب تقليده فعلاً وجب عليكم إعادة أو قضاء الفعل، ومع العلم بمطابقته للفتوى أو عدم العلم بالمطابقة أو المخالفة فلا شيء عليكم، لأن التقليد كما قلنا طريق لمطابقة الواقع بالحجة المعتبرة لا أن يكون له موضوعية خاصة، فإذا تحقــقــت المطــابقــة فلا يبقى مقتضى لهذا الاستناد.
ويجب أن يكون التقليد للأعلم الحي مع الإمكان هو المشهور، ومع التعدد والتساوي في العلم أو التردد بين اكثر من واحد من المجتهدين يجوز التخيير إذ لا يجوز تقليد غير المجتهد وان كان من أهل العلم.
ولا يجب الالتزام بكل ما جاء برسالة المرجع، إذا قصد المكلف التبعيض أي بالإمكان تبعيض التقليد كما لو قلدتم واحداً بالعبادات إلا الحج أو حكم آخر في الصيام مثلاً او المعاملات تقلدون بها الثاني المساوي له في العلمية او الأعلم منه في هذا الشطر من الأحكام والعلم عند الله.
••••••••••••••
مسائل في الطهارة
السؤال الرابع: هل يكفي الغسل عن الجنابة بالماء فقط دون استخدام الشامبو والصابون وذلك لضيق الوقت على أن يغتسل بالصابون والشامبو فيما بعد؟
الجواب: الطهارة والنظافة والنزاهة مفاهيم عرفية متعددة ولكنها تحمل معنى واحداً في اللغة والعرف، والمعتبر منها شرعاً هو الأول لأنه اصطلاح أسسه الشارع ويكون مقدمة لأعمال عبادية فقد يكون الشيء طاهراً ولكن ليس نظيفاً، كما لو كان على الثوب أو البدن بعض آثار بقايا الأكل أو الشراب، وقد يكون نظيفاً وليس بطاهر كما في الحدث المعنوي كالجنابة وان زالت آثارها الظاهرية لذا عرفت الطهارة بأنها: اسم للوضوء والغسل والتيمم مطلقاً، ومنهم من قيد التعريف بإزالة الخبث والذي لم يذكره فلمعلوميته ووضوحه بالدلالة التضمنية، ومنهم من قيده باستباحة الصلاة على نحو الفرد الغالب، والمشهور عند المفسرين وأئمة الحديث واللغة أن الطهور هو الطاهر المطهر.
ومادة التطهير على نوعين:
1- الماء وهو الأصل.
2- التراب وهو الطــهارة البدلية لعمــــومات قـوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا .
وموضوع السؤال منحصر بالماء وهو على نوعين ماء مطلق كالجاري والبئر وماء المطر وماء الإسالة، وكل واحد منهما مع عدم ملاقاته للنجاسة طاهر مطهر من الحدث( ) والخبث( )، والنوع الثاني هو الماء المضاف كالمعتصـر من الأجسام كماء الرمان، أو الممتزج بغيره وهو طاهر وان لم يلاق النجاسة، ولا يصح التطهر به من الحدث والخبث على المشهور لقوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ، أي لا ثالث أو واسطة بينهما وفي رواية أبي بصير عن الصادق عليه السلام: في الرجل يكون معه اللبن أيتوضأ منها للصلاة؟ قال عليه السلام: لا، إنما هو الماء والصعيد.
والماء المطلق هو مادة التطهير من الجنابة وغيرها ولا يحتاج إلى مادة أخرى معه كالشامبو والصابون، والغسل بمفرده مجز وصحيح ولا يستلزم غسلاً آخر لأنه تحصيل لما هو حاصل، بل لو لم يستهلك الشامبو فيه إثناء الغسل لكان خلطه معه في الغسل والوضوء العباديين محل أشكال والعلم عند الله.
••••••••••••••
السؤال الخامس: ما هي مدة انقطاع المرأة عن الصلاة في أيام الحيض وعلى ماذا تعتمد؟
الجواب: بين سن البلوغ وسن اليأس تتعرض المرأة للحيض وهو خروج الدم من الرحم في كل شهر في الغالب في سر من اسرار الخلق وآية في خلق المرأة ودوام وجود الإنسان على سطح الأرض ومصالح ترجع في عمدتها الى الجنين وغذائه ومع الخلو من الحمل والرضاعة يقذف الرحم الدم الى الخارج فيكون لتلك الحالة التكوينية أحكام شرعية متعددة وذات وجوه مختلفة تبعاً للإختلاف في الموضوع.
ولقد أولى النبي صلى الله عليه وآله وسلم اهتماماً خاصاً بأحكام الحيض وجعل فيه سنناً أزالت كل التباس رأفة واكراماً منه لنساء أمته وقد بينها الأئمة عليهم السلام بالتفصيل.
ودم الحيض في الغالب احمر مائل الى السواد طري حار، يخرج بقوة وحرقة، بخلاف دم الإستحاضة الذي يكون اصفر بارداً رقيقاً، وتستطيع المرأة ان تميز بينهما، وفي الخبر عن الصادق عليه السلام: “دم الحيض ليس فيه خفاء…”
وتختلف مدة الحيض عند النساء اختلافاً كبيراً بحسب المزاج والصحة والمرض والفصول والمناخ ومراتب السن، وعن الإمام الصادق عليه السلام: “ان كان الدم احمر كثيراً فلا تصلي، وان كان قليلاً اصفر فليس عليها الا الوضوء”، وأقل الحيض ثلاثة أيام متواليات وأكثره عشرة أيام والزائد على العشرة ليس بحيض وعليه الإجماع ويكون استحاضة، كما لو رأت الدم ثلاثة عشر يوماً، فالعشرة حيض والأيام الثلاثة الأخيرة تعتبر استحاضة. ويقسم حال المرأة في موضوع الحيض تقسيماً عقلياً استقرائياً الى قسمين:
1- ذات العادة.
2- غير ذات العادة.
والقسم الأول على وجوه:
أ- ذات العادة الوقتية العددية، وهي التي ترى الدم في يوم معين من كل شهر ويستمر لمدة تتكرر في كل شهر فيتماثل عندها الوقت والعدد في شهرين او اكثر كما لو كانت ترى الدم في اليوم الأول من الشهر ويستمر عندها في كل مرة سبعة ايام فيكون اوان الحيض ومدة أيامه ثابتين.
ب- ذات العادة الوقتية فقط: وهي التي اعتادت رؤية الحيض في يوم معين من كل شهر ولكن مدة الحيض تختلف بين شهر وآخر كما لو كانت ترى الدم في اليوم الخامس من كل شهر مرة يستمر لستة أيام واخرى سبعة ايام او خمسة أيام، فالتماثل ينحصر عندها في أوان بداية الحيض دون عدد أيامه.
ت- ذات العادة العددية فقط: أي ان التماثل يكون في عدد أيام الحيض دون الوقت، ففي كل شهر أو اقل من شهر تكون مدة حيضها مثلاً خمسة أيام ولكنه مرة يأتيها في اول الشهر ومرة في اليوم الرابع منه او السابع منه وهكذا.
وبالنسبة للأولى أي الوقتية العددية فأنها تحيض برؤيتها للدم بصفات الحيض لما يوجب الإطمئنان العرفي، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للتي تعرف أيامها: “أدي الصلاة أيام اقرائك”.
وكذا بالنسبة للثانية وهي الوقتية فقط فأنها تترك العبادة بمجرد رؤية الدم في العادة ولو لم يكن الدم جامعاً لصفات الحيض وتترتب عليها جميع أحكام الحائض، نعم لو علمت بعد ذلك عدم كونه حيضاً كما لو أنقطع قبل تمام ثلاثة ايام فأنها تقضي ما تركته من العبادات لقاعدة الإشتغال وعدم ثبوت الحيض الذي لا يكون أقل من ثلاثة ايام.
اما بالنسبة للقسم الثاني وهي غير ذات عادة فعلى وجوه:
1- المبتدأة: وهي التي أبتدأ الحيض عندها ورأت الدم أول مرة وأحياناً يطلق هذا الإصطلاح على الأعم فيشمل المضطربة.
2- المضطربة: وهي التي رأت الدم مكرراً ولكن لم تستقر لها عادة من جهة الوقت ولا بلحاظ عدد الأيام.
3- الناسية: وهي التي نسيت اوان حيضها وعدد أيامه وتسمى ايضاً المتحيرة.
وبالنسبة للصور الثلاثة أعلاه وكذلك بالنسبة لذات العادة العددية من القسم الأول فأنها تترك العبادة وترتب احكام الحيض حين رؤية الدم اذا كان بصفات الحيض لإطلاق أدلة الرجوع الى الصفات وانحصار إمارة التحيض بها.
ولكن مع عدم رؤية صفات دم الحيض قيل تحتاط بالجمع بين تروك الحائض واعمال المستحاضة الى ثلاثة ايام للعلم الإجمالي المردد بينهما، ولكن لو رأت الدم ثلاثة ايام او ازيد تجعلها حيضاً، نعم لوعلمت ان الدم سيستمر ثلاثة ايام او أكثر فأنها تترك العبادة بمجرد الرؤية، واذا تبين خلاف ذلك كأن لم يستمر الدم ثلاثة ايام فأنها تقضي ما تركته من الصلاة، وتشملها عمومات قاعدة الإمكان وهي مشهورة وتتعلق بالدماء ومفادها ان كل ما امكن ان يكون حيضاً فهو حيض، والعلم عند الله.
••••••••••••••
السؤال السادس: ما هي مدة الإنقطاع عن الصلاة في النفاس وعلى ماذا تعتمد؟
الجواب: دم النفاس يخرج مع ظهور أول جزء من الولد او بعده وقبل انقضاء عشرة ايام من حين الولادة سواء ولجته الروح او لم تلجه.
وليس لأقل النفاس حد وعليه الإجماع والنص، واختلف في اكثر النفاس واقصى مدة له على اقوال واخبار مختلفة والأقوى انها عشرة ايام وهو المشهور لإصالة المساواة بين النفاس والحيض إلا ما خرج بالدليل.
وذهب جماعة من المتقدمين الى انه ثمانية عشر يوماً، وهناك أخبار واقوال بأنه اكثر من ذلك ولكنها مخالفة للإجماع ومحكوم على ما زاد على ثمانية عشر يوماً بأنه استحاضة.
وقيل بمراعاة الإحتياط بعد العشرة الى ثمانية عشر يوماً في الولادة للأخبار التي تناسب الإحتياط دون الفتوى، فإذا انقطع دم النفاس على عشرة أيام أو قبل اتمامها فكل ما رأته نفاس وان كانت عادتها أقل من عشرة، واذا تجاوز الدم العشرة أيام فان كانت ذات عادة في الحيض اخذت بعادتها سواء كانت عشرة أو اقل وعملت بعدها عمل المستحاضة، اما اذا لم تكن ذات عادة كالمبتدأة والمضطربة التي لم تستقر لها عادة فنفاسها عشرة ايام وتعمل بعدها عمل المستحاضة الى ان يحصل النقاء من الدم.
ويجب على النفساء الغسل بعد الإنقطاع او بعد العادة او بعد العشرة وتقضي ما فاتها من الصوم دون الصلاة، ولا يجوز وطؤها ولا طلاقها ويحرم عليها مس كتابة القرآن وأسم الله وقراءة آيات السجدة ودخول المساجد والمكث فيها.
وغسل النفاس كغسل الجنابة من حيث الكيفية ولكنه من حيث الحكم وترتب الأثر كغسل الحيض فلا يغني عن الوضوء والعلم عند الله.
••••••••••••••
مسائل في الصلاة
السؤال السابع: هل يجب أن أأتي بالأذان والإقامة لكل صلاة؟ أم إن ذلك مستحب وهل تكفي النية والدخول في الصلاة؟
الجواب: الأذان شعار الإسلام الخالد وإعلان يومي مبارك متكرر للشــريعة الاســلامية المقدســة ودعوة متجددة للتوحيد يسمعها الناس طوعاً أو كرهاً وتخترق القلوب لتكون رحمة لهم وتذكيراً وحجة عليهم ومناسبة للتدبر في الخلق ووظائف العبد وما عليه من التكاليف واستحضار الدروس العقائدية في كل فصل من فصوله، وتدارك الذنوب واستثمار الوقت لاقتناء الصالحات لأن الدنيا مزرعة الآخرة، وهو أمان لأهل الأرض وآية أخذت في الشمول والاستيعاب لتتغشى المعمور من الأرض، ومن الاعجاز انك تجد القبول له وعدم نفرة غير المسلمين منه.
وإجماع المسلمين على تشريع الأذان والإقامة إلا انه اختلف في مناسبة وكيفية تشريعه، فالمشهور عند علماء السنة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذه من رؤيا عبد الله بن زيد في منامه، وفي رواية برؤيا أبي بن كعب، وإجماع الأمامية على انه شرع ليلة الإسراء وفي صحيحة ابن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “لما اسري برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحضرت الصلاة أذّّن جبرئيل وأقام الصلاة، فقال عليه السلام: يا محمد تقدم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تقدم يا جبرئيل، فقال له: انا لا نتقدم الآدميين منذ أمرنا بالسجود لآدم”.
واشكل بعض الأصحاب على اخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع عظيم مقام النبوة هذا الحكم العام البلوى من رؤيا أحد اصحابه وشخص من أمته، وهو صغروي بعد الاتفاق على أصل تشريعه ولأن السنة التقريرية حجة ودليل معتبر وهي أعم من أن تنحصر بعالم اليقظة، والمناط على النصوص دلالة وسنداً.
والأذان والإقامة مستحبان استحباباً مؤكداً، وهما مختصان بالفرائض اليومية وعليه إجماع المسلمين، أي لا يؤذن للصلاة الواجبة الأخرى كصلاة الآيات وكذا النوافل، وفي خبر إسماعيل الجعفي عن أبي عبد الله عليه السلام قلت له: “أرأيت صلاة العيدين هل فيهما أذان واقامة؟ قال عليه السلام: ليس فيهما أذان ولا اقامة، ولكن ينادى الصلاة ثلاث مرات”.
ويستحب حكاية الأذان عند سماعه ولكن ليس على نحو الترجيع الذي يشبه الغناء، وتأكد رجحان الأذان والإقامة لا ينحصر بالصلاة اليومية الأدائية بل يشمل صلاة القضاء والجماعة والفرادى، والحضر والسفر، سواء كان للرجال او للنساء.
ومنهم من قال بوجوب الأذان والإقامة على الرجال في صلاة الجماعة كالشيخ المفيد والطوسي والسيد المرتضى وابن البراج وابن حمزة، وقال الشهيد الثاني بأن معنى الوجوب تعلقه بثواب الجماعة لا اشتراط الصحة فيها، وبه قال في المبسوط والدروس، ومنهم من أوجبهما في الجهرية خصوصاً صلاة المغرب والصبح.
ومقتضى الجمع بين الأخبار في المقام ورد بعضها الى بعض يفيد استحباب الأذان ولأن المرجع في الشك في الوجوب هو البراءة، وفي صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام: “اذا أذنت وأقمت صلى خلفك صفان من الملائكة، واذا أقمت صلى خلفك صف من الملائكة”، وهو ظاهر في الإستحباب، كما أنه خال من الإشارة الى عقاب الترك او المخالفة، ولا ملازمة بين الأذان والإقامة، وليس احدهما شرطاً في صحة الآخر او علة للإتيان به، لذا يجوز ترك الأذان في السفر والإستعجال، والأحوط عدم ترك الإقامة فيما عدا موارد السقوط ومنها:
1- الداخل في الجماعة التي أذنوا واقاموا لها وان لم يسمعها، فأنه يدخل في الصلاة بالنية والتكبير وعليه الإجماع والسيرة والنصوص، وللأجزاء ووحدة صلاة الجماعة.
2- الداخل الى المسجد للصلاة جماعة او فرادى وقد اقيمت الجماعة ولم يتفرق صفهم كما لو كان بعضهم مشتغلاً وهو في صفه بالذكر والتعقيب وعليه الإجماع والنصوص منها خبر ابي علي: “كنا جلوساً عند أبي عبد الله عليه السلام فأتاه رجل فقال له: جعلت فداك صليت في المسجد الفجر فأنصرف بعضنا وجلس بعض في التسبيح فدخل علينا رجل المسجد فأذن فمنعناه ودفعناه عن ذلك فقال ابو عبد الله عليه السلام: أحسنت ادفعه عن ذلك وامنعه اشد المنع فقلت: فأن دخلوا فأرادوا أن يصلوا فيه جماعة؟ قال عليه الســـلام: يقـومون في ناحية المسجد ولا يبدو بهم إمام”.
ويشترط في سقوطهما وحدة الصلاة من جهة الوقت فلو كانت السابقة عصراً وهو يريد أن يصلي المغرب فلا يسقط عنه الأذان والإقامة واتحادهما في المكان عرفاً، وقيل بأن جريان الحكم في الأماكن الأخرى غير المسجد محل إشكال ولكن المسجد ورد في الاخبار من باب الفرد الغالب والأفضل والمتعارف.
3- اذا سمع الشخص أذان غيره او اقامته فأنهما يسقطان عنه سقوط رخصة، وللتسهيل والتيسير كما يشترط سماع تمام الفصول واذا سمعها ناقصة فله أن يتم.
وبالنسبة للمرأة يجوز لها الإجتزاء عن الأذان بالتكبير والشهادتين، وعن الإقامة بالتكبير وشهادة ان لااله الا الله وان محمداً عبده ورسوله وفي صحيحة ابن سنان قال: “سألت ابا عبد الله عليه السلام عن المرأة تؤذن للصلاة؟ فقال عليه السلام: حسن ان فعلت، وان لم تفعل أجزأها ان تكبر وان تشهد ان لااله الا الله، وان محمداً رسول الله”.
اما لو دخلت الصلاة بالنية ولا تتقوم الصلاة الا بها لأنها شرط او جزء منها فالصلاة صحيحة وتامة، ولكن ترك الأذان والإقامة من غير عذر خلاف الإحتياط وتضييع لفرصة ومناسبة للثواب وحسن الامتثال والعلم عند الله.
••••••••••••••
السؤال الثامن: هل تقولون بتقسيم الأذان الى أذان اعلامي وصلاتي، وهل يشترط في المؤذن ان يكون عادلاً؟ أفتونا مأجورين.
الجواب: الأذان شعار اسلامي وعمل عبادي ذو فلسفة عقائدية تتعدى في نظريتها اطارات العمل الإعلامي المؤسساتي الذي هو نتاج العقل البشري الجماعي مما يدل على تضمنه تشريعاً وفصولاً وكيفية وزماناً ومحلاً لصيغ ومفاهيم اعجازية لم يتم الى الآن استكشافها والإنتفاع الأمثل منها، فالأذان صرح وبناء يومي متجدد يبعث الإيمان في الحواس ويرشدها وينبهها الى ذكر الله وهو مناسبة للتوبة وتدارك الذنوب ودعوة للصلاة والصلاح وفي كل فرد منه حث على استثمار الوقت في مرضاة الله بل والإلتفات الى قيمته الإعتبارية، وهو حاجز عن الإنغماس في ملذات الدنيا لما فيه من مضامين قدسية تدعو الإنسان الى الكمال وتأخذ بروحه وعقله قهراً وانطباقاً في سياحة الى عالم الملكوت.
ومن اعجازه ايضاً انك لا تجد من يتضرر منه بل هو مناسبة وعون على نبذ العداوة والشر، وتدرك النفوس المؤمنة وغيرها انه نوع بركة حية نابضة في الأرض تتغشى معه شآبيب الرحمة السامعين والقاطنين يلامس الأسماع ويدعوهم من غير اكراه الى التدبر والتفكر في الوحدانية والرسالة الإسلامية الى جانب الثواب العظيم الذي يناله المؤذن، وعندي ان ثواب الأذان لا ينحصر به بل يتعدى ليشمل المستمعين من المسلمين والحاكين لفصوله والذين ينصتون له ومن يساهم في مقدماته على نحو الموجبة الكلية او الجزئية والمستجيبين لدعوته.
نحن لم ندرك بعد كنه فلسفة الأذان وموضوعيته في حياة المسلمين وفي تثبيت شعائر الله واداء الفرائض، فصحيح انه مستحب مؤكد ومقدمة للصلاة ولكنه نور عقائدي يجذب القلوب ويقود الاقدام الى الصلاة ويسوق الجوارح الى طاعة الله والتدبر في آياته تعالى. انه اقرار علني بالوحدانية واخبار كفائي عن المسلمين او اهل الارض بالانصياع لسلطان ربوبيته تعالى، بالاضافة الى ما في كل فصل من فصوله من مضامين عقائدية ودروس ايمانية فلا غرابة ان يكون عبادة توقيفية لا يجوز تغييرها زيادة او نقيصة، وان يوليه المسلمون في كل زمان ومكان أهمية خاصة تزداد اطراداً مع انتشار رقعة الاسلام وتطور العلم واجهزة الاعلام السمعية والمرئية.
ومن العلماء من قسم الأذان الى أذان إعلامي وأذان صلاتي، ومنهم من قال انه صلاتي فقط يؤتى به للإعلام، ومنهم من قال ان الإعلام هو أصل تشريعه واستدل الذي قالوا بتقسيم الأذان الى اعلامي وصلاتي بنصوص، فبالنسبة للأذان الإعلامي استدلوا مثلاً بصحيحة معاوية بن وهب عن ابي عبد الله عليه السلام: “قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من أذن في مصر من أمصار المسلمين سنة وجبت له الجنة”، وخبر سعد الإسكافي عن ابي جعفر عليه السلام: “من أذن سبع سنين احتساباً جاء يوم القيامة ولا ذنب له”، وبالنســبة للأذان الصـلاتي أستدلوا بأخبار كثيرة منها خبر عمار عن ابي عبد الله عليه السلام لا صلاة الا بأذان وإقامة.
ومنهم من قال ببعض الخصوصيات لكل منهما مثلاً أن الأذان الإعلامي لا يتصل بالصلاة ولا يشترط فيه قصد القربة ولا يعتبر فيه بلوغ المؤذن لأن المقصود الإخبار عن دخول الوقت وهو يتحقق بأذان البالغ والصبي المميز ولا يتعين فيه عدم جواز أخذ الإجرة، ومنهم من جعل علة التعدد ان الأذان الاعلامي يعتبر ان يكون في أول الوقت وأذان الصلاة متصل بها وان كان في آخر الوقت.
ولكن اختلاف الغرض لا يعني بمفرده تعدد الحقيقة والماهية بالضرورة، ثم ان هذه النصوص لا تدل على الإختلاف بل تبين وجوه النفع المتعددة من الثواب سواء فيما يخص المؤذن او غيره وفي دار الحياة الدنيا أو في الآخرة فضلاً منه تعالى.
لذا فالتفصيل في الأذان لم يثبت، والظاهر ان النصوص لم تدل عليه منطوقاً ومفهوماً واستقراء. ويشترط في المؤذن العقل لسلب عبارة المجنون، والأسلام وقيل بشرط الإيمان ولكنه لم يثبت اما العدالة فليسـت شرطاً في المؤذن لأن الأذان وظيفة عبادية واعلامية يكفي في ادائها الإسلام والثقة ســـواء كان الثقة مباشـراً او سبباً كما لو كان الذي يحدد اوان الأذان ويتابع فصوله وأداءه هو الثقة والمؤذن مسلم آخر.
نعم العدالة مستحبة في المؤذن لمفهوم النصوص منها ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “يؤمكم أقرؤكم، ويؤذن لكم خياركم”، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: “المؤذنون أمناء المؤمنين على صلاتهم وصومهم ولحومهم ودمائهم، لا يسألون الله عز وجل شيئاً الا اعطاهم لا يشفعون في شيء الا شفعوا”.
ويشترط في الأذان والإقامة قصد القربة وادعي عليه الإجماع، والعلم عند الله.
••••••••••••••
السؤال التاسع: ما هي أوقات الصلاة، ولو جاء الحيض بعد دخول الوقت او قبل انقضائه بدقائق فهل على المرأة صلاة تلك الفريضة؟
الجواب: الوقت شرط في اداء الصلاة فلا يجوز ان تؤدي الصلاة قبل وقتها وتقع باطلة ان كانت كلها خارج الوقت، واداء الصلاة في اول وقتها افضل من غيره وعليه الإجماع وهو نوع مسارعة في الخيرات وتعجيل في الإمتثال قال تعالى أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ، والدلوك هو الزوال.
ولو فات المكلف اداؤها في وقتها فيجب اداؤها بعده بنية القضاء أي قضاء ما في الذمة وثوابه أقل مرتبة من ثواب الأداء في الوقت المخصص لها لموضوعية الوقت في ذات الفريضة، ولأن القضاء حكم امتناني تسهيلي بدلي، وفي خبر ذريح عن الإمام الصادق عليه السلام: “قال جبرئيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم” أفضل الوقت أوله”، وأوقات الصلاة كما يأتي:
1- يدخل وقت صلاة الظهر عند زوال الشمس عن كبد السماء ووسطها ويعرف بزيادة الظل بعد انعدامه او نقصانه، وسميت صلاة الظهر لأنها اظهر اوقات الصلاة للأبصار واول صلاة اظهرت وصليت وقيل اظهرها حراً لأنها تؤدى وقت الظهيرة وهي الهاجرة وشدة الحر نصف النهار ولا يقال في الشتاء ظهيرة.
2- صلاة العصر ويدخل وقتها بعد مضي مقدار اداء صلاة الظهر اربع ركعات، او بحسب حاله والشرائط وفقدها مع مراعاة الترتيب بين الصلاتين فلا يجوز تقديم صلاة العصر على صلاة الظهر عمداً، نعم لو جاء بها في وقتها ولكنه لم يؤد صلاة الظهر نسياناً فأنها تقع صحيحة لحديث رفع القلم، ولا تعاد الصلاة الا من خمس الوقت والنية والقبلة والركوع والسجود وعليه ان يأتي بصلاة الظهر بعدها.
ويستمر الوقت المشترك للصلاتين الى ما قبل الغروب بمقدار اداء صلاة العصر فيختص حينئذ بصلاة العصر فلو بلغ هذا الوقت ولم يكن قد صلى الفريضتين فأنه يأتي بصلاة العصر اداءً في وقتها ثم يأتي بعد ذلك بصلاة الظهر قضاءً أي اتيان صلاة العصر أداءً مع مخالفة الترتيب أفضل من اتيانها وصلاة الظهر قضاءً، بل ان موضوع الترتيب يصبح منتفياً بعد خروج وقت صلاة الظهر وتعلق حكمها بالقضاء.
3- وقت صلاة المغرب على المشهور ذهاب الحمرة المشرقية عن سمت الرأس ويقدر بمضي عشر دقائق تقريباً علىغروب الشمس كما تقدم، وهو اوان الإفطار وحكي عن السيد المرتضى والشيخ الطوسي في المبسوط وابن ابي عقيل ان الغروب يعلم باستتار القرص، وتدل على كل من القولين نصوص، وطريق الإحتياط سبيل النجاة.
4- ويدخل وقت صلاة العشاء بعد مقدار اداء صلاة المغرب كما هو بالنسبة للظهرين وعن الصادق عليه السلام: “صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالناس المغرب والعشاء الآخرة قبل الشفق من غير علة في جماعة وانما فعل ذلك ليتسع الوقت على أمته”.
ويبقى الوقت مشتركاً بين الصلاتين الى منتصف الليل فتختص العشاء بمقدارها قبل الإنتصاف وهناك اقوال اخرى في المقام.
5- صلاة الصبح ووقتها من طلوع الفجر الصادق الذي يبدأ افقياً ثم ينتشر في زيادة وتصاعد، وسمي بالصادق أو الثاني بالنسبة الى الفجر الكاذب الذي يسبقه كذنب السرحان ثم يتلاشى.
ويمتد وقت الصلاة الى طلوع الشمس وعليه الإجماع والنصوص، وفي خبر زرارة عن ابي جعفر عليه السلام: “وقت صلاة الغداة ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس”.
واذا مضى من اول الوقت بمقدار اداء الصلاة ومقدماتها الواجبة من الغسل او الوضوء او التيمم وبحسب حالها من السرعة والبطئ والصحة والمرض، والسفر والحضر، ثم حصل احد الأعذار المانعة من التكليف بالصلاة كالحيض وجب على المرأة قضاء الصلاة بعد الطهر ان لم تكن قد صلتها في اول الوقت.
واذا مضــى بمقدار صــلاتي الظـهر والعصر بعد الزوال أو صلاتي المغــرب والعشـــاء بعد المغــرب كما لو جاء الحيض بعد مضي خمس دقائق او نحوها على زوال الشمس وهي لم تصل بعد وجب بعد الطهر قضاء صلاتي الظهر والعصر، واذا لم يمض على الزوال الا بمقدار صلاة الظهر ويطرأ الحيض فلا تجب الا صلاة الظهر، وكذا بالنسبة للمغرب، لذا اذا علمت المرأة او ظنت اول الوقت بمفاجأة الحيض وجبت المبادرة الى الصلاة لصيرورة الصلاة حينئذٍ مضيقة.
واذا ارتفع العذر المانع من الصلاة كالحيض وطهرت المرأة في آخر الوقت كما لو لم يبق على الغروب إلا بمقدار ركعة واحدة مع المقدمات الواجبة للصلاة فتجب صلاة العصر، وان اتسع الوقت للصلاتين وجبتا، وكذا لو بقي من الوقت بمقدار خمس ركعات بإعتبار انه ركعة من وقت صلاة الظهر وأربعة للعصر لعمومات قوله عليه السلام: ” من أدرك ركعة فقد أدرك الوقت”.
أما الصلاة التي يستوعب وقتها بكامله الحيض والعذر المانع عن الصلاة كالإغماء والجنون فلا قضاء فيها، فلو طرأ الحيض قبل الزوال بدقيقة فلا قضاء لصلاة الظهر هذه بعد الطهر، والعلم عند الله.
••••••••••••••
السؤال العاشر: ما هو وجوب السجود على التربة الحسينية ولماذا؟
الجواب: السجود في اللغة الميل والخضوع والتطامن وكل شيء ذل فقد ســجد، وفي الإصــطلاح وضع الجبهة على الأرض بهيئة مخصوصــة بقصد التعظيــم والعبادة لله عز وجل، والسجود جزء من كل ركعــة من الصــلاة، والسجدتان معاً فيها ركن من اركان الصلاة أي انه متقوم بالأثنينية فتبطل الصلاة بالإخلال بهما معاً عمداً او سهواً، وزيادة او نقص واحدة منهما عمداً لأن ترك الواجب علة للبطلان، ولا تبطل الصلاة بترك واحدة او نقصانها سهواً.
وركنية السجود تدور مدار وضع الجبهة على الأرض لأن السجود لا يتقوم عرفاً الا بها وان كان الواجب وضع المساجد السبعة على الأرض وهي الجبهة والكفان والركبتان والإبهامان من الرجلين، بالإضافة الى الإتيان بالذكر واختيار التسبيح وهو (سبحان ربي الأعلى وبحمده) وعليه الإجماع والنصوص.
وفي خبر هشام بن الحكم عن ابي الحسن موسى عليه السلام في حديث قلت له: “لأي علة يقال في الركوع: سبحان ربي العظيم وبحمده؟ ويقال في السجود: سبحان ربي الأعلى وبحمده؟ فقال: يا هشام ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما اسري به وصلى وذكر ما رأى من عظمة الله ارتعدت فرائصه فأبترك على ركبتيه وأخذ يقول: سبحان ربي العظيم وبحمده، فلما اعتدل من ركوعه قائماً نظر اليه في موضع اعلى من ذلك الموضع خرَََّّّ على وجهه وهو يقول: سبحان ربي الأعلى وبحمده فلما قالها سبع مرات سكن ذلك الرعب، فلذلك جرت به السنة”.
ومن واجباته الأخرى وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه بأن يكون طاهراً ومن الأرض او ما تنبته غير المأكول والملبوس وعليه الإجماع والنصوص، وفي علة ذلك التقييد ورد في صحيحة هشام بن الحكم عن الصادق عليه السلام: “ان السجود خضوع لله عز وجل فلا ينبغي ان يكون على ما يؤكل ويلبس لأن ابناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون، والساجد في سجوده في عبادة الله عز وجل فلا ينبغي ان يضع جبهته في سجوده على معبود ابناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها”.
وما يجوز السجود عليه على مراتب من حيث الفضل والأجر ودرجات التذلل والخضوع لله ولقد مدح الله عز وجل في القرآن الأنبياء والصالحين في دأبهم على السجود وتعفير وجوههم في التراب بقوله تعالى سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ، لذا ورد عن ابي عبد الله عليه السلام انه قال: “وان يسجد على الأرض أحب اليّ، فأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يحب ذلك وان يمكن جبهته من الأرض فأنا أحب لك ما كان رسول الله يحبه”.
واذا كان السجود على الأرض أبلغ في التذلل لله عز وجل ولكي يتطابق العنوان والمعنون أي السجود وكيفيته في الخشوع والخضوع لله عز وجل والإمتثال لأمره فأن التربة الحسينية التي جاءها التشريف العرضي الخالد كمثوى كريم استقبل الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه افضل أقسام الأرض واكثرها شرفاً وسبيلاً للتوسل والتقرب الى الله عز وجل، وقد وردت نصوص كثيرة في فضــلها وشـــرفها منها ما رواه الشيخ باســناده عن معاوية بن عمار قال:”كان لأبي عبد الله عليه السلام خريطة من ديباج صفراء فيها تربة ابي عبد الله، فكان اذا حضرته الصلاة صبه على سجادته وسجد عليه ثم قال عليه السلام: “ان السجود على تربة ابي عبد الله عليه السلام يخرق الحجب السبع”، وعنه عليه السلام ايضاً: “ان السجود على طين قبر الحسين عليه السلام ينور الى الأرضين السبع”.
كما ورد ان كربلاء روضة من رياض الجنة ومولد عيسى ومختلف الملائكة وملتقى ارواح الأنبياء في ليلة النصف من شعبان من كل سنة أي ان السجود على التربة الحسينية مستحب استحباباً مؤكداً وليس واجباً، بل هو الفرد الأفضل من افراد الوجوب التي تشمل الأرض وما انبتت من غير المأكول والملبوس والعلم عند الله.
••••••••••••••
السؤال الحادي عشر: ما حكم كلمة اقوم واقعد بعد (بحول الله وقوته) في حالة القيام بعد السجود؟
الجواب: مستحبات السجود كثيرة ومتعددة وتدل على اهمية السجود والحرص على اتيان العبادة على الوجه الأكمل واحراز اعلى درجات الثواب ومما يلحق به ان يقوم سابقاً برفع الركبتين قبل اليدين وعليه النص والإجماع وان يقول عند النهوض للقيام (بحول الله وقوته اقوم واقعد)، او (اللهم بحولك وقوتك اقوم واقعد )، ويدل على كل منهما نصوص، فبالنسبة للأول ورد في خبر ابي بصير: “فإذا نهضت فقل: بحول الله وقوته أقوم وأقعد فإن علياً عليه السلام هكذا كان يفعل”، ومنها صحيحة محمد بن مسلم قال: “بحول الله وقوته أقوم واقعد” المحمول على الندب والإستحباب.
وان لا يعجن بيديه عند ارادة النهوض أي لا يقبضها بل يبسط كفيه ويعتمد عليهما من غير ان يضع مقعدته على الأرض، والعلم عند الله.
••••••••••••••
السؤال الثاني عشر: هل يجب اداء النوافل بصفة دائمة اذا بدأ الإنسان بأدائها كصلاة الغفيلة وصلاة الليل؟ وهل استطيع ان اصلي الشفع والوتر بعد العشاء مباشرة دون الإنتظار الى منتصف الليل؟
الجواب: الصلاة على قسمين من حيث التكليف فالأول: ما هو واجب وهي الفرائض اليومية الخمسة أي صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، والجمعة بشرائطها، وصلاة العيدين، وصلاة الآيات، وصلاة الطواف، وصلاة الأموات، والتي وجبت بالعرض كالنذر والإجارة.
ومنهم من عدها ستة ولم يجعل الجمعة مستقلة بل جعلها ضمن اليومية ومنهم من لم يذكر العيدين، او اضاف صلاة الولد الأكبر قضاء عن والديه، وان كان هذا الفرد ليس بعام بل هو وعموم الواجب بالعرض يعتبر خاصاً فلا يكون مع الواجبات المفروضة بعرض واحد، لاسيما ان الفرائض واجب عيني، وما كان بالعرض يمكن الإستنابة به او البدلية او الإجارة فيه احياناً كما في صلاة قضاء الإبن الأكبر عن والديه.
ومنهم من جعل صلاة الكسوف والزلزلة قسمين مستقلين عن صلاة الآيات، والتقسيم استقرائي والنزاع لفظي وصغروي ليس فيه ثمرة علمية كبيرة بعد الإتفاق على ماهية كل صلاة وحكمها.
اما القسم الثاني: فهو الصلاة المندوبة أي النوافل وهي كثيرة ومتعددة لعظيم منزلة الصلاة في حياة الإنسان وآخرته ولأنها معراج المؤمن وقربان كل تقي وطريق مبارك للتقرب الى الله تعالى، وكتب الفقه والأخبار مملوءة بيان اسماء واعداد وكيفيات صلاة النوافل وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “الصلاة خير موضوع فمن شاء استقل ومن شاء استكثر”، ويمكن تقسيم الصلاة المندوبة تقسيماً عقلياً استقرائياً الى قسمين:
1- المرتبة وهي النوافل اليومية ذات الأوقات المخصوصة.
2- غير مرتبة وتنقسم الى:
أ- ذات سبب كصلاة تحية المسجد والإستخارة والزيارة وقضاء الحاجة، والشكر والمخصوصة في الأيام والليالي.
ب- غير ذات السبب وهي التي تسمى بالمبتدأة لأن المصلي يأتي بها تبرعاً ومن غير نص بخصوصها وهذه الصلاة أي المبتدأة مع استحبابها فأنها تنفرد بكراهية اتيانها في اوقات مخصوصة بعد صلاة الصبح الى ان تطلع الشمس وبعد صلاة العصر الى ان تغرب الشمس وفي ثلاثة أوقات وفي أوان طلوع الشمس وعند غروبها او عند قيامها وسط السماء ووصولها الى دائرة نصف النهار.
ويجوز في هذه الأوقات قضاء الفرائض والنوافل اليومية ايضاً من غير كراهة على المشهور ويدل عليه جملة من النصوص منها خبر الأزدي قال: “سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل فاته شيء من الصلوات، فذكر عند طلوع الشــمس وعند غــروبها قال عليه السلام: فليصل حين ذكره”.
والنوافل اليومية وهي – محل السؤال – الأكثر استحباباً بين اقسام الصلاة المندوبة باتفاق الفقهاء وسميت الرواتب لثبوتها وترتيبها وهي متممة للفرائض اليومية وانها من علامات المؤمن، كما ان القضاء – أي اتيانها بعد فوات وقتها – مشرع فيها مما يدل على الحث على فعلها والرحمة الإلهية في البدلية الزمانية في اتيانها الأمر الذي يدل على اهميتها وتجدد الفرصة لعدم التفريط بها وقد وردت النصوص في فضلها وفي صحيحة زرارة نعت تركها بالمعصية وفي صحيحة ابان عن ابي جعفر عليه السلام ان الله جل جلاله قال: “ما تقرب لي عبد من عبادي بشيء احب إلي مما افترضت عليه وانه يتقرب اليّ بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به”.
والنوافل اليومية ضعف الفرائض اليومية من حيث العدد وهي:
1- ثمان ركعات للظهر تؤدي قبلها أي قبل صلاة الظهر.
2- ثمان ركعات للعصر تؤدى قبلها.
3- اربع ركعات نافلة المغرب تؤدى بعدها أي بعد صلاة المغرب.
4- ركعتان من جلوس نافلة العشاء تؤدى بعد صلاة العشاء ويجوز اداؤها من قيام وتسمى الوتيرة تصغيراً للوتر لأنهما يعدان بركعة واحدة او ان التصغير بلحاظ ادائها من جلوس.
5- صلاة الليل وهي احدى عشرة ركعة منها ركعتا الشفع والوتر يؤتى بها بعد اداء الركعات الثمانية.
6- ركعتان نافلة الفجر تؤدى قبل صلاة الصبح.
فيكون مجموع النوافل اليومية اربع وثلاثين ركعة بينما عدد الفرائض اليومية سبع عشرة ركعة، أي ان النوافل ضعف الفرائض وعليه الإجماع والنصوص وفي الحديث كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي من التطوع مثلي الفريضة، وتؤدي النوافل اليومية مطلقاً كل ركعتين بتشهد وتسليم الا صلاة الوتر فهي ركعة واحدة بتشهد وتسليم.
ووقت صلاة الليل ومن جملتها الشفع والوتر من منتصف الليل الى طلوع الفجر الصادق وعليه الإجماع والنصوص وفي موثقة فضـيل: “كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي بعد منتصف الليل ثلاث عشرة ركعة”.
والأفضل اتيانها وقت السحر وهو الثلث الأخير من الليل وعلى قول السدس الأخير منه، لذا ذكر ان افضل اوقاتها ما كان قريباً من الفجر، وهل يجوز تقديمها عن منتصف الليل؟ المشهور نعم مع العذر للمسافر والشاب الذي يصعب عليه اداؤها بعد منتصف الليل بل ولمطلق العذر فيشمل صعوبة الإستيقاظ عند النوم وما يطلق عليه برطوبة الرأس والتعب والإرهاق والبرد.
وتقدم حينئذ بنية الإداء على القول بأن الليل كله وقت لها وبنية التقديم على القول بحصر وقتها بين منتصف الليل وطلوع الفجر، ويعرف نصف الليل بالنجوم الطالعة اول الغروب اذا مالت عن دائرة نصف النهار الى طرف المغرب وعن الأعمش وجماعة انه ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر.
ولا بأس بتحديد المواقيت الثانوية للصلاة بالساعات الحديثة وحسب العلامات الكونية كمنتصف الليل الشرعي، أوذهاب الحمرة المشرقية الذي يكون بعد مضي عشر دقائق تقريباً على غروب الشمس، او طلوع الحمرة المشرقية واوانها بعد طلوع الفجر بنحو نصف ساعة وهي آخر وقت نافلة الصبح.
واستحباب اداء النوافل اليومية الراتبة مؤكد ويتعلق بالمكلفين مطلقاً سواء بدأ بها اولا، والعلم عند الله.
••••••••••••••
السؤال الثالث عشر: يرد في بعض الفتاوى بطلان صلاة المنفرد اثناء الجماعة، أفتونا مأجورين؟
الجواب: هناك مبحث مفاده ان النهي المتعلق بالعبادة بمعناها الأخص التي لا تفرغ الذمة منها الا بإتيانها بقصد القربة هل يقتضي الفساد أم لا، ومن الواجبات ما هو توصلي لا يحتاج الى قصد القربة ويسقط أمره بالإتيان به خارجاً من غير قصد القربة كغسل الثوب النجس وانقاذ الفريق ودفن الميت بل لو غسل الثوب النجس في الماء المغصوب مثلاً فالغسل ليس بفاسد وان كان منهياً عنه.
والبحث اصولي لأن نتيجته تكون كبرى في قياس الإستنباط، فيفتي المجتهد ببطلان العبادة اذا كان منهياً عنها لدلالة النهي على الفساد، او ان يفتي بالصحة اذا كان يقول بأن النهي لا يقتضي الفساد ولكن هل من برزخ بينهما، الجواب: نعم، والصحة هنا في مقابل الفساد وليس في مقابل المعيب وقاعدة انطباق المأتى به على المأمور به حاكمة فإذا وجد الفعل العبادي فأن اثره يترتب عليه قهراً والا يلزم الخلف، وقيل ان الخلف ضم نقيض العكس مع الأصل لينتج محالاً.
ولعل صلاة المنفرد اثناء الجماعة مسألة ابتلائية ليست بالمستحدثة ولكن ليس من نص في خصوصها وربما لم يتعرض لها جمع من الفقهاء المتقدمين، اما لأنها لم تكن موجودة في أيامهم او لعدم الدليل على البطلان أوالحرمة التكليفية لأن الحكم فيها يحتمل وجوهاً ثلاثة:
1- بطلان صلاة المنفرد مع اجتماع شرائط الجماعة.
2- الحرمة التكليفية من غير بطلان الصلاة.
3- صحة الصلاة وأجزائها وعدم الحرمة والبطلان، وعدم لزوم الإعادة او القضاء ولكن النهي له مراتب وأقسام فقد يكون تحريمياً او تنزيهياً او نفسياً يتعلق بالعبادة او غيرياً كما لو تعلق بالمقدمة ونحوها مما لايؤثر سلباً على العبادة المنهي عنها فبقاء الملاك في العبادة المنهي عنها يدل على وقوعها صحيحة وعدم فسادها.
والأقوى صحة صلاة المنفرد اثناء الجماعة لا لأن النهي تعلق بعنوان آخر وانه لا يسري الى الصلاة المأمور بها ولكن لعدم ثبوت افادة النهي البطلان وانه يتعلق بجزء العبادة وتقييدها بعدمه او أنه فرد محرم ينتج عنه قهراً فساد العبادة، بل انه متعلق بعنوان اعتباري زائد على ذات العبادة وله وجود مستقل لا صلة له بأصل العبادة والصلاة اما في حالة الضرورة أي الاضطرار الى صلاة الانفراد فلا خلاف في صحتها.
ان الصلاة صلة بين العبد وخالقه لا يمكن الحكم بالبطلان بقاعدة اصولية مستحدثة فيها خلاف ولم يثبت انطباقها على هذا المصداق مثلاً ومع الإحتمال يبطل الإستدلال فنرجع الى إصالة البراءة وقاعدة الفراغ وإصالة صحة عمل المسلم وعدم المانعية لا سيما وان صلاة الجماعة والإنفراد ليستا حقيقتين متباينتين بل يعتبران من باب تعدد المطلوب وزيادة مراتب الفضل.
وصــلاة الجماعة مستحبة ذاتاً ووردت النصوص بالحث والترغيب بها وعظيم الثواب في أدائها وذم تاركهــا مما لم يأت في كثير من الواجبــات واســتحبابها المؤكــد عليه إجمـاع علماء المسلمين.
وفي صحيح الفاضلين قلنا له: “الصلاة في جماعة، فريضة هي؟ قال عليه السلام: الصلاة فريضة، وليس الإجتماع بمفروض في الصلوات كلها ولكنها سنة، من تركها رغبة عنها وعن جماعة المؤمنين من غير علة فلا صلاة له”، وحمل عدم الصلاة على نفي الكمال بقرينة ما ورد في استحباب الجماعة وكذا ما ورد في قول أبي جعفر عليه السلام: “لا صلاة لمن لا يشهد الصلاة من جيران المسجد، الا مريض او مشغول”.
وثواب الجماعة لا ينحصر بأدائها بل يشمل مقدماتها العقلية والشرعية، وفي وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: “ثلاث درجات منها المشي الليل والنهار الى الجماعات”، بالإضافة الى الآثار العرفية والإجتماعية المترتبة على حضورها كدليل على العدالة الظاهرية وفي خبر السكوني عن الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “من صلى الخمس في جماعة فظنوا به خيراً”.
والحق ان صلاة الجماعة لم تعطِ حقها من الدراسات التي تبين فلسفتها والحكم في تشريعها ومضامينها العقائدية والإجتماعية والإخلاقية والإعـلامية والعــرفية والإصلاحية والسياسية والإقتصادية والتأريخية والعسكرية والتعبوية والأمنية والتربوية والنفسية والروحية وستكون دراستها الموسعة والمتعددة الجوانب والأبعاد والاختصاصات عوناً على زيادة تثبيتها والإهتمام بها وأدائها بحرص ووعي وإخلاص، ولكن هذا لايعني بالضرورة بطلان صلاة المنفرد اثناء ادائها، نعم هو يؤثم بمقدار ما يترتب على تركه للجماعة من أثر سلبي شخصي ونوعي والعلم عند الله.
••••••••••••••
السؤال الرابع عشر: ما هو رأي سماحتكم في حكم المسافر ثلاثة ايام في الإسبوع ولمدة اكثر من سنتين؟
الجواب: الإجماع والنصوص على وجوب تقصير المسافر في صلاته بشرائط مبينة في الرسائل العملية والمفصلات اهمها المسافة أي قطع المسافة الشرعية وهي ثمانية فراسخ امتدادية أو تلفيقية، أي ذهاباً وإياباً، وأن لا يكون السفر حراماً وان لا يكون ممن اتخذ السفر عملاً وشغلاً له فالسفر بقصد السياحة والتنزه مثلاً لا يوجب التمام وان لم يكن حراماً، وتكرر السفر مقوماً لموضوع الحكم بالتمام مفهوماً كما لو كان لمتابعة دعوى ومعاملة فان عليه القصر اما اذا كان مفروض السؤال فيمن اتخذ السفر عملاً له فأن حكم وجوب التمام يلحقه لصدق مزاولته للسفر شرعاً وعرفاً والعلم عند الله.
••••••••••••••
السؤال الخامس عشر: كيف اقضي ما فاتني من صلاة؟
1- المدة الطويلة (سنوات لا اذكر عددها)؟
2- ايام معدودة؟
3- هل اقضي كل صلاة في نفس وقتها او أي وقت استطيع ذلك، وخصوصاً في صلاة الجمع مثل الظهر والعصر والمغرب والعشاء وما هي كيفية القضاء وكيفية النية؟
الجواب: الصلاة عمود الدين وأفضل العبادات وهي النور المبارك الصاعد من الأرض الى السماء، وافضل ما يتقرب به العبد الى الله عز وجل، والطريق الى السعادة الأبدية، والنصوص في فضلها واهميتها اكثر من ان تحصى وتدل على عظيم منزلتها منها: انها خير موضوع وأنها مدرسة عقائدية متكاملة، وان صلاة فريضة خير من عشرين حجة.
ولما سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أي الأعمال أحب الى الله فقال صلى الله عليه وآله وسلم: “الصلاة لوقتها، ثم أي شيء؟ قال: بر الوالدين…” الحديث، فالوقت في الصلاة اليومية معتبر ويدل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل، ومن الكتاب آيات منها قوله تعالى أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ، ودلوك الشمس زوالها أي وقت الظهر وسمي الزوال لأن الشمس تزول فيه عن كبد السـماء ويعرف بزيادة الظل بعد انعدامه او نقصانه.
وتقييد اداء الصلاة بالوقت شرط ولكنه على نحو الأهم والأولى والقيد، فلو فاتت المكلف الصلاة في وقتها عمداً او سهواً او جهلاً او نحوه فأن الملاك لا يزول ويبقى أصل المطلوب والحكم ويقتضيه استصحاب التكليف والخطاب بذات الأمر او بأمر للقضاء جديد لاسيما مع القول بتبعية التكاليف للملاكات الواقعية.
لذا فأن وجوب قضاء الصلاة اليومية عليه الإجماع ونصوص متواترة ومنهم من عده من ضروريات الدين وتدل عليه قاعدة الإشتغال وأصل الإستصحاب وبقاء الملاك لامكان البدل وعمومات أدلة القضاء ولابتناء الشريعة على الامتنان، وان كان ثواب الأداء أعظم بدرجات من القضاء، وفي صحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السلام: “سئل عن رجل صلى بغير طهور او نسي صلوات لم يصلها، او نام عنها، فقال عليه السلام: يقضيها اذا ذكرها في أي وقت ساعة ذكرها من ليل او نهار”.
والقضاء يكون على ما فات اثناء مدة التكليف حيث البلوغ والعقل فبالنسبة للرجل يكون سن البلوغ عنده تمام خمس عشرة سنة هلالية، وبالنسبة للمرأة اتمام تسع سنوات هلالية فيحتسب المكلف والمكلفة ما فاته من الصلاة من أول اوان البلوغ الى يوم توبته ومواظبته على أداء الصلاة، فما لم يؤده اثناءه من الصلاة اليومية عليه قضاؤه والإتيان به.
اما من جهة المدة الطويلة وتردد المؤمن في تحديد ما فاته من الصلاة وعدد أيام الصلاة الفائتة بسبب تقادم السنين او لحرصه البالغ على تبرئة ذمته واتمام واجبه العبادي او لظنه بأنه جاء بها ناقصة او فاقدة لشرط او جزء يوجب البطلان او في تحديد مدة المانع من مرض او سفر، ففي هذه الحالة عليه ان يجتهد في تحديد حدين لتلك المدة حد أدنى وحد أعلى كما لو حصرها بين خمس وسبع سنين فيجوز الإكتفاء بالأقل منها لأن المرجح هو اصالة عدم الترك بإعتباره اصلاً موضوعياً والنظر الى القدر المتيقن، وكذلك يمكن الرجوع الى الأصل الحكمي وهو أصل البراءة في الزائد عن العدد المعلوم بإعتباره واجباً غير ارتباطي دائراً بين الأقل والأكثر نعم الإحتياط يقتضي الإتيان بالأكثر والحد الأعلى منهما لأنه سبيل النجاة.
اما كيفية قضـاء الصلاة فيجوز في كل وقت كما لو قضى ثلاثة ايام في ساعة واحدة من ليل أو نهار في سفر أو حضر لاطلاق قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ، ولعمومات الأدلة والإجماع والنصوص.
ويصلي في السفر ما فات في الحضر تماماً، ويصلي في الحضر ما فات في السفر قصراً، فلو كان مسافراً ولم يصل صلاة الظهر والعصر حتى عاد في الليل الى بلدته فأنه يقضي الظهر والعصر قصراً لعمومات قوله عليه السلام: “يقضي ما فاته كما فاته”.
ويجب الترتيب في الفوائت اليومية أي قضاء السابق في الفوات على اللاحق ففي كل يوم قضاء مثلاً يصلي الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء ثم الصبح وهكذا، وفي الصحيح عن ابي جعفر عليه السلام: “اذا نسيت صلاة او صليتها بغير وضوء وكان عليك قضاء صلوات فأبدأ بأولهن فأذن لها وأقم ثم صلها ثم صل ما بعدها بإقامة لكل صلاة…” الحديث.
وتكفي في النية الداعي والعنوان الإرتكازي كما لو نويت اخفاتاً: اصلي صلاة الظهر قضاء قربة الى الله، أي لا يجب ذكر اليوم الواجب قضاءه لكفاية العلم الإجمالي بالإشتغال وقاعدة نفي الحرج والعلم عند الله.
••••••••••••••
مسائل في الصوم
السؤال السادس عشر: ما هي طرق ثبوت الهلال ومرتكزاتها الأصولية في اصل الشريعة الإسلامية؟
الجواب: لم يستكشف المسلمون بعد اسرار اعتماد الهلال دون غيره من الظواهر الكونية ونحوها لبدء فريضة الصوم وما وفره على المسلمين اعتبار الهلال بالذات من الجهود والسعي والإحصاء وأسباب الشقاق وابعاد ومضامين تعدد وجوه الإجتهاد في موضوع الهلال وما يتجدد منه كل سنة وانحصر الأمر في بيان الفتاوي المستنبطة والمتبعة وقولنا في ثبوت رؤيته:
1- اذا رأى المكلف نفسه الهلال لا يحتاج معه الى دليل، فيترتب الأمر على رؤيته للهلال وان لم يحضر للشهادة عند الحاكم أو لم يعمل بقوله أحد.
2- البينة الشرعية وهي خبر عدلين، اذا شهدا عندك برؤية الهلال يجب ترتيب الأثر من الصوم والإفطار وان رد الحاكم شهادتهما الا ان تكون هناك قرائن معتبرة تدل على الخلاف كما لو اختلفا في الأوصاف، ولقد حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في موضوع الهلال بشاهدين عدلين وفي صحيحة الحلبي عن الإمام الصادق عليه السلام: “ان الإمام علي عليه السلام كان يقول: لا اجيز في الهلال الا شهادة رجلين عدلين”، وقد ناقشت سنداً ودلالة الروايات التي تقول بأزيد من ذلك في تفسير آيات الصيام( ).
والعدالة صفة نفسية وملكة مباركة تترشح على السلوك بالإلتزام الدائم بالواجبات العبادية واتيان الفرائض واجتناب المحرمات بوعي وادراك.
3- مضي ثلاثين يوماً على الهلال فيعتبر اليوم التالي من الشهر القمري الجديد وان غب الهلال ولم ير، لأن الشهر القمري لا يزيد على ثلاثين يوماً كما تدل عليه النصوص وتحقيقات علم الهيئة والفلك ويدرك بالوجدان.
4- ذكرت في الرسائل العملية المعاصرة طرق اخرى لثبوت الهلال كحكم الحاكم والشياع المفيد للعلم والتواتر وهو خبر جماعة عن جماعة تحول كثرتهم دون اتفاقهم وتواطؤهم على الكذب ويحصل باخبارهم العلم، واشترط السيد المرتضى في افادة الخبر المتواتر العلم عدم سبق شبهة او تقليد عند السامع يوجب اعتقاده نفي الخبر ومدلوله، لذا يمكن القول ان هذه الطرق في الأصل فروع للبينة الشرعية فالحاكم والقاضي والمفتي اذالم يستند الى البينة والدليل او اذا ثبت وتبين خطأ مستنده لا يكون حكمه حجة والعلم عند الله.
••••••••••••••
السؤال السابع عشر: هل من دعوة او ملاحظات مستحدثة تتناسب وروح العصر في هذا الموضوع وللمسلمين عامة وفي المهجر خاصة؟
الجواب: كما اختلف علماء الإمامية في الإجتهاد في حكم الهلال وموضوعه كذلك اختلف علماء السنة، فظاهر مذهب الحنفية انه لا عبرة باختلاف المطالع فيلزم اهل المشرق رؤية اهل المغرب وكذلك اختلف علماء المالكية في المقام على اقوال ثلاثة:
1- لا عبرة باختلاف المطالع سواء تقارب البلدان او تباعدا.
2- ثبوت الرؤية عند حاكم خاص لا يشمل ما هو خارج ولايته من الأمصار.
3- اعتبار اختلاف المطالع في البلاد المتباعدة كالأندلس وخراسان، نقل عن ابن عبد البر: اجمعوا على عدم لحوق حكم رؤية ما بعد كالأندلس من خراسان.
كذلك اختلف علماء الشافعية قال النووي: اذا رأوا الهلال في رمضان في بلد ولم يروه في غيره فاذا تقارب البلدان فحكمها حكم بلد واحد بلا خلاف وان تباعدا، فالأصح انه لايجب الصوم على اهل البلاد الأخرى.
وبالنسبة لمذهب الحنابلة جاء في المغني: اذا رأى الهلال اهل بلد لزم جميع البلاد الصوم.
لقد بلغني وآلمني ما أصاب المسلمين في الغرب من الإرباك العام الماضي بسبب الإختلاف في أوان عيد الفطر في المرجعيات الدينية في العالم الإسلامي كالنجف والأزهر وغيرهما وأثره عليهم، وذلك الإختلاف يتعلق بالمبنى والإجتهاد ولكنه يزداد في أثره وتأثيره بل انه يتسع في ذاته بسبب العلوم الجديدة ووسـائل الإتصال السريعة الحديثة ورغبة الناس في جعل العيد مناسبة للوحدة الإسلامية وان كانت امـوراً اعتبارية لا مدخلية لها في الفتوى ودليل الحكم الشرعي.
ولكن ولقاعدة تقديم الأهم على المهم وقاعدة لا ضرر ولا ضرار وقاعدة نفي الحرج في الدين ولقواعد الشريعة المبنية على الإمتنان ولإبقاء الإسلام في علو ورفعة في بلاد الغرب ولخلو الشريعة الإسلامية من أسباب التعارض والإختلاف، ادعو واطلب من رجال الدين والمؤسسات الإسلامية في اوربا وامريكا ومطلق بلاد الغرب الإتفاق على قواعد ثابتة عندهم تناسب الجميع وتصلح للحكم في موضوع الهلال ولا تخرج عن القواعد الكلية المستنبطة في هذا الباب كما لو اتفقوا على اعتبار الرؤية الخاصة ببلادهم مجتمعة او متفرقة، او ان يضيفوا اليها ثبوت الرؤية في بعض المؤسسات الإسلامية في الوطن العربي ولكن بلحاظ اتمام العدة أي لو اختلفت رؤية الهلال في اول الشهر واعتمدوا الرؤية المتقدمة فأنهم يكتفون في اعتبار الشهر الجديد بإتمام ثلاثين يوماً على ما اعتمدوا ان لم تثبت الرؤية في ليلة الشك لأن الشهر القمري لا ينقص عن تسع وعشرين ليلة ولا يزيد على ثلاثين ولعمومات قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “فأن غم عليكم فأكملوا العدة”.
ومن القواعد الأصولية المعروفة تبدل الحكم مع تغير الموضوع، ومسؤولية العلماء المسلمين في اوربا تحتم عليهم النظر الى مصلحة المسلمين ووحدتهم وصحة عباداتهم وتنزيه الإسلام من الأقاويل المحتملة والحفاظ على قدسية فريضة الصيام وصدق العيد وان كان ذلك بالتجرد من بعض الإرتباطات المذهبية والجهتية في موضوع الهلال ونحوه والاستقلال بحكم الهلال بشرط اجتماعهم على حكم شرعي واحد فيه.
كذلك اناشد المرجعيات الدينية والمؤسسات العلمية في الحاضرات العلمية الإسلامية ايجاد صيغ من التعاون والتسامح معهم في هذا الموضوع تعظيماً لشعائر الله ومساهمة في تثبيت قلوب المؤمنين ونشر لواء الإسلام بدرء الفرقة والشبهات وان كانت بدوية وعرضية سريعة الزوال والله يهدي الى سواء السبيل.
••••••••••••••
السؤال الثامن عشر: الهلال ظاهرة اسلامية تتكرر كل شهر هل بالإمكان اعطاء نبذة لغوية واصطلاحية عنه؟
الجواب:
ألا ان النساء خلقن شتى
فمنهن الغنيمة والغرام
ومنهن الهلال اذا تجلى
لصاحبه ومنهن الظلام
ورد هذان البيتان من الشعر في مكارم الإخلاق/203، والتشبيه بالهلال فيها يعادل من حيث عدد الكلمات التشبيهات الثلاثة الأخرى مع اتحاد الموضوع في هذا التشبيه المفروق يدل على اهمية الهلال في القاموس الشعري وأذهان الناس، ولو أردت مناقشة هذا الشعر لاسيما وانه ورد في كتاب مشهور من كتبنا وان لم يثبت عائديتــه للطبرسي لقلت بأن تلك الصــفات قد تجتمع في امرأة واحدة بحسب اللحاظ ومناسبة الفعل والمقال وتبدل المزاج وظاهر الحال.
وسمي الهلال هلالاً لأن الناس يرفعون اصواتهم بالإخبار عنه كما عن عدد من كتب اللغة، اقول: لعل سبب التسمية انه علامة بداية الشــهر وغــرته كما يقال اسـتهلت السماء وذلك في اول مطرها.
وفي الحديث: “الصبي اذا ولد لم يورث ولم يرث حتى يستهل صارخاُ”، والإستهلال هنا عنوان الولادة وبداية الخروج الى الدنيا ولا مانع من احتمال الجمع بين الأمرين علة لتسمية الهلال.
وجمع الهلال أهلة وبلغة الجمع ورد ذكره في القرآن دون المفرد قال تعالى يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ، ويسمى القمر لليلتين او ثلاث من أول الشهر القمري هلالاً، ومنهم من خص تسمية الهلال بأول ليلة قال العلامة الحلي وهذا هو صحيح.
وقال الأصمعي انه يسمى هلالاً حتى يحجر وتحجيره ان يستدير بخطة دقيقة ولكن هذه التسمية أعم من ان تنحصر بليلة واحدة او اكثر للتباين في هيئة الهلال من شهر لآخر.
والأقوى انه يسمى هلالاً لليلتين وعليه الأكثر، والنزاع صغروي وعرفي والإجماع على تسميته هلالاً في الليلة الأولى وهو القدر المتيقن شرعاً في الجملة.
وسمي القمر قمراً لبياضه يقال ليلة قمراء أي مضيئة، وقال ابو علي الطبرسي: أسم القمر عند العرب الزبرقان. اقول: ورد في القرآن وفي سبعة وعشرين موضعاً منه بإسم القمر والقرآن نزل عربياً وبلغة العرب ولإفهامهم مقاصد الفاظه ومن خلالهم لأمم الأرض كافة، وكان الأولى به رحمه الله على فرض ثبوت هذه التسمية ان يقول كما يسمي العرب القمر ايضاً بالزبرقان مع ذكر دليله من بيت شعر جاهلي أو نحوه.
وأهميـة الهـــلال ورؤيته تتجســـد ظاهـــرة بقوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ…، فيساهم الهلال بالتحديد الدقيق لأوان الصوم ومدته لإحراز الإمتثال الأكمل للأمر الإلهي بهذا الواجب العبادي الأصلي والعيني أي على كل مكلف جامع لشرائط اداؤه ولا يسقط بفعل غيره، والتعييني لأن الطلب تعلق به بالذات وليس له من فعل يكون عدلاً له وفي عرضه يقوم مقامه والمضيق لأن وعاءه الزماني مخصوص ومحدد وهو شهر رمضان.
وقد يذهب البعض الى القول بأن الآية تتعلق بالحاضر وهو الشاهد باعتبار اقامته وعدم سفره ولكنه لا يتعارض مع المعنى الأعم للآية لاسيما وان تسمية الشهر جاءت اطلاقاً للكل على الجزء، ولأن الهلال عنواناً للشهر وبداية، لذا نستدل بهذه الآية على جواز الإكتفاء بنية واحدة للشهر ولما ورد في السنة الفعلية والتقريرية والنصوص المستفيضة منها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته” والعلم عند الله.
••••••••••••••
السؤال التاسع عشر: لماذا هذا الإختلاف في رؤية الهلال؟
الجواب: حكي عن بعض الأحداث انه راود جارية عن نفسها فقالت ألا تستحي؟ فقال: ممن؟ وما يرانا الا الكواكب، فقالت واين مكوكبها.
لقد سخر الله عز وجل ما في السموات والأرض للإنسان ليوظفها في عباداته ومعاملاته بل واكتشافاته العلمية وما يترشح عنها من آفاق مستحدثة، والآيات الكونية على قسمين منها ما لم يلتفت الإنسان بعد الى الإستفادة منها ومن فائدتها بل ومعرفتها وقد يكون لها شأن كبير في مستقبل الحياة البشرية في الأحقاب اللاحقة، ومنها ما انتفع منه عبر الأجيال والعصور المتقدمة وهذا ايضاً على شعبتين الأولى ما اهتدى الإنسان اليها والى توظيفها بالرسالات السماوية وبعث الأنبياء، ومنها ما اهتدى اليها والى منافعها بالتجربة والوجدان والإنطباق والواقع.
وقد يجتمع الأمران والأغراض المتعددة والمتباينة في آية كونية واحدة كما في القمر ذلك الكوكب المعروف الذي يدور حول الأرض في فلك اهليجي، وسمي القمر قمراً لبياضه يقال: ليلة قمراء أي مضيئة، وسيبقى القمر آية وسراً من الأسرار التي جعلها الله ظاهرة وملازمة للحياة ودرساً وحجة وبرهاناً وشاهداً ومناسبة للتدبر والتفكر وزاجراً عن المعصية وداعياً الى الله وتعالى وباباً للإبتــلاء والإفتتــان فلقد أتخذه بعض الأقوام إلهاً وتغنى بحبه العشاق.
لقد ابتلى الله القمر بالزيادة والنقصان فيخرج بدراً الليلة الرابعة عشر والخامسة عشر من كل شهر قمري لأن الجانب المستنير منه مواجه لنا، وفي الليالي التالية يأخذ القمر في التأخر في الطلوع من أوان المغرب شيئاً فشيئاً وتقل تدريجياً سعة نوره الى ان يكون الجانب المظلم منه مواجهاً لنا، وهو الذي يسمى بالمحاق او تحت الشعاع، ثم يخرج بعد ذلك الهلال من تحت الشعاع ضعيفاً من جهة المغرب وهو الذي يعتبر ولادة لتبدأ امكانية رؤيته.
والقمر بهذا التغير يدل انه من عالم الإمكان، والإحتياج لازم له، فهو محتاج الى المؤثر مفتقر في وجوده واستدامته الى غيره مبتلى بالنقص المفاجئ والخسوف مما يدل على عدم اهليته لإفاضة الوجود او العدم لذاته، وينقلب من حال الى حال، والطبيعيون يعتمدون طريق النظر الى طبيعة الحركة فيقولون لا شك في وجود محرك يحركه غير ذاته وهو واجب الوجود.
اما المتكلمون فيعتبرون حدوث العالم وما فيه من الكواكب بحركتها، بغيبتها وافولها، اموراً تستلزم الصانع الفاعل المختار، وهم يقتفون نهج ابراهيم الخليل عليه السلام الذي استدل بالأفول والغيبة والنقص على الحدوث وعدم القدرة على الإيجاد والخـــلق ومعــاني الربـوبية وفي التـنزيل فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ .
اما الإسلام فجاء بتسخير القمر في الفرائض والمستحبات والمعاملات باسقاط المقدمات والإستدلال، نعم الإسلام انتفع من تجربة ابراهيم عليه السلام وقصص الأنبياء وذكرها في القرآن تثبيتاً وتوكيداً لها وموعظة وعبرة ودرساً وان الذي يشاهده الناس عند الأفول معزولاً غائباً لا يصلح للربوبية وهو متحرك وكل متحرك، حادث وكل حادث محتاج، كما يدل توظيف القمر بهيئة الهلال وغيرها على الرقي الفكري عند العرب آنذاك بالقياس الى المجتمعات التي بعث بها الأنبياء الآخرون كإبراهيم عليه السلام.
فلم يعتبر العرب القمر إلهاً ومعبوداً والا لإحتاج تسخيره في اعمالنا الى مقدمات ووسائط، كما انه يدل على افضلية النبي محمد صلى اله عليه وآله وسلم على غيره من الأنبياء لأن ابراهيم عليه السلام ومع انه من الرسل الخمسة أولي العزم اكتفى بنفي الربوبية عن القمر، وجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن من عنـد الله وفيه بيان حقيقة القمر والهلال وموضوعيته في تنظيم عباداتنا ومعاملاتنا وما يعنيه ذلك من مضامين الرقي والآيات الإعجازية.
وموضوع الهلال يتجدد كل عام فالصيام فريضة ومن عالم الأمر وهو بسيط يرتبط ابتداء وانتهاء لمدته بالهلال وهو من عالم الخلق الذي يتصف بالتضاد والتغير مما يعني وبالدلالة التضمنية احتمال الإختلاف في الإجتهاد والرؤية وفيه انتقال من عالم المعقول ومفاهيم العبودية والامتثال الى المحسوس، بل فيه مشاهدة لعالم الربوبية بالحس والإدراك والوجدان.
انه نوع تفكر بما سخر الله عز وجل من الكائنات وملازمة شاهدة على تداخل وانسجام المخلوقات وما يحتله الإنسان من مراتب الشرف بينها بانها مسخرة له وبصفة العبودية والطاعة، لذا جاء ذكر النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الإسراء والإرتقــاء في عالم الملكـــوت بصفــة العبوديـــة قال تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً ، انها مدرسة عقائدية واجتماعية وسياسية واخلاقية تأخذ في هذا الزمان منحى جديداً ذا أهمية كبيرة للنضوج الفكري عند الناس.
وتداخل المجتمعات وتقارب الثقافات والإتصال المبارك بين المسلمين تخف معه وطـأة وهيمنة الإنتماء المذهبي وتلك اسباب مجـتمـعـة ومتفـرقة ذات نفــع، ومن افراده ان الناس يــريــدون الإتفاق على حكم الهلال بين ابناء البلد الواحد او البلاد العربية او البلاد الإسلامية والمسلمين جميعاً، يريدونها تظاهرة اسلامية تشع منها معاني البهجة والسعادة الإيمانية ويساعدهم هذا التداخل الإعلامي بين اقطار الأرض وقد يسبب لهم ظهور الإختلاف احراجاً.
فهل يقف الفقهاء بوجه هذه الرغبة وهل بالإمكان الاستجابة ذات العموم الإستغراقي لها وان كانت من المحسنات والأسباب العرفية والأدبية؟ وهل نستطيع تلمس قواعد واحكام هذه الرغبة ضمن الشريعة الإسلامية؟
وهل ان الفقهاء سيميلون تلقائياً الى الاتفاق كما اتوقع ذلك وان بعد حين لا سيما وان جمعاً من القدماء والمتأخرين قال بوحدة الحكم مع اختلاف الأفق.
أم ان الظاهرة الكونية في ولادة الهلال ورؤيته تملي علينا هذا الإختلاف وابتداء نقول ان هذا الخلاف لا ضير فيه وكل من اطرافه على صواب في حكمه اذا استند الى اسس شرعية، ولكنني اؤيد تلك الرغبة وابارك فيها واعتبرها مدخلاً الى مفاهيم اتحاد بين المسلمين والتقاء في الأحكام وانها لا تتعارض واحكام الشريعة الإسلامية وما ورد في القرآن والسنة بخصوص الهلال.
لذا فاني أدعو الشركات العالمية المتخصصة لصناعة منظار شرعي شخصي تجاري يستطيع ان يخترق الغيوم ليُرى منه الهلال بهيئته وحجمه الطبيعي من غير تكبير ولا تقريب، اذ ان المدار على الرؤية الشرعية وهي شاهدان عدلان ليكون العلم عوناً لنا على انتفاء الغب واحتجاب الهلال في الغالب ويساهم في تضييق الإختلاف وتقليل اثره والله ولي التوفيق.
الشهر هو جزء من اثني عشر جزء من السنة وفي الإصطلاح الشرعي المدة الزمنية المحصورة بين هلالين، ويجمع في القلة على أشهر وفي الكثرة على شهور، وسمي شهراً لإشتهاره وظهوره بالهلال واطلاع اهل الأرض واشتراكهم في معرفته وأوانه، وشهر رمضان هو التاسع من الشهور القمرية وهو الشهر الوحيد الذي ورد اسمه في القرآن.
وقبل التعرض للإختلاف في الهلال اشير الى فضله تعالى في حصر الصوم في شهر قمري دون الشهور الأخرى والا لكان الإختلاف عظيماً وآثاره السلبية جسيمة على الأمة والأفراد، أي ان الهلال ساهم بالقضاء على الخلاف والفرقة في اداء هذه الفريضة والركن العبادي في حياة المسلمين بالمبادرة الجماعية على نحو المصر والبلد او الأعم منهما لصيام اليوم التالي لرؤيته، ويبقى الإختلاف في تحديد ليلة الرؤية اختلافاً صغروياً مشروعاً وقد يكون سبباً للإئتلاف بما هو اكبر واعظم كالإلتزام الأعم والأكثر بفريضة الصيام واحكام الشريعة. والإختلاف في رؤية وثبوت الهلال يرجع الى سببين مبنى شرعي، وكوني طبيعي.
وكل فريق يستند الى دليل وحجة شرعية وحكم مستنبط، ومن اللطيف في المقام ان القائل بوحدة الحكم مع اختلاف الأفق استدل بقوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم “صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته”، وكذا القائل بان لكل بلد رؤيته بتقريب واستحضار لقوله تعالى لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لعدم التمكن من تبليغ المسلمين من الأقطار الأخرى وان اصبح هذا التعليل معدوماً في هذا الزمان بسبب ما فيه من سرعة الإتصالات والمواصلات.
وقد يُرى الهلال في بلد وتتعذر رؤيته في بلد آخر وان كان قد ولد ولكن لم يمكن رؤيته اذ المدار على رؤية العين المجردة فلا عبرة بالتنجيم وان أخذت اجزة الرصد الفلكية المتطورة والحديثة تحدد وبدقة ساعة ولادة الهلال ومدى امكان رؤيته اذ انه لا يتعدى الطريقية المحضة والأدلة تحصر الثبوت بالرؤية البصرية، وقد يخرج الهلال في بعض الشهور كبيراً لمرور وقت على ولادته او لتمام الشهر السابق، اذ ان الشهر القمري تارة يكون ثلاثين يوماً واخرى تسعة وعشرين ولا تكون الأشهر الكاملة اكثر من سبعة، والأشهر الناقصة تكون خمسة او ستة كما في علم الهيئة ويؤكده ويثبته الواقع والحساب، وكما يهل الهلال كبيراً قد يكون مطوقاً بالنور في جميع اطرافه والمشهور انه لا عبرة به أي يعتبر لليلة واحدة وان كان كبيراً او مطوقاً.
وفي الختام اوجه انظار المسلمين الى مسألة عقائدية ذات طابع علمي وهي ان ارتباط فريضة عبادية بدنية بكوكب القمر ورؤيته هلالاً يملي علينا طرح الأسئلة واستنباط الدروس ومنها ان هذه الملازمة وتتبع القمر في ســيره دعوة للتفكر في الإنتفاع الأعم والأفضل من القمر والكواكب والتدبر بخلق الله عز وجل، وكما تفضلتم بالسؤال فاني اسألكم والعلماء الباحثين المسلمين ترى هل كان الإسلام وما للقمر من أهمية في عبادات المسلمين ومعاملاتهم من اثر واسباب في صعود الإنسان الى القمر، ارجو ان يفتح باب للدراسة الموضوعية والتحقيق في هذا الأمر للإنصاف واظهار الحقائق.
ان مجرد تسخير المسلمين لهذا الكوكب في عباداتهم وحسابهم واوقاتهم امر ذو اهمية في هذا الباب فكيف والقرآن ذكر القمر في سبع وعشرين موضعاً، وللمسلمين باع كبير في علم الهيئة والفلك، وعندهم قول بأن ما يحدث في الأرض له اسباب في السماء بالإضافة الى حديث الإسراء وعروج النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى السماء.
ولم يرد الهلال بلغة المفرد في القرآن بل ورد بلغة الجمع قال تعالى [ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ] ( ) مما يدل على ان فلسفة الهلال تتعدى موضوع الصيام وشهر رمضان فهي تشــمل الحج والمعامــلات كعدة المتــوفي عنها زوجهــا والديون ومطلق الآجال، ولا تنحصر بالمسلمين بل تشمل الناس جميعاً، واعتبــاره كل شـــهر دعــوة للبحث في عالم السماء وعلوم الكواكب.
••••••••••••••
السؤال العشرون: ما هو ثواب صيام شهر رمضان وما هي كفارة الإفطار ومتى تجب؟
الجواب: الصيام فريضة واجبة على المسلمين وركن من أركان الإيمان وباب لدخول الجنة.
ولقد ورد موضوع هذه الفريضة بأربع آيات من القرآن الكريم فصلت بينها آية واحدة تتعلق بالدعاء ومضامينه ولم يكن ذلك اتفاقاً، بل هو ترتيب توقيفي ولأن الصيام مناسبة للدعاء وفرصة لقضاء الحوائج وللنصوص المتواترة في استجابة دعاء الصائم.
وكانت تلك الآيات منهاجاً وبياناً راسخاً وضياءً في مسالك العبادة والكمالات حالت دون اختلاف المسلمين وتشتتهم فرقاً وجماعات وافراداً في أحكام الصيام وآدابه او الإجتهاد في تفاصيله وموارد الإعفاء واعتبارات التخفيف وشرائط الصحة ومواضع القضاء والكفارة او بدونها.
وما من عبادة الا ولها أجر وثواب من عند الله عز وجل يتعدى بأضعاف قدرها زماناً ومكاناً واستدامة لإتصال بركاتها ومنافعها ونمائها الى الدار الآخرة تلك الدار التي تحتاج رصيداً كبيراً من الحسنات وسعياً متواصلاً لإختزان الصالحات وعدة كاملة في قاموس الفرائض ومنها الصيام الذي هو واقية من العذاب وسلاح لدرء العقاب.
ولما سأل اليهودي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن جزاء من صام ايام شهر رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “ما من مؤمن يصوم شهر رمضان احتساباً الا اوجب الله تبارك وتعالى له سبع خصال اولها يذوب الحرام من جسده والثانية يقرب من رحمة الله عز وجل والثالثة يكون قد كفر خطيئة آدم ابيه والرابعة يهون الله عليه سكرات الموت والخامسة أمان من الجوع والعطش يوم القيامة والسادسة يعطيه الله براءة من النار والسابعة يطعمه الله من طيبات الجنة، قال: صدقت يا محمد”.
وفي الحـديث القدسي: “الصوم لي وأنا اجزي عليه”، والدراسات الإسلامية قاصرة عن بيان المضامين العقائدية والمفاهيم الفلسـفية لهذا الحديث وما خص الله عز وجل به المسلمين بفريضة الصيام وفازوا بأدائها وتعاهـدوها في الأرض وقد قال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ .
فالصوم لغة مطلق الإمساك عن الأكل والشرب وتستعمل في غير الإنسان أيضاً، وهو في الإصطلاح عبادة بدنية وروحية مخصوصة تتضمن الإمساك عن الأكل والشرب ساعات النهار من أيام معينة وهو عبادة لا تتقوم الا بقصد القربة أي خالصة لوجه الله.
والصوم اقسام وينقسم الى الواجب والمندوب والمكروه أي قليل الثواب، والمحرم بسبب عرضي كصوم النذر لمعصية، أو ذاتي كصوم الوصال أو صوم الصمت أو صوم يوم عيد الفطر أو الأضحى.
والصوم الذي تعلقت به اصل الإرادة التشريعية هو الصوم الواجب وهو على ثمانية وجوه:
1- صوم شهر رمضان.
2- صوم القضاء.
3- صوم الكفارة.
4- صوم بدل الهدي في الحج.
5- صوم النذر والعهد واليمين.
6- صوم الإجارة ونحوها.
7- صوم اليوم الثالث من ايام الإعتكاف.
8- صوم الولد الأكبر عن ابيه.
ووجوبه في شهر رمضان هو الفرد الأهم ومدار الفريضة بل هو من ضروريات الدين ولا يصح الصوم الا بالنية المقارنة لأول الفعل وتمامه وآخر وقتها فيه عند طلوع الفجر ويجوز التقديم في أي جزء من اجزاء الليل والإكتفاء بنية واحدة لشهر رمضان باعتبار انه عبادة واحدة لعمومات قوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ، وعلى القول بأن النية عبارة عن مجرد الداعي والاخطار الإجمالي أو الإلتفاتي التفصيلي الذي ذهب اليه جماعة وقالوا بالإحتياط بتجديدها كل يوم.
اما في غير شهر رمضان من الصوم المعين فلابد من نيته لكل يوم اذا كان عليه أيام كشهر او اقل او اكثر.
ومن شرائط وجوب الصوم البلوغ والعقل وهما من شرائط التكليف العامة فلا يجب الصوم على الصبي والمجنون ولا على المغمي عليه ولا على المريض الذي يتضرر بالصوم، وخلو المرأة من الحيض والنفاس فلا يجب معهما وان كان حصول احدهما في جزء من النهار ولا يجب ولا يصح من المسافر الذي حكمه التقصير في الصلاة اما لو كانت وظيفة المسافراتمام الصلاة كالمقيم عشراً.
ومن كان شغله في السفر كالسائق على الخطوط الخارجية فحكمه الصيام للملازمة بين اتمام الصلاة وبين الصيام.
ومن افطر يوماً او اكثر من شهر رمضان فعليه قضاؤه أي صوم يوماً آخر بدلاً عنه وقد يكون معه كفارة وقد لا يكون، والمدار في وجوب الكفارة على العمد والإختيار في الإفطار وهتك حرمة الشهر والتجرئ على الله تعالى، والعلم عند الله.
••••••••••••••
السؤال الحادي والعشرون: اذا اكل الصائم قضاءً ناسياً هل يبطل صومه؟ يعني في غير أيام شهر رمضان؟
الجواب: الحمد لله الذي يقيل العثرة ويقبل التوبة ويجعل للإنسان في عمره مناسبة متكررة لقضاء ما فاته من العبادات والإمتثال لما قصر عن ادائه في حينه.
فالقضاء وهو في الإصطلاح تدارك العبادة واتيانها بعد فوات اوانها او عند اتيانها فاسدة او غير جامعة لشرائط الصحة او اهمل او نسي ادائها او غير ذلك.
وتدل على القضاء نصوص منها قوله عليه السلام: “من فاتته فريضة فليقضها”، وقوله عليه السلام: “من افطر يوماً من شهر رمضان متعمداً فعليه قضاؤه..”، الى ان قال: “صوم يوماً بدل يوم” ونصوص اخرى عديدة، بل ان الحائض تقضي ما فاتها من الصوم ولا تقضي الصلاة مع ان الصلاة أهم في مراتب العبادة ولعله للسعة والبدلية في الأيام بخصوص الصوم، واستيعاب الحيض لوقت الصلاة.
كما لو نسي غسل الجنابة ومضى عليه يوم او أيام فإن عليه قضاء الصلاة وعليه الاجماع والنصوص، وكذا الصيام فيها على المشهور والقول باشتراط الطهارة في الصوم، وخالف ابن ادريس والعلامة القول بأن اشتراط الصوم بالطهارة من الأكبر مقرون بالعلم، وكذا يجب القضاء على من تناول وأكل من غير مراعاة للفجر ثم ظهر سبق طلوعه فأنه فعل المفطر في النهار ولكن من غير عمد اوقصد.
واختلف الأصوليون في وجوب القضاء هل انه بنفس أمر الأداء بعد فوا ت أوانه او ان فوات المحل الزماني للإداء واتيان المأمور به في زمان لاحق يحتاج الى دليل خاص وفيه ثلاثة اقوال:
1- تبعية القضاء للإداء.
2- عدم التبعية مطلقاً.
3- التفصيل.
والنزاع مبني على وحدة المطلوب وهو الفعل المقيد بالوقت، أو تعدد المطلوب والذي ينحل الى امرين ذات الفعل المأمور به وكونه واقعاً في وقت معين، فبالنسبة للأول إذا لم يتم الإمتثال في الوقت فقد فات أحد المطلبين أي كونه في الوقت المحدد، أما الأمر بالفعل فباق على حاله ووجوب الامتثال له، اما على القول الثاني فاذا لم يتم الإمتثال في الوقت فلابد من امر جديد للقضاء لأن الإتيان به سيكون فعلاً آخر بلحاظ وقت جديد.
ومنهم من قال بالتفصيل فيما لو كان دليل التوقيت متصلاً فلا تبعية، وبين ما اذا كان منفصلاً فالقضاء تابع للأداء.
وعندنا قاعدة كلية في المقام وهي اصالة التساوي بين الأداء والقضاء في الحكم الا ما خرج بالدليل كما في الإصباح جنباً من غير عمد فلا يوجب بطلان الصوم إلا في قضاء شهر رمضان على الأقوى لصحيحة ابن سنان فيخرج بالدليل.
أما الأكل والشرب ناسياً فالإجماع على عدم مفطريته، وفي الصحيح عن الإمام علي عليه السلام: “من صام فنسي فأكل وشرب فلا يفطر من أجل انه نسي، فإنما هو رزق رزقه الله تعالى فليتم صيامه”، وإطلاقها يشمل الأداء والقضاء والمضيق والموسع إلا مع التخصيص ويشمل السهو أيضاً لأن النسيان أعم من السهو.
بالإضافة الى حديث الرفع بالنسبة الى رفع العقاب وقاعدة “كل ما غلب الله على العباد فهو أولى بالعذر”، ولأن الحكم من باب التخفيف والتيسير ولقاعدة نفي الحرج في الدين والأخبار الإمتنانية والعلم عند الله.
••••••••••••••
السؤال الثاني والعشرون: ما حكم الإســتغراق في النوم على جنابة في شهر رمضان؟
الجواب: الجنب في شهر رمضان اما ان ينام عن العزم على ترك الغسل او مع التردد فيه فيلحقه حكم تعمد البقاء جنباً ويكون الحكم في الصورتين القضاء مع الكفارة.
أو يكون بانياً على الإغتسال حينما ينام بعد الجنابة ثم يطلع الفجر وهو لم يغتسل غسل الجنابة فهو على اقسام:
1- بعد النومة الأولى: أي نام بعد الجنابة ولم يستيقظ الا بعد طلوع الفجر، فيصح صومه ولا شيء عليه وفي صحيحة معاوية بن عمار: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: “الرجل يجنب في اول الليل ثم ينام حتى يصبح في شهر رمضان قال عليه السلام: ليس عليه شيء، قلت: فإن استيقظ ثم نام حتى أصبح قال عليه السلام: فليقض ذلك اليوم عقوبة”.
2- ان طلع الفجر بعد نومته الثانية، أي نام بعد العلم بالجنابة ثم انتبه ونام ثانياً وهو يحتمل الإنتباه ولكن اتفق له اتصال النوم حتى طلع الفجر فعليه القضاء.
وكذا في النومة الثالثة، وان كان المشهور فيها وجوب الكفارة احتياطاً وقيل بالإحتياط في وجوب الكفارة في النومة الأولى ايضاً لمن لم يكن معتاد الإنتباه استناداً الى القول بالملازمة بين القضاء والكفارة الا ما خرج بالدليل، ولا دليل عليها أي الملازمة عقلاً ونقلاً فتشملها عمومات القضاء بدون كفارة.
وبالنسبة الى من يعلم انه لا يستيقظ قبل الفجر للإغتسال ومع هذا ينام ويستمر في نومه حتى يطلع عليه الفجر فقيل يشمله حكم البقاء على الجنابة متعمداً ويجب عليه القضاء والكفارة لأن التعمد جاء بالواسطة أي ان قصد السبب قصد للمسبَبَ لا سيما في الأسباب التوليدية، والأقوى شموله بالعمومات وعدم ثبوت الكفارة عليه والعلم عند الله.
••••••••••••••
السؤال الثالث والعشرون: متى كان اليوم الأول من شهر رمضان لهذه السنة (1420) وهل ترون قضائه؟
الجواب: لقد جعل الله عز وجل آيته الكونية “الهلال” عوناً على أداء الفرائض ونيل الثواب بالإضافة الى ما تدل عليه زيادته وما يتعقبها من النقصان وما يصيب القمر من الخسوف كعلامة للنقص والتغــير باعتبـاره محتاجاً وكل محتاج ممكن وكل متغير حادث وفي ذلك رحمة للناس عامة ليتفكروا في خلق السماوات والأرض وبالإسلام وتغشي احكامه اطراف الأرض ومختلف الأمصار ولو على نحو الأفراد والجماعات اتخذ موضوع الهلال ابعاداً شرعية اضفت عليه قدسية واهمية خاصة بقوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ .
وفي الآية شرط وجزاء وامر بل ودعوة لنبذ الخلاف والفرقة وتسخير ما استحدث من اتصال سريع بوسائط سمعية ومرئية لتعظيم شعائر الله والأداء الأمثل للفرائض وان كان ذلك لا يمنع من الإختلاف في الإجتهاد في ثبوت الرؤية اذا ثبتت في بلد آخر من بلاد الأرض او تثبت بلحاظ اتحاد افق البلدين او مع القرب بينهما او اشتراكهما بالليل او اعتبار الرؤية في ذات البلد دون غيره، ولكن النصوص الواردة في قضاء اليوم الأول من شهر رمضان اذا ثبت في بلد مطلقة وتشمل جميع المكلفين وان اختلفت اقوال المراجع الذين يقلدون والامصار التي يقطنون ومنها:
1- صحيحة هشام بن الحكم عن ابي عبد الله عليه السلام انه قال فيمن صام تسعة وعشرين قال عليه السلام: “ان كانت له بينة عادلة على اهل مصر انهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوماً”، وقد ورد ذكر المصر هنا بلغة النكرة الشائعة الشاملة أي الأعم من تقارب البلدين او توافق افقهما في ترتب القضاء.
2- صحيحة ابراهيم بن عثمان: “اذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر”( )، وقد كانت السماء ملبدة بالغيوم في سماء مدن العراق ليلة الخميس أول شهر رمضان في هذه السنة (1420) والدخول والخروج في الصحيحة من باب المثال وليس الحصر فيجزي الإتصال الهاتفي مع الوثوق بجهة الإتصال ومصدر الشهادة.
3- صحيحة عبد الرحمن عن ابي عبد الله عليه السلام قال: “سألت ابا عبد الله عليه السلام عن هلال شهر رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان قال: لا تصم الى ان تراه فان شهد اهل بلد آخر فاقضه”( ).
4- صحيحة ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال: “سألت الإمام الصادق عليه السلام عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان قال عليه السلام: لا تقضه الا ان يثبت شاهدان عدلان من جميع اهل الصلاة متى كان رأس الشهر، وقال: لا تصم ذلك اليوم الذي يقضى الا ان يقضي اهل الأمصار فان فعلوا فصمه”.
فروع:
1- لو صام يوم الخميس ندباً او بنية ما عليه من القضاء او النذر ونحو ذلك باعتباره يوم الشك فيجزء عنه من شهر رمضان ويصح صومه وعليه جملة من الأخبار نعم ان كان بنية القضاء تبقى الذمة مشغولة بالقضاء الأول لإحتساب صيام يوم الخميس واقعاً وقهراً بل توفيقاً من شهر رمضان هذا.
2- القضاء في المقام من غير كفارة لأن الكفارة مع تعمد الإفطار واختياره وعليه الإجماع والنصوص الكثيرة.
3- يمكن اعتبار هذه المسألة أي قضاء هذا اليوم مركبة فهي مسألة ابتلائية عامة ومسكوت عنها باعراض مخل، وقاعدة الإشتغال تقتضي خلافه لذا فلا بأس برجوع المراجع الى وكلائهم في الأمصار التي تثبت فيها الرؤية الشرعية للتحقق من ان شهر رمضان كان تام العدة ام لا.
4- من الأفضل رجوع المؤمنين الى من يقلدون من المجتهدين الأعلام فقد يكون عنده رأي في الكبرى وهي اثبات موضوع القضاء في المقام، او الصغرى وهي ثبوت الهلال، ونحن نقول بوجوب القضاء، عندما يصوم المكلف تسعة وعشرين يوماً ويرى الهلال، بينما يصوم غيره ثلاثين بلحاظ حصول الفارق في اول الشهر والاحتياط طريق النجاة قال الإمام الرضا عليه السلام: من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن خاف آمن، ومن اعتبر ابصر، ومن ابصر فهم، ومن فهم علم…) والعلم عندالله.
••••••••••••••
مسائل في الزكاة
السؤال الرابع والعشرون: ورد تحريم اعطاء الصدقات الواجبة لبني هاشم (السادة) فهل تجوزون اعطاء الصدقات المستحبة لهذه الشريحة من المجتمع التي أكرمها الله بهذا النسب الشريف خصوصاً الصدقة المستحبة في السفر افتونا مأجورين.
الجواب: ادعي الإجماع بجواز اعطاء الصدقات المندوبة للهاشمي وان كانت من غير الهاشمي سواء في الحضر او السفر، والمنساق من الحرمة هو زكاة المال الواجبة وزكاة الفطرة كتاباً وسنة، ويدل عليه خبر الهاشمي عن ابي عبد الله عليه السلام: “قلت له أتحـل الصدقة لبني هاشم؟ فقال عليه السلام: اما تلك الصدقة الواجبة على الناس لا تحل لنا، فأما غير ذلك فليس به بأس ولو كان كذلك ما استطاعوا ان يخرجوا الى مكة هذه المياه عامتها صدقة”.
ويدل على ذلك ايضاً كما هو مستقرأ من الخبر اعلاه قاعدة نفي الحرج في الدين وإصالة الإباحة في غير الصدقة الواجبة وان التعليل بأن الصدقة اوساخ الناس يدل على الزكاة الواجبة ولأن الصدقة المندوبة طوعية وهي أعم من أن تنحصر بموارد الاستحقاق، نعم ورد عن الشيخ والسيد والمحقق والعلامة حرمة مطلق الصدقات الواجبة عليهم وقيل هو الأحوط.
وقال جماعة من المعاصرين بأن الأحوط عدم دفع مطلق الصدقة ولو مندوبة من غير الهاشمي الى الهاشمي ولكن الأقوى الجواز لما تقدم بل وعند الجمع بين الأخبار في المقام وللقدر المتيقن والعلم عند الله.
••••••••••••••
مسائل في الحج
السؤال الخامس والعشرون: هل يفسد الجماع الحج حال الإحرام الحج؟
الجواب: من الافعال المحظورة في الحج الاستمتاع بالنساء فمن أحرم لا يجوز له وطئ زوجته قبل ان يقف بالمشعر (سمي مشعراً لأنه معلم للعبادة أو لحرمته، ويسمى ايضاً مزدلفة لازدلاف الناس وتقربهم فيه الى الله تعالى، أو لتقربهم الى منى، أو لمجىء الناس اليه في زلف من الليل، ويسمى أيضاً جمعاً للجمع فيه بين صلاة المغرب والعشاء، او لاجتماع الناس فيه.
والوقت الاختياري للوقوف بالمشعر من طلوع فجر يوم النحر الى طلوع الشمس منه، أما الاضطراري فوقتان ليلي ونهاري) ومع علمه بتحريم الجماع فعليه بَدنة ويتم حجه وهو الفرض، ثم يأتي بالحج من قابل عقوبة لما ورد في صحيحة زرارة قلت: فأي الحجتين لهما؟ قال عليه السلام: الأولى التي أحدثا، فيها ما أحدثا والأخرى عليهما عقوبة) ولأصالة الصحة.
ولأن النهي تكليفي ولا يتعلق بأركان الحج العبادية الفعلية، وفي خبر أبي بصير “عن رجل واقع امرأته وهو محرم قال عليه السلام: عليه جزور كوماء قال: لا يقدر، قال عليه السلام ينبغي لاصحابه ان يجمعوا له ولا يفسدوا حجته”، مما يدل على ان الكفارة لتدارك النقص وان الفساد أعم من البطلان فقد يراد منه النقصان، فلا يمكن ان تصحح الكفارة الحج اذا وقع باطلاً، بل هو نوع تدارك.
وخالف جماعة كصاحب الشرائع وقالوا بأن الحج الثاني هو الفرض والأول فاسد يجب اتمامها، ومقتضى الاطلاق شمول النكاح الدائم والمنقطع، الحرة والأمة، وقيل بالاختصاص بالنكاح لدعوى الانصراف وأصالة الصحة والبراءة، واستدلوا بقول الصادق عليه السلام: “والرفث فساد الحج”.
ومنهم من قال بعدم الفرق بين القبل والدبر لأنه احد المأتيين، كما في المبسوط وابن ادريس، وفي شرائع الاسلام قال المحقق الحلي “من جامع زوجته في الفرج قبلاً أو دبراً عامداً عالماً بالتحريم فسد حجه وعليه اتمامه وبدنه والحج من قابل سواء كانت حجته التي افسدها فرضاً أو نفلاً.
والفرق بين القولين على فرض اداء الحج ثانية بالنية هل ينوي الثاني واجباً بالعرض كعقوبة ترتبت على الافساد؟ أم ينويها حجة الاسلام على القول الثاني الذي ذهب اليه المحقق في الشرائع وعليه ايضاً لو مات قبل اداء الحج ثانية فانه يقضى من اصل تركته، اما لو كان عقوبة فلا يخرج من التركة الا ان يكون أوصى به وان الثلث يستوعبه.
ولا ينحصر الحكم بالرجل بل يشمل المرأة اذا كانت محرمة وطاوعته، وورد النص بالتفريق بينهما الى اتمام المناسك، ويكفي في التفريق مصاحبة من يكون وجوده معهما حائلاً دون تكرار المواقعة وسبباً في الارتداع والاحتشام ولا يكفي الصبي المميز أو الضرة والأمة، أما لو أكرهها ولم تطاوعه فأن حجها ماضي ولكن عليه كفارتان.
ولو كان المحرم ناسياً لاحرامه أو للحكم فالأقوى عدم الإفساد والكفارة لا لحديث الرفع ولكن لأصالة البراءة لورود النص في الجاهل والقول بأنه من باب المثال والعذر الشرعي.
أما لو جامع زوجته بعد الوقوف بالمشعر ولو قبل ان يطوف طواف النساء، او طاف ثلاثة اشواط أو أقل صح حجه ولكن عليه بُدنة، وتدل عليه حسنة معاوية عن الصادق عليه السلام: قال سألته عن رجل وقع على امرأته قبل ان يطوف طواف النساء قال عليه السلام: عليه جزور سمينة، وان كان جاهلاً فليس عليه شئ والعلم عند الله.
••••••••••••••
مسائل في المعاملات
السؤال السادس والعشرون: ما رأيكم بمزاولة مهنة المحاماة في هذا الزمان؟
الجواب: من المهن الرفيعة التي احتلت مقاماً اجتماعياً وأدبياً المحاماة اقتبست صفات اخلاقية حميدة منبعثة من اصل الوظيفة التي تؤديها والفلسفة التي ابتنت عليها قواعدها وكأنها وليدة الحاجة سواء على القول بأن للأشياء حسناً او قبحاً عند العقل من غير مدخلية للشرع كما يذهب اليه العدلية، او على القول بأنه لا حكم للعقل في حسن الأفعال او قبحها والشارع هو الذي يحدد الحســن للأشــياء بالأمر باتيانها وتحبيبها الى النفس او قبحها بالنهي عنها وذمها كما ذهب اليه الاشاعرة.
والمحاماة لغة هي المنع والذب، يُقال حاميت عنه محاماة وحمِاءً أي دفعت عنه وحميت عليه أي غضبت، وتحاماه الناس: توقوه واجتنبوه هيبة وحذراً. وبغض النظر عن المسألة الكلامية وهي هل ان الاسم هو عين المسمى؟ أم ان الاسم غير المسمى كما هو المختار فأن وظيفة المحامي لم تبتعد عن المعنى اللغوي.
ولم تكن مهنة المحاماة معروفة في القرون الأولى من العهد الإسـلامي المبارك ولعلها جاءت مع هذه القوانين الوضـعية فهل من ملازمة بينهما وان تلك الملازمة معتبرة في تشريع المحاماة فلو لم تكن هـــذه القوانين المدنية لأنتفت الحاجة الى المحاماة كما هو في بدايات الإسلام، الجواب ان هذه الملازمة شبهة بدوية تزول بأدنى تحقيق فصحيح ان تلك القوانين اثرت في وجود مهــنــة المحاماة ولكنها لم تكن علة تامة او سبباً وحيداً لتشريعها ووجودها واتساعها، فلقد كانت مهنة المحاماة حاجة قضائية واجتماعية واخلاقية وادبية.
كما ان هناك دلائل في التشريع والقضاء الاسلامي تدل على جواز وامكان المحاماة، والمتتبع للتأريخ الاسلامي يجد شواهد كثيرة تمثـل نماذج وأمثلة مباركة على تحققها في الواقع مثل دفاع أمير المؤمنين عليه السلام عن امرأة أكرهت على الزنا ومنع إقامة الحد عليها.
انها نوع تخصص في هذا الزمان الذي تشــعبت فيه العـلوم وكثرت فيه التخصصات وتفرعت فيه الأعمال فلا موضــوعية للقوانين الجديدة في تشريع المحاماة بل هي قضية اتفاقية وليست لزومية فلو كانت الأنظــمة التشريعية الإسلامية هي السائدة في بلد معين لأحتاج الناس فيه ايضاً الى المحاماة كعلم له قواعده وأنظمته. نعم تتخذ المحاماة في منهجيتها دراسة وعمــلاً رداءً ملائماً لنوع القوانين المعمولة لذا تراها ايضاً على فروع واقسام فمنها ما يتعلق بدولة او قانون او جــنايات معينة او نظام تجاري ومنها ما يتعلق بالقانون الدولي.
وكما ان العقل يحكم بجواز مهنة المحاماة فأن عمومات أدلة الوكالة شاملة للمقام موضوعاً ومحمولاً بالإضافة الى ظاهر السنة الشريفة فقد ورد بالإسناد عن ام سلمة ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: “انما انا بشر وانكم تختصمون اليّ ولعل بعضكم ان يكون ألحَــنَ بحجتــه من بعض فاقضـي على نحو ما اسمع فمن قضيت له بحق اخيه شيئاً فلا يأخذه فانما اقطع له قطعة من النار”، وقريب منه جاء في صحيحة هشام بن الحكم عن الإمام الصادق عليه السلام.
ولابد من توجيه الحديث ودراسته وتحليله ونذكر بعض ما يدل عليه من المعاني السامية لنشير بالدلالة التضمنية الى الكنوز العلمية والذخائر العقائدية التي يحتوي عليها الحديث والسنة النبوية الشريفة القولية منها والفعلية والتقريرية وحاجات هذا الزمان وما فيه من التقارب والتداخل بين الأمم والأديان يحتم علينا ان لا نقف عند ذكر الحديث مجرداً عن التحقيق والدراســة والإستنباط وهو امر يجعلنا بحاجة الى دراسة علوم القانون الحديث ايضاً والى مهنة المحاماة اذ انها أعم من ان تتعلق بالقضية الشخصية او الخصومة الفردية.
ومن المسائل المستنبطة من هذا الحديث وبقدر ما يتعلق الأمر بموضوعنا هذا، ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمتلك علماً لدنياً ويعرف مواطن الحق واسبابه ولكنه صلى الله عليه وآله وسلم يحكم على الظاهر لتأديب المسلمين ولتكون منهجية دائمة في القضاء عند غياب العصمة واحتجاب الوحي قال صلى الله عليه وآله وسلم: “انما احكم بينكم بالبينات والإيمان”.
ومادة اللحن في الخبر اعلاه هي موضوع مهنة المحاماة والحكمة في تشريعها انها لرفع اللحن وبيان اللبس ومنع الخلط ليكون القاضي على بينة وليسهل عليه اتخاذ الحكم المناسب ولنجاة صاحب الدعوى الذي وكل المحامي او الطرف الآخر من نار جهنم لمنع وقوع الظلم، واللحن لغة هو الميل عن جهة الإستقامة يقال لحن فلان في كلامه اذا مال عن صحيح النطق، وقد يأتي بمعنى التعريض والتورية قال شاعر لقومه “وقد لحنت لكم لكيما تفهموا”.
وقد يراد باللحن محركاً الفطنة وعليه حمل بعضهم الحديث اعلاه الحن بحجته أي افطن اليها، وعندي انها في الحديث أعم من ذلك ومن الإعجاز التقاء طرفي تأويلها المتناقضين الايجابي والسلبي في الدلالة على صحة وظيفة المحاماة اذ ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم اطلق اخذ الحق أي قد يأخذ الحق من يفطن لحجته وقد يســـلب الحق عمن يغفل عن حجته او يتعذر عليه بيانها فتكون المحاماة نوع طريق لانتزاع الحق ببيان الحجة والدليل وليس لها موضوعية في قرار الحكم، والشاهد على هذا انك ترى الذي يعرف سبيل أخذ حقه قد لا يلجأ الى المحاماة.
وبالنسبة لما ورد في السؤال فصحيح ان بعض البلدان تعتمد في شطر من قوانينها تشريعات تبتعد قليلاً عن الشريعة او قوانين وانظمة اخرى الا ان ذلك لا يمنع من الإحتجاج والإســتدلال بها لدفع الظلم ورفع الضيم واسترداد الحق، فاذا انحصر انتزاع الحق بقانون معين لا مانع من اللجوء اليه والإحتجاج به لأنه نحو طريق الى غايات حميدة لا سيما وانه لم يشرع اصلاً بقصد حجب حق او اضفاء شرعية على ظلم او تعد او تجاوز.
ومهنة المحاماة مستحبة في ذاتها وقد تنطبق عليها الأحكام التكليفية الأربعة الأخرى وهي الوجوب والإباحة والكراهة والحرمة ولكن ذلك الإنطباق يأتي بالعرض وبلحاظ موضوع الدعوى الذي يلتزمه المحامي ويذب عنه بلسانه وقلمه على نحو الإختيار والقصد، والوجوه السلبية منه لا سيما الحرمة لا تضر في بقاء اصل الإستحباب وان اتسعت دائرتها وضيقت الخناق في كثير من طرق هذه المهنة الكريمة السامية، وهل يضطر المحامي مع هذا الواقع المتداخل الى خلط الوجوب بالكراهة والإســـــتحباب بالحــــرمة مثلاً فيكون بطبيعة عمله وعلى نحو القهر والإنطباق من الذين يخــلطــون عــملاً صــالحاً وآخــر ســـيئاً قـال تعالى: خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا .
الجواب لا، لإمكان الفرز ابتداء وامكان الإحتراز في نوع الدعوى التي يختار ويرضى بالوكالة عنها، نعم لا تكفي نية الصلاح في البداية ثم الإنغماس العملي بما هو خلافه، فان قلت ان ذلك يدل في مفهومه على التزام جانب الحيطة والحذر اثناء مراحل الدعوى كلها لكي لا يقع في المعصية والإثم وان هذا قد يتعارض مع المتعارف من صيغ وكالة المحاماة في هذا الزمان.
اقول لا عبرة بالمتعارف اذا كان خلاف احكام الشريعة وليس من الصعب التغلب عليه خصوصاً وان المدد والتوفيق يأتيان مع الإرادة وصدق النية وما يرافقهما طوعاً او قهراً من صلاح نوعي عام، وبالتنزه عن ولوج الحرام كطريق لأخذ حق الغير، فيكون المحامي قد ساهم في تخليص صاحبه وموكله من ولوج النار، لذا يمكن بهذا المنظار ان تدخل مهنة المحاماة بعمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اذا ما احسن توظيفها واداؤها ولتكون مدخلاً لإشاعة الصدق في موارد الخصومة ومظان الحكم وميادين القضاء بعيداً عن صيغ الرشوة والسعي الى جعل الباطل حقاً أو الحق باطلاً وربما كان حضور المحاماة حاجزاً عن الظلم وولوج مسالكه، كما ان فيها إعانة للمظلوم ومناسبة لتدارك الظالم أو رجوعه أو لانتزاع الحق منه وهو في المحصلة النهائية نوع تخفيف عنه.
اني ابارك للمؤمــنين الذين يتصدون لمهنة المحاماة بروح الإيمان ونية الصلاح وقصد احقاق الحق بالميســور والممكن من سبل الرشاد، ولا بأس ان يجري اكرام سنوي لبعض ممن يتصف بالنزاهة والصدق في مهنة المحاماة ممن يأبى ان يلبس الباطل لباس الحق أو العكس وبشهادة المحامين انفســهم والواقع القضائي ليكون قدوة وأسوة حسنة لغيره، وقد يكون سبباً للتذكير بالله عز وجل وسبيلاً للهداية الى وجوه الرشاد. ولا بأس ان يكون هذا الامتياز طريقاً من طرق اختيار القضاة.
وفي الختام ترى من هو المحامي عــــنا يوم القيامة؟ وهل يحتاج المحامون اليوم الى من يحامي عنهم غداً؟ بل من هو المحامي الذي يدخل معنا الى القبر حين يرجع الناس؟ وماذا أعددنا له وفيه ومنه؟ وفي الحديث: عجبت لمن يحتمي من الطعام مخافة الداء كيف لا يحتمي من الذنوب مخافة النار.
••••••••••••••
مسائل في البيع
السؤال السابع والعشرون: بعض الناس يبيع بالآجل وبعملة اخرى بمقدار اكثر من سعر السوق وعند حلول الأجل يبقى اصل المبلغ ولكن يدفع مقدار الفارق في سعرهما يومئذ وهي معاملة شائعة الآن في السوق فهل يجوز ذلك؟
الجواب: هذه المعاملة مركبة من معاملتين مستقلتين في الموضوع ومع اختلاف الموضوع يتعدد الحكم لأنه له تابع ولاحق على محو عدم تخلف المعلول عن علته ولكن لقاعدة ترتب الأثر وتبعية الاحكام للمصالح والمفاسد.
وعمومات أدلة البيع وآية التراضي تدل على صحة المعاملة من غير ما يصلح للتقييد او للتخصص او للتخصيص ولكن الذي يجري في السوق عقدان، عقد ابتدائي وعقد لاحق فما هو العقد اللاحق وما هو حكمه، اذ ان صحة العقد الإبتدائي بالبيع الإختياري لا يضفي الشرعية على اللاحق وهو ابـقــاء المبلغ في ذمة المشتري مع فرض ربح دوري عليه.
فهذا الربح ربوي وباطل ومقتضى الأصل ان المشتري اذا عجز عن القضاء والوفاء في أوان الإستحقاق وانقضاء المدة المضروبة يمهل من غير فرض زيادة على اصل المبلغ، لقوله تعالى وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ، فلا يجب اعساره بالمطالبة والاقتضاء بل يجب ان ينظره الى اليسار وعليه الاجماع لعدم وجوب الأداء والقضاء على المعسر.
وفي موثقة ابن سنان عن الصادق عليه السلام ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “من انظر معسراً أظله الله يوم القيامة يوم لا ظل الا ظله”، نعم لا يجوز عند حلول الأجل المماطلة في أداء الدَين لأنها معصية كبيرة.
فلو باعه عملة الدولار او الريال بمائة دينار لمدة شهر فالمعاملة صحيحة مع معرفة سعر كل منهما بالنسبة للآخر ساعة انشاء العقد لمنع الغرر، وعند حلول الأجل بعد ثلاثين يوماً يستحق المبلغ، ولكن لو بقي المبلغ في ذمته واعطاه مقداراً جزئياً من المال كخمسة وعشرين دينار ويبقى أصل المال في الذمة فأن هذه الخمسة والعشرين ديناراً من الربا المحرم، أما لو وفاه المبلغ كاملاً صح، ولهما ان يجريا معاملة اخرى جديدة.
وما يحدث لأولئك المشترين من ضائقة مالية راجع الى الشروط الربوية الملازمة عرضاً للعقد وهكذا دائماً فان إتباع صيّغ الحرام والمنهي عنه ورطة واذى والأكثر من تلك الضائقة وأمرّ هو اللعنة التي تتغشى البائع والمشتري والشاهد والكاتب في حال حصول الربا بالأجل اللاحق مع قصده او الرضا به واختياره.
اما تحديد نسبة الأرباح فهو في المسألة على فرعين، اما الأول وهو عند العقد فأدلة البيع وقاعدة السلطنة واحكام المعاوضات واصالة الصحة تحول دون التحديد، ولكنه بيع يشترط فيه ان يعلم المتعاقدان نسبة السعر بين العوضين لمنع الجهالة والغرر المبطلين للبيع. اما الثاني وهو فرض الربح لاحقاً مع بقاء اصل المال فهو ربوي لا يصح ولا يصحح بالتجديد والعلم عند الله.
••••••••••••••
السؤال الثامن والعشرون: شاع في الأيام الأخيرة بيع الورقة النقدية فئة (العشرة آلاف دينار) بأقل منها من فئة اخرى، فما حكم ذلك؟
الجواب: قال تعالى وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا، الربا المحرم على قسمين:
1- في القرض. 2- في البيع والمعاملة ولا يكون الا فيما يكال او يوزن، وضابطه الجنس وهو الذي ينطبق على مصاديق متشابهة متحدة الذات في جميع افرادها كالتمر والحنطة فكل منهما جنس وان تباينت انواعهما.
والمشهور عدم الربا في المعدود على كراهة فيه، وفي خبر منصـور عن أبي عبد الله الإمام الصادق عليه السلام : “سألته عن البيضـة بالبيضــتين، قال: لابأس به، والثوب بالثوبين، قال: لا بأس به، والفرس بالفرسين، فقال: لا بأس به …”، وعن ابن الجنيد وسلار ان المعدود كالمكيل والموزون فلا يجوز التفاضل به.
وما ظهر في هذه الأيام من التفاضل بين العملة الورقية فئة 250 ديناراً والأخرى فئة عشــــرة آلاف سببه العرف، وعندنا قاعدة كلية وهي تبعية الحكم للموضـوع، فما دام التفاضـل يحصل خارجاً بسبب الموضوع مما يشاع عن فئة عشرة آلاف، ولقاعدة لا ضرر ولا ضرار، وقاعدة احترام المال، وقاعدة نفي الحرج، وتجنيب المؤمنين الذين يرجعون الى الشرع المقدس في معاملاتهم الضرر والخسارة، فأن هذا التفاضل جائز على كراهة ولكنه مؤقت وزواله معلق على أحد أمرين:
الأول: قبول المصارف تصريف فئة عشرة آلاف بالمثل من غير حصر بورقة واحدة لكل شخص.
الثاني: قبول الناس في معاملاتهم لهذه الورقة على نحو التساوي في القيمة مع الأدنى منها.
وتترشح الكراهة من جهتين:
الأولى: الجمع بين النصوص.
الثانية: ما في هذه المعاملة من الاخلال بالتعامل اليومي العام والنظم المعاشـية وحصول الاضرار الجانبية وللحاجــة الى التعاون والتكافل.
والحمد لله الذي يرضى بالقليل ويعطي الكثير ويضاعف الحسنة اضعافاً كثيرة وينميها بفضله ويجعل الاستغفار يهجم على السيئة ويمحوها.
••••••••••••••
مسائل في الإجارة
السؤال التاسع والعشرون: بعض المحلات المستأجرة تقام عليها كل سنة مزايدة فما حكم من يزيد عليها، علماً ان المستأجر يعدها مصدراً لرزقه؟
الجواب: يجوز الإشتراك في المزايدة عليها لعمومات “المؤمنون عند شروطهم” “وقاعدة السلطنة” في حق المنفعة، وعد المستأجر لها مصدراً لرزقه لا يصلح مانعاً للآخرين الذين يسعون ان يكون المحل مصدراً لرزقهم، وعقد الإيجار الذي انقضت مدته لا يعتبر شرعاً وعقلاً مرجحاً لصاحبه اوحائلاً دون اشتراك غيره وان عد الاشتراك في العرف احياناً أمراً غير مناسب اذ لا اعتبار للعرف الذي لا يتفق مع الحكم الشرعي.
نعم هناك مسألة وهي “كراهة الدخول على سؤم المؤمن” وهل تشمل المقام أم ان الجميع في المزايدة بعرض واحد، الأقوى الثاني لأن إجارة كل سنة مستقلة عن الاخرى الا مع الدليل او القرينة على الخلاف والعلم عند الله.
••••••••••••••
السؤال الثلاثون: ما هي السرقفلية وهل هي جائزة شرعاً وحين انهاء المعاملة كيف يكون الدفع؟
الجواب: السرقفلية عبارة عن اخذ المالك مبلغاً من المال لقاء رفع اليد والإذن للمستأجر بالمحل وسلب حق التخلية عنه وجعل بعض الفقهاء الضابط في جواز اخذ المالك لها عدم حقه في زيادة بدل الإيجار وتخلية المحل، ولكن موارد جواز السرقفلية شرعاً أعم من ذلك ولها عنوان اعتباري، ومن الفقهاء من قال بعدم جواز السرقفلية.
ولكنها من فروع قاعدة السلطنة وتصلح لما يستحق اخذ العوض عليه عرفاً وعند العقلاء اذ انها من الموضوعات وقد لا تنحصر بسقوط حق التخلية فقط الذي يتجدد بعد انتهاء كل عقد ايجار مثلاً وقد تكون من موارد حق الإختصاص وتشملها عمومات “المؤمنون عند شروطهم” او ان الإيجار فيها يكون مركباً من بدل ايجار وسرقفلية، وهذا التركيب وان كان خلاف العقود المتعارفة عند المسلمين سابقاً فان عمومات أدلة التراضي واطلاقات المعاوضات تشمله، والعقل لا يستقبحه وكثير من العقود مبني على العرف وبناء العقلاء والشارع أمضى ذلك وأصدر حكمه فيها تبعاً للقواعد الكلية الشرعية، ولا يمكن النظر اليه باعتباره من المنافع النادرة التي لا توجب صحة المعاملة لأنه أصبح معاملة شائعة لها قواعدها وشرائطهاالتي لم يثبت انها تتنافى مع احكام الشريعة، فمقتضى الأصل الصحة الا ان يدل دليل على الخلاف.
وقد تكون الســرقفلية من مصلحــة المستأجر وهو الذي يرغب بها وتحقق له ربحاً أو ضماناً أو تخفيفاً أو انه يدفعها لقاء اسقاط حق او حقـوق للمالك بشــرط ان لا تخرج الســرقفليــة موضوعاً وبدلاً عن الضوابط الكلية للعقود مطلقاً كقاعدة “لا ضرر ولا ضرار” وقــاعدة “منــع الجهالــة والغـرر” وعدم مخالفة الشرط للكتاب والسنة.
ولو اراد المستأجر بيع السرقفلية يجوز له ذلك الا ان يكون للمالك شرط او نحوه يحول دونه ولو اراد المالك شراء السرقفلية او طلب تخلية الملك خلافاً للشرط ولحق السرقفلية الذي تملكه المستأجر فان المالك يدفع حق التخلية وما تراضيا عليه مع اعتبار مدة انتفاع المستأجر من السرقفلية وبحسب قول اهل الخبرة.
فمثلاً لو اخذ الدكان سبع سنوات بسرقفلية مقدارها مائة دينار قبل عشر سنوات فلا يعني ان المالك يدفع قيمة السرقفلية بقيمتها الآن التي قد تبلغ عشرة آلاف مثلاً، وليس بما استلم من المستأجر لثبوت انه حق عقلائي وعرفي وعقد تعلق بمنفعة العين ولقاعدة “لا ضرر ولا ضرار” ولا فرق بين المالك في هذه الحال والطرف الثالث الذي يبيعه المستأجر الا ما خرج بالدليل او دل عليه الشرط والعلم عند الله.
••••••••••••••
مسائل في الأطعمة والأشربة
السؤال الحادي والثلاثون: ما حكم الأكل مع غير المسلمين من الكفار ومن غير أهل الكتاب كالبوذيين والهندوس (أي الوثنيين)؟
الجواب: هناك كافر غير كتابي وهو الوثني الذي ينكر الألوهية ولا يقول بالتوحيد وكتابي أي اليهودي والنصراني ومنهم من أضاف لهم المجوسي وفيه نص.
فبالنسبة للأول الإجماع على نجاسته وتلحق به رطوباته واجزاؤه.
اما بالنسبة لأهل الكتاب ففيهم قولان المشهور هو نجاستهم، وخالف الشيخ الطوسي والمفيد وابن الجنيد وكل من الفريقين يستدل بنصوص عديدة او يناقش النصوص الأخرى.
والأقوى عدم نجاستهم لا سيما مع عدم ثبوت الملازمة بين النعت بالكفر لمن لا يؤمن برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كحكم تكليفي وبين النجاسة كحكم وضعي الا اذا كانت هناك نجاسة عرضية كالخمر أو اكلهم للحم الخنزير وأوانيهم المستعملة في ذلك، ويمكن حمل النصوص القائلة بنجاسة الكتابي على التنزه ولزوم النفرة من مخالطتهم، ودعوتهم للإسلام، والعلم عند الله.
••••••••••••••
مسائل في الضمان
السؤال الثاني والثلاثون: لقد وقع حادث اصطدام سيارتين احداهما كبيرة والثانية تورن صغيرة وكانت الصغيرة قد جاءت بخط معاكس (رون سايد) وهي تحمل ثلاثة اشخاص (رجل مسن وابن اخيه وطفل عمره خمس سنوات) في حين كان صاحب السيارة الكبيرة التي تسير بخطها المعتاد بحالة (سكر) وبهذا الوصف أعلاه وقع الإصطدام فأسفر الحادث عن قتل سائق السيارة التورن الصغيرة وابنه ذي الخمس سنوات وتعرض المسن الى كسور شديدة تركته طريح الفراش لا يقوى على شيء.
فالسؤال الى سماحتكم: هل للسيارة الصغيرة التي تحطمت ثمن يتحمله صاحب السيارة الكبيرة وحالته الموصوفة مع السكر والسرعة الشديدة، وكم دية السائق القتيل وابنه والرجل المسن صاحب الكسور الشديدة التي اقعدته وبالتقدير الشرعي وبعد معرفة الدية الشرعية من الذي له حق تخفيض الدية الى الحد المتعارف عليه الآن في زماننا هذا.
وبالختام ندعو الله لكم بطول العمر واحقاق الحق على الشرع الحنيف، افتونا مأجورين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجواب: وبعد.. لابد للفقيه من الرجوع الى اهل الخبرة والفن والقوانين الوضعية لمعرفة وتحديد علة الجناية، وهل هي السبب أم المباشرة ام ان كلاً منهما جزء علة، وتجري في الحادث اقسام القتل الثلاثة، فاذا كان بقصد القتل فهو من العمد، ومع قصد الفعل بما يقتل غالباً يكون من شبه العمد، ومع عدم قصدهما يكون من الخطأ المحض، وقد يكون القضاء والقدر مقسماً أجنبياً عن المقام لا قسماً، والقسمان الأولان بعيد احتمالهما فيترجح القسم الثالث اويتعين وهو الخطأ المحض ولكن على من يكون الضمان ومسؤولية وترتب آثار ما حصل.ٍ
1- ان كان السير بالإتجاه المعاكس سبب الحادث وان صاحب السيارة الكبيرة يسير وفق انظمة السير في البلد ولم يثبت منه تفريط أو اهمال يكون جزء علة في الجناية، فدم الذي سار بالإتجاه المعاكس هدر لأن الموت استند الى فعله ويضمن اضرار السيارة الكبيرة ان وجدت، وفي صحيحة أبي الصباح الكناني قال الصادق عليه السلام: “من أضر بشيء من طريق المسلمين فهو له ضامن”، أي يمكن اعتباره علة تامة بلحاظ ضعف المباشر.
2- لو كان الذي سار بالإتجاه المعاكس بطيئاً وضعيف الحركة وقليل السرعة وان صاحب السيارة الكبيرة كان يسير بسرعة لا تسمح بها قوانين المرور او كان بأمكانه التدارك او ان اهل الخبرة والاختصاص العدول يقولون بأن التفريط منه وحده فيكون هو الضامن لسائق الصغيرة ويحمل اضرار السيارتين لأن الأصل عند تزاحم موجبات الضمان تقديم المباشر للجناية على السبب مطلقاً الا اذا كانت هناك قرينة معتبرة على الخلاف، فالسير بالإتجاه المعاكس أعم من ان يكون سبباً في الحادث اذا ثبت امكان التدارك من سائق الكبيرة ولكنه لم يتدارك مع اعتبار احتمال السير بالاتجاه المعاكس في ذلك المكان مما يملي حيطة وحذراً اكثر.
3- لابد للحاكم من ملاحظة خصوصيات القضية والإستماع الى اهل الخبرة والرجوع الى القوانين الوضعية للمرور لموضوعيتها واذا ثبت الخطأ والتفريط من الطرفين فيتحمل كل منهما نصف قيمة سيارة الآخر ويسقط النصف الآخر لأن كلاً منهما سبب في التلف كما يتحمل سائق السيارة الكبيرة نصف دية سائق الصغيرة لإشتراكهما في الجناية ويهدر النصف مقابل فعله ويضمن.
4- لا موضوعية للسكر في المقام وان كان ذنباً ومعصية وكبيرة لأن المدار على فعل السائق والتزامه بأحكام المرور واذا ثبت السكر او شرب الخمر بشهادة عدلين او الإقرار او البينة المعتبرة شرعاً فالنظر الى مدى أثره في تسبيب الجناية او مباشرتها.
5- دية القتل الخطأ، او العمد الذي يرضى معه ورثة المقتول بالدية اذا ثبتت وتعينت مائة من الإبل او مائتا بقرة او ألف شاة او مائتا حلة او ألف دينار كل واحد منها مثقال ذهب شرعي (عيار 18حبة) او عشرة آلاف درهم فضة او قيمة المسكوك منهما، والجاني مخير في الدفع بين الأصول الستة هذه وليس للولي رفض ما يبذله.
اما تخفيض مقدار الدية فهو من حق ولي المقتول كما لو كان أباه او إبنه واذا انعدمت الطبقة الأولى فالطبقة الثانية في الميراث وهي الأجداد والأخوان، ومن حق الولي ان يعفو عن تمام الدية وعن القصاص لقوله تعالى وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وما يجري في هذا الزمان من اعتبار السانية بين العشائر او بت شيخ العشيرة في تخفيض الدية أمر غير شرعي الا ان يفوض له الولي ذلك او أنه – أي ولي المقتول متحداً كان او متعدداً – يرضى بذلك.
اما الكسور ففي كل عظم من عضو له دية مقدرة خمس دية ذلك العضو على المشهور الذي ادعي عليه الإجماع، ما لو استلزمت الجناية التورم والألم في الرجل مثلاً فالحكومة وهكذا، والعلم عند الله.
مسائل في النكاح
السؤال الثالث والثلاثون: امرأة تزوجت زواجاً ثانياً بعد طلاقها طلاقاً غير شرعي من زوجها الأول لفقده ومن ثم جاء خبر من الزوج الأول ما حكم زواجها الثاني وما حكم الأولاد من الثاني افتونا مأجورين.
الجواب: الوطء قد يكون مباحاً كما في عقد النكاح او يكون بوطئ او عقد شبهة، او يكون وطأ حرام. ووطء الشبهة محترم شرعاً وتشمله أدلة وجوب العدة والإدخال ويلحق الولد بالواطئ شبهة وعليه الإجماع وتشمله عمومات (الولد للفراش) كما يرفع معه الحد، وبالنسبة لمفروض المسألة فمع حصول القرائن والإمارات على موت الزوج الأول المفقود وانها ليست بكاذبة في دعواها فقد يحمل عملها على الصحة وان لم تراجع الحاكم الشرعي لعدم الدليل على اعتباره في كل حالات فقد الزوج لا سيما مع تراكم الإمارات وقوتها الا ان تثبت حياة الزوج الأول.
ولكن ان ثبت بعد الزواج الثاني انه حي فتعتد من الثاني عدة طلاق للشـــبهة الموضــــوعية واعتقاد صحة العقد من قبل الزوجين وتعود الى الأول، وان طلقها الأول فللثاني الزواج منها بعد انقضاء العدة على الاقوى اذ ان الحرمة الأبـــــدية تجب عند الزواج بذات البعل او من كانت في العدة مع العلم.
وما ورد في الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام: “اذا نعي الرجل الى اهله او اخبروها انه قد طلقها فأعتدت وتزوجت فجاء زوجها الأول فأن الأول أحق بها من هذا الأخير دخل بها الأول أو لم يدخل بها، وليس للآخر أن يتزوجها أبداً ولها المهر بما استحل من فرجها” فيحمل على صورة العلم وعدم وقوع المقدمات على الوجه الصحيح كما يدل على تقييدها بصورة العلم للنصوص المعارضة الأخرى والاطلاقات وقاعدة نفي الحرج في الدين، وفي خبر أحمد بن محمد: “ان الرجل اذا تزوج امرأة وعلم ان لها زوجاً فرق بينهما ولم تحل له أبداً”.
اذن لابد من التفصيل ومعرفة خصوصيات واحكام كل حالة زواج المفقود عنها زوجها أو أُخبرت بموته وحضور امارات تفيد الظن أو الاطمئنان العادي أو الظن المتاخم للعلم فلا يلحق بالزنا أو تترتب عليه احكامه أو انه ينشر الحرمة الأبدية لأصالة البراءة وحديث الرفع والنصوص والعلم عند الله.
••••••••••••••
السؤال الرابع والثلاثون: ما هي العدة وكيف تكون شرعاً للمتوفي عنها زوجها افتونا مأجورين؟
الجواب: قال تعالى وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فإن الإجماع والنصوص المستفيضة على العدة لغير الحامل سواء كان مدخولاً بها او غير مدخول بها اربعة أشهر وعشراً وفي صحيحة ابن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام: “المتوفي عنها زوجها كم عدتها؟ قال: أربعة أشهر وعشراً”، وكذا لو كان النكاح منقطعاً.
واما اذا كانت الزوجة حاملاً وتوفى زوجها فعدتها أبعد الأجلين الأول: وضع الحمل، الثاني: مدة العدة الزمنية وهي أربعة أشهر وعشرة أيام ومنها قول الصادق عليه السلام في معتبرة عبد الله بن سنان: “الحبلى المتوفي عنها زوجها عدتها آخر الأجلين”، ونصوص اخرى، وتلازم العدة حدة وهي ان لا تتزين المرأة المتوفي عنها زوجها مدة العدة كما كانت تفعل لزوجها، والعلم عند الله.
••••••••••••••
مسائل في أحكام الأولاد
السؤال الخامس والثلاثون: لو نقل حمل من رحم الأم الى رحم أمرأة أخرى فمن هي أمه؟ أفتونا مأجورين؟
الجواب: النكاح رداء شرعي لصحة الولادة والنسب، ولقد تفضل سبحانه فجعل كيفية انعقاد النطفة ومدة الحمل وفق قواعد ونظام ثابت يدل على بديع صنعه وقيام الحجة ومناسبة للهداية التكوينية والتشريعية. واليوم وحيث وصلت الصناعات والإبتكارات العلمية الى موضوع الولادة والأولاد وتوجه الناس الى الفقهاء وعلماء المسلمين في المسائل الإبتلائية المستحدثة، ظهر بعض التباين والإختلاف في الرأي والفتوى، وتلك حالة صحية ان جاءت وفق الإستنباط وأسس اٌلإفتاء الصحيحة وتدل على سعة الشريعة ولكن الناس قد لا يرضون بهذا من الفقهاء يريدون حكماً بيناً فالشريعة واحدة ولا يبتعد مذهبهم هذا مع بساطته عن الصواب.
وربما قالوا ان فقهاء المسلمين جميعاً يرجعون الى القرآن وهو الموجود بين أيديهم ولم تطاله يد التحريف وهو الحجة والدليل وفيه البرهان، وهو منبع ومصدر أحكام الشريعة وفيه تبيان كل شيء وان لم تكن بعض وجوه تأويله قطعية الدلالة احياناً فكما ان فيه متشابهاً ومجملاً وظاهراً يدل بالدلالة التضمنية على احتمال ضعيف للخلاف ومنسوخاً فأن فيه ايضاً محكماً ومبيناً وناسخاً مما يعتبر نصاً وقطعي الدلالة.
ومسألة نقل الحمل الى أمرأة اخرى من اوليات العلم الحديث ويكاد يكون حكمها قريباً دليله ظاهراً استنباطه وكيف يكون التصرف ازاء المسائل الأكثر ابتلاء والتي بان بعضها وتتناسب أطراداً مع التطورات العلمية السريعة في هذا الزمان مما يتعلق بأبواب الفقه المختلفة من الطهارة والى الديات.
ولا أدعو الى إصلاح وإيجاد اهلية عالية في مصادر الفتوى الإسلامية فأن ذلك موجود والحمد لله ولكن لابد من برامج وانظمة وتعاون وتشاور وتبادل للرأي والدليل ومبنى الحكم لا سيما وان بالإمكان استثمار الوسائل النقلية والسمعية السريعة بل بالإمكان إقامة مؤتمر شرعي خاص بواحدة أو اكثر من المسائل الإبتلائية الحديثة يساعد على بلورة حكم واحد أو أكثر ولكن مع بيان الدليل وفهم ورأي كل طرف بحكم الآخر وحجته ليكون ســـــبيلاً لارتقاء الهيكل الفقهي الإسلامي ومظهراً لوحدته العلمية وشاهداً ودليلاً مترشحاً من وحدة مصادر الحكم الشرعي لاسيما وان المســألة أجنبية عن الخلافات المذهـبية في الجملة، وفي ذلك عون ونهج وفعاليات كـــريمة تحول دون التــباين في الرأي بين الفقهاء كما ظهر في مسألة التناسخ البشري.
ولعل بعضهم تعجل في فتواه ولم يأخذ العنوان الثانوي بالإعتبار وما يترتب عليه من آثار واكتفى في مدركه النظر للحكم الأولي والابتدائي ودرء الشبهة البدوية، ان التعاون الفتوائي في المسائل المستحدثة منعة وعز للمؤمنين وللإسلام وطريق لدرء الفرقة، بل سبيل مبارك لإنقياد الناس للأحكام الشرعية وتوجههم لينهلوا من ينابيعها والرجوع اليها عند مواجهة المسائل الإبتلائية.
واختلف في هذه المسألة أي نقل الحمل او البويضة بعد تلقيحها من رحم الأم الى رحم آخر على ثلاثة اقوال:
1- انه للأولى.
2- انه لها لو حصل النقل بعد ولوج الروح.
3- انه للثانية لعمومات قوله تعالى إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ.
ولكن الآية وردت لبيان حكم الظهار وهو قول الرجل لأمرأته انتِ عليّ كظهر أمي، أي شبه الزوجة بالأم، وان الزوجة لا تكون لزوجها اماً بمجرد نطقه بذلك او ان يترتب عليه أثراً نفسي يكون حائلاً بينهما بل بإمكانه ارجاعها وفق الطرق الشرعية اذ ان الظهار كان طلاقاً في الجاهلية وينشر الحرمة الأبدية بين الزوج المظاهر والزوجة المظاهــرة وجاء الإسلام ليجعلـه موجباً للحرمة المؤقتة، وهي ايضاً تدل على ان الولادة ســبب وعلــة للأمومة وثبوتها لا سيما وان القرآن اطلق صــفة الأم على غـير الوالدة كما في قوله تعالى وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ ، وفي ازواج النبي صلى الله عليه وآله وسـلم قال تعالى وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ، ولعل في هذه الآيات اعجازاً بالاشارة الى امكان تعدد الامهات.
فلا يمكننا أن ننفي الأمومة عن الثانية سواء بأخذ هذه الآية على نحو العموم والإطلاق او بالإستناد الى تغذي الجنين وأخذه من صفات الأم الوراثية قهراً او عملاً بالإحتياط، أما الأولى فهي صاحبة البويضة والأم الشرعية تكويناً والبويضة تكونت في رحمها وللأصل ولأن الفراش علة تامة لإلحاق الولد لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “الولد للفراش”، وللتمسك بإصالة اللحوق الا ما خرج بالدليل.
فيتحصل من هذا ان هذه المسألة الإبتلائية المستحدثة يترشح منها حكم جديد وهو اشتراك امرأتين في أمومة الولد وكل منهما تكون اماً له من غير ان تصل النوبة للإحتياط ولا معنى للتضييق والحصر بأم واحدة فليس من دليل على ان الأم لابد ان تكون واحدة ولكن هل كليهما وبرتبة حقيقية واحدة أم هناك تباين وتفاوت بينهما وان الأم هنا من اللأمور التشكيكية ولو مات الولد فهل ترثه إحداهما أم يكون الأرث مشتركاً بينهما بالتساوي أو بنسبة معينة او بالمصالحة او القرعة.
الجواب: ان الأم صاحبة البويضة الملقحة شرعاً هي الأم الحقيقية والتي تستحق الإرث والثانية اصـبحت أماً بالعرض ولذا هو يرث من الأولى دون الأم الثانية اذ لا ملازمة بين الأمومة والولادة من جهة وبين الإرث من جهة اخرى في هذه الحالة على الأقل والعلم عند الله.
••••••••••••••
السؤال السادس والثلاثون: يكثر السؤال عن العقيقة في هذه الأيام فما هي أحكامها؟
الجواب: العق في اللغة الشق يقال عق الرجل عن ولده من باب قتل والأسم العقيقة وهي الذبيحة عن المولود يوم اسبوعه وقيل هي في الأصل صوف الجذع وشعر كل مولود من الناس والبهائم التي تولد عليه ومنه سمي ما يذبح عن المولود عقيقة وقيل لأن حلقومها يشق، والعقيقة مستحبة استحباباً مؤكداً عن كل مولد وعليه الإجماع والنصوص المستفيضة منها ما ورد في السنة النبوية الفعلية اذ تواترت الأخبار على ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم عق عن الحسن والحسين عليهما السلام.
ومن احكام العقيقة:
1- يستحب ان يعق عن الذكر بذكر وعن البنت بانثى للنص الذي حمل الأمر فيه على الندب لقرينة قوله عليه السلام “العقيقة في الغلام والجارية سواء”.
2- ان يكون ذلك في اليوم السابع للولادة وعليه نصوص كثيرة فلو تأخر عن تقصير او نسيان او عذر لم يسقط لإطلاق الأدلة ولأنها خير محض ولأن منافع العقيقة لا تنحصر في الدنيا بل لها منافع وفوائد اخروية وفي معتبرة عمر بن يزيد عن الصادق عليه السلام: “كل امرء مرتهن يوم القيامة بعقيقته” فاذا لم يعق عن الصبي وليه واهله يستحب له ان يعق عن نفسه بعد البلوغ وان كان شيخاً كبيراً، وفي صحيحة ابن سنان عن الصادق عليه السلام: “اني والله ما ادري كان ابي عق عني ام لا؟ فامرني أبو عبد الله عليه السلام فعققت عن نفسي وانا شيخ كبير”.
3- ان اصل الإستحباب يبقى متصلاً الى ما بعد وفاته فيعق عنه من الثلث ان اوصى به او اوصى بالعقيقة خاصة، او ان يقوم به الولد الأكبر او احد الأولاد على نحو البر بأبيهم او بأمهم او ان يقوم به احد الأرحام او غيرهم صلة واحساناً ورجاء الثواب.
والشائع في بعض المجتمعات ان الورثة لا يعقون الا عمن يموت عندهم وربما انحصر ذلك بالكبار بينما يدل استحباب العق بعد الولادة النصوص التي تبين منافع العقيقة الدنيوية، وانبساطها الى الآخرة فلا يمكن اعتبار المعتبر عن الصادق عليه السلام: “كل امرئ مرتهن يوم القيامة بعقيقته” قيداً وتخصيصاً لما ورد عنه عليه السلام: “كل مولود مرتهن بالعقيقة” بل ان الثاني يشمل حاله في الحياة الدنيا ايضاً كما لو كان فيها دفع للبلاء ووقاية وحرز وكون الدار الآخرة اعظم اهوالاً واطول مدة واشد بلاء لا ينفي وجود الإبتلاء في الدنيا والحاجة الى ما يدفعه ويرفعه ويخفف المصائب والأحزان فيها مما يقتضي ان يقوم الخطباء والوكلاء وعدول المؤمنين الى التنبيه الى افضل اوقات العقيقة ولعل الأهم وان كان في اثره خاصاً ومحدوداً ان يبادروا الى الإلتزام بهذه السنة واحيائها في بيوتهم واهليهم مع الإمكان.
4- العقيقة أولى واهم من الأضحية في مراتب الإستحباب والإمتثال وان كانت الأخيرة ايضاً مستحبة استحباباً مؤكدا ًوعن الصادق عليه السلام في المعتبر “العقيقة اوجب من الأضحية”.
5- لابد ان تكون الأضحية من احد الأنعام الثلاثة الغنم والبقر والإبل ويشمل الغنم الماعز ايضاً، والبقر الجاموس، ولا يجزي التصدق بثمنها للنص والاجماع ولعدم صدق العقيقة الا على ما يذبح من الأنعام.
6- يستحب ان تجتمع في العقيقة شروط الأضحية فتكون خالية من العيوب ولا يكون سنها أقل من خمس سنين كاملة في الإبل أو أقل من سنتين في البقر أو أقل من ثمانية شهور في الغنم، وقيل يجزي فيها أقل من ذلك. وعن الصادق عليه السلام: “انما هي شاة لحم ليست بمنزلة الأضحية يُجزي منها كل شيء وخيرها أسمنها”.
7- الأفضل ان تطبخ العقيقة ويدعى عليها بعض المؤمنين فيدعون للولد ولمن عق عنه، ولو كانت العقيقة لميت يستغفرون له ويترحمون عليه، وفي بعض الرسائل تذكر دعوة عشرة منهم ولكن النص ورد على شعبتين:
أ- قوله عليه السلام: وادعُ عليها رهطاً من المسلمين”.
ب- في معتبرة عمار عن الصادق عليه السلام: “وتطعم منه عشرة من المسلمين فإن زادوا فهو أفضل”.
والإطعام هنا أعم من الدعوة، كما ان الرهط – بالتحريك – في اللغة ما دون العشرة من الرجال، وقيل من الثلاثة الى العشرة، وقيل الى التسعة، وقيل ما فوق العشرة الى الأربعين، والقول الأخير أجنبي عن المقام لقرينة الحديث أعلاه ولقاعدة نفي الحرج.
8- لا بأس بطبخها مع الحبوب والحمص وغيره من انواع الطبخ المتعارفة، ويجوز ان تطبخ بالماء والملح، كما يجوز ان توزع وتفرق لحماً من غير طبخ.
9- يستحب ان يخصص ربع العقيقة او نحوه الى القابلة، ووردت فيه نصوص عديدة فأن قلت في هذا الزمان تجري الولادة في المستشفى فهل يبقى الحكم نفسه؟ وهل تختص بالربع التي قامت بالتوليد أم الطبيبة وجماعة العاملات معها في التوليد ومقدماته ومتعلقاته؟ اقول ان المدار على الصدق العرفي فاذا كان الجميع يشترك في التوليد يصدق عليهن الاختصاص والاستحقاق لأن عمومات الحديث تشمل القابلة منفردة كانت أو متعددة ولا يحتاج الى الدقة العقلية في التوزيع بمقدار الجهد المبذول وان كان الأولى ان تكون حصة التي باشرت الولادة أكثر من غيرها، والامر فيه سهل اذ انه فرع مستحب ويكفي فيه صدق الامتثال وما يدل عليه من حسن الجزاء.
10- يستحب الدعاء بالمأثور عند ذبح العقيقة وذكر إسم المولود وإسم أبيه ولا يعني ذلك القراءة على السكين كما هو متعارف عند العامة، ومن الأدعية الواردة في المقام معتبرة الكاهلي عن الصادق عليه السلام قال في العقيقة اذا ذبحت تقول: “وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، اللهم منك ولك اللهم هذا عن فلان ابن فلان”.
11- يكره ان يأكل الوالدان من العقيقة خصوصاً الأم ويكره كسر عظم العقيقة. والعلم عند الله.
••••••••••••••
السؤال السابع والثلاثون: ما هو الختان واحكامه وهل هو واجب؟
الجواب: الختان – بكسر الخاء وقد يؤنث بالهاء -، اصطلاح يطلق على قطع الجلدة أي الغلفة التي على رأس الذكر لتبدوا بعد القطع الحشفة، وفي الحديث اذا التقى الختانان وجب الغسل، والختن- بفتحتين- كل من كان من قبل المرأة مثل الأب والأخ وهم الأختان ولكن شاع لفظ ختن الرجل وارادة زوج البنت به دون غيره.
ومن آثار العقيدة والشريعة على العرف والحياة الإجتماعية ترى تغير الموضوع بحصول الختان فقبله يسمى الإنسان بالأغلف وبعده يسمى بالمختون، وقيل ان اربعة عشر من الأنبياء ولدوا مختونين وهم آدم وشيث ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب ويوسف وموسى وسليمان وزكريا وعيسى وحنظلة بن صفوان نبي اصحاب الرس ونبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفي الحديث يقع الإمام مختوناً أي يولد، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: اختتن ابراهيم عليه السلام بعد ثمانين سنة واختتن بالقدوم، والقدوم هي الآلة التي ينحت بها النجار.
ولا تعارض او تناف بين الخبرين اعلاه مع غض النظر عن ضعف سند كل منهما، فقد يكون الأمر بالختان جاء لإبراهيم متأخراً مما يدل على عظمة الإسلام واهلية المسلمين لخلافة الأرض وتوارث الإلتزام بالحنيفية واحكامها سواء في الكبرى وهي فرض الختان او في تعاهده والإلتزام به وكأنه نوع هبة ينحلها الوالدان لإبنهما في صغره ليقبل على الدنيا بالتزام وتقيد باحكام الشريعة في بدنه ليكون إعانة وذخيرة في آداء التكاليف الشرعية وحسن القدوم على عالم الآخرة.
فختان الذكور من المسلمين واجب وعليه إجماع علماء المسلمين ويعتبر ضرورة فقهية، وفي المعتبر عن ابي الحسن الرضا عليه السلام “الختان سنة واجبة للرجال ومكرمة للنسـاء” والمراد من السنة هنا ليس الإستحباب بل وجوبه بالسنة دون الكتاب لعمومات قوله تعالى وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا .
كما ان قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيان أوان الختان يدل بالدلالة التضمنية على أصل الوجوب قال صلى الله عليه وآله وسلم: “اختنوا اولادكم يوم السابع فانه أطهر واسرع لنبات اللحم”.
وفي خبر السكوني عن ابي عبد الله عليه السلام ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: تتنجس الأرض من بول الأغلف اربعين صباحاً.
والخبر يدل على استحباب تعجيل الختان بعد الولادة وعليه الإجماع والتأخر في الختان جائز، وان كانت النصوص الواردة في استحباب التعجيل وأوانه تفيد بالدلالة الالتزامية كراهة التأخير والتواني فيه وتدل جملة من النصوص على جواز التأخير.
منها قول الإمام موسى بن جعفر عليه السلام: “في ختان الصبي لسبعة أيام من السنة هو او يؤخر أيهما افضل؟ قال عليه السلام: لسبعة أيام من السنة وان اخر فلا بأس”.
وختان الأولاد من وظائف الآباء التكليفية لذا يُعنَوّن في باب احكام الأولاد او سنن الولادة ونحوهما، ولكن لو لم يختن الصبي حتى يصل سن البلوغ سواء كان ذلك عمداً او تقصيراً او سهواً من الولي متحداً كان أو متعدداً، يتوجه الأمر حينئذ الى المكلف نفسه فيجب ان يختن نفسه ويطلب من الطبيب ختانه وعليه الإجماع لقاعدة الإشتغال ولأن وجوب الختان نفسي والظاهر انه فوري.
ولقد وقع النزاع في وجوب ختان الصبي على الولي أوعدمه، بمعنى لو أخر الولي ختان الصبي بدون عذر حتى بلغ الصبي وانتقل الوجوب الى الصبي الذي أصبح بالغاً فهل يؤثم الـولي ويعـتــبر عاصـياً لأنه ترك واجباً ام لا.
نسب الى المشهور الثاني أي عدم الإثم والمعصية للأصل ولعدم حصر الوجوب بأيام ما قبل البلوغ أي ان الخطاب المتوجه الى الولي ندبي ونسب الى العلامة في التحرير القول بالوجوب على الولي أي انه يؤثم لو اخر ختان الصبي الى سن البلوغ لأن الخطاب في ظاهر الأدلة متوجه اليه.
ولو اسلم الكافر وهو غير مختون وجب عليه الختان وان كان طاعناً في السن وعليه الإجماع والنص وفي معتبرة السكوني عن علي عليه السلام: “اذا اسلم الرجل اختتن ولو بلغ ثمانين سنة”، بالإضافة الى عمومات “وعليه ما على المسلمين” ومع ان الختان واجب لنفسه الا انه ليس شرطاً في صحة الصلاة وسائر العبادات الا الطواف في الحج او العمرة فهو شرط في صحتهما سواء كانا واجبين او مندوبين.
وهل هناك حد واجب شرعاً في الختان؟ الأظهر هو كفاية زوال الغلفة واسم الأغلف لأن الحكم يتبدل اذا تغير الموضوع.
ولا يعتبر الإسلام في الخاتن فيجوز ان يكون ذمياً او كافراً وثنياً للأصل وظاهر النصوص وللمكاتبة عن ابي محمد عليه السلام: “وليس جعلني فداك لحجامي بلدنا حذق بذلك ولا يختنونه يوم السابع، وعندنا حجاموا اليهود فهل يجوز لليهود ان يختنوا اولاد المسلمين ام لا ان شاء الله؟ فوقع عليه السلام: السنة يوم السابع فلا تخالفوا السنن ان شاء الله”.
ولو ولد الصبي مختوناً سقط الختان لإنتفاء موضوعه ولكن يستحب امرار الموسى وآلة الختن على المحل لإصابة السنة واتباعاً للحنيفية، وبالعكس من ذلك فلو نبتت الغلفة بعد الختان مرة ثانية فان الختان يجب ايضاً لتحقق موضوعه وتجدد الحكم معه، وفي جواب مسائل صاحب الزمان “وما سألت عنه امر المولود الذي تنبت غلفته بعد ما يختن مرة اخرى فانه يجب ان يقطع غلفته.
وفيما يتعلق بعلوم الآخرة في موضوع الختان ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: يحشر الناس يوم القيامة عراة حفاة غرلاً” – أي غلفاً -ولعله يعني ان الجسم في المعاد يكون تاماً ومنه هذا الجزء المقطوع بالختان بدليل النص الوارد ببعث الناس في اكفانهم ولبيان قدرته تعالى على جمع أعضاء البدن وان انفصلت وتلفت أيام حياة الفرد، والعلم عند الله.
••••••••••••••
مسائل في أصول الفقه
السؤال الثامن والثلاثون: ما المقصود بالمندوحة؟
الجواب: المندوحة السعة والفسحة ولعل اصله لغة من الندح وهو الموضع المتسع من الأرض، وفي الخبر ان في المعاريض المندوحة عن الكذب أي سعة وفسحة، اما في الإصطلاح فأن المندوحة عبارة عن تمكن المكلف من امتثال الأمر في غير مورد اجتماعه مع النهي وقد قال جماعة بإعتبار قيد المندوحة وظاهر آخرين عدمه والخلاف صغروي، فإذا لم ينحصر امتثال الواجب بالفعل المتضمن لما نهي عنه وكان للمكلف مندوحة وسعة في الإمتثال فلا تزاحم بين الأمر والنهي، كما لو حان وقت الصلاة في مكان مغصوب وكان بإمكانه الخروج واداء الصلاة في مكان مباح وفي وقت الصلاة فلا تزاحم بين الواجب والحرام في مرتبة فعلية التكليف وامتثاله.
أما اذا لم تكن هناك مندوحة وسعة أي ان المكلف مضطر الى الجمع بين الواجب والحرام مثلاً كما في انقاذ غريق بالتصرف في مال الغير، ففي هذه الحالة يرجع الى اقوى الملاكين الأمر او النهي، ففي المثال اعلاه يقدم جانب الامر ويسقط النهي عن الفعلية وان قلنا بأن دليل النهي مقدم لان اطلاقه شمولي ودليل الامر اطلاقه بدلي والعلم عند الله.
••••••••••••••
السؤال التاسع والثلاثون: ما هي قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار؟
الجواب: وهي قاعدة اصولية تتعلق بالمكلف القادر على الامتثال أوان التكليف وتنجزه ولكنه بسوء اختياره وتصرفه جعل ذلك الامتثال متعذراً وممتنعاً وفاقداً لبعض الشرائط والاجزاء فلا يكون حينئذ معذوراً ولا يشمله حديث الرفع، بل يستحق العقاب ويلحق بالذي ترك الامتثال عمداً ولا يكون من حالات الاضطرار وعدم القدرة في التكليف.
واختلف مثلا في الخروج من منزل مغصوب بسوء الاختيار وان كان هذا الخروج للتخلص من الغصب، هل هو حرام، أم واجب ولكن صاحبه يعاقب كما قال صاحب الفصول، أم هو واجب وبه قال ابو هاشم المعتزلي والشيخ الانصاري وجماعة لانه مصداق خارجي للتخلص من الغصب، ولأن رد مال الغير اليه حسن عقلاً، وعن صاحب الكفاية انه ليس فعلاً مأموراً به، ولا منهياً عنه، ولكنه بحكم المعصية فيستحق العقاب والعلم عند الله.
••••••••••••••
السؤال الاربعون: ما الفرق بين التزاحم والتعارض؟
الجواب: التزاحم تمانع بين الحكمين المجعولين يقع حال الامتثال وليس في مقام الجعل والتشريع مع وجود الملاك والمصلحة في كل منهما، وعلة التمانع بينهما عجز المأمور عن الامتثال كما في اتحاد متعلق الحكمين اتفاقاً فلو أراد غسل ثوبه على نحو الوجوب وليس من ماء الا مغصوباً، فالوجوب يقتضي تحقق الغسل خارجاً، والحرمة تملي عدمه، فكل منهما له ملاك، الغسل فيه مصلحة وامتثال، والتصرف في الغصب فيه نهي ومفسدة، أو التزاحم بين المقدمة وذيها عند اختلافهما في الحكم، كما لو أراد انقاذ شخص بتلف مال الغير، فالحرام يكون مقدمة للواجب. ومن ثمرات بحث التزاحم صحة العبادة عند عدم الاقتضاء وكون الأمران طوليين وليسا بعرض واحد.
ويقع الترجيح في باب التزاحم وفق قواعد أصولية كما لو كان احدهما ذا أهمية والآخر محتمل الأهمية، فأن انقاذ الغريق في المثل اعلاه اثمن من المال الذي يمكن تداركه ايضاً، أو وجود البدل الاختياري لأحد المتزاحمين كما لو كان في المثال الآخر اعلاه عنده ثوب غيره، فيقدم جانب النهي في التصرف في الماء المغصوب، وكذا في ابواب تزاحم الواجب الموسع مع المضيق، فيؤخر الصلاة الى حين ازالة النجاسة عن المسجد او انقاذ الغريق لوجود البدل الاختياري للصلاة اذ ان وقتها موسع بينما ازالة الخبث عن المسجد فورية.
أو ان يكون احدهما وجوباً عينياً كصلاة الكسوف مع تجهيز الميت فيقدم الواجب العيني فيكون الجعل وفق اقوى الملاكين، وقيل بتقديم جانب النهي بناء على الامتناع، ففي التزاحم تكون الغلبة والرجحان لأحد الدليلين اذ لو كانا بعرض واحد لكان مقتضى الحكم هو التخيير.
ومنهم من اشكل بأن القدرة شرط لفعلية الحكم واصل وجود التكليف وتنجزه لعدم توجه الخطاب الى العاجز وهو من التكليف بما لا يطاق، وجوابه ان التزاحم يعني انهما مقدوران على الفرض والذي يتعذر ليس الاتيان بأحدهما على نحو التعيين ولكن الجمع.
أما في التعارض فأن المقتضي والملاك يكون لأحدهما من دون الآخر ولكن من غير تحديد، أي ان العرف يتخير في العمل بينهما أو الجمع بسبب ما بينهما من التنافي والتباين، وعرّفه في الكفاية بأنه تنافي الدليلين او الأدلة بحسب الدلالة ومقام الاثبات، وقيل بأنه تنافي مدلولي دليلين كما في العام والخاص، ولكن ليس بينهما تنافس وتعارض، اذ ان العرف لا يتحير فيهما كما لو قال اجتهد في دروسك، ولا تجتهد في المنطق.
ومن الفوارق ان مرجحات باب التزاحم ان احد الحكمين أهم من حيث الملاك والمقتضي، بينما في باب التعارض نرجع الى قوة السند وعدالة الراوي أو شهرة الرواية أو بالرجوع الى عرضهما على الكتاب كما في رواية أيوب بن راشد عن أبي عبدالله عليه السلام: “ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف” فهذه الرواية وامثالها تقيد دليل حجية السند لانها في مفهومها تنفي صدور ما يعارض القرآن منطوقاً وحكماً ودلالة، او بالرجوع الى الروايات الدالة على التخيير كما في قوله عليه السلام: “موسع عليك بأية عملت”.
ولا تعارض بين أدلة الترجيح والتخيير لاختلاف الموضوع احياناً، والحكم بالتخيير في باب التعارض بين دليلين او أكثر حكم شرعي والا فمقتضى القاعدة هو التساقط، أما في صورة التزاحم فالحاكم بالتخيير هو العقل ويسقط الأمر في الخارج على قول القائل بامتناع الترتب، ومن ثمرات هذا البحث هو صحة العبادة او بطلانها.
••••••••••••••
السؤال الحادي والاربعون: ماذا تعني بالمخطئة والمصوبة؟
الجواب: هما اصطلاحان اصوليان، اما التخطئة فهو الوجود الواقعي لحكم او موضوع ذي حكم، ولكن المجتهد قد لا يصل اليه وان اتخذ طريقاً معتبراً كالعلم والامارة أو ظن معتبر وقد يصيب، أي لا ملازمة بين فتوى المجتهد والحكم الواقعي المحفوظ، فاعتبار الامارات لا يجعل مصلحة مستحدثة في متعلق الامارة المخالف للواقع، واستدل على التخطئة بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “اذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وان أخطأ فله أجر” ويكون حكم التخطئة من مقدمتين:
الأولى: ان لله عز وجل في كل واقعة حكم وانه سبحانه بينها بالقرآن الكريم الذي فيه تبيان كل شيء او من خلال وحي النبوة وسنة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم القولية والفعلية والتقريرية.
الثانية: ان الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد في متعلقاتها، فالصوم واجب لما جعل الله فيه من المصالح الواقعية والثواب، والزنا محرم لما فيه من الفساد وضياع المال واختلاط الأنساب وهتك الأعراض، هذا بالإضافة الى الجانب الأهم وهو ترتب الثواب والعقاب فلو كان مجتهد يقول بوجوب شيء وآخر يقول بحرمته فانه يؤدي لإجتماع النقيضين او الضدين وهو محال اذ لا يصح ان يكون الفعل ذا مصلحة وذا مفسدة بذات الوقت وليس على نحو الجهتية مثلاً، لذا لا يصح انه نصوب رأي كل مجتهد خصوصاً وانه يعتمد الظن.
كذلك في الأصول العملية فلو اعتمد أحد المجتهدين عند حال الشك اصالة البراءة واعتمد الآخر اصالة الإحتياط، فلابد ان احدهما اخطأ الواقع، فلذا سميت بالمخطئة والأولى اختيار اسم آخر غير المخطئة لأن معناه الظاهري اطلاق التخطئة في الوقت الذي يكون مراد الإمامية تخطئة الإجتهاد والظن المخالف للواقع.
وهذا الإحتمال في مرحلة الجعل والإعتبار اما في مرحلة الفعلية وتحقق الأمر خارجاً فان كل مكلف يعمل بما وصل اليه من الدليل الواقعي او الظاهري او الإضطراري وفق طريقية او سببية الإمارات.
فالتخطئة في مقام الجعل وليس الفعل وايجاده خارجاً.
أما التصويب فهو تبعية نوع الحكم وواقعيته لما دل عليه الطريق المعتبر لعدم وجود حكم في واقعة ما، فالحكم يتبع الظن، ونسب هذا القول الى جماعة منهم الغزالي والقاضي.
اما المراد بالتصويب فيعني تصويب حكم المجتهد، وهو على قسمين:
الأول: ان الواقعة من حيث الحكم وانطباقه عليها على قسمين فتارة يكون فيها نص فلا تصل النوبة للإجتهاد.
الثاني: ما لم يكن في الواقعة نص، فهو على شعبتين:
الأولى: ما ورد عن الغزالي اذ قال: انه ليس في الواقعة التي لا نص فيها حكم معين يطلب بالظن، بل الحكم يتبع الظن وحكم الله تعالى على كل مجتهد ما غلب على ظنه، وهو المختار، واليه ذهب القاضي أي القاضي عياض واطلق على هذا التصويب التصويب الأشعري.
ونسب بعضهم انه ليس هناك احكام واقعية بل ان الأحكام تابعة لما تقتضيه الأدلة والإمارات وان الإمارة اذا قالت فهي السبب في حصول مصلحة وايجاد حكم واقعي على مؤداها، لذا يكون كل مجتهد مصيباً، والأحكام وان تعددت بتعدد المجتهدين فتكون كلها على صواب، وهذه النسبة بحاجة الى اثبات، والأولى ان يقال بان يتعذر درك الواقع وحكم المسألة مع وجوده لأن القرآن فيه تبيان كل شيء وان الخلل في نقص الممكن وعدم بلوغ الأوهام مضامين القرآن والسنة.
الثانية: ان كل واقعة فيها حكم معين يتوجه اليه الطلب، ووظيفة المجتهد اصابة المطلوب فلذا يكون في ظنه مصيباً، وان اخطأ الحكم المعين بمعنى انه بذل الوسع في الطلب ولا يكلف باصابته وفيها يسلم بان لله عز وجل احكاماً في الواقع وناشئة من المصالح والمفاسد الذاتية والعرضية، الا ان هذه الأحكام انشائية ولا تصل الى مرحلة الفعلية والتنجز الا اذا دلت الإمارة عليها بمعنى ان الإمارة تكون سبباً في نشوء مصلحة في مؤداها مما يجعلها صالحة للحجية والعمل بمقتضاها، فالأحكام الواقعية لا تشمل الا الذين يعملون بها ويستنبطونها، اما الذي يجهل الحكم الواقعي فانه معذور واذا اتخذ الإمارة طريقاً لإصابته الواقع ولكنها اخطأته فانه يكون معذوراً في ارتكابه ما ينافي الواقع واطلق على هذا القسم من التصويب التصويب المعتزلي.
ولم يقع الخلاف في الحكم العقلي او الموضوع، اذ ان العقل يحكم بحسن العدل وقبح الظلم، وان الكل اكبر من الجزء، فمن يقتصر على طبق ما يحكم به العقل مصيب والذي يحكم بخلافه مخطىء، وبالنسبة للموضوع فأن قواعده ثابتة عرفاً وعقلاً وشرعاً، كحال الفقر التي تستحق الصدقة فهي معلومة ومحددة، والبيع وهو جعل عين بازاء عوض .
انما وقع الخلاف في الأحكام الشرعية وهناك قول ثالث بالتفصيل اذ ان الاحكام الظاهرية مجعولة لاصابة الواقع ولكن طريقها ظني كخبر الثقة وله درجة في كشف الحكم الشرعي ويسمى الطريق بالامارة.
والمخطئة يقولون بطريق الامارة وليست هي سبباً، أي انها طريق لكشف الواقع فقد تصيبه فيكون متجزئ بها، ولكن لو اخطأت الامارة الواقــع فأن المكلف يكــون معذوراً في مخالفتـه للواقع وان كان مجتهداً وغير مأثوم بمقتضــى الاذن في اتباع الامارة وعليه الإمامية.
والقول بانها سبب لحدوث مصلحة في مؤداها لو فاتت معها مصلحة الأحكام الواقعية في حال الخطأ، ينسب الى المصوبة أي ان الشارع ينشأ حكماً ظاهرياً جديداً وفق ما تدل عليه الامارة.
••••••••••••••
مسائل في علم الحديث
السؤال الثاني والاربعون: ما هي أقسام الحديث؟
الجواب: ينقسم الحديث الى متواتر وآحاد، والتواتر التعاقب والتـتابــع واحداً بعد آخــر ومنه قــولــه تعــالى ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى .
وفي الاصطلاح هو خبر جماعة عن جماعة تحول كثرتهم دون اتفاقهم وتواطئهـم على الكذب ويحصــل باخبارهـم العلم وعليه اتفق العقــلاء الا من خالـف كالسمنية والبراهمة في شبهات رد عليها.
والقائلون بحصول الخبر المتواتر وتحقق العلم به اختلفوا قال المشهور ان ذلك العلم ضروري وقال ابو الحسن البصري وابو القاسم الكعبي والغزالي انه نظري.
اما علم الهدى فقال ان اخبار البلدان والوقائع والملوك وهجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومغازيه ونحوها يجوز ان يكون العلم بها ضرورة والعلم بأحكام الشريعة ومعجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونحوها يثبت بالإستدلال.
ووردت بعض الشرائط التي تجعل الخبر المتواتر يفيد العلم منها ما قاله السيد المرتضى وهو عدم سبق شبهة او تقليد عند السامع يوجب اعتقاده نفي الخبر ومدلوله وتبعه على ذلك المحققون وقالوا به يندفع احتجاج المشركين من اليهود والنصارى وغيرهم على انتفاء معجزات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كإنشقاق القمر وتكليم بعض الجمادات له.
اقول: ان وجود الشبهة لا يمنع من صدق تحقق العلم اذ يكفي في تحققه حصوله عرفاً وواقعاً أي ان امتناع نفرعن قبوله لأمر مخالف للسجايا والتكوين الإنساني لا يمنع من صدق حصول العلم به فيكفي ان يكون العلم على نحو الموجبة الجزئية العقلائية ومنها ان لا يكون السامع عالماً بمدلول الخبر اضطراراً كمن اخبر عما شاهده لسبق العلم على الخبر.
ومن الشرائط ما يتعلق بناقلي الخبر كأن يكون عددهم من الكثرة بحيث يمنع من تواطئهم على الكذب، وقد اختلف في عددهم في كل طبقة اختلافاً كثيراً، فقال القاضي ابو بكر ان يكونوا اكثر من اربعة، وعن الاصطخري ان اقله عشرة لأنه اقل جمع الكثرة وعن جماعة انه اثنا عشر بعدد نقــباء بني اســرائيل لقوله تعالى وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ، لأنه بهذا العدد يحصل العلم بخبرهم، وعن بعضهم ان اقله عشرون لقوله تعالى إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ .
والآية لا تتعلق بالأخبار وتحقق العلم به انما تتعلق بالقتال واسباب النصر، وعن جماعة اقله اربعون لقوله تعالى يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فهي نزلت في الأربعين، ومنهم من قال سبعين لقوله تعالى وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا ، وكأن هناك نوع ملازمة بين العدد وحصول العلم باخبارهم عما يرون من المعجزات، وعن جمع ان اقله ثلثمائة وبضعة عشر عدد اهل بدر وليحصل للمشركين العلم بما يخبرونهم من معجزات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
ولا ملازمة بين العدد والإخبار اقول على فرض مناسبة الآيات للمقام فأنه يدل على تعدد المطلوب وأهلية كل عدد منها لتحصيل العلم ويكون ايضاً من دوران الأمر بين الأقل والأكثر وان الأجزاء يتحصل بالأقل وان يخبروا عن علم لا عن ظن غير معتبر يحتمل غيره، وان يتعلق اخبارهم بالمحسوس وليس بالمعقول وان تلتقي الوســائط والطبقات والطـرفان في ذلك والمـراد بالطرفين الطبقة الأولى التي ســمعت او شــاهدت مدلول الخبر والطبقة الأخيرة الناقلة الى المخبر اخيراً او الوسائط ومنهـم من شرط الإسلام والعدالة في المخبر وان لا يضمهم معه مصر واحد واختلافهم في النسب.
وينقسم الحديث المتواتر الى قسمين لفظي وهو الذي نقله المخبرون بلفظ واحد وهذا ينقسم الى شعبتين الأولى تواتر تمام الحديث مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: “انما الأعمال بالنيات” على القول بتواتره، والثانية تواتر لفظ بعض الحديث مثل “من كنت مولاه فعلي مولاه” ولفظ “اني تارك فيكم الثقلين”.
ومعنوي وهو الذي نقلوه بالفاظ متعددة مثل حديث الإسراء الذي نقله ستة وعشرون صحابياً.
اما القسم الثاني من الحديث فهو خبر الواحد وعرفوه بانه الذي لا ينتهي الى حد التواتر وله اقسام منها:
المستفيض وهو الخبر الذي كان عدد رواته في كل طبقة اثنين أو ثلاثة ولا يصل الى حد التواتر، واختلف في اعتبار اتحاد لفظ الجميع أو عدمه، ومنهم من قسمه الى لفظي ومعنوي كالمتواتر وقد يسمى أيضاً بالمشهور.
أقول: ويمكن أن يكون المستفيض قسيماً مستقلاً لخبر الواحد وقسماً ثالثاً من اقسام الحديث، ويمكن ايضاً جعل الخبر الذي يطلق عليه العزيز من المستفيض، لأن العزيز هو ما يرويه اثنان او اكثر سمي عزيزاً لقلة وجوده او لقوته.
اقسام الخبر الواحد:
تعددت اقسام الخبر الواحد وقد يتداخل المتقاربان منها وقالوا ان هذا التقسيم استقراء وابتداع من العلامة الحلي ومنهم من شنع عليه ولكن المتتبع في كتب القدماء يجد اصوله وقواعده كما في قول الصدوق مثلاً كل ما صححه شيخي فهو عندي صحيح، ونعت قول بعض الرواة بالضعف قد يستقرأ أحياناً من كلام المعصوم كما في قوله عليه السلام: “خذوا ما رووا واتركوا ما رأوا”.
واهم اقسام الخبر الواحد اربعة وهي:
1- الصحيح: وهو ما اتصل سنده الى المعصوم بنقل المؤمن العدل عن مثله في جمع الطبقات المتعددة فالإتصال يخرج مقطوع السند وبقيد الى المعصوم يخرج المرسل، ومنهم من قسم الصحيح الى ثلاثة اقسام اعلى، واوسط، وادنى والأول ما اتصف جميع رواته بالصحة بالعلم او بشهادة عدلين، والأوسط ما دل فيه الظن على اتصاف جميع رواته بالعدل، والأدنى باعتماد الظن الإجتهادي.
2- الحسن: وهو ما أتصل سنده الى المعصوم بمؤمن ممدوح ولم يرد نص بعدالته ولم يعارض مدحه بذم سواء كان ذلك في جميع رواته او في طبقة منهم والباقي من رجال الصحيح لأن الحديث يتبع اخس الطبقات.
3- الموثق: وهو ما نص الأصـحاب على توثيق راويه وان كان من فرق المســلمين الأخرى والحسن اقوى من الموثق على الأظهر.
4- الضعيف: وهو الذي يكون في طريقه مجروح بالفسق او مجهول حال ومنهم من جعله أعم من ذلك وانه يشمل الذي لم يدخل في الأقسام الثلاثة اعلاه وما يتفرع عنها فيشمل حينئذ ما دون الضعيف كالموضوع، ولكن الفرق بينهما ليس بالقليل اذ ان الضعيف يحتمل الصدق والصحة ويعمل به المشهور في المستحبات، بينما لا موضوع للموضوع.
••••••••••••••
مسائل في علم الكلام
السؤال الثالث والاربعون: كثير ما نقرأ في زيارة الإمام الحسين عليه السلام (يا ثار الله وابن ثاره والوتر الموتور)، فما هو المقصود بإبن ثاره والوتر الموتور، جزاكم الله خير الجزاء.
الجواب: الثأر هو الطلب بالدم ويقال ثأرت للقتيل ثأراً أي قتلت قاتله، والوتر- بكسر وفتح الواو- ما لم يتشفع من العدد، والوتر الله عز وجل، لأنه الواحد الأحد الفرد الصمد، والشفع جميع الخلق لأنهم خلقوا ازواجاً، والموتور صاحب الوتر الطالب بالثأر والذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه وفي حديث محمد بن سلمة: “أنا له يا رسول الله الموتور الثائر” أي طالب الثأر وهو الدم.
وفي الحديث: “انا الموتور” أي صاحب الوتر الطالب بالثأر، وفي مجمع البحرين قال في هذا النص من الزيارة الوارد في السؤال لعله مصحّّف من يا ثأر الله وابن ثائره.
ولكن ما في نص الزيارة هو الأصح اذ ان الزيارة مذكورة في مصباح الشيخ عن صفوان عن ابي عبد الله عليه السلام، وليس من المناسب ظن التصحيف في النصوص ومن غير دليل مع احتمال التفسير والتأويل المناسب، والظاهر ان المعنى ان الله هو الطالب بثأره والذي يأخذ به وبثأر ابيه وقد قتل وأهل بيته وأصحابه ولم يؤخذ بثأرهم كاملاً والله ولي المؤمنين، ولعل فيها اشارة الى المهدي عليه السلام الذي أخبر عنه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما هو مبين في كتب جميع فرق المسلمين والعلم عند الله.
••••••••••••••
السؤال الرابع والاربعون: ما هي فلسفة النبوة؟
الجواب: النبوة خلافة الله في الأرض وهي فضل ولطف دائم البركات على الناس جميعاً تتجدد افاضاتها في كل زمان وعند كل جيل قال تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ، ودأب اغلب المفسرين على القول بأن آدم هو الخليفة لأن الله عز وجل نفخ فيه من روحه ولكن المشيئة الإلهية أعم من ان تنحصر بالقضية الشخصية انما هي الخلافة النوعية بلحاظ النبوة بدليل قوله تعالى يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ.. .
والنبوة من آيات الله في الأرض وهي الناموس الإلهي ومداد السماء الذي به تقوم وتستديم الحياة في الأرض فمع ان موضوعنا خاص والإستجابة له ليست عامة عرضاً وطولاً أي أوان البعثة وفي الأجيال المتتالية الا ان منافعها تتغشى أهل الأرض جميعاً من آمن منهم بالأنبياء على نحو العموم المجموعي او على نحو العموم الإفرادي او من لم يؤمن وان تباينت درجات تلك المنافع، نعم يختلف الموضــوع في الآخــرة حيث الجزاء والعقاب، فطوبى يومئذ لمن آمن بالنبوة وامتـثل لأحكامها وما فيها من السنن ومن تلك المنافع:
1- التوكيد النقلي لما يدركه العقل من وجود الصانع وضرورة الإيمان والإقرار بالعبودية وتنزيه الباري عز وجل عن نقائص الإمكان.
2- بيان الأحكام الشرعية واتيان الفرائض والعبادات كالصلاة والصوم.
3- تمييز الفعل الحسن من القبيح سواء ما استقل العقل بمعرفته او غير المستقلات العقلية، انظر مثلاً الى موضوع الربا فلولا النهي القرآني لما امتنع الناس عنه ولما ادركوا اضراره الإخلاقية والإجتماعية والإقتصادية وامتنعوا عنه بسببها ولأصروا على انه من مصاديق التجارة.
4- الإنتفاع الأمثل من الملكات والامكانيات الخاصة وما جعل الله عز وجل عند الإنسان من العقل والإرادة والقدرة الجزئية، ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام انه قال: “أرسل انبياءه ليثيروا في الناس دفائن عقولهم ويهدوهم الى معايش تحييهم”.
5- توجيه وحفظ النوع الإنساني وحاجته الذاتية للنظام التشريعي للإعتبارات الزائدة التي يتصف بها من آلة النطق والمدنية والإختيار وما يفرزه العقل من التمييز وادراك الكليات بذاته والفصل بين الحقائق والمعلومات.
6- الإنسان هو من افراد الممكن الذي يتساوى فيه طرفا الوقوع واللاوقوع ولا يكون في وجوده وبقائه الا بفعل العلة والفاعل الخارجي وقد عدّ نفر من الفلاسفة احتياج الممكن للمؤثر من الضروريات التي لا تحتاج الى برهان وهو الحق، والممكن محتاج الى القسم الثاني من قسمي الوجود وهو واجب الوجود ليتعاهد برأفته أهم الممكنات وهو النوع الإنساني بأشرف الوظائف السماوية وهي النبوة، فالنبوة محط آمال الفلاسفة والمصلحين واولي الألباب ومبغضي الشر والظلم، ولابد ان النبي يمتاز عن هؤلاء بخصوصيات اعجازية وتوفيق سماوي اذ ان مساعي الصلاح وان اجتمعت وتظافرت تبقى منحصرة في زمان ومكان محدودين وقد تصاب بالآفة من الداخل من خلال تثبيط العزائم او الإضرار بالقائمين بها او سأمهم او مللهم، أما النبوة فهي مرتبة ملكوتية في بني الإنسان تمثل اعلى مراتب الكمالات ومحور انعكاس ارقى المعارف واسمى الفضائل بسبب الإتصال بالعالم العلوي عبر الوحي والإخبار السماوي.
7- تعليم الأصول الإخلاقية وتربية المجتمعات وارشاد الأفراد الى ما ينفعهم في الدارين وتهذيب النفوس وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: “انما بعثت لأتمم مكارم الإخلاق”.
8- من الأمور المستحدثة في الخلق الحساب يوم القيامة وما فيه من الثواب الدائم والعقاب الشديد، والأنبياء رسل التبليغ والإنذار ليقي الناس انفسهم من النار وليتسابقوا الى الجنة فلا غرابة ان تأتي الأمم يوم القيامة تحت الوية الأنبياء فكل نبي أمام أهل ملته.
9- جريان المعجزات على أيدي الأنبياء دلالة على صدقهم ومناسبة ومقدمة عقلية وشرعية لدعوة الناس الى الإيمان وهي شاهد حاضر على اثبات واجب الوجود سبحانه ولطف منه تعالى، واللطف في الإصطلاح تقريب العبد الى الطاعة وابعاده عن المعصية.
10- في النبوة تدارك لما في النفس الانسانية من الضعف والوهن وتقويم للعقول والمعتقدات.
11- فيها دعوة للملوك والرؤســاء والعظماء مطلقاُ بالاقتداء بالأنبيــاء قال تعالى َقـَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ، وفيها منع للافتتان، وفي سيرة وسنن الأنبياء حث على التواضع ونشر للرأفة بين الراعي والرعية وبين الناس عموماً والعلم عند الله.
••••••••••••••
السؤال الخامس والاربعون:ما هو الوحي وكيفيته وصيغته وفلسفته؟
الجواب: الوحي لغة هو الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام وكل ما القيته الى غيرك وهو في الإصطلاح تعليم والقاء الله عز وجل للأنبياء ما يتعلق بامور الدين بواسطة الملائكة ومن غير واسطة بشر، فالوحي اذن مصدر التكاليف والشرائع وبه تعرف النبوة ويكرر العلماء القول بأنه لولا الوحي لأنقطعت اخبار السماء.
اقول: انه نوع طريق للتبليغ وليس له موضوعية نفسية فالله واسع كريم وقادر على ان يبتدع طرقاً واسباباً اخرى غير الوحي شخصية او نوعية لتبليغ الأحكام والفرائض، وبين الوحي والنبوة ملازمة لم تكن على مرتبة وكيفية واحدة لجميع الأنبياء ولكن صيغها كلها جمعت للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ففي زكريا عليه السلام مثلاً قال تعالى فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ، وفسر الوحي هنا بالإشارة والرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم جاهد في تبليغ الأحكام ودعوة الناس الى الإسلام بنفسه واهل بيته واصحابه.
وقد ينقطع الإنسان الى التسبيح والعبادة ويمارس رياضة روحية وقسوة في نوع الغذاء وقد يحصل له كشف اهل العرفان او الهام اهل الوصل ولكنه حس ذاتي ووجدان نفسي وتوظيف للاشعور او الحاسة السادسة او افاضة ربانية محدودة تختلف في الماهية والموضوع عن الوحي والكمال الذي اختص به الأنبياء وتلقيهم له من السماء بما يعجز البشر منفردين ومجتمعين عن تحصيله.
لقد تلقى كل منا في مدارس الصبا وعلى مستوى العالم الإسلامي دروساً تتعلق بعزلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غار حراء وكيف ان جبرئيل نزل عليه، وكان من المواضيع الدراسية التي سرعان ما ترسخ في الأذهان وتبقى عالقة فيها، ويشترك طلاب الصف على اختلاف وتباين مداركهم وفطنتهم في وعيها واستيعابها ومتابعتها بشوق واجلال في سر من اسرار الوحي وآياته الغيرية ولكن ذلك السر والأخبار لم يرق الى مستوى الدراسة العلمية واستنباط الدروس الكلامية والعقائدية واستقراء الحكمة والآيات وذكر العلة والعبرة لهذه العزلة.
فلم تكن عزلة حكماء او فلاسفة بل كانت مقدمة عقلية وباب استعداد لتلقي الوحي وإعلان عمل للإستعداد الفعلي لقبول النبوة وتلقي الرسالة وضرب بيان لقبول مجمل الأذى، وهل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بدايات تلك العزلة والتحنث في غار حراء يعلم ان الوحي سينزل عليه وانه كان ينتظره ويعد نفسه لأعباء مسؤليات السماء وأمانة الرسالة، الأقوى نعم.
وبما ان الوحي انتقال من عالم الغيب الى عالم الشهادة ومن المعقول الى المحسوس ومن الكليات الى الجزئيات وفيه مشاهدة عالم الربوبية بالعقل والوجدان ولأن كلام الله من عالم الأمر وهو بسيط ومقدم على عالم الخلق الذي يشتمل على التضاد والتغير ولأن الوحي سياحة في عالم الملكوت وعشق الى الكمال التام وعلة الوجود الى الفاعل والداعي والسبب الغائي ولإجتماع علوم الوحي والتنزيل بالقرآن كتاباً سماوياً خالداً اقترح واسأل اهل الحل والعقد في الوطن العربي الإسلامي ان يكون هناك يوم في السنة بإسم يوم القرآن الكريم اكراماً للقرآن ومناسبة للنشاطات القرآنية من اصدارات علمية وادبية ودورات تعليمية، وهذا الإقتراح مستل من القرآن لقوله تعالى وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ، ولقد سمى الله عزوجل القرآن فرقاناً تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا .
ومن المناسب ان يكون هذا اليوم في شهر رمضان الوعاء الزماني لنزول القرآن كأن يكون في اليوم السابع عشر او الجمعة الثالثة منه لأن معركة بدر – وفيها نزلت الآية الكريمة اعلاه – وقعت في اليوم السابع عشر من شهر رمضان وليس من الإتفاق والصدفة انه كان يوم الجمعة ولا تكون وفق الحساب العددي الا الثالثة من الشهر المبارك وليكون هذا اليوم دعوة متجددة بإظهار علوم القرآن واسرار الوحي والتنزيل ومناسبة للوحدة الإسلامية، ويمكن بيان علوم الوحي وافاضاته بدراسات اكاديمية متعددة الجوانب والوجوه ذكرناها مفصلاً في الجزء الخامس من تفسيرنا معالم الإيمان نشير الى بعض منها لنبين مدى صلاحية علوم القرآن الى الصيغ العلمية المستحدثة وان كلاً من أبواب المناهج ادناه او كل طائفة منها تصلح للمناهج الحوزوية او لدراسة الماجستير والدكتوراه في العلوم الإسلامية.
1- الوحي في اللغة والإصطلاح.
2- بشارات الوحي ومقدماته والتعاهد الإلهي للنبي قبل واثناء الوحي.
3- فلسفة الوحي.
4- مساهمة الوحي في تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم واعلانه للدعوة.
5- موضوعية واثر الوحي في سلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونجاته من الغيلة والكيد.
6- اهميته في اختيار المواقف والقرارات الحاسمة للمسلمين.
7- اثره ومنزلته في تحديد المعارك من حيث الزمان والمكان والكيفية والجهة.
8- كشفه للمنافقين وما في ذلك من سلاح للمؤمنين.
9- تصديه لأعداء الإسلام وما يلقيه في نفوسهم من الرعب فكان بعضهم يخاف ان ينزل فيه قرآن يفضحه او يلحق به وبقومه العار.
10- اخباره عن المغيبات.
11- ايمان واسلام الكثيرين بسبب الوحي.
12- توثيق الوحي لمرحلة بدايات الاسلام وتأريخ البعثة النبوية.
13- مدرسة الإصغاء والإنتظار النوعي والشخصي لما يأتي به الوحي.
14- الوحي وفلسفة التدرج في الاحكام الشرعية.
15- استجابة المسلمين للوحي، الأسباب والنتائج.
16- الوحي في الهيكل الإجتماعي والإقتصادي للمسلمين.
17- ترسيخه للإيمان في قلوب المسلمين وتحدي الكفار والمشركين.
18- تصديقه بالنبوات السابقة.
19- اخبار الوحي على لسان الأنبياء السابقين بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما طرأ عليها من صيغ التحريف.
20- مراحل الوحي ومراميه وكيفياته.
21- صيغ الوحي مثل الوحي قبل القرآن، الوحي في مكة، في الإسراء، في المدينة.
22- وظيفة الملك في الوحي، دراسة مقارنة بين الوحي والقرآن اذ ان بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً فكل قرآن هو وحي وليس العكس ودراسة ما بين الوحي والإعجاز وما بين الوحي والنبوة.
23- الوحي بلحاظ الرسول والمتلقي، وهل اصبح الإنسان هو الرسول المبلغ الى الملائكة او الى الناس او الى غـيرهم كما في قوله تعالى قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ .
24- وظيفة النبي قبل الوحي هل هي التلقي فقط أم التلقي والتبليغ والعمل او تختلف باختلاف المناسبة والحال وما هي وظائف المؤمنين ازاء الوحي.
25- اقسام الوحي السماوي والأرضي والحضري والسفري والمدني والقتالي وغيره، الإنساني ومنه الوحي الى الصديقين وغير الإنساني.
26- علة الوحي وما فيه من الحكمة واللطف الإلهي.
27- ملازمة الوحي للإنسان منذ بدايات وجوده في الأرض.
28- لماذا كان انتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى الرفيق الأعلى أواناً لإنقطاع الوحي عن اهل الأرض.
29- الوحي والجن من آمن منهم به وكيفية ايمانه، ومن حاربه وما هي صيغ المحاربة واتصالها او انقطاعها وما في ذلك من الآيات.
30- هل ان الوحي هو الطريق الوحيد لإتصال السماء بأهل الأرض.
31- هل كان جبرئيل ينزل بغير القرآن كالسنة او الحديث القدسي مع دراسة مقارنة بين وحي القرآن وغيره.
32- منزلة الوحي في العقائد والسلطنة والملك.
33- الوحي ودلائل النبوة.
34- الوحي وعصمة الأنبياء.
35- مراحل الوحي والأمانة.
36- الوحي والمستشرقون والرد على بعضهم مثل مونتيه الذي قال بأن الوحي لا يأتي من الخارج بل هو الهام يفيض من نفس الموحى اليه بسبب تجرد نفسه وانشغاله بالعبادة وحديث عقله الباطن بما يكون فيه الصلاح والفلاح.
••••••••••••••
السؤال السادس والاربعون: المتداول الآن بين بعض الطلبة في الحوزة العلمية الشريفة ان الإسراء والمعراج كان على نوعين الأول: من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى بروح النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجسده، والنوع الثاني: بروح النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقط، فما هو رأي سماحتكم بذلك نرجو من سماحتكم ارشادنا الى ما هو صحيح؟
الجواب: قال تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ .
تجسد هذه الآية فضله تعالى على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى المسلمين جميعاً فهي نعمة ورحمة يجب ان نفكر ونتدبر بما تتضمنه من الإعجاز والمفاهيــم الملكوتية والهبات الممنوحة للإنسان بصفة الإيمان اذ ان الإسراء جاء بنعت العبودية فقال تعالى [ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ]، والمقصود به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإجماع المسلمين والأخبار المتواترة، وقال جماعة من اهل العرفان ان ذكر اسراء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبصفة العبودية يدل على فضل الإخلاص في العبادة على النبوة، وتلك مقالة تحتاج الى تنقيح فليس من مرتبة أفضل من النبوة بإجماع المليين، اذ ان النبوة أعلى مراتب الكمال الإنساني.
وابتداء الآيــة بكلمة تنزيه وتقديس لمقام الــربوبــية بقـوله تعالى [ سُبْحَانَ ] دعوة لأولى الألباب وارشاد للعقول للإلتفات الإيجابي لعظيم قدرة الله وجعل هذا الإلتفات طريقاً للهداية والإيمان والسعي في مسالك العبودية، وهي توكيد الهي بأن الإسراء تم بأمر الله تعالى ومشيئته وهو على كل شيء قدير، واجماع المسلمين على انه تعالى مريد وان اختلفوا في معنى الإرادة على اقوال، وهذا البيان مدخل للتسليم وعدم التردد في قبول آية الإسراء وامكان حصولها ولكي لا يكون ذم ولا حرج على اولئك الذين يؤمنون بالإسراء ايماناً عفوياً، ولا يمنع ذلك من التحري والبحث العلمي والإستقصاء والإستنباط السليم ذي صبغة الهداية والصلاح في مدرسة الإيمان وما تبقيه من تركة علمية موروثة للأجيال التالية.
وروي حديث الإسراء عن اكثر من ستة وعشرين صحابياً، بالإضافة الى ما ورد في خصوصه عن الأئمة في ابواب الفقه المختلفة للإستدلال والبيان والتوثيق.
والدراسات والتحقيقات في موضوع الأسراء وأهميته العقائدية لا زالت متخلفة وقاصرة عن بيان مضامين فلسفته وانواره فكما كان افاضة ملكوتية على الأرض وجنس البشر، فهو ايضاً نور ايماني يخترق شغاف القلوب ويجعلها تحس بقرب السماء منها.
ويطلق الإسراء تارة على انتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى بيت المقدس وصعوده منه صلى الله عليه وآله وسلم الى السماء واحياناً يطلق على انتقاله الى بيت المقدس ويسمى صعوده الى السماء بالمعراج والتفصيل اللفظي والموضوعي لا يغير المعنى والإجماع على ان الإسراء والمعراج حدث بالروح والجسد معاً وليس بالروح فقط.
ولكن القول بأن الإسراء بالروح وحدها ليس بالجديد فقد نسب الى عائشة ومعاوية وحذيفة وقاله بعض المعتزلة وتلك النسبة تحتاج الى تحقيق رجالي بالإضافة الى ثبوت ضعفها بدلالة وجود أحاديث تدل على خلاف مضمونها.
فبالنسبة لعائشة روي عنها وبالإسناد انها قالت: “قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لما اسري بي الى السماء أدخلت الجنة فوقعت على شجرة من أشجار الجنة لم أر احسن منها ولا ابيض ورقاً ولا اطيب ثمرة فتناولت من ثمرتها فأكلتها فصارت نطفة في صلبي فلما هبطت الى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة عليها السلام فإذا اشتقت الى ريح الجنة شممت ريح فاطمة”( ) ، أي ان عائشة تقول بأن الإسراء حصل بالروح والجسد، والقول بأن الإسراء حدث بالروح فقط يفوت وحول دون بيان حقائق عقائدية وتكوينية وتشريعية بل ويتعارض معها.
وروي الحديث ايضاً عن ابي سعيد الخدري وابن عباس والإمام جعفر الصادق عليه السلام في بيان لفضله تعالى بجعل الجوهر الأساس لشخص الزهراء عليها السلام من موجودات الجنة ليكون نبراساً للفضيلة وفيضاً ملكوتياً مباركاً ودليلاً على تشريفه تعالى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وفيه نكتة تستحق الدراسة وهي الإلتفات الى الهبات والأمور الإعتبارية والكرامات التي رافقت او نتجت عن الإسراء أي ان الإسراء لم يكن موضوعاً مجرداً منعزلاً عن مضامين الرسالة وما يترشح عنها من مصاديق الإرتقاء والدرجات العلى.
اما بالنسبة لحذيفة فقد ورد اكثر من واحد بهذا الإسم من الصحابة، ولكن الظاهر ان المقصــود هنــا هــو حذيفة بن اليمان نسبة الى اليمن لأن جــده جــودة أصاب دماً في قومه فهرب الى المدينة فحالف بني عبد الأشهل فسماه قومه باليمان لأنه حالف الأنصار وهم من اليمن، وقيل ان اليمان مأخوذ من اليمين وهو الحلف.
والأول أنسب وتوفى والياً في المدائن بعد بيعة أمير المؤمنين عليه السلام بأربعين يوماً، وجلالة قدره ووثاقته وورعه عليه الإتفاق والإجماع وهو من الأركان الأربعة وكان يعرف المنافقين بأعيانهم واشخاصهم عرفهم ليلة العقبة لما أرادوا ان ينفروا ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في منصرفهم من تبوك وكان حذيفة تلك الليلة قد أخــذ بزمام الناقة يقودهـــا، وعمار من خلف الناقة يسـوقها، وروي عنه انه قال: “كان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسألونه عن الخير وكنت اسأله عن الشر مخافة ان اقع فيه”.
ويدل هذا الخبر على سعة العلوم التي اكتسبها الصحابة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانها لا تنحصر في باب واحد، وهو ممن صلى على فاطمة عليها السلام، ومن المستبعد ان يصدر منه هذا القول والا لقلنا بأن الجواد قد يكبو والصارم قد ينبو، بإعتبار انه خلاف الدلائل والواقع.
لقد اجتمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع من سبقه من الأنبياء وصلى بهم في السماء وتلك الصلاة كانت بالروح والجسد معاً، وفي صحيحة ابن سالم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: “لما اسري برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحضرت الصلاة أذن جبرئيل وأقام الصلاة، فقال عليه السلام يا محمد تقدم فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تقدم يا جبرئيل، فقال له: إنا لانتقدم الآدميين منذ أمرنا بالسجود لآدم، وهذه قبلة شيث”.
لقد أراد الله عزوجل أن يكون الإسراء وسيلة للتبليغ وآية في فرض أهم الأحكام الشرعية حتى يوم القيامة ومصداقاً اعجازياً متقدماً زماناً لما يحدث في هذا الزمان من صعود الإنسان الى السماء والإرتقاء السريع في السياحة في بعض ارجائها، فآية الإسراء نوع تحد وحث على هذه العلوم ومنع للإفتتان بها، فالذي وصل اليه العلماء بعد نحو ألف واربعمائة سنة من الهجرة النبوية الشريفة وبعد جهود متصلة واموال طائلة انفقت وتنفق في هذا الباب لم يبلغ معشار ما حاز شرفه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بإعجاز واكرام منه تعالى.
وفيه اخبار بأن الصعود المستحدث موجود عند اشرف المخلوقات ومن خلاله عند اولياء الله والمؤمنين بإعتبار ان الإسراء وان حدث لشخص النبي ولكنه اكرام لجميع المسلمين لذا فلا غرابة ان يأتي الوصــف بالعـبودية بقوله تعالى [ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ] ولكن حصة المؤمنين منه الإيمان والتسليم به والرضا بفضله تعالى والإمتثال لما فيه من الأمر بالصلاة وأحكامها، بل وفيه ايضاً فضل منه تعالى بتغشي المسلمين بدرجة من العفو لم تنلها الأمم السابقة ولتكون تلك الآية حجة تامة على الناس جميعاً.
لقد كان الإسراء بالروح والبدن، وهو أمر تم بقدرته تعالى وفضله والله لاتستعصي عليه مسألة لقد اراد الله عز وجل ان يبين لنا ان ابليس طرد من السماء بمعصيته، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم صعد اليها طائعاً خاشعاً بصفة العبودية والخضوع وان يرى الملائكة أهلية الفرد الكامل من البشر للتشريف والإكرام وإستحقاقه للسجود له تعظيماً كما في سجودهم لآدم عليه السلام.
واحتج المنكرون لحديث الأسراء بالجسد بأن صعود الجرم الثقيل الى السماوات غير معقول وهو أمر أبطل الواقع والوجدان موضوعه بصعود الإنسان والمركبات الفضائية الى عالم السماء وان كان صعوداً محدوداً في السماء الدنيا، كما انه باطل بلحاظ ان الإسراء تم بقدرته وارادته تعالى التي تتعدى قوانين السببية أو العلة ومعلولها والعلم عند الله( ).
••••••••••••••
السؤال السابع والاربعون: ماذا عن صلة القرآن والإمام علي عليه السلام؟
الجواب: بين القرآن وعلي عموم وخصوص من وجه فمادة الإلتقاء بينهما الإمامة ومادة الإفتراق ان القرآن كلام الله وعلي خليفته والملازمة بين القرآن وعلي قاعدة وكبرى، اما الصغرى فهي ان الحق مع علي وعلي مع الحق بالنص الثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، واننا مدعوون لنأخذ علوم القرآن من علي وتلك نتيجة لا يختلف فيها اثنان من المسلمين وهي باب عز وفخر ومجد تلح علينا لإنتزاع الدروس العقائدية من سيرة إمام المتقين وسفر مبارك ومدرسة علوم زاخرة ونافعة للناس تظهر صلة علي بالقرآن وتعضيد احدهما للآخر في تثبيت اركان الإسلام واحكامه الأمر الذي يستلزم دراسات اكاديمية متعددة ومتشعبة ومقارنة وخالية من الإساءة الى احد او جهة او جماعة لأن الجميع يشتركون في اكرام طرفي الدراسات ولأن العلة الغائية لها تعظيم شعائر الله.
لقد كانت سيرته عليه السلام كلها بوحي القرآن وهداه، والبحوث الإسلامية في هذا الباب لم تستوف الموضوع حقه مع عظيم اهميته ترى ما هي الآيات القرآنية التي نزلت بحق علي عليه السلام وما هي الآيات التي كان علي اول عامل بها وتلك التي قام بتفسيرها وتأويلها والآيات التي سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنها وكيف جمع القرآن وأوان ذلك الجمع، وجهاده في سبيل حفظ القرآن وتطبيق أحكامه سواء كان ذلك اثناء أيام خلافته المباركة أم قبلها، ولقد ترك أعظم مدرسة لتفسير القرآن فقد ورد عن ابن عباس ومنزلته معروفة في التفسير عند جميع المسلمين: “ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب”.
وكما انفردت ولادة الإمام علي عليه السلام بخصوصيات كريمة فقد ولد عليه السلام يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب بعد عام الفيل بثلاثين سنة في الكعبة ولم يولد احد سواه فيها لا قبله ولا بعده كذلك انفرد بالعمل بآية المناجاة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يعمل بها احد قبله ولا بعده قال تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً فلم يناجه الا علي عليه السلام قدم ديناراً فتصدق به ثم نزلت الرخصة، فبعد ان عمل بها علي عليه السلام خفف الله عزوجل عن الأمة، وسينفرد يوم القيامة ويكون بفضله تعالى قسيماً للجنة والنار كما هو مذكور في كتب فرق المسلمين كافة.
وعندما حلت المصيبة العظمى وانتقل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الى الرفيق الأعلى ابى علي عليه السلام ان يضع الرداء على ظهره الا بعد ان يجمع القرآن.
وفي ايام خلافته ومع كثرة الحروب لم يغفل عن القرآن واظهار علومه وفي واقعة صفين وعندما اشرف اهل الشام على الهزيمة رفعوا المصاحف، وقال الإمام علي عليه السلام انها خدعة، والمذكور في كتب التأريخ الاسلامي ان اهل الكوفة وجماعة القراء اجبروا الإمام علي عليه السلام على وقف القتال والتحكيم.
والذي اراه ولم يبينه التاريخ ويحتاج الى البحث ان علياً عليه السلام لم يجبر على وقف القتال ولكن اختار اكرام القرآن في امضاء الإلتجاء اليه ولا يعني هذا التفريط لأنه على نحو السالبة الجزئية المؤقتة ولقاعدة تقديم الأهم وهو حفظ القرآن وقطع الطريق أمام الذين أرادوا بخدعتهم الضلال على المهم وهو مواصلة القتال لتحقيق النصر العاجل ولمضامين الترجيح الأخرى.
ولعل الباحثين اعرضوا عن دراسة أسباب تصاعد نشاط الخوارج وكثرتهم والحروب التي خاضوها ضد الدولة الأموية، بينما أوشكت النهروان بمفردها ان تقضي عليهم. كذلك لم يتعرض له التأريخ الآثار الحميدة التي تركتها استجابته لموضوع الحكمين مع بيانه واعلانه لخفايا ما فيه من الخداع في كشف زيف الخوارج وتسهيل مهمة الأمويين في القضاء عليهم مع تفانيهم في القتال. أي ان للإمام علي عليه السلام فضلاً كبيراً على دولة بني أمية ايضاً، لأن الملاك عند أهل البيت عليهم السلام حفظ الإسلام واعلاء لواء التوحيد والعلم عند الله.
••••••••••••••
السؤال الثامن والاربعون: ماذا عن فضل الإمام علي عليه السلام؟
الجواب: سُئل احد العلماء عن فضله عليه السلام فقال: “ما اقول في شخص اخفى اعــداؤه فضــائله حسداً واخفى اولياؤه فضائله خوفاً وحذراً وظهر فيما بين هذين فضائل طبقت الشرق والغرب”.
وهذا كلام حسن وردده كثير من الباحثين ولكنه ليس كافياً خصوصاً في هذا الزمان زمن الدراسات الأكاديمية والبحوث العلمية والإستقرائية، وسؤال الشواهد المادية وتداخل الحضارات فهل تستطيع مادة وموضوع فضل الإمام علي عليه السلام ان تجد لها موضع قدم في تلك الدراسات من غير ان تتعرض للنقص والتضعيف والتأويل المتشعب.
لقد اجمع المسلمون على فضل الإمام علي عليه السلام ولكننا بحاجة الى بيان ذلك الفضل بلغة اهل هذا الزمان وما يطلق من نظرية العولمة والتقارب بين الأفكار والعقائد. لقد اجمعت الأمة على ان علياً عليه السلام اعلم اهل زمانه بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنه أخذ الناس في جميع العلوم العقلية والنقلية.
لذا فأن ابراز فضل علي عليه السلام بلغة العصر وميادين علومه يبين عظمة مجتمع الإسلام آنذاك وان الناس والعرب خاصة لم يتقبلوا الإسلام الا عن وعي وادراك وفهم واقرار عقلائي، على سبيل المثال وليس الحصر نأخذ ما ورد في حق علي في باب القضاء بلسان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم “أقضاكم علي”.
والتفضيل بالقضاء يدل على الترجيح والأعلمية فلقد كان قضاؤه عليه السلام مدرسة جامعة يفتخر بها كل مسلم فلقد قال الخليفة عمر بن الخطاب “لولا علي لهلك عمر” وهذه المقولة لم تترجم او تبين عملياً من قبل عامة علماء المسلمين، لم يستنبطوا من قضائه عليه السلام القواعد القانونية التي تصلح اساساً للتشريع الإنساني العام، لم يصّدروا ما فيه من العلوم الى مدارس القضاء العالمية في باريس ولندن وواشنطن ونيويورك على نحو الفضل على الآخرين ولعمومــات قولـه تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وقضاء علي عليه السلام فرع مدرسة النبوة او على نحو الحق والإنصاف اذ ان لمليار ومائتي مسلم حصة كبيرة في الأمم المتحدة فماذا في مؤسساتها عن علي وقضائه الذي يصلح للعالمية ولكل زمان ويكون عنواناً للدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة واللطف لنفاذ احكام الشريعة الإسلامية وزيادة منازلها في القضاء وقواعد التشريع في بلدان العالم الإسلامي وغيره.
لقد ظهرت في عقد الخمسينيات ونحوها اقوال عصرية بعدم الحاجة الى احكام الإسلام ومفاهيمه ولكنها سرعان ما تلاشت والحمد لله والآن نقول اننا بعلوم علي ومدرسته الفكرية نستطيع ان نثبت اهلية الأحكام والقيم الإسلامية للتعايش مع العصر وحاجة الناس على مختلف مشاربهم الى اقواله وسيرته وهديه وعلومه بل ان الحاجة تبرز على نحو اكبر وضوحاً مع تشعب العلوم وتفرع الدراسات وظهور الاختصاصات العلمية التي تكون وعاء ومناسبة لنشاط الباحثين المخلصين.
••••••••••••••
امساكية شهر رمضان عام 1425هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ]
الصوم لغة مطلق الإمساك، وفي الإصطلاح الشرعي عبادة تتضمن الكف عن الأكل والشرب والمفطرات الأخرى من طلوع الفجر الى غياب قرص الشمس والحمرة المشرقية بقصد القربة خالصة لوجه الله بخلوها من الرياء والضمائم التي تفوت الثواب، وملاكها الصبر امتثالاً وطاعة، ويعتبر الصوم افاضة ملكوتية تجعل النفوس تنجذب الى الحضرة الإلهية، وحاجباً من آفات الكفر والجحود، وفريضة بدنية تترشح عنها حصانة ذاتية وملكة نفسانية تكون برزخاً من الخطأ وتعاهداً للحياة على الارض وتداركاً لما فات الملل السابقة.
وهو مدرسة عقائدية واخلاقية واجتماعية واقتصادية وروحية جامعة لأبواب الصلاح والرقي الفردي والإجتماعي والكمال الانساني سواء بضبط النفس ومنعها عن الشهوات والميل الى الملذات وتهذيبها من الكدورات او بما فيه من دروس الخشوع والخضوع لله عز وجل واستحضار فقر الآخرة، او بشيوع الرأفة بين الناس ورجاء نزول الرحمة الإلهية، ومع ما يستلزمه الصيام من الصبر فان فرضه لطف وفضل إلهي تعاهده المسلمون ليكون اثباتاً عملياً متجدداً لأهليتهم لخلافة الأرض وهو مناسبة كريمة لاكتناز الصالحات وواقية ايمانية من اهوال البرزخ، وحاجز من عذاب النار، فلا غرابة ان تفيض على نفوس الصائمين فيه شآبيب الرحمة والغبطة، وسيبقى الصيام سياحة في رحاب عالم الملكوت ومفتاحاً للارتقاء الى منازل المخلصين وحرزاً وسلاحاً للعبور على الصراط وطريقاً لدخول الجنة.
وفي ظل التداخل الحضاري والتقارب الإعلامي يعتبر الصيام اشراقة لمضامين العبادة في الإسلام وحضوراً مباركاً وتعاملاً مع العولمة وفق مفهوم سلمي سلبي بالكف عن المفطرات طاعة لله ودرساً للجميع للتدبر في عالم الخلق والتكليــف، ومناســبة لميل النفوس الى مبــادئ الاســلام وتجديداً لشــوقها الفطــري الى العبادة كغاية لخلق الانسان، قال تعالى [ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ].
والصوم مدرســة جامعــة للفضيلة وسبيل لتقويم السلوك وحســن الخلــق ووسـيلة للتدبــير وتنمـيـة ملكـة الإقتصــاد وارادة الصبر الذي يعتبر علم الأخلاق الصغير، وفي قوله تعالى [ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ ]، قال الإمام الصادق عليه السلام: “ان الصبر:: الصيام”، انه درس عقائديعقائدي ملكوتي في واقتحام الصعاب للصعاب في سبيل الله وتنمية لملكة العفة والنزاهة، وهو من اهم ركائز الوحدة الإسلامية اذ تتداخل فيه مضامين الإرادة التكوينية والتشريعية والأحكام التكليفية والوضعية.
من مسائل الصوم
1- وجـوب الصوم في شهر رمضان من ضروريات الدين ويجب على الذكر عند اتمامه خمس عشرة سنة هلالية والانثى تسع ســنين، ومن تركــه بعد ذلك لعــذر يجــب ان يقضـيه أي يؤديه في زمان آخر، وعلى العامد الكفارة ايضاً بالاضافة الى مع قضاء الصوم.
2- لأن الصوم عبادة فلا يتقوم الا بالنية وقصد القربة الى الله وأن تسبق النية طلوع الفجر او تأتي مقارنة له ويكفي فيها مجرد الداعي والقصد، ويجوز ان ينوي صوم شهر رمضان جملة ومرة واحدة، وادعى السيد المرتضى والشيخ الطوسي الإجماع عليه وهو المشهور بين القدماء باعتبار انه عبادة واحدة، ويجوز ان يأتي لكل يوم بنيته.
3- من شرائط وجوب الصوم العقل، والبلوغ، والاسلام، والحضر، وعدم المرض الموجب للضرر، والخلو من الحيض والنفاس ايضاً بالنسبة للمرأة طيلة نهار الصوم.
4- لو نست المرأة غسل الحيض او النفاس حتى مضى يوم او ايام، فالاقوى صحة صومها بخلاف نسيان غسل الجنابة ففيه قضاء الصوم من غير كفارة.
5- اذا حكم الطبيب الحاذق بأن الصوم مضر بالمكلف يجب الإفطار على الأقوى وان ظن المكلف خلافه، لأن الطب في هذا الزمان مبني على قواعد علمية دقيقة.
6- يصح الصــوم من الصبي المميز لرجحان شرعية عباداته وان لم تجب عليه، ويستحب تمرينه وحثه على العبادات وصوم شـطر من النهار في سن السابعة من غير فرق بين الذكر والانثى.
7- اذا كان المكلف حاضراً في بلده وسافر بعد الزوال يجب عليه البقاء على صومه لانقضاء عامة النهار، واذا كان مسافراً ووصل قبل الزوال الى بلده او بلد ينــوي الأقامة فيه عشرة ايام او اكثر ولم يتناول المفطر يجب عليه تجديد النية واتمام صومه.
8- يتعين الافطار على المسافر الذي لم ينو الاقامة عشرة ايام في الاماكن الاربعة المسجد الحرام، والمسجد النبوي، ومسجد الكوفة، والحائر الحسيني، وان كان مخيراً فيها بين القصر والتمام في الصلاة.
9- لا يجب صوم يوم الشك وهو اليوم الذي يحتمل ان يكون تمام عدة شعبان أو الأول من شهر رمضان – لا يجب صومه، وان أراد صــومه ينويه ندباً او قضاء ونحوه فاذا تبين فيما بعد انه من شهر رمضان أجزأ عنه، نعم لو كان هذا التبين اثناء نفس اليوم قبل الزوال أو بعده فإنه يجدد النية بكونه من شهر رمضان.
10- الإصباح جنباً من غير عمد، واستيقاظ من النوم بعده لا يوجب البطلان وعليه الإجماع والنصالنص والإجماع.
11- مالا يتعـدى الى الحــلـق كـذوق الطعام ومضغـه للصـبي لا يبطـل الصوم، بل وان اتفق التعدي قهراً او نسياناً ومن غير قصد.
12- يجوز السواك في شهر رمضان وعليه النص والإجماع، ويكره بالعود الرطب.
13- من المكروهات اثناء الصيام المضمضة عبثاً، وملاعبة الزوجة، والجدال والمراء، وقلع الضرس بل مطلق إدماء الفم، وانشاد الشعر بغير الحق.
14- الإفطار مع العمد والإختيار يوجب الكفارة مع القضاء، والكفارة مخيرة بين عتق رقبة وصيام شهرين متتابعين واطعام ستين مسكيناً عن كل يوم، ومصرف الكفارة الفقراء، كل واحد مد وهو نحو ثلاثة ارباع الكيلو، ولو كان عند مستحقها اطفال صغار يجوز اعطاؤه بعدد الجميع لكل واحد ثلاثة أرباع الكيلومد من التمر او الطحين ونحوهما.
15- لو فات المكلفه شهر رمضان او بعضه لمرض واستمر مرضه الى رمضان آخر سقط قضاؤه، وعليه الفدية لكل يوم مد وهو ثلاثة ارباع الكيلو.
16- يجب الإمساك في الصوم عن:
أ) الأكل والشرب الكثير منه، والقليل كحبة الحنطة، والمعتاد كالخبز والماء أو غيره وان كان على نحو غير المتعارف منه، .
ب) ولو صب دواء في جرحه او زرق ابرة لا يضره، ولكن لو تناول المغذي مثلا بالإبر والطرق الحديثة فانه يعتبر مفطراً وان لم يكن عن طريق الفم.
ج) لا شيء على من أكل وشرب ناسياً في نهار الصيام، للخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “اذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وأسقاه “، ونسب الى مالك القضاء دون الكفارة قياساً للصوم على الصلاة وهو اجتهاد في مقابل النص وقياس مع الفارق، ومن أكره على المفطر أو تناوله فراراً من ضرر الامتناع يبطل صومه وعليه القضاء.
17- الجماع مفطر للذكر والأنثى مع الإنزال او بدونه قبلاً او دبراً ويتحقق بادخال الحشفة وهي رأس الذكر من فوق الختان، ومن المفطرات انزال المني عمداً، وقيد العمد يخرج من نام في نهار شهر رمضان واحتلم فانه باق على صيامه ولا يجب عليه المبادرة الى الغسل ولكنها أولى.
18- الأقوى ان الإرتماس في الماء ليس بمفطر على الأقوى وان كان مكروها ومنهياً عنه ارشاداً وتنزيهاً.
19- لا خلاف في حرمة وقبح الكذب عمداً سواء في حال الصيام او الإفطار، ويزداد الإثم بالكذب على الله تعالى وعلى رسوله وعلى الأئمة عليهم السلام بامور الدين او الدنيا، والاقوى انه ليس بمفطر، ونسب الى جماعة من القدماء واكثر المتأخرين عدم الإفطار به، وقال الشهيد الثاني والأقوى تحريمه من دون افساد، واستدل على مفطريته ببعض الأخبار القاصرة سنداُ ودلالة.
(مسـألة1) يستحب الإمساك تأدباً لكل من:
1- المريض الذي افطر ثم برء اثناء النهار.
2- المسافر الذي وصل الى بلده او إقامته بعد الزوال.
3- الحائض والنفساء اذا طهرتا في اثناء النهار.
(مسـألة2) الغيبة حرام، وهي ان تذكر اخاك المسلم بما يكرهه من عيب او نقص مما هو فيه فعلاً، وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “من اغتاب مسلماً في شهر رمضان لم يؤجر في صيامه”.
(مسـألة3) يكره ذكر (رمضان) مجرداً ويستحب اضافة شهر له فيقال جاء شهر رمضان، الا مع القرينة على ارادة الشهر كما في قولك صمت رمضان، فلا كراهة.
(مسـألة4) يستحب استثمار ايام وليالي شهر رمضان بالدعاء والذكر وهو مناسبة هو مناسبة للدعاء وفرصةكريمة لقضاء الحوائج.
(مسـألة5) يستحب اقامة دورات لتعليم وحفظ وترتيل القرآن في شهر رمضان خصوصاً للناشئة والصبيان.
(مسـألة6) الإعتكاف وهو اللبث في المسجد بقصد العبادة مستحب ويشترط فيه الصوم وان يكون في المسجد الجامع في البلدة، والأولى في أحد المساجد الأربعة المسجد الحرام والمسجد النبوي ومسجد الكوفة ومسجد البصرة.
(مسـألة7) يستحب اجراء مسابقات قرآنية في المدارس والثانويات والكليات اثناء شهر رمضان مع القيام بنشاطات ادبية مناسبة خاصة بالشهر الكريم.
(مسـألة8) قد اقترحنا تخصيص يوم باسم (اليوم العالمي للقرآن) وان يكون في السابع عشر من شهر رمضان يوم واقعة بدر، فنرجو المبادرة الى بعض النشاطات فيه، كاقامة الندوات والمحاضرات والمعارض والنشرات والمقالات الخاصة بالمناسبة تعظيماً لشعائر الله.
(مسـألة9) يستحب الإفطار بالتمر ومع تعذره فباللبن.
(مسـألة10) يستحب السحور استحباباً مؤكداً وفيه منافع بدنية وعبادية وهو عون على تحمل مشاق الإمساك عن الأكل والشرب، وقد نعته الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بانه بركة وتعني النماء والزيادة والخير، ويتحقق السحور بصرف الطبيعة ولو شربة ماء، وأوانه وقت السحر وهو الثلث الأخير من الليل، وافضله ما قبل اذان الفجر بنحو نصف ساعة.
(مسـألة11) يتأكد استحباب صلة الأرحام في شهر رمضان، وتحسين الأخلاق والسجايا مع الآخرين خصوصاً أفراد الأسرة والمؤمنين وزملاء العمل، مع كظم الغيظ والعفو عن الآخرين والمبادرة الى الإحسان.
(مسـألة12) الصيام شعار إسلامي ورياضة للنفس ونفي عملي للحرص الذي يعتبر معدن الأخلاق الذميمة، ومن وجوه صيام الخواص صيام الجوارح بحفظ اللسان عن النميمة وفاحش القول ومطلق الظلم، وغض البصر عن المحرمات واجتناب الاستماع الى المناهي والقبيح، والاحتراز من الجدال والمنابزة والغضب وقول الزور والخصومة.
رخصة الإفطار
1- للشيخ الكبير والمرأة العجوز اللذين يضعفان عن الصوم الافطار، ويتصدقان عن كل يوم بمد من طعام، ومجموع الفدية لتمام الشهر اثنان وعشرون كيلواً ونصف الكيلو من التمر او الطحين ونحوه.
2- الحامل المقرب التي يسبب الصوم ضرراً لها او لحملها، والمرضعة القليلة اللبن اذا اضر الصوم بها او بالولد ولكن عليهما القضاء.
في رحاب القرآن
القرآن سفير السماء الدائم، وكل آية منه خزينة متكاملة للعلوم والمعرفة، واحكام شهر رمضان دعوة لمواصلة الغوص في بحار آياته واستخراج كنوزه باشراقات منها:
الأول: في الحديث “لكل شيء ربيع وربيع القرآن هو شهر رمضان”، وهو دعوة الى المبادرة لقراءة القرآن والحرص على ختمه مرة او مرات خلال هذا الشهر المبارك مع التدبر والاعتبار عند المرور على آيات البشارة او آيات التخويف والانذار.
الثاني: يستحب اجراء مسابقات قرآنية في المدارس والثانويات والكليات اثناء شهر رمضان مع القيام بنشاطات أدبية مناسبة خاصة بالشهر الكريم.
الثالث: يســتحب اقـامة دورات لتعـلـيـم وحفظ وترتيل القرآن في شـهر رمضان خصــوصـاً للناشـئة والصـبيان في المساجد والمنتديات والبيوت.
الرابع: قد اقترحنا تخصيص يوم باسم (اليوم العالمي للقرآن) وان يكون في السابع عشر من شهر رمضان يوم واقعة بدر، فنرجو المبادرة الى احيائه باقامة الندوات والمحاضرات والمعارض والنشرات والنشاطات الخاصة بالمناسبة تعظيماً لشعائر الله.
ولائم افطار: ندعو المحسنين في المدن والنواحي الى إقامة ولائم إفطار في مكان ثابت وسط البلدة تشارك فيه المؤسسات والجمعيات الخيرية واصناف الاعمال والصناعات لتكون مصداقاً للرأفة ونشراً للمحبة وطرداً للكدورات وأسباب النفرة، وظاهرة اجتماعية واخلاقية متجددة في كل سنة، وبالامكان صرف شطر من الحق الشرعي فيها بعد الاذن من الحاكم الشرعي.
ليلة القدر
لقد نالت هذه الليلة اعظم الشرف وعنوان الأفضلية، اذ ورد ذكرها في القرآن وجاءت سورة من القرآناحدى سوره بخصوصها وهي سورة القدر، وتلك آية من اعجاز القرآن لبيان عظمةوبيان لعظمة هذه الليلة التي نزل فيها القرآن واهميتها في حياة المسلمين وما لها من شأن في التأريخ الإسلامي، وجاء القرآن بتعظيم وتشريف الليلة التي انزل فيها اذ وجعلها الله عز وجل افضل واعظم من الف شهر، ويستحب فيها الإجتهاد في الصلاة والإكثار من قراءة القرآن والدعاء والصدقة، ومن الآيات الزمانية الإخفاء الإجمالي لها ضمن ليالي شهر رمضان، والأرجح انها احدى الليالي الفرد من العشر الأواخر منه وانها الليلة الثالثة والعشرون، .
ولليلة القدر علامات كونية تعرف بها وهي لطافة جوها وطيب ريحها سواء كان الوقت بارداً او حاراً، وتكون الشمس في صبيحتها مشرقة وتبعث شعاعاً هادئاً.
طرق ثبوت الهلال
1- اذا رأى المكلف الهلال فلا يحتاج الرجوع الى غيره.
2- البينة الشرعية وهي خبر عدلين اذا شهدا عندك برؤية الهلال، فيجب ترتيب الأثر من الصوم أوالإفطار وان رد الحاكم شهادتهما الا ان تكون هناك قرائن معتبرة تدل على الخلاف كما لو اختلفا في الأوصاف، ولقد حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في موضوع الهلال بشاهدين عدلين، وفي صحيحة الحلبي عن الإمام الصادق عليه السلام: “ان الإمام علي عليه السلام كان يقول: لا اجيز في الهلال الا شهادة رجلين عدلين”، والعدالة صفة نفسية وملكة مباركة تترشح على السلوك بالإلتزام الدائم بالواجبات العبادية واتيان الفرائض واجتناب المحرمات بوعي.
3- مضي ثلاثين يوماً على الهلال، اذ ان الشهر القمري لا يزيد على ثلاثين يوماً ولا ينقص عن تسعة وعشرين.
4- ذكرت في الرسائل العملية المعاصرة طرق اخرى لثبوت الهلال كحكم الحاكم، والشياع المفيد للعلم، والتواتر، ولكنها في الأصل فروع للبينة الشرعية.
5- الأقوى ثبوت الهلال في سائر البلدان اذا ثبت في بلد ما، الا ان يكون الإختلاف بين بلد الرؤية والبلد الآخر بمقدار الليلة، والأخبار خالية مما يدل على اتفاق افق البلدان واختلافه او اعتبار لتقاربها في الحكم والموضوع، وجاء شطر منها بلغة التنكير والقضية المهملة.
6- قد يختلف فقيهان وربما في بلد واحد في حكم الهلال بسبب موضوع البينة او مصاديقها او افرادها، او بسبب التباين في المبنى واعتبار اتحاد الأفق وهو المشهور وتقارب البلدين او عدم اعتبارهما، ويتعلق الإختلاف بالاجتهاد ولا يعني الفرقة او الخلل او خطأ أحد القولين، فالكل على صواب مع الاستناد الى دليل شرعي معتبر والله واسع كريم، ونسأله تعالى الإتفاق في هذه المسألة الابتلائية المتجددة في كل عام في الجملة، ومن حــق عامة المسـلمين ان يتطلعوا الى علمائهم رجاء وحدة الحكم في موضوع الهلال، وقد وجهنا نداء تفصيلياً الى جميع المسلمين في امريكا واوربا لتحري اسباب الوحدة في فتوى الهلال.
7- يجوز الإعتماد على الهاتف والراديو والأنترنت ونحوه من وســائل الإتصال كواسطة في الإخبار عن الهلال شهادة وحكماً.
8- يعتبر الدعاء عند رؤية الهلال سنة مأثورة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم واجماع فقهاء المسلمين على استحبابه، ومنه ما هو مطلق عند كل شهر من غير اضافة او نسبة الى شهر معين، ومنه دعاء خاص وقد ورد بالاسناد عن أبي جعفر عليه السلام قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اذا أهل هلال شهر رمضان استقبل القبلة ورفع يديه فقال: اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والعافية المجللة والرزق الواسع، اللهم ارزقنا صيامه وقيامه وتلاوة القرآن فيه، اللهم سلمه لنا وتسلمه منا وسلمنا فيه”.
زكاة الفطرة
وهي واجبة باجماع المسلمين وفيها تمام الصوم، وفي فضلها وردت نصوص كثيرة وقد ذكرنا شرائط وجوبها في الجزء الثاني من رسالتنا العملية “الحجة”، ومن الرأفة والتخفيف انها ومع أهميتها تؤدى بشيء يسير.
وتجب على المكلف الذي يمتلك قوت سنة له ولعياله بعد تحقق شرائطها عن نفسه وعن كل من يعول حين دخول ليلة عيد الفطر، ولو لم يدفع الأب عن ابنه مثلاً زكاة الفطرة فعلى الإبن ان يدفعها عن نفسه مع القدرة.
وجنس زكاة الفطرة هو قوت غالب الناس، فتصح من الحنطة والشعير والارز واللبن ويكفي الدقيق والخبز والماش، والافضل التمر لأنه ادام وللنص في تفضيله، ومقدارها عن كل شخص صاع وهو نحو ثلاث كيلو غراماتات، فاذا كانت العائلة خمسة أفراد تكون زكاة الفطرة الواجبة خمسة عشر كيلو غرام تقريباً.
واذا كان ثمن كيلو التمر او الطحين مائتي دينار فان زكاة الفطرة للشخص عن الفرد الواحد ستمائة دينار.
وتجب فيها نية القربة كما في زكاة المال، ووقتها دخول ليلة العيد ويستمر الى زوال الشمس من يوم العيد، والاحوط اخراجها قبل صلاة العيد، ولا يجوز تقديمها على وقتها الا ان تعطى للفقير قرضاً ثم تحتسب زكاة فطرة عند دخول وقتها، ويستحب تقديم الأرحام على غيرهم ثم الجيران وأهل العلم.
وفي الصحيفة السجادية دعاء خاص بوداع شهر رمضان وفيه كنوز من المعرفة الإلهية والموعظة وانجذاب النفس له وشوقها لعودته وفيه: (فَنَحْنُ قَائِلُونَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا شَهْرَ اللَّهِ الْأَكْبَرَ وَ يَا عِيدَ أَوْلِيَائِهِ. السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَكْرَمَ مَصْحُوبٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ وَ يَا خَيْرَ شَهْرٍ فِى الْأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ. السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْرٍ قَرُبَتْ فيهِ الْآمَالُ وَ نُشِرَتْ فِيهِ الْأَعْمَالُ).
ثَوَابُ الصِيَامِ: ما من عبادة الا ولها من عند الله ثواب واجر يكون مضاعفاً وافياً وتتصل بركته لتتغشى حياة العبد، ومنافعه في الدار الآخـرة عظيمة وخالدة خاصة وانها تحتاج رصيداً كبيراً من الحسنات وسعياً لإختزان الصالحات وعدة كاملة في باب الفرائض ومنها الصــيام الذي يكون اداؤه واقــية من العذاب ووسام عز واعتزاز، وقد تضمنت النصوص وجوهاً عديدة في ثواب واجر الصيام منها:
1- انه سبيل كريم للتقرب الى رحمة الله عز وجل.
2- تطهير وتنقية للبدن باذابة الحرام منه.
3- الصيام يهون سكرات الموت.
4- امان من الجوع والعطش يوم الفاقة والعوز.
5- بشارة الإطعام من ثمار الجنة.
6- باب للتوبة والعفو والمغفرة.
7- عون على تحمل مشاق الحياة.
8- الصوم زكاة الأبدان ويهون سكـرات الموت.
وجدول ايام الامساكية ادناه نظم على نحو الاحتمال والتقربب والتقريب وفق الحسابات الفلكية، وهي وان اتصفت بالدقة الاجمالية في هذا الزمان الا انها لا ترقى الى الظن المعتبر الذي جعله الشارع حجة، ليبقى الهلال آية كونية مسخرة للمسلمين المؤهلين لخلافة الارض، ودليلاً يومياً على الوحدانية وبديع صنعه سبحانه ومصداقاً متجدداً لاعجاز القرآن وشاهداً يؤكد يؤكد سماوية تشريع الاستهلال واعتبار البيّنة طريقاً لأوان العبادة فلا يحدد اليوم الأول من شهر رمضان او شوال الا بالرؤية بالعين المجردة غير المسلحة أوالبينة الشرعية.
ونقوم منذ ست سنوات باصدار امساكية لشهر رمضان وتأتي مطابقة للحكم الواقعي والظاهري بفضل ونعمة منه تعالى علينا وعلى المؤمنين فله الحمد والثناء والشكر، فنرجو الاتصال بمكتبنا او وكلائنا في المحافظات والدول الاخرى لمعرفة ثبوت رؤية هلال شهر رمضان وشوال، والعلم عند الله.
••••••••••••••
المحتويات
الصفحة الموضوع
3 مسائل في التفسير
12 مسائل في التقليد والاجتهاد
14 مسائل في الطهارة
20 مسائل في الصلاة
43 مسائل في الصوم
65 مسائل في الزكاة
66 مسائل في الحج
68 مسائل في المعاملات
73 مسائل في البيع
76 مسائل في الإجارة
79 مسائل في الأطعمة والأشربة
80 مسائل في الضمان
83 مسائل في النكاح
85 مسائل في أحكام الأولاد
96 مسائل في أصول الفقه
103 مسائل في علم الحديث
108 مسائل في علم الكلام
127 إمساكية شهر رمضان 1425