تخطّي إلى المحتوى

لسماحة المرجع الديني
الشيخ صالح الطائي دام ظله

معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 276

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمــــــــة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وبشكره تدوم وتزداد النعم ، ويتجلى الوعد بها بقوله تعالى [َلئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ]([1])، وهو الذي ييسر الأمور ، ويزيح الموانع دون أداء الوظائف العبادية وفعل الخيرات ،  الذي يفعل ما يريد في السموات والأرض ، وصلى الله على رسوله وآله الطاهرين  .

الحمد لله على بدائع لطفه ومجامع إحسانه ، وتجليات نعمه في كل آن ، الحمد لله على رحمته ورأفته في قضائه ، وحكمه النافذ في الخلائق ، وما جرت به أقلام قدرته التي يستجيب لها الإنس والجن والحيوان والنبات والجماد .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسوله الذي بعثه للناس جميعاً قدوة وإماماً في الصالحات ، قال تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ]([2]).

لتدل البشارة والإنذار مجتمعين ومتفرقين في القرآن والسنة على صبغة السلم التي تتصف بها الرسالة الخاتمة ، وهو الذي تجلى بشواهد كثيرة في يوميات السنة النبوية القولية والفعلية .

الحمد لله الذي أولى اليتامى لطفاً خاصاً في كتابه المنّزل وأمر باصلاحهم لما فيه من صلاح المجتمع ، وجبال الحسنات ، والأجور العاليات لبيان قانون الثواب لا ينحصر بالعبادات ، وإن كانت واجبة ، بل يأتي أيضاً بالمعاملات ، والصلات بين الناس ، بالإضافة إلى قانون لزوم إيلاء المؤمنين عناية خاصة باليتامى وهو سبيل لهدايتهم وتنشئتهم في طاعة الله ، وانتفاء المفسدة عن الناشئة عموماً بما فيهم الصبيان ، ممن يكون آباؤهم أحياء وحاضرين معهم ، للمتغيرات في السلوك بحسب الصلات الشخصية والأصدقاء .

ومن خصائص مرتبة الخلافة التي رزقها الله عز وجل للإنسان [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]([3]) أن الدنيا دار الأمان والسلامة ، خاصة للأطفال ،فأراد الله عز وجل القبول الإجتماعي للأيتام  بعيداً عن القلق والخوف والفقر ، فمسؤولية الدولة والمجتمع والأولياء المحافظة عليهم ، فهم أمانة الشرعية عندهم .

لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وله الحمد وهو على كل شئ قدير ، وصلى الله على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآله الطاهرين ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا]([4]).

اللهم لك الحمد على تفضلك بنزول القرآن وحفظه سالماً من التحريف والزيادة والنقصان مع تقادم الأحقاب ، وجعلته دستوراً متكاملاً في قوانينه وقواعده وسننه مع ملائمة أحكامه لكل زمان ومكان .

اللهم لك الحمد أن أنعمت عليّ بصدور مائتين وستة وسبعين جزء من تفسيري للقرآن (معالم الإيمان في تفسير القرآن) وبتوفيق منك ، تضمنت هذه الأجزاء أكثر من (20900) قانوناً منها (173) قانوناً في هذا الجزء وحده.

الحمد لله اليوم وغداً ، وحين تغادر الروح الجسد ، وفي عالم البرزخ ، وأسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم من أهل الجنة الذين اثنى عليهم بقوله [وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]([5]).

الحمد لله [الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ]([6]) الحمد لله بعدد تسبيح الملائكة الحافين حول العرش أمس واليوم وغداً ، ومن قبل أن يخلق آدم وإلى حين البعث والنشور .

الحمد لله الذي أنعم علينا بصدور الجزء الثالث والسبعين بعد المائتين من هذا السِفر خاصاً بتفسير الآية الأخيرة من سورة آل عمران [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]([7])  بعد قضاء ست وثلاثين سنة في تفسير سورة البقرة وسورة آل عمران مع صدور كتبي الفقهية والأصولية الأخرى ، ومواصلتي التدريس في الحوزة العلمية الشريفة .

 وأنعم الله عز وجل علينا بصدور الجزء الرابع والسبعين بعد المائتين بقانون (آيات السلم محكمة غير منسوخة) وقد صدرت بخصوص هذا القانون الأجزاء :

أولاً : الجزء السادس بعد المائتين .

ثانياً : الجزء السابع بعد المائتين .

ثالثاً : الجزء الثامن بعد المائتين .

رابعاً : الجزء الرابع عشر بعد المائتين .

خامساً : الجزء الخامس عشر بعد المائتين.

سادساً :  الجزء الثالث والثلاثون بعد المائتين .

سابعاً : الجزء الأربعون بعد المائتين .

ثامناً : الجزء الواحد والأربعون بعد المائتين .

تاسعاً : الجزء الثاني والأربعون بعد المائتين .

عاشراً : الجزء الثامن والأربعون بعد المائتين .

الحادي عشر : الجزء الستون بعد المائتين .

الثاني عشر : الجزء الرابع والسبعون بعد المائتين .

وقد أنعم الله علينا بصدور الجزء الخامس والسبعين بعد المائتين من هذا السِفر المبارك ويختص بالآية الأولى من سورة النساء ، [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا]([8]) في (320) صفحة.

وابتدأت الآية بالنداء الذي يتغشى الناس على نحو العموم الإستغراقي [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] في خطاب وأمر من الله عز وجل للمسلمين والمسلمات ولأهل الكتاب والذين كفروا ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ]([9]) .

 وتبين آية أخرى ماهية هذه الرسالة ، والقرآن يفسر بعضه بعضاً بقوله [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]([10]) والنسبة بين العالمين والناس عموم وخصوص مطلق فرحمة الله أعم من الرسالة.

فالله عز وجل رب الناس جميعاً وخالقهم ، ومربيهم ، ومصلحهم ، ورازقهم ، وحافظهم ، فلابد من الخشية منه .

 وتتجلى هذه الخشية بطاعته والإقرار بأن القرآن كلامه الذي أنزله بواسطة جبرئيل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع شواهد الإعجاز الذاتي والغيري ، لذا تكرر في الآية الأولى من سورة النساء [اتَّقُوا رَبَّكُمُ] و[وَاتَّقُوا اللَّهَ].

وافردت بابين في تفسير كل آية من القرآن بخصوص الإعجاز :

الأول : إعجاز الآية الذاتي ويتعلق بمضامين الآية محل البحث القدسية .

الثاني : إعجاز الآية الغيري في دلالة الآية وبالنفع اليومي المتجدد لها كل يوم .

وتضمنت الآية توحيد الربوبية بقوله تعالى [اتَّقُوا رَبَّكُمُ].

لبيان أن الحياة الدنيا لا تتقوم إلا بالتقوى والتي تتجلى بعبادة الله بالكيفية التي يريدها هو تعالى ، وقد فاز المسلمون بكمال الدين إذ ورد في التنزيل [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا…]([11]).

ترى ما هي النسبة المنطقية بين تقوى الله وبين طاعته ، قد يقال أنها التساوي ، وإن لم تذكر هذه المسألة ، والمختار أنها نسبة العموم والخصوص المطلق ،والتقوى أعم .

ومن التقوى ترك المكروه ومقدمات الوقوع فيه ، ومن التقوى الإحسان إلى اليتامى ودفع أموالهم لهم حال البلوغ الذي يقترن معه الرشد ، وهو من المسائل التي يختص بها هذا الجزء من التفسير .

وهذا الجزء هو السادس والسبعون بعد المائتين من كتابي الموسوم (معالم الإيمان في تفسير القرآن) ويختص بالآيتين الثانية والثالثة من سورة النساء [وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا* وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا]([12]).

لبيان إكرام الله للضعيفين اليتيم والمرأة .

إذ تضمنت الآية الثانية من السورة أمراً ونهيين بخصوص اليتامى وأموالهم ، وأختتمت بالإنذار والوعيد من التفريط أو التعدي عليهم أو على أموالهم بقوله تعالى [إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا].

أما الآية الثالثة فتضمنت أحكام العناية بالأيتام والنساء ، والمنع من ظلم أحدهم .

ومع أن النكاح مستحب في ذاته استحباباً مؤكداً فان الآية تنهى عن إتخاذ الزواج سبباً لغبن أو ظلم اليتيم واليتيمة والنساء مطلقاً ، مع الهداية إلى سبل الوقاية من هذا الظلم بأن يكتفي الإنسان بزوجة واحدة ، أو ما ملكت يمينه من الإماء .

 وليس من إماء في هذا الزمان ، فمع رجحان احتمال عدم القسط والعدل بين الزوجات فهل ينحصر الأمر بزوجة واحدة أم يكون التخيير بين الزوجة الواحدة أو الصبر والإرجاء ، الجواب هو الأول .

وأختتمت آية البحث بقوله تعالى [ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا]([13]) لتكرار الإنذار والتخويف والوعيد الوارد في الآية السابقة ، وفيه مسائل :

الأولى : موضوعية حصانة وسلامة اليتامى .

الثانية : تهيئة أسباب الحياة السعيدة لليتامى .

الثالثة : قانون تعاون المسلمين والناس جميعاً لحفظ حقوق اليتامى .

الرابعة : قانون تنظيم حياة الأسرة المسلمة .

الخامسة : إعانة المسلمين في عباداتهم ، في صلاتهم ، وصيامهم ، والفرائض العبادية الأخرى ، بتهيئة مقدماتها النفسية والمعاشية ، وفي التنزيل [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ]([14]).

وصحيح أن الآية أعلاه خطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكن موضوعها عام وتستلزم حسن الإختيار والتدبير والإنصاف ، واجتناب طلب السعادة على حساب ظلم الآخرين خاصة اليتامى سواء بأكل أموالهم أو حجزها أو ضمها إلى أموال الولي أو التعدي عليهم أو عليها .

وفي التنزيل [يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ]([15]).

حرر في الثامن والعشرين من شهر ربيع الأول 1448

                  10/9/2026

قوله تعالى [وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا] الآية 2.

الإعراب واللغة

وَآتُوا : الواو: حرف عطف مبني على الفتح ، وقيل الواو للإستئناف ، ولكن مجئ واو الجماعة في قوله تعالى [وَآتُوا] يدل عل العطف لدلالة الضمير على اسم سبقه.

آتوا : فعل أمر مبنيّ على حذف النون، والواو: فاعل.

الْيَتَامَى : مفعول به أول منصوب، وعلامة النصب الفتحة المقدرة على الألف للتعذّر.

أَمْوَالَهُمْ : أموال : مفعول به ثان منصوب بالفتحة وهو مضاف .

و(هم) : ضمير مبني في محل جر مضاف إليه.

وَلا : الواو: حرف عطف ، لا: حرف نهي وجزم.

تَتَبَدَّلُوا : فعل مضارع مجزوم ، وعلامة جزمه حذف النون ، و(الواو) فاعل .

الْخَبِيثَ : مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.

بِالطَّيِّبِ : جارّ ومجرور متعلّقان بـ(تتبدلوا).

وَلَا تَأْكُلُوا : الواو: حرف عطف مبني على الفتح .

لا : حرف نهي وجزم مبني على السكون .

تأكلوا : فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة .

واو الجماعة : ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل .

أَمْوَالَهُمْ : مفعول به منصوب ، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة ، وهو مضاف .

وهاء الغائب : ضمير متصل مبني على الضم في محل جر مضاف إليه والميم : ميم الجمع .

إِلَى أَمْوَالِكُمْ : إلى أموال: جارّ ومجرور متعلّقان بمحذوف حال من (أموالهم) أي : مضمومة إلى أموالكم .

و(كم) : ضمير مبني في محل جر مضاف إليه.

إِنَّهُ : إن : حرف توكيد مشبّه بالفعل، الهاء: ضمير في محلّ نصب اسم “إن” يعود إلى المنهيّ عنه من التبديل والأكل.

كَانَ : فعل ماضٍ ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، أي : كان هذا الفعل.

حُوبًا : خبر كان منصوب بالفتحة.

كَبِيرًا : نعت منصوب بالفتحة.

وجملة : (آتوا اليتامى) لا محلّ لها من الإعراب، لأنها معطوفة على جملة (اتقوا الله) في الآية السابقة.

وجملة (تتبدلوا) لا محلّ لها من الإعراب، لأنها معطوفة على جملة (آتوا اليتامى).

وجملة (تأكلوا) لا محلّ لها من الإعراب، لأنها معطوفة على جملة (آتوا اليتامى).

وجملة (إنه كان) لا محلّ لها من الإعراب، لأنها تعليلية.

وجملة (كان حوبًا) في محلّ رفع خبر (إن).

اليتامى : جمع اليتيم وهو في اللغة الإنفراد ، وفي الإصطلاح وهو الذي مات أبوه وما يزال تحت سن البلوغ ، فاذا بلغ زالت عنه صفة اليتيم  .

نعم، قد يطلق عليه حينئذ اليتيم مجازاً واستصحاباً، كما كانوا يسمون النبي محمداً : يتيم أبي طالب .

واليتيم في الإنسان من جهة الأب ، أما في البهائم فمن جهة الأم ، وقيل في الطير من قبل الأب والأم .

والخبيث : الفاسد  والضار ، والمكروه ، والردئ بحسب السياق ، وهو ضد الطيب ، لذا يكون ذكرهما [وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ] في الآية التأديب بذكر المتضادين وبعث النفرة في النفوس من الخبيث ، وانجذابها إلى الحلال والطاهر والسالم من الدنس والريب .

والحوب – بالضم – الإثم والذنب العظيم .

وأصله لغة : الزجر ، لذا يقال في زجر الإبل حوب ، حوب .

سياق الآيات

الوجه الأول : صلة هذه الآية بالآية الأولى من سورة النساء :

[يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا]([16]) وفيها مسائل :

المسألة الأولى : ابتدأت آية البحث بحرف العطف الواو لبيان اتصال موضوع هذه الآية بالآية السابقة .

وكما ذكرت الآية السابقة الناس جميعاً على إختلاف مللهم ، والمذاهب التي يتبعون فأن آية البحث ذكرت اليتامى بصفة الجمع والعموم ، وأصالة الإطلاق .

فكل يتيم مسلماً كان أو كتابياً أو غير كتابي يجب حفظ أمواله وإعادتها له عند البلوغ .

وهذا الحفظ من تقوى الله وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الناس مسلطون على أموالهم)([17]).

فلفظ الناس سور الموجبة الكلية الجامع لكل الناس مع اختلاف مللهم ، لذا ابتدأت آية السياق وهي أول آية من سورة النساء بقوله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّاسُ].

ومن معاني وفروع هذا النداء [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] و[يَا أَهْلَ الْكِتَابِ]، و[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا].

وهل كل من حفظ أموال اليتامى ودفعها لهم عند البلوغ من الأخلاق الحميدة وحسن الأمانة ، الجواب نعم ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا]([18]).

لتوكيد الآية الأولى منها بالأمر بتقوى الله والخشية منه .

المسألة الثانية : تقدير الجمع بين الآيتين على وجوه منها :

الأول : يا أيها الناس آتوا اليتامى أموالهم .

الثاني : يا أيها الناس اتقوا ربكم وآتوا اليتامى أموالهم.

الثالث : يا أيها الناس اتقوا الله وآتوا اليتامى أموالهم.

الرابع : يا أيها الناس اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ، وآتوا اليتامى أموالهم .

الخامس : يا أيها الناس اتقوا ربكم وآتوا اليتامى أموالهم .

السادس : يا أيها الناس إن الله كان عليكم رقيباً .

المسألة الثالثة : لقد ابتدأت آية السياق بقوله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] وهو خطاب يشمل الناس على نحو العموم الإستغراقي ، نعم يستثنى المجنون والطفل لحديث رفع القلم لعدم وجود الأهلية للتكليف ، إذ أن مناط التكليف هو العقل .

وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (قال رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ و عن المجنون حتى يفيق و عن النائم حتى ينتبه)([19]).

ومن معاني الجمع بين آية البحث وآية السياق قانون حفظ أموال اليتامى ثم إعادتها لأصحابها أمانة تتجدد كل يوم ، لبيان أن آية البحث إنذار عام متجدد.

وهل آية البحث من عمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الجواب نعم من وجوه :

الأول : هذا الأمر والنهي من معاني توجه الخطاب في الآية إلى الناس جميعاً .

الثاني : قانون حفظ أموال اليتامى فقاهة في الدين .

الثالث : قانون الآية القرآنية إصلاح للمجتمعات .

الرابع : قانون التعاون العام بين الناس للإمتثال لأحكام الآية القرآنية .

الخامس : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عون وسبيل هداية لحفظ أموال اليتامى والنجاة من الإثم الذي تدل عليه خاتمة آية البحث [إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا]([20]).

السادس : دلالة ابتداء آية السياق بقوله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّاسُ].

حفظ حقوق اليتامى

المسألة الرابعة : لقد ذكرت آية السياق فضل الله عز وجل ببث رجال كثيرين ونساء كثيرات من آدم وحواء ، فملأوا وعمروا بقاع الأرض .

لتأتي الأوامر والنواهي إليهم من عند الله عز وجل ، ومنها النهي عن أكل أموال اليتامى .

لبيان وفاة طائفة من الناس يخلفون من بعدهم أولاداً يتامى فأمرت آية البحث الرجال والنساء بإتيان الأيتام أموالهم ، والتنزه عن أكلها وضمها إلى أموالهم .

قال تعالى [وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ]([21]).

ولما قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (من أكرم الناس من أكيس الناس قال أكثرهم للموت ذكرا وأشدهم له استعدادا .

 وقال يا معشر قريش يأتي الناس بالأعمال يوم القيامة و تأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم تقولون يا محمد يا محمد فأقول هكذا أعرض عنكم)([22]).

وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يحذر أصحابه من الفتن والإنغماس فيها .

و(عن عبد الرحمن بن قرط قال : مررت بالكوفة ، فدخلت المسجد ، فإذا أنا بقوم جلوس كأنما قطعت رءوسهم ، فجلست في أدنى القوم ، فقلت لرجل : يا عبد الله ، من هذا الرجل .

فقال : كأنك غريب ، قلت : نعم قال : أما إنك لو كنت من أهلها لعرفته ، هذا حذيفة بن اليمان ، فأنشأ يحدث القوم.

فقال : إن الناس كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الخير ، وأسأله أنا عن الشر ، حتى أتقيه ، وأعلم أن الخير لن يفوتني .

قلت : يا رسول الله ، هل بعد هذا الخير الذي يجيء فيه من شر ، قال : يا حذيفة ، تعلم كتاب الله واعمل بما فيه.

ثم قال : نعم ، فتنة واختلاف ، فقلت : أفيكون بعد ذلك من خير .

قال : نعم ، جماعة على أقذاء وهدنة على دخن قلت : يا رسول الله ، أبعد ذلك الخير من شر .

قال : يا حذيفة ، تعلم كتاب الله واعمل بما فيه ، حتى سألته أيضا ثلاث مرار ، يقول مثل ذلك .

ثم قال : نعم ، يكون فتنة ، على أبوابها دعاة إلى النار ، فأن تموت حين تموت وأنت عاض على جذل)([23]).

والجذل أصل الشجرة أو غيرها بعد ذهاب فروعها .

ووجوه الإستعداد للموت كثيرة منها :

الأول : أداء الفرائض العبادية من الصلاة والزكاة والصوم والحج والخمس ، قال تعالى [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا]([24]).

الثاني : اجتناب المعاصي وفعل السيئات ، ومن إعجاز القرآن والسنة بيان هذه السيئات والإعانة على إجتنابها ومنها أكل مال اليتيم ، وظلم اليتامى مطلقاً .

الثالث : المبادرة إلى التوبة واصلاح الذات والإكثار من الإستغفار والدعاء ، وفي التنزيل [قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا]([25]).

الرابع : حسن الظن برحمة الله .

وعن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله فإن قوماً قد أرداهم سوء ظنهم بالله عز وجل قال الله عز وجل [وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ]([26]))([27]).

و(عن عبد الله بن عَمْرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : مَنْ أَحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّار وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ، وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، ويَأْتِي إلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أنْ يُؤتَى إلَيْهِ)([28]).

لبيان حرص الإنسان على الإحسان إلى الأيتام واجتناب ظلمهم خشية من الله ، وصيرورة أولاده أو أحفاده ايتاماً يخشى لحوق الظلم والغبن بهم .

و(لما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة ، نظر إلى غسال بجانب دمشق يلوي ثوبا بيده ثم يضرب به المغسلة ، فقال عبد الملك : والله ليتني كنت غسالا ، أكلي كسب يدي يوما بيوم ، وأني لم أل من أمر الناس شيئا.

فأخبر بذلك أبو حازم ، فقال : الحمد لله الذي جعلهم إذا حضرهم الموت يتمنون ما نحن فيه ، وإذا حضرنا الموت لم نتمن ما هم فيه)([29]).

وهؤلاء المخاطبون في آية البحث من الرجال والنساء معرضون لأن يكون أبناؤهم الصغار يتامى لبيان فضل الله عز وجل على الناس جميعاً في آية البحث من وجوه :

الأول : حفظ حقوق اليتامى إلى حين البلوغ .

الثاني :  تعاهد أموال اليتامى حتى بعد البلوغ فهم وإن بلغوا سن البلوغ إلا أنهم حديثوا عهد بالتصرف بالمال وكيفية إدارته ، ومقدار الإنفاق .

الثالث : لقد ابتدأت آية السياق بالنداء العام [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ] .

ولا يختص موضوع تقوى الله بالخوف منه وقاية ، بل يشمل طاعته وحبه ، واتيان الأعمال الصالحة قربة إليه تعالى ، لبيان قانون التقوى في الإصطلاح أعم من معناها اللغوي .

في قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ]([30]) ورد عن عبد الله بن مسعود أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ([حَقَّ تُقَاتِهِ] أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يُشكر فلا يُكفر)([31]).

ويمكن القول أن (تقوى الله) أمر سيال وحاضر من باب الطهارة إلى باب المواريث ، ومن تقوى الله إعانة اليتامى والإحسان إليهم وحفظ أموالهم ليس فقط خوفاً من الله بل طاعة لله ، ورجاء فضله وثوابه في النشأتين.

المسألة الخامسة : من الإعجاز في الآية السابقة تعدد الأمر بتقوى الله فيها ، إذ ورد هذا الأمر مرة بقوله تعالى [اتَّقُوا رَبَّكُمُ]([32])، والأخرى بقوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ] ([33])، للجمع بين الربوبية والإلوهية مما يدل على أن الحياة الدنيا دار التقوى والخشية من الله عز وجل .

ترى ما هي النسبة بين تقوى الله وعبادته في قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ]([34])، المختار هو العموم والخصوص المطلق وأن العبادة أعم ، نعم تقوى الله من أسمى مراتب العبادة .

وهل دفع مال اليتيم له عند البلوغ من تقوى الله ، الجواب نعم ، وهو من أسرار العطف بين الآيتين .

وقال الإمام علي عليه السلام (أن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار ، وإن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد ، وإن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الاحرار)([35]).

وكل وجه من وجوه وصيغ العبادة أعلاه صحيح ، ولكن عبادة الإنسان لله عز وجل شكراً له هي أسناها وأفضلها .

المسألة السادسة : ترى لماذا جمعت آية السياق بين تقوى الله والأرحام في المساءلة بقوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ]([36]).

الجواب من وجوه :

الأول : قانون تقوم الصلة مع ذوي القربى بالخشية والخوف من الله عز وجل .

الثاني : قانون صلة الأرحام بمصاديق وسنن أحكام الشريعة .

الثالث : قانون صلة الأرحام  بقصد القربة إلى الله من الإيمان .

الرابع : قانون التحذير والإنذار من إعانة الأيتام من الأرحام على الشر والفسوق والفجور ، فهم أمانة عهدية بيد مجتمع المسلمين ، والأولياء والأوصياء وذوي القربى خاصة .

ومن تقوى الله عز وجل أمور :

الأول : تعظيم شعائر الله ، قال تعالى [ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ]([37]).

الثاني : نشر مفاهيم الصلاح .

الثالث : حسن تأديب الناشئة وإعانتهم على التمرين على أداء الفرائض العبادية ، حتى إذا ما بلغوا سن الرشد تعاهدوا الصلاة والصيام والفرائض العبادية الأخرى.

من خصائص حرف العطف (الواو) الذي ابتدأت به آية البحث لزوم استحضار مضامين الآية السابقة في تفسير آية البحث لما يدل عليه هذا الحرف من وحدة الموضوع والحكم بين الآيتين وهو تقوى الله عز وجل.

دلالة تكرار تقوى الله

لقد تكرر الأمر بتقوى الله في الآية السابقة مرتين ويكون تقدير الجمع بين الآيتين على وجوه :

الأول : اتقوا الله وآتوا اليتامى أموالهم ، لبيان قانون دفع أموال اليتامى لهم عند بلوغهم من خشية وتقوى الله .

الثاني : اتقوا الله واحفظوا أموال اليتامى إلى حين بلوغهم .

الثالث : اتقوا الله ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب .

لبيان قانون الإستحواذ على مال اليتيم كسب خبيث وفعل مذموم .

وهل يترتب ضرر على هذا الإستحواذ ، الجواب نعم ، وهو من مصاديق الإعجاز في وصفه بالأكل [وَلَا تَأْكُلُوا]([38]) لبيان أضرار الإستيلاء على أموال اليتامى ومصادرتها علانية أو حيلة ومكراً على الأبدان ، والأذى الشديد في عالم البرزخ ، وهو الذي يتجلى بقوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا]([39]).

و(عن أبي برزة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم ناراً ، فقيل : يا رسول الله من هم ، قال : ألم تر أن الله يقول [إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا]([40]).

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال : حدثنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ليلة أسري به قال : نظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل .

وقد وكِّل بهم من يأخذ بمشافرهم ، ثم يجعل في أفواههم صخراً من نار ، فتقذف في فيّ أحدهم حتى تخرج من أسافلهم ولهم خوار وصراخ.

فقلت : يا جبريل من هؤلاء؟ قال : هؤلاء [الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا]([41]))([42]).

الرابع: اتقوا الله والإرحام ولا تتعدوا على أموال اليتامى .

الخامس : يا أيها الناس اتقوا ربكم ولا تأكلوا أموال اليتامى سواء كان اليتامى مسلمين أو غير مسلمين .

السادس : يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي رزقكم الأموال بالحلال فلا تستحوذوا على أموال اليتامى .

السابع : يا أيها الناس إن حبس أموال اليتامى إثم عظيم .

الثامن : يا أيها الناس إن الإستيلاء على أموال اليتامى ظلم وجور .

التاسع : يا أيها الناس إن ضم أموال اليتامى إلى أموالكم ظلم وجور ومعصية ، وخلاف التقوى والخشية من الله .

وورد لفظ (رقيب) خمس مرات في القرآن ، ولفظ (رقيباً) مرتين في القرآن إحداهما في آية السياق ، والأخرى في قوله تعالى [لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا]([43]).

لبيان إن الله عز وجل يرى ويرقب كل فعل وأنه سبحانه يثيب على العمل الصالح ، ويعاقب على العمل السيء.

ثم بينت آية البحث أن أكل أموال اليتامى ، والتحايل والمكر في الإستحواذ عليها ، وتبديل الجيد منها بالردئ مما في أيدي الولي أو غيره ظلم واثم عظيم ، ليكون الإنذار في المقام من جهات :

الأولى : مضامين الآية السابقة وهي آية السياق .

الثانية : خاتمة الآية السابقة [إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا]([44]).

الثالثة : الإنذار المتعدد في آية البحث .

الرابعة : خاتمة آية البحث .

قانون دفع أموال اليتامى لهم من تقوى الله

هل يصح تقدير الجمع بين الآيتين : يا أيها الذين اتقوا الله آتوا اليتامى أموالهم ، الجواب نعم ، وفيه وجوه :

الأول : يدخل الذين اتقوا الله في النداء العام يا أيها الناس ، لأن النسبة بينهما عموم وخصوص مطلق ، فالناس أعم ، والمتقون من الناس وليس العكس .

الثاني : يصح هذا التقدير لإرادة الخاص مع العام ، ولكثرة سؤال المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص اليتامى ، والعناية بهم ، قال تعالى [وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ…]([45]) .

ومن إعجاز الآية أعلاه عدم تقييد الأخوة فيها بأنها الأخوة في الدين وإن كان هو المستقرأ من الآية ، إذ ورد في عهد الإمام علي عليه السلام لمالك الأشتر لما ولاه على مصر وأعمالها حين اضطرب أمر محمد بن أبي بكر (وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم . ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم .

فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق .

يفرط منهم الزلل ، وتعرض لهم العلل ، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطإ .

فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه ، فإنك فوقهم ، ووالي الأمر عليك فوقك ، والله فوق من ولاك)([46]).

ووالي الأمر أي أمير المؤمنين نفسه ثم أردف كلامه بالتطامن والخشوع لله عز وجل بأن الله رب العالمين فوق الجميع ، لبيان جمع هذا العهد للمحاسن ، وبيان قانون تقوم الحكم بسنن التقوى .

الثالث : بيان الصلة النسبية بين اليتامى وعامة الناس ، وأن اليتامى وإن فقدوا آباهم فلهم صلة نسبية معكم ، تلزمكم بالعطف عليهم ، والعناية بهم ، ومنه حفظ أموالهم لحين البلوغ ، لذا قال تعالى [يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ]([47]).

وقد ذكرت الآية السابقة الرجال والنساء عامة لبيان أن لفظ اليتامى يشمل البنين والبنات ، فاذا كان لليتيمات أموال فلابد من حفظها حتى يبلغن ، وعدم الإستحواذ عليها ، أو السعي للزواج منهن كرهاً للإستحواذ على أموالهن  .

الوجه الثاني : الصلة بين البسملة وآية البحث ، وفيها :

المسألة الأولى : موضوعية البسملة

البسملة لفظة منحوتة في اللغة العربية من[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] والمراد من النحت اللغوي هو كلمة مركبة مختصرة من حروف كلمات جملة معينة اختصاراً للتخفيف نتيجة كثرة الإستعمال ، وتبدأ كل سورة من القرآن بالبسملة باستثناء سورة التوبة .

وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ البسملة في أول كل سورة وهو أعم من التيمن ، فالأصل هو الجزئية من السورة .

كما يؤتى بالبسملة للبركة والإستعانة بالله عز وجل .

وعند افتتاح الكلام أو الأكل أو الشرب ، وعند ابتداء العمل والحديث والمحاضرة .

وكل أمر ذي شأن ، وعند الوضوء ، وقد وردت أحاديث نبوية وسنة قولية وفعلية بخصوصها .

ومن الإعجاز في المقام أن أول آية نزلت من القرآن هي [بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]([48]).

واسم الجلالة (الله) هو الاسم القدسي للذات الإلهية ، والله هو رب الخلائق كلها ، وهو المعبود ولا يعبد سواه ، والذي ينفرد بصفات الإلوهية والكمال المطلق ، و[الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] صفتان لله عز وجل .

ليكون النطق بالبسملة إقراراً بالتوحيد والإستعانة بالله وحده ، وأنه سبحانه يحفظ المسلم ، ويدفع عنه كل شر ، ومن نزغ الشيطان ، قال تعالى [وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا]([49]).

وقد جاءت الأحاديث النبوية بأن الإتيان بالبسملة وذكر الله يطرد الشيطان ، فهل تناسب هذه الأحاديث تفسير الآية أعلاه وأن البسملة آية من القرآن ، الجواب نعم .

و(عن أبي المليح عن ردف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إذا عثرت بك الدابة فلا تقل تعس الشيطان فإنه يتعاظم حتى يصير مثل البيت ويقول بقوته صنعته .

ولكن قل : بسم الله الرحمن الرحيم فإنه يتصاغر حتى يصير مثل الذباب .

وقال علي بن الحسين في تفسير قوله تعالى [وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا]([50]) قال : معناه إذا قلت بسم الله الرحمن الرحيم)([51]).

ويستحب ابتداء الخطبة والمحاضرة والإجتماع بالبسملة ، ما عدا خطبتي صلاة الجمعة ، وصلاة العيدين ، وصلاة الكسوف ، وصلاة الإستسقاء لمجئ الأمر بالإبتداء بها بالحمد لله .

وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يجهر بقول [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ]بين ظهراني المشركين في مكة مما كان يؤذيهم ويسبب عداوتهم .

وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال (إن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم كان من أحسن الناس صوتا بالقرآن .

فإذا قام من الليل يصلي ، جاء أبو جهل و المشركون ، يستمعون قراءته.

فإذا قال : بسم الله الرحمن الرحيم ، وضعوا اصابعهم في آذانهم و هربوا، فإذا فرغ من ذلك ، جاؤوا فاستمعوا .

وكان أبو جهل يقول : ان ابن أبي كبشة ليردد اسم ربه ، إنه ليحبه.

فقال جعفر (عليه السلام) : صدق وان كان كذوبا ، قال : فانزل الله [وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا]([52]) وهو بسم الله الرحمن الرحيم))([53]).

وفي قول البسملة أجر وثواب عظيم ، وهي تحضر يوم القيامة لتنفع صاحبها ، وهل تحضر في عالم البرزخ وتدفع عنه ضغطه القبر أو مساءلة منكر ونكير .

المختار نعم ، وهل الإكثار من البسملة واقية من التعدي على أموال اليتامى ، الجواب نعم .

لأن هذا الإكثار بالبسملة شاهد على الإيمان وعلى الخشية من الله عز وجل ، ولسلطان البسملة على جوارح المؤمن الذي يستحضر البسملة في كل فعل ، وحينما يريد الإقدام على التعدي والظلم يدرك التضاد بينه وبين البسملة فيعزف عنه ، ومعرفة عدم إجتماع الضدين في المقام فطري .

تقدير الجمع بين الآيتين

المسألة الثانية : ابتدأت آية البحث بحرف العطف (الواو) فهي معطوفة على الآية السابقة ، ليكون تقدير الجمع بين البسملة وآية البحث على وجوه:

الأول : بسم الله الرحمن الرحيم وآتوا اليتامى أموالهم .

الثاني : بسم الله الرحمن الرحيم لا تتبدلوا الخبيث بالطيب .

الثالث: بسم الله الرحمن الرحيم لا تأكلوا أموال اليتامى .

الرابع : بسم الله الرحمن الرحيم أكل أموال اليتامى كان حوباً كبيراً .

ومواطن استحباب البسملة كثيرة ، وهي من ذكر الله ، قال تعالى [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا]([54]).

ويستطيع كل إنسان ذكراً أو أنثى إن يأتي بالبسملة سواء كان متعلماً أو أمياً ، ويؤتي بها عن قيام أو قعود أو استلقاء وبوضوء أو بدون وضوء ، وفيه وجوه :

الأول : قانون البسملة وسيلة لقضاء الحاجات ومنها استغناء الأولياء عن أموال اليتامى .

الثاني : قانون الإتيان بالبسملة واقية وحرز من الشيطان .

الثالث : حب الله عز وجل للذين يؤتون بالبسملة .

الرابع : الأجر والثواب لمن ينطق بالبسملة لما فيها من الإقرار بالتوحيد.

وتتألف البسملة من تسعة عشر حرفاً ، نسأل الله عز وجل أن تكون واقية من النار والملائكة الذين عليها ، قال تعالى بخصوص النار [لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ* عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ]([55]).

و(عن ابن عباس قال : لما سمع أبو جهل [عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ]([56]) قال لقريش : ثكلتكم أمهاتكم أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم ، فأوحى الله إلى نبيه أن يأتي أبا جهل فيأخذ بيده في بطحاء مكة فيقول له [أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى]([57]))([58]).

المسألة الثالثة : قانون البسملة تنمية لملكة الإيمان

من خصائص البسملة أنها تنمية لملكة الإيمان والتنزه عن الحرام والمعصية.

ولما أختتمت آية البحث بقوله تعالى [إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا]([59]) فان البسملة تبعث النفرة في النفس مما فيه إثم كبير ، وتفر الجوارح مما يترتب عليه من البلاء في الدنيا ، والعقاب في الآخرة ، قال تعالى [قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ]([60]).

وعن (زيد بن أسلم قال : تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية [قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا]([61]) فقالوا : يا رسول الله كيف نقي أهلنا ناراً؟

قال : تأمرونهم بما يحبه الله وتنهونهم عما يكره الله)([62]).

وورد في الآية عن الإمام علي عليه السلام (علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم)([63]).

ومن معاني هذه الآية عناية الذي يتولى أمر يتيم أن يجعله مثل أولاده في الحنان والعطف ، والتفقه والتأديب .

ومن منافع البسملة وتكرارها قوة الحفظ ، وطرد الكسل والخرف ، ودفع البلاء .

ومنها زيادة الكسب والربح ، والتوقي من التعدي على أموال الناس ومنهم اليتامى الذين ليس لهم إلا الله عز وجل فلذا اختتمت الآية السابقة بالوعد والوعيد مجتمعين في قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا]([64]).

ومنها سعة الصدر والحلم الذي يترشح على حسن معاملة اليتامى ، والبسملة صلة بين العبد والله عز وجل بمصاديق الرحمة والرأفة من عند الله ، ومن فضل الله عز وجل مجئ اسم الرحمن والرحيم في البسملة .

وقال الإمام الصادق عليه السلام (الرحمن اسم خاص لصفة عامة والرحيم اسم عام لصفة خاصة)([65]).

وذكرت عدة معاني لهذا القول ، والمختار أن الرحمن ذو الرحمة التي تتغشى الخلائق كلها في الدنيا ، فتشمل المؤمن والكافر ، والبر والفاجر .

أما الرحيم فهو اسم عام في الدنيا والآخرة لصفة خاصة وهي الإيمان ، فالله رحيم بالمؤمنين في الدنيا والآخرة .

فيفوز المؤمنون بالرحمة من اسم الرحمن ، واسم الرحيم في الدنيا ، وينفردون بالإنتفاع من الرحيم في الآخرة .

أما الذين كفروا فينتفعون من صفة الرحمن في الدنيا فقط ، والأهم هو عالم الآخرة ، قال تعالى [وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ]([66]).

المسألة الرابعة : قانون آية البحث رحمة عامة

آية البحث من رحمة الله عز وجل من وجوه :

الأول : حفظ أموال اليتامى ، ودفعها لهم عند البلوغ .

الثاني : إنتفاع اليتامى من أموالهم قبل البلوغ وبعده .

الثالث : رحمة الله عز وجل بالموتى من آباء اليتامى بجعل حصانة لأولاده مع مغادرته الحياة الدنيا .

الرابع : إعانة اليتامى على ذكر الله ، والهداية والرشاد شكراً لله عز وجل على حفظهم وأموالهم .

الخامس : نزول الرحمة على الأولياء والأوصياء على اليتامى لتقيدهم بأحكام آية البحث ، إذ جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار العمل ، والآخرة دار الثواب .

وفي وصية الإمام علي عليه السلام (والله الله في الايتام فلا تغبّوا افواههم ، ولا يضيعوا بحضرتكم فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: (من عال يتيما حتى يستغني أوجب الله له الجنة كما أوجب لأكل مال اليتيم النار))([67]).

السادس : من رحمة الله الوعد من الله بأن الولي الذي يتنزه عن الإستحواذ على مال اليتيم يرزقه الله من فضله ،ويبارك له في ماله ببركة قول [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ].

ومن معاني الجمع بين التسمية وآية البحث بيان علم الله عز وجل بما يفعل الأولياء في أموال اليتامى لذا أختتمت الآية السابقة بقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا]([68]) وذكر اسم الله حسن في كل حال ، ومنه وجوبه عند ذبح الشاة .

وعن جابر بن عبد الله الأنصاري (أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام أَتَى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ عَظِيمَيْنِ أَقْرَنَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ، فَأَضْجَعَ أَحَدَهُمَا.

وَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ ، اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُمَّ عَنْ مُحَمَّدٍ ، وَآلِ مُحَمَّدٍ.

ثُمَّ أَضْجَعَ الْآخَرَ ، وَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ ، اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُمَّ عَنْ مُحَمَّدٍ ، وَأُمَّتِهِ مِمَّنْ شَهِدَ لَك بِالتَّوْحِيدِ ، وَشَهِدَ لِي بِالْبَلَاغِ)([69]).

السابع : ضد الأمانة الخيانة ، وجاءت آية البحث بالزجر عن الخيانة والتعدي والظلم في موضوع مخصوص ، وهو مال اليتامى لتذكر البسملة الأولياء باجتناب الخيانة في أموال اليتامى ، ولزوم عدم حبسها عنهم عند بلوغهم .

لبيان أن الأمانة تتضمن إيثار الحق والعدل ، وأداء حقوق الناس ومنهم اليتامى ، واجتناب الحسد والطمع والرذائل في باب المال والأخلاق .

آية كثرة النسل

تبين آية السياق اتحاد النسب بين الناس جميعاً ، وهو من الإعجاز وبديع صنع الله في خلق الناس وتكاثرهم .

وهل هو من الآيات في قوله تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ]([70]) الجواب نعم ، من وجوه :

الأول : لا يقدر على خلق الناس إلا الله عز وجل.

الثاني : لقد خلق الله سبحانه رجلاً وامرأة هما آدم وحواء ، ولم يغادر آدم الدنيا إلا وقد بلغ أولاده وأحفاده أربعين ألفاً ، وهو بشارة كثرة النسل والذراري .

الثالث : هبوط آدم وحواء من الجنة إلى الأرض .

الرابع: صيرورة الإنسان خليفة لله عز وجل في الأرض ، قال تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]([71]).

الخامس : توالد وتكاثر الناس وبلوغهم المليارات في هذا الزمان ، وهذا التكاثر آية أخرى لا يقدر عليها إلا الله عز وجل في حفظ الناس وصرف البلاء عنهم ، ومنع الإبادة الجماعية والإمتثال الذي يفنى معه الناس ، قال تعالى [لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ…]([72]).

وهل آية البحث من أسباب تكاثر الناس ، الجواب نعم ، فقوله تعالى [وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ]([73]) وسيلة ومقدمة لنشأة اليتامى وتأهيلهم عند البلوغ للزواج ودفع المهر ، وكذا اليتيمة تكون مرغوباً بها مع وجود مال عندها .

ويكون من وجوه تقدير الآية : وآتوا اليتامى أموالهم كي يتزوجوا وتكون لهم ذرية .

وهل في قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]([74]) وعد من الله عز وجل بحفظ الناس ، وعدم إنقطاع النسل وأسباب التكاثر إلى قيام الساعة ، الجواب نعم .

تقييد الخلافة بالتقوى

من معاني آية السياق تقييدها خلافة الإنسان في الأرض بوجوب تقوى الله ، وفيه وجوه :

الأول : قانون الملازمة بين خلافة الأرض والتقوى .

الثاني: قانون استدامة الحياة بالتقوى .

الثالث: قانون تجلي التقوى بعبادة الله تعالى ، قال تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ]([75]).

الرابع: تفضيل الناس بصيرورتهم خلفاء في الأرض ، قال تعالى [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا]([76]) .

الخامس : تفضل الله عز وجل فرزق الإنسان العقل والإرادة والإختيار، وكسب المعارف .

السادس : تسخير ما في الكون للإنسان ، وجعل رزقه في النبات والحيوان .

السابع : تشريف الناس ببعثة الأنبياء والرسل من عند الله .

الثامن : تسخير الأنهار والبحار وما فيها من الأسماك ، والمنافع للإنسان ، قال تعالى [وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا…]([77]) .

التاسع : نزول الكتب السماوية لهداية وصلاح الناس ، ومن فضل الله في المقام أمور :

الأول : إختتام الكتب السماوية بنزول القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

الثاني: جعل القرآن جامعاً للأحكام الشرعية .

الثالث : سلامة القرآن من التحريف والزيادة والنقيصة .

الرابع : تصديق القرآن للكتب السماوية السابقة ، والشهادة بنزولها من عند الله ،وورد حكاية عن الجن عندما سمعوا تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن [قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ]([78]).

لبيان إعجاز القرآن بالجمع بين تصديق الكتب السماوية السابقة وهدايتهم إلى الصلاح والأخلاق الفاضلة ، والفلاح في النشأتين .

وهل تدعو آية البحث للتعاون العام في حفظ أموال اليتامى ، الجواب نعم ، وهو من مصاديق [وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ]([79]).

ومن الإثم والعدوان أكل أموال اليتامى ، أو منع دفعها لهم عند البلوغ.

 الزكاة في مال اليتيم

لقد ذكرت آية البحث أموراً :

الأول : الإنفاق على اليتامى من أموالهم إذا كانت لهم أموال.

الثاني : دفع أموال اليتامى لهم عند بلوغهم .

الثالث : حفظ أموال اليتامى ، وعدم ضمها إلى أموال الأولياء .

وهل تجب الزكاة في مال اليتيم ، بل مال الصبي مطلقاً .

اختلف فيه ومشهور علماء الإسلام إخراج الولي لزكاة مال اليتيم إذا كان نصاباً ، وحال عليه الحول الهجري لأن الزكاة حق من حقوق المال ، فتجب في كل مال تحققت فيه شروط الوجوب سواء كان المالك بالغاً أوغير بالغ ، وغير البالغ كان أبوه حياً أو هو يتيم ذكراً كان أو انثى ، وكذا في مال المجنون بأن يخرجه وليه .

وورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (مَنْ وَلِىَ لِيَتِيمٍ مَالاً فَلْيَتْجَرْ بِهِ وَلاَ يَدَعْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ)([80]).

وهذا الحديث ضعيف السند ، كما أن الإتجار بمال اليتيم أعم من ثبوت الزكاة فيه .

وفي رسالتي العملية (الحجة) استحباب الزكاة في مال اليتيم إذا أتجر به الولي ، فقد ذكرت في الجزء الثاني منها :

(الزكاة باب هداية وصلاح لعامة الناس سواء كان المعطي او الآخذ او غيرهما، وادخار كريم ليوم تتطاير فيه الصحف ويفتقد الناصر ويتبرأ القرين، وهي في الاصطلاح نصيب محدود في أموال خاصة وبشرائط معينة منها :

الأول : البلوغ فلا تجب على غير البالغ وما عنده من المال في تمام الحــول فيما يعتــبر فيه الحــول ، ويكون ابتــداء الحول من حين البلوغ، اما ما لا يعتبر فيه الحول من الغلات الأربع فالمناط بلوغ المكلف الذي تجب عليه قبل وقت التعلق وهو انعقاد الحب وصدق الاسم .

الثاني : العقل فلا زكاة في مال المجنون في تمام الحول او بعضه ولو إدواراً على الأقوى،والجنــون آناً ما كبضــع ســاعات لا يضــر لصــدق كونه عاقلاً.

الثالث : الحرية فلا زكاة على العبد وان كان مكاتباً وان قلنا بتملكه لأنه محجور عن التصرف، وكذا بالنسبة لأم الولد.

الرابع : ان يكون مالكاً فلا تجــب قبل تحقق الملكية كالمــوهوب قبــل القبض، او الموصى به قبل القبول والقبض وكذا في القرض لا تجب إلا بعد القبض.

الخامس : تمام التمكن من التصرف في اصل المال فلا تجب في المال الذي لا يتمكن المالك من التصرف فيه كما لو كان غائباً ولم يكن في يده ولا في يد وكيله، او كان مغصوباً او محجوراً او محجوزاً او مرهوناً.

السادس : النصاب .

(مسألة 1) اذا اتجر الولي بمال الصبي او الصبية يستحب اخراج زكاته ذكراً كان الصبي او انثى وان كان يتيماً.

(مسألة 2) يستحب للولي الشرعي اخراج زكاة مال التجارة للمجنون من النقدين او غيرهما)([81]).

اليتيم من ذوي القربى

ذكرت آية السياق صلة القربى بقوله تعالى [وَالْأَرْحَامَ]([82])، ولم يرد هذا اللفظ مضافاً له حرف العطف الواو في القرآن إلا في الآية السابقة .

لبيان إعانة ذوي القربى ومودتهم والإمتناع عن الإضرار بهم .

ومن معاني الجمع بين الآيتين لزوم مدّ يد العون للأيتام من ذوي القربى وحفظ أموالهم ، وعدم التعدي أو الإستحواذ عليها ، وغالباً ما تكون أموال اليتامى عند الأقارب من أبناء العمومة أو الخؤولة .

ليكون من إعجاز سياق الآيات المجاورة بين آية البحث والآية السابقة ومنها قوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ]([83]).

وهل من معاني قوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ]([84]) أن الناس يُسألون يوم القيامة عن اليتامى من أرحامهم وكيف كانت عنايتهم بهم ، وحفظهم لأموالهم والذي منهم.

الجواب نعم ، ومنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما يخص الأيتام من الأرحام .

وليس كل الأيتام لهم تركة وعندهم أموال ، فكثير منهم ليس لهم تركة ، لبيان لزوم الإحسان إلى اليتامى مطلقاً ، ويتامى ذوي القربى خاصة ، قال تعالى [فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ]([85]).

والعقبة هي الطريق الوعرة في الجبل والمراد منها النجاة من النار ، وفك الرقبة أي عتقها .

(وقال أعرابي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دلني على عمل أنجو به فقال فك الرقبة وأعتق النسمة .

فقال الأعرابي ليس هذا واحد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا إعتاق النسمة أن تنفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها)([86]).

لبيان التخفيف في الآية أعلاه بأن اجتياز العقبة والعبور على الصراط يوم القيامة والإحسان على نحو الموجبة الجزئية وهو الإشتراك في عتق عبد أو أمة ، من غير اشتراط بعتق إنسان من الرق كاملاً .

وإطعام الناس في المجاعة وإعانة اليتيم من ذوي القرابة والأرحام ، وإطعام مسكين ذي فقر وعون من افتقر والتصق بالتراب .

لبيان إن في إطعام اليتيم ذي القرابة أجرين :

الأول : إطعام اليتيم .

الثاني : إعانة الأرحام وتعاهد صلة الرحم .

الصلة بين خاتمتي الآيتين

اختتمت آية البحث بقانون من الإرادة التكوينية جامع للبشارة والإنذار بقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا]([87]).

إذ يرى الله عز وجل الأشياء كلها ومن غير آلة باصرة .

كيف التصرف بخصوص اليتامى وأموالهم ، من جهات :

الأولى : عامة الناس ،ويدل عليه النداء العام أول آية السياق [يَا أَيُّهَا النَّاسُ].

الثانية : خصوص المسلمين .

الثالثة : أقرباء التيامى .

الرابعة : أولياء اليتامى .

فيأتي الثواب للذي يحسن لليتامى ويرأف بهم ، ويحفظ أموالهم ، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، ويأمر الذين عندهم أموال اليتامى بلزوم حفظها وتعاهدها ، والإنفاق على اليتيم من ماله بالمعروف من غير تقتير أو إسراف وهو من مصاديق تقوى الله الذي ذكرتها آية السياق مرتين ، ويؤثم الذي يتعدى على أموال اليتامى ويأكلها ، ويحاول إفساد اليتامى أو يقصر في إصلاحهم .

لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا مزرعة للآخرة ، يتجدد في كل يوم منها جني الحسنات بالكم والكيف .

ومن خصائص خاتمة آية السياق ترغيب الناس باعانة اليتامى والرافة بهم والبشارة للذي يحسن لليتامى بالأجر والثواب .

وتساهم هذه الخاتمة بتهذيب الأخلاق وتجعل الإنسان يمتنع عن الظلم والتعدي لإدراكه بأن الله يرقب كل قول وفعل يفعله ، قال تعالى [مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ]([88]).

أسباب النزول

ظاهر آية البحث وابتداؤها بالأمر العام الذي يتعلق بالأموال مع حبس الناس لها أن للآية أسباب نزول .

لذا ذكر أنها (نزلت في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم ، فلما بلغ اليتيم طلب المال ، فمنعه عمه فترافع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت هذه الآية .

فلما سمعها العم قال : أطعنا الله وأطعنا الرسول ، نعوذ بالله من الحوب الكبير فدفع إليه ماله .

قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم من يوق شح نفسه ويطع ربّه هكذا فإنه يحل داره يعني جنته ، فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل الله.

فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ثبت الأجر وبقي الوزر.

فقالوا : يا رسول الله قد عرفنا أنه ثبت الأجر فكيف بقي الوزر ، وهو بقي في سبيل الله.

فقال : يثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده)([89]).

ومعنى بقي الوزر على الوالد الذي توفى بأن يكون الحساب في كيفية جمعه المال هل هو من حلال أو من حرام ، وهل أخرج زكاته والحقوق الشرعية أو منعها .

و(عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن خمس خصال : عن شبابه فيما أبلاه ، وعن عمره فيما أفناه ، وعن ماله من أين كسبه ، وفيما أنفقه ، وما عمِلَ فيما علم)([90]).

و(عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا كان يوم القيامة دعا الله سبحانه بعبد من عبيده فيوقفه بين يديه فيسائله عن جاهه كما يسائله عن ماله)([91]).

ليكون من باب الأولوية سؤال الولي على اليتيم عن إحسانه له ، وحفظه لماله ونموه .

إعجاز الآية الذاتي

لقد ورد لفظ [أَمْوَالَهُمْ] مرتين في آية البحث وكل منهما في لزوم حفظ أموال اليتامى ودفعها لهم .

وقد وردت كلمة [أَمْوَالَهُمْ] واحدة وثلاثين مرة في القرآن ، ولم ترد هذه الكلمة مرتين في آية واحدة إلا في آية البحث ، وآية الإنفاق في سبيل الله [لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا]([92]).

ومن إعجاز آية البحث ابتداؤها باعطاء اليتامى أموالهم عند البلوغ ، ثم جاء الأمر بعدم أكل أموالهم .

لبيان لزوم التنزه عن التعدي على أموال اليتامى حتى بعد البلوغ ، وعدم إغوائهم بالدخول في شركة أو مضاربة أو الإستيلاء على أموالهم بقصد القرض والدين لأجل بعيد أو إتخاذ الحيلة الشرعية لضم أموال اليتامى إلى أموالهم ، وجعلهم بعد سن البلوغ كالأسرى عندكم .

فقد يبلغ اليتيم سن الرشد في الخامسة عشرة من عمره أو الثامنة عشرة ولكن ليس عنده خبرة وتجربة في الحياة ، ولا معرفة بأحوال وتقلبات السوق ، وخفايا التجارة والمكر في الأسواق ، فيزين له بعضهم نوع من المكاسب ، وتوظيف أمواله لبيان وجوه :

الأول : قانون حفظ أموال اليتامى مدة اليتم وأيام ما قبل البلوغ .

الثاني : قانون الإنفاق على اليتامى من أموالهم بالحق وعدم التعدي أو التفريط ، وهو من مصاديق الإطلاق ، وذكر اليتامى بالنص في قوله تعالى [وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ]([93]) .

الثالث : قانون دفع أموال اليتامى لهم بعد البلوغ والرشد .

الرابع : قانون المنع من حبس أموال اليتامى أو التسويف أو التأخير في دفعها ، وإيجاد الشروط أو الموانع دون دفع أموالهم لهم .

الخامس : قانون أكل أموال اليتامى خبيث وضار على أصحابه .

السادس : حرمة أكل أموال اليتامى .

السابع : قانون التعدي على أموال اليتامى ظلم وإثم عظيم .

وهل يختص هذا الحكم بيتامى المسلمين، الجواب لا ، وهو من الشواهد على موضوعية حرف العطف الواو في أول آية البحث ، على الآية السابقة الآية الأولى من سورة النساء والتي تبدأ بالنداء العام [يَا أَيُّهَا النَّاسُ]([94]).

وفي الآية بشارة كثرة أموال المسلمين ، وبقاء فضل من المؤونة يكون تركة للورثة ، مع أن الآية نزلت والمسلمون في حاجة وعوز وجهاد .

وعن (عدي بن حاتم قال : بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة، وأتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل. قال: يا عدي بن حاتم هل رأيت الحيرة ؟ قلت: لم أرها وقد أنبئت عنها.

قال : فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا

إلا الله عز وجل.          

قال: قلت في نفسي: فأين دعار طيئ الذين سعروا البلاد ؟ ! ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى بن هرمز.

قلت: كسرى بن هرمز ؟ قال: كسرى بن هرمز.

ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج بملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم وينظر عن شماله فلا يرى إلا جهنم.

قال عدى : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا شق تمرة فبكلمة طيبة .

قال عدى: فقد رأيت الظعينة ترتحل من الكوفة حتى تطوف بالبيت لا تخاف إلا الله عز وجل، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز ، ولئن طالت بكم حياة سترون ما قال أبو القاسم صلى الله عليه وآله وسلم)([95]).

لقد أصابت الدهشة عدي بن حاتم حينما سمع النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يخبره عن فتح المسلمين لبلاد فارس والإستيلاء على كنوز كسرى ، وأن هذا الفتح ليس بعيداً في زمانه ، لمعرفة عدي بن حاتم بكثرة جنود كسرى وقوته ، وتماسك وسعة دولته .

ولكن أراد الله عز وجل بشارة وثبات أهل الإيمان ، فجاءت آية البحث لتنبيه المسلمين بالحفاظ على أموال اليتامى التي تأتي من الغنائم والمكاسب وإتساع التجارة وتوسع البلاد الإسلامية.

ومن إعجاز آية البحث الذاتي ابتداؤها بالأمر وتعدد هذا الأمر ، فلم يأت هذا الوعيد في آية أخرى ، إنما جاء بذات الآية الكريمة .

الثامن : تعاهد أموال اليتامى حتى بعد بلوغهم ، فمن وجوه تقدير آية البحث : ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم قبل وبعد بلوغهم.

لذا ورد النهي العام بالمنع عن أكل أموال اليتامى بعد الأمر الخاص باتيان اليتامى أموالهم بعد البلوغ .

ولم يرد لفظ (تتبدلوا) و(حوباً) في القرآن إلا في آية البحث .

ويمكن تسمية آية البحث آية [وَآتُوا الْيَتَامَى] ولم يرد هذا اللفظ الكريم إلا في آية البحث ، وورد لفظ [وَآتُوا] سبع عشرة مرة في القرآن ، كما يأتي بيانه في علم المناسبة .

إعجاز الآية الغيري

ترى لماذا ذكرت آية البحث خصوص أموال اليتامى بعد بيان إتحاد النسب بين عموم الناس .

الجواب لما للمال من موضوعية في حياة الناس ، فهو من الرزق الكريم الذي يتفضل به الله عز وجل على الناس ، ومنهم الأيتام .

فأراد الله عز وجل للإنسان الذي يأتيه الأجل وله أولاد صغار ،أو أنه يخاف دنو أجله ، وهذا الخوف مصاحب لكل إنسان حيث لا يعلم أي إنسان بأوان موته سواء على الفراش أو بحادثة عرضية تنصرم معها أيامه في الدنيا ، وينخرم وينقص عمره ، لبيان وجوه :

الأول : بعث آية البحث السكينة في قلوب الآباء على أبنائهم الذين يبقون بعدهم بأن الله أمر بالعناية بهم ، وأن المسلمين والأمناء على أموالهم ، وأهل الحل والعقد يحفظون أولادهم في أنفسهم وأموالهم .

الثاني : دعوة الناس للكسب والعمل والإدخار للأولاد ، وعدم الخشية عليهم وعلى أموالهم بعد وفاته .

الثالث : المراد من الأموال أعم من النقد والدينار والدراهم، فيشمل العقار والبستان ، والمنقول والعروض .

الرابع : دعوة المسلمين والناس جميعاً بالإحسان إلى اليتامى ، وعدم التعدي عليهم، إذ يبين القرآن قانوناً وهو كل إنسان يحتمل أن يكون أبناؤه يتامى ، للجهل بما يصيب الإنسان في غد ، فقال تعالى [وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا]([96]).

الخامس : الشكر لله من قبل المسلم وعامة الناس الذين يمد الله في أعمارهم ، ويصل ابناؤهم ذكرواً وإناثاً سن البلوغ .

السادس : بيان أن وجود اليتامى في المجتمع مسألة ابتلائية عامة ، لذا قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (اتقوا الله في الضعيفين : اليتيم ، والمرأة ، أيتمه ثم أوصى به ، وابتلاه وابتلى به)([97]).

وهل يجوز التشريع بدفع حصة اليتامى والقاصرين من دية المقتول إلى دوائر التنفيذ لتولي حفظها ، وعدم وقوعها في أيادي الكبار من الأخوة والأعمام وغيرهم ، الجواب نعم ، وهو من مصاديق آية البحث .

الآية سلاح

في الآية وجوه :

الأول : قانون حبس أموال اليتامى حرام .

الثاني : قانون الإستحواذ على أموال اليتامى ظلم .

الثالث : قانون الحصانة السماوية لأموال اليتامى .

الرابع : الإنذار من خلط المال الخبيث بالطيب .

الخامس : سوء عاقبة خلط المال الخبيث بالطيب لاختتام آية البحث بقوله تعالى [إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا]([98]).

السادس : الوعد من الله عز وجل باستغناء الأولياء عن أموال اليتامى أو تأخير دفعها إليهم عند البلوغ .

السابع : قانون المنع من إيجاد الذرائع لهذا التأخير .

وفي الآية دعوة لليتامى لشكر الله عز وجل سواء قبل البلوغ أو بعده ، ولا يستطيع أحد من الخلائق أن يضمن ويحفظ حقوق اليتامى إلا الله عز وجل فتفضل بآية من بضع كلمات لتبقى دستوراً إلى يوم القيامة ، وفيها تهذيب للأخلاق العامة ، وهي واقية من التعدي والظلم للمستضعفين .

والقرآن يفسر بعضه بعضاً والذي اسميته (التفسير الذاتي) قال تعالى [وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ]([99])، وتقدير الآية: حتى يبلغ أشده فادفعوا له .

ومن الأحسن في المقام أمور :

الأول : الإنفاق على اليتيم من ماله .

الثاني : طلب التجارة في مال اليتيم مع رجحان الربح ، وهل يلزم الولي الضمان حينئذ ، الجواب لا ، إذا كان قد استقصى أسباب ومقدمات التجارة بمال اليتيم ، وكان يخاف على أموال اليتيم التأكل والتلف من دونها.

الثالث : قانون إمتناع الولي من الإنتفاع الشخصي من مال اليتيم ، فليس له أن يشتري لنفسه ملابس ونحوها منه ، نعم لو كان الولي فقيراً محتاجاً فله أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف وبما يسد رمقه ، بشرط عدم الإضرار باليتيم .

الرابع : قانون دفع مال اليتيم له حال البلوغ والرشد .

وعن الإمام علي عليه السلام (الغلام لا يجوز أمره في الشراء والبيع ولا يخرج من اليتم حتى يبلغ خمس عشرة سنة او يحتلم او يشعر او ينبت قبل ذلك)([100]).

مفهوم الآية

تتضمن آية البحث في مفهومها الزجر عن أمور :

الأول : التعدي على الأموال الخاصة للناس ومن باب الأولوية أموال اليتامى .

الثاني : بيان اللطف الإلهي باليتامى ، بنزول كلام الله في التوصية بهم وحفظ أموالهم .

الثالث : رحمة الله عز وجل بالذي يموت ويترك خلفه أيتاماً، فاذا كان الأب يعتني بأولاده الصغار في حياته فان الله عز وجل أوصى المسلمين والناس جميعاً بالعناية بهم وحفظهم وأموالهم .

الرابع : تنمية ملكة الأمانة عند الناس ، وهي مما تتقوم بها الحياة الدنيا ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا]([101]).

وتتجلى أصالة العموم في الآية اعلاه من جهتين :

الأولى : جهة الخطاب ، وتوجه الآية للناس جميعاً .

الثانية : أداء الأمانات للمسلم وغير المسلم ،والبر والفاجر.

لتكون الدنيا دار الأمانة والثقة ويحتاج اليتامى الأمانة والصدق من الولي ، وأهل الحل والعقد والحاكم والسلطان .

وهو من إعجاز آية البحث بعطفها على الآية السابقة وهي الآية الأولى من سورة النساء والتي تبدأ بالنداء العام [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ]([102]).

الخامس : البشارة للمسلمين بكثرة أموالهم ، ووجود زائد على المؤونة ، ومن مفاهيم آية البحث حث المسلمين على إدخار الزائد على المؤونة وتوظيفه وجعل تركة للورثة عامة والأيتام منهم خاصة .

السادس : تدل آية البحث في مفهومها على عدم حاجة المسلمين للسطو على أموال اليتامى ، وما ترك لهم آباؤهم وأمهاتهم.

فصحيح أن اليتم بفقد الأب ، ولكن قد يفقد اليتيم الأم ، وتترك له الأم إرثاً سواء من مالها أو بالواسطة كما لو جاءها إرث من أبيها وحدثت القسمة قبل أو بعد وفاتها ، أو مات أبوها وليس من أبنائه الصلبيين على قيد الحياة ، فلم يبق إلا الأحفاد فتأتيهم التركة فلا يصح للورثة الآخرين حيازة تركة اليتامى والحيلة والمكر في الإستيلاء عليها .

ويكون الأب حينئذ هو الولي على اليتيم وإرثه من أمه فتشمله عمومات آية البحث ، ولزوم دفع مال اليتيم له عند بلوغه .

و(عن محمد بن المنكدر قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله إن لي مالاً وإن ليس عيالاً ، ولأبي مال وله عيال ، وإن أبي يأخذ مالي . قال : أنت ومالك لأبيك)([103]).

ويدل الحديث على جواز أخذ الأب مقدار حاجته وليس على وجه السرف والتبذير ،وتحتمل اللام في (لابيك) الإباحة وليس التمليك .

والولد هو المالك للمال ، وزكاته عليه ، وإذا مات يقسم المال بين ورثته.

السابع : إقامة الله عز وجل الحجة على الناس بأن أموالكم تكفيكم فليس من حاجة للتعدي على أموال اليتامى لقوله تعالى [إِلَى أَمْوَالِكُمْ]([104])، وفي التنزيل [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ]([105]).

الثامن : بيان قانون وجود اليتامى في كل مجتمع ، ولا يختص الأمر بالمسلمين وأوان الحروب ، نعم تكثر أعداد اليتامى أوان الحروب والفتن والأوبئة ، لتشمل أحكام آية البحث حال السلم والحرب ، ولا يخشى المؤمن على أولاده الصغار إن تعرض للقتل .

موضوع الآية أعم من سبب النزول

موضوع الآية أعم من سبب النزول فيشمل الناس جميعاً بالرأفة باليتامى وأطعامهم وحفظ أموالهم .

نعم يكون أهل البيت عليهم السلام أسوة للناس في المقام ولبيان إعانة اليتامى والمساكين والأسرى في كل الأحوال ، حتى مع قلة ذات اليد .

وهل يشترط قصد القربة في حفظ أموال اليتامى ، وإعادتها لهم ، الجواب لا ، وإن كان في قصد القربة في المقام أجر وثواب إضافي ، لما فيه من الإقرار بالعبودية لله عز وجل والإمتثال لأوامره ، وإرادة التقرب إليه تعالى في سبل طاعته .

لقد أختتمت آية البحث بأن التعدي على مال اليتيم ، وأكله إثم عظيم ، لبيان أن الإساءة إلى ذات اليتيم وقهره وإهانته والتجاوز على حقوقه وظلمه أشد إثماً ومعصية من باب الأولوية القطعية .

ومن مفاهيم آية البحث النهي عن المكر والحيلة بخصوص أموال اليتامى.

ورد عن (جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام أنه كان في بني إسرائيل رجل صالح وكان له مع الله معاملة حسنة وكان له زوجه وكان ضنينا بها، وكانت من أجمل أهل زمانها مفرطة في الجمال والحسن .

وكان يقفل عليها الباب، فنظرت يوما شابا فهويته وهواها فعمل لها مفتاحا على باب دارها، وكان يخرج ويدخل ليلا ونهارا متى شاء، وزوجها لم يشعر بذلك.

 فبقيا على ذلك زمانا طويلا فقال لها زوجها يوما وكان أعبد بني إسرائيل و أزهدهم إنك قد تغيرت على ولم أعلم ما سببه ، وقد توسوس قلبى علي وكان قد أخذها بكرا ثم قال وأشتهي منك أنك تحلفي لي أنك لم تعرفي رجلا غيري ، وكان لبني إسرائيل جبل يقسمون به ويتحاكمون عنده ، وكان الجبل خارج المدينة عنده نهر جار، وكان لا يحلف عنده أحد كاذبا إلا هلك .

فقالت له : ويطيب قلبك إذا حلفت لك عند الجبل ؟ قال: نعم، قالت متى شئت فعلت.

 فلما خرج العابد لقضاء حاجته دخل عليها الشاب فأخبرته بما جرى لها مع زوجها ، وأنها تريد أن تحلف له عند الجبل، وقالت ما يمكنني أن أحلف كاذبة ولا أقول لزوجي، فبهت الشاب وتحير، وقال: فما تصنعين ؟

فقالت بكر غدا والبس ثوب مكار وخذ حمارا واجلس على باب المدينة ، فإذا خرجنا فأنا أدعه يكتري منك الحمار فإذا اكتراه منك بادر واحملني وارفعني فوق الحمار حتى أحلف له وأنا صادقة أنه ما مسني أحد غيرك وغير هذا المكاري.

 فقال: حبا وكرامة، وإنه لما جاء زوجها، قال لها قومي إلى الجبل لتحلفي به، قالت ما لي طاقة بالمشي، فقال اخرجي فان وجدت مكاريا اكتريت لك، فقامت ولم تلبس لباسها.

فلما خرج العابد وزوجته، رأت الشاب ينتظرها فصاحت به : يا مكاري أكتري حمارك بنصف درهم إلى الجبل ؟ قال نعم، ثم تقدم ورفعها على الحمار، وساروا حتى وصلوا إلى الجبل .

فقالت للشاب : أنزلني عن الحمار أصعد الجبل، فلما تقدم الشاب إليها ألقت بنفسها إلى الارض فانكشفت عورتها فشتمت الشاب .

فقال : والله ما لي ذنب ثم مدت يدها إلى الجبل فمسكته وحلفت له أنه لم يمسها أحد ولا نظر إنسان مثل نظرك إلى مذ عرفتك غيرك وهذا المكاري.

فاضطرب الجبل اضطرابا شديدا وزال عن مكانه وأنكرت بنو إسرائيل فذلك قوله تعالى [وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ]([106]))([107]).

نظرية الفيض

الفيض هو الكثرة والغزارة والتدفق السريع ، ومنه فيضان النهر ، ويقال فاضت العين إذا سال دمعها ، كما في التنزيل [وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ…]([108]) وفي التنزيل [فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ…]([109]).

وهناك نظرية الفيض الإلهي قال بها الفيلسوف اليوناني افلوطين في القرن الثالث الميلادي في كتابه (التاسوعات ) ومضمونها أن الواحد ويقصد الله عز وجل لا يصدر منه إلا موجود بسيط ، وهذا الموجود يليه موجود آخر بالتوالي .

ولا أصل لهذا القول ، وظن بعض المفكرين المسلمين مثل الفارابي وابن سينا أن هذه النظرية لارسطو ، وحاولوا تفسير الصلة بين الخالق والمخلوق بواسطتها , وأن الله تعالى الموجود الذي يفيض عنه كل موجود فيضاً مبايناً لذاته ، كما يفيض النور عن الشمس .

بمعنى أن الفيض ضرورة مترشحة عن العلم الذاتي للعلة الأولى ، وليس كخلق دفعة من العدم بمحض الإرادة والمشيئة.

ولا أصل لنظرية الفيض وأن الموجودات تدفقت من مبدأ واحد هو الله.

إنما تفضل الله عز وجل وخلق الموجودات من العدم بأمره تعالى [إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ]([110]) ولا يمنع هذا من التوالد والتفرع في المخلوقات بإذن الله .

ولا يصح جعل كلمة فيض بدل خلق .

وقد وردت مفردة [الفيض] في القرآن بخصوص عالم الفعل مثل [هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ]([111]) في ذم الذين كفروا في قولهم وطعنهم بالتنزيل .

وفي الإنصراف من عرفة يوم التاسع من شهر ذي الحجة [ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ]([112])  و[وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ]([113]).

إنما تتحدث آيات القرآن عن الخلق ، ومن أسماء الله [الْخَالِقُ] وهو الذي يوجد الأشياء من العدم وعلى غير مثال سابق ويقدر ويدبر الأشياء بحكمته ، قال تعالى [هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ…]([114]).

وقد جعل الله عز وجل القرآن مصدراً للفيض في العلوم والمعارف الإلهية وأسباب الهداية ، ومنه آية البحث إذ تبدأ بأمر ثم نهيين ثم إنذار .  

إفاضات الآية

من معاني اليتم الإنفراد ، كما يقال : هذه درة يتيمة ، وأحياناً يأتي هذا اللفظ على نحو المدح كما يقال : إنه يتيم في اختصاصه ، لبيان انتفاء النظير له ، ويعز وجود مثيل له .

ومن معاني اليتم الفقر ، كما لو فقد المال الذي يقضي به حوائجه ، وقد يرد اليتم بمعنى الغفلة.

واليتيم في الإصطلاح هو الذي فقد أباه ، وهو دون الحلم ، أما الذي فقد أبويه فهو لطيم ، واليتيم من الوحش الذي فقد أمه.

وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتيماً ، قال تعالى [أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى]([115]).

وولد عيسى عليه السلام منفرداً من غير أب بمعجزة عظمى من عند الله عز وجل ، واليتم لا يضعف الهمم ، ولا يجعل القلوب تنكسر ، ولا يعطل الرغائب والسعي في دروب الحياة بصبر وأمل وتوكل على الله.

لقد فقد اليتيم حنان الأب فنزلت آية البحث لمواساته وحفظه وماله ، ومنع الذل والهوان عنه .

وباليتم يفقد الصبي ذكراً كان أو أنثى بغياب الأب والحنان الخاص الذي لا يمنحه إلا الأب حتى إذا كان حنان الأم أكثر منه .

وقد يتجرأ ذووا القربى على اليتيم ، هذا الذي يريدون تشغيله معهم في العمل ومن غير أجرة ، ويستحوذ الأعمام على اليتيمة لزواج أبناء العمومة منها ، وإن صار عليها تعد تكتفي بنزول الدموع بصمت مع إخفاء لحال الضعف ، وتدرك حاجتها للأب وتستحضر هيئته وحنانه ورعايته لها .

ولكن تمر الأيام ويكبر الأيتام ، فيزيح الله عز وجل عنهم ألم الإستضعاف والإضطهاد ، ويؤثم الذين آذوا الأيتام في صغرهم .

وتبقى آية البحث مواساة يومية لليتامى حتى بعد أن يكبروا ، ووعيداً للذين أساءوا لهم وظلموهم ، وهو من إعجاز القرآن بأن ينقطع عالم الفعل ولكن أثره وما يترتب عليه باق مع تقادم الأيام ، ويحضر يوم القيامة ، قال تعالى [يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ]([116]).

فنزلت آية البحث لتخبر الناس بأن التجاوز على حقوق اليتامى إثم عظيم ، وسبب للإبتلاء فبعد النهي المتكرر في آية البحث بخصوص أموال اليتامى أختتمت بالوعيد بقوله تعالى [إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا]([117]).

فلم تكتف الآية بالقول [إِنَّهُ كَانَ حُوبًا] بل إنه ظلم كبير لبيان الأضرار الإجتماعية والإقتصادية الدنيوية ، وسوء العاقبة الأخروية التي تترتب على التعدي على أموال اليتامى .

لتكون مضامين آية البحث فيضاً ورحمة لليتامى ولأوليائهم ، وللناس جميعاً بزجرهم عن إيذاء اليتامى ، وتحضر آية البحث يوم القيامة لتبين للناس انتفاع الذين عملوا بمضامينها ، وتبعث الحسرة في نفوس الذين عملوا بخلافها .

الآية لطف

لقد أراد الله عز وجل للناس اكتساب الحسنات ، ومنها باب العناية بالتيامى ، ولم يجعل الناس يجتهدون في كيفية هذه العناية ، أو أنها راجعة للعاطفة ورقة القلب ، ودرجة الحنو عليهم ، وصلة القربى معهم مع بيان القرآن لموضوعيتها .

بل نزلت آيات قرآنية تبين كيفية الإحسان لليتامى في أنفسهم وأموالهم وتربيتهم ومخالطتهم وكفالتهم.

وقد جاءت السنة النبوية بالإخبار عن الثواب العظيم في كفالة اليتيم ، إذ ورد عن الإمام (الصادق عن أبيه عليهما السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله : من كفل يتيما نفقته كنت أنا وهو في الجنة كهاتين، وقرن بين أصبعيه المسبحة والوسطى)([118]).

والأصبع المسبحة هي السبابة ، والتي تقع بين الإبهام والوسطى ، ومن معاني هذه التسمية أن الأصابع مسؤولة ومستنطقة يوم القيامة .

ومن معاني اللطف في آية البحث تنمية ملكة التنزه عن أكل أموال الآخرين ، وتهذيب النفوس ،والإحسان للضعيف ، وذوي العاهات .

ومن إعجاز القرآن أن الآية تأتي بخصوص موضوع وحكم معين إلا أنها تتضمن اللطف العام بالناس ، ومن معاني الإحسان للأيتام الإقرار بالتوحيد ، قال تعالى [أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ* فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ]([119]).

ويدع اليتيم : أي يدفعه عن حقه وماله مع جفاء ، وهو حرام لما فيه من الظلم ، ونزل القرآن ليتنزه الناس عن الظلم والتعدي ، ولأنه في الآخرة ظلمات .

وتبين آية البحث بعض حقوق اليتامى ، ولطف الله بهم ، مما يلزم معه الناس أن يحسنوا اليهم ، وهذا الإحسان للذات أيضاً .

ترى أيهما أكثر انتفاعاً الذي يحفظ مال اليتيم ويرده إليه عند البلوغ ، أم ذات اليتيم الذي يرد له ماله .

الجواب كلاهما ينتفع من الأمر ، ولكن الذي يحفظ مال اليتيم هو الذي ينتفع أكثر خصوصاً في الآخرة ، لذا قال تعالى [مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ]([120]).

الآية بشارة

في الآية بشارة للآباء تتعلق بمستقبل أبنائهم ، فان وافاهم الأجل ولا زال عندهم أبناء صغار فان الله عز وجل أمر بأمور :

الأول : العناية بالأيتام .

الثاني : حفظ أموال اليتامى .

الثالث : دفع أموال اليتامى لهم بعد بلوغهم .

وفيه دعوة للرجل للكسب والجد والعمل لتحصيل المعاش لأسرته والإنفاق عليهم والسعي لتوفير المال لأولاده من بعده .

فمن معاني آية البحث الحث على الإدخار مع التقيد باخراج زكاة المال ودفعها لمستحقيها .

وآية البحث بشارة لعامة المسلمين بالسعة في الرزق ، لقوله تعالى [وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ]([121]).

وهل في الآية ترغيب بالزواج ، الجواب نعم ، لما فيها من أسباب الضمان لليتامى .

إذ تدل هذه الآية بالدلالة التضمنية على كفاية مال المسلم لنفسه وعياله من دون أن تصل النوبة للتعدي على أموال اليتامى .

فان قلت قد يضطر الولي للأخذ من مال اليتيم ، والجواب هذه حالة نادرة على فرض حدوثها بدلالة آية البحث .

ومع هذا فلو أخذ الولي من مال اليتيم فانه دين وقرض عليه لابد من قضائه ، والتوصية بقضائه عند موته ، وهل يخرج من الثلث ، الجواب نعم ، ومع عدم الوصية يخرج من أصل التركة .

وفي الآية ترغيب بأكل الحلال من غير ظلم للآخرين أو تعد على أموالهم لقوله تعالى [وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ]([122]).

ومن البشارة في الآية بحسب مفهومها الأمن يوم القيامة للولي على الأيتام الذي أحسن معاملة اليتيم ، ودفع له أمواله عند بلوغه إذ أنه ينجو من الوعيد الوارد في خاتمة الآية للذين يتعدون على أموال اليتامى بقوله تعالى [إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا]([123]).

الآية إنذار

يتجلى الإنذار في منطوق آية البحث من وجوه :

الأول : حرمة حبس أموال اليتامى عند بلوغهم .

وعن الإمام الحسن بن علي عليه السلام قال (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة)([124]).

و(عن كعب بن عاصم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : المؤمن حرام على المؤمن لحمه عليه حرام أن يأكله ويغتابه بالغيب ، وعرضه عليه حرام أن يخرقه ، ووجهه عليه حرام أن يلطمه)([125]).

الثاني : النهي عن الإستيلاء على أموال اليتامى ، قال تعالى [لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ]([126]).

الثالث : منع الحيلة والغرر في تبديل أموال اليتامى الجيدة بالردئ من أموال الولي أو غيره .

فقد يقوم الولي بوظيفة الوسيط في هذا التبديل لقاء ربح مالي وقصد الإحتيال ونحوه ، فجاء الخطاب والنهي للناس جميعاً [وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ]([127]).

الرابع : دلالة آية البحث بأن الله عز وجل ولي اليتامى ، وأمر بحفظ أموالهم ودفعها لهم عند البلوغ من مصاديق قوله تعالى [فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ]([128]).

الخامس : لا يختص الإنذار في قوله تعالى [إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا]([129]) بغير المسلمين ، بل يشمل المسلم الذي يستحوذ على مال اليتيم ذكراً كان أو أنثى.

السادس : حب الله لليتامى زاجر عن إيذائهم .

الصلة بين أول وآخر الآية

ابتدأت آية البحث بحرف العطف الواو وجاء بعدها الأمر [َآتُوا] وهو عام من جهات :

الأولى : إرادة عموم الناس ولزوم تقيدهم بهذا الأمر لبيان ان العناية باليتامى وحفظ أموالهم مسألة ابتلائية عامة .

الثانية : إرادة اليتامى ذكوراً وإناثاً ، مسلمين وغير مسلمين .

الثالثة : توجه الأمر في آية البحث إلى الحكام والملوك برعاية اليتامى وحفظ أموالهم .

الرابعة : الأمر الإلهي إلى الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بخصوص اليتامى وأموالهم .

الخامسة : دعوة الناس لشكر الله عز وجل على تفضله بالأمر بالإحسان لليتامى وسلامة أموالهم ودفعها لهم بعد بلوغهم .

وكل إنسان معرض لأن يكون أولاده الصغار أو أحفاده يتامى يخاف عليهم العيلة والفقر والضيعة ، قال تعالى [وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا]([130]).

فاذا صار الإنسان ولياً على يتامى ضعاف فليحسن إليهم ، ولا يأكل أموالهم ، ولا يسرق أو يفرط فيها ، فقد تدور الأيام ويصبح أولاده يتامى ضعافاً.

وكما ورد في الآية السابقة الأمر بتقوى الله فان الآية أعلاه تضمنت ذات الأمر لبيان أن رعاية اليتامى وحفظ حقوقهم من تقوى الله ، والخشية منه تعالى ، ولبيان قانون حفظ الله لليتامى وأموالهم بنص هذه الآية وأحاديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبالوقائع الأحداث .

وأختتمت آية البحث بالوعيد على التعدي على أموال اليتامى ليدل على أمور :

الأول : حرمة الإضرار باليتامى أنفسهم من باب الأولوية القطعية وأن هذا الإضرار أشد عقوبة .

الثاني : الإمتناع عن دفع أموال اليتامى لهم عند البلوغ معصية كبيرة وخلاف التقوى .

الثالث : الحساب الشديد والعقاب الأليم لمن يعصي الله بالإضرار باليتامى وأموالهم .

وتضمنت آية البحث أمراً ونهيين ، أما الأمر فهو إعادة أموال اليتامى لهم عند البلوغ ، ويحمل الأمر هنا على الوجوب .

ثم نهت آية البحث عن التلاعب بمكر وخبث بأموال اليتامى كما لو كانت لليتيم قطعة أرض في مكان تجاري فيبدلها الولي بقطعة له في مكان خلفي ، ويضرب المثل في كتب التفسير بشاة سمينة يبدلها بشاة هزيلة ، وهو صحيح ، إذ يتعدد الموضوع حسب البلد والحال ولكن الحكم واحد ، وقد تجتمع عدة أمور في حال واحدة من جهات :

الأولى : تعدد وكثرة أموال اليتيم .

الثانية : تعدد الأيتام مع إتحاد الولي .

الثالثة : اتحاد اليتيم مع تعدد الولي .

الرابعة : التباين في أوان بلوغ اليتامى كالأخوة .

وتختص آية البحث بأموال اليتامى ولزوم حفظها والإنفاق عليهم منها بالمعروف ودفعها إليهم عند البلوغ وعدم التعدي عليها فهي أمانة مالكية وشرعية عند الولي وعموم المجتمع .

من غايات الآية

في الآية مسائل :

الأولى : بيان قانون الدنيا دار الأوامر والنواهي الإلهية ، ولما تضمنت الآية السابقة الأمر إلى الناس جميعاً بتقوى الله جاءت آية البحث لبيان مصاديق لهذه التقوى والحرص على طاعة الله في المعاملات .

الثانية : الشأن العظيم لليتامى في المجتمعات ولزوم إعدادهم إعداداً سليماً برعاية حقوقهم ، ومن مفاهيم آية البحث إعانة اليتامى الفقراء الذين ليس عندهم مال أو تركة .

الثالثة : حب الله عز وجل لليتامى ، فلما فقدوا الحنان الأبوي نزل القرآن بوجوب العناية بهم وبأموالهم وحقوقهم الإعتبارية .

الرابعة : تأسي اليتامى بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ كان يتيماً ، وكان يسمى (يتيم أبي طالب) لأن عمه أبا طالب كان كافلاً له.

وكانت قريش تقول (ما وجدَ الله مَنْ يُرسله إلينا إلاَّ يتيم أبي طالب)([131]).

ونزله قوله تعالى [أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ]([132]).

الخامسة : بيان مصداق من مصاديق حكم الله عز وجل في الأرض بما يخص اليتامى وأموالهم وحفظها لهم لبناء مجتمع سليم قائم على أساس العدل والإنصاف والتكافل والتضامن والأمانة والصدق والتراحم والتعاون.

السادسة : سيادة الأخلاق الفاضلة وحفظ الحقوق .

السابعة : إخبار آية البحث بأن الله عز وجل يعلم بما يقول ويفعل الناس ويحصي أعمالهم ، وأنه لن يرضى بالتعدي على اليتامى وظلمهم في أنفسهم وأموالهم ، وقد يأتي ظلم اليتامى بالقول والتحريض والإغراء فهو محرم.

وأيهما أكثر تعرضاً للظلم اليتيم الذكر أم اليتيمة ، المختار أن اليتيمة هي الأكثر تعرضاً للأذى والظلم ومنه إكراهها في الزواج سواء كان هذا الإكراه على نحو السالبة الكلية أم السالبة الجزئية .

وهو موضوع النزول في الآية التالية [وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى]([133]).

وقد يجتمع هذا الإكراه مع الإستيلاء على مالها ، فنزلت آية البحث وآيات أخرى بخصوص اليتامى للتحذير والإنذار .

الثامنة : تدعو آية البحث اليتامى إلى التوكل على الله والسعي في الكسب والتحصيل حال البلوغ بما عندهم من أموال ، ليبارك الله عز وجل لهم بها .

التاسعة : ترغيب الناس باللجوء إلى القرآن والعمل بمضامينه.

العاشرة : عندما يبلغ اليتامى يدركون أن الله عز وجل أمر بحفظ حقوقهم وأموالهم ، وأن التعدي عليها ظلم عظيم وسبب لنيل المتجاوز عليها العذاب في الآخرة ، وفيه مواساة لليتيم ، ودعوة لليتامى ليشكروا الله عز وجل ، ويتعاهدوا الفرائض العبادية ، وإذا تعدى الولي على مال اليتيم ، فهل له عند البلوغ مطالبة الولي ، الجواب نعم .

الحادية عشرة : من شكر اليتامى لله عز وجل امتناعهم بعد البلوغ عن أكل أموال اليتامى ، سواء أن الولي وعامة الناس حفظوا أموالهم أم لا ، وهذا من إعجاز القرآن بالإعتبار والإتعاظ العام من الشواهد الإبتلائية.

الثانية عشرة : ترغيب الناس في كتابة الوصية ، وتعيين الوصي على الورثة من أهل الإيمان والتقوى .

الثالثة عشرة : تمنع آية البحث من دبيب اليأس إلى قلوب الناس في مسألة الكسب والتحصيل وتوفير المال للأولاد الصغار من بعده ، فقد أمر الله عز وجل الناس جميعاً بحفظ اليتامى وأموالهم ونهي عن أكل أموالهم التي هي أمانة .

الرابعة عشرة : توارث أجيال المسلمين حفظ اليتامى وأموالهم .

الخامسة عشرة : الحرص العام على دفع أموال اليتامى لهم عند بلوغهم.

التفسير

قوله تعالى [وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ]

جاءت الآية بصيغة الأمر بصيغة الجمع ، ومحكمة غير منسوخة ، وتحتمل جهة الخطاب وجوهاً :

الأول : المراد هم أولياء اليتامى والأوصياء عليهم .

الثاني : أهل الحل والعقد ورجال الحكم والعلماء .

الثالث : المسلمون .

ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق آية البحث لأصالة العموم ، ولبيان أن دفع أموال اليتامى لهم وظيفة عامة فيها إصلاح للمجتمع .

وفي الآية ذم للمشركين من جهات :

الأول : الإستحواذ على أموال اليتامى .

الثاني : عدم تخصيص نصيب للنساء والصغار من تركة أبيهم .

الثالث : إستضعاف اليتامى ، وعدم العناية بهم ، وآية البحث مدنية نزلت بعد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

ولكن آيات أخرى بخصوص اليتامى نزلت في مكة قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تحث الناس على الإحسان إلى اليتامى منها [وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ]([134]) [وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا]([135]) [فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ]([136]) [أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ]([137]) [كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ]([138]).

مع الأحاديث النبوية التي تبين فضل كفالة اليتيم والرفق به ، وجاءت آية البحث بدفع أموال اليتامى لهم ، أي عند البلوغ والرشد ومع هذا سموا يتامى لوجوه :

الأول : تعيين موضوع الآية ، وهم الذين فقدوا آباءهم في الصغر .

الثاني : قرب عهدهم بالصغر .

الثالث : المراد عموم حال اليتامى قبل البلوغ وبعده ، بالإنفاق على اليتامى من أموالهم في صغرهم ، ودفع ما تبقى من أموالهم لهم بعد البلوغ ، وعدم سلبهم حقوقهم .

فالمختار قول مستحدث وهو عدم اختصاص الآية بزمان بلوغ اليتامى بلحاظ ما كان ، بل يشمل الأمر في الآية [وَآتُوا الْيَتَامَى] قصد حالهم وهم في اليتم بكسوتهم وإطعامهم من أموالهم ، ليبقوا بحال العز التي كانت في حياة أبيهم .

والأصل في الأمر إفادته الفورية لتتضمن آية البحث لزوم المبادرة لدفع أموال اليتامى لهم حال البلوغ وعدم التسويف فيه .

وأختلف في علم الأصول هل مقتضى الأمر المطلق يلزم الفورية وتعجيل الفعل في أول أوقات الإمكان ، أم المندوحة والسعة وتخيير المكلف في الأداء بين الأداء فوراً عند سماع الخطاب التكليفي وبين التأخير إلى وقت آخر كأداء الصلاة في أول وقتها أم التأخير فيها ، بخصوص الواجب الموسع.

وموضوع إتيان اليتامى أموالهم فوري لا يحتمل التأخير لأنه من حقوق الغير ، فحالما يبلغ اليتيم وهو يتصف بالرشد وكيفية حفظ ماله والتدبير فيه فيلزم دفعه له ، وكأنه من الواجب المضيق .

وفي الفورية والمبادرة لدفع أموال اليتامى مسائل :

الأولى : إنها من المسارعة في الخير ، قال تعالى [أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ]([139]).

الثانية : في هذه المبادرة إبراء للذمة .

الثالثة : بعث الغبطة والسرور في نفوس اليتامى ، وفتح آفاق العمل لهم.

الرابعة : المبادرة بدفع أموال اليتامى لهم مناسبة للشكر لله عز وجل من قبلهم ومن قبل الأولياء .

تقدير النداء العام

بلحاظ عطف آية البحث على الآية السابقة التي ابتدأت بالنداء العام[ يَا أَيُّهَا النَّاسُ] وبحرف العطف الواو في أول الآية [وَآتُوا] يكون تقدير الجمع بين الآيتين على وجوه :

الأول : يا أيها الناس آتوا اليتامى أموالهم .

الثاني : يا ايها الذين آمنوا آتوا اليتامى والمسلمين أموالهم .

الثالث : يا أيها الذين آمنوا آتوا اليتامى غير المسلمين أموالهم عند البلوغ ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا]([140]) .

الرابع : يا أيها الأولياء آتوا اليتامى أموالهم عند البلوغ .

الخامس : يا أهل الكتاب آتوا اليتامى أموالهم .

السادس : يا أهل الكتاب آتوا يتامى المسلمين أموالهم .

السابع : يا أهل الكتاب آتوا أيتامكم أموالهم .

ويدل على تعدد هذه المصاديق وجوه :

الأول : أصالة العموم وتوجه الخطاب إلى الناس جميعاً في الآية السابقة ، وهي أول آية من سورة النساء .

الثاني : عطف آية البحث على النداء العام .

الثالث : تكرار الأمر بتقوى الله في الآية السابقة ،والإحسان إلى اليتامى وإتيانهم أموالهم من تقوى الله .

الرابع : ذكر اليتامى في آية البحث على نحو الإطلاق من غير تخصيص بأهل ملة .

وفيه ترغيب لكل يتيم قبل وبعد بلوغه بدخول الإسلام ، والإقرار بأنه دين العدل والصلاح .

وقد ورد النداء [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] عشرين مرة في القرآن وأكثرها في السور المكية لهداية عامة الناس إلى التقوى والرشاد والصلاح .

أولوية حفظ اليتامى

وأيهما أكثر أهمية حفظ ذات اليتامى في أنفسهم ودينهم أم حفظ أموالهم ، الجواب كل منهما حاجة وتكليف ، كما تدل عليه آية البحث ، إلا أن حفظ اليتامى في أنفسهم ودينهم ، ودفع المخاطر عنهم هو الأهم ، لذا يدل قوله تعالى [وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ]([141])، على لزوم حفظ الأولياء والمجتمع لليتامى حتى يبلغوا من باب الأولوية القطعية فهم أمانة عامة .

ومفهوم ودلالة الأولوية هي إعطاء المسكوت عنه حكماً اظهر وأقوى من المنصوص عليه لاشتراكهما في الحكم ، كما في قوله تعالى [وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ]([142])، والأولوية في المقام من جهات :

الأولى : تقدم حفظ حياة الولي على الأمر بحفظ مال اليتيم .

الثانية : حفظ حياة اليتيم على حفظ ماله .

الثالثة : ولو دار الأمر بين حفظ الولي لماله وحفظه لمال اليتيم من غير إسراف أو تعد أو تفريط .

المختار تقديم حفظ مال الولي نفسه.

وكما في قوله تعالى [مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ]([143]) .

و(عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لما أراد رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ إِنَّ يهاجر إِلَى المدينة، قَالَ لأصحابه : تفرقوا عني، فمن كانت به قوة فليتأخر إِلَى آخر الليل، ومن لَمْ تكن قوة، فليذهب في أول الليل، فإذا سمعتم بن قد استقرت بي الأَرْض، فالحقوا بي .

فأصبح بلال المؤذن، وخباب، وعمار، وجارية مِنْ قريش كَانَتِ اسلمت، فأصبحوا بمكة فأخذهم المشركون وأبو جهل، فعرضوا عَلَى بلال إِنَّ يكفر فأبى، فجعلوا يضعون درعاً مِنْ حديد في الشمس، ثُمَّ يلبسونها إياه، فإذا ألبسوها إياه، قَالَ: أحد.. أحد..، وأما خباب فجعلوا يجرونه في الشوك، وأما عمار، فقال لَهُمْ كلمة أعجبتهم تقية .

وأما الجارية فوتد لها أبو جهل أربعة أوتاد ثُمَّ مدّها، فأدخل الحربة في قبلها حتى قتلها، ثُمَّ خلوا عَنْ بلال، وخباب، وعمار، فلحقوا برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، فأخبروه بالذي كَانَ مِنَ امرهم .

واشتد عَلَى عمار الّذِي كَانَ تَكَلَّمَ به، فقال لَهُ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : كيف كَانَ قلبك حين قلت الّذِي قلت، أكان منشرحاً بالذي قلت أم لا ، قَالَ : لا ، قَالَ : وأنزل الله : إِلا مِنَ اكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)([144]).

وهو من مصاديق قوله تعالى [إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً…]([145])، و(عن ابن عباس في قوله [إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً]([146]) فالتقية باللسان من حمل على أمر يتكلم به وهو معصية لله فيتكلم به مخافة الناس وقلبه مطمئن بالإِيمان ، فإن ذلك لا يضره إنما التقية باللسان)([147]) .

و(عن معمر بن يحيى بن سالم قال : قلت لابى جعفر عليه السلام : ان أهل الكوفة يروون عن علي عليه السلام انه قال : ستدعون إلى سبي والبرائة مني فان دعيتم إلى سبي فسبوني ، وان دعيتم إلى البرائة مني فلا تبرؤا مني فاني على دين محمد عليه الصلوة والسلام .

فقال أبو جعفر عليه السلام : ما أكثر ما يكذبون على علي عليه السلام ، انما قال : انكم ستدعون إلى سبى والبرائة منى فان دعيتم إلى سبي فسبوني وان دعيتم إلى البرائة مني فاني على دين محمد صلى الله عليه وآله ، ولم يقل فلا تتبروا مني.

قال : قلت : جعلت فداك فان أراد الرجل يمضى على القتل ولا يتبرء ؟ فقال : لا والله الا على الذى مضى عليه عمار ، ان الله يقول [إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ]([148]) .

قال : ثم كسع هذا الحديث بواحد : والتقية في كل ضرورة اعطاهم عمار بلسانه ما ارادوا مكرها ، فقيل يا رسول الله ان عمارا كفر .

فقال : كلا ان عمار املئ ايمانا من قرنه إلى قدمه . واختلط الايمان بلحمه ودمه ، فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يبكى فجعل النبى صلى الله عليه وآله يمسح عينيه.

وقال : ما لك ؟ ان عادوا لك فعد لهم بما قلت)([149]).

ودلالة الأولوية مقدمة على قياس المساواة الذي يتساوى فيه الطرفان في مراتب علة الحكم ، ويلزم بذل الوسع  لإستنباط العلة في تنقيح المناط ، وفي قياس المخدرات على الخمر من باب الأولوية ، فتنشر حرمة المخدرات للتساوي في الإسكار وللإضرار العام بالمخدرات .

ويسمى دليل الأولوية أيضاً :

الأول : مفهوم الموافقة .

الثاني : فحوى الخطاب .

ولا يخلو من تسامح في هذين الاسمين ، إذ أن تسمية الأولوية القطعية أظهر وأدق في الوصف .

ويمكن القول أن النسبة بين كل من مفهوم الموافقة وفحوى الخطاب وبين دليل الأولوية عموم وخصوص مطلق ، فكل منهما أعم من قياس الأولوية.

علم المناسبة

ورد قوله تعالى [وَآتُوا] بصيغة فعل الأمر المعطوف بحرف العطف الواو خمس عشرة مرة ، أكثرها  بخصوص إتيان الزكاة وعطفه على إقامة الصلاة ، قال تعالى [الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ]([150]).

لبيان قانون الدنيا دار التكاليف ، وإقامة الأمر الإلهي في القرآن الوجوب إلا أن يدل دليل على الإستحباب ، والزكاة واجبة ، وهل اتيان أموال اليتامى ودفعها لهم واجب ، الجواب نعم .

وجاءت الآية بصيغة الجمع والمفرد ، وتقديره على وجوه :

الأول : وآت اليتامى أموالهم .

الثاني : وآت اليتيم ماله .

الثالث : وآت اليتيمة مالها .

الرابع : الخطاب إلى المكلفة المؤنثة .

الخامس : وآتِ اليتامى أموالهم .

السادس : وآتِ اليتيم ماله .

بحث أصولي – قسما الأولوية-

يمكن تقسيم دليل الأولوية إلى قسمين :

الأول : الأولوية القطيعة ، وهي التي يجزم ويقطع العقل فيها بان حكم المسكوت عنه أولى بالحكم من المنصوص عليه بالتبادر .

الثاني : الأولوية الظنية ، وهو ظهور الأولوية بغلبة الظن المعتبر ، ويلزم معها التدبر والإجتهاد .

وهل أولوية حفظ شخص اليتيم ودفع المخاطر والبلاء عنه من الأولوية القطعية أو الظنية بالنسبة لحفظ ماله وقوله تعالى [وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ]([151]).

الجواب إنه من الأولوية القطعية وكذا من الأولوية القطعية حفظ اليتيم في دينه وصلاحه .

ولو دار الأمر بين حفظ نفس اليتيم أو المال ، يقدم حفظ النفس ، وكذا لو دار الأمر بين حفظ الدين والصلاح وبين حفظ المال يقدم حفظ الدين والصلاح .

ومن الأولوية الظنية الشهرة الفتوائية ، والأولوية الظنية).

أما الشهرة الروائية فهي اشتهار نقل الرواية بين الرواة ورجال الحديث ، وهذه الشهرة ترجيح للرواية.

أما الشهرة العملية فهي عمل المشهور برواية معينة والإستدلال بها في الإفتاء ، وهذه الشهرة جابرة لضعف سند الرواية عند المشهور والمختار ويقابله وهن الرواية باعراض المشهور عنها وإن كانت صحيحة أو موثقة ، وقيل : حجية الخبر صحة سنده في نفسه .

شواهد على دليل الأولوية

و(روى عطاء عن جابر قال : خرجنا في سفر وأصاب رجلا معنا حجر فشجّه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال : هل تجدون لي رخصة؟

 فقالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسلَ، فمات، فلمّا قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أُخبر بذلك .

فقال : قتلوه قتلهم الله، هلاّ سألوا إذا لم يعلموا، فإنّما شفاء العىّ السّؤال، إنّما كان يكفيه أن يتيمّم ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده )([152]).

نفي الحديث دلالة أولوية السلامة من الموت بالعمل بالرخصة وعدم الوقوف عند الواجب ، كما يدل الحديث على لزوم التفقه في الدين والتزود بالعلم قبل الفتوى .

وروي عن الإمام جعفر الصادق (عن أبيه عن جابر قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  إلى مكّة عام الفتح في رمضان فصام حتى إذا بلغ كُراع الغميم([153]) فصام النّاس .

فبلغه إنّ الناس قد شقّ عليهم الصّيام فدعا بقدح ماء وشرب بعد العصر والنّاس ينظرون فأفطر بعض النّاس وصام بعضهم فبلغه إنّ النّاس صاموا فقال : أولئك العصاة .

عاصم الأحول عن (بريد) العجلي عن أنس بن مالك قال : كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  فمنّا الصائم ومنا المفطر فنزلنا في يوم حار واتخذنا ظلالاً فسقط الصوّام وقام المفطرون فسقوا الرّكاب([154]) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  : ذهب المفطرون اليوم بالأجر .

وروى شعبة عن معلّى عن يوسف بن الحكم قال : سألت ابن عمر عن الصّوم في السّفر فقال : أرأيت لو تصدّقت على رجل بصدقة فردّها عليك ألم يغضبك؟

قال : نعم، قال : فإنّها صدقة من الله عزّ وجلّ تصدّق بها عليكم)([155]).

والمثال الشائع في دليل الأولوية هو في قوله تعالى [فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ]([156])، في الإحسان للوالدين ، ويكون:

الأول : كالأصل هو (المنصوص عليه ) قول أف للأب أو للأم أو لهما معاً .

الثاني : الفرع وهو (المسكوت عنه ) وهو الشتم أو الضرب ومطلق الإيذاء بالقول أو الفعل .

الثالث : حكم الأصل ، وهو في المقام : الحرمة .

الرابع : حكم الفرع محرم بالأولوية .

الخامس : علة الحكم : الإيذاء والعقوق ، ومعصية الأمر الإلهي بالبر بالوالدين وورد قوله تعالى [وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا] أربع مرات في القرآن وجميعها مقترنة بوجوب التقوى وعبادة الله ، قال تعالى [وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا]([157]).

وورد مرة بخصوص بني إسرائيل بقوله تعالى [وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ]([158]).

وعن سعد بن أبي وقاص (أنه مرض مرضاً أشفي منه فأتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعوده فقال : يا رسول الله إن لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلا ابنة أفأتصدق بالثلثين؟ قال : لا .

قال : فالشطر ؟ قال : لا . قال : فالثلث ؟ قال : الثلث والثلث كثير ، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)([159]) .

ويكون وفق دليل الأولوية كالآتي :

الأول : المنصوص عليه ، الثلث .

الثاني : الفرع (المسكوت عنه ) الوصية بأقل من الثلث كالربع والخمس.

الثالث : حكم الأصل : استحباب الوصية .

الرابع : حكم الفرع بالأولوية الإستحباب .

الخامس : علة الحكم الأجر والثواب وحفظ أموال الورثة ، وعدم تركهم فقراء يسألون الناس ، لذا جاءت آية البحث بحفظ أموال اليتامى .

وعن ( معاذ بن جبل قال : إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة في حياتكم يعني الوصية)([160]).

أولوية السلامة

أختلف في المراد من الصلاة الوسطى في قوله تعالى [حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى…]([161]) .

وقال الشيخ في الخلاف إنها الظهر ، وتبعه جماعة (وبه قال زيد بن ثابت وعائشة وعبد الله بن شداد، لانها بين صلاتين بالنهار، ولانها في وسط النهار، ولانها تقع في شدة الحر والهاجرة، وقت شدة تنازع الانسان إلى النوم والراحة، فكانت أشق، وأفضل العبادات أحمزها، وأيضا الامر بمحافظة ما كان أشق أنسب وأهم ولانها أول صلاة فرضت، ولانها في الساعة التي يفتح فيها أبواب السماء، فلا تغلق حتى تصلى الظهر، ويستجاب فيها الدعاء قيل: ولانها بين البردين صلاة الصبح وصلاة العصر، وقيل: لانها بين نافلتين متساويتين، كما نقل عن ابن الجنيد أنه علل به.

وروى الجمهور من زيد بن ثابت قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يصلي الظهر بالهاجرة ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله منها، فنزلت الآية، رواه أبو داود.

 وروى الترمذي وأبو داود عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قرأ ” حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر ” قال في المنتهى: والعطف يقتضي المغايرة لا يقال: الواو زائدة كما في قوله تعالى ” ولكن رسول الله وخاتم النبيين ” لانا نقول الزيادة منافية للاصل، فلا يصار إليها إلا لموجب.

 والمثال الذي ذكروه نمنع زيادة الواو فيه، بل هي للعطف على بابها، وقال في مجمع البيان : كونها الظهر هو المروي عن الباقر والصادق عليهما السلام وعن بعض أئمة الزيدية أنها الجمعة في يومها، والظهر في غيرها. كما سيأتي في بعض الأخبار.

وقال السيد المرتضى – ره – هي صلاة العصر، وتبعه جماعة وبه قال أبو هريرة وأبو أيوب وأبو سعيد عبيدة السلمانى، والحسن والضحاك وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد، ونقله الجمهور عن علي عليه السلام قالوا: لانها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار، واحتج السيد باجماع الشيعة .

وروي عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال يوم الاحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملا الله بيوتهم وقبورهم نارا، وروى في الكشاف عن صفية أنها قالت لمن كتب لها المصحف: إذا بلغت هذه فلا تكتبها حتى املئها عليك.

كما سمعت من رسول الله صلى الله عليه واله يقرأ فأملت عليه ” والصلاة الوسطى صلاة العصر ” وبأنها تقع في حال اشتغال الناس بمعاشهم، فيكون الاشتغال بها أشق)([162]).

ودليل الأولوية في قول الني محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم الأحزاب ومعركة الخندق في شهر شوال من السنة الخامسة للهجرة (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا)([163]).

ليدل على أولوية الدفاع والسلامة وما هو ضروري وحاجة على أداء الصلاة في وقتها.

بحث أصولي في الأمر

الأمر لغة هو الحال والشأن ، والصفة ومنه قوله تعالى في فرعون [وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ]([164]) كما يحمل لفظ الأمر في اللغة على : الطلب .

وهو في الإصطلاح : القول الذي يقتضي طاعة واستجابة المأمور باتيان ذات الفعل ، وطلب الفعل على جهة الإستعلاء ، وبهذا التقييد يخرج الطلب على جهة الدعاء والإلتماس الذي هو الطلب بين المتساويين ، والسؤال والرجاء ، وهو طلب الأدنى من الأعلى ، فلا يسمى الطلب من المساوي أو من الأدنى بالأمر .

وقال الغزالي (وَالْعَرَبُ قَدْ تَقُولُ : فُلَانٌ أَمَرَ أَبَاهُ ، وَالْعَبْدُ أَمَرَ سَيِّدَهُ ، وَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّ طَلَبَ الطَّاعَةِ لَا يَحْسُنُ مِنْهُ فَيَرَوْنَ ذَلِكَ أَمْرًا ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْسِنُوهُ)([165]).

ولكن هذا اللفظ يطلق على نحو محدود ، والمراد المجاز ، وهو خارج مبحث وتقسيمات علم الأصول .

ويلزم عدم الوقوف عند كل قول نادر سواء في الفقه أو التفسير أو الأصول أو الكلام .

وفي المقام مسائل :

الأولى : قد يرد الأمر بصيغة غير صيغة (أفعل) كصيغة الخبر ومنه قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]([166])، ومنها [يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ]([167]) ومنه [وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ..]([168]) .

 ومنه لام الأمر والفعل المضارع المجزوم مثل [ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ…]([169]) [لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ…]([170]).

ومنه المصدر النائب عن فعل الأمر [فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ..]([171]) أي اصبروا صبراً جميلاً .

الثانية : قد يرد الأمر في القرآن ويراد منه الإستحباب والإرشاد ، ومنه قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ]([172])، و[وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ]([173]) لحفظ حقوق الناس ومنع الفتنة والخصومة .

الثالثة : قد يأتي الأمر ويحمل على الإنذار والتهديد ، كما في قوله تعالى [اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ]([174])،[ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ]([175]) ويراد من الأمر بالتمتع الإنذار والتهديد .

والمختار والمشهور أن الأصل في الأمر هو الوجوب إلا مع القرينة التي تدل على حمله على الندب والإستحباب .

ويراد من الأمر تارة أخرى التحدي والتبكيت كما في قوله تعالى [قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا]([176])، أو إرادة النهي ، قال تعالى [قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ]([177]) وتقتضي الوظيفة الشرعية العمل لما أمر الله عز وجل به ورسوله ، وإجتناب ما نهى الله عز وجل ورسوله عنه .

وقد يجتمع صدور الأمر من الله عز وجل ومن رسوله في آية ولفظ قرآني واحد ، كما في قوله تعالى [قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ]([178])، وجاء الأمر في آية البحث [وَآتُوا] بصيغة (وافعلوا).

ويفيد الوجوب واللزوم وليس الإستحباب أو الإحتياط .

 والواجب هو ما طلب الشارع من المكلف إتيانه طلباً جازماً بحيث يثاب فاعله لأنه امتثال ، ويذم ويعاقب تاركه كوجوب الصلاة والزكاة ، قال تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ]([179]).

الكرم قربة إلى الله

قوله تعالى [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا]([180]).

لقد ذكرت آية البحث أموال اليتامى ولزوم الحفاظ عليها وعدم التصرف فيها بما يؤدي إلى التبذير والإسراف والتلف ، بينما جاءت الآية أعلاه باطعام اليتامى حباً لله عز وجل وقصد القربة إليه سبحانه ، مما يدل على وجود أيتام فقراء يحتاجون العون .

ومن إعجاز علم المناسبة في القرآن أن قوله تعالى [عَلَى حُبِّهِ] ورد مرتين وفي ذات الموضوع إذ ورد بقوله تعالى [وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ]([181]) اي على حب الله ، وفيه وجوه :

الأول : قانون عناية الشريعة باليتامى مطلقاً .

الثاني : قانون بعث المسلمين والناس جميعاً على إعانة اليتيم سواء كان محتاجاً أو غير محتاج .

الثالث : قانون الرفق العام بالذين يحتاجون العطف والإحسان .

وهل عطف اليتيم على المسكين في الآية من عطف الخاص على العام ، الجواب لا .

فقد لا يكون اليتيم مسكيناً ، ومع هذا يستحب إطعامه والإنفاق عليه وحسن ولايته .

وكما أن الأسرى عند نزول آية البحث من المشركين فان الآية تتضمن الأمر بصيغة الخبر للإنفاق على المسكين واليتيم من أي ملة كان .

وقال الثعلبي (وإيثارهم مسكيناً من مساكين المسلمين ويتيماً من يتامى المسلمين ، وأسيراً من أسارى المشركين ، ويقولون إذا أطعموهم [إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا] ([182]) قال : والله ما قالوا لهم هذا بألسنتهم ، ولكنهم أضمروه في نفوسهم)([183]).

واختلف في سورة الإنسان هل هي مكية أم مدنية ، والمشهور والمختار أنها مدنية خاصة وأن سبب النزول في أهل البيت عليهم السلام كما تقدم .

وتارة يكون إقراء الضيف للعادة والعرب والتفاخر وتارة يكون قربة إلى الله تعالى .

وكان العرب يتسابقون في صيغ الكرم والجود وإقراء الضيف ويوقدون نار القرى ليلاً لتهدي المسافرين إلى المنزل ، ونزل القرآن باكرام إبراهيم عليه السلام لضيوفه من الملائكة .

وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول (حقّ الضيافة ثلاث ليال فكل شيء أضافه فهو صدقة)([184]).

وفي حديث أبي شريح الخزاعي يرفعه (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته ، قالوا : وما جائزته يا رسول الله؟ قال : يومه وليلته ، والضيافة ثلاثة أيام ، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه .

 ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)([185]).

فجاءت آية البحث والآية أعلاه لتدعو إلى قانون الكرم قربة إلى الله ، وقانون إطعام الطعام في حب الله عز وجل كي ينال الإنسان فيه الأجر والثواب ، سواء كان مستحباً أو مباحاً .

وتدل آية البحث على أن إطعام الفقراء واليتامى والأسرى والمسجونين مستحب ومندوب .

علم المناسبة [وَآتُوا]

ورد لفظ [وَآتُوا] مع حرف العطف الواو سبع عشرة مرة في القرآن ، منها اثنتا عشرة مرة في الزكاة بقوله تعالى [وَآتُوا الزَّكَاةَ] لبيان موضوعية الزكاة في الشريعة الإسلامية ، ولزوم إخراج المسلم ما يتعلق بماله من حق الفقراء ومصارف الزكاة الأخرى ، قال تعالى [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ]([186]).

ويستحق اليتيم الذي ليس له مال الزكاة من حق الفقراء وحق المساكين ، ولم يذكر [وَآتُوا الْيَتَامَى] إلا في آية البحث ، وهل يدل هذا الإنفراد على قلة اليتامى الذين تكون لهم أموال وتركة تكفي للنفقة عليهم ،وبقاؤها لحين البلوغ ، الجواب لا .

فقد يرد حكم عام بآية واحدة كما في قوله تعالى [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا]([187]) ، ومن وجوه التشابه بين مال اليتيم والزكاة في لفظ [وَآتُوا] وجوه :

الأول : الوجوب ، وجوب إخراج مال الزكاة ، ودفع أموال اليتامى لهم.

الثاني : تعلق الأمر بالمال والحقوق المالية .

الثالث : توجه الخطاب بالزكاة إلى الذين تحقق عندهم النصاب ، فلا يشمل الناس جميعاً .

 ليكون تقدير قوله تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ]([188])، يا أيها الذين آمنوا أقيموا الصلاة جميعاً  .

وأتوا الزكاة خاص بالذين في أموالهم زكاة ، فالصلاة واجب عيني مطلق على كل مكلف ، أما الزكاة فهي واجب مشروط بالنصاب .

وبالنسبة للأولياء الذين عندهم أموال اليتامى ، فليس كل ولي عنده مال لليتامى ، ومع هذا فان الخطاب في آية البحث عام للناس جميعاً .

وكثرة ذكر الزكاة في القرآن بشارة حال المندوحة والغنى عند المسلمين ، وصيرورتهم قادرين على اتيان الزكاة بما يفضل في أموالهم ، ولزوم تعاهدهم إخراج الزكاة لتدوم النعم عليهم ، ويدل عليه قوله تعالى [وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ..]([189])، فالمسلم الحي عنده مال ، والميت يترك المال لورثته.

ومن معاني الجمع بين آيات [وَآتُوا] لزوم تنزه أصحاب الأموال عن أكل أموال اليتامى ، إنما يجب دفعها لهم عند البلوغ فهي أمانة مالكية وشرعية عندهم ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا…]([190]).

بحث بلاغي المجاز المرسل

وهو استعمال الكلمة في غير معناها الحقيقي للعلاقة غير  المشابهة مع وجود قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي للفظ ،والنسبة بين المجاز والمجاز المرسل هو العموم والخصوص المطلق .

والمجاز هو استعمال اللفظ في معنى غير الذي وضع له أصلاً لعلاقة وقرينة صارفة  عن المعنى الحقيقي ، وينقسم المجاز إلى :

الأول : المجاز اللغوي .

الثاني : المجاز العقلي وهو إسناد الفعل إلى جهة غير التي هي الأصل ، لعلاقة بينهما مع قرينة مانعة من إرادة الإسناد الحقيقي أو إرادة الظاهر .

ومنه قوله تعالى [فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ]([191])، والعيشة لا ترضى ، وإنما يرضى عنها ، وكما في قول (أنبت الربيع العشب) والله عز وجل هو الذي ينبت الزرع ، والربيع لا ينبته ، ولكنه أوان الإنبات .

ومن المجاز العقلي [وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ]([192]).

والجريان للماء ، ومع هذا نسب للأنهار .

ومنه [إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا]([193]) والخمر لا تعصر لأنها سائل ، فاطلاق الخمر وإرادة العنب مجاز مرسل ، وتكون العلاقة فيه بلحاظ ما سيكون عليه .

وهل في الآية أعلاه أمارة على صناعة خمرة جافة وحبوب ، المختار نعم.

لبيان أن معاني اللفظ القرآني أعم من إرادة أيام التنزيل ، وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (حرم الله الخمر ، وكل مسكر حرام )([194]) .

و(عن أبي سعيد قال : كان عندنا خمر ليتيم ، فلما نزلت الآية التي في المائدة سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلنا : ليتيم؟ فقال : اهريقوها)([195]).

لبيان إذا كان مال اليتيم خبيثاً وحراماً ، فلا يجوز المحافظة عليه .

أقسام المجاز المرسل

من العلاقة في المجاز المرسل وجوه :

الأول : الكلية وإطلاق الكل وإرادة الجزء مثل قوله تعالى [جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ]([196])، ومثل [وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا…]([197]) .

الثاني : الجزئية بذكر الجزء وإرادة الكل مثل [فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ]([198]) .

الثالث : لحاظ ما كان ، وأذكر مثالاً في المقام آية البحث ، وأن قوله تعالى [وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ]([199])، أي الذين كانوا يتامى ثم بلغوا .

والمختار أن موضوع الآية أعم ، ويشمل الإنفاق على اليتامى من أموالهم قبل أن يبلغوا .

الرابع : المسببية ، وأستدل عليه بقوله تعالى [وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا]([200]) بأن الذي ينزل هو المطر الذي يسبب الرزق ، فذكر السبب (المطر) والمراد المسُبب وهو الله عز وجل ، وهو الرزق من الزراعة والسقي ونحوه .

والمختار أن المطر والغيث ذاته رزق من عند الله عز وجل للسقي ولشرب الإنسان والدواب .

وقد يأتي العلم الحديث بمنافع ووجود ذرات مباركة في المطر ، كما يكون المطر رزقاً بالإستمطار الصناعي (تلقيح السحب) بما سيأتي من تسيير السحاب لقاء أجور ومبالغ كبيرة .

وإذا أكثر الناس من تبخير ماء البحار في الأحقاب التالية فهل يصيبها النقص وتحدث أضرار في البيئة ، الجواب نعم .

الخامس : إرادة الراكب ، كما في قوله تعالى في سورة يوسف  [ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ]([201])،فورد النداء للعير وهي القافلة والإبل المحملة بالبضائع ، والمراد أصحابها والذين يركبونها .

السادس : الآلة ، كما في قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ]([202])، إذ ذكر اللسان عنواناً للغة وصيغ التخاطب لأنه آلتها .

السابع : لحاظ ما سيكون ، كما في قوله تعالى [وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا]([203])، مع أن المولود حين يولد لا يكون فاجراً ، ولكن عندما يصل الأبناء إلى سن البلوغ يكونون على مذهب آبائهم في الكفر والجحود .

الثامن : يمكن انشاء وجه آخر من وجوه المجاز المرسل ، وهو إطلاق الكثير ليشمل القليل كما في قوله تعالى [لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً]([204])، لبيان حرمة الربا وان كان قليلاً.

ومن فوائد المجاز :

الأول : الإيجاز غير المخل .

الثاني : اجتناب الإطناب والإطالة .

الثالث : بدائع الكلام وقوة التأثير لدى السامع .

الرابع : تعدد صيغ وأساليب الكلام .

علم المناسبة [أَمْوَالَهُمْ]

ورد لفظ [أَمْوَالَهُمْ] إحدى وعشرين مرة ، وورد لفظ [أَمْوَالِكُمْ] أربع عشرة مرة في القرآن .

ومن إعجاز الصلة بين آيات القرآن تكرر لفظ [أَمْوَالِكُمْ]مرتين في آية البحث ومرتين في آية أخرى في ذات موضوع اليتامى وحفظ أموالهم، قال تعالى[ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا]([205]).

ويتوجه الخطاب في الآية أعلاه إلى الحكام والعلماء والأولياء والأوصياء ، بأن يختبروا اليتامى إذا بلغوا الحلم وسن الزواج سواء من الذكور أو الإناث بعقولهم ، وهل هم بدرجة الرشد التي يحفظون معها أموالهم كما لو بلغوا سن خمس عشرة سنة هلالية مع الأهلية لحفظ المال .

وفي سبب نزول الآية أعلاه ذكر أنها (نزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه ، وذلك أن رفاعة توفى وترك ابنه ثابتاً وهو صغير ، فأتى عمُ ثابت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إن ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله ، ومتى أدفع إليه ماله ، فأنزل الله تعالى [وَابْتَلُوا الْيَتَامَى]([206]))([207]).

وموضوع الآية أعم ليكون من معاني الجمع بينها وبين آية البحث وجوه:

الأول : تأكيد وجوب دفع أموال اليتامى لهم عند البلوغ .

الثاني : حرمة التعدي على أموال اليتامى .

الثالث : إقامة الحجة على أولياء اليتامى بأن الله عز وجل رزقهم ما فيه غنى عن التعدي على أموال اليتامى .

الرابع : إذا كان ولي اليتيم والذي له السلطة على ماله فقيراً فيأكل منه ما يسد الجوع ، ويلبس ما يواري العورة ، أي الضروري .

 وهل يكون عليه كالدين المحتاج إليه ، ويرده إذا وجد أم ليس من قضاء ، المختار هو الأول إلا مع تفرغه لهذه الولاية .

وقد ورد التفصيل والتقييد في حديث الإمام جعفر الصادق عليه السلام في قوله تعالى [فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ]([208]) (فقال ذلك رجل يحبس نفسه على أموال اليتامى فيقوم لهم فيها ويقوم لهم عليها فقد شغل نفسه عن طلب المعيشة فلا بأس أن يأكل بالمعروف اذا كان يصلح أموالهم ، وان كان المال قليلا فلا يأكل منه شيئا)([209]).

ولم يرد لفظ [فَلْيَأْكُلْ] في القرآن إلا في الآية أعلاه .

قوله تعالى [وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ]

تحتمل جهة الخطاب وجوهاً :

الأول : إرادة الناس جميعاً .

الثاني : المقصود المسلمون .

الثالث : خصوص الأولياء على أموال اليتامى .

المختار هو الأول .

وهل يلحق المجنون باليتيم في المقام ، الجواب نعم ، فيلزم حفظ مال المجنون وإن كان قد بلغ سن البلوغ ولكنه فاقد للعقل .

وهل يختص النهي عن تبديل الطيب بالخبيث بخصوص أكل أموال اليتامى أم هو أعم ، الجواب هو الثاني .

وأختتمت آية البحث بقوله تعالى [إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا]([210]) لبيان أن ترك الطيب والحلال واختيار الكسب الحرام ، والتعدي على أموال اليتامى إثم عظيم ، وإضرار بالذات وسبب للحساب الشديد يوم القيامة .

والآية إنذار من قيام الولي بأخذ الحسن ومرتفع القيمة من مال اليتيم وجعل بدله الردئ ومنخفض القيمة .

لقد أمرت آية البحث بدفع أموال اليتامى لهم عند بلوغهم ، فهل الإبطاء والتسويف بدفعها لهم من الخبيث ، الجواب نعم ، وإن لم يكن أكلاً للخبيث .

وهل من موضوعية في المقام لقوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]([211])الجواب نعم ، فمن مصاديق إخوة اليتامى وحفظها إعادة أموالهم لهم ، وعدم التعدي عليهم أو عليها .

فاذا بلغ اليتامى إنتفت عنهم صفة اليتم ، وبقيت صفة الإخوة في الدين ، والنسب والصلات الإنسانية العامة ، مما يملي على الولي اجتناب ظلمهم أو تعريض أموالهم للضرر والغبن أو حبسها من غير وجه حق .

وفي آية أخرى قال تعالى بخصوص أموال اليتامى [وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا] ([212])للنهي عن أكل أموال اليتامى بالإسراف أو التفريط في النفقة ، وأما قوله تعالى [وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا] ، أي المبادرة إلى إنفاق أموال اليتامى قبل بلوغهم ورشدهم بحيث إذ بلغوا سن الرشد لم يبق من مالهم شئ  .

سواء جاءت هذه المبادرة بصرف أموال اليتامى عن إسراف أو غير إسراف ، فلا يصح العزم على إنفاق أموال اليتامى .

 ومن إعجاز الآية أعلاه استثناء حال فقر وعوز الولي بقوله تعالى [وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ]([213]) أي بقدر أجرة عمله وصيانته وحفظه لمال اليتيم ولإلحاقه بالضرورة .

حرمة تبديل الخبيث بالطيب

تنهى آية البحث عن ترك الطيب القريب والحلال ، وأخذ الحرام والقبيح ، وهل تختص آية البحث بأكل أموال اليتامى أم أنها أعم ، المختار هو الثاني ، إذ تبين الآية وجوهاً :

الأول : قانون النهي عن أكل أموال اليتامى .

الثاني : قانون الملازمة بين الحلال والطيب .

الثالث : بعث القرآن النفرة في النفوس من أكل أموال اليتامى .

الرابع : الزجر عن التعجل بطلب الحرام وترك الحلال .

لقد جعل الله عز وجل لكل إنسان مقداراً من الرزق الحلال مع زيادة من فضله تعالى .

فان مدّ يده إلى الحرام كمال اليتيم فانه يحجب عن نفسه الكسب الحلال، لبيان أن من مفاهيم الآية الإيعاز بأن الله عز وجل [هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ]([214]).

ومن الكسب الخبيث جهات :

الأولى : الربا ، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]([215])([216]).

الثانية : القمار والميسر والمراهنة مما يؤدي إلى :

الأول : ضياع الأموال وخراب البيوت العامرة ، والذل والهوان وسوء الأخلاق .

الثاني : التطلع للربح بالحظ والصدفة والغش .

الثالث : قانون القمار ظلم للذات والعائلة . 

الرابع : قانون القمار فساد في الأرض ، وهل هو مما تساءلت عنه الملائكة يوم خلق الله عز وجل آدم ، كما ورد حكاية عنهم في التنزيل [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]([217]) .

الخامس : قانون القمار مقدمة للأخلاق المذمومة ، والتعدي والظلم ، فلو كان ولي اليتيم يلعب القمار وضروب المراهنة بالمال فأنه يتعدى على مال اليتيم ، ولا يكون من الذين يتبدلون الخبيث بالطيب فقط بل إنهم يضيعون الطيب الذي يخصهم والذي يخص غيرهم ، وبالقمار يعتاد الإنسان على الخمول ويلجأ إلى الغش والخداع والكسب الحرام .

الثالثة : الرشوة : لابطال الحق وإحقاق الباطل أو لتسهيل وتنجز أمر ، فقد يميل بعضهم إلى عرقلة المعاملة من أجل حمل صاحبها على دفع رشوة أو هدية ، وهذه الهدية سحت وحرام لا يجوز أخذها ، نعم لا أثم على الذي يدفعها لأنها نوع اضطرار إذا لم يكن فيها سلب لحق الغير ، كما لو كانت الأولوية للغير .

ولو احتاج الولي دفع رشوة من مال اليتيم فهل يصح هذا الدفع ، الجواب نعم في حال :

الأول : الضرورة لدفع الرشوة .

الثاني : إنحصار الدفع بمال اليتيم .

الثالث : إرادة مصلحة اليتيم في هذا الدفع .

الرابع : الإكتفاء بالأقل من المال أو جنس المدفوع .

الخامس : عدم التعدي على حقوق الآخرين .

الرابعة : السرقة ، والغصب ، والنهب فهو حرام كتاباً ، وسنة ، وإجماعاً ، وعقلاً ، قال تعالى [وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]([218]).

أضرار تبديل الطيب بالخبيث

لقد أختتمت الآية السابقة بقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا]([219]) فجميع أفعال الناس حاضرة عند الله من قبل أن يفعلوها واثناء فعلها ، وبعد أن يفعلوها وإلى الأبد لا تغيب عنه سبحانه .

وإذا إختار الإنسان الخبيث والحرام في المكاسب ومطلق العمل وأعرض عن الواجب ، وترك الطيب والحلال والمباح وأكل مال اليتيم ، وركب جادة المعصية فانه يبوء بسخط ومقت وغضب من عند الله عز وجل ، فتمحق منه البركة ، ويقسو قلبه .

فجاءت آية البحث للزجر عن الحرام مطلقاً ، ومنه أكل مال اليتيم سواء كان من قبل الولي أو غيره ، فانه لا يجلب لصاحبه إلا الأذى والضرر في النشأتين .

 ليكون الإنذار بقوله تعالى [وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ] ترغيباً للناس جميعاً بالكسب الحلال ، وإنذاراً وزاجراً عن المال الحرام .

 لتكون آية البحث مدرسة في الموعظة والإرشاد ، فهي وإن نزلت بخصوص اليتامى وحفظ أموالهم ، ودفعها لهم عند البلوغ إلا أنها تدعو إلى السلم الإجتماعي والمالي العام .

 وبلحاظ عطف آية البحث على الآية السابقة وهي الأولى من سورة النساء يكون تقدير الآية : يا أيها الناس لا تتبدلوا الخبيث بالطيب .

لبيان قانون الإنسان ليس مخير في موارد التكليف ، وقانون تقريب الإنسان بالتنزيل والنبوة إلى فعل الخير وأكل الطيب.

قوله تعالى [وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ]

يتوجه الخطاب في الآية إلى الأولياء والأوصياء والولاة لحفظ أموال وحقوق اليتامى فهي أمانة مالكية شرعية .

وتنهى الآية عن خلط أموال اليتامى مع أموال الأولياء ونحوهم أو المضاربة بها بما يؤدي إلى الإضرار بهم ، وعدم ضمان بقاء أموالهم.

وهل يجوز للولي المضاربة بمال اليتيم مع شرط عدم الخسارة فيه ، أي إذا حدثت خسارة يتحملها العامل دون اليتيم صاحب المال ،الجواب نعم ، مع ضمان سلامة المال ورجحان الربح وقدرة العامل على تحمل الخسارة  في حال وقوعها .

ومن معاني [إِلَى أَمْوَالِكُمْ] أي (مع أموالكم) لمنع خلط أموال اليتامى مع غيرها ، لقاعدة نفي الجهالة والغرر ، وقاعدة منع الحرج ، ودفع الضرر المحتمل ، لوجوه :

الأول : قانون بقاء أموال اليتامى في حرز .

الثاني : قانون تعاهد أموال اليتامى .

الثالث : قانون أموال اليتامى وديعة .

الرابع : قانون الولاية على أموال اليتامى أمانة مالكية شرعية .

وهل يمكن القول باستثناء حال عوز الولي وحاجته لمال الصبي لدلالة ذكر [أَمْوَالِكُمْ] على النهي عن أكل مال اليتامى في حال الغنى والتجارة .

الجواب لابد من اعادة أموال اليتامى لهم عند بلوغهم ، ولا يجوز التخلف عن أوان الإعادة الكاملة لأموالهم .

نعم مع العوز والفاقة فيجوز ، ويكون ديناً في ذمة الولي لأحكام الضرورة.

وظاهر آية البحث عدم جواز أخذ أجرة وبدل عن العناية باليتامى وحفظ أموالهم ، إنما هي حسبة إلا مع الحاجة والتفرغ لولاية الأيتام وهو من مصاديق قوله تعالى [فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ]([220]).

ترى لماذا قدمت الآية إعادة أموال اليتامى لهم على أكل الولي أموالهم ، وضمها إلى ماله ،الجواب من وجوه :

الأول : الدعوة السماوية لحفظ أموال اليتامى .

الثاني : الإطلاق الزماني في النهي عن أكل أموال اليتامى حتى بعد بلوغهم سن البلوغ ،وتقدير الآية على جهات :

الأولى : ولا تأكلوا أموال اليتامى إلى أموالكم قبل بلوغهم .

الثانية : ولا تأكلوا أموال اليتامى إلى أموالكم بعد بلوغهم ، ومنه اليتيمة التي يتزوجها الولي أو يزوجها لأولاده فهي حتى بعد البلوغ تكون تحت ولايته وسلطانه .

الثالثة : تقديم الأهم وهو حفظ أموال اليتامى مدة اليتم ، وإعادتها لهم عند البلوغ .

الرابعة : لزوم تنزه الأولياء والأوصياء من الطمع في مال اليتامى الذين في حجرهم .

الخامسة : بيان مصداق من مصاديق حفظ أموال اليتامى حتى بلوغهم ، وهو الإمتناع عن ضم أموالهم إلى أموال الأولياء والأوصياء .

الثالث : تقديم الأهم والأعم وهو لزوم دفع أموال اليتامى لهم ، ومنه الإنفاق عليهم مدة اليتم ، ودفع أموالهم لهم عند البلوغ .

ترى ما هي النسبة بين قوله تعالى [وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ] وبين أكل أموال اليتامى ظلماً ، فيه وجوه :

الأول : التساوي بينهما .

الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق ، فأكل أموال اليتامى ظلماً هو الأعم .

الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإنفاق .

المختار هو الثاني ، لذا قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا]([221]).

لذا حينما نزلت الآية أعلاه فزع المسلمون وخشوا الإقتراب من أموال اليتامى .

و(عن ابن عباس في الآية قال : إن الله لما أنزل [إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا…] كره المسلمون أن يضموا اليتامى وتحرجوا أن يخالطوهم في شيء .

فسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأنزل الله [قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ]([222]) يقول : لأحرجكم وضيق عليكم ، ولكنه وسع ويسر)([223]).

وقد يكون أكل أموال اليتامى بالمضاربة والتجارة ، والإقتراض مع العجز عن القضاء فيتغير موضوعه فيصبح الإستحواذ على أموال اليتامى ظلماً.

علم المناسبة

جاء في الآية الثامنة من هذه السورة سورة النساء منع اليتامى من قسمة التركة ممن ليسوا من الورثة بقوله تعالى [وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ]([224]).

وقيل أن الآية أعلاه منسوخة ، نسختها آية المواريث ، وبه قال قتادة وسعيد بن المسيب ، ولم يثبت هذا النسخ فالآية محكمة غير منسوخة وبه قال ابن عباس إذ قال (هي قائمة يعمل بها)([225]).

نعم إذا كان مال التركة قليلاً يقال لهم قولاً معروفاً ، ولا تصل النوبة إلى هذا القول والإعتذار مع الشح .

ومن إعجاز علم المناسبة أن الفعل الماضي[حَضَرَ] ورد خمس مرات في القرآن ، كلها بخصوص حضور الموت إلا الآية أعلاه لبيان أن العطية من التركة لذوي القربى واليتامى والمساكين الذين يحضرون القسمة ممن لم يكونوا من الورثة فيه نفع وثواب للميت المورث ، وللورثة .

وفيه نشر للإحسان والرفق باليتامى ، وتنمية ملكة إعانة الأرحام واليتامى والمساكين في كل الأحوال خاصة مع اليسر والمناسبة المالية ، ومنها قسمة التركة وطرد للعين والحسد .

لبيان إعانة اليتامى من قسمة التركة التي يحضرونها وليس لهم فيها سهم ، حتى وان كانت عندهم أموال لأصالة العموم ، وعدم الحصر بالفقراء منهم ، وكذا بالنسبة لذوي القربى .

وورد الإنذار والوعيد للذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً وتعدياً سواء كانوا أولياء عليهم أم لم يكونوا أولياء ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا]([226]).

قوله تعالى [إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا]

ترى ما هو متعلق الضمير (الهاء) في [إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا] فيه وجوه :

الأول : المراد أكل مال اليتامى .

الثاني : ضم الأولياء أموال اليتامى إلى أموالهم .

الثالث : تبديل الجيد من مال اليتيم بالردئ من مال الولي مع عجز اليتيم عن الإعتراض والإحتجاج والمنع ، فتفضل الله عز وجل وحرم هذا الفعل ونهى عنه ، وفي التنزيل [وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا]([227]).

الرابع : حبس الولي لمال اليتيم بعد بلوغه.

والمختار هو كل فعل من هذه الأفعال إثم كبير ، وظلم .

وأن الضمير (الهاء) في [إِنَّهُ] يعود لها مجتمعة ومتفرقة ،وهو من إعجاز القرآن لبيان قانون لو دار الأمر في عودة الضمير بين الخاص والعام فالأصل هو العام.

 وقد يكون أكل مال اليتيم وضمه او تبديله مع مال الولي لا يبقي منه شيئاً عند البلوغ فجاء أول الآية ليبين لزوم حفظ شطر من أموال اليتيم لحين بلوغه ، وعدم الإسراف في النفقة عليه ، فهو محتاج بعد البلوغ لماله لزواجه وقضاء حوائجه ، وعمله وما يحفظ له عزته ويصون ماء وجهه .

وقيل أن كل لفظ (كبيراً أو عظيماً ) ورد في مقام الزجر والنهي هو من الكبائر ، كما في آية البحث [حُوبًا كَبِيرًا]([228]) و[إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا]([229]) [إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ]([230]) ،[ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ]([231]) [سُبْحَانَكَ هذا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ]([232]) [إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا]([233]) و[وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا]([234]).

والنسبة بين الحرام والكبائر عموم وخصوص مطلق ، والكبائر أشد حرمة ، وجاء الوعيد عليها بالعذاب بالنار، ويلزم إجتناب الكبائر والصغائر .

وفي كتاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهل اليمن الذي بعثه مع عمرو بن حزم (إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة إشراك بالله ، وقتل النفس المؤمنة بغير حق ، والفرار في سبيل الله يوم الزحف ، وعقوق الوالدين ، ورمي المحصنة ، وتعلم السحر ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم)([235]).

لبيان أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم جعل أكل مال اليتيم من أكبر الكبائر .

وعن أنس (سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ألا إن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ، ثم تلا هذه الآية [إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ. . .]([236])الآية)([237]).

وورد عن الإمام جعفرالصادق عليه السلام أكل مال اليتيم من الكبائر بقوله (الكبائر سبع : قتل المؤمن متعمدا ، وقذف المحصنة ، والفرار من الزحف ، والتعرب بعد الهجرة ، وأكل مال اليتيم ظلما ، وأكل الربا بعد البينة وكل ما أوجب الله عليه النار)([238]).

طرق قساوة القلب

المراد من قساوة القلب استعارة للغلظة في التصرف كمبرز خارجي ، والصدود عن الموعظة ، والإمتناع عن ذكر الله واستحضار علم الله عز وجل بعالم الأقوال والأفعال .

وقسوة القلب ضد الرحمة والرقة واللين ، وقد ذم الله عز وجل القاسية قلوبهم ، قال تعالى [ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً…]([239]) .

ونزل القرآن بالإنذار على قسوة القلوب ، قال تعالى [فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]([240]) ،

وعن الإمام الباقر عليه السلام (من أنكر منكم قساوة قلبه فليدنِ يتيما فيلاطفه وليمسح رأسه يلين قلبه باذن الله، إن لليتيم حقا .

وقال في حديث آخر: يقعده على خوانه، ويمسح رأسه يلين قلبه فانه إذا فعل ذلك لان قلبه باذن الله)([241]).

وتدل آية البحث على رحمة الله بالناس عامة ، وجعل الرأفة باليتامى سبباً لإنشراح الصدر وزوال القسوة من القلب ، ويكفي مسمى هذه الرأفة ، فليس في المسح على رأس اليتيم إنفاق أو جهد .

لبيان عموم قصد الإحسان إلى اليتامى ورجاء الأجر والثواب فيه .

وهل المراد المسح على رأس اليتيم على نحو الحصر والتعيين أم أي قول وفعل فيه شفقة على اليتيم ، ولطف وإكرام له ، المختار هو الثاني لإرادة تعويض ومواساة اليتامى ، وعدم إضاعتهم .

لذا رفع الله عز وجل من شأن اليتامى وأعطاهم صفة الإخوة في الدين مع صغرهم ، قال تعالى [فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]([242]).

ومن خصائص إشاعة العطف على اليتامى تغشي السكينة المجتمعات ، ورؤية الأبناء لإحسان آبائهم وأمهاتهم لليتامى ، فيكسبوا الآداب في هذا الأمر ، ولا يستصغرون ويهينوا اليتامى فان الله عز وجل هو وليهم ، ومن هذا العطف إعانة اليتامى على التعلم والدراسة وتعاهد سبل الإيمان لأنهم وديعة عند الولي وعموم المجتمع . 

بحث أصولي في النهي

بعد أن ابتدأت آية البحث بالأمر العام بأتيان اليتامى أموالهم ، جاء نهيان :

الأول : النهي عن تبديل الأولياء الخبيث من أموالهم بالطيب من أموال اليتامى .

الثاني : النهي عن ضم أموال اليتامى إلى أموال الأولياء ، ليدل بالأولوية القطعية على حرمة الإستيلاء على أموال اليتامى ، ويفيد النهي القرآني وجوهاً :

الأول : إرادة التحريم إلا مع القرينة الصارفة إلى الفساد .

الثاني : دلالة النهي القرآني على قانون اتيان المنهي عنه يؤدي إلى الفساد.

الثالث : الإثم في الدنيا والعقاب في الآخرة على إتيان المنهي عنه في القرآن والسنة .

الرابع : قانون بالنواهي القرآنية حماية للأفراد والمجتمعات من الضلالة وأسباب الهلكة .

ويلزم إحصاء النواهي القرآنية ، ثم الفصل بين ما يلزم الحرمة أو الكراهة ، وكذا إحصاء النواهي الواردة في السنة النبوية ، والأصل في النواهي القرآنية الحرمة وهي أظهرها وأكثرها ، ومنها :

الأول : النهي عن الشرك بالله ، وفي التنزيل [وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا]([243]) لبيان عدم الإكتفاء بالعصمة من الشرك بل لابد معها من عبادة الله بأداء الفرائض العبادية ، والإمتناع عما نهى الله عنه .

الثاني : النهي عن الزنا والفواحش .

الثالث : النهي عن عقوق الوالدين .

الرابع : المنع من الإستيلاء على أموال اليتامى .

قانون مال اليتيم أمانة

الأمانة لغة الوديعة ، ويقال فلان أمين أي لا يتعدى على حقوق الغير سواء التي تحت يده أوغيرها .

والأمانة في الإصطلاح هي حق للغير يلزم حفظه وأداؤه إلى أهله.

وأوكده الودائع ، وردها إلى المودع ، ومنها حفظ الولي والوصي لمال اليتيم .

والأمانة فرض عظيم على الناس جميعاً ، قال تعالى [إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا]([244]).

وعن الإمام (موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له، ولا صلاة لمن لا يتم ركوعها وسجودها)([245]).

وكذا ورد (عن أنس قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ألا لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له)([246]).

والأنبياء أمناء الله في أرضه ، وأئمة الناس في الأمانة والصدق ، وورد في التنزيل مخاطبة النبي هود عليه السلام لقومه [أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ]([247]).

وفي وصف ابنة شعيب لموسى عليه السلام ورد في التنزيل [قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ]([248]).

وقد تأتي الأمانة بعنوان الأمن ، كما ورد في حديث ملك مصر مع يوسف عليه السلام [وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ]([249]).

وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يسمى قبل النبوة (الصادق الأمين) لبيان مقدمات النبوة ، وتجلى هذا الصدق والأمانة في تجارته بمال خديجة ، وصيرورة مالها يربح ضعف ما كان يربحه قبل تولي النبي الإتجار به ، كما صار أهل مكة يحكمونه في خصوماتهم ، ويستودعون عنده أموالهم ، ولم تعرف عنه خيانة أو غدرة أو كذبة.

لذا حينما أراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الهجرة إلى المدينة أمر الإمام علي عليه السلام بالمبيت في فراشه ليلة الهجرة وإعادة أمانات الناس إلى أهلها .

فلو أصبح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مهاجراً لحدثت ضجة من قبل أهل الأمانات ولأعانوا على البحث عن النبي محمد خارج مكة خاصة مع جعل قريش مائة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً.

وصار أهل البيت والصحابة يحتجون بأمانة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للدلالة على صدق نبوته .

قانون مصاحبة الأمانة للإيمان

يبعث الإيمان صاحبه على الصدق والأمانة والخشية من الله في السر والعلانية ، وهل يمكن القول بقانون لا إيمان لمن لا أمانة له ، الجواب نعم .

 وذات الإيمان أمانة عقائدية يلزم جعلها تركة للوارث ، ومن الأمانة تعاهد اليتامى ، وحفظ أموالهم .

وحينما دخل الصحابة المهاجرون في الحبشة على النجاشي ورد عن أم سلمة بنت أمية التي كانت مهاجرة إلى الحبشة قبل أن يتوفى زوجها ، ويتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

سألهم النجاشي بسبب تحريضه من قبل وفد كفار قريش برئاسة عمرو بن العاص (فقال: ما هذا الذي فارقتم فيه قومكم ، ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من هذه الملل.

قالت : فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال : أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف .

فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده، ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه، الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء .

ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام.

قالت : فعد عليه أمور الإسلام. فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله عز وجل .

فعبدنا الله لا نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا.

فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا؛ ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل كما كنا نستحل من الخبائث .

فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على مَنْ سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك .

قالت : فقال له النجاشي: وهل عندك مما جاء به من عند الله شيء.

فقال له جعفر : نعم. فقال له النجاشي: فاقرأه علي، فقرأ عليه صدرا من (كهيعص)([250]).

قالت: فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكى أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم، حين سمعوا ما يتلى عليهم.

وقال النجاشي : إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. انطلقا. لا والله لا أسلمهم إليكما ولا أكاد)([251]).

ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شهادة أعدائه بأمانته في المجالس الدولية العامة.

ففي حديث أبي سفيان قال له ملك الروم (وَسَأَلْتُكَ بِمَاذَا يَأْمُرُكُمْ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَيَنْهَاكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلاَةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ .

 قَالَ وَهَذِهِ صِفَةُ النَّبِىِّ ، قَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ ، وَلَكِنْ لَمْ أَظُنَّ أَنَّهُ مِنْكُمْ ، وَإِنْ يَكُ مَا قُلْتَ حَقًّا ، فَيُوشِكُ أَنْ يَمْلِكَ مَوْضِعَ قَدَمَىَّ هَاتَيْنِ .

 وَلَوْ أَرْجُو أَنْ أَخْلُصَ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لُقِيَّهُ ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ قَدَمَيْهِ.

 قَالَ أَبُو سُفْيَانَ ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَقُرِئَ فَإِذَا فِيهِ :

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ ، سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى .

 أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّى أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَعَلَيْكَ إِثْمُ الأَرِيسِيِّينَ وَ[قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ]([252]))([253]).

حديث إطعام المسكين واليتيم والأسير

لقد ورد عن ابن عباس أنه قال (مرض الحسن والحسين فعادهما جدّهما محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه أبو بكر وعمر ، وعادهما عامّة العرب فقالوا : يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذراً وكل نذر لا يكون له وفاء فليس بشيء.

فقال علي (عليه السلام) : إن برأ ولداي مما بهما صمتُ ثلاثة أيام شكراً.

وقالت فاطمة (عليها السلام) : إن برأ ولداي مما بهما صمت لله ثلاثة أيام شكراً ما لبس الغلامان العافية ، وليس عند آل محمد قليل ولا كثير .

فانطلق علي إلى شمعون بن جابا الخيبري ، وكان يهودياً فاستقرض منه ثلاثة أصوع من شعير ، وفي حديث المزني عن ابن مهران الباهلي فانطلق إلى جار له من اليهود يعالج الصوف يقال له : شمعون بن جابا ، فقال : هل لك أن تعطيني جزّة من الصوف تغزلها لك بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم بثلاثة أصوع من الشعير قال : نعم ، فأعطاه فجاء بالسوق والشعير فأخبر فاطمة بذلك فقبلت وأطاعت.

قالوا : فقامت فاطمة إلى صاع فطحنته وأختبزت منه خمسة أقراص لكل واحد منهم قرصاً وصلى علي مع النبي (عليه السلام) المغرب ، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه اذ أتاهم مسكين فوقف بالباب فقال : السلام عليكم أهل بيت محمد ، مسكين من مساكين المسلمين ، أطعموني أطعمكم من موائد الجنة ، فسمعه علي فأنشأ يقول :

فاطم ذات المجد واليقين … يا ابنة خير الناس أجمعين

أما ترين البائس المسكين … قد قام بالباب له حنين

يشكوا إلى الله ويستكين … يشكوا إلينا جائع حزين

كل امرء بكسبه رهين … وفاعل الخيرات يستبين

موعدنا جنة عليين … حرمها الله على الضنين

وللبخيل موقف مهين … تهوى به النار إلى سجين

شرابه الحميم والغسلين … من يفعل الخير يقم سمين

ويدخل الجنة أي حين .

فأنشأت فاطمة :

أمرك عندي يا ابن عمّ طاعه … ما بي من لؤم ولا وضاعه

غذيت من خبز له صناعة … أطعمه ولا أبالي الساعه

أرجو إذ أشبعت ذا المجاعه …أن ألحق الأخيار والجماعه

وأدخل الخلد ولي شفاعه.

قال : فأعطوه الطعام ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا شيئاً إلاّ الماء القراح ، فلمّا كان اليوم الثاني قامت فاطمة إلى صاع فطحنته فاختبزته وصلّى علي مع النبي(عليه السلام).

ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه فأتاهم يتيم فوقف بالباب فقال : السلام عليكم أهل بيت محمد : يتيم من أولاد المهاجرين ، استشهد والدي يوم العقبة ، أطعموني أطعمكم الله على موائد الجنة فسمعه علي عليه السلام فأخذ يقول :

فاطم بنت السيد الكريم … بنت نبي ليس بالزنيم

لقد أتى الله بذي اليتيم … من يرحم اليوم يكن رحيم

موعده في جنّة النعيم …قد حرّم الخلد على اللئيم

ألا يجوز الصراط المستقيم… يزل في النار إلى الجحيم

فأنشأت فاطمة :

أطعمه اليوم ولا أبالي … وأوثر الله على عيالي

أمسوا جياعاً وهم أشبالي … أصغرهم يقتل في القتال

بكربلا يقتل باغتيال … للقاتل الويل مع الوبال

تهوى به النار إلى سفال … وفي يديه الغل والأغلال

كبوله زادت على الأكبال.

 قال : فأعطوه الطعام ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا شيئاً إلاّ الماء القراح ، فلمّا كان في اليوم الثالث قامت فاطمة عليه السلام إلى الصاع الباقي فطحنته واختبزته وصلى علي مع النبي (عليه السلام) ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه إذ أتاهم أسير فوقف بالباب فقال :

السلام عليكم أهل بيت محمد ، تأسرونا (وتشدوننا) ولا تطعمونا ، أطعموني فإني أسير محمد أطعمكم الله على موائد الجنة ، فسمعه علي فأنشأ يقول :

فاطم يابنة النبي أحمد … بنت نبي سيد مسوّد

هذا أسير للنبي المهتد … مكبّلٌ في غلّه مقيّد

يشكو إلينا الجوع قد تمدد …من يطعم اليوم يجده من غد

عند العلي الواحد الموحّد … ما يزرع الزارع سوف يحصد

فأنشأت فاطمة تقول :

لم يبق مما جاء غير صاع … قد ذهبت كفي مع الذراع

ابناي والله من الجياع … يارب لا تتركهما ضياع

أبوهما للخير ذو اصطناع … يصطنع المعروف بابتداع

عبل الذراعين طويل الباع … وما على رأسي من قناع

إلاّ قناعاً نسجه انساع.

قال : فاعطوه الطعام ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا شيئاً إلاّ الماء القراح فلما أن كان في اليوم الرابع وقد قضوا نذرهم أخذ علي عليه السلام بيده اليمنى الحسن وبيده اليسرى الحسين وأقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع فلمّا نضر به النبي (عليه السلام) قال : يا أبا الحسن ما أشدّ ما يسؤني ما أرى بكم .

أنطلق إلى ابنتي فاطمة فانطلقوا إليها وهي في محرابها وقد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع وغارت عيناها ، فلما رأها النبي (عليه السلام) قال : واغوثاه بالله ، أهل بيت محمد يموتون جوعاً.

فهبط جبرائيل عليه السلام فقال : يا محمد خذها ، هنّأك الله في أهل بيتك قال : وما أخذنا يا جبرائيل فاقرأه [هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ]([254]) إلى قوله [وَلَا شُكُورًا]([255]) إلى آخر السورة.

وعن (قتادة بن مهران الباهلي في هذا الحديث : فوثب النبي عليه السلام حتى دخل على فاطمة فلما رأى ما بهم انكب عليهم يبكي .

ثم قال : أنتم من منذ ثلاث فيما أرى وأنا غافل عنكم ، فهبط جبرائيل عليه السلام بهذه الآيات [إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا]([256]) قال : هي عين في دار النبي عليه السلام تفجر إلى دور الأنبياء عليهم السلام والمؤمنين)([257]).

الوفاء بالنذر

[يُوفُونَ بِالنَّذْرِ]([258]) يعني علياً وفاطمة والحسن والحسين وجاريتهم فضة [وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ]([259]) يقول على شهوتهم للطعام ،وإيثارهم مسكيناً من مساكين المسلمين ويتيماً من يتامى المسلمين ،وأسيراً من أسارى المشركين .

ويقولون إذا أطعموهم [إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا]([260]) قال : والله ما قالوا لهم هذا بألسنتهم،

ولكنهم أضمروه في نفوسهم ، فأخبر الله سبحانه بإضمارهم يقولون : لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً، فيتمنون علينا به ولكنا أعطيناكم لوجه الله وطلب ثوابه قال الله سبحانه [فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً]([261]) في الوجوه [وَسُرُورًا]([262]) في القلوب [وَجَزَاهُمْ] بما صبروا [جَنَّةً] يسكنونها [وَحَرِيرًا] يلبسونه ويفترشونه [مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا]([263]).

قال ابن عباس : وبينا أهل الجنة في الجنة إذا رأوا ضوءاً كضوء الشمس وقد أشرقت الجنان لها فيقول أهل الجنة : يا رضوان قال : ربّنا عزّ وجل [لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا]([264]) فيقول : لهم رضوان : ليست هذه بشمس ولا قمر ولكن هذه فاطمة وعلي ضحكا ضحكاً أشرقت الجنان من نور ضحكهما)([265]).

أقسام الأمانة

تقسم الأمانة إلى قسمين :

الأول : الأمانة المالكية .

الثاني : الأمانة الشرعية .

واستحدثُ هنا قسيمين لهما وهما :

الثالث : الأمانة العقائدية .

الرابع : الأمانة المالكية الشرعية .

لذا يمكن تقسيم الأمانة تقسيماً جديداً إلى أقسام :

الأول : الأمانة العقائدية :

وهذا الإصطلاح استحدثه هنا ، وهي حفظ مبادئ التوحيد ، والتصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن من عند الله والإمامة ، والإقرار باليوم الآخر ، والعمل بفروع الدين ومنها تعاهد الصلاة اليومية ، وصيام شهر رمضان والزكاة والخمس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

ومن الأمانة العقائدية تعليم الأبناء الوظائف العقائدية وأمرهم باقامة الصلاة ، فمن الآيات التي تلزم بالأمانة العقائدية قوله تعالى [وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى]([266]).

[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ]([267]).

[يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ]([268]).

و(عن ابن عمر ، أنه خطب إلى نعيم بن عبد الله العدوي النحام ابنته ، وكانت بكرا ، فقال له نعيم : إن عندي يتيما لست مؤثرا عليه أحدا ، فخرجت أم الجارية امرأة نعيم حتى أتت النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته ذلك .

 وأخبرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكراهيتها وابنتها اليتيم ، فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبيها ، فقال : أرضها وأرض ابنتها)([269]).

وفي الحديث مسائل :

الأولى : لزوم رضا البنت بالزوج .

الثانية : موضوعية رضا الأم بزوج ابنتها .

الثالثة : أولوية تقديم مصلحة الابن ذكراً كان أو أنثى ، وبالإمكان إيجاد امرأة أخرى لليتيم .

ومن الأمانة العقائدية الدعاء كوسيلة مباركة لتعاهد الأمانة العقائدية ، وفي إبراهيم عليه السلام ورد في التنزيل[اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ]([270]).

[وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا]([271]).

وقد يقول بعضهم أن هذا القسم من الأمانة خارج موضوع الرسالة العملية ، والجواب إن وظيفة الرسالة العملية للفقيه بيان الأحكام في العبادات والمعاملات ،وتشمل الأمانة العقائدية أصول وفروع الدين ، وهذه الأمانة هي الأمانة العظمى .

وهل مضامين آية البحث الأمانة العقائدية مثلما هي من الأمانة المالكية والشرعية ، الجواب نعم ، لنزول القرآن بأحكام العناية باليتامى وحفظ أموالهم .

الثاني : الأمانة المالكية :

وهي الأمانة باستيمان المالك وإذنه ومنها الوديعة ، ويلحق بها الرهن والإجارة والعارية والمضاربة ، فتكون العين عند الأمين والمرتهن والمستأجر والعامل ، لأن المالك استأمنهم عليها .

الثالث : الأمانة الشرعية :

التي تكون عند المكلف من غير استئمان أو إذن من المالك ، وقد صارت تحت يده من دون عدوان أو غصب أو ظلم ، كما لو تسلم البائع مبلغاً زائداً من الشريك على نحو السهو والخطأ منه ، أو برخصة من الشارع كاللقطة والضالة  .

وما ينتزع من الغاصب ، والسارق من مال الغير حتى تسليمها للمالك أو الحاكم الشرعي .

 وكذا بالنسبة لمال اليتيم والصبي مطلقاً والمجنون بالولاية والوصية أو الخشية من تلف المال في أيديهم .

 وبالنسبة للقطة والضالة ونحوها من مجهول المالك يلزم التعريف بها والفحص عن المالك لمدة سنة .

 أما أموال الدولة فهي ليست مجهولة المالك بل الدولة مالك نيابة عن الشعب والأمة ، ولا يجوز الأخذ من أموال الدولة خلافاً للقانون .

وقد تصبح الأمانة المالكية أمانة شرعية كما في حال العجز عن ردها إلى مالكها وجهل عنوانه وورثته .

الرابع : الأمانة المالكية الشرعية :

وهي التي يعرف مالكها وتكون كالوديعة عند الولي أو الوصي.

مال اليتيم أمانة مالكية شرعية

يمكن القول أن مال اليتيم أمانة مالكية وشرعية وتتصف بنزول آيات من القرآن بخصوصها منها آية البحث بقوله تعالى [وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ]([272]).

فتؤكد آية البحث مالكية اليتامى لأموالهم وهم معروفون بأشخاصهم ، كما أن الذي عنده الولاية أو الوصاية على أموال اليتامى معين ومعلوم .

والوصاية والقيمومة لما فيها من الإستيمان على المال ، وهي أمانة شرعية لأنها صارت بيد الولي من غير غصب أو ظلم .

وتؤكد آية البحث وجود أموال لليتامى ولزوم دفعها اليهم بعد بلوغهم والذي يدل بالدلالة التضمنية على حفظها وعدم التفريط بها لحين بلوغهم واختيارهم في الرشد وحسن التصرف لقوله تعالى [وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا]([273]).

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : مَنْ ضَمَّ يَتِيمًا بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ الْبَتَّةَ)([274]).

و(عن أنس عن النبي عليه الصلاة والسلام : إذا بكى اليتيم وقعت دموعه في كف الرحمن ، ويقول تعالى : من أبكى هذا اليتيم الذي واريت والده التراب ، من أسكته فله الجنة)([275]).

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه ، ثم قال بأصبعه : أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا)([276]).

وعن أبي الدرداء قال صلى الله عليه وآله وسلم (أَدْنِ اليتيمَ منك وأَلْطِفْه وامسحْ برأسه وأَطْعِمْه من طعامك فإن ذلك يُلَيِّن قلبَك وتُدْرِك حاجتَك)([277]).

و(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن موسى عليه السلام كان يمشي ذات يوم في الطريق ، فناداه الجبار عز وجل : يا موسى ، فالتفت يميناً وشمالاً فلم ير أحداً .

 ثم ناداه الثانية : يا موسى بن عمران فالتفت يميناً وشمالاً فلم ير أحداً وارتعدت فرائصه ثم نودي الثالثه يا موسى بن عمران إنني أنا الله لا إله إلا أنا فقال : لبيك لبيك .

 فخر لله تعالى ساجداً فقال : ارفع رأسك يا موسى بن عمران ، فرفع رأسه .

فقال : يا موسى إن أحببت أن تسكن في ظل عرشي يوم لا ظل إلا ظلي كن لليتيم كالأب الرحيم ، وكن للأرملة كالزوج العطوف .

 يا موسى بي عمران أرحم ترحم ، يا موسى كما تدين تدان)([278]).

وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يسمى قبل البعثة (الصادق الأمين) لقانون الصدق والأمانة مقدمة للنبوة وملازمين لها .

كتاب الضمان

وهو لغة مشتق من الضمن اي الإلزام، لأن ذمة الضامن تضمن الحق، والنون فيه أصلية .

وقيل من الضم لأن فيه ضم ذمة إلى أخرى ، ورد على هذا القول بان لازمه كون الميم مشددة، والا يكون الفعل ثنائياً وهو باطل لغوياً.

وفي خطبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكة قال (والزعيم غارم)([279]).

والزعيم أي الضامن والكفيل ، كما في سورة يوسف [وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ]([280]).

والمراد ضمان حمل البعير للذي يأتي بصواع الملك ، وقيل هي جعالة ، وصواع الملك الذي يكيل به .

ترى لماذا قال [وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ] الجواب على وجوه :

الأول : حتى إذا كان الذي يأتي به هو السارق .

الثاني : هو له كفيل بحمايته من الذين عندهم الصواع إذا أخرجه من متاع غيره .

الثالث : التعهد بحمل بعير في زمان مجاعة أمر ليس سهلاً ويسيراً فجاء التوكيد بالكفالة .

الرابع : قدرة الذي وعد بالضمان على الوفاء به .

واصل الزعيم : القائم بأمر القوم ، والرئيس .

(قالت ليلى الأخيلية :

حتى إذا رفع اللواء رأيتُه … تحت اللواء على الخميس زعيماً)([281]).

وللضمان إطلاقان، إطلاق بالمعنى الأعم الشامل للحوالة والكفالة ايضاً، أي يشمل الى جانب التعهد بالمال التعهد بالنفس ممن ليس عليه مال للمضمون عنه .

واطلاق بالمعنى الأخص وهو التعهد بالمال عيناً او منفعة او عملاً، كأن يؤجر شخص نفسه لآخر في عمل فيضمنه الآخر بما للعمل من مالية معتبرة، او التعهد بايفاء الغرض ونحوه.

أركان الضمان

الضمان عقد شرع للتعهد بمال أو نفس.

أركان الضمان :

الأول : الضامن: وهو الذي يضمن المال الذي في ذمة غيره.

الثاني : المضمون له: وهو الذي له مــال علــى غيره فيضـمنه الضامن.

الثالث : المضمون عنه: وهو الذي في ذمتــه مال لغــيره فيأتي الضـامن ليتعهد بالمال، فلو كان لزيد مائة دينار على عمرو وضمنها علي ، فعلي هو الضامن وزيد المضمون له وهو الدائن وعمرو وهو المدين المضمون عنه.

الرابع : مقدار وقيمة الضمان وشروطه .

وهل الولاية على مال اليتيم من عمومات الضمان ، الجواب نعم ، وإن جاء على نحو قهري وانطباقاً كولاية الأب والجد : أب الأب .

ولا يضمن الولي إلا مع التعدي أو التفريط والإهمال والتجارة والإستثمار من غير إحراز مصلحة اليتيم أو بخلاف الوصية والغبطة .

شروط الضمان

يشترط في الضمان أمور :

الأول : الإيجاب من الضامن ويكفي فيه كل لفظ يدل على الضمان بل يكفي الفعل ايضاً ولو بضميمة القرائن وبما يفيد الإلتزام والتعهد بما على غيره من المال.

الثاني : القبول من المضمون له ويكفي فيه كل ما دل عليه من قول او فعل والأقوى كفاية رضا المضمون له، وان كان لاحقاً فلا يعتبر فيه القبول العقدي والترتيب والموالاة على حد سائر العقود اللازمة.

الثالث : ان يكون الضامن بالغاً عاقلاً فلا يصح ضمان الصبي وان راهق الحلم وقارب الاحتلام، ولا ضمان المجنون، كما يعتبر كون المضمون له بالغاً عاقلاً.

يصح الضمان عن الصغير والمجنون ولا موضوعية لإذنهما في جواز رجوع الضمان بالعوض من مالهما.

الرابع : كون الضامن مختاراً فلا يصح ضمان المكره كما لا يصح ضمان المحجور.

الخامس : يشترط  التنجيز وعدم التعليق في الضمان فلا يصح ان يقول: انا ضامن لما على فلان إن اتفق وربحت تجارتي، اما لو علق الوفاء على امر متعلق بموضوع الضمان فالأقوى الصحة.

كما لو قال انا ضامن دين فلان ان لم يف الى زمان كذا أو يقول إني ضامن لما على فلان إن استلمت راتبي آخر الشهر واستلامه لراتبه أمر معلوم  .

السادس : كون الدين والمال المضمون مستقراً في ذمة المضمون عنه سواء كان مستقراً كالقرض والعوضين في البيع الذي لا خيار فيه، او متزلزلاً كأحد العوضين في البيع الإختياري، مثلاً اشترى شخص داراً وكانت مدة الخيار اسبوعاً وضمن آخر للبائع مبلغ الشراء من حين العقد مع ان المضمون له والمضمون عنه لهما خيار الفسخ، والأقوى صحة ضمان المهر قبل الدخول، والقرض ونحوه كما لو قال اقرض فلاناً كذا وانا ضامن، او بعه نسيئة وانا ضامن اذا حصل المقتضي للثبوت.

السابع : يجوز في الضمان كون ذمة الضامن مشغولة للمضمون عنه بمثل الدين الذي عليه بشرط رضا المضمون له.

الثامن : اتضاح الدين كماً وكيفاً، ومعرفة المضمون له والمضمون عنه عند الضامن بما يمنع الجهالة والغرر والإيهام والترديد، ويكفي التمييز الواقعي فلو قال ضمنت الدين الذي لفلان ولم يعلم انه على زيد او على عمرو صح، لأنه متعين واقعاً، وكذا لو قال ضمنت الدين الذي عليك لفلان.

مسائل في الضمان

(مسألة 1) يصح الضمان ولو في حال عدم معرفة مقدار الدين او جنسه بشرط عدم خروجه عن المتعارف والمحتمل، ولا تصح إضافة مقدار جديد عليه وان لم يكن معيناً لأن انشاءه على ما مضى.

(مسألة 2) اذا تحقق الضمان الجامع لشرائط الصحة انتقل الحق من ذمة المضمون عنه الى ذمة الضامن.

(مسألة 3) الضمان على نوعين فمنه انتقال الحق من ذمة المضمون عنه الى ذمة الضامن وادعــي الإجماع على حصــر الضمان به ومما استدل عليه به صــحيحة ابن ســنان عن الصادق عليه السلام (في الرجل يموت وعليه دين فيضمنه ضامن للغرماء ، فقال عليه السلام : اذا رضي به الغرماء فقد برئت ذمة الميت)([282]).

ولكنها قضية في واقعة وسقوط ذمة المضمون عنه معلوم ولسقوط تكليفه وللتخفيف وهو أحد مصاديق الضــمان .

 لذا فان النوع الثاني من الضمان وهو ضم ذمة الى ذمة لا تبطل .

 والمدار في تعيينه الشرط او العرف المعتاد والفارق صغروي لأن الضامن ايضاً يجــوز له الرجوع على المضمون عنه، ومـع الإطلاق وعدم وجود عرف متبع فالأقوى انتقال الحق الى ذمة الضامن.

(مسألة 4)   اذا ابرأ المضمون له ذمة الضامن برئت ذمته، وتبرء ذمة المضــمون عنه ان كان الضمان يعني انتقال الحق من ذمة المضمون عنه الى ذمة الضامن، اما لو كان بعنوان ضم ذمة الضامن الى ذمة المضمون عنه فلا تبرأ ذمة المضمون عنه، والظاهر ان براءة ذمة الاخير وعدمها بلحاظ قصد ونية المضمون له بقاعدة السلطنة ولأن الضمان أعم من الانتقال .

(مسألة 5)   اذا ابرأ المضمون له ذمة المضمون عنه لا تبرأ ذمة الضامن على القولين في معنى الضمان اي سواء على القول بانتقال الحق الى ذمة الضامن او باضافة ذمته الى ذمة المضمون عنه، الا اذا كان المقصود الإبراء من الدين واسقاطه وعدم بقاء موضوعه.

(مسألة 6) الضمان لازم بين الضامن والمضمون له، فلا يجوز للضامن فسخه ان كان وقت الضمان مؤسراً لإستصحاب اللزوم وان اعسر فيما بعد او أذن المضمون عنه.

ضمان الدَين

(مسألة 1) يجوز الشرط في الضمان كما لو قال: انا ضامن بشرط ان تخيط لي ثوباً، او قال المضمون له اقبل الضمان بشرط ان تعمل لي كذا، ومع التخلف يثبت للشارط خيار تخلف الشرط.

(مسألة 2) يجوز ضمان الدين الحال حالاً ومؤجلاً اي ان الضامن ملزم بتأديته في الحال او ان يؤديه مؤجلاً، كما لو رضي المضمون له بتأدية الضامن له بعد شهرين وان كان مستحقاً على المضمون عنه في الحال، وكذا يجوز ضمان الدين المؤجل بنفس الأجل، والأقوى جواز الضمان بتأديته في الحال او باقل من مدته.

(مسألة 3) لو ضمن الدين الحال مؤجلاً باذن المضمون عنه ثم ادى الضامن الدين قبل الأجل فيجوز له الرجوع حينئذ على المضمون عنه على الأقوى لأن الأجل للضمان وليس للدين، وكذا اذا مات الضامن قبل انقضاء اجل الضمان وحل ما عليه واخذ من تركته يجوز لوارثه الرجوع على المضمون عنه على الأقوى لأن اصل الدين لا يصير مؤجلاً.

(مسألة 4) لو مات الضامن وحلّ ما عليه واخذ من تركته وكان اصل الدين مؤجلاً ولم يحن اوانه بعد ليس لوارث الضامن الرجوع على المضمون عنه الا عند حلول اجل الدين، وكذا لو اسقط الضامن الأجل وادى الدين قبل الأجل برضا المضمون له فلا يجوز له الرجوع على المضمون عنه الا عند انقضاء الأجل.

(مسألة 5) لو ضمن الدين المؤجل حالاً لا يجوز له الرجوع على المضــمون عنه الا عنــد انقضاء الأجل وان كان الضمان تم باذن المضــمون عنـه الا اذا فهــم من اذنــه رضــاه بالرجــوع عليــه عــند الدفـع.

(مسألة 6) لو ضمن الدين بأزيد من اجله فاسقط الضامن الزائد وأداه جاز له الرجوع على المضمون عنه اذا كان اصل الدين حالاً او حان أوان أدائه، وكذا يجوز لورثة الضامن اذا مات قبل انقضاء الزائد على الأجل الرجوع على المضمون عنه عند أداء الدين.

(مسألة 7) اذا ضمن بغير اذن المضمون عنه برئت ذمة الأخير وليس للضــامن الرجــوع عليه وان اذن له الا ان يكون اذن المضـمون عنه تعهداً بما يؤديه الضامن كما لو قال: أدّ ما ضمنت عني وانا ملزم بدفعه لك.

(مسألة 8) لا يرجع الضامن على المضمون عنه في الحالات التي يصح الرجوع فيها الا بعد أداء مال الضمان، اي لا يجوز له المطالبة بمال الضمان قبل ادائه الى المضمون له فذمة المضمون عنه لا تكون مشغولة للضامن الا عند الأداء وبمقداره.

(مسألة 9) لو صالح الضامن على مقدار اقل من الدين فليس له على المضمون عنه الا الذي صالح عليه، ولو ابرأ المضمون له ذمة الضامن عن تمام الدين فليس له الرجوع على المضمون عنه اصلاً، وان ابرأه من البعض ليس له الرجوع بما اسقط.

(مسألة 10) الاقوى عدم جواز احتساب المضمون له خمساً او زكاة على الضامن لأن ذمته اشتغلت بالقرض وباختياره وليس عن حاجته، ولو أذن الحاكم الشرعي او ان المضمون له احتسبها صدقة، فالظاهر ان له الرجوع على المضمون عنه، ولا يلحقه بالإبراء، وكذا لو اخذه منه ثم رده عليه هبة.

(مسألة 11) الأقوى عدم جواز الضمان بالوفاء من مال الخمس او الزكاة اذا كانت ذمة الضامن مشغولة بها.

(مسألة 22) لو مات المضمون له وكان الضامن هو وارثه فلا يسقط حقه بالرجـوع على المضمون عنه كما لو كان الضامن ابن الدائن، فحينما يموت الدائن قبل الأداء فلابنه الرجوع على المضمون عنه.

براءة الذمة بدفع الدَين

(مسألة 1) لو صالح الضامن المضمون له او وفاه باكثر من مقدار الدين فلا يحق للضامن الرجوع بما زاد عن اصل الدين ومبلغ الضمان.

(مسألة 2) اذا دفع المضمون عنه الى الضــامن مقــدار ما ضمن قبل ادائه فان كان بعنوان الأمانة ليحتسب بعد الأداء وفاءً لما عليه صح، ولكن لو تلف بيد الضامن قبل الأداء من غير تعد منه ولا تفريط لا يحتسب، اما لو كان بعنوان الوفاء مع رضا الضامن بذلك فالأقوى الإجزاء به.

(مسألة 3) لو دفع المضمون عنه مال الضمان برئت ذمته وذمة الضامن وان كان الدفع بأمر من الضامن.

(مسألة 4) تبرأ ذمة المضمون عنه  للمضمون له لو دفع الضامن مال الضمان وان لم يكن الدفع باذن المضمون عنه.

(مسألة 5) يجوز ان يضمن الدين باقل منه برضا المضمون له ويكون الرجوع على المضمون عنه مع اذنه في الضمان بمقدار الضمان الذي اداه وليس بمجموع اصل الدين.

(مسألة 6) لو ضمن الدين باكثر منه، فليس للضامن الرجوع الا بمقدار الدين الا اذا اذن المضمون عنه بالزيادة وفهم من رضاه بالبينة والقرينة المعتبرة شرعاً ان الإذن يعني استعداده للوفاء بالزائد على اصل الدين ايضاً وبشرط ان لا يكون فيه ربا.

(مسألة 7) يجوز الضمان بغير جنس الدين كما يجوز وفاء الضامن بغير جنس الدين مع رضا المضمون له في الصورتين، ولكن ليس له الرجوع على المضمون عنه الا بجنس الدين.

(مسألة 8) يجوز ان يشترط المضمون له ان يكون الضمان في مال معين على نحو التقييد كما لو قال انه في الدار الفلانية او في المبلغ المودع عند فلان، ويجب على الضامن الوفاء من نفس المال، ولو تلف فالأقوى بطــلان الضــمان الا اذا كان التعيين بعـنوان التوثيق المنصرف الى الإنتقال الى البدل في الضمان وتعدد المطلوب، ولا يصح جعل الضمان في مال معين من غير اشتغال ذمة الضامن اذ لا يكون الدين في عهدة المال.

(مسألة 9) يجوز ان يضمن اثنان عن مديون واحد سواء كان ضمانهما على التعاقب او دفعة، واذا ابرأ المضمون له أحدهما لا تبرء ذمة الآخر الا ان يكون الإبراء اسقاطاً لأصل الدين.

(مسألة 10) لو كان لشخص على اثنين دين كل على حدة فضمن أحدهما الآخر، فان رضي المضمون له بهما صح، واذا رضي باحدهما دون الآخر كان المالان عليه، ومتى ما أدى دين الآخر للمضمون له رجع عليه بما أدى ان كان مأذوناً منه بضمانه، وان أدى بما يفيد التقسيط من دينه ودين صاحبه يقسط عليهما ويرجع على الآخر بمقدار ما أداه عنه او بنسبته.

(مسألة 11) اذا ضمن الضامن من غير ان يعلم تفصيلاً مقدار الدين فاذا ثبت بالبينة الشرعية مقداره يجب عليه اداؤه، وكذا لو كان ضامناً بقوله عليّ ما تشهد به البينة.

(مسألة 12) الأقوى جواز الدور في الضمان مع رضا المضمون عنه بان يضمن عن الضامن ضامن آخر ويضمن عنه المضمون عنه الأصيل وتظهر الفائدة في الأعسار واليسار، ويجوز بلا اشكال التسلل اي يضمن شخص عن شخص ثم يضمن ثالث وهكذا.

(مسألة 13) اذا كان مديوناً بالخمس او الزكاة او نحوها من الحقوق الشــرعية جــاز ان يضــمن عنه ضامن للحاكم الشرعي او لآحاد الفقراء.

(مسألة 14) الأقوى جواز ضمان المديون  وان اعتبر مباشرته كما اذا كان عليه خياطة ثوب مباشرة، وكذا لو اشترط أداء الدين من مال معين للمديون، او كان الضمان للكلي في مال معين للمديون كصاع من مقدار معين لأن الضمان اعم من ان يتعلق بالعين.

ضمان النفقة

(مسألة 1) يجوز ضمان النفقة الماضية للزوجة ونفقة اليوم الحاضر مع تمكينها نفسها للزوج في صبيحته، اما النفقة المستقبلة فالأقوى عدم جواز ضمانها لأنها من ضمان ما لم يجب.

(مسألة 2) لا يجوز ضمان نفقة الأقارب الماضية لانها ليست ديناً على من كانت عليه، الا اذا كان قد اذن للقريب ان يستقرض وينفق على نفسه ويكون القرض على الضامن.

(مسألة 3) يجوز ضمان مال الجعالة قبل الإتيان بالعمل لأن الضمان اعم من الثبوت الفعلي.

(مسألة 4) يجوز ضمان الأعيان المضمونة كالغصب والمقبوض بالعقد الفاسد سواء كان المراد من الضمان ردها عيناً، ومثلها وقيمتها على فرض التلف او التزام مثلها او قيمتها اذا تلفت.

(مسألة 5) الأقوى جواز ضمان الأعيان غير المضمونة مثل مال المضاربة والرهن والوديعة قبل ان يتحقق سبب ضمانها كالتفريط والتعدي من العامل او المرتهن او المستودع.

(مسألة 6)  يجوز ضمان درك الثمن للمشتري اذا تبين ان المبيع مستحق للغير او ظــهر بطــلان البيع لفقد شــرط من شـروط صحته سواء كان بعد قبض الثمن او قبله على الأقوى، وتدارك الثمن للمشتري بان يضمن الضامن  له اعادة المبلغ الذي دفعه للبائع اذا ظهرت بعض العوارض المبطــلة للبيــع، والأقوى صــحة الضمان عنــد حصــول الفسخ بالخيار او التقايل او تلف المبيع او الفسخ بالعيب السابق او اللاحق.

(مسألة 7) لو ضمن عهدة الثمن للمشتري أي ان الضامن يتعهد بارجاع الثمن للمشتري وظهر بعض المبيع مستحقاً دون البعض الآخر، فالأقوى اختصــاص الضـمان بالبعض المستحق، وفي البعض الآخر يتخــير المشــتري بين الإمضــاء والفسخ لتبعض الصفقة فيرجع على البائع بما قابلـه، الا ان يتــعذر التبعيــض ولا يكون ميسـوراً الا الضمان.

(مسألة 8) الأقوى صحة ضمان ما يحدثه المشتري من بناء او غرس في الأرض المشتراة اذا تبين كونها مستحقة للغير وتم قلع البناء والغرس الذي غرسه المشتري، فيتعلق الضمان بالأرش وهو التفاوت بين قيمة الأرض المشتراة مع المقلوع من البناء والغرس وبين قيمة الأرض، ونسب الى المشـهور عدم صحة هذا الضمان لأنه من ضمان ما لم يجب.

(مسألة 9) لو كان مال شــخصين او اكثر في معرض التلف او الأذى كما لـو كان اثنـــان في ســفينة وقـال أحدهما للآخر: الق متاعك في البحر وعـليّ ضمانه صح، والأقوى صحته ايضاً مع الراجح وان عدم الخــوف والخطر، كما لو كـان بقصد خفـة الســفينة وســرعة ســيرها.

الخلاف في الضمان

(مسألة 1) لو ادعى الدائن الضمان وانكره المديون فالقول قوله مع يمينه ما لم تثبت بينة تدل على الخلاف لأصالة عدم الضمان، ولو اختلف في صحة الضمان وعدمها فالقول قول مدعي الصحة.

(مسألة 2) لو اختلف الضامن والمضمون له في أصل الضمان، او في ثبوت الدين وعدمه، او في مقدار ما ضمن او في اشتراط تقديم اجله اذا كان مؤجلاً فالقول قول الضامن مع يمينه الا مع البينة التي تدل على الخلاف.

(مسألة 3) لو ادعى الضامن الاذن في الضمان وانكره المضمون عنه، او ادعى وفاء الدين كي يرجع على المضمون عنه وانكر الأخير، او اختلفا في مقدار الدين الذي ضمن وانكر المضمون عنه الزيادة، او في اشتراط شيء على المضمون عنه، قدم قول المضمون عنه الا مع ثبوت البينة التي تدل على الخلاف.

(مسألة 4) اذا ادعي على شخص أنه ضامن وأنكر الأخير واستوفي الحق منه بالبينة التي دلت على ضمانه كما لو شهد عدلان، فالأقوى جواز رجوعه على المضمون عنه لتحقق غرمه واقعاً، وقيل ليس له الرجوع على المضمون عنه لإعترافه بكونه اخذ منه ظلماً، والرجوع اعم من سبب الأخذ الذي تحقق واقعاً.

(مسألة 5) اذا ادعى الضامن الوفاء وانكر المضمون له وحلف عليه، فليس للضامن الرجوع على المضمون عنه لعدم ثبوت الوفاء بوجه شرعي، اما لو صدقه جاز له الرجوع اذا كان الضمان باذن المضمون عنه.

(مسألة 6)  لو شهد المضمون عنه باداء الضامن الدين قبلت شهادته الا مع وجود مانع من تهمة او عدم اهلية للشهادة.

(مسألة 7)  لو حصل الإذن دون الضمان كما لو اذن المديون لغيره في وفاء دينه بلا ضمان فقام بالوفاء فله الرجوع على المديون.

ويصح الضمان عن اليتيم في ماله ، وفي مال الولي أو في مال المتبرع.

ولو بلغ اليتيم ورآى أن الولي فرط أو اعتدى على ماله وهو في حال يتمه وقبل بلوغه أو بعده ، فله أن يرفع أمره للحاكم لشموله بأدلة الضمان .

واستحدث هنا مسألة وهي هل الولاية على مال اليتيم ضمان ؟

 الجواب نعم ، وهو ضمان أمام الله والناس خاصة مع التعدي أو التفريط وإن لم يرد في مسائل الضمان في أحكام الفقه .

قانون الحسن الذاتي للسلم

قال تعالى [وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ]([283]).

لم يرد لفظ (جنحوا) (اجنح) في القرآن إلا في الآية أعلاه لبيان استقلال موضوعها وأنها قانون عام من الإرادة التكوينية .

وقد أسست علماً جديداً في التفسير اسميته (التفسير بالتقدير).

وهذه الآية خطاب خاص إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكن حكمها عام متجدد متوجه إلى الرؤساء والملوك والعلماء في كل زمان وإلى يوم القيامة .

وهل يختص بالمسلمين أم يشمل غيرهم ، المختار هو الثاني.

لعالمية رسالة النبي محمد بقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ]([284]) وللحسن الذاتي والغيري للسلم.

وهل تشمل أحكام هذه الآية الوقائع والقتال بين المسلمين ، الجواب نعم لأصالة الإطلاق ، وللأولوية القطعية ، وللأصل بعدم جواز القتال بين المسلمين ، قال تعالى [وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ]([285]).

وسبب النزول هو حال القتال بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جهة ومشركي قريش وحلفائهم من جهة أخرى .

وقال كتاب السيرة والمفسرون أن النبي محمداً غزا سبعاً وعشرين غزوة، والمختار أنه لم يغز أحداً أبداً إنما كان المشركون هم الغزاة .

وقد صدرت لي ثلاثون جزء من تفسيري للقرآن بعنوان (لم يغز النبي محمد (ص) أحداً) آخرها الجزء الواحد والسبعون بعدالمائتين .

ومن وجوه تقدير هذه الآية الكريمة :

الأول : وإن جنحوا للسلم وهم في حال ضعف فاجنح لها .

الثاني : وإن جنحوا للسلم وأنتم في حال القوة والمنعة فاجنح لها .

الثالث : وإن جنحوا للسلم قبل بدء القتال فاجنح لها .

الرابع : وإن جنحوا للسلم اثناء القتال فأجنح لها .

الخامس: وإن جنحوا ومالوا إلى الصلح فأرض به .

وعندما وصل النبي محمد إلى الحديبية في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة وخلأت ناقته.

 قال (لَا تَدْعُونِي قُرَيْشٌ الْيَوْمَ إلَى خُطّةٍ يَسْأَلُونَنِي فِيهَا صِلَةَ الرّحَمِ إلّا أَعْطَيْتُهُمْ إيّاهَا ثُمّ قَالَ لِلنّاسِ انْزِلُوا .

قِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا بِالْوَادِي مَاءٌ نَنْزِلُ عَلَيْهِ فَأَخْرَجَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ . فَأَعْطَاهُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ فَنَزَلَ بِهِ فِي قَلِيبٍ مِنْ تِلْكَ الْقُلُبِ . فَغَرّزَهُ فِي جَوْفِهِ فَجَاشَ بِالرّوّاءِ حَتّى ضَرَبَ النّاسُ عَنْهُ بِعَطَنٍ([286]))([287]).

السادس : وإن جنحوا للسلم عند هزيمتهم فاجنح لها .

السابع : دلالة الآية على اقتران الميل إلى السلم بالتوكل على الله ، واستدامة الإحتراز .

الثامن : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ، لأن الحرب قبيحة ، وفيها إراقة للدماء .

وحينما أخبر الله عز وجل الملائكة عند خلق آدم [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]([288])،

تساءلوا [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ].

فاجابهم الله [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ].

ومن علم الله عز وجل في المقام بعث الأنبياء بألوية السلام ونزول آية البحث بالدعوة الفورية للسلم.

وجنحوا أي مالوا كما يقال : جنحت السفينة ، إذا مالت إلى الأرض ، ومنه جناح الطائر .

التاسع : حالما يجنحوا للسلم فاجنح لها ، لإفادة الفاء في [فَاجْنَحْ] الفورية والتعقيب .

العاشر : وان جنحوا للسلم فلا تجعلوا الشروط والقيود لوقف إطلاق النار لموضوعية الفاء في [فَاجْنَحْ] على البعث والترغيب بالسلم .

الحادي عشر : فان أرادوا المهادنة والصلح فاجبهم إليه .

وقيل أن الآية منسوخة بآية السيف من سورة التوبة لعدم مهادنة الكفار بقوله تعالى [وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ]([289]).

وموضوع آية [وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ…] أعم ، وشامل لجهات :

الأولى : قتال المسلمين فيما بينهم .

الثانية : القتال بين الدول سواء الدول الإسلامية أو دول أهل الكتاب وعموم دول وحكومات وقبائل أهل الأرض .

الثالثة : القتال بين المسلمين وأهل الكتاب .

وتقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا إن جنحوا للسلم فاجنحوا لها .

و(عن السدي في قوله [وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا]([290]) قال : نزلت في بني قريظة ، نسختها [فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ…]([291]) إلى آخر الآية)([292]).

بينما ورد عن ابن عباس في الآية قال : إن رضوا فأرض .

الثاني عشر : وإن جنحوا للسلم فاجنحوا لها ، ولا يعارض بعضكم الرضا بالسلم والصلح لقوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً]([293]).

الثالث عشر : إن فشلوا في تحقيق غاياتهم الخبيثة ومالوا إلى الموادعة فميلوا إليها ولا تتشددوا.

الرابع عشر : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها لتزدهر الأسواق العالمية ، وتنشط المصانع ، وتسود الطمأنينة فالحرب أولها شكوى ، وأوسطها نجوى ، وآخرها بلوى .

الخامس عشر : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها فلا خسارة أبداً مع التوكل على الله .

السادس عشر : وإن جنحوا للسلم فأجنح لها لأن الله رؤوف بعباده .

السابع عشر : وإن جنحوا للسلم فأجنحوا لها ، وفيه الأجر والثواب، لذا اقترنت الآية بالتوكل على الله .

الثامن عشر : وإن جنحوا للسلم وأرادوا تبديل وتغيير الشروط ومواد الصلح فانظروا بها ولا تقفوا وتصروا على الشروط الأولى ، قال تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ]([294]).

التاسع عشر: وإن جنحوا للسلم فاجنحوا لها ولو تحقق لكم النصر هنا وهناك ، فقد يكون بعضها استدراجاً .

صدور الجزء (275) من معالم الإيمان

الحمد لله ملء السموات وملء الأرض وما بينهما .

اللهم لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت ولك الحمد بعد الرضا في حياتنا وفي عالم البرزخ [وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ]([295]).

وقد أنعم الله عز وجل علينا باتمام الجزء الخامس والسبعين بعد المائتين من تفسيري للقرآن (معالم الإيمان).

ونسأل الله أن يجعل التوفيق للتأليف والبيان في علوم القرآن من أسباب رضاه عنا وعن جميع المسلمين والمسلمات .

وهو خاص بتفسير الآية الأولى من سورة النساء [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا].

لقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً بنزول الوحي عليه ، وتوجيه النداء العام والتكليف للناس بواسطته  .

إذ تبدأ آية البحث بنداء [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] الذي ورد في القرآن عشرين مرة ، وهو والأوامر والنواهي الواردة في آيات النداء العام والآيات المعطوفة عليها مدرسة للعلوم من جهات :

الأولى : العطف بحرف العطف كالواو والفاء .

الثانية : العطف بصيغة الجمع .

الثالثة : العطف الموضوعي في متعلق الحكم .

وهل آية البحث من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]([296]) أيضاً ، الجواب نعم ، لما فيها من الأمر بتقوى الله في العبادات والمعاملات والأحكام وبيان اتحاد أصل الناس جميعاً واجتماعهم وإلتقائهم عند أب واحد وأم واحدة وهما آدم وحواء .

ووجوب صلة الأرحام والإخبار عن علم ورقابة الله للناس في أفعالهم.

ترى ما هي الصلة بين آية البحث واحتجاج الله عز وجل على الملائكة حينما تساءلوا عندما خلق آدم وجعله [فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ]([297]).

الجواب إن آية البحث من علم الله عز وجل في إصلاح المجتمعات ووقف نزيف الدماء ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول هذه الآيات وبيان قانون التضاد بين تقوى الله الذي تأمر به آية البحث وبين الغزو بين القبائل والحروب .

وكان العرب في الجزيرة يغزو بعضهم بعضاً ، ويعبدون الأوثان ، فانقطع ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الغزو بينهم .

ويوم فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة وجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثمائة وستين صنماً داخل الكعبة فطعنها بعود في يده واحداً بعد الآخر لتتساقط وتهوى وتندثر إلى يوم القيامة .

وهو في ثلاثمائة وعشرين صفحة وأقوم بكتابة وتصحيح مراجعة كتبي في التفسير والفقه والأصول ورسالتي العملية (الحجة) خمسة أجزاء ، و(حجة النساء) جزئين ، بمفردي والحمد لله .

ويتضمن الجزء (275) مائتين وأربعة عشر قانوناً ليكون مجموع القوانين في هذا السِفر المبارك (عشرين ألفاً وثمانمائة) وكل قانون أو أكثر يصلح أن يكون عنوان رسالة ماجستير أو إطروحة دكتوراه .

وقد أصدرت أربعة أجزاء في آية واحدة وثلاثة أجزاء في آية واحدة وكله تأويل واستنباط المسائل ، وتأسيس للعلوم والقوانين ، وجميع أجزاء هذا التفسير معروضة على موقعنا (www.marjaiaa.com).

ومن منهجيتي في التفسير بعد الإبتداء بذكر الآية الكريمة :

الأول : الإعراب واللغة : لموضوعية الإعراب في معاني الكلمات والصلة بينها .

الثاني : في سياق الآيات : أي صلة آية البحث بآيتين أو ثلاث آيات مجاورة لها ، والمضامين القدسية المترشحة عن هذه الصلة.

الثالث : إعجاز الآية : الذي قسمته إلى شعبتين :

الأولى : إعجاز الآية الذاتي .

الثانية : إعجاز الآية الغيري .

الرابع : الآية سلاح .

الخامس : مفهوم الآية : وهو الذي خلاف المنطوق .

السادس : إفاضات الآية .

السابع : الآية لطف .

الثامن : الآية بشارة .

التاسع : الآية إنذار .

العاشر : الصلة بين أول وآخر الآية .

الحادي عشر : من غايات الآية .

الثالث عشر : التفسير : وهو تشطير الآية وتفسير كل جزء منها على نحو مستقل :

تفسير يا أيها الناس .

تفسير اتقوا ربكم .

تفسير الذي خلقكم من نفس واحدة .

تفسير وخلق منها زوجها .

تفسير وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء.

تفسير واتقوا الله الذي تساءلون به .

تفسير والأرحام .

تفسير إن الله كان عليكم رقيباً .

وفي الجزء السابق (275) بحث فقهي ، بحث فلسفي ، بحث كلامي ، بحث منطقي ،بحث بلاغي ، وكلها بخصوص المضامين القدسية لآية البحث.

حديث طرق علي الباب

لقد توجه الإمام علي عليه السلام إلى بيت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاطباً لفاطمة عليها السلام فطرق الباب ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم قومي يا أم سلمة فافتحي له الباب ومريه بالدخول فهذا رجل يحبه الله ورسوله، ويحبهما .

فقالت ام سلمة: فداك ابي وأمي ومن هـذا الذي تذكـر فيه هـذا وانـت لم تره؟ فقـال : مـه يا أم سلمة فهذا رجل ليس بالخرق ولا بالنزق هذا أخي وابن عمي وأحب الخلق اليّ.

أقول : إن زواج الإمام علي عليه السلام من فاطمة في الأول من شهر ذي الحجة من السنة الثانية للهجرة أي بعد واقعة بدر بشهرين ونصف الشهر.

 أما زواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أم سلمة فهو في شهر جمادى الآخرة من السنة الرابعة ، أي أنه متأخر زماناً عن زواج علي عليه السلام ، ولعل زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي فتحت الباب للإمام علي عليه السلام هي غير أم سلمة ، وكانت عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سودة بنت زمعة التي تزوجها بعد وفاة خديجة.

أو أن حديث فتح الباب هذا متأخر زماناً عن زواج الإمام علي عليه السلام وهو يختص باخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن منزلة الإمام علي عليه السلام وأنه يحبه الله ورسوله ويحبهما .

وكان عمر الإمام علي عليه السلام يوم زواجه خمساً وعشرين سنة ، وقيل عمر فاطمة عليها السلام يومئذ عشر سنوات .

قالت أم سلمة: فقمت مــبادرة أكــاد ان اعثــر بمرطي، ففتحت الباب فاذا انا بعلي بن ابي طالــب عليه السلام والله ما دخـــل حتى علم اني قد رجعت الى خدري .

ثم انه دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: السـلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليك السلام يا ابا الحسن…اجلس.

خطبة الإمام علي للزهراء

قالت ام سلمة : فجلس علي بن ابي طالب عليه السلام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعل ينظر الى الأرض كأنه قصد الحاجة وهو يستحي ان يبديها، فهو مطرق الى الأرض حياءً من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

فقالت ام سلمة: فكأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم ما في نفس علي عليه السلام فقال له: يا ابا الحسن اني أرى انك أتيت لحاجة فقل حاجتك وابدأ ما في نفسك، فكل حاجة لك عندي مقضية.

قال علي عليه السلام : فداك أبي وأمي انك لتعلم انك اخذتني من عمك ابي طالب ومن فاطمة بنت اسد وانا صبي لا عقل لي؟ فغذيتني بغذائـك، وأدبتني بأدبـك .

فكنت اليّ افضل من ابي طالب ومن فاطمة بنت أسـد في البر والشفقـة، وان الله تعالى هداني بك وعلى يديك واستنقذنـي مما كان عليه آبائـي واعمامي من الحيرة .

وانك والله يا رسول الله ذخري وذخيرتي في الدنيا والآخرة يا رسول الله فقد احببت مع ما شد الله من عضدي بك ان يكون لي بيت وان يكون لي زوجة أسـكن اليها .

وقد أتيتك خاطباً راغباً أخطب اليك إبنتك فاطمة، فهل أنت مزوجني يا رسول الله .

قالت ام سلمة فقال: يا ابا الحسن فهل معك شيء أزوجك به؟ قال علي عليه السلام: فداك أبي وأمي والله ما يخفى عليك من امري شيء أملك سيفي، ودرعي، وناضحي وما املك غير هذا.

 فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي اما سـيفك فلا غنى بك عنـه، تجاهـد به في ســبيل الله وتقاتل به أعداء الله، وناضحك تنضح به على نخـلك واهلـك وتحمل عليه رحلك في سفرك ولكني قد زوجتك بالدرع ورضيت بها منك.

وهل زواج الإمام علي عليه السلام بفاطمة من مصاديق قوله تعالى في آية السياق [وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ]([298])، الجواب نعم .

مواعظ من زواج الزهراء

من الدروس والمواعظ المستقرأة من زواج فاطمة عليها السلام قلة المهر الذي يتألف من درع ، وقلة الإثاث إذ كانت قطيفة وقِربة ووسادة أدم (جلد) حشوها نبات الإذخر وسرير .

ثم خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسجد وأمر بلالاً أن يجمع المهاجرين والأنصار وطلب من علي عليه السلام أن يعلن خطبته فزوجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

ومن أهم تلك الدروس والمسائل المستنبطة :

الأول : إدراك موضوعية الزواج وضرورته للمرأة والمجتمع، وحــاجة الأمة الإسلامية لتلك الوظيفة السامية للمرأة، فلقد كان دخول الزهراء الى الحياة الزوجية دعوة الى كل امرأة مسلمة بالمبادرة الى الزواج والإستعداد لقبوله كونه امراً تكوينياً وتشريعياً .

بالإسناد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: جـاءت امرأة الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسألته عن حق الزوج على المرأة فأخبرها، ثم قالت: فما حقها عليه، قال يكسوها من العري ويطعمها من الجوع واذا اذنبت غفر لها .

قالت : فليس لها عليه شيء غير هذا قال: لا، قالت: لا والله لا تزوجت ابداً ثم ولت .

فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ارجعي فرجعت فقال: ان الله عز وجل يقول [وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ] ([299])([300]).

الثاني : الإخبار العملي بان الزواج لا يتعارض مع اقبال المرأة على العبادة وارتقائها في مسالك الرشاد ومنازل التقوى .

الثالث : توجه الخطاب العام في آية البحث للنساء أيضاً بالتحلي بالتقوى ، إنما ورد التذكير في قوله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ] لتغليب المذكر .

وهل يدل قوله تعالى [وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى]([301]) على استحباب النكاح لليتيمة ، الجواب نعم ، بشرط عدم الغبن في المهر والقسمة والحقوق .

وهل يدل قوله تعالى [فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ]([302]) على استحباب النكاح للمرأة مطلقاً ، الجواب نعم .

وسد الذرائع في المقام فتكون عندها سعة في الرضا بأحد الذين يتقدمون لخطبتها .

جهاد النبي (ص) في مكة

لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً بالنبوة في مكة ، وبقي فيها ثلاث عشرة سنة وفيها:

الأول : نزول جبرئيل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بآيات وسور من القرآن تتصف بالقصر ولغة الإنذار والوعيد .

الثاني : تلقي الوحي من عند الله عز وجل ، والنسبة بين الوحي والقرآن عموم وخصوص مطلق ، فالوحي أعم ، ومنه قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى]([303]) لتكون السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن.

الثالث : إقامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة في المسجد الحرام وتلاوته القرآن فيه بمرآى ومسمع من رجالات قريش ، مما زادهم غيظاً وحنقاً ، وسبباً في المكر بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]([304]).

الرابع : دعوة الناس للإسلام ، هذه الدعوة على جهات :

الأولى : إنذار بني هاشم للمنع من التخلف عن التصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ]([305]) وهل نزول سورة المسد وذم أبي لهب عم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لشدة عدائه للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المصاديق العاجلة لهذا الإنذار ، الجواب نعم .

الثانية: ترغيب أهل مكة للإسلام ونبذ عبادة الأوثان .

الثالثة : الإتصال الشخصي بالناس ، فاذا رآى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم زائراً للبيت الحرام من غير أهل مكة جلس بجواره وسأله عن قبيلته وموطنه ثم دعاه للإسلام  وترك مفاهيم الضلالة والتزلف إلى الأصنام ، وتلا عليه آيات القرآن وسأله أن يكتم الأمر كيلا تؤذيه قريش.

الخامس :تحمل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبني هاشم الأذى إذ فرضت عليهم قريش حصاراً اجتماعياً واقتصادياً من أول السنة السابعة للبعثة النبوية ولثلاث سنوات .

السادس : حضور النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأسواق مكة في موسم الحج لأنها في الأشهر الحرم فلا تؤذيه قريش .

و(عَنْ جَابِرٍ قَالَ: مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يَتْبَعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ بعُكَاظٍ وَمَجَنَّةَ وَفِي الْمَوَاسِمِ بِمِنًى يَقُولُ مَنْ يُؤْوِينِي مَنْ يَنْصُرُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي وَلَهُ الْجَنَّةُ .

حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ أَوْ مِنْ مُضَرَ كَذَا قَالَ فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ فَيَقُولُونَ احْذَرْ غُلَامَ قُرَيْشٍ لَا يَفْتِنُكَ وَيَمْشِي بَيْنَ رِجَالِهِمْ وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ .

حَتَّى بَعَثَنَا اللَّهُ إِلَيْهِ مِنْ يَثْرِبَ فَآوَيْنَاهُ وَصَدَّقْنَاهُ فَيَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنَّا فَيُؤْمِنُ بِهِ وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ فَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ فَيُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا رَهْطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ .

 ثُمَّ ائْتَمَرُوا جَمِيعًا فَقُلْنَا حَتَّى مَتَى نَتْرُكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يُطْرَدُ فِي جِبَالِ مَكَّةَ وَيَخَافُ .

فَرَحَلَ إِلَيْهِ مِنَّا سَبْعُونَ رَجُلًا حَتَّى قَدِمُوا عَلَيْهِ فِي الْمَوْسِمِ فَوَاعَدْنَاهُ شِعْبَ الْعَقَبَةِ فَاجْتَمَعْنَا عَلَيْهِ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ حَتَّى تَوَافَيْنَا .

فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ نُبَايِعُكَ قَالَ تُبَايِعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ وَالنَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ.

وَأَنْ تَقُولُوا فِي اللَّهِ لَا تَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي فَتَمْنَعُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ وَلَكُمْ الْجَنَّةُ .

 قَالَ فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَبَايَعْنَاهُ وَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَهُوَ مِنْ أَصْغَرِهِمْ فَقَالَ رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبَ فَإِنَّا لَمْ نَضْرِبْ أَكْبَادَ الْإِبِلِ إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلهى وَسَلَّمَ وَإِنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ وَأَنَّ تَعَضَّكُمْ السُّيُوفُ .

فَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَصْبِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللَّهِ وَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ جَبِينَةً فَبَيِّنُوا ذَلِكَ فَهُوَ عُذْرٌ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ .

 قَالُوا أَمِطْ عَنَّا يَا أَسْعَدُ فَوَاللَّهِ لَا نَدَعُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ أَبَدًا وَلَا نَسْلُبُهَا أَبَدًا  فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَبَايَعْنَاهُ فَأَخَذَ عَلَيْنَا وَشَرَطَ وَيُعْطِينَا عَلَى ذَلِكَ الْجَنَّةَ)([306]).

ترى لماذا قال جابر (مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ) بينما مدة بقائه في مكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة يحتمل وجهين :

لقد كان جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة جهاداً سلمياً من غير لمعان سيوف ، ومنه تحمل الأذى الشديد في الدعوة إلى الله .

لا أصل لمقولة الأقارب عقارب

لا أصل لهذه المقولة وهي معارضة بالكتاب والسنة والعرف ، ومخالفة لمقولات الأخلاق الحميدة .

هذه المقولة شائعة الأقارب عقارب وقد تستحضر عند تلقي الأذى من أحد الأقارب .

ويمكن تأسيس قانون وهو لو تعارضت المقولة الشائعة مع الكتاب والسنة فيجب طرحها ، وعدم المساعدة في نشرها ومنها المقولة أعلاه .

فقد نزل القرآن بتعاهد صلة الرحم ، ومنه قوله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا]([307]).

وقد صدر الجزء الخامس والسبعون بعد المائتين من تفسيري للقرآن خاصاً بتفسير هذه الآية .

وتبين الآية أن أصل الناس جميعاً من أب واحد وهو آدم وأم واحدة وهي حواء ، وفيه دعوة سماوية لتوسعة معنى الأقارب ويدل على هذه التوسعة التقييد بالقرب بقوله تعالى [وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ]([308]).

لتدل الآية في مفهومها على أن هناك عشيرة للإنسان أكبر من الأقربين بالنسب ، وهو الذي يدل عليه التفسير النبوي العملي لهذه الآية .

وعن البراء بن عازب (قال : لمّا نزلت {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين}([309]) جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلاً، الرجل منهم يأكل المسنّة ويشرب العس .

 فأمر عليّاً برِجْل شاة فأدمها ثم قال : ادنُوا باسم الله فدنا القوم عشرة عشرة فأكلوا حتى صدروا ، ثم دعا بقعب من لبن فجرع منه جرعة ثم قال لهم : اشربوا باسم الله ، فشرب القوم حتى رووا فبدرهم أبو لهب فقال : هذا ما يسحركم به الرجل.

فسكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ فلم يتكلّم .

ثمَّ دعاهم من الغد على مثل ذلك من الطعام والشراب ثم أنذرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا بني عبد المطلب إنّي أنا النذير إليكم من الله سبحانه والبشير لما يجيء به أحد منكم .

 جئتكم بالدنيا والآخرة فأسلموا وأطيعوني تهتدوا،  ومَن يواخيني ويؤازرني ويكون وليّي ووصيي بعدي،  وخليفتي في أهلي ويقضي ديني .

فسكت القوم ، وأعاد ذلك ثلاثاً كلّ ذلك يسكت القوم ، ويقول علي : أنا فقال : أنت ، فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب : أطع ابنك فقد أُمِّر عليك)([310]).

ومن أعظم النعم على الإنسان صلة الأقارب ومواساتهم وشد بعضهم أزر بعض .

وقال تعالى [وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ]([311])،

قال تعالى [وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى]([312]).

أي الإحسان لذوي القربى مطلقاً حتى الذين يأتي منهم الأذى .

و(قال أمير المؤمنين عليه السلام: وأكرم عشيرتك، فانهم جناحك الذي به تطير، وأصلك الذي إليه

تصير، ويدك التي بها تصول)([313]).

وإذا كان بعض الأقارب يسئ ويؤذي فهو قليل بالنسبة لعموم الأقارب .

وقيل أن هذه المقولة الأقارب عقارب تتطابق مع روي عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام (عداوة الأقارب أمض من لسع العقارب).

ولم يذكر هذا القول عن الإمام علي بن أبي طالب في أي كتاب من كتب المسلمين من المتقدمين والمتأخرين، فلم يقل الإمام علي هذا القول .

فضرره كثير لأنه يعلم الحياة الخاصة والعيوب ، وقد يكون حاسداً تأكل حسناته الغيرة ، وكيف يؤذيك ، ولو تنزلنا ففيه تحذير من عداوة الأقارب إلى جانب حال الحسد والغيرة.

لبيان أن صدور الأذى من بعض الأقارب لا يعني قطيعته ومقابلة الأذى بمثله إنما يقابل بالصبر والعفو ، ولا يصح تعميم القطيعة لذوي القربى أو حتى للذين يتصل بهم من جهة هذا المؤذي مثلاً إذا جاء الأذى من شخص فلا تصح قطيعة إخوانه.

وتجلت عداوة أقرب الأقارب في القرآن بإلقاء يوسف في البئر العميقة من قبل إخوته.

وكانوا في الجاهلية تتقاتل الأقارب كما في حرب بكر وتغلب ابني وائل وهي حرب البسوس التي استمرت أربعين سنة بسبب رمي الأمير كليب بن ربيعة لناقة جار البسوس .

والأوس والخزرج ابني قيلة ، لينقطع هذا التقاتل بالبعثة النبوية ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]([314]).

 قال تعالى [أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ]([315]).

فلا تصح إشاعة مقولة الأقارب عقارب،وهي مخالفة للكتاب والسنة والواقع ، وصلة الأرحام مناسبة للأجر والثواب العظيم يوم القيامة .

قانون الجمع بين الأمر والوعيد

لقد جعل الله عز وجل القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]([316]) ومنه وضوح الأوامر والنواهي ، وتجلي الأحكام الشرعية واجتماع أمور في آية البحث وهي :

الأول : عطف آية البحث على الآية السابقة لمعرفة الجهة المخاطبة والتي يتوجه إليها الأمر في آية البحث ، وهم عموم أجيال الناس في الأزمنة المتعاقبة.

الثاني : ابتدأت الآية بالنهي العام المطلق .

الثالث : إنعدام الإستثناء في آية البحث .

الرابع : تعدد النهي في آية البحث ، إذ وردت ثلاثة نواهي في الآية مع إتصافها بمسألتين:

الأولى :كلمات آية البحث ، ومن مصاديق إحاطة كلمات القرآن المحدودة بالأحكام الشرعية  في كل الأزمنة  والأحقاب ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]([317]).

الثانية : اتحاد موضوع آية البحث .

الخامس : اختتام آية البحث بالإنذار والوعيد بأن مخالفة مضامين الآية إثم عظيم ، وسبب لنزول العقوبة والبلاء .

 فلم يأت الوعيد على أكل أموال اليتامى ، وحجبها عنهم ، والإمتناع عن ردها إليهم عند بلوغهم في آية أو سورة أخرى ، بل جاء في ذات آية البحث لأن الخطاب فيها موجه للناس جميعاً ، ليكون الحكم فيها جلياً وواضحاً ولا يحتاج إلى تفسير وتأويل ، وهو من فضل الله في الخطابات العامة في القرآن .

قانون اللطف في الخطابات العامة

من إعجاز القرآن تغشي ما فيه من الأوامر والنواهي والأحكام الناس جميعاً ، فان قلت قد يأتي الخطاب في القرآن خاصاً ، والجواب أن الخطاب الخاص يحتمل وجهين :

الأول : الخطاب خاص ويراد منه العام ، والمسمى في علم الأصول : خطاب الخاص المراد به العموم ، وأغلب الخطابات التي تتوجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يراد منه سائر الناس ، ومنه قوله تعالى [وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]([318]) .

ومن الخطاب الخاص الذي يحمل صبغة العموم قوله تعالى [وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا* إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ…]([319]).

الثاني : الخطاب الخاص المراد منه الخصوص ومنه قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ]([320]) ويدل على الخصوص والتعيين ، وإرادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم  .

 وفي الخطاب الخاص إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه :

الأول : إنه خطاب خاص إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

الثاني : خطاب للأمة ليشمل أجيال المسلمين والمسلمات .

الثالث : إنه خطاب عام يشمل الناس جميعاً ، ومنه [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ..]([321]).

وتتجلى صيغة العموم وتوجه الأمر في الآية أعلاه للناس جميعاً ، لقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ]([322]) وقوله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا]([323]) والإحسان إلى اليتامى وحفظ أموالهم من تقوى الله ، والخشية منه  والتقرب إليه امتثالاً لما في آية البحث .

آية البحث من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

لقد أنعم الله عز وجل على الناس بالقرآن المدرسة الجامعة للأوامر والنواهي التي تؤدي إلى الصلاح في الدنيا والفلاح في الآخرة ، وليس من حصر لمصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في القرآن .

ويمكن تتبع آيات القرآن سواء في منطوقها أو مفهومها وأيهما أكثر ، الأمر أو النهي من جهات :

الأولى : الآيات التي تتضمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

الثانية : الآيات التي تتضمن الأمر بالمعروف .

الثالثة : الآيات التي تتضمن النهي عن المنكر .

الرابعة : الآيات التي لا تتضمن أمراً بالمعروف أو نهياً عن المنكر .

وفيه تتجلى ذخائر من إعجاز القرآن ، وإذا كان الإحصاء على المنطوق والمفهوم ، فالمختار هي الأولى أعلاه لإضافة المفهوم وسعته  .

ويتجلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آية البحث من وجوه :

الأول : ابتداء الآية بالأمر العام الموجه إلى الناس جميعاً بقوله تعالى [وَآتُوا].

الثاني : اقتران الأمر في آية البحث بالعطف والحنان .

الثالث : آية البحث إحسان محض لما فيها من حفظ حقوق اليتامى والمستضعفين .

الرابع :النهي عن اختيار الخبيث وترك الطيب ، لأن أكل مال اليتيم أمر خبيث ، أما الطيب فهو الرزق الحلال ، وكان بعضهم يبدل شاة اليتيم السمينة بشاة مهزولة من ماله ، والدرهم السليم بدرهم زائف من ماله.

وهذا النهي [وَلَا تَتَبَدَّلُوا] من النهي عن المنكر ، وموضوع الآية أعم من أكل مال اليتامى إذ تدل على عدم التعجل بأكل المال الحرام ، قبل أن يأتي الرزق الحلال .

ومن إعجاز القرآن أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيه دعوة للناس للعمل بمضامينه وللقيام بالأمر والنهي الوارد فيه .

الخامس : النهي عن ضم أموال اليتامى إلى أموالكم .

السادس : أختتمت آية البحث بالوعيد بالوزر والذنب العظيم بالتعدي على أموال اليتامى لبيان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يأت في القرآن مجرداً بل يأتي معه الوعد على الإمتثال والوعيد على المخالفة والمعصية .

 تعدد كلمة الأموال في الآية

تكرر لفظ الأموال بصيغة الجمع مرتين بقوله تعالى [أَمْوَالَهُمْ] ومرة ثالثة بقوله [أَمْوَالِكُمْ] لبيان فتح الله عز وجل خزائن السماء والأرض للمسلمين ، ونزول البركة ، وكثرة أموالهم، والنسبة بين البركة وكثرة الأموال عموم وخصوص مطلق ، فالبركة أعم.

 ووجود فائض على النفقة الخاصة والعامة ، بدليل التركة لليتامى ، كما يدل قوله تعالى [وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ] على النشاط التجاري وحركة البيع والشراء ، وأسباب العرض والطلب .

وليس من فترة بين مغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى وبين كثرة أموال الصحابة بعد أن كان بعضهم أيام النبوة يربط الأحجار على البطن لشدة الجوع.

وبعد الغنائم من الإبل والشاة في الجزيرة صارت الغنائم من العراق وفارس والشام بالذهب والفضة والجواهر ، وخزائن دول كبرى ، مع غلات وحقول وبساتين ، وثروة الخراج .

 وبعد أن كانوا في أرض الحجاز القاحلة والخالية من الأنهار ، صاروا في أراضي خصبة وأنهار تجري مثل دجلة والفرات والنيل .

وبلغ الخمس في معركة القادسية اثني عشر مليون درهم على أقل تقدير.

حقوق اليتامى

لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار الحقوق والواجبات ، وما ينفك الإنسان عن الإبتلاء في كل ساعة ، وجعل الله عز وجل الصلاة خمس مرات في اليوم ، لتكون مناسبة لمغفرة الذنوب .

وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (أيها الناس عليكم بالصلاة عليكم بالصلاة فانها عمود دينكم كابدوا الليل بالصلاة ، واذكروا الله كثيرا يكفر سيئاتكم.

 إنما مثل هذه الصلوات الخمس مثل نهر جار بين يدي باب أحدكم يغتسل منه في اليوم خمس اغتسالات، فكما ينقى بدنه من الدرن بتواتر الغسل فكذا ينقى من الذنوب مع مداومته الصلاة، فلا يبقى من ذنوبه شئ)([324]).

ومن حقوق اليتامى أمور :

الأول : حق الكفالة : وكفالة اليتيم السعي فيما فيه مصلحته ، وقضاء حوائجه .

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أنا وكافل اليتيم له أو لغيره إذا اتقى الله في الجنة كهاتين ، أو كهذه من هذه)([325]).

وهل تتضمن كفالة اليتيم في المقام الغرم والخسارة ، لقول النبي محمد (الزعيم غارم) ([326])، والزعيم في اللغة الكفيل.

الجواب لا ، إنما كفالة اليتيم مطلقاً حسن معاملته ، ومنع الإساءة إليه سواء كان اليتيم فقيراً مسكيناً أو غنياً  .

وقد تقدم الإحسان إلى اليتامى على المساكين في قوله تعالى [وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا]([327]).

ومن كفالة اليتيم الحنان والعطف وتولي شؤون تربيته ، والإنفاق عليه .

الثاني : حق التملك : وهو الذي تدل عليه وتؤكده بوضوح آية البحث ، كما كفل الله عز وجل لليتيم حقه في الميراث لقوله تعالى [لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ]([328])، من غير تقييد هذا الحق بالكبر أو الصغر ، فيرث الصغير مثلما يرث الكبير من الورثة أبناء كانوا أو إخوة .

وقد يأتي المال لليتيم بالوصية من غير المورِث فلابد من حفظ ماله سواء كان هبة أو من الزكاة أو الخمس أو الصدقة ، قال تعالى [يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ]([329]).

الثالث : حق اليتيم في التعليم : لليتيم الحق بالتربية الصحيحة وأن يأخذ نصيبه من التعليم مثل أقرانه سواء كان اليتيم ذكراً أو أنثى ، وأن تنال اليتيمة عند الزواج مهر المثل ولا يحق عضلها ومنع زواجها من الكفئ .

حق حسن الولاية

لقد قرن الله عز وجل حق اليتامى مع حقه تعالى وحق الوالدين ومنع من إهانتهم وإخافتهم والإساءة إليهم .

قال تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]([330]) ([331]) ومن وجوه طاعة الله ورسوله العطف على اليتامى وإعانتهم ،وحسن الولاية عليهم ، وفيه بناء للمجتمع السليم ، وتوارث التراحم والتكافل بين المسلمين .

و(عن ابن مسعود قال : استتبعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم فانطلقنا حتى أتينا موضعاً لا ندري ما هو؟ فوضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأسه في حجري ، ثم إن نفراً أتوا عليهم ثياب بيض طوال وقد أغفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

فقال عبد الله : فارعبت منهم . فقالوا : لقد أعطى هذا العبد خيراً إن عينه نائمة والقلب يقظان ، ثم قال بعضهم لبعض : اضربوا له ونَتَأوَّلَ نحن أو نضرب نحن وتَتَأَوَّلون أنتم .

فقال بعضهم : مثله كمثل سيد اتخذ مأدبة ، ثم ابتنى بيتاً حصيناً ، ثم أرسل إلى الناس فمن لم يأت طعامه عذبه عذاباً شديداً .

قال الآخرون : أما السيد فهو رب العالمين ، وأما البنيان فهو الإِسلام ، والطعام الجنة ، وهذا الداعي فمن اتبعه كان في الجنة ومن لم يتبعه عذب عذاباً أليماً .

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استيقظ فقال : ما رأيت يا ابن أم عبد؟ فقلت : رأيت كذا وكذا .

فقال : أُخفِيَ علي مما قالوا شيء ، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هم نفر من الملائكة)([332]).

أي أن الملائكة أثنوا على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتحاوروا بينهم بلغة الملائكة في ذكر فريق معنى إجمالي ، ويقوم الفريق الآخر بتأويله ولعلهم من الملائكة السائحين الموكلين بالإنتشار في الأرض ، ومن وظائفهم حضور مجالس ذكر الله ، والدعاء للذاكرين ،وأنهم مروا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو نائم فوقفوا عنده .

ليعلم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشطر من كلامهم مع أنه نائم وهم يعلمون بهذا إذ قالوا (ان عينه نائمة والقلب يقظان).

وسمع النبي محمد الشطر الآخر من كلامهم من عبد الله بن مسعود .

وإذا ورد عبد الله في سند الصحابة فالمقصود به عبد الله بن مسعود.

بينما يذكر عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو مع أسماء آبائهم .

لماذا (الأموال) بالجمع

تأمر آية البحث بدفع أموال اليتامى لهم عند بلوغهم ، وفيه بشارة حال الغنى التي سيكون عليها المسلمون ، ووراثة المسلم المال لأولاده ، ومن الإعجاز في المقام أن الآية لن تقل (وأتوا اليتامى مالهم ) مع أن المال لو جاء هنا فانه اسم جنس ، ولكنه جاء بصيغة الجمع ، وفيه وجوه :

الأول  : بشارة كثرة أموال المسلمين .

الثاني : مع الإنفاق على اليتيم من ماله في صغره يكون له فائض بعد بلوغه.

الثالث : قانون استقلال كل يتيم بما له وإن كانوا إخوة.

الرابع : إحصاء أموال اليتامى .

الخامس : تعدد الأولياء على اليتامى .

السادس : عدم خلط مال اليتيم مع غيره وما فيه الضرر عليه .

السابع : دعوة الأباء للإدخار للأبناء .

الثامن : قانون زجر الأولياء ونحوهم عن الإستيلاء على أموال اليتامى كثيرة كانت أو قليلة .

التاسع : إخبار آية البحث عن فضل الله عز وجل على اليتامى ورأفته بهم بجعل البركة في أموالهم .

العاشر : موافقة صيغة الجمع في جهة الخطاب ، وفي ذكر اليتامى بصيغة الجمع .

الحادي عشر : بيان تعدد وكثرة أموال اليتامى التي يلزم حفظها ودفعها لهم عند البلوغ .

الثاني عشر : تجدد أحكام آية البحث في كل زمان وإلى يوم القيامة . 

الإكتفاء بزوجة واحدة

من أعظم النعم الإلهية على الناس نعمة الزواج ، ولم يهبط آدم إلى الأرض إلا ومعه زوجته حواء التي خلقها الله في الجنة ، وقال تعالى [وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً]([333]) والزواج سنة الأنبياء الصالحين وفيه الأجر والثواب .

ويترشح عن الزواج إنجاب الأولاد ، وهم زينة الحياة الدنيا وديمومة الحياة ، والتباين في أعمار أهل الأرض، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (من سره أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليلقه بزوجة ومن ترك التزويج مخافة العيلة فقد أساء الظن بالله عز وجل)([334]) .

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباه فليتزوج، و من لم يستطعها فليدمن الصوم فانه له وجاء ،  وقال صلى الله عليه وآله: رذال موتاكم العزاب ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه وآله: من تزوج فقد أعطى نصف العبادة)([335]).

لو دار الأمر بين أمرين :

الأول : الزواج من ثانية مع احتمال عدم إحراز العدل بين الزوجتين وتهيئة أسبابه ومقدماته .

الثاني : الإكتفاء بزوجة واحدة .

فان آية البحث ترجح وتدعو إلى الثاني أعلاه والإكتفاء بزوجة واحدة لأولوية سلامة الدين وإجتناب التعدي والغبن والظلم ، وهذا من إعجاز القرآن من وجوه :

الأول : قانون نزول القرآن للإنظمة الإجتماعية .

الثاني : قانون لزوم انتفاء الظلم داخل الأسرة الواحدة .

الثالث : الزوجة الواحدة من مصاديق قوله تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ]([336]).

قانون ولاية الله لليتامى

صحيح أن لليتيم ولياً من الناس ولكن آية البحث تتضمن ولاية الله عز وجل لليتامى لما فيها من الزجر من ظلم اليتامى .

وقد ورد قوله تعالى [وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ]([337])، [وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ]([338]).

وهل يصح استنباط وتقدير (الله ولي اليتامى) الجواب نعم ، قال تعالى [فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ]([339])، [وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ]([340]).

كما تدل آية البحث على ولاية الله عز وجل لأولياء اليتامى بهدايتهم إلى اجتناب ظلم اليتامى مطلقاً ، ومنهم اليتيمة التي في حجر الولي .

ومن ولاية الله عز وجل لليتامى كثرة الآيات التي تنظم الصلات مع اليتامى ورعايتهم والإحسان إليهم وحفظ أموالهم.

ومن ولاية الله عز وجل لليتامى وجوه :

الأول : الأمر بتنصيب ولي على اليتيم .

الثاني : حفظ أموال اليتامى .

الثالث : دفع الظلم عن اليتامى .

الرابع : منع ضياع اليتامى .

الخامس : تأكيد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على رعاية وحفظ اليتيم .

السادس : تعدد آيات القرآن التي توصي باليتامى ، وتبين كيفية العناية بهم .

السابع : الأجر والثواب في حفظ اليتامى وأموالهم .

الهداية مع اليتم

من ولاية الله عز وجل لليتامى هدايتهم إلى سبل الرشاد والصلاح منذ الصغر ، وهل هذه الهداية فضل على خصوص اليتامى ، الجواب لا ، فهي فضل على الناس جميعاً .

ومنهم من يكون اليتيم سبباً لإيمانه ، وتحليه بالتقوى ، فقد يسبق الإيمان البلوغ ، لذا يستحب تمرين الصبيان على الصلاة من السنة السابعة من العمر وتمرينهم على الصيام إلى منتصف نهار شهر رمضان .

ومن فضل الله عز وجل أن ينشأ اليتيم في حضانة وعناية سواء من السلطان أو من الولي أو متبرع ، وجاء القرآن والسنة النبوية للترغيب بهذه العناية .

ومن الآيات أن أكثر اليتامى يكونون أوفياء ويذكرون الفضل عليهم ، كما أن نفوسهم تمتلأ بالعطف والحنان .

وهل آية البحث سبب لهداية اليتامى لمسالك الإيمان ، الجواب نعم ، وفيها مواساة لليتيم ، ودعوة له للصبر والتحمل وإرشاد لسبل الصلاح .

ومن إعجاز القرآن وعالمية رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن عدم انحصار موضوع آيات اليتامى وحفظ أموالهم بخصوص يتامى المسلمين ، بل هي عامة ، وفيها دعوة للحكومات بتشريع قوانين وتخصيص ميزانية تصون اليتامى وتحفظ أموالهم ، وهو أمر ظاهر في كثير من بلدان الأرض .

إسلام سلمان الفارسي

لقد أكرم الله عز وجل الصحابي الجليل سلمان الفارسي منذ صغره ويتمه لتبين فصول قصته فضل الله عز وجل في حفظ وهداية اليتامى ، إذ رحل سلمان من بلاد فارس إلى الشام ثم إلى العراق وتركيا معانقاً مبادئ التوحيد ، متنقلاً من عالم إلى عالم ، ومن موحد زاهد إلى مثله ، ليتلقى البشارة العظمى برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم اتباعه .

و(عن سماك بن حرب ، عن زيد بن صوحان ، أن رجلين من أهل الكوفة كانا صديقين لزيد بن صوحان أتياه ليكلم لهما سلمان أن يحدثهما حديثه كيف كان إسلامه فأقبلا معه حتى لقوا سلمان .

(لبيان أن الشفاعة والوساطة لسماع حديث من الصحابي الأمير ، وليس من أجل المال أو مصلحة دنيوية).

وهو بالمدائن أميراً عليها ، وإذا هو على كرسي قاعد ، وإذا خوص بين يديه وهو يسفه ، قالا : فسلمنا وقعدنا .

فقال له زيد : يا أبا عبد الله ، إن هذين لي صديقان ولهما أخ ، وقد أحبا أن يسمعا حديثك كيف كان بدء إسلامك .

فقال سلمان : كنت يتيما من رام هرمز ، وكان ابن دهقان([341]) رام هرمز يختلف إلى معلم يعلمه ، فلزمته لأكون في كنفه ، وكان لي أخ أكبر مني وكان مستغنيا بنفسه ، وكنت غلاما قصيرا ، وكان إذا قام من مجلسه تفرق من يحفظهم .

فإذا تفرقوا خرج فيضع بثوبه ، ثم صعد الجبل ، وكان يفعل ذلك غير مرة متنكرا.

فقلت له : إنك تفعل كذا وكذا ، فلم لا تذهب بي معك ؟ قال : أنت غلام ، وأخاف أن يظهر منك شيء .

قلت : لا تخف ، قال : فإن في هذا الجبل قوما في برطيلهم لهم عبادة ، ولهم صلاح يذكرون الله تعالى ، ويذكرون الآخرة ، ويزعموننا عبدة النيران ، وعبدة الأوثان ، وأنا على دينهم.

قلت فاذهب بي معك إليهم ، قال : لا أقدر على ذلك حتى أستأمرهم ، وأنا أخاف أن يظهر منك شيء ، فيعلم أبي فيقتل القوم فيكون هلاكهم على يدي .

قلت : لن يظهر مني ذلك ، فاستأمرهم ، فأتاهم ، فقال : غلام عندي يتيم فأحب أن يأتيكم ويسمع كلامكم ، قالوا : إن كنت تثق به.

قال : أرجو أن لا يجيء منه إلا ما أحب ، قالوا : فجيء به ، فقال لي : لقد استأذنت في أن تجيء معي ، فإذا كانت الساعة التي رأيتني أخرج فيها فأتني ، ولا يعلم بك أحد ، فإن أبي إن علم بهم قتلهم .

فلما كانت الساعة التي يخرج تبعته فصعدنا الجبل ، فانتهينا إليهم ، فإذا هم في برطيلهم([342]) قال علي : وأراه ، قال : وهم ستة أو سبعة ، قال : وكأن الروح قد خرج منهم من العبادة يصومون النهار ، ويقومون الليل ، ويأكلون عند السحر ، ما وجدوا .

فقعدنا إليهم ، فأثنى الدهقان على حبر ، فتكلموا ، فحمدوا الله ، وأثنوا عليه ، وذكروا من مضى من الرسل والأنبياء حتى خلصوا إلى ذكر عيسى بن مريم عليهما السلام .

فقالوا : بعث الله تعالى عيسى عليه السلام رسولا وسخر له ما كان يفعل من إحياء الموتى ، وخلق الطير ، وإبراء الأكمه ، والأبرص ، والأعمى ، فكفر به قوم وتبعه قوم ، وإنما كان عبد الله ورسوله ابتلى به خلقه.

وقالوا قبل ذلك : يا غلام ، إن لك لربا ، وإن لك معادا ، وإن بين يديك جنة ونارا ، إليهما تصيرون ، وإن هؤلاء القوم الذين يعبدون النيران أهل كفر وضلالة لا يرضى الله ما يصنعون وليسوا على دين ، فلما حضرت الساعة التي ينصرف فيها الغلام انصرف وانصرفت معه.

ثم غدونا إليهم فقالوا مثل ذلك وأحسن ، ولزمتهم فقالوا لي يا سلمان : إنك غلام ، وإنك لا تستطيع أن تصنع كما نصنع فصل ونم وكل وأشرب.

قال : فاطلع الملك على صنيع ابنه فركب في الخيل حتى أتاهم في برطيلهم ، فقال : يا هؤلاء ، قد جاورتموني فأحسنت جواركم ، ولم تروا مني سوءا فعمدتم إلى ابني فأفسدتموه علي قد أجلتكم ثلاثا ، فإن قدرت عليكم بعد ثلاث أحرقت عليكم برطيلكم هذا ، فالحقوا ببلادكم ، فإني أكره أن يكون مني إليكم سوء.

قالوا : نعم ، ما تعمدنا مساءتك ، ولا أردنا إلا الخير ، فكف ابنه عن إتيانهم .

فقلت له : اتق الله ، فإنك تعرف أن هذا الدين دين الله ، وأن أباك ونحن على غير دين إنما هم عبدة النار لا يعبدون الله ، فلا تبع آخرتك بدين غيرك.

قال : يا سلمان ، هو كما تقول : وإنما أتخلف عن القوم بغيا عليهم إن تبعت القوم طلبني أبي في الجبل وقد خرج في إتياني إياهم حتى طردهم ، وقد أعرف أن الحق في أيديهم فأتيتهم في اليوم الذي أرادوا أن يرتحلوا فيه.

فقالوا : يا سلمان : قد كنا نحذر مكان ما رأيت فاتق الله تعالى واعلم أن الدين ما أوصيناك به ، وأن هؤلاء عبدة النيران لا يعرفون الله تعالى ولا يذكرونه ، فلا يخدعنك أحد عن دينك قلت : ما أنا بمفارقكم.

قالوا : أنت لا تقدر أن تكون معنا نحن نصوم النهار ، ونقوم الليل ونأكل عند السحر ما أصبنا وأنت لا تستطيع ذلك .

فقلت : لا أفارقكم ، قالوا : أنت أعلم وقد أعلمناك حالنا ، فإذا أتيت خذ مقدار حمل يكون معك شيء تأكله ، فإنك لا تستطيع ما نستطيع بحق)([343]).

سلمان في الموصل

ولما أراد سلمان أن يرحل مع الرهبان حمل معه زاداً كما أمروه .

قال سلمان : ولقينا أخي فعرضت عليه ، ثم أتيتهم يمشون وأمشي معهم فرزق الله السلامة حتى قدمنا الموصل فأتينا بيعة بالموصل ، فلما دخلوا احتفوا بهم وقالوا : أين كنتم.

قالوا : كنا في بلاد لا يذكرون الله تعالى فيها عبدة النيران ، وكنا نعبد الله فطردونا ، فقالوا : ما هذا الغلام ؟ فطفقوا يثنون علي ، وقالوا : صحبنا من تلك البلاد فلم نر منه إلا خيرا.

قال سلمان فوالله : إنهم لكذلك إذا طلع عليهم رجل من كهف جبل ، فجاء حتى سلم وجلس فحفوا به وعظموه أصحابي الذين كنت معهم وأحدقوا به .

فقال : أين كنتم ؟ فأخبروه ، فقال : ما هذا الغلام معكم ؟ فأثنوا علي خيرا وأخبروه بإتباعي إياهم ، ولم أر مثل إعظامهم إياه ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم ذكر من أرسل من رسله وأنبيائه وما لقوا ، وما صنع به .

وذكر مولد عيسى بن مريم عليه السلام ، وأنه ولد بغير ذكر فبعثه الله عز وجل رسولا ، وأحيا على يديه الموتى ، وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير ، فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأنزل عليه الإنجيل وعلمه التوراة ، وبعثه رسولا إلى بني إسرائيل فكفر به قوم وآمن به قوم .

وذكر بعض ما لقي عيسى ابن مريم ، وأنه كان عبد الله أنعم الله عليه فشكر ذلك له ورضي الله عنه حتى قبضه الله عز وجل وهو يعظهم ويقول : اتقوا الله والزموا ما جاء به عيسى عليه الصلاة والسلام ، ولا تخالفوا فيخالف بكم .

ثم قال : من أراد أن يأخذ من هذا شيئا ، فليأخذ فجعل الرجل يقوم فيأخذ الجرة من الماء والطعام .

فقام أصحابي الذين جئت معهم فسلموا عليه وعظموه وقال لهم : الزموا هذا الدين وإياكم أن تفرقوا واستوصوا بهذا الغلام خيرا .

وقال لي : يا غلام هذا دين الله الذي تسمعني أقوله وما سواه الكفر.

قلت : ما أنا بمفارقك ، قال : إنك لا تستطيع أن تكون معي إني لا أخرج من كهفي هذا إلا كل يوم أحد ، ولا تقدر على الكينونة معي .

قال : وأقبل على أصحابه ، فقالوا : يا غلام ، إنك لا تستطيع أن تكون معه ، قلت : ما أنا بمفارقك ، قال له أصحابه : يا فلان ، إن هذا غلام ويخاف عليه .

فقال لي : أنت أعلم ، قلت : فإني لا أفارقك ، فبكى أصحابي الأولون الذين كنت معهم عند فراقهم إياي .

فقال : يا غلام ، خذ من هذا الطعام ما ترى أنه يكفيك إلى الأحد الآخر ، وخذ من الماء ما تكتفي به ، ففعلت فما رأيته نائما ولا طاعما إلا راكعا وساجدا إلى الأحد الآخر .

فلما أصبحنا ، قال لي : خذ جرتك هذه وانطلق فخرجت معه أتبعه حتى انتهينا إلى الصخرة ، وإذا هم قد خرجوا من تلك الجبال ينتظرون خروجه فقعدوا وعاد في حديثه نحو المرة الأولى.

فقال : الزموا هذا الدين ولا تفرقوا ، واذكروا الله واعلموا أن عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام كان عبد الله تعالى أنعم الله عليه ، ثم ذكرني .

فقالوا له : يا فلان كيف وجدت هذا الغلام ؟ فأثنى علي ، وقال خيرا : فحمدوا الله تعالى ، وإذا خبز كثير ، وماء كثير فأخذوا وجعل الرجل يأخذ ما يكتفي به ، وفعلت فتفرقوا في تلك الجبال ورجع إلى كهفه ورجعت معه.

فلبثنا ما شاء الله يخرج في كل يوم أحد ، ويخرجون معه ويحفون به ويوصيهم بما كان يوصيهم به فخرج في أحد ، فلما اجتمعوا حمد الله تعالى ووعظهم.

وقال : مثل ما كان يقول لهم ، ثم قال لهم آخر ذلك : يا هؤلاء إنه قد كبر سني ، ورق عظمي ، وقرب أجلي ، وأنه لا عهد لي بهذا البيت منذ كذا وكذا ، ولا بد من إتيانه فاستوصوا بهذا الغلام خيرا ، فإني رأيته لا بأس به .

قال : فجزع القوم فما رأيت مثل جزعهم ، وقالوا : يا فلان ، أنت كبير فأنت وحدك ، ولا نأمن من أن يصيبك شيء يساعدك أحوج ما كنا إليك ، قال : لا تراجعوني ، لا بد من اتباعه ، ولكن استوصوا بهذا الغلام خيرا وافعلوا وافعلوا.

قال : فقلت : ما أنا بمفارقك ، قال : يا سلمان قد رأيت حالي وما كنت عليه وليس هذا كذلك أنا أمشي أصوم النهار وأقوم الليل ، ولا أستطيع أن أحمل معي زادا ولا غيره وأنت لا تقدر على هذا قلت ما أنا بمفارقك ، قال : أنت أعلم ، قال : فقالوا : يا فلان ، فإنا نخاف على هذا الغلام ، قال : فهو أعلم قد أعلمته الحال وقد رأى ما كان قبل هذا قلت : لا أفارقك ، قال : فبكوا وودعوه.

توجه سلمان إلى بيت المقدس

قال الراهب : اتقوا الله وكونوا على ما أوصيتكم به فإن أعش فعلي أرجع إليكم ، وإن مت فإن الله حي لا يموت فسلم عليهم وخرج وخرجت معه.

وقال لي : أحمل معك من هذا الخبز شيئا تأكله فخرج وخرجت معه يمشي واتبعته يذكر الله تعالى ولا يلتفت ولا يقف على شيء حتى إذا أمسينا.

قال : يا سلمان ، صل أنت ونم وكل واشرب ثم قام وهو يصلي حتى انتهينا إلى بيت المقدس ، وكان لا يرفع طرفه إلى السماء حتى أتينا إلى باب المسجد ، وإذا على الباب مقعد ، فقال : يا عبد الله ، قد ترى حالي فتصدق علي بشيء فلم يلتفت إليه ودخل المسجد ودخلت معه فجعل يتبع أمكنة من المسجد فصلى فيها.

فقال : يا سلمان إني لم أنم منذ كذا وكذا ولم أجد طعم النوم ، فإن فعلت أن توقظني إذا بلغ الظل مكان كذا وكذا نمت ، فإني أحب أن أنام في هذا المسجد وإلا لم أنم.

قلت فإني أفعل ، قال : فإذا بلغ الظل مكان كذا وكذا فأيقظني إذا غلبتني عيني فنام فقلت في نفسي : هذا لم ينم مذ كذا وكذا وقد رأيت بعض ذلك لأدعنه ينام حتى يشتفي من النوم.

وكان فيما يمشي وأنا معه يقبل علي فيعظني ويخبرني أن لي ربا وأن بين يدي جنة ونارا وحسابا ، ويعلمني ويذكرني نحو ما يذكر القوم يوم الأحد حتى .

قال فيما يقول : يا سلمان إن الله عز وجل سوف يبعث رسولا اسمه أحمد يخرج بتهمة – وكان رجلا أعجميا لا يحسن القول – علامته أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم وهذا زمانه الذي يخرج فيه قد تقارب فأما أنا فإني شيخ كبير ولا أحسبني أدركه فإن أدركته أنت فصدقه واتبعه .

قلت وإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه .

قال : اتركه فإن الحق فيما يأمر به ورضي الرحمن فيما قال : فلم يمض إلا يسيرا حتى استيقظ فزعا يذكر الله تعالى ، فقال لي : يا سلمان ، مضى الفيء من هذا المكان ولم أذكر أين ما كنت جعلت على نفسك.

قلت([344]) : أخبرتني أنك لم تنم منذ كذا وكذا وقد رأيت بعض ذلك فأحببت أن تشتفي من النوم فحمد الله تعالى وقام فخرج وتبعته فمر بالمقعد.

فقال المقعد : يا عبد الله دخلت فسألتك فلم تعطني وخرجت فسألتك فلم تعطني فقام ينظر هل يرى أحدا فلم يره فدنا منه فقال له : ناولني يدك فناوله.

فقال : بسم الله فقام كأنه أنشط من عقال صحيحا لا عيب به فخلا عن بعده ، فانطلق ذاهبا فكان لا يلوي على أحد ولا يقوم عليه .

فقال لي المقعد : يا غلام احمل علي ثيابي حتى أنطلق فأسير إلى أهلي فحملت عليه ثيابه وانطلق لا يلوي علي فخرجت في إثره أطلبه ، فكلما سألت عنه قالوا : أمامك حتى لقيني ركب من كلب .

فسألتهم : فلما سمعوا الفتى أناخ رجل منهم لي بعيره فحملني خلفه حتى أتوا بلادهم فباعوني([345]) فاشترتني امرأة من الأنصار فجعلتني في حائط بها.

وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبرت به فأخذت شيئا من تمر حائطي فجعلته على شيء ، ثم أتيته فوجدت عنده ناسا ، وإذا أبو بكر أقرب الناس إليه فوضعته بين يديه ، وقال ما هذا ؟ قلت : صدقة ، قال للقوم : كلوا ، ولم يأكل .

ثم لبثت ما شاء الله ، ثم أخذت مثل ذلك فجعلت على شيء ، ثم أتيته فوجدت عنده ناسا .

فقال لي : ما هذا ؟ قلت : هدية ، قال : بسم الله ، وأكل وأكل القوم ، قلت : في نفسي هذه من آياته كان صاحبي رجلا أعجمي لم يحسن أن ، يقول : تهامة ، فقال : تهمة وقال : اسمه أحمد فدرت خلفه ففطن بي فأرخى ثوبا فإذا الخاتم في ناحية كتفه الأيسر فتبينته ، ثم درت حتى جلست بين يديه.

فقلت : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله ، فقال : من أنت قلت مملوك .

فحدثته حديثي وحديث الرجل الذي كنت معه وما أمرني به ، قال : لمن أنت ؟ قلت : لامرأة من الأنصار جعلتني في حائط لها ، قال : يا أبا بكر ، قال : لبيك ، قال : اشتره فاشتراني أبو بكر فأعتقني فلبثت ما شاء الله أن ألبث فسلمت عليه وقعدت بين يديه.

قلت : يا رسول الله ما تقول في دين النصارى ، قال : لا خير فيهم ولا في دينهم .

فدخلني أمر عظيم فقلت : في نفسي هذا الذي كنت معه ورأيت ما رأيته ثم رأيته أخذ بيد المقعد فأقامه الله على يديه وقال : لا خير في هؤلاء ، ولا في دينهم .

فانصرفت وفي نفسي ما شاء الله ، فأنزل الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم [ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ]([346]) إلى آخر الآية.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : علي بسلمان .

فأتيت([347]) الرسول وأنا خائف فجئت حتى قعدت بين يديه ، فقرأ بسم الله الرحمن [ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ]إلى آخر الآية.

يا سلمان إن أولئك الذين كنت معهم وصاحبك لم يكونوا نصارى ، إنما كانوا مسلمين .

فقلت : يا رسول الله ، والذي بعثك بالحق لهو الذي أمرني باتباعك ، فقلت له : وإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه ، قال : فاتركه ، فإن الحق وما يجب فيما يأمرك به)([348]).

قانون الزجر عن التصرف في أموال اليتامى

ترى من المخاطب بقوله تعالى [وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ]([349]).

المختار أنهم الناس جميعاً بلحاظ نظم الآيات خاصة وأن هذه الآية من سورة الأنعام وهي سورة مكية ، وقيل إلا ست آيات نزلت في المدينة [وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ]([350])، إلى آخر ثلاث آيات ، وقوله [قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ]([351]).

و(عن أُبي بن كعب عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : أنزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد فمن قرأ سورة الأنعام صلى عليه أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من الأنعام يوماً وليلة)([352]).

وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (نزلت سورة الانعام جملة واحدة شيعها سبعون ألف ملك، حتى انزلت على محمد صلى الله عليه وآله، فعظموها وبجلوها، فان اسم الله فيها في سبعين موضعا، ولو علم الناس ما فيها ما تركوها)([353]).

وورد قوله تعالى [لَا تَقْرَبُوا] خمس مرات في القرآن وهي :

الأولى : [لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى]([354]).

الثانية : [وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ]([355]).

الثالثة : [وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ]([356]).

الرابعة : [وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا]([357]).

الخامسة : [وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ]([358]).

ومن بين خمس مرات ورد النهي عن الإقتراب من أموال اليتامى مرتين لبيان موضوعية حفظ أموال اليتامى ، وأن الله عز وجل يغضب للإسراف والتبذير فيها ، والإحتيال للإستحواذ عليها .

وورد النهي في الآية أعلاه من سورة الأنعام إلى الناس جميعاً لزجرهم عن التصرف في أموال اليتامى بما لا يكسب لذات اليتامى النفع .

ولبيان مسألة وخطاب موجه إلى الناس جميعاً لو دار الأمر بين الإقتراب من مال اليتيم مع عدم ضمان نفعه وبين ترك هذا الإقتراب ، فيلزم ترك هذا الإقتراب .

ولا يشترط في اليتيم وحفظ ماله خصوص اليتيم المسلم.

إذ يتجلى في آية البحث قانون حفظ أموال اليتامى مطلقاً ، وهو المستقرأ من صيغة الخطاب العام في الآية وعطفها على [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] لينشأ ويشب اليتيم على حب الإسلام ويدرك إكرام القرآن والسنة له .

إذ وردت الآية بصيغة العموم في اليتامى وهو من رحمة الله عز وجل بالناس وحاجتهم للعمل بآيات القرآن ، ومن مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]([359]).

إنما يكون التصرف في مال اليتيم مع ضمان صلاحه ونماء ماله ، وعدم تآكله.

ومنه التجارة والمضاربة في مال اليتيم مع ضمان العامل الخسارة .

عموم الخطاب في أموال اليتامى

وردت صيغة العموم في الشطر أعلاه من الآية من وجوه :

الأول : واو الجماعة في (لاتقربوا) وهو موجه من الله عز وجل إلى الناس جميعاً .

ومن إعجاز القرآن وموضوعية حفظ تعاهد مال اليتيم فيه ورود الإستثناء [إِلَّا بِالَّتِي] ثلاث مرات في القرآن اثنتين منها بخصوص أموال اليتامى ، وهذه الثلاثة هي :

الأولى : قوله تعالى [وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ]([360]).

الثانية : قوله تعالى [وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا]([361]).

الثالثة : قوله تعالى [وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ]([362]).

الثاني : إطلاق النهي عن الإقتراب من أموال اليتامى باستثناء الإقتراب والتصرف فيها بما فيه النفع العام والخاص لليتيم .

الثالث : عموم مال اليتامى ، ووردت كلمة (اليتيم) في الآية لإرادة اسم الجنس .

الرابع : قانون الأحسن في الإقتراب والدنو من مال اليتيم ومن الأحسن عدم المجازفة في مال اليتيم وإجتناب توظيفه في عمل وكسب حرام .

ومن معاني عموم الخطاب في آية [وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ]([363]) شمولها للذين كفروا من قريش ونحوهم وجوه :

الأول : قانون نزول القرآن لإصلاح المجتمعات .

الثاني : إعداد اليتامى لمجتمع الإسلام وأداء الفرائض العبادية .

الثالث : إقامة الحجة على الذين كفروا بأن القرآن يدعو لمكارم الأخلاق.

الرابع : رأفة الله عز وجل باليتامى مطلقاً وإن كانوا بين ظهراني الذين كفروا .

الخامس : عندما يبلغ اليتيم يتدبر كيف أن القرآن صان حقوقه وحفظ أمواله ، ودعا إلى الإحسان إليه ، فيكون سبباً لهدايته ، وفي التنزيل [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ]([364]).

السادس : من أسرار نزول سورة الأنعام في مكة بين قوم مشركين حملهم على العمل بمضامين وأحكام القرآن على نحو الموجبة الجزئية ، وبما فيه الصلاح .

السابع : تجلي عمل المسلمين بمضامين آيات الإبتعاد عن الزنا والفواحش مطلقاً ، وعن الدنو من مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن وفيه ترغيب للناس بالإسلام .

الثامن : إحراز إسلام اليتامى عندما يبلغون سن الرشد ، ليكون المجتمع بعد سنوات قليلة من نزول سورة الأنعام مجتمعاً إسلامياً .

الحذر من الدنو من أموال اليتامى

عندما نزل قوله تعالى [وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] في التحذير من الدنو من أموال اليتامى والتصرف منها تجنب المسلمون اليتامى وأموالهم واعتزلوهم ، فصاروا لا يخالطونهم في مأكل أو مشرب ، وصار طعامهم يفسد ، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فنزل قوله تعالى [وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ]([365]).

وروي (عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وآله قال : يا أبا ذر إني أحب لك ما أحب لنفسي ، إني أراك ضعيفا، فلا تؤمرن على اثنين ، ولا تولين مال يتيم)([366]).

والآية أعلاه من سورة البقرة مما يدل على استمرار حذر وحيطة المسلمين من الإقتراب من مال اليتيم حتى بعد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لذا قيل أن السائل هو عبد الله بن رواحة ، وهو من الأنصار شهد معركة بدر ، واستشهد في معركة مؤتة أميراً في شهر جمادى الأولى من العام الثامن للهجرة الموافق شهر أيلول عام 629م .

و(عن عمر بن الحكم قال بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الحارث بن عمير الأزدي ثم أحد بني لهب إلى ملك بصرى بكتاب فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقال أين تريد.

قال الشام قال لعلك من رسل محمد قال نعم أنا رسول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأمر به فأوثق رباطا ثم قدمه فضرب عنقه صبرا ولم يقتل لرسول الله رسول غيره.

فبلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الخبر فاشتد عليه وندب الناس وأخبرهم بمقتل الحارث ومن قتله فأسرع الناس وخرجوا فعسكروا بالجرف .

ولم يبين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الأمر فلما صلى رسول الله الظهر جلس وجلس أصحابه حوله ، وجاء النعمان بن مهض اليهودي فوقف على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مع الناس.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) زيد بن حارثة أمير الناس فإن قتل زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة فإن أصيب عبد الله بن رواحة فليرتض المسلمون بينهم رجلا فليجعلوه عليهم.

فقال النعمان بن مهض أبا القاسم إن كنت نبيا فسميت من سميت قليلا أو كثيرا أصيبوا جميعا إن الأنبياء في بني إسرائيل إذا استعملوا الرجل على القوم ثم قالوا إن أصيب فلان فلو سمى مائة أصيبوا جميعا .

ثم جعل اليهودي يقول لزيد بن حارثة اعهد فلا ترجع إلى محمد أبدا إن كان نبيا.

فقال زيد فأشهد أنه نبي صادق بار ،فلما أجمعوا المسير وقد عقد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لهم اللواء دفع إلى زيد بن حارثة لواء أبيض مشى الناس إلى أمراء رسول الله يودعونهم ويدعون لهم.

وجعل المسلمون يودع بعضهم بعضا والمسلمون ثلاثة آلاف فلما ساروا من معسكرهم نادى المسلمون دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين)([367]).

فاستشهد الأمراء الثلاثة ، فأخذ اللواء رجل من الأنصار اسمه ثابت بن أقرم وهو بدري وجعل ينادي الأنصار فيثوبون إليه فنظر إلى خالد بن الوليد فدفع له اللواء .

وسقوط الشهداء في معركة بدر وأحد وحنين ومؤتة خلف أيتاماً وأرامل فنزل القرآن بالتأكيد على تعاهد الأيتام وأموالهم ، وفي الآية بشارة صيرورة اليتامى ذوي أموال ومكاسب ، وفيها قانون دعوة الأمراء بالعناية بالأيتام في العطاء.

وإذ ذكرت آية البحث أموال اليتامى بصيغة الجمع مرتين بقوله تعالى [وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ]([368])، [وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ].

فقد جاء قوله تعالى [وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ]([369]) بصيغة المفرد (اليتيم) اسم جنس ، ولبيان فضل الله عزوجل على اليتامى بكثرة أموالهم ، وقانون مسؤولية كل ولي ليتيم في حفظ أموال اليتيم .

المحسنات اللفظية

ومنها التجميل والتحسين في ذات اللفظ ، ومن إعجاز القرآن تجلي الإنسجام اللفظي والمعنوي في آياته، وفي كلام البشر يكون التحسين في المعنى غير مقصود ، ويأتي عرضاً مع التحسين اللفظي ، ولكنه في القرآن من علم الله عز وجل ، ومن ذخائر الإعجاز في القرآن ، لتتفرع عنه المسائل إلى يوم القيامة .

والمحسنات اللفظية عديدة تصل إلى خمسة عشر نوعاً منها :

الأول : الجناس : وهو تشابه لفظين في النطق مع إختلافهما في المعنى كما في كلمة (القسط) التي هي من الأضداد التي تحمل معنيين متضادين ، إذ تدل على العدل وعلى الظلم ، وكما في لفظ الساعة في قوله تعالى [وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ…]([370]) وقد توسع رجال وعلماء البلاغة في هذا الزمان في تقسيم الجناس إلى أقسام كثيرة .

الثاني : السجع وهو توافق الحرف الأخير من الجملتين في النثر ، وجاء في القرآن ما يشبه السجع منه قوله تعالى [فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا]([371]).

وذكر قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين(أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب)([372]) من السجع، ولكنه ليس منه، إنما جرى على لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في موطن شدة ، وليس من الشعر لقوله تعالى [وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ…]([373]).

الثالث : الموازنة وهي تساوي الفاصلتين في الوزن دون التقفية كما في قوله تعالى [وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]([374])، ووجه الموازنة تساوي كلمة [الْمُسْتَبِينَ] مع كلمة [الْمُسْتَقِيمَ] مع عدم التقيد بنظم واحد في نهاية الكلمة .

الرابع : إئتلاف اللفظ مع اللفظ ، وهو ملائمة اللفظ للفظ المجاور له لحسن الجوار ، ولتكون الألفاظ من واد واحد ، وبما يبعد أسباب النفرة عند الإستماع لها ، كما في التنزيل [تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا]([375]) فجاء القسم بالتاء ، وهو أقل حروف القسم استعمالاً مقارنة مع حرف الباء والواو ، لينسجم التاء مع اللفظ المجاور [تَفْتَأُ].

الخامس : الإنسجام ، وهو سلامة الألفاظ ، وجزالة وتناسب المعاني ، ولتتابع الكلمات بيسر ووضوح ، وفيه جذب للسامع ، كما في قوله تعالى [أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ *وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ]([376]) .

ويتجلى الإنسجام اللفظي والمعنوي في آية البحث بقوله تعالى [وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ]([377]) .

وجاء لفظ الأكل كناية عن الإستيلاء والإستحواذ التام.

وأصل الأكل هو إدخال الطعام في الجوف ، وشبه الإستحواذ على مال اليتيم بالأكل لأنه لا يرجع إلى اليتيم .

ومن غايات الآية بعث الرأفة العامة باليتيم بسبب الظلم الذي لحقه الحسرة في نفس الذي يتعدى على مال اليتيم ، والله عز وجل وحده هو الذي يحصي اليتامى الذين انتفعوا من آية البحث ، وحفظ الله أموالهم ، ويحصى عدد الأولياء والناس الذين اجتنبوا التعدي على أموال اليتامى بسبب هذه الآيات والذين تعدوا عليها من الأولياء وغيرهم .

وهل يختص هذا النفع بالمسلمين من الطرفين أي طرف اليتامى وطرف الأولياء ونحوهم ، الجواب لا ، وهو من الإعجاز الغيري في إصلاح عامة  المجتمعات ، وهو من أسرار عطف آية البحث على أول آية من سورة النساء ، وقوله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] النداء العام الشامل لأهل الأرض في كل زمان، وقال تعالى [هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ]([378]).

التداخل الموضوعي بين الكلمة القرآنية وسياقها

يلزم في علم تفسير الآية القرآنية النظر في أمور :

الأول : مضامين آية البحث .

الثاني : قانون موضوعية أول الآية في آخرها وبالعكس .

والنسبة بين الباب الذي استحدثته في علم التفسير (الصلة بين أول وآخر الآية) وبين هذه الموضوعية عموم وخصوص مطلق ، فالصلة بينهما أعم وأوسع .

لذا اختتمت كثير من آيات القرآن بذكر الثواب على الإمتثال لمضامين الآية أو الإنذار عند التخلف عن الوظائف العبادية .

الثالث : قانون لحاظ سياق الآية الكريمة لمعرفة تفسير الكلمة والأمر والنهي الوارد فيها .

الرابع : قانون موضوعية الكلمة القرآنية في المسائل المستقرأة من سياق الآيات .

ومن إعجاز القرآن كثرة العطف بين آياته ، ويلزم إحصاء الآيات المعطوفة في القرآن عطف نسق .

وهذه المسألة تستلزم تتبع آيات القرآن آية آية ، وهناك مسألة وهي إذا دار الأمر في الواو أول الآية هل هي حرف عطف أم حرف استئناف فيحسب حرف عطف ، وقد تكون الواو جامعة للعطف والإستئناف ، وكذا بخصوص الفاء كحرف عطف واستئناف .

ولا ينحصر موضوع العطف بين آيات القرآن بالمعنى الإعرابي ، وصناعة النحو ، بل يشمل دلالات هذا العطف ، والعطف الموضوعي من غير ورود حرف عطف كما في قوله تعالى [وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا* لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا]([379]).

فقوله تعالى [لِتَسْلُكُوا] معطوف في موضوعه على الآية السابقة كالعلة والمعلول .

وهل هو من أسباب عصمة القرآن من التحريف والزيادة أو النقيصة ، الجواب نعم .

وقد ابتدأت آية البحث بقوله تعالى [وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ]([380]) والواو حرف عطف ، ليتداخل الإنذار والوعيد مع الأمر والحكم القرآني .

وتقدير الجمع بين خاتمة الآية الأولى من سورة النساء مع هذه الآية (إن الله كان عليكم رقيباً وآتوا اليتامى أموالهم) فان الله يرقب عملكم أيها الناس .

وهل تدفعوا لليتامى أموالهم عند البلوغ أم لا .

حروف العطف في أول الآية

العطف لغة الميل ، يقال عطف عليه ، مال إليه ، وأشفق عليه .

ويمكن استحداث تقسيم لآيات القرآن تقسيماً استقرائياً إلى قسمين :

الأول : آيات القرآن المعطوفة على الآيات التي قبلها في نظم القرآن ، ولا يعني هذا سبق الآية المعطوف عليها في زمان التنزيل .

الثاني : الآيات القرآنية غير المعطوفة على الآيات التي قبلها .

وأدعو إلى إحصاء الآيات المعطوفة على الآيات التي سبقتها ، ودلالة هذا العطف .

وعدد آيات القرآن هو (6236) آية .

وهل الآيات المعطوفة على التي سبقتها هي الأكثر أم الآيات غير المعطوفة على غيرها هي الأكثر .

وإذا جمعنا العطف بمعناه الموضوعي الأعم وعدم إنحصاره بالعطف بحروف العطف ، فتكون الآيات المعطوفة على سابقتها هي الأكثر لبيان الشأن العظيم للترابط والتداخل الموضوعي والحكمي بين آيات القرآن .

ويتبين عند الإحصاء لآيات القرآن آية آية هذه معطوفة ، هذه غير معطوفة ، وهكذا .

ويقتضي العطف المغايرة في الذات بين المعطوف والمعطوف عليه .

إذ أذكر هنا قسماً مستحدثاً للعطف وهو العطف الموضوعي الذي لا يتعلق بالعطف بحروف العطف التسعة .

وحروف العطف تسعة ، ستة منها ما يفيد المشاركة بين المعطوف والمعطوف عليه في الإعراب والحكم ، وثلاثة تعطي حركة المعطوف عليه دون أن تشاركه في الحكم ، وهذه الثلاثة هي (بل) (لكن) (لا) وهي التي تربط بين الكلمات والجمل .

ومنها ما يربط بين آية قرآنية والآية التي قبلها لتكون لها دلالة ومعاني متعددة .

وأكثر حروف العطف استعمالاً (الواو) بفارق كبير بينها وبين حروف العطف الأخرى وهذه الحروف هي :

الأول : الواو : وتأتي الواو للجمع مطلقاً ، وقد تفيد الترتيب أيضاً ، ومن الأمثلة القرآنية آية البحث إذ تبدأ بقوله تعالى [وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ]([381]).

الثاني : الفاء : وتفيد الترتيب ، وقد تفيد الفورية ، ومن أمثلته في أول الآية قوله تعالى [فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ]([382]).

الثالث : ثم : تفيد الترتيب والتراخي ، ومنه في أول الآية [ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ…]([383]).

الرابع : حتى : تفيد العطف والترتيب الذهني ، وجاءت (حتى) في أول الآية [حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ…]([384]).

الخامس : أو : يعطف الكلمة والجملة ، ويفيد الإباحة والإشتراك والتخيير ، والتقسيم والإضراب ، بحسب الجملة والقرائن ، ومنه في أول الآية أي أن الآية معطوفة على التي قبلها [أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ…]([385]).

السادس : أم : وتقع بين شيئين مترابطين ، وتأتي للتخيير ومنه في أول الآية قوله تعالى [أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ]([386]).

ومن الإعجاز في المقام والشواهد على علم إحصاء حروف العطف في أول الآية أن قوله تعالى [أَمْ حَسِبْتُمْ] ورد ثلاث مرات في القرآن ، كلها في أول الآية للدلالة على عطفها موضوعاً وحكماً على الآية التي قبلها وهي :

الأولى : قوله تعالى [أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ]([387]).

الثانية : قوله تعالى [أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ]([388]).

الثالثة : قوله تعالى [أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ]([389]).

السابع : بل : وتأتي للعطف ، والإستدراك والإضراب ، وترك حكم ما قبلها واثبات ما بعدها ، ومنه الآية الكريمة [بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ]([390]) إذ ابتدأت الآية بالحرف بل .

الثامن : لكن : وتأتي للإستدراك ،ويكون ما بعدها مخالفاً لما قبلها ، وجاءت في أول الآية في قوله تعالى [لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ]([391]).

التاسع : لا : التي تفيد النفي والعطف ، وشرط العطف فيها أن تسبقها جملة خبرية مثبتة أو أمر كما في قوله تعالى [لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً..]([392]).

ويتقوم هذا الإحصاء بعدد الآيات التي تعطف على التي قبلها ، وقد تأتي عدة آيات كلها معطوفة على التي سبقتها في نظم القرآن ، وليس السبق في التنزيل .

وقد يأتي العطف الموضوعي من غير ذكر حرف العطف ، ويعرف بنظم وسياق الآيات ومنه [وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا]([393]).

فصحيح أن اللام في[لِتَسْلُكُوا] تفيد التعليل إلا أن مجيئها في أول الآية يدل على أنها أداة عطف للآية على الآية التي قبلها .

لبيان قانون جمع الحرف بين التعليل والعطف وقانون إنتفاء التعارض بين التعليل والعطف.

لتكون معنى اللام في [لِتَسْلُكُوا] العطف الموضوعي .

وهذا علم مستحدث بعطف آية على آية من غير وجود حرف عطف كالواو أو الفاء ، إنما يكون العطف من نظم وسياق الآيات .

والمختار أنه مع الجمع بين العطف بحروف العطف والعطف الموضوعي يكون عدد الآيات المعطوفة أكثر من عدد الآيات غير المعطوفة ، ولابد من إحصائه بالتتبع الفردي للآيات من ذوي الإختصاص في التفسير والنحو والبلاغة ، والعلم عند الله .

عطف من غير حرف عطف

ليس من حصر للعطف الموضوعي بين الآيات ، وهو من جهات :

الأولى : اتحاد صيغة الخطاب بين آية النداء والآيات التي بعدها ، كما في آية البحث والآية التي بعدها ، فبعد الفاصلة بين الآيتين تأتي ذات صيغة الخطاب والجهة التي تتوجه اليها ، كما في قوله تعالى [وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ]([394]).

إذ وردت أربع آيات معطوفة من غير ورود حرف عطف في أولها .

الثانية : صيغة الغائب كما في قوله تعالى [وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ * مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]([395]).

الثالثة : العطف بين آيات الدعاء كما ورد حكاية عن نوح في التنزيل [وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا * رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا]([396]).

الرابعة : العطف بصيغة فعل الأمر نفسه كما في قوله تعالى [قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا * قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا]([397]).

قانون صيانة أموال اليتامى

تبين آيات القرآن حقيقة من جهات:

الأولى : وجود يتامى في المجتمع فقدوا آباءهم ولا زالوا صغاراً .

الثانية : لليتامى أموال سواء كانت منقولة أو غير منقولة ، فمن الناس من يغادر الدنيا وقد ترك دوراً وبساتين وأراضي زراعية ، وكانوا في الجاهلية لا يعطون الصغار منها شيئاً فنزل القرآن بقول الله [يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ]([398]) فيكون لليتامى الصغار ذكوراً وأناثاً نصيباً في هذه التركة .

وقد نهي الأولياء عن ضم أموال اليتامى إلى أموالهم ، فهو من الظلم والتعدي وخيانة الأمانة الشرعية .

أما آية البحث فتضمنت الإرشاد والتحذير والإنذار بخصوص اليتامى لمنع التعدي على اليتيمة التي عند الولي ، والنهي عن استضعافها بالنكاح من غير مهر ، أو بمهر قليل أقل من مهر المثل لمثل قرائنها من النساء ونحوه من أسباب الغبن والإجحاف .

لقانون هو إجتناب الظلم والميل عن العدل ، ولزوم الإنصاف بخصوصها.

وهل في الآية دعوة لعامة المسلمين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما يخص اليتيمات وعدم ظلمهن وغبن حقوقهن ، الجواب نعم ، وهو من أسرار صيغة العموم في الآية .

ومن وجوه تقدير الآية :

الأول : يا أيها الأولياء إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى .

الثاني : يا أيها الذين آمنوا انهوا عن الإفساد والظلم بخصوص اليتامى.

الثالث : يا أيها اليتامى اتقوا الله عند البلوغ .

الرابع : يا أيها الناس ادعو اليتامى للشكر لله تعالى لأنه أمر بالعناية بهم وحفظهم وأموالهم ، وعدم ظلم الفتيان منهم في النكاح.

الثالثة : تحتمل جهة الخطاب في آية البحث وجوهاً :

الأول : إرادة الناس جميعاً ، للعطف على الآية السابقة وعلى قوله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] .

الثاني : المقصود المسلمون والمسلمات .

الثالث : إرادة خصوص أولياء اليتامى .

والمختار هو الأول لصيغة العطف بين هذه الآيات ، ولقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ]([399]).

النهي عن التعدي على أموال اليتامى

تلزم آية البحث كل ولي لليتامى عدم ظلمهم أو التعدي عليهم ، سواء كان مسلماً أو كتابياً ، أو كافراً .

وهل تدل آية البحث على أن الكفار مكلفون بالفروع كتكليفهم بالأصول ، الجواب نعم .

وروي (أن عيسى عليه السلام مر بقبر و هو يعذب ثم مر به في عام آخر فوجده لا يعذب فقال الحواريون يا روح الله مررنا بهذا القبر عام أول و هو يعذب و مررنا به الآن و هو لا يعذب فقال عليه السلام إنه كان له ولد صغير فبلغ الغلام فأصلح طريقا و آوى يتيما فغفر الله لأبيه بما كان منه)([400]).

لبيان أن من اليتامى من ليس له مال أو تركة من أبيه ، فيكون إيواؤه سبباً للرزق الكريم للذي يؤيه ، ونجاة أبيه من عذاب البرزخ لأنه فعل الصالحات ومنها احتضان اليتيم .

فذات اليتيم بلغ سن الرشد فعمل صالحاً ، وأحسن إلى يتيم بايوائه وتكفل معيشته فجاء الثواب لأبيه وهو في عالم البرزخ وهو من بديع صنع الله في مراتب الثواب من وجوه :

الأول : انتفاع الفرع من عمل الأصل الصالحات كانتفاع ولدين من عمل أبيهما ( جدهما ) في مسألة بناء الجدار في قصة موسى والخضر إذ ورد قوله تعالى [وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا]([401]).

وعن الإمام (جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: إن الخضر كان نبيا مرسلا بعثه الله تبارك وتعالى إلى قومه، فدعاهم إلى توحيده والإقرار بأنبيائه ورسله وكتبه .

 وكانت آيته أنه كان لا يجلس على خشبة يابسة ولا أرض بيضاء إلا أزهرت خضراء، وإنما سمي خضرا لذلك، وكان اسمه تاليا بن ملكان بن عابر بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام .

وإن موسى لما كلمه الله تكليما وأنزل عليه التوراة وكتب له في الالواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ وجعل آيته في يده وعصاه وفي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وفلق البحر وغرق الله عزوجل فرعون وجنوده عملت البشرية فيه حتى قال في نفسه:

 ما أرى أن الله عزوجل خلق خلقا أعلم مني، فأوحى الله عزوجل إلى جبرئيل: يا جبرئيل أدرك عبدي موسى قبل أن يهلك وقل له: إن عند ملتقى البحرين رجلا عابدا فاتبعه وتعلم منه)([402]).

إلى أن قال الإمام في قوله تعالى ([وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا]([403]) ولم يكن ذلك الكنز بذهب ولا فضة، ولكن كان لوحا من ذهب فيه مكتوب: عجب لمن أيقن بالموت كيف يفرح  .

 عجبُ لمن أيقن بالقدر كيف يحزن عجب لمن أيقن أن البعث حق كيف يظلم عجب لمن رأى الدنيا وتصرف أهلها حالا بعد حال كيف يطمئن إليها.

(وكان أبوهما صالحا) كان بينهما وبين هذا الاب الصالح سبعون أبا، فحفظهما الله بصلاحه ، ثم قال : فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما ، فتبرأ من الابانة في آخر القصص ونسب الارادة كلها إلى الله تعالى ذكره في ذلك)([404]).

الثاني : انتفاع الأصل من عمل الفرع ، كما في الحديث أعلاه بانتفاع الأب من عمل ابنه الصالحات ، وقيامه بايواء يتيم ، وكأن هذا الولد اتعظ من أيام يتمه فصار يرحم الأيتام ، فنزلت آية البحث ليعطف كل مسلم ومسلمة على الأيتام .

الثالث : فضل الله عز وجل بانتفاع أهل عالم البرزخ من عمل الأحياء ، كما في الحديث أعلاه ، إذ رفع العذاب عن الأب .

الرابع : إنتفاع الأرحام والأمرين بالمعروف والناهين عن المنكر من العمل الصالح ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ]([405]).

وهل يشترط في انتفاع وثواب أهل البرزخ من عمل الأحياء الصالحات قصد الثواب لهم ، الجواب لا ، لأصالة الإطلاق والنسب بين الأثر الحسن ، لقانون التركة أعم من المال  .

وهناك أخبار في هذا الباب فهل تدل على استحباب النكاح والإنجاب ، الجواب نعم ، بشرط أن لا تكون مقدمات ومستلزمات هذا النكاح بظلم اليتامى ، لذا قال تعالى في آية البحث [فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ]([406]).

وليس كل اليتامى عندهم أموال فيلزم العناية بهم جميعاً وبالأرامل أيضاً .

قانون الحسن الذاتي للإحسان لليتامى

لو لم يكن الإنسان مسلماً فهل يجب عليه أن يحسن إلى اليتامى أيضاً ، الجواب نعم ، ويحق له النكاح من أربع وإذا خاف من العيلة ومن عدم العدل بين أزواجه ، فيكتفي بزوجة واحدة .

وإذا كانت ملة الإنسان تبيح له الزواج أكثر من أربع فان هذه الآية تمنع الزيادة على أربع للنسخ بين الشرائع ، كما تمنع آيات القرآن من الجمع بين الأختين ، كما في آية التحريم ، ومنها [وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ]([407]).

لبيان أصالة العموم في التحلي بالأخلاق الحميدة ، وإظهار الرحمة والرأفة بالأضعف والأدنى .

و(عن كعب قال : قال موسى : يا رب ما جزاء من آوى يتيماً حتى يستغني أو كفل أرملة؟ قال : أسكنه جنتي وأظله يوم لا ظل إلا ظلي)([408]).

وعموم الإحسان إلى اليتامى من ذخائر عطف آية البحث على النداء العام في أول آية من هذه السورة [يَا أَيُّهَا النَّاسُ].

قوله تعالى [وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا] الآية 3.

الإعراب واللغة

وإن خفتم : الواو حرف عطف مبني على الفتح ، وقيل حرف استئناف.

(إن) شرطية .

خفتم : فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بتاء الفاعل ، وهو في محل جزم فعل الشرط.

تاء الفاعل : ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع فاعل .

الميم : للجمع .

ألا : كلمة مركبة من أن ولا ، و(أن) حرف نصب مصدري مبني على السكون .

لا : حرف نفي مبني على السكون .

تقسطوا : فعل مضارع منصوب بأن ، والمصدر المؤول من أن وما في حيزها مفعول به .

في اليتامى : جار ومجرور متعلق بتقسطوا .

فانكحوا : الفاء : رابطة لجواب الشرط .

انكحوا : فعل أمر ، والواو فاعل، والجملة في محل جزم فعل الشرط.

ما : اسم موصول في محل نصب مفعول به ، ووردت (ما) في الآية للعاقل لإرادة النوع .

وجملة طاب : لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول .

لكم : جار ومجرور متعلقان بطاب .

من النساء : جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ضمير الفاعل .

مَثنَى : حال منصوبة من (ما) وعلامة النصب الفتحة المقدرة على الألف.

وثلاث : الواو حرف عطف للتخيير ، ثلاث : معطوف على مثنى ، منصوب ممنوع من الصرف أي تمنع من التنوين ، وهي صفة معدولة على وزن فُعال.

رباع : معطوف مثل ثلاث .

فان خفتم : الفاء حرف عطف ، إن : حرف شرط جازم .

خفتم : فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط .

إلا : أن : حرف مصدري ونصب .

لا : نافية .

تعدلوا : فعل مضارع منصوب وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة ، واو الجماعة ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل .

والمصدر المؤول من أن والفعل في محل نصب مفعول به للفعل (خفتم).

فواحدة :الفاء : حرف واقع في جواب الشرط مبني على الفتح .

واحدة : مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة لفعل محذوف تقديره أنكحوا واحدة ، والجملة في محل جزم جواب الشرط .

أو : حرف عطف مبني على السكون .

ما : اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم معطوف على (واحدة) .

ملكت : فعل ماض مبني على الفتح .

التاء : تاء التأنيث الساكنة .

أيمانكم : أيمان : فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره ، وهو مضاف ، والضمير (كم) : مضاف إليه .

ذلك : ذا : اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ ، واللام للبعد ،والكاف للخطاب .

أدنى : خبر مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره .

ألا : أن : حرف مصدري ونصب .

لا : : حرف نفي مبني لا محل له من الإعراب .

تعولوا : فعل مضارع منصوب وعلامة نصبه حذف النون ، والواو : فاعل .

تقسطوا : أي تعدلوا ، مأخوذ من القسط وهو العدل في اليتامى الذين تحت ولاية وكفالة الولي .

واليتامى : جمع يتيم ، وهو الذي فقد وهو دون سن البلوغ أباه ، وهو لفظ جامع للذكور والإناث منهم ، أما الذي فقد قبل البلوغ أبويه فيسمى (اللطيم) وأما الذي فقد أمه فقط فيسمى (العجّي) والنكاح هو الزواج بعقد شرعي .

وما ملكت أيمانكم أي من الجواري والإماء اللاتي صرن تحت سلطة سيدهن وملكه نتيجة السبي بسبب محاربة الإسلام ، فيجوز أن يطأ المالك إماءه اللاتي بملك يمينه دون عقد أو مهر أو شهود أو ولي إذا لم يوجد حائل شرعي يحول دونه مثل التحريم بالنسب أو المصاهرة أو الرضاعة .

وسميت ملك يمين باسناد الملك إلى اليد اليمنى لتمكنها ، وأنها عنوان الإستيلاء والكسب .

في سياق الآيات

الوجه الأول : صلة آية البحث بالآية السابقة [وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا]([409]) ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : ذكرت كلمة [الْيَتَامَى] في كل من الآيتين لبيان اتحاد موضوع الآيتين في أحكام اليتامى والعناية بهم والعطف عليهم .

إن اكثار المسلمين من تلاوة آيات القرآن التي تذكر اليتامى دعوة سماوية للطف بهم والإحسان إليهم ، وإجتناب ظلمهم والتعدي على حقوقهم ، ومنها تلاوة كل مسلم ومسلمة القرآن خمس مرات في اليوم ، ومن دلائل هذه الكثرة إخبار الله عز وجل المسلمين بأنه ولي اليتامى ، وأنه سبحانه يثيب الذي يحسن لهم.

ويحتمل الإحسان إلى اليتامى وجوهاً :

الأول : الوجوب .

الثاني : الندب .

الثالث :الإباحة .

والأصل فيه الوجوب لقوله تعالى [وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ]([410]).

وتبين الآية أعلاه اقتران الإحسان إلى اليتامى بعبادة الله والإحسان إلى الوالدين وذي القربى .

لبيان قانون عناية الناس جميعاً باليتامى ومنه كفالة اليتيم ، وعدم إنحصار هذه الآية بأولياء اليتامى .

المسألة الثانية : جاءت آية السياق بخصوص أموال اليتامى وتضمنت أمراً ونهيين وهي :

الأول : وجوب دفع أموال اليتامى لهم عند البلوغ وتبين علامات الرشد فيهم .

الثاني : النهي عن استبدال الجيد من مال اليتامى بالردئ من مال الولي أوغيره بالتواطئ مع الولي .

 وهل يدل هذا النهي على الحرمة أم الكراهية ، الجواب هو الأول .

 لأن الأصل في النهي هو الحرمة إلا مع القرينة الصارفة إلى الكراهة ، وهي مفقودة في المقام   .

الثالث : التجاوز على استقلال وملكية اليتامى .

تقدير الجمع بين الآيتين

يكون تقدير الجمع بين الآيتين على وجوه منها :

الأول : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فلا تتاجروا بأموالهم من غير مصلحة لهم .

الثاني : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فادفعوا لهم أموالهم حين بلوغهم.

الثالث : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فلا تضاربوا في أموالهم .

الرابع : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فاجتنبوا المباح من تعدد الزوجات .

الخامس : بينما أختتمت الآية السابقة بالإنذار من الإثم بعد بيان مصاديق منه وكيف أن أكل مال اليتيم إثم كبير .

أختتمت آية البحث بالهداية إلى الحصانة والعصمة من الحوب والإثم في باب النكاح وتعدد الزوجات واللجوء إلى المال الحرام علة أو معلولاً لهذا النكاح .

وتبين خاتمة الآية أنه مع تعدد الزوجات يكثر العيال ، ويزداد الإنفاق ، ليكون الإكتفاء بزوجة واحدة باباً للتخفيف.

وهل أخذ الولي من مال اليتيم في حال تعدد الزوجات والحاجة إلى المال من أحكام الضرورة التي تقدر بقدرها ، الجواب لا ، وهو من الإعجاز في نهي آية البحث عن هذا التعدد إذ صار سبباً للتعدي على حال اليتيم أو غيره من الناس .

السادس : فان خفتم ألا تعدلوا إنه كان حوباً كبيرا .

السابع : ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ذلك أدنى ألا تعولوا .

الثامن : ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ذلك أدنى ألا تعولوا .

قانون الملازمة بين صلة الأرحام والعدل

ذكرت آية السياق الأرحام ولزوم تعاهد صلة الرحم ، إذ قرنها الله عز وجل في الآية بتقوى الله ، والمساءلة بها للإعانة والإستغاثة ، وقال ابن عباس ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يقول الله تعالى : صلوا أرحامكم فإنه أبقى لكم في الحياة الدنيا ، وخير لكم في آخرتكم)([411]).

وغالباًما يكون الولي على الأيتام من الأرحام كالعم وابن العم والخال ، فتجتمع في العناية بالأيتام وجوه :

الأول :تقوى الله .

الثاني : صلة الرحم .

الثالث : وظائف الولاية الشرعية والأخلاقية ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ]([412]) .

ليجتمع في العناية باليتامى وحفظ أموالهم ، والمساواة بين الأزواج بلحاظ الآية أعلاه كل من :

الأول : العدل .

الثاني : الإحسان .

الثالث : صلة القربى .

الرابع: التنزه عن ظلم اليتامى والزوجة .

ومن معاني الجمع بين قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا]([413]) وبين آية تعدد الزوجات وجوه :

الأول : الخوف والخشية من التقصير مع الزوجات أو مع بعض منهن .

الثاني :  بعث الناس للعمل بسنن التقوى .

الثالث : صيرورة المؤمنين في حال سكينة وطمأنينة لكتابة الملائكة حسناتهم .

تقيد الزوجة بأحكام الشريعة والعناية بالأيتام

لزوم حسن معاملة العيال ، وتقيد الزوجة بوظائف الزوجية ، فلا يسقط التقصير من قبل الزوج هذه الوظائف بل إن أداء الزوجة الواحدة أو الزوجات لها سبب لإصلاح الزوج لسيرته مع عياله .

وكما أن خاتمة آية السياق إنذار للأزواج والأولياء فانها إنذار للزوجات.

وهي أمر بصيغة الجملة الخبرية للتقيد بأحكام وضوابط الشريعة في الحياة الزوجية وشؤون الأسرة وتربية الأولاد والعناية بالأيتام .

فصحيح أن الخطاب القرآني والأحاديث النبوية وردت بصيغة المذكر فانها تشمل النساء والإنفاق من أموالهن وفي بيوتهن .

وقد تكون المرأة أقرب إلى اليتيم سواء كانت أماً أو أختاً ، أو زوجة للولي ولمن يرعى اليتيم ، أو لها صلة طارئة مع اليتيم فلابد من الإحسان لليتيم لعمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولأحكام التكليف الشاملة للرجل والمرأة ، ورجاء الأجر والثواب بالعناية باليتيم .

(وقال الصادق عليه السلام : إذا بكى اليتيم اهتز له العرش، فيقول الله تبارك وتعالى : من هذا الذي أبكى عبدي الذي سلبته أبويه في صغره؟ فوعزتي وجلالي وارتفاعي في مكاني لا يسكته عبد مؤمن إلا أوجبت له الجنة)([414]).

وهل يشمل قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا]([415]) الجواب نعم ، إنما وردت الآية بالتذكير للتغليب المذكر .

وعن (عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا صَلَّت المرأة خَمسها ، وصامت شهرها وحفظت فَرْجَها ؛ وأطاعت زوجها قِيلَ لها: ادخُلِي الجنة من أيِّ أبواب الجنة شِئْتِ)([416]).

الوعيد على التعدي على أموال اليتامى

اختتمت الآية السابقة بالوعيد بقوله تعالى [إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا]([417])، ويتغشى ذات الوعيد مضامين آية البحث ، وتقدير الآية على وجوه :

الأول : واقسطوا في اليتامى ، ومن لم يقسط في اليتامى فانه إثم كثير .

الثاني : ولا تنكحوا أكثر من أربع من النساء فانه حرام وفيه حوب كبير.

الثالث : واعدلوا بين النساء ، فان عدم العدل بينهن تعد وجور وحوب.

الرابع : يا أيها الولي لا تظلم اليتيمة بنكاحها دون مهر المثل ، ولا تظلمها بسوء المعاملة ، وبالإستحواذ على مالها .

الخامس  : يا أيها الإنسان اكتف بنكاح زوجة واحدة إن خفت العيلة وعدم العدل بين الزوجات .

ذكرت آية السياق (الطيب) لبيان الرزق الكريم ، ولزوم عدم التفريط به ، وتركه وتبديله بالخبيث ، لتذكر آية البحث نوعاً من أنواع الطيبات وهو النكاح من اثنتين أو ثلاث أو أربع نساء .

ليفيد الجمع بين الآيتين تقييد هذا الطيب بسلامته من الخبث والظلم والتعدي .

لقانون عدم جواز اتخاذ الخبيث مقدمة للطيب ، ولأن الطيب إذا كانت مقدماته وأجزاؤه من الخبيث فلا يبقى يتصف بصفة الطيب لموضوعية العدل ، وحفظ الأمانة الشرعية والمالكية في الأيتام وأموالهم ، ولقانون موضوعية ماهية المقدمة في حكم ذيها .

ولا يختص الأمر بنكاح الولي ، إنما يشمل الأمر معاملات وإتجار الولي بمال اليتيم .

الوجه الثاني : صلة آية البحث بقوله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ

الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا]([418]) وفيه مسائل :

المسألة الأولى : آية السياق هي الآية الأولى من سورة النساء ، وعدد آيات سورة النساء هو (176) آية .

وابتدأت هذه السورة المباركة بالنداء العام [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] ويشمل جميع الرجال والنساء من أيام التنزيل إلى يوم القيامة ، فلا يعلم عدد المخاطبين في هذا النداء ، وعدد العاملين بأحكام آيات النداء العام والآيات المعطوفة عليها كما في آية البحث إلا الله تعالى.

وهو من الإعجاز الغيري لآيات القرآن ، وخزائن الإحصاء القرآني ، فهناك علوم قرآنية كثيرة لم تستقرأ بعد .

وتدعو آية البحث إلى الإبتعاد عن مواطن الشبهات ، وإجتناب الأمور التي تتردد بين الحل والحرمة ، والتي تثير الشكوك.

وعن (النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أن الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس .

 فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا ولكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن للجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)([419]).

المسألة الثانية : ابتدأت آية البحث بحرف (الواو) والذي يفيد العطف ليكون تقدير الجمع بين آية السياق وأول آية البحث على وجوه :

الأول :  يا أيها الناس إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا .

الثاني : يا أيها الناس اتقوا ربكم إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم ، بلحاظ أن العدل في اليتامى وإنصافهم وحفظ أموالهم من تقوى الله .

وقد يكون الولي على اليتيمة يتصرف بمال اليتيمة من غير رقيب أو وصي ، ويقدم على الزواج منها من أجل الإستحواذ على مالها .

فتذكره آية السياق بأمور :

الأول : لزوم تقوى الله .

الثاني : هذا الإستحواذ خلاف التقوى والخشية من الله .

الثالث : إن الله عز وجل هو الرقيب ، وهو [فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ] وهو من الإعجاز في تعدد معاني قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا]([420]) ليشمل البشارة والثواب بخصوص آية البحث للذي يتقي الله في الأيتام والنكاح ، والإنذار والوعيد لمن يعصي الله عز وجل فيها.

لذا أختتمت آية السياق بقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا]([421]) ليكون تقدير الجمع بين أول وآخر آية السياق (يا أيها الناس أتقوا ربكم الذي كان عليكم رقيباً).

الثالث : يا أيها الناس أنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع وإن خشيتم العجز عن العدالة بين الزوجات فيكفي الرجل زوجة واحدة ، وهل تحرم آية البحث على غير المسلم الزواج من أكثر من أربع وان كان مشركاً ، الجواب نعم وهو من مصاديق قوله تعالى
[
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ]([422]).

وذكرت الآية الخوف من العجز عن العدالة بين الزوجات ، وهو سور جامع للنفقة والسكن وقسمة الليالي ، والرفق ونحوه .

الرابع : يا أيها الناس اتقوا الله الذي تساءلون به فاقسطوا في اليتامى.

ومن تقوى الله أمور :

الأول : الأمر بالإحسان إلى اليتامى .

الثاني : النهي عن أكل أموالهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ]([423]).

ومن معاني الدعوة إلى الخير الواردة في الآية أعلاه بخصوص اليتامى أمور :

الأولى : حث الناس على الإحسان إلى اليتامى .

الثانية : الترغيب بالتبرع لليتامى ورعايتهم .

الثالثة : الثناء على الأولياء الذين يحسنون إلى اليتامى الذين في حجرهم ويحفظون أموالهم .

الثالث : المنع عن الزواج من اليتيمة بما فيه غبن لها وإستحواذ على مالها.

وهو من أسرار عطف آية البحث على النداء العام.

مصاديق من تقوى الله

المسألة الثالثة : لما ابتدأت آية السياق بقوله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ]([424]) ذكرت آية البحث مصاديق من تقوى الله وهي :

الأول : الخشية والخوف من احتمال ظلم اليتامى .

الثاني : قانون الإمتناع عن العمل الذي قد يتضمن ظلماً لليتامى .

الثالث : عدم الإنتقال إلى الزواج من ثانية إلا بعد التأكد من القدرة على الإيفاء بحقوق الزوجة الواحدة ، وما يتفرع عن الزواج من ثانية في قادم الأيام من إنجاب الأولاد وكثرة العيال .

الرابع : لزوم الشكر لله عز وجل على نعمة النكاح ، والأهلية له ، قال تعالى [وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً]([425]).

الخامس : تدعو خاتمة الآية إلى التدبير وتتضمن التنزه عن الظلم الأسري ، وإذا حرص الإنسان على إجتناب الظلم داخل الأسرة فانه يحرز ملكة الإمتناع عن ظلم الآخرين .

السادس : قانون بالعدل حصانة من دعاء المظلوم .

و(عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقوم من مجلس إلا دعا : اللهم ارزقني من خشيتك ما يحول بيني وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تدخلني به جنتك .

ومن التقوى ما تهون به علي مصائب الدنيا، وأمتعني بسمعي وبصري وقوتي ما أحييتني، واجعلهم الوارث مني .

واجعل ثأري على من ظلمني، وانصرني على من عاداني .

ولا تجعل مصيبتي في ديني، ولا تجعل الدنيا أكبر همي، ولا مبلغ علمي، ولا تسلط علي من لا يرحمني)([426]).

الوعد والوعيد في آية البحث

المسألة الرابعة : أختتمت آية السياق بقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا]([427]) في خطاب إلى الناس جميعاً ليتضمن هذا الخطاب الوعد والوعيد ، الوعد لأهل التقوى والصلاح ، والوعيد للذين يعصون أمر الله عز وجل ، ويكون بلحاظ آية البحث على وجوه :

الأول : قانون العدل في اليتامى من التقوى .

الثاني : إن الله عز وجل يرى من يحسن إلى اليتامى فيثيبه في الدنيا والآخرة .

الثالث : الإنذار والوعيد للذي يستضعف اليتيمة سواء كان الولي الذي هي في حجره أو غيره .

الرابع : من تقوى الله عز وجل عدم نكاح أكثر من زوجة مع الخيفة والخشية من العجز عن العول والتباين الظاهر بينهن .

الخامس : هل النكاح وطلب الزواج من تقوى الله ، الجواب نعم ، لما فيه من النعم وحفظ الفرج ، والسعي للعدل الأسري وإنجاب الأولاد .

السادس : قانون التنزه عن الظلم في باب النكاح وغيره .

الوجه الثالث : صلة آية البحث بقوله تعالى [وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى

إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا]([428]) ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : لقد تكررت كلمة (اليتامى) في الآيتين ، وفيه وجوه :

الأول : وجوب العناية باليتامى وحفظ أموالهم .

الثاني : الإبتعاد عن ظلم اليتامى .

الثالث : لزوم التعاون في حفظ اليتامى وأموالهم .

الرابع : عدم جواز إكراه اليتيمة على النكاح عند خروجها من حدّ اليتم ، وصيرورتها مؤهلة للنكاح .

الخامس : موضوعية تأديب وإصلاح وإنصاف اليتامى في بناء المجتمع الصالح .

السادس : تعدد وجوه ومصاديق إكرام اليتامى .

السابع : حب الله عز وجل لليتامى ولمن يصون حقوقهم ويتعاهدهم ويحفظ أموالهم .

المسألة الثانية : كل من آية البحث والسياق قهر للنفس الغضبية والشهوية ، ومنع من الظلم والتعدي من قبل الأولياء والأوصياء .

ويفيد الجمع بين قوله تعالى [وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى]([429]) وقوله تعالى [وَابْتَلُوا الْيَتَامَى]([430]) أن اختبار اليتامى عند بلوغ سن الحلم كالخامسة عشرة من العمر ليس من الظلم لهم .

ولبيان أن دفع أموال اليتامى لهم يكون بالجمع بين البلوغ والرشد .

ومن وجوه تقدير الجمع بين الآيتين وجوه :

الأول : وإن خفتم إلا تقسطوا في اليتامى فادفعوا إليهم أموالهم .

الثاني : وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فادفعوا لهم أموالهم ذلك أدنى ألا تعولوا .

الثالث : وابتلوا اليتامى ذلك أدنى ألا تعولوا .

الرابع : وان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى من كان غنياً فليستعفف .

المسألة الثالثة : من معاني قوله تعالى [فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا]([431]) أهلية اليتيم عند بلوغه سن البلوغ إدارة أمواله وحسن التصرف فيها ، وإختيار مصالحه.

ومن معاني قوله تعالى [آنَسْتُمْ] أي كفاية أدنى مراتب التدبير وعدم ضياع الأموال .

ولم يرد لفظ [آنَسْتُمْ] في القرآن إلا في آية السياق .

وقد ورد مرة واحدة بصيغة الغائب [آنَسَ] بخصوص موسى عليه السلام بقوله تعالى [فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا]([432]).

المسألة الرابعة : لما نزلت آية البحث بالإنذار من ظلم اليتامى وبترك أسباب التعدي عليهم ، جاءت آية البحث باختبار اليتامى لدفع أموالهم لهم ، ويتقوم هذا الإختبار بمعرفة قدرتهم على حسن التصرف في المال وعدم السفه أو الإسراف فيه ، وجاءت الآية بالفاء [فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ] للزوم عدم الإبطاء في دفع أموال اليتامى لهم إذا اجتمع البلوغ والرشد .

ومن معاني الجمع بين الآيتين تأديب أولياء اليتامى بالتدبير والإقتصاد في معاشهم ، وعدم اضطرارهم للأكل من مال اليتامى .

وإذا كان الولي فقيراً فله أن يأخذ من مال اليتيم النزر اليسير على نحو القرض ، فاذا صارت عنده ميسرة قضى هذا الدَين وإلا فهو في حل ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ]([433]).

وقال تعالى [وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ]([434])، ومن معاني الفاء في (فليأكل) أي أوان الحاجة للأكل من مال اليتيم وينقطع هذا الأكل مع ارتفاع الحاجة له .

ولم يرد لفظ (فليأكل) في القرآن إلا في آية البحث .

وتدل الآية أعلاه من سورة البقرة على استحباب الإنفاق على اليتيم وبذل المال عليه مع حاجته ، وفيه نفع للولي في الدنيا والآخرة وهو المستقرأ من قوله تعالى [خَيْرٌ لَكُمْ] في الآية أعلاه والذي يتضمن الوعد الكريم من عند الله .

وهل في آية البحث وعد من عند الله لأولياء اليتامى ، الجواب نعم .

فان عدم ظلم اليتيمة بالزواج منها كرهاً أو طمعاً في مالها خير للولي لما فيه من حفظ الوديعة الشرعية ، والإحسان إلى المستضعف.

المسألة الخامسة : ذكرت آية السياق إحضار الشهود للشهادة عند دفع أموال اليتامى لهم ، لبيان حاجة الأولياء إلى اثبات نزاهتهم ، وحفظهم وأدائهم للأمانة .

وهل هو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الجواب نعم لما فيه من التأديب العام وأسباب الصلاح في المجتمع بأن يكون المتعارف والسائد حفظ أموال اليتامى ثم دفعها لهم عند بلوغهم .

لقد نزل القرآن بموضوعية الشهادة في إظهار وثبات الحقوق ومنع الظلم والجور ، ولقد اثنى الله عز وجل على الذين يحفظون ويؤدون الشهادة ، والشهادة نوع أمانة عند الشاهد ، فاذا أداها على الوجه الصحيح فهو ممن حفظ الأمانة ومن الذين مدحهم الله عز وجل بقوله تعالى [وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ]([435]).

ليكون عطف أداء الشهادة على حفظ الأمانة من عطف الخاص على العام .

وقيل الشهود هم الفضاة الحقيقيين ، لأن الشهادة من مقام العدالة تلزم القاضي ، والقاضي يلزم الخصم .

وجاءت الآية بالحرف (على) الذي يفيد الإستعلاء [فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ] باحضار الشهود عند دفع أموال اليتامى لهم ، وتعيين مقدار المبلغ المدفوع لليتامى ، ومنع الخصومة والإنكار .

أسباب النزول

في أسباب نزول آية البحث وجوه :

الأول : كان الناس يتهاونون في العدل بين الزوجات ، ويميز الزوج بين زوجاته في النفقة والعناية ، بينما تراهم يشددون بخصوص اليتامى من اجتناب ظلمهم والتعدي على أموالهم ، فنزلت الآية بأنكم كما تخافون من الميل على اليتامى والجور عليهم ، فكذا خافوا في النساء ، فاعدلوا بينهن وإلا فاكتفوا بزوجة واحدة .

الثاني : إن تحرجتم من ولاية اليتامى وأكل أموالهم فكذا تحرجوا من الزنا ، فانكحوا المباح من زوجة واحدة إلى أربع ، قاله مجاهد ([436]).

الثالث : إن خفت ألا تقسط في اليتيمة التي في حجرك عند الزواج منها فانكح من النساء مثنى وثلاث ورباع ، فان خشيت من إحتمال العجز عن العدالة بينهن فاكتفي بزوجة واحدة ، وفيه  قضاء لحاجتك وسلامة من ظلم اليتيمة التي في حجرك .

الرابع : كان الرجل يتزوج من النساء الأربع والخمس وأكثر يحاكي بعض أقرانه الذي يكثر من تعدد الزوجات ، فاذا انفق ماله مال وتعدى على مال اليتيم الذي في حجره فنزلت الآية لمنع الناس من الزواج من أكثر من أربع لئلا يميلوا على أموال اليتامى .

ومع عدم إحراز العدالة بين الزوجات والطمأنينة لها ، يكتفي بزوجة واحدة أو ملك اليمين التي لا تحتاج مهراً ، ولا يستلزم وطؤها عقد نكاح .

الخامس : بعد أن نزلت الآيات بحفظ أموال اليتامى صار المسلمون يتحرجون عن مؤاكلتهم ، وفي ذات الوقت لا يعدلون بين النساء ، ويكثرون من عدد الزوجات .

 فنزلت آية البحث بالبيان ، كما تتحرجون من مؤاكلة اليتامى فتحرجوا من كثرة النساء وعدم العدل بينهن لتأمنوا من الجور .

والمدار على عموم اللفظ والعموم المعنوي ، وليس على أسباب النزول وحدها ، لوجوب العمل بمضامين القرآن إلى يوم القيامة ، وحسب الوقائع دون الإقتصار على واقعة واحدة وسبب النزول ، قال تعالى [وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ]([437]).

وعن ابن عباس (إن العرب كانت تتحرج في أموال اليتامى ، ولا تتحرج في العدل بين النساء ، كانوا يتزوجون العشر وأكثر ، فنزلت الآية في ذلك ، أي كما تخافون  ألا تقسطوا في اليتامى فكذلك فتحرجوا في النساء ، وانكحوا على هذا الحد الذي يبعد الجور عنه)([438]).

وكتب الإمام الرضا عليه السلام (علة تزويج الرجل أربع نسوة وتحريم أن تتزوج المرأة أكثر من واحد : لان الرجل إذا تزوج أربع نسوة كان الولد منسوبا إليه.

 والمرأة لو كان لها زوجان أو أكثر من ذلك لم يعرف الولد لمن هو ؟ إذ هم مشتركون في نكاحها، وفي ذلك فساد الانساب والمواريث والمعارف)([439]).

إعجاز الآية الذاتي

ابتدأت الآية بجملة شرطية تتضمن الإرشاد والصلاح ومنع التعدي على اليتامى في أنفسهم وأموالهم وزجر الولي عن نكاح اليتيمة التي في حجره طمعاً بمالها أو لقلة مهرها .

ولا يختص الأمر بحال اليتم وما قبل البلوغ إنما ذكر اليتم كوصف مصاحب لليتيم حتى بعد بلوغه .

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسمى يتيم أبي طالب ، مما يدل على عدم إيذاء اليتامى قبل وبعد بلوغهم .

وتفتح الآية طريق الهداية للسلامة من التجاوز على حقوق اليتامى بالزواج المتعدد ولزوم عدم التمييز الظالم بين الزوجات إن أراد الإنسان الزواج بأكثر من واحدة بخصوص النفقة والكسوة والسكن والمبيت ، قال تعالى [فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ]([440]).

ومن إعجاز آية البحث لزوم الإحتراز والإحتياط حالما يشعر الإنسان أنه سيظلم اليتامى ، فيجتنب الولي على اليتيمة النكاح منها خشية وقوع الغبن والظلم عليها ، والاحتياط طريق النجاة .

ومن إعجاز الآية إباحتها للإنسان الزواج من أربع نساء ، وهذه الإباحة ليست على نحو دفعي إنما هي على وجوه :

الأول : الإكتفاء بزوجة واحدة .

الثاني : مع الخشية من عدم التسوية بين الزوجات الإكتفاء بزوجة واحدة لقوله تعالى [فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً]([441]).

الثالث : مع ضمان الإنسان قدرته على الزواج من أكثر من واحدة ، والمساواة بين الزوجات فله أن يتزوج زوجة ثانية ، ولا يلجأ للزواج من ثلاث أو أربع من رأس ، لذا قال تعالى [مَثْنَى] ، وربما لم يشر إلى هذا الإعجاز في علم التفسير .

فلا يتزوج الإنسان من زوجتين إلا بعد إحراز العدل بينهما والنفقة عليهما ، ثم لابد أن يساوي بينهما في النفقة والعشرة والمسكن .

ولا يصح الإنتقال للزواج من ثالثة إلا في حال توفير الحياة الرغيدة للزوجتين وفق المتعارف وما يليق بشأن الزوجتين .

ليكون من معنى [مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ]([442]) التدرج والتوالي ، وعدم الإنتقال للزواج من ثالثة إلا بعد الأمن من عدم الظلم والتعدي ، بدليل أنه مع الخشية من الظلم يكتفي بزوجة واحدة ، ولا تصل النوبة إلى وقوع الظلم ، بل مع احتمال الظلم .

وكأن الآية تقول : مثنى ثم ثلاث ثم رباع .

وهل يحق معه للحاكم بأن يكون الإذن منه إذا أراد شخص الزواج من ثانية أن تدرس حاله وهل يستطيع نكاح زوجتين ، وكذا إذا أراد الزواج من ثالثة أو رابعة ، وهو ظاهر صيغة الجمع في آية البحث أم يكتفي الشخص بمعرفةحاله لتوجه الخطاب في الآية للمكلفين ، الجواب لا مانع من التباين حسب الحال والزمان .

واستحدثُ مسألة وهي : إذا كانت الزوجة الأولى ترى عدم أهلية زوجها من الإنفاق على زوجتين والعدل بينهما ، فهل لها أن ترفع أمرها للحاكم لينظر في منع الزوج من الزواج من زوجة ثانية عندما يهم بهذا الزواج ، المختار نعم .

وكذا بالنسبة للزوجتين إذا أراد أن يتزوج من ثالثة وكذا في الرابعة .

فان قلت إنما ورد الخطاب في الآية إلى الرجال [فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا]([443])، ولم تقل ألا يعدلوا ، الجواب لا مانع من عموم الحكم لما فيه المصلحة والمنفعة .

ومن إعجاز آية البحث تكرار [وَإِنْ خِفْتُمْ] [فَإِنْ خِفْتُمْ] لبيان الإحتراز من الغبن والأذى والجور داخل الأسرة الواحدة .

لبيان من مصاديق قوله تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا]([444]) ضبط أحكام الأسرة في القرآن والسنة والمنع من حصول الظلم والغبن داخل الأسرة الواحدة .

تدعو آية البحث لإجتناب مقدمات وأسباب ظلم اليتامى ، فلا يجوز الإقدام على فعل يؤدي إلى ظلم اليتامى .

ولا يختص قوله تعالى [وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى]([445]) بأولياء اليتامى بل يشمل رجال التشريع ودوائر التنفيذ والأولياء ، لبيان أن ولي اليتيم ليس له مطلق الحق في التصرف بأموال اليتامى ، بل جاء النهي في آية البحث عاماً باجتناب ظلم اليتامى سواء الذين لهم مال وتركة من أبيهم ومطلق المورِث أو ليس لهم مال .

وهل في الآية دعوة لتشريع القوانين التي تكفل إجتناب ظلم اليتامى والتعدي عليهم ، الجواب نعم .

ومن إعجاز آية البحث أمور :

الأول : قانون حفظ القرآن لحقوق وأموال اليتامى .

الثاني : عدم الذهاب إلى الزواج من زوجة ثانية إلا بعد التأكد من العدل بين الزوجتين ، والإنفاق عليهما ، وعلى ما ينجب من الأولاد ، وكذا بالنسبة للزوجة الثالثة والرابعة .

الثالث : اقتران الزواج من زوجة ثانية بضمان العدل بين الزوجة الأولى وبينها .

ويمكن تسمية آية البحث آية [وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا] ولم يرد لفظ (ألا تقسطوا) (طاب) و(تعولوا) في القرآن إلا في آية البحث .

إعجاز الآية الغيري

لقد كان الناس في الجاهلية لا يجعلون للصغير ذكراً أوأنثى ولا للمرأة ميراثاً ، وعندما يموت الرجل أو يقتل في المعركة أو الغزو ، فيقوم رؤساء القوم باستضعاف اليتامى .

فجاء الإسلام وفرض لهم ميراثاً ، قال تعالى [لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ]([446])، كما خصّ الله عز وجل الزوجة بالربع إن لم يكن للميت ولد ، وقال تعالى [فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ]([447]).

ولم تقف آيات القرآن عند بيان حصصهم من الميراث بل نزل حفظ أموالهم مطلقاً سواء من الميراث أو غيره ، والنهي عن ظلم اليتيمة وإيذائها بالنكاح منها من أجل الإستيلاء على مالها وإن لم تكن جميلة .

وهل يختص هذا النهي بالولي على اليتيمة ، الجواب لا ، بل هو مطلق وليس من نظام أوتشريع في حفظ حقوق اليتامى والنساء مثل القرآن ، فبآيات قليلة نظم حياة ملايين الأسر والعوائل على مرّ الأجيال والأحقاب إلى يوم القيامة .

ومن إعجاز آية البحث الغيري أنها وقاية وعلاج للأمراض والخلل الإجتماعي والظلم الذي يقع على الأفراد والجماعات .

ومن معاني الوقاية في الآية تكرار قوله تعالى [إِنْ خِفْتُمْ] من جهات :

الأولى : التنزه عن ظلم اليتامى .

الثانية : الإمتناع عن تعدد الزوجات إذا احتمل معه التخلف عن العدل بينهن .

الثالثة : الإحتراز من ظلم اليتيمة واتخاذها زوجة طمعاً بمالها .

الرابعة : إجتناب ظلم اليتيمة إذا صارت زوجة .

ومن التفسير النبوي لآية البحث قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (اتقوا الله في الضعيفين : اليتيم ، والمرأة ، أيتمه ثم أوصى به ، وابتلاه وابتلى به)([448]) عن قتادة.

الآية سلاح

من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]([449]) أن كل آية من القرآن رحمة عامة ومنها آية البحث .

وهل الرحمة الإلهية في الآية القرآنية متحدة أم متعددة ، الجواب هو الثاني .

إذ تصون وتحمي آية البحث المجتمع من آفة ظلم اليتامى ذكوراً وإناثاً ، وتمنع من النكاح الذي لا ينصف المرأة وإن كانت بلغت سن البلوغ بعد اليتم.

وآية البحث سلاح بيد الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر إذ أنها تكشف للناس الضرر الخاص والعام في نكاح اليتامى ، وفي الزواج من أكثر من زوجة واحدة مع خشية عدم العدل بينهن .

فاذا رآى الناس أن هذا الشخص لا يستطيع العدل بين زوجاته فانهم ينهونه عن الزواج من أكثر من واحدة ويمنعون تزويجه إن جاءهم خاطباً .

وتقدير آية البحث (وان خفتم ألا يعدلوا فواحدة) ويعدلوا بصيغة الغائب.

إذ تدل آية البحث على أن العدل بين الزوجات أو عدمه شبه واضح قبل الزواج سواء من حيث القدرة المالية والنفقة وأحوال العمل وسعة أو ضيق الوقت ، وتزاحم الأمور ، لذا تكرر في الآية قوله تعالى [إِنْ خِفْتُمْ] لإرادة التدبر قبل الشروع في النكاح ، وقال تعالى [لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا]([450]).

لقد أراد الله عز وجل لليتامى سلامتهم في أنفسهم وأموالهم ، فزجر الولي والكفيل عن ايذائهم والإضرار بهم ، وأنذر على هذا الإيذاء بقوله تعالى في خاتمة الآية السابقة [إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا]([451]).

و(عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجَمَعَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى أَيْتَامِهَا حَتَّى بَانُوا أَوْ مَاتُوا)([452]).

لبيان الثواب العظيم للأرملة إذ تفرغت للعناية بأبنائها اليتامى ، وامتنعت عن النكاح مع أن الرجال يرغبون فيها .

وسفعاء الخدين أي تغير حالها إلى سوء حال كالتي غيرت وجهها حرارة الشمس والنار إلى السواد .

وهذا لا يتعارض مع ترغيب آية البحث النساء بالزواج وان كانت زوجة ثانية أو ثالثة أو رابعة.

لذا جاءت امرأة للإمام محمد الباقر عليه السلام (فقالت أصلحك الله إني متبتلة. قال لها و ما التبتل عندك قالت لا أريد التزويج أبدا .

قال : ولم ، قالت : ألتمس في ذلك الفضل .

فقال انصرفي ، فلو كان في ذلك فضل لكانت فاطمة عليها السلام أحق به منك، إنه ليس أحد يسبقها إلى الفضل)([453]).

وكما جاءت السنة النبوية بالرأفة والإحسان إلى اليتيم فان النبي محمداً حث على الإحسان إلى الأرملة لكي لا تضطر إلى الزواج وهي غير راغبة فيه سواء كان عندها يتامى أو لا ، إذ قال (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله)([454]).

الآية القرآنية قانون عام

من إعجاز الآية القرآنية أنها نظام وقانون عام ومتجدد في كل زمان ، ومنه بلحاظ آية البحث أمور :

الأول : قانون كفالة اليتيم .

وهل تختص هذه الكفالة بالمسلمين ، الجواب لا ، فأحكام الآية عامة بلحاظ عطف آية البحث على الآية الأولى من سورة النساء [يَا أَيُّهَا النَّاسُ].

الثاني : حق اليتيمة عند البلوغ في الرضا بالزواج من شخص معين .

الثالث : من الأولياء يعين لليتيمة زوجها قبل البلوغ حتى إذا ما بلغت زفت إليه بقليل من المهر والحقوق ، فزجرت عنه آية البحث من باب الأولوية لما فيه من الظلم .

الرابع : قانون التنزه عن القسط والظلم في اليتامى .

الخامس : قانون الترغيب بالعناية باليتامى وحفظ حقوقهم .

وانتقلت آية البحث إلى جواز النكاح من أكثر من زوجة إلى أربعة وهو سلاح من وجوه :

الأول : قانون النكاح المتعدد حرب على الفساد .

الثاني : قانون تعدد الزوجات واقية من الزنا .

الثالث : قانون الزواج المتعدد برزخ دون تعطيل الأرحام .

الرابع : قانون عدم الذهاب إلى تعدد الزوجات إلا بعد التأكد من إحراز العدل بينهن لقانون موضوعية العدل بين الزوجات كشرط في تعددهن .

الخامس : قانون الإكتفاء بزوجة واحدة تخفيف وسلامة .

مفهوم الآية

ابتدأت آية البحث بواو العطف وفيه دعوة لاستحضار مضامين الآية السابقة عند تفسير هذه الآية وكيفية تلقي الأحكام التي فيها [وَإِنْ خِفْتُمْ] ويفيد هذا الشرط التحذير والإنذار ولزوم الحذر والحيطة .

ويدل قوله تعالى  [وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى] على وجوب العدل في اليتامى والإحسان إليهم ، وصحيح أن دفع أموال اليتامى عند بلوغهم يجب على أوليائهم ومن بحوزتهم أموالهم ، إلا أن قوله تعالى [وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى] خطاب عام لا يختص بالأولياء.

ويمكن القول أنه من التكاليف العامة بأن يسعى الناس للعدل وإنصاف اليتامى وإعطائهم حقوقهم كاملة .

ومن مفاهيم آية البحث الإنذار بالإثم والعقوبة لمن يظلم اليتامى ويتعدى على أموالهم أو يحجب عنهم أموالهم عند بلوغهم.

وهل يشمل الإنذار ظلم اليتامى بعد بلوغهم ، الجواب نعم ،لذا يطلق أحياناً صفة اليتيم على الذي بلغ سن البلوغ من اليتامى .

ومن مفاهيم آية البحث الترغيب في النكاح لما فيه من أسباب المودة والإنجاب وغض البصر ، وحفظ الفرج ، قال تعالى [وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ]([455])،

ومنه كراهية العزوبة سواء للرجل أو المرأة .

(وقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: لركعتان يصليهما متزوج أفضل من رجل عزب يقوم ليله ويصوم نهاره.

وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : إن أراذل موتاكم العزاب.

وعن الإمام جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام قال : ركعتان يصليهما متزوج أفضل من سبعين ركعة يصليهما أعزب)([456]).

وتدعو الآية المسلمين والمسلمات للشكر لله عز وجل على نعمة النكاح والترغيب فيه ، وجواز زواج الرجل من زوجة أو اثنتين أو ثلاث أو أربع زوجات عند توفر شروط التعدد ، ولا يصح الإنتقال إلى الاثنتين أو الثلاثة من رأس .

فلا يتزوج المسلم زوجة ثانية مع وجود الأولى إلا بعد التحقق والإطمئنان للقدرة على أمور :

الأول : العدل بين الزوجتين .

الثاني : الإنفاق على الزوجتين .

الثالث : تهيئ المسكن لكل من الزوجتين .

الرابع : الإستعداد للإنفاق على الأولاد الذي يأتون من الزواج الأول والثاني .

الخامس : الصبر والتحمل لما يترشح من المتاعب من الزواج الثاني ، بل حتى من الزواج الأول تأتي المتاعب التي لم تكن موجودة لولا الزواج الثاني .

و(عن أسماء أن امرأة قالت يا رسول الله إن لي ضرة فهل علي جناح إن تشبعت من زوجي بغير الذي يعطيني قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)([457]).

أي أنها تدعي أمام ضرتها بأن زوجها أعطاها من المال كذا واشترى لها الهدايا والثياب الفاخرة كذباً فهو لم يعطها ولكنها تريد إغاظة ضرتها ، فنهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنه وبين أنه حرام وفيه إثم .

والمتشبع بما لم يعط : الشخص الذي يفاخر ويدعي امتلاك شئ أو صفة ليست عنده .

وتبين الآية موضوعية العدل في الأسرة وعامة المعاملات .

وعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (قال ان المقسطين عند الله تعالى على منابر من نور على يمين الرحمن الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا)([458]).

قانون أولوية العدل والصلاح

أختتمت آية البحث بالهداية إلى اجتناب الظلم والجور والتعدي في باب النكاح وما يتفرع عنه .

وقد يدفع ثقل نفقات الأسرة وكثرة الزوجات الرجل إلى المعصية كالسرقة أو الإنشغال عن العبادة المفروضة .

ليكون قوله تعالى [ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا]([459]) أعم من أن ينحصر بأمور الزوجات بل يشمل السلوك العام وأولوية الصلاح والتقوى .

ومعنى العدل في آية البحث [فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا] أعم من الحكم بين المتخاصمين إنما هو في النفقة والسكن وقسمة الليالي بين الزوجتين أو الثلاثة أو الأربعة فالإكتفاء بواحدة ومع العجز عن أداء وظائف الزوجية بالواحدة فما ملكت اليمين .

وفي كل الأحوال يكون الإنجاب ، أما وقد تعطل ملك اليمين فهل يكون تقدير الآية : فواحدة أو حال العزوبة والصبر عليها ، الجواب لا ، من جهات :

الأولى : كراهية العزوبة بالذات والأثر ، وورد ذمها في الحديث النبوي.

الثانية : الحسن الذاتي للنكاح مطلقاً في مقابل العزوبة .

الثالثة : استحباب نكاح المرأة الولود .

و(عن معقل بن يسار قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إني أصبت امرأة ذات حسن وجمال وإنها لا تلد أفأتزوجها ، قال : لا ، ثم أتاه الثانية فنهاه ثم أتاه الثالثة فقال : تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم)([460]).

ومن معاني العدل في الآية المساواة بين الزوجات ، وهل يشترط العدل في المودة بين الزوجات ، مثل العدل بالنفقة والسكن ، الجواب لا ،لأن المودة كيفية نفسانية ، والمدار في المساواة على الفعل الخارجي .

وتبين خاتمة الآية لزوم الإحتراز من الظلم والتعدي داخل الأسرة ، فقد يظن الإنسان أن الظلم المنهي عنه يختص بظلم الناس خارج الأسرة والعائلة ، وأن التصرف والتجاوز داخل الأسرة من المباحات .

فجاءت آية البحث لتؤكد وجوب التنزه عن ظلم العيال ، ومنه التمايز في معاملة الزوجات ، وذكر الله عز وجل حلاً للنجاة من هذا الظلم بالإكتفاء بزوجة واحدة ، لتتجلى أمور :

الأول : قانون تعاهد اليتامى .

الثاني : قانون حق اليتيمة في إختيار زوجها ، وعدم إكراهها على الزواج من الولي .

الثالث : قانون قبح ظلم اليتامى .

وموضوع آية البحث هو النكاح من جهات :

الأولى : منع الولي من الزواج من اليتيمة التي في حجره طمعاً بمالها .

الثانية : جواز تعدد الزوجات إلى أربع .

الثالثة : التنزه عن الظلم والميل على الزوجة أو بعض الزوجات .

لبيان أنه مع تعدد الزوجات ينفتح على المسلم باب من جهات :

الأولى : قانون العدل بين الزوجات .

الثانية : إعالة الزوجة ، وتوفير السكن، والإعاشة بما يليق بها ووفق المتعارف في زمانها .

الثالثة : الإستعداد لإعالة وتربية الأبناء ،والجمع بين رعايتهم واستمرار العدل بين الزوجات .

مفهوم تكرار (إن خفتم)

تكرر في الآية قوله تعالى [إِنْ خِفْتُمْ] ومن مفاهيمه :

الأول : يا أيها الأولياء إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فلا تنكحوا اليتيمة طمعاً بمالها ، وحتى التي ليس عندها مال فلا يحق للولي إرغامها على النكاح منه ، أو إغراءها والتغرير بها في هذا النكاح .

الثاني : اجتناب ظلم اليتامى ، والحذر من أي فعل قد يكون فيه ظلم لليتامى أو تعد على أموالهم أو حقوقهم ، خاصة أن بعض الناس يكون ولياً على أكثر من يتيم سواء من عائلة واحدة أو أكثر .

الثالث : بيان أن الزواج نعمة من عند الله ، ولزوم اختيار الزوجة ذات الصفات التي تسر الزوج سواء في حسنها أو أخلاقها أو دينها أو مالها ، وقد تجتمع هذه الخصال الحسنة في امرأة واحدة ، وفي التنزيل [رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ]([461]).

وأكثر دعوة يدعو بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)([462]).

ومن معاني الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة ، وعن الإمام علي عليه السلام في الآية أعلاه قال (في الدنيا حسنة إمرأة صالحة ، وفي الآخرة الحسنة الحور العين)([463]).

وعن الإمام علي عليه السلام بينما النبي صلى الله عليه وآله وسلم جالس (إذ سأل عن رجل من أصحابه، فقالوا: يارسول الله أنه قد صار من البلاء كهيئة الفرخ لا ريش عليه .

فأتاه صلى الله عليه وآله فإذا هو كهيئة الفرخ من شدة البلاء .

فقال : قد كنت تدعو في صحتك دعاء ؟ قال: نعم، كنت، أقول: يا رب أيما عقوبة أنت معاقبي بها في الآخرة فعجلها لي في الدنيا .

فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ألا قلت : اللهم [آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ]([464]).

فقالها فكأنما نشط من عقال، وقام صحيحا وخرج معنا)([465]).

أي عوفي وخرج من ساعته من البيت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند عيادته له.

وتبين آية البحث أن الإكتفاء بزوجة واحدة وقاية من الإبتلاء ، ومن المشاق التي تتفرع عن كثرة العيال ، وهذه الكثرة من جهتين :

الأولى : تعدد الزوجات .

الثانية : كثرة الأولاد ، وتوالي الإنجاب .

وغالباً ما يتزوج الرجل زوجة ثانية بعد أن تبلغ أو تقارب زوجته الأولى سنّ اليأس فيتوالى الإنجاب ، وتتجدد معه أسباب الإنفاق ، فاختتمت آية البحث بالجامع بين الإرشاد والإنذار في قوله تعالى [ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا]([466]).

ومن بديع صنع الله استمرار أهلية الرجل للإنجاب ، ووقوف المرأة عند سن اليأس ، وتوقف الحيض وتعطل المبيض عندها .

إفاضات الآية

من خصائص الآية القرآنية أنها حبل متصل بين روح الإنسان وفضل الله عز وجل وهو من مصاديق قوله تعالى [وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ]([467]).

وتتجلى مظاهر حب المسلم لله في آية البحث باجتناب المكروه وما فيه أذى لليتامى والزوجة وعامة المستضعفين .

لقد أراد الله عز وجل بنزول القرآن تنمية ملكة التراحم بين عموم الناس مع اختلاف مشاربهم ومذاهبهم .

لذا ترى آية البحث معطوفة على أول آية من سورة النساء التي تبدأ بالنداء العام [يَا أَيُّهَا النَّاسُ].

لتبين هذه الآيات أن العناية باليتامى وحفظ أموالهم إلى حين البلوغ مسؤولية عامة ، وفيها دعوة لكل أمة أو أهل ملة لتعيين ولي ووصي لليتيم تكون وظيفته تعاهد اليتيم .

ولتأتي السنة بمصاديق لهذا التراحم والعناية باليتامى وما فيها من الأجر والثواب .

وقال الإمام علي عليه السلام (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول من عال يتيما حتى يبلغ أشده ، أوجب الله عز وجل له بذلك الجنة ، كما أوجب لآكل مال اليتيم النار)([468]).

وقال (من ظلم يتيما عق أولاده)([469]).

أي يكون هذا الظلم سبباً لعقوق أولاده له لبيان أن مشيئة الله عز وجل حاضرة في سلوك الأبناء وطاعتهم لآبائهم ، وكما تتجلى في حب الله لليتامى ، والإنتقام لهم في الدنيا ولو بعد حين .

وتبين آية البحث للناس وجوب اجتناب إيذاء اليتامى او ظلمهم لقوله تعالى [وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى]([470]).

لأخذ الحيطة والحذر في المعاملة مع اليتامى ، لذا قال تعالى [وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ]([471]).

ومن إفاضات الآية الإرشاد العام لأجيال المسلمين في النكاح وتعدده ، وهي دعوة سماوية للتنزه عن الظلم داخل الأسرة .

الآية لطف

من أسماء الله عز وجل (اللطيف) وهو الذي يوصل رحمته إلى الخلائق من حيث لا يحتسبون ، ويلطف بالناس مجتمعين ومتفرقين .

وقد اسست قانون (اللطف الخاص) وهو أن لله عز وجل على كل إنسان لطفاً خاصاً ينفرد به من بين الناس من أيام آدم وإلى يوم القيامة كانفراده ببصمة اليد وبصمة العين هذا مع ما يأتيه من رشحات اللطف العام لكل من :

الأول : الأسرة .

الثاني : أهل القرية أو البلدة .

الثالث : أهل الدنيا في ذات اليوم .

ففي كل يوم لله عز وجل لطف خاص على الأحياء من الناس فيه ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ]([472]).

و(عن عبد الله بن منيب قال : تلا علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية [كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ]([473]) فقلنا : يا رسول الله وما ذاك الشأن.

قال : يغفر ذنباً ، ويفرج كرباً ، ويرفع قوماً ، ويضع آخرين)([474]).

واختلف في صحبة عبد الله بن منيب.

وقال ابن عبد البر : أخشى أن يكون حديثة مرسلاً .

وقد ورد ذات الحديث عن الإمام علي عليه السلام يرفعه([475]).

وعن أبي الدرداء يرفعه([476]).

الرابع : لطف الله عز وجل العام بالمسلمين والمسلمات .

الخامس : لطف الله عز وجل بالناس جميعاً إذ تشترك أجيال الناس بألطاف عامة تتغشى الناس جميعاً .

ونزلت آية البحث باللطف العام باليتامى ، وبعث الناس للرأفة والرفق بهم ، والحفاظ على أموالهم ، فيجتهد الإنسان بالكسب وجمع المال لنفسه ولعياله وإن داهمه الأجل فانه يطمئن للأمة عامة والأولياء خاصة بالعناية بأولاده الذين يصبحون أيتاماً بعده بالتخفيف من وطأة ومصيبة اليتم التي حلت بهم .

فالمختار أن مصيبة اليتيم من وجوه :

الأول : فقد الأب ولا يزال الولد صغيراً .

الثاني : مجئ صفة اليتم واليتيم حالما يفقد أباه .

الثالث : المصيبة بوفاة الوالد ، والحرمان من بره لو بقي حياً ، نعم لا ينقطع ثواب البر بالوالدين عند موتهما ، لإمكان برهما بعد وفاتهما .

الآية بشارة

تتضمن آية البحث البشارة للناس جميعاً رجالاً وإناثاً بحفظ أولادهم بعد موتهم .

ولقد جعل الله عز وجل الإنسان عاجزاً عن معرفة أجله وأوان موته ، لا يعلم متى يزوره ملك الموت هذه الزيارة الحتمية التي لا تتكرر أبداً ، زيارة تنقل الإنسان من دار العمل بلا حساب إلى دار الحساب بلا عمل .

ويتحول أولاد الميت إلى صفة اليتيم والمرأة إلى الترمل دفعة واحدة ليس لهم عون إلا من عند الله .

فنزلت آية البحث لتزجر الناس عامة والأولياء خاصة عن ظلم اليتامى ، وعن قهر اليتيمة بالزواج منها كرهاً ، وفيه سكينة لكل إنسان يخشى حلول أجله ويترك خلفه أولاداً صغاراً سواء قد داهمه المرض أو دخل معركة أو يتوقع هادم اللذات وهو الموت في أي ساعة .

وعن الإمام (علي بن أبي طالب عليه السلام قال : كان ضحك النبي صلى الله عليه وآله التبسم، فاجتاز ذات يوم بفئة من الأنصار وإذا هم يتحدثون و يضحكون بمل ء أفواههم .

فقال يا هؤلاء، من غره منكم أمله وقصر به في الخير عمله، فليطلع في القبور وليعتبر بالنشور، واذكروا الموت فإنه هادم اللذات)([477]).

ومن البشارة في آية البحث الإذن الإلهي بنكاح أكثر من زوجة إلى أربع مع الإطمئنان للقدرة على العدل بين الإثنتين ثم الإنتقال إلى الثالثة وهكذا في الرابعة وعلى توفير أسباب المعيشة اللاحقة لهن ، بقوله تعالى [فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً]([478]).

وفيه بشارة للنساء بحيث لا تتزوج إلا مع العدالة وسعة العيش والأمن على الأولاد الذين تلدهم ، لذا قال الله تعالى في الآية التالية [وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ]([479]).

الآية إنذار

لقد ذكرت آية البحث جواز تعدد الزوجات إلى الأربع وحذرت آية السياق من أكل أموال اليتامى ، ومن معاني الجمع بين الآيتين ، وجوه :

الأول : الإنذار من اتخاذ أموال اليتامى مادة ومهراً في الزواج .

الثاني : المنع من التصرف بأموال اليتامى في الإنفاق على الزوجات .

الثالث : نهي الولي من زواج اليتيمة أو تزويجها بالغبن في مهرها وحقوقها.

ليكون من معاني قوله تعالى [فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا]([480]) المعنى الأعم ليشمل عدم ظلم اليتامى وتجاوز الولي على أموالهم وحقوقهم في نكاحه سواء من زوجة واحدة أو أكثر إلى أربع لقانون عدم جواز المباح بظلم الآخرين.

ولو تعارض نكاح الولي المتعدد مع حفظ مال اليتيم فيقدم حفظ مال اليتيم ، وكذا دفعه له حين البلوغ ، وهو الذي يدل عليه الوجوب في الآية السابقة بقوله تعالى [وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ]([481]).

وهل هو من مصاديق قوله تعالى [وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ]([482]) بتقريب أن تجاوز واستيلاء الولي على مال اليتيم من الخبيث ، وصيرورته مهراً ومادة للإنفاق على الزوجات فعلاً خبيثاً .

المختار نعم ، وهو من إعجاز الجوار بين آية البحث والآية السابقة ، وهل الإكتفاء بزوجة واحدة مع الأكل من المال الحلال من الطيب الذي تذكره الآية أعلاه ، الجواب نعم ، لما فيه من السلامة من الإثم والحوب والتعدي .

ومن خصائص الآية السابقة واختتامها بالوعيد بعث النفرة في النفوس من أكل مال اليتيم ، وصيرورة الذي يتعدى عليه ويأكله في حال حسرة وآسى ، فاذا اجتنب هذا التعدي فانه يكون في إنشراح للصدر ، قال تعالى [أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ]([483]).

الصلة بين أول وآخر الآية

ابتدأت آية البحث بجملة شرطية بخصوص اليتامى الذين فقدوا آباءهم وما زالوا صغاراً ، وفيها إنذار من التعدي عليهم ومن ظلمهم وسوء معاملتهم ، ومن نكاح اليتيمة بقصد الإستيلاء على مالها ، ولقلة مهرها ، ومن ظلم الولي لها نكاحها أم عدم رغبتها في ذات النكاح .

وكان الرجل يتعدى على صداق ومهر زوجته بعد الزواج سواء كانت زوجته يتيمة أو لا ، ولا يرى في هذا التعدي حرجاً ، فنزل النهي عنه بقوله تعالى[وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا]([484]) نعم وردت الرخصة بقوله تعالى [فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا]([485]) أي برضاهن من غير خديعة ولا مكر ولا إضرار ، ويتعلق الضمير الهاء في [مِنْهُ] بالصداق .

ويتوجه الخطاب في الآية أعلاه للأزواج (وقيل للأولياء)([486]).   

ولم تترك الآية حال الولي ونحوه على حاله بل أخبرت عن جواز نكاحه من غير اليتيمة مما طاب له ، أي مما ليس فيه ظلم وغبن لأحد .

وقد يطيب الزواج للزوج ولكنه لا يطيب لذات المرأة ، لذا ابتدأت الآية بالتحذير والإنذار من نكاح اليتيمة بقصد الإستيلاء على مالها ، وباستعمال الضغط او الحيلة والمكر معها فحالما تبلغ يعرض عليها الولي الزواج ، واحياناً يكون هذا الولي متقدماً في العمر بأضعاف عمرها ، وهذه من مسائل عدم العدل مع اليتامى .

فأشارت الآية إلى وجود كثرة من النساء يمكن اختيار الزوجة المناسبة والتي ترغب بالزواج ومع تعاهد العناية باليتيمة ، وحفظ أموالها ، وترك الحرية لها في اختيار زوجها .

وكما يحرم على المرأة النكاح من أكثر من زوج ، فيجب عليها أن تحفظ فرجها لزوجها ، قال تعالى [وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا]([487]).

وقدمت الآية أعلاه غض البصر على حفظ الفروج للحرمة الذاتية للنظر بريبة وشهوة ،ولأن هذا النظر مقدمة للإفتتان والزنا لذا قيل : النظر بريد الزنا.

وعادت الآية لقوله [فَإِنْ خِفْتُمْ] ووردت هذه الكلمة بلفظ الفاء لبيان قانون حالما تظنون العجز عن توفير العدالة بين الزوجات يكون الإعراض عن الزواج من ثانية أو ثالثة أو رابعة .

 ولا يكون الإنسان متردداً ويقف عند موضوع النكاح الثاني كثيراً ، كالحديث عنه مع المراد الزواج منها ومع أهلها ، فقد تكون هذه المقدمات سبباً لإقحام النفس بهذا الزواج ، بل يكتفي بالزوجة الواحدة أو ما ملكت اليمين ، وحيث أن ملك اليمين مفقود موضوعه في هذا الزمان فيكتفى بالزوجة الواحدة ، ولا يصار إلى العزوبة لكراهتها .

ثم أختتمت الآية بقانون اجتناب الظلم العائلي بترك تعدد الزوجات عند الخشية من فقدان العدالة بينهن ، و قانون ترك تعدد الزوجات عند العجز عن الإنفاق عليهن .

من غايات الآية

وفيها مسائل :

الأولى : حب الله عز وجل لليتامى ، وهو سبحانه وليهم ، ويرحم الذي يعتني بهم .

الثانية : الرفق باليتامى وحفظ أموالهم وعدم التجاوز عليها .

الثالثة : قانون الإحتراز بإجتناب ظلم اليتامى أو بخسهم حقوقهم .

الرابعة : قانون تعاهد اليتامى وأموالهم مسؤولية عامة ولا تختص بأوليائهم وقانون الحساب الشديد عن اليتامى يوم القيامة.

الخامسة : إجتناب الزواج من اليتيمة عند بلوغها بقصد الإستيلاء على مالها .

السادسة : قانون اليتيم وديعة عند الولي وغيره من الناس .

السابعة : اللطف باليتيم ولزوم الإحسان إليه من مصاديق قوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]([488]) .

الثامنة : مع التحذير والإنذار من التعدي على اليتامى وأموالهم فتح الله عز وجل للناس باب النجاة في النكاح المتعدد بقوله تعالى [فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ]([489]).

التاسعة : تقييد النكاح المتعدد بلزوم القدرة على إعانة الزوجات والإحسان إليهن ، والمساواة بينهن في النفقة من المأكل والملبس والمسكن ونحوه ،وإلا فيلزم الإكتفاء بزوجة واحدة ، وهذا الإكتفاء من مصاديق قوله تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ]([490]).

العاشرة : تتضمن آية البحث الإحتراز من القسط والجور بخصوص اليتامى ، وقانون تنمية ملكة العدل والإحسان للمستضعفين والناس جميعاً ،  فاذا اعتاد المسلم اجتناب ظلم اليتامى في أنفسهم وأموالهم مع إمكانه كولي تناولها والإحتيال في الإستيلاء عليها فانه يمتنع عن ظلم الآخرين والتعدي على حقوقهم وأموالهم .

الحادية عشرة : تبعث الآية على المعاملة الحسنة مع الناس جميعاً والتنزه عن الظلم والذي تكون عاقبته إلى النار ، قال تعالى [وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا]([491]).

والقسط : من الإضداد ، فقد يفيد معنى العدل كما في آية البحث يقال : أقسط الرجل فهو مقسط إذا عدل .

ويقال قسط فهو قاسط إذا ظلم ، كما ورد حكاية عن الجن في التنزيل [وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا]([492]) .

قانون إجتناب الحرام مع الظن بحدوثه

يلزم الإبتعاد عن مقدمات الحرمان مع الظن باحتماله ، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى [إِنْ خِفْتُمْ]، الذي تكرر مرتين في آية البحث .

وقال ابو عبيدة [خِفْتُمْ] بمعنى أيقنتم (واستشهد بقول الشاعر دريد بن الصمة : (الطويل) .

فَقُلْتُ لَهُمْ خَافُوا بألفَي مُدَجَّجٍ)([493]) ولكنه خلاف الظاهر .

وتمام بيت الشعر هو :

(فقلت لهم ظُنّوا بِأَلْفَيْ مُدَجج … سَراتُهُمُ في الفارسيّ المسَرّدِ)([494]).

أي يتقنوا .

إنما يؤتى بهذا البيت من الشعر مثالاً لأعلى مراتب الظن الذي هو من أقسام التصديق .

وكما في قوله تعالى [قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ]([495]) أي يتقنوا من لقائهم لله عز وجل ، ومع هذا فان من معاني الظن في الآية أعلاه ظنهم أنهم ملاقو الله بالقتل عند ملاقاة جالوت وجنوده .

وورد الظن وليس اليقين لاحتمال النصر على جيوش الذين كفروا بدليل قولهم [كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً]([496]).

ويتجلى الإعجاز في معاني الكلمة القرآنية وما فيها من التأديب والتعليم والإرشاد ، فالمراد من [إِنْ خِفْتُمْ] هو الظن المعتبر ، والإحتمال الراجح ، والخشية .

ويستحب نهي الولي عن التصرف في أموال اليتامى من أجل زواجه أو زواج أبنائه ، ويصح التشريع في المقام بولاية الحاكم على أموال اليتامى .

وعن مجاهد (إنما الآية تحذير من الزنى وزجر عنه ، أي كما تتحرجون في مال اليتامى فكذلك تحرجوا من الزنى ، وانكحوا على ما حد لكم)([497]).

وقد وردت آيات في حرمة الزنا والنهي عنه ، وهذه الآية صريحة في لزوم حفظ اليتامى وأموالهم ، والرخصة في النكاح إلى أربع ، نعم تدل الآية في مفهومها على حرمة الزنا ووجوب التنزه عنه ، لذا فان أصل حكم النكاح هو الإستحباب ، ولكنه قد يصير واجباً إذا خشي الإنسان الوقوع في الزنا .

وورد قوله تعالى [إِنْ خِفْتُمْ]، سبع مرات في القرآن ، أربع منها في سورة النساء ، وآية البحث هي الآية الوحيدة التي تكرر فيها قوله تعالى [إِنْ خِفْتُمْ]، مرتين ، وهذه السبعة هي :

الأولى : قوله تعالى [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] ([498]).

الثانية والثالثة : قوله تعالى [فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ] ([499]).  

الرابعة : قوله تعالى [وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا] ([500]).

الخامسة : قوله تعالى [وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا] ([501]).  

السادسة : قوله تعالى [وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا] ([502]).  

السابعة : قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] ([503]).        

التفسير

قوله تعالى [وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى]

ابتدأت آية البحث بجملة شرطية تدل على صبغة الإيمان التي صار عليها المسلمون ، وإستجابتهم للأوامر والنواهي الواردة في القرآن ، وإدراكهم لزوم حرصهم على التنزه عن أكل أموال اليتامى والتعدي عليهم .

وتدل الآية على وجوب العدل والإنصاف مع اليتامى ، وهل يختص موضوع الآية باليتامى من الإناث ، الجواب لا ، نعم تمنع الآية الأولياء على اليتامى من الزواج من اللاتي في حجرهم أو تزويجهن للغير طلباً لمالهن ثم هجرهن أو تركهن كالمعلقة لقلة جمالهن أو لنفاذ ما لهن وإنقطاع الرغبة بهن ، أو يتزوجها لقلة صداقها  .

فنزلت الآية لحفظ الحقوق الشرعية والإعتبارية لليتامى قبل وبعد البلوغ ، وليس من قانون في الأرض يضمن هذه الحقوق مثل الآية القرآنية ، وانبساط حكمها على أفراد الزمان الطولية إلى يوم القيامة ، إنما في بضع كلمات نازلة من السماء حصّن اليتامى وأموالهم ذكرواً وإناثاً ، وجعل الله لهم واقية حتى بعد أن يكبروا ، وإذا ما تعدى الولي على اليتامى فهذه الآية تلاحقه وتطارده ، وينظر له المجتمع بأنه متعد ظالم .

وهذا من الإعجاز في صيغة العطف في آيات البحث ، إذ ابتدأت الآية قبل السابقة وهي الأولى من سورة النساء بالنداء العام [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] ليكون رقابة مجتمعية عامة على سلوك الأولياء والأوصياء على اليتامى .

وعموم الخطاب في الآية أعلاه مناسبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، في المنع من استضعاف اليتامى والإستحواذ على أموالهم .

وعن (سعيد بن جبير قال : كان أهل البيت يكون عندهم الأيتام في حجورهم ، فيكون لليتيم الصرمة من الغنم ويكون الخادم لأهل البيت ، فيبعثون خادمهم فيرعى غنم الأيتام ، أو يكون لأهل اليتيم الصرمة من الغنم ويكون الخادم للأيتام .

فيبعثون خادم الأيتام فيرعى غنمهم ، فإذا كان الرسل([504]) وضعوا أيديهم جميعاً أو يكون الطعام للأيتام ويكون الخادم لأهل البيت ، فيأمرون خادمهم فيصنع الطعام ويكون الطعام لأهل البيت ، ويكون الخادم للأيتام فيأمرون خادم الأيتام أن يصنع الطعام فيضعون أيديهم جميعاً.

فلما نزلت هذه الآية [إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا]([505]) قالوا : هذه موجبة فاعتزلوهم وفرقوا ما كان من خلطتهم ، فشق عليهم ذلك ، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : إن الغنم قد بقيت ليس لها راع ، والطعام ليس له من يصنعه . فقال : قد سمع الله قولكم فإن شاء أجابكم .

فنزلت هذه الآية [وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى]([506]) ونزل أيضاً [وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى]([507]) فقصروا على أربع فقال : كما خشيتم أن لا تقسطوا في اليتامى وتحرجتم من مخالطتهم حتى سألتم عنها ، فهلا سألتم عن العدل في جمع النساء)([508]).

ومن وجوه تقدير الآية يا أيها الناس إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ، فلا يختص الحكم في آية البحث بأولياء اليتامى فتشمل أهل الحل والعقد والأمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والذين يتعاملون مع اليتامى والذين يزوجون اليتامى ، ويتزوجون اليتيمات .

قانون الرفق باليتامى

تدعو آية البحث زوج اليتيمة بعد بلوغها إلى الرفق بها ، والإحسان إليها ، واجتناب التعدي عليها ، لبيان وجوه :

الأول : قانون اليتامى أمانة من عند الله عز وجل .

الثاني : حب الله لليتامى .

الثالث : قانون اليتامى وديعة عند المجتمع .

الرابع : لزوم الإحسان لليتامى من أي ملة كانوا .

وهل يمكن التدارك في المقام ، الجواب نعم ، فمن تزوج اليتيمة لمالها يمكنه التدارك بحسن معاشرتها ، والإنفاق عليها ، والسعي لطلب مرضاة الله فيها .

وهل يختص النهي في الآية عن الزواج من اليتيمة للإستيلاء على مالها ، الجواب لا ، إنما يشمل اليتيم أيضاً .

فلا يصح قيام الولي باختيار زوجة لليتيم بما يكون سبباً للإستيلاء على ماله وغيرها من المعاملات التي فيها غبن لليتامى لأصالة الإطلاق في الآية .

 وللمنع من الإختيار غير السليم لأمور حياتهم اليومية سواء فيما يخص الولي أو غيره من المعاملات والصلات لبيان أمور :

الأول : قانون اختيار الأحسن والأنفع لليتيم .

الثاني : قانون إعانة اليتيم سواء الذي عنده مال أو تركة أو الفقير .

الثالث : التعاون والتكافل لاستئصال عادات الجاهلية في المعاملات والصلات الإجتماعية .

قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي الدرداء (يَا أبَا الدَّرْدَاءِ إنَّ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، قال: أجاهلية كفر أو إسلام .

قال : بل جاهلية كفر ، قال: فتمنيت أن لو كنت ابتدأت إسلامي يومئذ.

قال: وقال النبي (صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم) : ثَلاثٌ مِنْ عَمَلِ أهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ لا يَدَعُهُنَّ النَّاسُ: الطَّعْنُ بِالأنْسَابِ، وَالاسْتِمْطَارُ بِالْكَوَاكِبِ، وَالنِّيَاحَة)([509]).

وقد ذكر القرآن تزيين المرأة فقال الله تعالى مخاطباً نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم [وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى]([510]).

لتمنع آية البحث من انتقال أخلاق الجاهلية إلى الإسلام وهذا المنع من وجوه :

الأول : قانون الإسلام دين الصلاح والإصلاح  .

الثاني: قانون تقوم الحياة بالعمل بالقرآن وأحكامه وسننه .

الثالث : حب الله عز وجل للأسرة المسلمة ، فمع الإسلام تأتي شآبيب اللطف الإلهي من خزائنه التي لا تنفد ، قال تعالى [وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ]([511])وهل أحكام الإحسان إلى اليتامى في القرآن والسنة من عهد الله التي يلزم التقيد بها ، الجواب نعم .

الآية دعوة للشكر لله

هل تبعث آية البحث كل مسلم على الشكر لله عز وجل أم أنها دعوة لخصوص اليتامى للشكر معه عز وجل .

الجواب هو الأول لما فيها من هداية الأولياء للعمل الصالح واجتناب الظلم ، ودعوة المسلمين والناس جميعاً للشكر لله عز وجل على نزول هذه الآية لأنها تحث على حسن اختيار الفعل وتنهى عن الفساد .

واذا خاف الولي من إنصاف اليتيمة والعدل معها سواء في مهر المثل أو في النفقة أو القسمة أي قسمة الليالي فعليه اجتناب نكاحها ، والزواج من غيرها ، إذ أخبرت آية البحث عن إباحة الزواج من زوجتين وثلاث وأربع .

وقد ورود لفظ (اليتيم) بصيغة المفرد ثماني مرات في القرآن وهو شامل للذكر والأنثى ، إنما ورد التذكير للتغليب .

وورد في آية البحث بصيغة الجمع ، مما يدل على أن موضوع الآية أعم من نكاح الولي لليتيمة التي في حجر الولي ، إنما تشرع آية البحث وجوهاً :

الأول : حرمة بخس حقوق اليتامى .

الثاني : قانون العدل في اليتامى .

الثالث : قانون الحيطة والحذر مما يحتمل معه التعدي على اليتامى في أنفسهم وأموالهم .

الرابع : حب الله عز وجل لليتامى ، ورحمته بهم .

الخامس : قانون حاجة اليتامى والناس لنزول القرآن .

السادس : قانون القرآن نظام شامل للحياة الإجتماعية .

السابع : قانون الآية القرآنية مدرسة في الأخلاق الحميدة .

الثامن : مضامين آية البحث من مصاديق قوله تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا]([512]).

نعم تحذر الآية من نكاح اليتيمة من أجل الإستحواذ على مالها والتقصير في الواجب نحوها والناس يقل غرامهم بما يملكون.

بحث بلاغي / التلفيف

من أساليب وضروب البلاغة في القرآن التلفيف وهو إخراج الكلام ، فخرج التعليم والإصلاح بحكم وإرشاد ، ولم يرد المتكلم ذكره إنما قصد حكماً خاصاً ومعيناً ، ولكن الذي استبان هو حكم عام ، كما في قوله تعالى [وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى]([513])  .

والأصل أن يكتفي موسى بالقول [هِيَ عَصَايَ] ولكن موسى عليه السلام أجاب ببيان وظائف عصاه فقال [ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى]([514]) لوجوه :

الأول : الشكر لله عز وجل على نعمة العصا .

الثاني : الإنجذاب إلى تكليم الله عز وجل .

الثالث : أدب العبودية بما يقتضي البسط والإسهام .

الرابع : الطمع في منافع اضافية للعصا ، كما تدل عليه الآيات اللاحقة [قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى]([515]) .

الخامس : تسليم موسى بأن عصاه معجزة .

السادس : تأكيد موسى عليه السلام لانتفاعه من الوظائف الإعجازية للعصا إلى جانب وظائفها المتعارفة .

وكذا في آيات يسألونك مثل [يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ]([516]).

فقد سأل المسلمون عن ماهية الذي ينفقونه ، فجاء الجواب من عند الله ببيان التفصيل في الجهات التي ينفق عليها ، مع بيان صفة المنفق وهو الخير .

ولما ابتدأت آية البحث بحرف الشرط [وَإِنْ خِفْتُمْ]([517]) ذكرت الآية سبيل النجاة من الوقوع في ظلم اليتامى ، والإكتفاء بزوجة واحدة عند الخشية والظلم من أمر آخر وهو الإجحاف والتقصير مع بعض الزوجات ، وأختتمت بالتعليم والإرشاد للنجاة من ظلم أفراد الأسرة والتعدي عليهم .

آيات اليتيم

كما وردت آية البحث والآية السابقة بذكر اليتامى بصيغة الجمع ، فقد ورد لفظ [اليتيم ] بصيغة المفرد ثماني مرات في القرآن ، ومن الإعجاز أنها جميعاً نزلت في مكة قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهي آيات مكية لبيان أن أحكام الرفق باليتيم وحفظ حقوقه واجب على الناس جميعاً ، وهي كالآتي :

اليتيم : 5 مرات ، وهذا اللفظ وإن ورد بلفظ المذكر فانه جامع في حكمه للمذكر والمؤنث من اليتامى .

يتيماً : 3 مرات .

يتيمين : مرة واحدة في سورة الكهف بقوله تعالى [وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ]([518]).

وورد لفظ اليتامى : أربع عشرة مرة .

وهذا الجمع شامل للمذكر والمؤنث .

وآيات اليتيم بالمفرد خمس هي :

الأولى :  قوله تعالى [وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ]([519]) .

الثانية : قوله تعالى [وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا]([520]) .

الثالثة : قوله تعالى[كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ]([521]).

هذه الآية من سورة الفجر ، وهي مكية نزلت قبل الهجرة بالإتفاق .

سميت بهذا الاسم لافتتاحها بقوله تعالى [وَالْفَجْرِ] ولم يرد هذا اللفظ في آية أخرى من القرآن .

وهي السورة العاشرة في ترتيب بدايات النزول ، إذ نزلت بعد سورة الليل وقبل سورة الضحى .

وجاءت الآية أعلاه في ذم الذين يعطون حق اليتيم ، ولا يورثونه من مال أبيه ، ويستضعفونه .

الرابعة : قوله تعالى [فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ]([522]) أي استمع لليتيم ولا تزجره ولا تنهره ولا تحقره .

الخامسة: قوله تعالى [فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ]([523]).

لفظ (يتيماً) في القرآن

ورد لفظ [يَتِيمًا] المفرد المنصوب ثلاث مرات هي :

 الأولى : قوله تعالى [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا* إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا]([524]).

الثانية :  قوله تعالى [يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ]([525]) .

الثالثة : قوله تعالى [أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى]([526]).

لقد مات عبد الله بن عبد المطلب أبو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمه حامل به فتكفله عمه أبو طالب ، ليوثق القرآن هذه النعمة.

و(عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته.

قلت : يا ربّ إنك آتيت سليمان بن داود ملكاً عظيماً ، وآتيت فلاناً كذا ، وآتيت فلاناً كذا .

قال : يا محمد ألمْ أجدك يتيماً فآويتك .

 قلت : بلى أي رب.

قال : ألمْ أجدك ضالا فهديتك؟

 قلت : بلى يا رب .

قال : ألمْ أجدك عائلا فأغنيتك؟

 قلت : بلى أي رب.

ومعنى الآية [ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى]([527])صغيراً فقيراً ضعيفاً حين مات أبواك ، ولم يخلفا لك مالا ، ولا مأوى ، فجعل الله لك مأوى تأوي إليه ، ومنزلا تنزله ،وضمّك إلى عمّك أبي طالب حتى أحسن تربيتك ، وكفاك المؤونة)([528]).

لفظ [الْيَتَامَى] في القرآن

ذكر لفظ[الْيَتَامَى] بصيغة الجمع في القرآن أربع عشرة مرة منها ست مرات في سورة النساء وحدها ، لبيان الأحكام الخاصة باليتامى وحفظ أموالهم بعد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وحال الإستقرار والأمن الذي هو كالوعاء والمناسبة لنزول الأحكام  .

وهذه الآيات هي :

الأولى : [وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ]([529]).

الثانية : [لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ]([530]).

الثالثة : [يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ]([531]).

الرابعة : [فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]([532]).

الخامسة : [وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا]([533]).

السادسة : [وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ] ([534]).

السابعة : [وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا]([535]).

الثامنة : [وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا] ([536]).

التاسعة : [إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا] ([537]).

العاشرة : [وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا] ([538]).

الحادية عشرة والثانية عشرة : [وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا]([539]).

الثالثة عشرة : [وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ([540]).

الرابعة عشرة : [مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ] ([541]).

التفسير بالتقدير

يكون تقدير أول الآية على وجوه :

الأول : وإن خفتم ألا تقسطوا في المعاملة مع اليتامى .

الثاني : وإن خفتم أن تبخسوا حقوق اليتامى .

الثالث : وإن خفتم الإستحواذ على أموال اليتامى .

الرابع : وإن خفتم نكاح اليتيمة بقصد الإستيلاء على مالها .

الخامس : وإن خفتم ظلم اليتيمة في تعدد الزوجات ، فلا تنال العدل والنفقة الكافية .

السادس : وإن خفتم ظلم اليتامى ، قال تعالى [إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ]([542]).

السابع :وإن خفتم عاقبة أمر فأجتنبوه .

الثامن : إن خفتم إتباع الهوى وغلبة الطمع .

وتبين الآية حرمة والظلم مطلقاً .   

قوله تعالى [فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ]

تبين الآية للمسلم إباحة الزواج من أربع زوجات ، وفيه رحمة به وبالنساء خاصة في أوقات الحروب والأوبئة وكثرة الأرامل والمطلقات .

 لتفتح الآية السبيل إلى كثرة الإنجاب من خلال تعدد الزوجات ، ومع هذه الكثرة يكثر اليتامى من الذكور والإناث .

فنزلت آية البحث لحفظ وسلامة اليتامى، ولزوم هذا الحفظ حتى بعد بلوغهم بالإمتناع عن نكاح اليتيمة إذا كان القصد الإستحواذ على مالها ولحوق الغبن بها بهذا النكاح وان لم يكن مقصوداً  .

وهو من أسرار مجئ آية البحث بقوله تعالى [وَإِنْ خِفْتُمْ]([543]) أي يأتي غبن وظلم اليتيمة بالعرض ، وفي حال الخشية من التخلف عن إتصافها كزوجة سواء في التفقه أو السكن والقسمة .

ومن الإعجاز في اذن تعدد الزوجات سبقه بالتحذير والإنذار [وَإِنْ خِفْتُمْ] وتعقبه بذات الإنذار [فَإِنْ خِفْتُمْ] ثم الوعيد . 

زجر آية البحث عن الطلاق

وهل في إباحة الزواج من أكثر من واحدة إخبار عن الطلاق ، الجواب نعم ، وهو من مفاهيم الآية .

وإن كانت هذه المسألة لم يذكرها العلماء في تفسير هذه الآية فاذا كان الإنسان يخشى في طلاقه لزوجته زواج أخيه ، أو جاره ، أو صديقه ، أو صاحبه في العمل من زوجته وأم أطفاله فانه يحرص على بقائها في عصمته ، وحبال نكاحه ويتحمل بعض الهنات والأذى .

فتدعو آية البحث الزوج إلى التصبر على زوجته إذا كانت تتخلف عن بعض وظائف الزوجية التي أمر الله ورسوله بها ، وتدعو المرأة للصبر ، وفي قوله تعالى [وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ…]([544]) ورد عن الإمام علي عليه السلام (أنه سئل عن هذه الآية فقال : هو الرجل عنده امرأتان ، فتكون إحداهما قد عجزت أو تكون دميمة فيريد فراقها ، فتصالحه على أن يكون عندها ليلة وعند الأخرى ليالي ولا يفارقها ، فما طابت به نفسها فلا بأس به ، فإن رجعت سوَّى بينهما)([545]).

لذا تفضل الله عز وجل وجعل مدة الطلاق الرجعي ثلاثة قروء ، قال تعالى [وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]([546]).

فهي في مدة العدة بحكم الزوجة ، ويحق للزوج الرجوع فيها في مدة ثلاثة أطهار من غير عقد جديد أو مهر جديد ، فيكفي أن يقول رجعت بزوجتي فلانة ، كما يستحب لها أن تتزين لزوجها مدة العدة ترغيباً له بالعودة إليها .

صبر النبي (ص) عند الدخول

لقد خطب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أم سلمة وهي هند بنت أبي أمية وتكنى بابنها سلمة بن عبد الله بن عبد الأسد المخزومي .

وعبد الله هذا ابن عمة النبي محمد بَرَّة بنت عبد المطلب ، وهو أخو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الرضاعة ، ارضعتهما وحمزة بن عبد المطلب ثويبة مولاة أبي لهب .

هاجرت أم سلمة مع زوجها إلى الحبشة الذي جرح فيما بعد في معركة أحد وتشافى من جرحه ، ثم ثار عليه فتوفى .

ولما اتمت أم سلمة العدة أربعة أشهر وعشرة أيام خطبها أبو بكر ، وخطبها عمر ، فلم ترض ، فخطبها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

فقالت : مرحبا برسول الله إن في خلالي ثلاثا أخافهن على رسول الله  إني امرأة شديدة الغيرة وإني امرأة مصبية يعني: لها صبيان ، وفي رواية: إني ذات عيال ، وإني امرأة ليس ها هنا أحد من أوليائي شاهد يزوجني.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أما ما ذكرت أنك غيرى فسأدعو الله عز وجل يذهب غيرتك وأما ما ذكرت أنك مصبية فإن الله سيكفيك صبيانك).

وفي رواية : وأما العيال فإلى الله ورسوله وأما أنه ليس ههنا أحد من أوليائك يزوجك فإنه ليس أحد شاهد ولا غائب من أوليائك يكرهني.

فلم يفرض النبي محمد عليها الزواج ، وكان يتقرب إليها بلطف ، ويعرض عليها نفسه مع الوعد باعالة الأيتام خاصة .

وقيل (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض أسفاره ومعه في ذلك السفر صفية بنت حيي وأم سلمة، فأقبل رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، إلى هودج صفية بنت حيي وهو يظن أنه هودج أم سلمة.

وكان ذلك اليوم يوم أم سلمة، فجعل رسول الله يتحدث مع صفية فغارت أم سلمة، وعلم رسول الله بعد أنها صفية فجاء إلى أم سلمة.

فقالت: تتحدث مع ابنة اليهودي في يومي وأنت رسول الله.

قالت ثم ندمت على تلك المقالة، فكانت تستغفر منها، قالت: يا رسول الله استغفر لي فإنما حملني على هذا الغيرة)([547]).

ولما أراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الدخول بأم سلمة وجدها ترضع ابنتها زينب ، فانصرف عنها .

ثم أتاها الثانية ، فلما رأته مقبلاً قامت بجعل الصبية في حجرها تتظاهر بالإنشغال من غير أن ترضعها ، فسلم عليها النبي ثم رجع ، وكذا فعلت في المرة الثالثة ، والنبي يرجع .

فمن خصاله صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان حيياً كريماً .

ففطن عمار بن ياسر لذلك وقيل كان أخاها لامها ولم يثبت .

وأخذ عمار الرضيعة زينب ليسترضعها في بيته ، وعندما حضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم سأل أم سلمة عنها .

ثم قال : إني أتيكم الليلة .

ولم يكن زواج النبي محمد من أم سلمة للتمتع المباح والمستحب إنما كان لإكرام إرملة وأيتام الشهيد في سبيل الله وجهادها وهجرتها وفضلها ، ووفور عقلها ومواساة لها ، لتفوز باسمى مراتب الأمومة بقوله تعالى[النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ…]([548]).

وفيه دعوة لأجيال المسلمين للإقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإكرام الإرملة والعناية بالأيتام وهو من وجوه تشريع جواز النكاح من أربعة .

نعم هذا الإكرام أعم من أن ينحصر بالزواج ، فيشمل الإعانة وتوفير الطعام والسكن .

وفي صلح الحديبية أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بأن ينحروا ويحلقوا ، فما قام أحد ثم عاد بمثلها فلم يقم أحد ، لأنهم كانوا يرجون دخول مكة وأداء العمرة .

فدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أم سلمة وقال : ما شأن الناس .

فقالت : أخرج واعمد إلى هديك حيث كان وأنحره واحلق ، فلو قد فعلت ذلك فعل الناس مثله .

فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يكلم أحداً حتى أتى هديه فنحره ، ثم جلس فحلق ، فصار الناس ينحرون ويحلقون ، لبيان جواز أخذ مشورة المرأة وإن كان فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الوحي ، حتى إذا كان في طريق العودة إلى المدينة نزلت سورة الفتح وأولها [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا]([549]).

لتنقطع عبادة الأصنام ونصبها في البيت الحرام وإلى يوم القيامة .

قوله تعالى [فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا]

كما خفتم التفريط والتعدي وعدم العدل والإنصاف بخصوص اليتامى وأموالهم ، فكذلك فليخاف الذي عنده أكثر من زوجة من التعدي أو التفريط ، وعدم العدل بين زوجاته سواء كن اثنتين أو ثلاث أو أربع، فليكتف بزوجة واحدة .

 فقد يظن الإنسان أن حقه في الزواج من أربع ينصرف معهن كيف يشاء ، يقرب بعضهن ويهجر في الفراش بعضهن ، وينفق على إحداهن لجمالها ونسبها وغيره ، ويقتر على غيرها .

وقانون العدل بين النساء من إعجاز القرآن بإكرامهن وحفظ حقوقهن ، لتقول الآية للمسلم إما أن تعدل وأما أن تكتفي بواحدة أو ما ملكت يمينك .

ترى لماذا نزلت الآية بلفظ الفاء [فَإِنْ خِفْتُمْ] الجواب لإرادة التدبر والتفكر والنظر إلى الحال قبل الزواج من زوجة ثانية هل يمكن العدل والقسط بينهما أم لا .

فجاءت الفاء لتهيئة مقدمات الزواج وإجتناب تعدد الزوجات مع إدراك العجز عن العدل بينهن وتوفير نفقتهن .

ليكون من إعجاز آية البحث بعث المسلمين لإستقرار الحياة الأسرية ، ومنع الكدورة اليومية داخل الأسرة .

ومع قلة عدد مرات ورود (ان خفتم) في القرآن وهي سبع مرات ، فلم يرد هذا اللفظ مرتين في آية قرآنية إلا في آية البحث وبخصوص أمرين :

الأول : اجتناب ظلم اليتامى .

الثاني : الحذر من تعدد الزوجات مع عدم ضمان تحقق مقدماته واستدامة العدل بين الزوجات وإعالتهن .

ومن إعجاز آية البحث الربط والتداخل بين إنصاف اليتامى وبين الإحتراز من تعدد الزوجات من جهات :

الأولى : الخشية من الإستحواذ على أموال اليتامى .

الثانية : لزوم عدم إلحاق الولي الظلم باليتيمة التي في حجره ، وهذا الظلم من وجوه :

الأول : زواج الولي من اليتيمة طمعاً بمالها ، أو لقلة صداقها .

الثاني : تزويج الولي اليتيمة لغير الكفئ ، أو من غير رضاها لقانون لزوم رضا المرأة بالخاطب .

الثالث : غبن اليتيمة بعد أن تكون زوجة فيلحقها الغبن والظلم فلا يتحقق العدل بينها وبين غيرها من الزوجات .

الثالثة : قانون العدالة الأسرية .

فصحيح أن حال اليتم ينقطع عند البلوغ ، ولكن آثاره قد تستمر باستضعاف اليتيم واليتيمة ، فلا أحد يسأل لها حقوقها فنزلت آية البحث دعوة سماوية في حفظ حقوق اليتامى قبل وبعد البلوغ .

ومن معاني (فان خفتم) تأديب المسلمين لاجتناب الشبهات وما يحتمل معه الأذى والعذر للنفس أو الغير .

ومن خصائص القرآن هداية الناس للمخرج من الشبهات وأسباب الفتن والإثم والعدوان ، وفي التنزيل [وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ]([550]).

أي ليعمل الإنسان بما فيه الخير والصلاح في الدنيا ، ولتكون الجنة مثواه.

و(عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما من يوم طلعت شمسه إلا وكل بجنبتيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين :

يا أيها الناس هلموا إلى ربكم إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى ، ولا آبت شمسه إلا وكل بجنبتيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلق الله كلهم غير الثقلين :

اللهم أعط منفقاً خلفاً ، وأعط ممسكاً تلفاً .

فأنزل الله في ذلك كله قرآناً في قول الملكين : يا أيها الناس هلموا إلى ربكم [وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ]([551]) وأنزل في قولهما : اللهم أعط منفقاً خلفاً ، وأعط ممسكاً تلفاً [وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى]([552]))([553]).

تعدد جهة الخطاب في الآية

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (حق المرأة على زوجها أن يسد جوعتها وأن يستر عورتها ولا يقبح لها وجهاً ، فإذا فعل ذلك فقد والله أدى حقها)([554]).

ويكون تقدير الآية بخصوص جهة المخاطَب على وجوه :

الأول : يا أيها الناس فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة .

الثاني : يا أيها الذين آمنوا فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة .

الثالث : يا أيها الناس إن خفتم ألا يعدل الرجل فزوجة واحدة ، أي يأمره بالإكتفاء بنكاح واحدة .

الرابع : يا أيها الإنسان إن خفت ألا تعدل فواحدة .

وهل يصح توجه الخطاب إلى المرأة بأن إذا خافت من الرجل ألا ينصفها ولا يعدل بينها وبين غيرها من الزوجات أن لا ترضى بالزواج منه ، الجواب نعم .

لبيان أمور :

الأول : آية البحث إرتقاء في المعارف الإلهية .

الثاني : تبعث آية البحث على التفقه في الدين ومعرفة الأحكام التكليفية في باب النكاح ومعاملة اليتامى بالواجب والمستحب والمباح واجتناب المكروه والمحرم .

الثالث : صيرورة الإحسان هو الصبغة العامة في الحياة الأسرية ، والصلات بين الناس .

الرابع : بيان موضوعية النكاح وشرائطه ، والأصل فيه الإستحباب ، وقد يكون حراماً ومكروهاً طمعاً بمالها وجمالها ، أو عدم العدالة بينها وبين غيرها من الزوجات.

قوله تعالى [فَوَاحِدَةً]

مع الخشية من تعذر العدل بين الزوجتين أو الثلاثة أو الأربعة ، يكتفي المسلم وغير المسلم بزوجة واحدة ، وفيه ترغيب بالإقتصار على زوجة واحدة لوجوه :

الأول : لا يعلم الإنسان ماذا يحدث له في المستقبل ، فحتى الذي يستطيع أن يقوم بتوفير ما تحتاجه أزواجه والأولاد الذين يأتون منهن فلا يدري ما تضمر له تقلبات الزمان ، وفي التنزيل [وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ]([555]).

الثاني : الإكتفاء بزوجة واحدة نجاة من الظلم .

الثالث : السلامة من الأثام ، ومن شدة الحساب يوم القيامة .

وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للإمام علي : يا علي نجى المخفون ([556]).

والمخفون جمع مخف وهو الذي يخفف في نفقته ، ويقتصد في أموره وإن كانت من الحلال ، لأن في حلالها حساب وفي حرامها عقاب .

وهل الإكتفاء بزوجة واحدة من التخفيف ، الجواب نعم ، فالإكتفاء بزوجة واحدة اقتصاد في النفقة وسكينة ، وغلق لباب الكراهية والبغضاء بين الضرات ، وهموم كثرة العيال ، ونجاة من امتحان العدالة بين الزوجات ، قال تعالى [وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ]([557]).

وقد يسر الله عز وجل للمسلمين الإماء والجواري ، وقد يعير بعضهم الذي يكتفي بجاريته ولا يتزوج ، فجاءت هذه الآية للترغيب بالإماء ،ومنع الحرج في الإكتفاء بهن .

وقد انقطع الرق والعبيد والإماء ، إذ نال كل مسلم ومسلمة الحرية ، وكذا غير المسلم الذي في بلاد المسلمين ،فليس من جواري  ، مما يدل على بقاء استحباب الزوجة الواحدة منذ زمن بعيد قبل أن ينقطع في العصر الحديث بقوانين وضعية ، وفي الثناء على المؤمنين قال تعالى [قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ *وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ]([558]).

قوله تعالى [أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ]  

تقسم الأيمان إلى قسمين :

الأول : جمع يمين وهو الحلف ، قال تعالى [وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ]([559]) و[وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ]([560]).

وفي ذم المنافقين قال تعالى [اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]([561]).

الثاني : الأيمان : جمع يمين وهي اليد الجارحة .

 والمقصود في آية البحث الثاني أعلاه  بدلالة قرينة الملكية في قوله تعالى [أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ] .

لبيان فضل الله عز وجل على المسلمين من جهات :

الأولى : الذي لا يستطيع المهر والنكاح يكتفي بملك اليمين ، مع لزوم الإحسان لها ، وتوفير حاجاتها ، وإن انجبت ولداً فيلحق بأبيه ، وهو ولد شرعي .

الثانية : وجوب حفظ المسلم لفرجه .

الثالثة : الدعوة السماوية لتخفيف المهر وشرائط الزواج .

الرابعة : العصمة من الزنا سواء بالزواج من واحدة ، أو الإكتفاء بملك اليمين ، فيجوز لمالك الأمة وطأها من دون مهر ولا عقد ، ولا شهود ، ولا ولي ، إذا لم يوجد مانع شرعي ينشر الحرمة مثل الرضاعة والنسب .

الخامسة : قد يخاف الإنسان أن يعدل مع الزوجة الواحدة فحيئنذ يكتفي بالأمة .

واسند الملك لليد اليمين لتمكنها ولبيان أنه أصاب الأمة بالقوة والعمل .

والأصل في الناس الحرية ، والرق أمر عرضي وهو سالبة بانتفاء الموضوع في هذا الزمان.

فلا يجوز أن تهب امرأة نفسها لرجل على أنها ملك يمين ، نعم لها أن تتنازل عن بعض حقوقها في المهر والسكن والنفقة .

إنقطاع ملك اليمين

ملك اليمين هو الإرقاء والمملوكات سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً ، وسبب هذه الملكية هي محاربة النبوة والتنزيل ، وحدوث النصر للمسلمين ، فيقع الرجال والنساء في السبي.

وقد انقرض ملك اليمين في الإسلام ، وهو من المعجزات الغيرية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعمومات الرحمة في رسالته ، وسبب هذا الإنقراض وجوه :

الأول : توقف الحروب والقتال .

الثاني : آيات القرآن التي تحث على عتق العبيد .

الثالث : قانون ترغيب السنة النبوية بالعتق .

وعن الإمام علي عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (من أعتق نسمة مسلمة أو مؤمنة وقى الله بكل عضو منها عضواً منه من النار)([562]).

الرابع : جعل العتق كفارة للذنب ، وقد ورد قوله تعالى [َتحْرِيرُ رَقَبَةٍ] خمس مرات في القرآن .

ثلاثة منها في آية واحدة تتعلق بكفارة القتل ، وهو قوله تعالى [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا]([563]) .

الخامس : الأجر والثواب العظيم على عتق ملك اليمين ، وصيرورته حراً ، والأصل في الناس أنهم أحرار .

ورد بالإسناد عن (عمرو بن مالك القشيري . سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : من أعتق رقبة مسلمة فهي فداؤه من النار مكان كل عظم محررة بعظم من عظامه .

ومن أدرك أحد والديه ثم لم يغفر له فأبعده الله ، ومن ضم يتيماً من أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله وجبت له الجنة)([564]).

و(عن الصادق، عن أبيه عليه السلام أن عليا عليه السلام أعتق عبدا نصرانيا ثم قال: ميراثه بين المسلمين عامة إن لم يكن له ولي)([565]) .

والأصل في الناس الحرية ، وهو من مصاديق صيغة ومعنى العموم في قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]([566]).

قوله تعالى [ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا]

معنى أدنى أي أقرب ألا تظلموا غيركم ، وتميلوا ويكثر عيالكم .

ومعنى [أَلَّا تَعُولُوا] على وجوه :

الأول : أي لا تجوروا وتظلموا النساء ، والعول هو الميل عن العدل إلى الظلم .

الثاني : أي ألا تفقروا بسبب كثرة العيال ووطأة النفقة ، ومنه قوله تعالى [وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى]([567]) أي فقيراً محتاجاً فأغناك وكفاك ، وقوله تعالى [وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ]([568]).

حينئذ يكتفي بالزوجة الواحدة أو ملك اليمين .

ومن منافع الإقتصار على ملك اليمين مسائل :

الأولى : إنعدام المهر.

الثانية : رضا الأمة بالقليل .

الثالثة : قيام الأمة بالخدمة في البيت وتولي أعماله .

الرابعة : من معاني قوله تعالى [ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا] أي أن الجارية أقل ، فالزواج من زوجة واحدة أقل نفقة ومؤونة من الزواج من اثنتين ، والاثنتين أقل من نكاح الثلاثة أو الأربعة .

الخامسة : تستطيع الأمة الكسب والعمل عند سيدها أو غيره .

السادسة : إذا عجز المسلم عن الإنفاق على الأمة جاز له بيعها والإنتفاع من ثمنها ، ومنه الزواج من واحدة حرة  .

السابعة : يجوز العزل في السراري الإماء من غير رضاهن ، وقد ذكرت في الجزء الخامس من رسالتي العملية (الحجة):

 ((مسألة 114)العزل : هو افراغ المني خارج الفرج سواء باخراج الآلة حين الانزال او بصورة اخرى، فيه صور:

الأولى : يجوز مع اذن الزوجــة بالعزل أو مع اشتراط ذلك عليها بالعقد ولكنه مكروه .

الثانية : العزل من غير اذنها فالاقوى الجواز على كراهة ونسب الى المشهور، وتشتد تلك الكراهة في العجوز والعقيمة والسليطة والبذيئة والتي لا ترضع ولدها .

الثالثة : ومنهم من ذهب الى حرمته وادعى عليه الاجماع.

  الرابعة: يجوز العزل مع الضرورة وخشية الضرر على الزوج أو الزوجة.

الخامسة : يجوز العزل عن المتمتع بها من غير اذنها.

ومذهب الجمهور الحنفية والمالكية والحنابلة ليس للرجل أن يعزل عن زوجته إلا بإذنها لحق الزوجة في طلب الولد وتمام اللذة .

(مسألة 115) الاقوى وفاقاً للمشهور جواز وطء الزوجة دبراً على كراهة مع اذنها ورضاها، ومع عدم اذنها ورضاها فالاقوى الترك وعدم الجواز.

(مسألة 116) الاذن مرة واحدة من الزوجة لا يعني الاطلاق بل هو حق متجدد لها في كل مرة على الاقوى.

(مسألة 117) لو لم تمكن الزوجة زوجها من الدبر فلا يتحقق النشوز وليس له معاقبتها فقد تتنزه عنه الزوجة او تتأذى منه جسدياً ونفسياً، وقد ذهب جماعة من الفقهاء الى حرمته.) ([569]).

الثالث : أي لا يكثر عيالكم ، ويزداد عدد من تعولون ، لبيان أن إباحة أربع نساء أعم من العمل به للتخفيف عن المسلم وعن النساء أيضاً كيلا ينشغلوا عن الذكر وعبادة الله تعالى .

ثم ذكرت الآية مسألة وهي الإكتفاء بملك اليمين من السراري والجواري ، وعدم الزواج من حرة بمهر وعقد ونفقة واجبة وقسمة في الفراش ، فلا تتزوجوا ما لا تقدرون عليه .

في بيان السعة في الدين ، وإكرام المرأة بالنهي عن الزواج منها إذ تعذرت النفقة في المأكل والملبس والمسكن .

وجاءت الآية بقانون حذف المتعلق يدل على العموم إذ حذف معمول الفعل ليكون أجمع للمعاني والمصاديق .

من مفاهيم [أَلَّا تَعُولُوا]

قد يترشح عن الزواج من ثانية ظلم وجور على الزوجة الأولى ، وعلى أولادها سواء في النفقة أو الرعاية أو العناية ، وقد بتشتت الأسرة خاصة مع وطأة مهر الزوجة الجديدة وشروطها وحقوقها .

وقد ورد (عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الآية (ألا تجوروا ، وفي حديث آخر ألا تميلوا )([570]).

ليكون من معناه وجوه :

الأول : ألا تجوروا على الزوجة الأولى .

الثاني : ألا تعولوا على الزوجة الثانية .

الثالث : إلا تميلوا على أولاد الزوجة الأولى .

الرابع : ألا تجوروا في قادم الأيام خاص عندما تشتد وطأة النفقات .

فقد يحترز الإنسان ويعزف عن الزواج من ثانية لأسباب تتعلق بالمستقبل ، وكثرة العيال ، وهل منها تقدمه في العمر ، وعجزه عن إتيان زوجاته بالمناسب ، الجواب نعم.

الخامس : ألا تظلموا أنفسكم ، وقد قال تعالى [لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا…]([571]) وتقدير الآية : ألا تعولوا على أنفسكم وألا يعول الزوج على نفسه .

الأصل الحرية

الأصل في الناس منذ أيام آدم عليه السلام الحرية وأن كل إنسان يولد حر ذكراً أو أنثى ، ولكن الرق يأتي بسبب عارض مثل الإصرار على محاربة الإسلام ، لضمان عدم إعتدائه مرة أخرى على الإسلام .

لذا قد انقطع ملك اليمين في هذا الزمان فليس من عبيد أو ارقاء .

فيأتي الرق بسبب عارض وطارئ ، وقد يكون عن ظلم وقهر ، كما في استعباد سلمان المحمدي قبل الإسلام .

وحرية الإنسان من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]([572]) والحرية تشمل اللقيط ، وابن الزنا ، ومجهول الحال ، ولم يأمر الفقهاء بالرق إنما نظموا قواعده ، وقد رغّب القرآن والسنة بالعتق وإزالة الرقيق .

وجاءت القوانين الوضعية ودولة المواطنة لتؤكد حرية الإنسان و(قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ” ما زال جبرئيل عليه السلام يوصيني بالسواك حتى خشيت أن احفى أو ادرد، وما زال يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه، وما زال يوصيني بالمملوك حتى ظننت أنه سيضرب له أجلا يعتق فيه)([573]).

وجاءت الشريعة بقانون ضمان حقوق القاصرين ، وقانون رعاية القاصرين مطلقاً ممن لم يبلغوا سن الرشد سواء كانوا يتامى أو مع وجود آبائهم .

القسمة بين الزوجات

قد تقدم أنه لا يصح الزواج من زوجة ثانية إلا بعد التأكد من القدرة على إعالة الزوجتين والإنفاق عليهما ، والعدل بينهما ، وكذا في الزوجة الثالثة والرابعة ، ولا يجوز الإنتقال إلى الزواج من ثالثة أو رابعة من رأس.

(لكل من الزوجين حق على صاحبه يجب عليه القيام به وهو باب يدل على دقة تنظيم العلاقة الأسرية وفق الموازين الشرعية وحق الزوج على الزوجة اعظم من حقها عليه.

(مسألة 410) من حقه عليها ان تطيعه في مرضاة الخالق , وان لا تخرج من بيتها الا باذنه في الجملة مع لحاظ الضرورات وبر الوالدين والعرف والعادات الإجتماعية في هذا الزمان ، ولا يشترط اذن الزوج في مالها من صدقة وتدبير ونذر وهبة , ولا يجوز له التصرف في مالها من غير رضاها.

(مسألة 411) لا يجوز للمرأة ان تبيت ليلتها وزوجها عليها ساخط في حقه.

(مسألة 412) من حق الزوجة على زوجها ان يحسن عشرتها وان يشبعها ويكسوها وان يغفر لها اذا جهلت وان لا يقبح لها وجهاً.

(مسألة 413) يجب على الزوج النفقة عليها ويجب عليها التمكين من الإستمتاع الا اذا كان هناك مانع عقلي او شرعي، و عليها اجتناب ما يسبب نفرة الزوج.

(مسألة 414) لا يجوز للزوجة عدم تمكين الزوج من نفسها وان رأت من زوجها مساوئ الأخلاق والسيرة فحينئذ تؤثم وتسقط نفقتها ، لأن النفقة تدور مدار التمكين.

(مسألة 415) لا يجب على الذي عنده زوجة واحدة ان يبيت عندها كل ليلة او ان يضاجعها في كل ليلة، وله حق المبيت عندها ليلة من كل أربع ليالي ، نعم لابد من إنصافها بالمواقعة .

(مسألة 416) ليس للزوجة ان تمنع زوجها من الزواج من غيرها، ولها ان تسأله العدل والرفق والإنصاف في الإنفاق والوطئ والقسمة وان تمنعه من الجور عليها.

ومن الإعجاز في آية البحث دفاعها عن الزوجة الواحدة ، والزجر عن الزواج من ثانية ، مع إحتمال تعرضها أو الزوجة الثانية للغبن والإجحاف.

(مسألة 417) من كانت عنده امرأتان يجوز ان يأتي إحداهما ثلاثة ليالي والأخرى ليلة واحدة ويجوز ان تهب له إحداهما ليلتها لمدة يوم او اسبوع او شهر او أكثر وله ان يشتري ذلك منها.

(مسألة 418) من كانت عنده اربعة نسوة وبات عند إحداهن فعليه ان يطوف عليهن في اربع ليالي لكل منهن ليلة ولا يفضل بعضهن على بعض واذا كانت عنده ثلاث فاذا بات عند إحداهن يجب ان يبيت عند الأخريين.

واذا كان عنده زوجتان وبات عند إحداهما بات في ليلة اخرى عند الثانية من بين اربع ليالي .

ويختص وجوب المبيت والمضاجعة بالزواج الدائم ، وفي كل ليلة كان للمرأة حق المبيت يجوز لها ان ترفع اليد عنه وتهبه للزوج ليصرف ليله فيما يشاء وان تهبه لضرتها فيكون الحق حينئذ للضرة ويجوز ان تشتريها منها.

(مسألة 419) تختص البكر اول عرسها بسبع ليال والثيب بثلاث فلا قسمة خلالهن لغير العروس ، وقد تقدم الكلام بخصوص زواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أم سلمة .

(مسألة 420) لو جار في القسمة قضى لمن اخل بليلتها ان لم تنقطع عصمة الزوجية منها.

(مسألة 421) يختص وجوب القسمة بالليل دون النهار الا اذا كان عمله في الليل كالحارس مثلاً فيقسم نهاراً.

(مسألة 422) لو سافر الرجل وزوجاته معه ، فالقسم ثابت مع الإمكان، وان سافر بدونهن سقط القسم ان كان السفر راجحاً شرعاً او عقلاً، والا فلابـد من إسترضاء زوجاته، ويجوز له ان يختار إحداهن للسفر معه.

(مسألة 423) لو كان في إحداهن بعض الأمراض المعدية تسقط القسمة، ولا تسقط لو كانت المرأة نفساء او حائضا،ً وكذا لو كانت رتقاء أو قرناء او نحوها.

(مسألة 424) تستحب التسوية بين الزوجات في الإنفاق والإكرام واطلاق الوجه والمواقعة وان يكون في صبيحة كل ليلة عند صاحبتها وان يأذن لها حضور موت ابيها وامها وما هو متعارف في صلة الأرحام من غير إسراف)([574]).

وهل يحق للزوجة الثانية عند خطبتها أن تسأل عن أحوال الخاطب ، وهل يقدر على إعالتها ، وأن تشترط أن يعدل بين الزوجتين ، الجواب نعم ، وهو من معاني ودلالات آية البحث  ، وكذا في الثالثة والرابعة ، وذات الأمر يصح للأولى والعلم عند الله .   

حرمة هبة المرأة نفسها للرجل

هل يجوز للمرأة أن تهب نفسها لرجل كأنها ملك يمينه ، الجواب لا ، وهو من تحليل ما حرم الله عز وجل ، وهو من الذنوب الكبيرة ، لأن حرية الإنسان من حقوق الله عز وجل فلا يجوز التعدي عليها ، ولأن ملك اليمين لا يتحقق إلا بشروط هي مفقودة في هذا الزمان ، وهي محاربة الإسلام كإسلام من منازل الكفر ، فلو تحاربت دولة إسلامية مع دولة أخرى من أهل الأرض فليس من رق وسبايا لصبغة القوانين الوضعية وصفة الدولة المدنية في الطرفين أو في إحداهما .

 إنما ينطبق عليه الأسر كما في قوله تعالى [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا]([575]).

والإجماع على حرمة هبة المرأة نفسها للرجل ، وهو ليس الرق، إنما الزواج من غير مهر للتسليم بحرمة استعباد الحر أو الحرة أي من غير مهر .

إنما ورد الخصوص للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله [وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ]([576]).

نعم للمرأة أن تتنازل عن بعض حقوقها الشخصية بخصوص مقدار المهر أو السكن والنفقة ، ولكن ليس لها أن تهب نفسها للزواج ولا أن تكون ملك يمين له .

النكاح لغة وإصطلاحاً

النكاح : لغة الضم والجمع ، ويقال تناكحت الأشجار أي تداخلت أغصانها وأنضم  بعضها إلى بعض ، ونكح المطر الأرض : إذا اختلط ماء المطر في ثرى الأرض .

وسمي الزواج نكاحاً لما فيه من ضم أحد الزوجين إلى الآخر ويطلق تارة على أصل عقد الزواج ، وأخرى على الوطئ ودخول الزوج بزوجته ، فالنكاح في الإصطلاح هو عقد يحل به استمتاع الرجل بامرأة خلية لا يمنع من نكاحها مانع شرعي بخصوص النسب أو السبب كالمصاهرة والرضاع .

قال تعالى [حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا]([577]).

(بحث بلاغي) تلوين الخطاب

من إعجاز القرآن جزالة اللفظ ، وبديع النظم ، وتعدد المسائل والقوانين المستنبطة من سياق الآيات ، وتفسير آية قرآنية بآيات قرآنية أخرى ، وتأكيد آيات القرآن بعضها لبعض ، والإطناب والإيجاز .

ومنها تلوين الخطاب ، وهو من وجوه :

الأول : تبدل الخطاب في الضمائر .

الثاني : تعدد دلالة معنى اللفظ القرآني .

الثالث : تبدل البنية اللغوية في الآية القرآنية بلحاظ سياق الآية ، وإن اتحد الموضوع .

الرابع : تلون الخطاب في كل من :

الأول: الموضوع المتحد .

الثاني : الحكم الفقهي والتشريعي .

الثالث : قصص القرآن، وهو من مصاديق قوله تعالى [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ]([578]) .

الرابع : مكارم الأخلاق والسياسة العامة في القرآن.

الخامس : صيغ الإحتجاج على أهل الكتاب والكفار ، والنسبة بين تلوين الخطاب والإلتفات عموم وخصوص مطلق ، فهذا التلوين أعم وأوسع.

ومصطلح (تلوين الخطاب) بحث مستحدث لم يذكره علماء البلاغة المتقدمون كعلم مستقل من علوم بلاغة القرآن إنما أدخل في مصطلحات وعناوين بلاغية أخرى .

ومن تلوين الخطاب تبديل جهة الخطاب ، والتأويل وخلاف مقتضى الأصل اللغوي .

ويتداخل تلوين الخطاب مع غيره من ضروب التعبير ، المتكلم، المخاطب ، الغائب كما في الإلتفات أن الغيبة إلى الكلام في قوله تعالى [مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ]([579]) .

وكما في الإنتقال من المتكلم عن الذات إلى التوجه إلى المخاطب ، ومنه قوله تعالى [وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ]([580]) .

ومن تلوين موضوع الخطاب في آية البحث ابتداؤها بالحديث عن اليتامى وأموالهم وخشية التعدي عليهم من قريب أو بعيد إلى الأمر العام بجواز نكاح الرجل لأربع نساء ، مع الإكتفاء بواحدة للحيطة ورجحان احتمال عدم تحقق العدالة بين الزوجات .

نزول القرآن منجماً

لقد نزلت الكتب السماوية على الأنبياء السابقين دفعة واحدة في الجملة ، ونزل القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مفرقاً وعليه الكتاب والسنة والإجماع في مدة ثلاث وعشرين سنة ، قال تعالى [وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا]([581]) فتنزل الآية أو الآيات أو السورة كاملة بحسب الوقائع والأحداث أو ابتداء من فضل الله عز وجل .

وقد أراد المشركون نزول القرآن دفعة واحدة ليطلعوا على أسراره وليطمئنوا أنه لا يذمهم ، ولا يوثق ما يقدمون عليه من التعدي على النبي وأهل البيت والصحابة بل وعلى ذات القرآن.

وقالوا هلا نزل القرآن جملة واحدة ، كما نزلت التوراة على موسى ، فأخبر القرآن أجيال المسلمين عن قولهم هذا ومقاصدهم الخبيثة إذ قال [وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا* وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا]([582]).

لبيان صحة الدعوة بنزول التوراة جملة وأحكام ، ولم يتعرضوا للإنجيل وكيفية نزوله لبيان موضوعية نزول التوراة ومعرفة العرب بها .

وأول سورة نزلت من القرآن هي سورة [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]([583]) وبعد فترة الوحي نزلت سورة المدثر .

إذ ورد عن (جابر بن عبد الله : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ثم فتر الوحي عني فترة، فبينا أنا أمشي سمعتُ صوتًا من السماء، فرفعت بصري قِبَل السماء، فإذا الملك الذي جاءني قاعد على كرسي بين السماء والأرض .

فَجُثت  منه فَرَقًا، حتى هَوَيت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت لهم: زملوني زملوني . فزملوني .

فأنزل الله [يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ]([584]) ثم حمي الوحي بعدُ وتتابع)([585]).

وليس من كيفية معينة لنزول الوحي على البنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من إعجاز التنزيل، وفضل الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

وعن هشام بن سالم قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول (هو ذا جبرئيل ، وقال لي جبرئيل .

وإذا أتاه الوحي تصيبه تلك السبتة ويغشاه منه ما يغشاه لثقل الوحي عليه من الله عز وجل.

وعن عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن علي (عليه السلام) قال : كان القرآن ينسخ بعضه بعضا، وإنما كان يؤخذ من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بآخره ، فكان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة نسخت ما قبلها ولم ينسخها شئ.

فلقد نزلت عليه وهو على بغلته الشهباء وثقل عليها الوحي حتى وقف وتدلى بطنها حتى رئيت سرتها تكاد تمس الارض.

واغمي على رسول الله صلى الله عليه وآله حتى وضع يده على ذؤابة  ابن وهب الجمحي)([586]).

لقد أكرم الله عز وجل القرآن بأن كتبه في اللوح المحفوظ ،وأن يتلقاه جبرئيل من الله ، وأخبر الله عز وجل بأن القرآن كلامه ، وفيه دعوة للمسلمين لحفظه وصيانته ، وتعاهد العمل به ، قال تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ]([587]).

الإعجاز في نزول القرآن متتابعاً

من أسرار وتجليات نزول القرآن نجوماً وعلى نحو التتابع أمور :

الأول : توثيق الوقائع والأحداث في أيام النبوة .

الثاني : تأسيس القوانين التي تحكم حياة وعمل المسلمين .

الثالث : بيان سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القولية والفعلية ، وموضوعية الوحي فيها بقوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى]([588]).

الرابع : قانون توجيه وتأديب المسلمين للعمل المناسب في كل واقعة .

الخامس : شواهد الإحتجاج والبرهان .

السادس : إيجاد وجوه الصلة والإتصال بين أيام النبوة وكل جيل من أجيال المسلمين .

السابع : قانون منع الإختلاف والخصومة بين المسلمين .

الثامن : الدلائل والبراهين والحجج على نزول القرآن من عند الله عز وجل .

التاسع : تأكيد قانون (لم يغز النبي (ص) أحداً) وقد صدرت ثلاثون جزءً من هذا السِفر بخصوص هذا القانون ، وهذه الأجزاء هي :

(164-165-166-168-169-

170-171-172-174-176-

177-178-180-181-182-

183-187–193–194-196–

204-212-216-221-229-

239-256-261-266-271).

العاشر : بيان الناسخ والمنسوخ في القرآن ، وفق حوادث كل منهما وتأخر الناسخ عن المنسوخ ، قال تعالى [مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]([589]).

الحادي عشر : تثبيت سلامة القرآن من التحريف والزيادة والنقصان .

الثاني عشر : تفقه المسلمين في الدين وارتقاؤهم في المعارف الإلهية .

الثالث عشر : من خصائص النبوة الخاتمة نزول القرآن نجوماً .

الرابع عشر : التخفيف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان إذا نزلت عليه الآية القرآنية الواحدة يتصبب عرقاً في اليوم شديد البرودة.

عصمة القرآن من الزيادة والنقصان

إجماع المسلمين على عدم وجود زيادة في القرآن ، فما بين الدفتين كله القرآن ، ولا عبرة بالقليل النادر من الأخبار ضعيفة السند التي تقول بالنقص في القرآن .

وهل سلامة القرآن من التحريف من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ]([590])، الجواب نعم ، ومنه تلاوة كل مسلم ومسلمة نزول آيات وسور القرآن في الصلاة اليومية .

لقد نقل القرآن من قبل أهل البيت والصحابة بالتواتر القطعي ، فحالما تنزل الآية القرآنية يتلوها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويكتبها كتاب الوحي ، ثم يقرأها النبي في الصلاة .

ويمتاز العرب بقوة الحفظ .

وقال تعالى [لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ]([591]).

وهل الزيادة أو النقيصة من القرآن من الباطل المنفي عنه ، الجواب نعم.

وقد جمع القرآن في أيام أبي بكر في المصحف .

و(عن ابن شهاب قال: لما جمعوا القرآن فكتبوه في الورق، قال أبو بكر: التمسوا له اسماً، فقال بعضهم: السفر، وقال بعضهم: المصحف، فإن الحبشة يسمونه المصحف، وكان أبو بكر أول من جمع كتاب الله وسماه المصحف)([592]).

كما جمعه الإمام علي عليه السلام ، وجمعه عثمان بن عفان .

لقد قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (صلوا كما رأيتموني أصلي)([593]).

وهل الصلاة اليومية من أسباب عصمة القرآن من التحريف والزيادة والنقصان ، الجواب نعم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ]([594]).

لذا فان اليتامى وأموالهم وأحكام النكاح في القرآن من مصاديق سلامته من التحريف ، ومن الإعجاز في المقام قانون تلقي المسلمين في كل جيل وإلى يوم القيامة الأحكام التكليفية الواردة في القرآن بالقبول والإمتثال .

قهر النفس الشهوية

من إعجاز القرآن وجوه :

الأول : كسر القرآن للنفس الشهوية والغضبية .

الثاني : قهر القرآن للكيد والطمع .

الثالث : قانون منع القرآن من الكسل .

الرابع : قانون طرد القرآن للخمول .

الخامس : قانون محاربة القرآن للأخلاق المذمومة كالغيبة والنميمة ، قال تعالى [وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ]([595]).

السادس : قانون زجر القرآن عن اتباع ما يخالف أحكام الشريعة ، ومدركات العقل.

وكل وجه من هذه الوجوه يستلزم العزم والنية الصالحة في طاعة الله ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإمام والأسوة في الأخلاق الحميدة ، وقد اثنى الله عليه بقوله تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ]([596]) .

و(عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه واله أشجع الناس، وأحسن الناس ، وأجود الناس ، فزع أهل المدينة ليلة فانطلق الناس قبل الصوت، قال: فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه واله وقد سبقهم وهو يقول: لن تراعوا، وهو على فرس لابي طلحة وفي عنقه السيف .

فجعل يقول للناس : لم تراعوا ، ثم قال : وجدناه بحرا ، أو أنه لبحر)([597]).

أي وجدنا الفرس ، لبيان سرعته ، وكان يعد فرساً بطيئاً لكن حينما ركبه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أسرع به .

ولابد لأولياء اليتامى وغيرهم من التنزه عن الطمع والإستيلاء على أموال اليتامى عن عمد أو إحتيال ومكر ويستلزم هذا التنزه مرتبة من الإيمان والخشية من الله عز وجل.

فنزلت هذه الآيات لتقريب المسلمين للعمل بأحكامها بقصد القربة إلى الله والخشية منه تعالى ، لبيان وجوه :

الأول : القرآن دستور السلم المجتمعي .

الثاني : قانون تقريب الآية القرآنية الناس للإيمان .

الثالث : قانون تعضيد الآية القرآنية المسلم للعمل بطاعة الله .

الرابع : بيان آيات القرآن لحاجة الناس للتنزيل والنبوة .

الخامس : قانون انتفاع المستضعفين من آيات القرآن ، وهو من أسرار سرعة انتشار الإسلام .

لذا ابتدأت سورة النساء بتكرار الأمر بتقوى الله مرتين في الآية الأولى منها مع حسن التوكل على الله والاطمئنان بأنه هو الرزاق الذي يرزق الذين يجتنبون التعدي على أموال اليتامى من فضله ، ليكون في أول سورة النساء إصلاح أولياء اليتامى .

قانون موضوعية نظم الآية في أحكامها ودلالة كلماتها

يتضمن هذا الجزء وهو السادس والسبعون بعد المائتين من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) تفسير قوله تعالى [وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا]([598]).

ترى لماذا لم تقل الآية وانكحوا ما طاب لكم من النساء إلى أربع بدل [مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ].

وهنا استحدث مسألة في علم التفسير بلحاظ نظم وسياق الآية ، وهي لما وردت الآية بالتحذير والإنذار في أولها [وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا] ثم في آخرها [فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا].

وكل من هذين الخوفين والرجحان قبل النكاح فجاءت الآية بالتصعيد من الواحدة أو ما ملكت اليمين من الجواري إلى زوجتين اثنتين ثم إلى ثلاث ثم إلا أربع لبيان قانون وهو موضوعية نظم الآية في الحكم الوارد فيها.

والإكتفاء بزوجة واحدة وعند التأكد من إمكان تحقق العدل والسعة في النفقة والسكن والملبس والإطعام والحياة الرغيدة حسب الحال ينظر في الإنتقال إلى الزواج من اثنتين إن اطمئن لقدرته وعدالته ، ورغب من النكاح من ثانية.

ثم لا يصح الإنتقال إلى الزواج من ثلاث من رأس .

ومعنى [إِنْ خِفْتُمْ] أي مع أي احتمال راجح في عدم العدل بين الزوجات أو عدم الأهلية والقدرة على توفير مستلزمات الحياة الرغيدة لهن ، فيلزم الإكتفاء بزوجة واحدة .

فإباحة أربع زوجات مقيدة وليس مطلقة ، مقيدة بعدم الخشية من العجز عن العدل بينهن في كل مرة في الاثنتين ثم في الإنتقال إلى الثلاثة ثم إلى الثلاثة أو الأربع .

فلا يجوز الإنتقال إلى الاثنتين من رأس وكذا إلى الثلاث أو الأربع.

ومن الخوف في المقام كثرة العيال والأولاد ومستلزمات إعالتهم ، وتقلبات الزمان .

لذا قال تعالى [ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا] أي تجوروا ويكثر عيالكم .

والتقدير :

الأول : فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة .

الثاني : فان لم تخافوا ألا تعدلوا فاثنتين .

الثالث : فاذا تبين لكم أنكم عدلتم مع الزوجة ولم تخافوا العول والفاقة في الاثنتين ، وتهيئة مقدمات وشرائط النكاح من ثانية ، وعدم وجود موانع حينئذ يطيب لكم النكاح الثاني .

الرابع : فان تبين لكم أنكم عدلتم بين الثلاثة ولم تجوروا وتستطيعون نفقة كثرة العيال ولا تخافون من عدم العدل بين الأربع حينئذ انكحوا الأربع.

وهل قوله تعالى [مَا طَابَ لَكُمْ]([599]) قيد وشرط في الزواج من زوجة ثانية ،المختار نعم ، ويتعلق باختيارالزوجة وقد تكون مستلزمات تعدد الزوجات متوفرة عند المسلم ، ولكنه لا يرغب بالتعدد فيكتفي بزوجة واحدة ،وهو من مصاديق قوله تعالى [مَا طَابَ لَكُمْ].

وقد يقال بانتفاء هذا القيد في الذي وسع الله عز وجل عليه من فضله ، ويعلم أنه لا يخاف من احتمال عدم العدل بين الزوجات ، ولا عبرة بالقليل النادر .

والجواب هذا القيد عام وشامل للناس لتعلقه بذات النكاح ومستلزماته.

ترى لماذا قالت الآية مثنى وثلاث ورباع ، الجواب لإرادة التكرار واستقلال كل شخص بالزواج .

أي اثنتين اثنتين ، وثلاث ثلاث على نحو التكرار .

وهو أفصح وأوضح وأدق من قول اثنتين ، فلو قلت لجماعة ادفعوا دينارين لفهم بأنهم جميعاً يدفعون دينارين ، أما لو قلت ادفعوا دينارين دينارين لفهم بأن كل واحد يدفع دينارين .

وجاءت السنة النبوية بياناً في المقام ، فقد ذكر أن أحد الصحابة وهو (غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا)([600]).

وعلى الأربع كحد أعلى الكتاب والسنة والإجماع .

النكاح والأحكام التكليفية

جاءت آية البحث بصيغة الأمر في قوله تعالى [فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ]([601])، وكما في قوله تعالى [وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ]([602]).

والأصل في الأمر إفادته الوجوب إلا مع القرينة الصارفة إلى الإستحباب .

وقد تجلت القرينة في ذات آية البحث بقوله تعالى [مَا طَابَ لَكُمْ] و[فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ]([603])، وقوله تعالى [أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ] ينفي وجوب الزواج حتى من زوجة واحدة حرة ، وملك اليمين مباح .

ولو كان النكاح واجباً لما جرى التخيير بينه وبين ملك اليمين ، فلا يقع التخيير بين واجب ومباح إنما هو انتقال من المستحب إلى المباح .

لذا فالمختار أن الأصل في النكاح هو الإستحباب وفيه طمأنينة وانجاب للأولاد ، وهو باب للرزق الكريم من عند الله عز وجل .

ولكن قد يطرأ عليه أحد الأحكام التكليفية الأربعة الأخرى بالعرض والأسباب الخاصة من وجوه :

الأول : وجوب النكاح لمن تاقت نفسه إلى النساء ، ويخاف من الوقوع في الزنا والمفسدة ، مع قدرته على الزواج ، فيكون حينئذ الزواج بقصد الإحصان .

الثاني : الإباحة بالنسبة للذي لا تتوق نفسه إلى النساء ، ولا يخشى على نفسه من الوقوع في الزنا ، ولا رغبة له بتنجز واجبات الزواج .

الثالث : الكراهة أي كراهة النكاح لمن يخاف من إلحاق الضرر بالزوجة ويرى نفسه حاد المزاج ، ويخشى من تعديه على زوجته ، ومن المشاكل التي تثيرها الزوجة أو أهلها أو أهله وكما في بعض الأعراف القبلية والحمية ، ولا يخشى على نفسه الوقوع في الزنا .

الرابع : الحرمة للذي يرى النكاح سبباً للإضرار به أو الإضرار بزوجته ، كما في المرض المعدي .

واختلف في حكم النكاح على وجوه :

الأول : الزواج مستحب وعليه الإمامية وجمهور المالكية والأحناف والحنابلة .

الثاني : الزواج مباح ولا اثم بتركه ، وبه قال الشافعية ، ونسب إلى بعضهم بأن النكاح قضاء لذة ونيل شهوة فهو مباح كالأكل والشرب.

ولكنه قياس مع الفارق كتاباً وسنة وفي الواقع والوجدان والأثر المتصل والمتعدد المترتب على الزواج ، وندم العازب في آخر أيامه على حرمان نفسه من الزوجة والولد مع حاجته لهم .

قال الشافعي (وأحب للرجل والمرأة أن يتزوجا إذا تاقت أنفسهما إليه لأن الله تعالى أمر به ورضيه وندب إليه وبلغنا أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم حتى بالسقط .

وأنه قال : من أحب فطرتي فليستن بسنتي ومن سنتي النكاح .

ويقال : إن الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده قال : ومن لم تتق نفسه إلى ذلك فأحب إلي أن يتخلى لعبادة الله تعالى قال : وقد ذكر الله تعالى [الْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ]([604]) وذكر عبدا أكرمه فقال [سَيِّدًا وَحَصُورًا]([605]) والحصور الذي لا يأتي النساء ولم يندبهن إلى النكاح فدل أن المندوب إليه من يحتاج إليه)([606]).

الثالث : الزواج واجب ، ويؤثم الإنسان إذا تركه ، وبه قال الظاهرية ، لأن قوله تعالى [وَأَنْكِحُوا] أمر يدل على الوجوب ، ولأن الزواج وسيلة للعفة والعصمة من الحرام.

أدلة استحباب النكاح

وهي على وجوه منها :

الأول : آية البحث وما فيها من التخيير بين الزواج من زوجة واحدة أو الإكتفاء بملك اليمين بقوله تعالى [فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ]([607])، الذي هو مباح ، فالمختار أن الحكم في الآية لا ينحصر بالتخيير بين الزوجة الواحدة وملك اليمين بل يشمل الإنتقال إلى ملك اليمين عند تعذر شرائط الزوجة الواحدة .

وقد انقطع في هذا الزمان ملك اليمين من الإماء اللاتي يتم تملكهن بالسبي أو الشراء من سوق النخاسة ، إذ يحق لمالك الأمة وطؤها من غير عقد زواج أو اشهار .

وتسمى الأمة (سرية) إذا كان سيدها يتخذها للفراش وليس للعمل في الحراثة والزراعة أو الأعمال المنزلية ، ويلحق ولدها بسيدها فهو أبوه ، والولد حر بالتبعية لأبيه في النسب والحرية والولاء شرعاً للأذن من الله في آية البحث يوطئ الأمة ملك اليمين ، ولعمومات قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الولد للفراش) وعليه الإجماع .

نعم يكون الولد عبداً لمالك أمه إذا أوطأها حر وهو يعلم أنها أمة لأن نماءها لمالكها .

الثاني : السنة النبوية ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (من أحب أن يكون على فطرتي فليستن بسنتي وإن من سنتي النكاح)([608]).

وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (قال: جاءت امرأة عثمان بن مظعون إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالت : يا رسول الله إن عثمان يصوم النهار ويقوم الليل .

فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله مغضبا يحمل نعليه حتى جاء إلى عثمان فوجده يصلي ، فانصرف عثمان حين رأى رسول الله صلى الله عليه وآله .

فقال له : يا عثمان لم يرسلني الله بالرهبانية ، ولكن بعثني بالحنيفية السهلة السمحة، أصوم واصلي وألمس أهلي، فمن أحب فطرتي فليستن بسنتي ومن سنتي النكاح)([609]).

وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا نبي الله إن لي ابنة عم قد رضيت جمالها وحسنها ودينها ولكنها عاقر، فقال: لا تزوجها إن يوسف بن يعقوب لقى أخاه فقال : يا أخي كيف استطعت أن تتزوج النساء بعدي.

فقال : إن أبي أمرني وقال : إن استطعت أن تكون لك ذرية تثقل الارض بالتسبيح فافعل .

قال : فجاء رجل من الغد إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال له مثل ذلك فقال له : تزوج سوء اء ولودا فإني مكاثر بكم الامم يوم القيامة .

فقلت لابي عبدالله عليه السلام : ما السوء اء قال : القبيحة)([610]).

الثالث : من وجوه استحباب النكاح آية البحث والآيات التي تحث على إكرام اليتامى وحفظ حقوقهم والعناية بهم ، لما فيها من بعث الطمأنينة في نفس الإنسان على أبنائه إن تزوج وأنجب ، وتصاحبه هذه الطمأنينة بعد الزواج ، فهي نعمة من عند الله عز وجل .

الرابع : ابتداء خلق الناس من زوجين آدم وحواء .

الخامس : قصص القرآن في الزواج واستحبابه .

السادس : قصص الأنبياء في الزواج .

وفي يوسف عليه السلام واجتماعه باخوته وجلوس كل أخوين من أم واحدة على مائدة ، وبكاء بنيامين لبقائه وحيداً .

فسأله يوسف : فما كان لك ابن أم ، قال : بلى ، ولكن زعم هؤلاء أن الذئب أكله ، وقال : لو كان أخي يوسف حياً لأجلسني معه .

وعن الإمام الصادق عليه السلام قال يوسف (فما بلغ من حزنك عليه ؟ قال: ولد لي أحد عشر ابنا كلهم اشتق له اسما من اسمه.

فقال له يوسف : أراك قد عانقت النساء وشممت الولد من بعده ! قال له ابن يامين، إن لي أبا صالحا وإنه قال :

تزوج لعل الله أن يخرج منك ذرية تثقل الارض بالتسبيح ، فقال له : تعال فاجلس معي على مائدتي، فقال إخوة يوسف: لقد فضل الله يوسف وأخاه حتى أن الملك قد أجلسه معه على مائدته)([611]).

ولادة النبي محمد (ص) يتيماً

يقع اليتم بفقد الأب سواء قبل الولادة أو بعدها مما يسبق البلوغ ، وأشد أقسام اليتيم هو الذي يولد وقد توفى أبوه وقبل ولادته ، وليس عنده إخوة ، كما في ولادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ ولد في شهر ربيع الأول في عام الفيل ، وعن ابن اسحاق (قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ . قَالَ وُلِدْت أَنَا وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ عَامَ الْفِيلِ فَنَحْنُ لِدَتَانِ)([612]).

إذ خرج أبوه عبد الله بن عبد المطلب إلى غزة من بلاد الشام في تجارة وعير لقريش محملة بالبضائع ، فلما فرغوا من بيعها واشتروا البضائع والحاجات التي تطلب في مكة ، مرت القافلة التي هو فيها بالمدينة المنورة التي كانت تسمى آنذاك يثرب .

فمرض عبد الله في المدينة وشقّ عليه ركوب البعير مسافة الطريق بين مكة والمدينة أكثر من أربعمائة كيلو متراً ، فقال اتخلف عند خوالي بن عدي بن النجار ، وأراد التطبب والعلاج ، لأن أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو من بني النجار .

ولما قدم رجال القافلة إلى مكة سألهم عبد المطلب أين ولدي عبد الله ، فأخبروه بأنه تخلف عند أخواله في المدينة وهو مريض ، فبعث إليه أكبر أولاده الحارث ، فوجده قد توفي ، ودفن في دار النابغة ، وهو من أخواله من بني عدي بن النجار خارج البقيع ، وتمر السنون ويبنى على قبره مسجد ، وتم إزالة الدار ، ونقل جثمان والد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى البقيع قبل خمسين سنة ضمن توسعة المسجد النبوي الشريف .

وأخبره بنو عدي بأنهم قاموا بتمريضه وخدمته قبل وفاته ، فرجع حارث إلى ابيه وأخبره فأصابه وإخوته وبني هاشم الحزن الشديد .

وكان عمر عبد الله يوم توفى خمساً وعشرين سنة وخلّف تركة لأهله خمسة من الإبل وعدداً من الغنم وأمة وهي أم أيمن .

وكان أبو النبي محمد وأمه وأجداده حنفاء موحدين على دين جدهم النبي إبراهيم عليه السلام ، ويدل عليه مفهوم قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ]([613]).

ولما بلغ عمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ست سنوات جاءت به أمه إلى أخواله بني النجار تزورهم فأقاما شهراً في ذات البيت الذي دفن فيه والده دار النابغة .

وتعلم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم السباحة في بئر لبني النجار.

إذ كان بعد الهجرة عندما يمر على دور بني النجار ، وينظر إلى أطم وتل مرتفع عندهم يقول :

(كنت ألاعب أنيسة جارية من الأنصار على هذا الأطم وكنت مع غلمان من أخوالي نطير طائرا كان يقع عليه .

ونظر إلى الدار فقال ههنا نزلت بي أمي وفي هذه الدار قبر أبي عبد الله بن عبد المطلب وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار .

وكان قوم من اليهود يختلفون ينظرون اليه فقالت أم أيمن فسمعت أحدهم يقول هو نبي هذه الأمة وهذه دار هجرته فوعيت ذلك كله من كلامه

ثم رجعت به أمه إلى مكة فلما كانوا بالأبواء توفيت آمنة بنت وهب فقبرها هناك فرجعت به أم أيمن على البعيرين اللذين قدموا عليهما مكة وكانت تحضنه مع أمه ثم بعد أن ماتت .

فلما مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عمرة الحديبية بالأبواء قال ان الله قد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فأتاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأصلحه وبكى عنده وبكى المسلمون لبكاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)([614]).

اسم محمد قبل الإسلام

هل اسم محمد موجود قبل الإسلام فيه وجوه :

الأول : عدم وجود اسم محمد قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم

الثاني : وجود عدد قليل من الناس اسمه محمد قبل ولادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

والمختار أنه لم يسم أحد باسم محمد قبل أن أطل زمانه وأشاع بعض علماء أهل الكتاب بأن نبياً سيبعث اسمه محمد ، فرغب الناس بهذا الاسم وجعلوه لابنائهم ورجاء أن يكون النبي منهم .

وقيل عدد الذين سموا بمحمد نحو ستة أسماء .

وأضيف مسألة حتى أولئك الذين تسموا باسم النبي محمد منهم من إختار هذا الاسم لانفسهم بعد أن كبر وشاع اسم النبي محمد ، فآباؤهم لم يسموهم بمحمد حين الولادة وهم :

الأول : محمد بن اصيحة الأوسي .

الثاني : محمد بن مسلمة الأنصاري .

الثالث : محمد بن براء البكري .

الرابع : محمد بن سفيان بن مجاشع .

الخامس : محمد بن حمران الجحفي .

السادس : محمد بن خزاعي السلمي .

والنسبة بين خصائص ومعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي العموم والخصوص المطلق ، فالخصائص أعم ، وكل معجزة هي من خصائصه.

من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إدراك الأهل والجيران البركة والفيض من حين ولادته بعلامات محسوسة .

(وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ عَنْ أُمّهِ أُمّ عُثْمَانَ الثّقَفِيّةِ وَاسْمُهَا : فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللّهِ قَالَتْ : حَضَرْت وِلَادَةَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ فَرَأَيْت الْبَيْتَ حِينَ وُضِعَ قَدْ امْتَلَأَ نُورًا ، وَرَأَيْت النّجُومَ تَدْنُو حَتّى ظَنَنْت أَنّهَا سَتَقَعُ عَلَيّ)([615]).

وكانت ولادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في شهر ربيع الأول من عام الفيل الموافق سنة 571 ميلادية ، وقد ذكر القرآن ولادة موسى عليه السلام ، وولادة عيسى عليه السلام .

معجزات صاحبت الولادة المباركة

لقد امتلأ البيت الذي ولد فيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نوراً ساعة ولادته .

ورنّ ابليس رنة حين ودلاته أي صاح صيحة يأس وحزن وانكسار ، فهذه الولادة بشارة سيادة مفاهيم التوحيد في الأرض ، وإصلاح الناس وهدايتهم إلى الصراط المستقيم .

وجاءت السنة بالإخبار عن ولادة إبراهيم ، وأنه ولد في كوثى من سواد العراق في زمن نمرود بن كنعان وهو أول من وضع التاج على رأسه ، ودعا الناس إلى عبادته وكان له كهان ومنجمون .

فقالوا له إنه يولد في بلدك هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض ، ويكون هلاكك ، وزوال ملكك على يديه ، ويقال أنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء .

وتضمنت أخباراً عن ولادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإضافة إلى روايات النساء اللاتي شهدن ولادته .

وقد ولد مختوناً مقطوع السرة ، وتجلى عدد من المعجزات ليلة الولادة المباركة في مكة وخارجها و(كانت أمه آمنة بنت وهب تحدث بأنها حين حملت به لم تجد ما تجده الحوامل من ثقل ولا وحم([616]).

والوحم أو الوحام ما تشتهيه الحامل في الأسابيع والأشهر الأولى للحمل)([617]).

ولقد لقنت أم رسول الله اعاذته بالله عز وجل ، وقال ( محمد بن إسحاق: فكانت آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحدث أنها أتيت حين حملت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فقيل لها : إنك قد حملت بسيد هذه الامة، فإذا وقع إلى الارض فقولي: أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، من كل بر عاهد وكل عبد رائد، يذود عني ذائد، فإنه عند الحميد الماجد .

وآية ذلك أنه يخرج معه نور يملا قصور بصرى من أرض الشام، فإذا وقع فسميه محمدا، فإن اسمه في التوراة أحمد، يحمده أهل السماء وأهل الارض، واسمه في الانجيل أحمد، يحمده أهل السماء وأهل الارض، واسمه في القرآن محمد فسميته بذلك)([618]).

لبيان دلالة مثل هذا الخبر على أن آمنة بنت وهب من الموحدين ، وقد روي (عن ابن عباس قال : لما ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عق عنده جده بكبش وسماه محمدا.

فقيل له: يا أبا الحارث ما حملك على أن تسميه محمدا ولم تسمه باسم آبائه ؟ قال: أردت أن يحمده الله في السماء ويحمده الناس في الأرض)([619]).

و(عن الباقر عليه السلام قال رأت آمنة في المنام وهي حامل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تسميه أحمد. وعن ابن  اسحاق ان تسميه محمدا)([620]).

صحيح أن الاسم غير المسمى ولكن عند اختيار الاسم من عند الله بالوحي والتحديث ففيه دلالات تؤكد التوافق والتطابق بين الاسم والمسمى ، ففي كل زمان يبقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم محموداً عند الله والناس.

(وأخرج أبو نعيم عن بريدة وابن عباس قالا رأت آمنة في منامها فقيل لها انك قد حملت بخير البرية وسيد العالمين فإذا ولدتيه فسميه أحمدا ومحمدا وعلقي عليه هذه فانتبهت وعند رأسها صحيفة من ذهب مكتوب عليها أعيذه بالواحد من شر كل حاسد.

وكل خلق رائد من قائم وقاعد عن السبيل ، عائد على الفساد جاهد من نافث او عاقد وكل خلق مارد يأخذ بالمراصد في طرق الموارد أنهاهم عنه بالله الأعلى واحوطه منهم باليد العليا والكف الذي لا يرى يد الله فوق أيديهم وحجاب الله دون عاديهم لا يطردوه ولا يضروه في مقعد ولا منام ولا مسير ولا مقام أول الليالي)([621]).

ويلاحظ في هذا الدعاء والحرز لغة التوحيد ، وتسمية النبي محمد باسمين (أحمد ومحمد) .

وعندما قربت أيام ولادته تجلت العلامات الكونية والحساب بقرب أوان بعثته ، ليوافق ما يذكره أهل الكتاب وأصحاب الصومعات خاصة وأن قريشاً يعملون بالتجارة .

وعن (تفسير بقى بن مخلد الحافظ، أن إبليس رن أربع رنات: حين لعن، وحين أهبط، وحين ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحين أنزلت الفاتحة)([622]).

لبيان قانون بركة ولادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الناس جميعاً.

وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (ما أوذي نبي مثل ما أوذيت)([623]).

وهل من ملازمة بين شدة أذى النبي وكثرة الصحابة بمعنى كل ما كان الأذى الذي يلاقيه النبي أشد كان عدد الذين يؤمنون برسالته أكثر ، الجواب لا ، إنما هو فضل الله ، وإجتماع المعجزة الحسية والعقلية في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

رنة إبليس

وعن (تفسير بقى بن مخلد الحافظ، أن إبليس رن أربع رنات: حين لعن، وحين أهبط، وحين ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحين أنزلت الفاتحة)([624]).

لبيان قانون ولادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إشراقة ونعمة عظمى.

وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (رن إبليس أربع رنات: أولهن يوم لعن، وحين اهبط إلى الأرض، وحين بعث محمد صلى الله عليه وآله على حين فترة من الرسل، وحين انزلت ام الكتاب، ونخر نخرتين: حين أكل آدم من الشجرة، وحين اهبط من الجنة)([625]).

ونخر ينخر نخيراً ، مدّ الصوت والنفس في الخياشم ، لتكون النخرة ضد الرنة في المقام .

لقد كان إبليس مع الملائكة في الجنة ، مجتهداً في عبادة الله عز وجل ولكنه امتنع عن السجود لآدم بسبب مادة الخلق [قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ]([626]).

فأهبطه الله عز وجل إلى الأرض ، فمن خصائص الجنة طاعة أهلها لله عز وجل طاعة تامة وليس فيها من هو متكبر أو ممتنع عن طاعة الله .

ليعمل إبليس على إغواء بني آدم فانعم الله عز وجل على الناس بولادة النبي محمد وبعثته ، لهدايتهم ورشادهم ، ومنها حسن ولاية الأيتام والرفق بهم ، وعدم الإستيلاء على أموالهم ، لبيان أن الإمتثال لأمر الله بما فيه آية البحث حرب على إبليس ، وقهر وخزي له لأن المسلمين أطاعوا الله .

وعن عروة (أن نفرا من قريش منهم ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي وزيد بن عمرو بن نفيل وعبدالله بن جحش بن رئاب وعثمان بن الحويرث كانوا عند صنم لهم يجتمعون إليه قد اتخذوا ذلك اليوم من كل سنة عيدا كانوا يعظمونه وينحرون له الجزور ثم يأكلون ويشربون الخمر ويعكفون عليه.

فدخلوا عليه في الليل فرأوه مكبوبا على وجهه فأنكروا ذلك فأخذوه فردوه إلى حاله فلم يلبث أن انقلب انقلابا عنيفا فأخذوه فردوه إلى حاله فانقلب الثالثة فلما رأوا ذلك اغتموا له وأعظموا ذلك.

فقال عثمان بن الحويرث ماله قد أكثر التنكس إن هذا لأمر قد حدث وذلك في الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم فجعل عثمان يقول :

أيا صنم العيد الذي صف حوله … صناديد وفد من بعيد ومن قرب

تنكست مغلوبا فما ذاك قل لنا … أذاك سفيه أم تنكست للعتب

ف كان من ذنب أتينا فإننا … نبوء بأقرار ونلوي عن الذنب

وإن كنت مغلوبا ونكست صاغرا … فما أنت في الأوثان بالسيد الرب

قال فأخذوا الصنم فردوه إلى حاله فلما استوى هتف بهم هاتف من الصنم بصوت جهير وهو يقول :

تردى لمولود أنارت بنوره … جميع فجاج الأرض في الشرق والغرب

وخرت له الأوثان طرا وأرعدت…قلوب ملوك الأرض طرا من الرعب

ونار جميع الفرس باخت وأظلمت…وقد بات شاه الفرس في أعظم الكرب

وصدت عن الكهان بالغيب جنها … فلا مخبر عنهم بحق ولا كذب

فيا لقصي ارجعوا عن ضلالكم… وهبوا إلى الإسلام والمنزل الرحب

 قال فلما سمعوا ذلك خلصوا نجيا فقال بعضهم لبعض تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض .

فقالوا أجل فقال لهم ورقة بن نوفل تعلمون والله ما قومكم على دين ولقد اخطئوا الحجة وتركوا دين ابراهيم ما حجر تطيفون به لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر يا قوم التمسوا لأنفسكم الدين .

قال فخرجوا عند ذلك يضربون في الأرض ويسألون عن الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام فأما ورقة بن نوفل فتنصر وقرأ الكتب حتى علم علما.

وأما عثمان بن الحويرث فسار إلى قيصر فتنصر وحسنت منزلته عنده.

وأما زيد بن عمرو بن نفيل فأراد الخروج فحبس ثم إنه خرج بعد ذلك فضرب في الأرض حتى بلغ الرقة من أرض الجزيرة فلقي بها راهبا عالما فأخبره بالذي يطلب .

فقال له الراهب إنك لتطلب دينا ما تجد من يحملك عليه ولكن قد أظلك زمان نبي يخرج من بلدك يبعث بدين الحنيفية فلما قال له ذلك رجع يريد مكة فغارت عليه لخم فقتلوه.

وأما عبدالله بن جحش فأقام بمكة حتى بعث النبي صلى الله عليه و سلم ثم خرج مع من خرج إلى أرض الحبشة فلما صار بها تنصر وفارق الإسلام فكان بها حتى هلك هنالك نصرانيا)([627]).

شدة أذى النبي (ص)

لقد أرادت قريش وأد الرسالة بقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فاضطر للهجرة بأمر من جبرئيل ، قال تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]([628]).

أما بعد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد أخذ الأذى صيغة لمعان السيوف ،وتوالي المعارك واصرار قريش على القتال في معركة بدر ، إذ طمعوا بقلة عدد أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، إذ كان عددهم أقل من ثلث عدد جيش المشركين .

ثم قصدت قريش في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة غزو المدينة فزحفت بثلاثة آلاف من المشركين وصاروا على بعد خمسة كيلو مترات عن المسجد النبوي .

فاضطر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للخروج إليهم ، ثم جاؤوا ومعهم جيش عرمرم يـتألف من عشرة آلاف رجل في شهر شوال من السنة الخامسة للهجرة لإستباحة المدينة وقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وجعل أصحابه بين قتيل وأسير .

وحتى بعد فتح مكة كانت معركة حنين التي انتصر فيها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمعجزة حسية جلية ، وقال تعالى [لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ* ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ]([629]).

كما لاقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة الأذى من المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ، ولاقى الجدال من أهل الكتاب .

وهل من ملازمة بين شدة الأذى الذي لاقاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبين كثرة أصحابه وأتباعه ، إذ ورد (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : مَا صُدِّقَ نَبِيٌّ مَا صُدِّقْتُ ، إِنَّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ مَنْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا مَعَهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلا رَجُلٌ)([630]).

الجواب لا ، فصحيح أن النبي محمداً لاقى من الأذى أشد من الذي لاقاه أي نبي من مجموع الأنبياء المائة وأربعة وعشرين ألف ، إلا أنه لا ملازمة بين شدة هذا الأذى وبين كثرة الصحابة .

إنما أراد الله تنمية ملكة الصبر عند المسلمين وتحمل الأذى في مرضاة الله ، لذا قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]([631]).

وهل يستلزم العمل بمضامين آية البحث الصبر ، الجواب نعم ، الصبر في طاعة الله ، والصبر عن مدّ اليد على أموال اليتامى ، والصبر في الإحسان إليهم وفيه الأجر والثواب .

والصبر عن قهر اليتيمة بالزواج منها للإستحواذ على مالها .

بين الخوف والظن (بحث أصولي)

الظن لغة : هو الأخذ بالطرف الراجح من بين طرفي الإعتقاد ، ومن غير جزم أو قطع ، والجمع ظنون .

وفي الإصطلاح هو الإعتقاد الراجح والمعنى الغالب مع احتمال الغير والنقيض ، ولكن هذا الرجحان أدنى مرتبة من اليقين والقطع لذا نقول أن القرآن قطعي الصدور قطعي الدلالة ، أي بالعلم اليقيني .

والخوف هو الفزع وترجيح حدوث مكروه أو فوات محبوب .

ولم تقل آية البحث وإن ظننتم أن تقسطوا ، فان ظننتم فواحدة ، خاصة وأن أمر الزواج مستحب .

بل جاءت الآية بصيغة الخوف لما يترتب على عدم العدل في اليتامى من الظلم وسوء عاقبته ، وما يترتب على الزواج من أكثر من واحدة من المشاق والمتاعب والإثم عند عدم العدل بين الزوجات ، ولبيان أن المقام مقام تكليف .

وهل قوله تعالى [وَإِنْ خِفْتُمْ]([632]) في أول آية البحث ، وقوله تعالى [فَإِنْ خِفْتُمْ] في آخرها من الظن ، الجواب نعم ، ومن مراتب الظن الراجح .

وهل يشترط الظن المعتبر كي يمتنع الإنسان عن التعدي على حقوق اليتامى ولكي يكتفي الإنسان بزوجة واحدة أم يكفي الظن العادي .

كما في باب الطهارة والإنتقال من الوضوء أو الغسل بالماء إلى التيمم في حال الخوف من استعمال الماء على نفسه وبدنه او احتمال مرض او بطئ برء مرض مصاب به وصعوبة علاجه ونحوه مما يعسر تحمله عادة، كما لو كان الماء يسبب في بشرته خشونة موجبة لتشقق الجلد او خروج الدم، ويكفي الظن العادي في هذا الخوف او قول الطبيب الحاذق.

المختار هو كفاية الظن العادي كقاعدة نفي الحرج في الدين ، وقوله تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ]([633])، لذا قال تعالى [فَإِنْ خِفْتُمْ] أي ظهرت أسباب الخشية ، خاصة وأن النكاح من المستحبات وأن مسؤوليات عديدة تتفرع عن الزواج الثاني والثالث .

ويقسم الدليل إلى قسمين :

الأول : قطعي الثبوت والصدور والمراد من الثبوت هو طريق وصول النص الينا.

الثاني : ظني الثبوت .

نعم قد يرد الظن في القرآن بمعنى اليقين مع وجود القرينة الدالة عليه ، كما في قوله تعالى [إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ]([634]).

وردت مفردة (الظن) في الحديث القدسي والسنة النبوية .

و(عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني)([635]).

ومن معاني هذا الحديث قبول الله عز وجل لظن العبد بالمشيئة والفضل الإلهي .

والظن أعلى مرتبة من الشك الذي هو تساوي الطرفين ، والظن برزخ بين الشك واليقين .

والظن من الأمور المشككة الذي يكون على مراتب متعددة قوة وضعفاً ، فلذا يقال : غلبة الظن .

ويفيد الطمأنينة والإقتراب من اليقين.

وهل قوله تعالى [وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا]([636]) في يوسف عليه السلام وتأويله لرؤيا أحد السجينين من الظن بمعنى الإحتمال الراجح أم من الظن الذي يفيد اليقين لأنه نبي يتكلم عن الوحي ، ولبيان القرآن لتحقق ذات التأويل ، الجواب هو الأول ، لوجوه :

الأول : معاني الرؤيا أعم من التأويل المعين .

الثاني : من الرؤيا ما هي أضغاث أحلام .

الثالث : احتمال عدم تحقق مصداق الرؤيا لقوله تعالى [يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]([637])، لذا صدر لي جزءان من كتابي (فلسفة الرؤيا في الإسلام) وفيهما دعوة للإجتهاد في الدعاء لتقريب رؤيا البشارة ، والدعاء والصدقة لصرف مصداق رؤيا الإنذار .

ولو رأى الكافر رؤيا إنذار فاجتهد بالدعاء إلى الله عز وجل لصرفها فهل يستجيب الله عز وجل له لرحمة الله بالناس جميعاً ، أم يشمله قوله تعالى [وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ]([638]).

أم يرد الإحتمالان للتباين بين مراتب الكفر ، وكذا في الدعاء وموضوع الرؤيا لتحضر رحمة الله عز وجل .

ومضامين آية البحث من عالم اليقظة والواقع اليومي الذي يواجه المسلمين وغيرهم ، ففي كل مجتمع وكل زمان هناك يتامى ونساء أبكاراً ومطلقات وأرامل ، لتخبر آية البحث عن مسؤولية الجميع في المساهمة في سبل الصلاح العام .

قانون المعجزة تغني عن الغزو

من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انتفاء حاجته إلى غزو القبائل والمدن لدعوة الناس للإسلام .

إذ توالت معجزاته الحسية والعقلية وهي مجتمعة ومتفرقة تدعو الناس للإسلام وتكون حجة عليهم .

وقد هاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى المدينة خائفاً إذ أرادت عشيرته قريش قتله في فراشه فنزل جبرئيل يأمره بالهجرة في ذات الليلة ليعود بعد ثماني سنوات ومعه عشرة آلاف من الصحابة ، ويفتح مكة سلماً من غير قتال يعتد به .

وهذا العدد الكبير وسيرهم معه إلى مكة هو من معجزاته أيضاً وعدم حاجته إلى القتال .

واختلف علماء الإسلام في فتح مكة على قولين :

الأول : فتحت مكة عنوة وقهراً وهو المشهور .

الثاني : فتحت مكة صلحاً .

واستحدثت قولاً وهو فتح النبي محمد مكة سلماً .

و(عن أبي شريح العدوي قال : قام النبي صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح فقال : إن مكة حرَّمها الله ولم يحرِّمها الناس ، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً ، ولا يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا :

إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم ، وإنما لي ساعة من نهار ، ثم عادت حرمتها اليوم بالأمس)([639]).

ولا يعني حلية مكة ساعة من نهار حدوث غزو وقتال إنما هو الإذن والرخصة من عند الله لدخولها بالسلاح .

قانون التعضيد السندي

قد تقدم في الجزء الأول من هذا السِفر تأسيس قاعدة رجالية باسم (التعضيد السندي)ص31، وذكرت فيه: وسيأتي تفصيلها في الأجزاء التالية.

وابين هذه القاعدة في المقام : والمراد من التواتر هو رواية جمع من الرواة في كل طبقة لذات الحديث بما يمتنع معه مادة وعقلاً تواطؤهم واجتماعهم على الكذب .

أما التعضيد السندي فاريد منه تعدد رواة ذات الحديث في كل طبقة مع وجود ضعيف أو مجهول في كل طريق منها ، فحينئذ لا يحكم بضعف هذا الخبر ، فمثلاً يحكم على أحد رجال هذا الطريق بالضعف من الطبقة الثانية ، ويحكم على آخر من طريق ثاني بالضعف من الطبقة الثالثة أو الرابعة.

فيكون المجموع أمارة على صحة الحديث في باب المستحبات لقاعدة التسامح في أدلة السند ، ولأنه من الفضائل ورجاء الأجر والثواب ، والحديث النبوي الذي وصلنا ثروة عظمى يلزم تعاهدها وعدم التفريط بها لاختلاف الرجاليين بخصوص بعض رجال السند .

والملاك والضابطة الكلية هي عدم مخالفة مثل هذه الأحاديث لآيات القرآن والسنة النبوية الصحيحة .

وسئل الإمام جعفر الصادق عليه السلام (عن اختلاف الحديث : يرويه من يوثق به ، ومنهم من لا يوثق به ، فقال عليه السلام : إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا في كتاب الله أو من قول رسول الله صلى الله عليه وآله (يعنى سنته) والا فالذي جاءكم به أولى به)([640]).

لبيان جواز أخذ الحديث من أي طريق مناسب طرق الرواية عند المسلمين بشرط وجود مصداق ودليل من القرآن أو السنة النبوية على مضمون الرواية ، وفيه دعوة لعدم وقوف أهل مذهب على رجال الحديث الثقاة من أصحابهم .

قانون حاجة الناس إلى البركة

قد ورد ذكر عنوان هذا القانون في الجزء التاسع عشر بعد المائتين.

وكل شئ ثبت وأقام فقد برك ومنه ثبوت الماء في البركة.

ويقال : برك البعير : إذا استقر على الأرض .

والبركة : النماء والفيض والزيادة والخير من عند الله عز وجل ، والسلامة من النقص والتآكل ، وهي ثبوت واستدامة النعمة ، قال تعالى [وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ]([641]).

ومن فضل الله عز وجل على الناس جعله القرآن مباركاً كما في قوله تعالى [وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ]([642])، [كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ]([643]).

ولا يحصي بركات القرآن إلا الله ، وورد حكاية عن عيسى عليه السلام في التنزيل [وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ]([644]).

وتحتمل البركة في المقام وجوهاً :

الأول : البركة بخصوص عيسى عليه السلام .

الثاني : البركة لكل رسول .

الثالث : البركة لكل نبي .

والصحيح هو الأخير لقانون الملازمة بين النبوة والبركة ، لذا ورد قوله تعالى في إبراهيم عليه السلام [وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ]([645]).

ولم يرد لفظ (باركنا) في القرآن إلا في الآية أعلاه .

وتعم البركة الصالحين بفضل من الله عز وجل .

و(عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى على عبد الرحمن([646]) أثر صفرة وقال : ما هذا .

فقال : يا رسول الله تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب .

فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : بارك الله لك أولم ولو بشاة)([647]).

وعن الصحابي (جارية بن ظفر الحنفي أن رجلا ضرب رجلا على ساعده بالسيف من غير المفصل، فقطعها، فاستعدى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر له بالدية، فقال: يا رسول الله ، أُريد القصاص.

فقال : خذ الدية ، بارك الله لك فيها ، ولم يقض له بالقصاص)([648]).

قال ابن عبد البر (جارية بن ظفر اليمامي والد نمران بن جارية سكن الكوفة .

وروى عنه ابنه نمران أحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم)([649]).

ولما قال الله تعالى [فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً]([650]) فان البركة وأسباب الرزق الكريم تكون في الزوجة الواحدة .

فصحيح أن الآية وردت بصيغة الجملة الخبرية ولكنها تفيد الأمر مع الخشية من التخلف عن العدالة في الجمع بين زوجتين .

قانون إكرام اليتيم

في أسباب نزول قوله تعالى [لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ]([651]) ذكر أنه كان في حجر أمية بن خلف يتيم فلا يؤدي حقه ، لتكون فيه موعظة وإرشاد للناس .

ومن إعجاز الآية مسائل :

الأول : قانون الإبتلاء بسبب إيذاء اليتيم .

الثاني : قانون البر باليتيم بسبب يتمه .

الثالث : توبيخ الذين لا يعتنون باليتيم ، سواء كان عنده مال أو هو فقير.

الرابع : ولاية الله عز وجل لليتيم .

ويتبادر إلى الذهن أن الإكرام في المجتمع يختص بأهل الفضل والإيمان والجاه ، والأمراء وأصحاب الأموال .

فجاءت آية البحث بلزوم إكرام اليتيم ، وأن ترك هذا الإكرام سبب لنزول البلاء من الله عز وجل ، وهذا حكم عام من الإرادة التكوينية شامل للناس جميعاً .

قانون إكرام اليتامى واقية

لقد أراد الله عز وجل للمسلمين السلامة والعصمة من الإبتلاء من جهات :

الأولى : نزول الآيات التي تدعو لإكرام اليتامى ، والنجاة من الإبتلاء والأذى المترتب على ترك هذا الإكرام .

الثانية : إذا كان عدم إكرام اليتامى سبب للبلاء وقلة الرزق فان ايذاء اليتيم والإستحواذ على ماله سبب للأثم والعقاب .

الثالثة : من رحمة الله بالناس أن البلاء وقلة الرزق لم يأت بسبب عدم إكرام اليتيم وحده ، فيأتي أيضاً التقصير في ثلاثة أمور أخرى بقوله تعالى [كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ *وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ* وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا]([652]).

وهل لا ينزل الإبتلاء وقلة الرزق إلا عند إجتماع هذه الأسباب الأربعة أم يكفي تحقق أحدها .

المختار أن نزول البلاء من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قلة وضعفاً ، وأي فرد من هذه الأمور الأربعة سبب في مقدار من الإبتلاء .

الرابعة : قد قدمت الآية الإنذار من عدم إكرام اليتامى لبيان موضوعية الإحسان إلى اليتامى والرفق بهم ، ليأتي الإنتقال من الأمر بدفع أموال اليتامى لهم وعدم الإستيلاء على حصتهم من الميراث إلى الوعيد على إيذاء اليتامى وبخسهم حقوقهم بقوله تعالى [كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا]([653]).

الخامسة : الترغيب بالإنفاق على اليتيم ، وإعطاء الصدقة له .

وقد نزلت آيات قرآنية في بيان ضروب إكرام اليتامى منها إطعامهم ، وحفظ أموالهم ، ودفعها لهم عند البلوغ وعدم اضطهاد اليتيمة في الزواج .

لقد جعلت الشريعة الإسلامية نصيباً لليتامى الصغار في ميراث أبيهم وأمهم ، فقد كان الأبناء الكبار في الجاهلية هم الذين يستولون على الميراث ، فنزل قوله تعالى [يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ…]([654]).

فصارت حصة الكبير والصغير من الأولاد متساوية ، وإن كان الولد الكبير زعيم قومه والآخر رضيع ، بل حتى الحمل يعزل له ميراث حصة توأم ، فاذا ولد ذكراً صارت له حصة ذكر ، ووزع الباقي على جميع الورثة ، وهكذا إذا ولدت بنتاً تكون لها حصتها نصف حصة الذكر .

وهل تخصيص القرآن نصيباً لليتيمة من الميراث سبب في مناجاة الكفار فيما بينهم لمحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه جاء بشريعة تتعارض مع طغيانهم وسلطانهم ، الجواب نعم.

لبيان قانون أحكام العدالة الإجتماعية في القرآن سبب لحمل المشركين السيوف لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقانون خزي الذين حاربوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم .

ومن معاني قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]([655]) صرف البلاء وقلة الرزق عن الناس بالعناية بالإيتام والبر بهم والإحسان إليهم ، وحفظ أموالهم ، ولنجاة المسلمين من هذا البلاء تفضل الله بتعدد الآيات التي تخص الأيتام وأموالهم ، ومنه آية البحث .

إعانة اليتيم من القربى

قوله تعالى [يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ]([656]) من سورة البلد ، والمراد من البلد في قوله تعالى [لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ]([657])، هو مكة.

ونزلت هذه الآية على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو في مكة قبل هجرته إلى المدينة لقوله تعالى [وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ]([658]) أي ساكن ومقيم فيه ، وفي نزولها يوم فتح مكة ورد الخبر عن ابن عباس ([لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ]([659]) قال : مكة [وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ]([660]) يعني بهذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أحل الله له يوم دخل مكة أن يقتل من شاء ويستحيي من شاء ، فقتل يومئذ ابن خطل صبراً ، وهو آخذ بأستار الكعبة ، فلم يحل لأحد من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقتل فيها حراماً بحرمة الله ، فأحل الله له ما صنع بأهل مكة)([661]).

لذا (ذكر ابن عطية قولاً بأن السورة نزلت يوم فتح مكة فهي مدنية ([662]).

و(عن أبي بزرة الأسلمي قال : فيَّ نزلت هذه الآية [لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ]([663]) خرجت فوجدت عبد الله بن خطل متعلقاً بأستار الكعبة فضربت عنقه بين الركن والمقام)([664]).

ومضامين هذه السورة وعدد آياتها وما فيها من الوعيد أمارة على أنها من السور المكية التي نزلت قبل الهجرة .

وفيه تعريض بقريش ، فمع أنهم كانوا يعظمون مكة ، فأنهم قاموا بأمور قبيحة فيها ، منها :

الأول : نصب الأصنام في الكعبة .

الثاني : عبادة الأوثان بجوار البيت الحرام .

الثالث : كانوا يستحلون إيذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه في ذات الوقت الذي يعظمون فيه البيت الحرام ، ويمتنعون عن ظلم الناس فيه.

(وعن الصادق عليه السلام قال: كانت قريش تعظم البلد وتستحل محمدا صلى الله عليه وآله فيه، فقال: [لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ]([665]) يريد أنهم استحلوك فيه فكذبوك وشتموك. الحديث)([666]) .

والمختار أن سورة البلد مكية نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة في ذم الذين كفروا  من أهلها ، وفيه وجوه :

الأول : إنذار الذين كفروا .

الثاني : دعوة الناس للتحلي بالأخلاق الحميدة .

الثالث : الشأن العظيم لإقامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في البلد ، وترشح البركة عن هذه الإقامة ، وعن اقتران نزول القرآن بها .

الرابع : حب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لليتامى .

الخامس : أولوية الإنفاق على اليتيم ذي القربى لجمعه بين خصال :

الأولى : صلة الأرحام ، وقد تقدم قبل آيتين [وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ]([667]) .

الثانية : الفقر والفاقة .

الثالثة : اليتيم وفقدان الأب .

ولم يرد لفظ [مَقْرَبَةٍ] في القرآن إلا في الآية أعلاه من سورة البلد .

لتبين الآية أن إطعام اليتيم ذي القربى وسيلة لإجتياز عقبة وحساب شديد في الطريق إلى الجنة .

وعن (أبي الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن أمامكم عقبة كؤداً لا يجوزها المثقلون فأنا أريد أن أتخفف لتلك العقبة)([668]).

ويفيد الجمع بين الآية أعلاه وآيات الأيتام الأخرى وجوهاً :

الأول : قانون إحسان الناس إلى اليتامى رشاد.

الثاني : قانون الإحسان إلى اليتامى واقية من عذاب النار يوم القيامة .

الثالث : قانون السعي في إعانة اليتيم من ذوي القربى وغيرهم ، لقانون العموم في المستحبات وللأجر والثواب.

الرابع : أولوية اليتيم ذي القربى في مسائل التكافل الإجتماعي .

إيمان العجائز

هذا اليوم هو الرابع عشر من شهر أيلول من السنة السادسة والعشرين بعد الألفين .

وقد صدر لي قبل أربع وثلاثين سنة كتاب (مصطلحات فقهية) قدمت منه هدية للسيد الأستاذ الصدر وبعده بأيام وعندما انتهى من بحثه الخارج سرت معه إلى المكتب وسألته عنه فأشاد به ، ولكنه قال إنه مختصر لابد من توسعته .

لتمر السنون ويصدر هذا الكتاب بعد ثلاثين سنة بحلة جديدة بأكثر من ثلاثمائة صفحة بفضل ولطف من عند الله عز وجل ، ويأتي الجزء الثاني منه ان شاء الله ، وكتاب آخر خاص بالمصطلحات الأصولية .

وموضوعنا الدعاء : اللهم إيماناً كايمان العجائز.

أي إيمان على الفطرة التي جبل الله عز وجل عليها الناس دون عناء التعلم والإستدلال والتبصر طلباً للهداية إلى التوحيد .

وفيه قصة أن المفسر فخر الدين الرازي والمتوفى سنة (606 هجرية) مرّ ذات يوم في موكب مع طلابه وخدمه بأمرأة عجوز من عجائز نيسابور ، وكان غنياً واسع الثروة والجاه في عصره تأتيه العطايا والهبات من الملوك والأمراء في خوارزم ، ويقومون بزيارته .

وتتوزع أراضي خوارزم اليوم بين أوزبكستان وتركمانستان .

وعند الرازي مراكب ثمينة ، وله خمسون مملوكاً ، فموكبه كبير .

فسألت العجوز من هذا : قالوا لها إنه الإمام الفخر الرازي الذي وضع ألف دليل على وجود الله .

فقالت : سبحان الله ، أو يحتاج الله للأدلة على وجوده لولا عند هذا الإمام ألف شك لما وضع ألف دليل .

فنقلوا كلامها للفخر الرازي فقال : اللهم إيماناً كإيمان العجائز .

لإرادة اليقين والتصديق الفطري ، والتسليم بالشواهد الحسية التي تدل على المدركات العقلية .

وسئل الإمام علي عليه السلام (عن إثبات الصانع: البعرة تدل على البعير، والروثة تدل على الحمير، وآثار القدم تدل على المسير، فهيكل علوي بهذه اللطافة ومركز سفلي بهذه الكثافة كيف لا يدلان على اللطيف الخبير)([669]).

(وقيل لبعض الأعراب : ما الدليل على أنَّ للعالم صانعاً .

فقال : إنَّ البعرة تدلُ على البعير ، وآثار القدم تدلُ على المسير ، وهيكل علَّوي بهذه اللطافة ومركز سفلي بهذه الكثافة؛ أما يدلاَّن على الصانع الخبير)([670]).

ومن مصاديق قوله تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ]([671]) إذ ينجذب كل إنسان وحسب مداركه إلى شواهد التوحيد .

في العبادات المكروهة

من العبادات المكروهة الصلاة في مواضع التهمة.

والمراد من مواضع التهمة هي الأمكنة التي يتهم فيها المصلي باستخفافه بالصلاة ، كمواطن الإبل ، والمزابل ، ووردت في النهي عنها جملة من الأخبار .

و(عن جابر بن سمرة أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله أفأصلي في مرابض الغنم ، قال : نعم ، قال : أفأصلي في مبارك الإبل ؟ قال : لا)([672]).

و(عن المعلى بن خنيس قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الصلاة في معاطن الابل ؟ فكرهه ، ثم قال : إن خفت على متاعك شيئاً فرش بقليل ماء وصل)([673]).

قد لا ينطبع العنوان على المعنون فأصل العبادات هي الوجوب ،أو الإستحباب ، وكل منهما أمر حسن بالذات والأثر ولكن الكراهة تأتي بالعرض بلحاظ المكان أو الزمان .

والعبادة لغة هي التذلل والخضوع ، ويقال طريق معبد ، أي مذلل ، ذللته الأقدام .

وقال طرفة بن العبد في معلقته :

تُبَارِي عِتَاقاً نَاجِيَاتٍ وأَتْبَعَـتْ … وظِيْفـاً وظِيْفاً فَوْقَ مَوْرٍ مُعْبَّـدِ

وقوله : فوق مور معبد : أي فوق طريق مذلل من كثرة السير عليه ، والمراد من المور : الطريق .

والعبادة في الإصطلاح هي اسم جامع لكل ما يحبه الله عز وجل من العقائد والأفعال وما فيه الإمثال لأوامره ونواهيه ، وما فيه قربة إلى الله عز وجل .

لذا فان ترك معصية الله أمر وجودي وعبادة لما فيها من النية والقصد وإرادة التقرب إلى الله وتوحيد العبادة هي العبادة لله عز وجل وحده ، وهي خالصة له .

وقال تعالى [مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]([674]).

لبيان أن العبادة هي العمل الصالح المقرون بقصد القربة إلى الله ، وتتجلى شروطه بقوله تعالى [وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]([675]).

وفي عوالي الآلي قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الإيمان بضعة وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله و أدناها إماطة الأذى عن الطريق)([676]).

مما يدل على أن الإيمان قول وعمل .

من مصاديق الإيمان

وعن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام قال : حدثني أبي عن أبائه عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (الإيمان معرفة بالقلب ، وإقرار باللسان ، وعمل بالأركان).

والمراد من المعرفة بالقلب هي التسليم بالربوبية المطلقة لله عز وجل والتصديق الجازم بكل ما نزل به القرآن وما أخبر به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أحكام الشريعة وعلوم الغيب .

والإيمان لغة هو الإقرار والتصديق .

والإقرار باللسان : النطق بالشهادتين والولاية ، والإيمان بالملائكة ، ومصاديق الإيمان ، والذكر الكثير ، وتنزيه مقام الربوبية والتسليم بصفات الكمال المطلق لله عز وجل.

أما العمل بالإركان فهو اتيان ما أمر الله عز وجل به من العبادات ، واجتناب مانهى الله عز وجل عنه .

والإيمان من الكلي المشكك الذي يقبل الزيادة والنقيصة .

وكذا قال أهل السنة والمعتزلة ، وتعددت أقوال المعتزلة في الإيمان وأجمعوا على أن الإيمان قول ومعرفة وعمل ، وأعطوا الأولوية للعمل ، واختلفوا فيما بينهم هل النوافل داخلة في الإيمان أم لا .

وقال الخوارج : إن الإيمان قول وعمل ، وهو حقيقة مشتركة لا يزيد ولا ينقص ، وقالوا بأن صاحب الكبيرة يكفر فهو كافر مثل الزاني والسارق لأن الإيمان عندهم جميع الطاعات .

وقال المعتزلة بالأصول الخمسة هي (التوحيد ، العدل ، والوعد والوعيد ، والمنزلة بين المنزلتين ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).

إذ اثبتوا الوحدانية لله ، ونفوا رؤيته في الآخرة ، وقيل أنهم نفوا الصفات لله كالعلم والسمع والقدرة والبصر لأن اثباتها يستلزم تعدد القدماء .

والعدل هو تنزيه الله عن خلق الشر أو ظلم العباد .

إنما الإنسان مخير في أفعاله ، وهو خالق لها ويقرون بأن الله هو الذي أعطاهم القدرة على الفعل أو الترك ، وقيل بهذا انكروا القدر لذا يلقبون بالقدرية .

ونسب لهم القول بأن العبد مستقل بارادته وهو خالق لإفعاله .

وهذه التسمية غير مطابقة للمسمى ، لأن المتبادر من معنى القدرية أي الذين يؤمنون بالقدر .

والقدرية مدرسة كلامية ، والقدرية نقيض الجبرية الذين ينكرون إرادة العبد ويجعلونه مجبراً على أفعاله ، ويسلبون إرادته تماماً وكلا القولين خلاف ما عليه عامة علماء الإسلام .

ووردت النصوص عن أهل البيت بالإيمان بالقدر والقضاء .

والقدر هو التقدير الإلهي للأشياء وما مكتوب في اللوح المحفوظ .

والقضاء هو إبرامها وتحققها الخارجي عند توفر عللها .

لعدم تخلف المعلول عن علته أو ابتداءً من عند الله وفي التنزيل [وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ]([677]) ، [فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ]([678]).

ولا يقول الإمامية بالجبر وهو سلب الإختيار ، أو التفويض اي استقلال العبد المطلق عن قدرة الله .

وهو من معاني قوله تعالى [وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا]([679])، [وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا]([680]).

وقال ابن تيميّة (وأيضا فموسى بن جعفر وسائر علماء أهل البيت متفقون على إثبات القدر والنقل بذلك عنهم ظاهر معروف وقدماء الشيعة كانوا متفقين على إثبات القدر والصفات وإنما شاع فيهم رد القدر من حين اتصلوا بالمعتزلة في دولة بني بويه)([681]).

ولا أصل لقوله (وانما شاع فيهم).

والدولة البويهية حكمت في القرن الرابع الهجري ، أسسها أخوة ثلاثة كان أبوهم رجل جيلاني يصطاد السمك ، يسكنون بلاد الديلم وهي منطقة بحر قزوين ، وحكموا أجزاء واسعة من ممتلكات الدولة العباسية حتى سمي باسمها من سنة 334-447 هجرية.

وكان الولد الأكبر منهم أحمد معز الدولة تولى الإمارة والحكم .

(أما نسبهم فيرتفع من بويه إلى واحد واحد من ملوك الفرس حتى يتصل بيهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، عليه السلام، وكذلك إلى آدم أبي البشر، وليسوا من الديلم وإنما سموا بالديلم لأنهم سكنوا بلاد الديلم .

أما ابتداؤها: فإنها دولة نبعت بما لم يكن في حساب الناس، ولم يخطر بعضه ببال أحد، فدوخت الأمم وأذلت العالم واستولت على الخلافة، فعزلت الخلفاء وولتهم، واستوزرت الوزراء وصرفتهم، وانقادت لأحكامها أمور بلاد العجم وأمور العراق، وأطاعتهم رجال الدولة بالاتفاق .

هذا بعد الضيق والفقر والذلة والمسكنة ومعاناة الحاجة والاضطهاد، فإن جدهم أبا شجاع بويه وأباه وجده كانوا كآحاد الرعية الفقراء ببلاد الديلم، وكان بويه صياد السمك، وقد كان معز الدولة بعد تملكه البلاد يعترف بنعمة الله تعالى ويقول: كنت أحتطب الحطب على رأسي.

فكان من مبدأ دولتهم ما حدث به شهريار بن رستم الديلمي قال: كان أبو شجاع بويه في مبدإ أمره صديقاً لي، فدخلت عليه يوماً وقد ماتت زوجته أم أولاده الثلاثة الذين تملكوا البلاد، وهم عماد الدولة أبو الحسن علي وركن الدولة أبو علي الحسن ومعز الدولة أبو الحسين أحمد .

وقد اشتد حزن أبي شجاع بويه على زوجته، فعزيته وسكنت قلقه ونقلته إلى منزلي وأحضرت له طعاماً وجمعت إليه أولاده الثلاثة)([682]).

إنما سائر علماء مدرسة اهل البيت يقولون بالرجوع للكتاب والسنة النبوية وأحاديث الأئمة المعصومين فلا يحدث بينهم تضاد ، وهم متفقون على اثبات القدر ، كغيرهم من علماء الإسلام .

وحتمية يوم القيامة وأن الله عز وجل ينفذ وعيده بمصائر الناس يوم القيامة ، وقال تعالى [فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ]([683]).

وقال المعتزلة ان مرتكب الكبيرة الذي يموت دون توبة مخلد في النار ، ولا يجوز في حقه العفو أو الشفاعة .

أما المنزلة بين المنزلتين فان مرتكب الكبيرة من المسلمين لا يسمى مؤمناً ولا كافراً ، بل منزلة متوسطة بين الإيمان والكفر فاسق .

أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : فهو وجوب الإصلاح والجهاد لدفع الشرور ، لذا ذهبوا إلى القول بوجوب تغيير المنكر ولو بالسيف مع الإمكان ، وعدم ترتب شر أكبر عليه يلتقوا به مع الخوارج .

وأطلق على المعتزلة (المعطلة) لأنهم عطلوا الصفات فوافقوا الجهمية.

ولكن المعتزلة سموا أنفسهم أهل التوحيد والمنزهون لله ، ونعتوا من عاداهم باسمه ، فسموا أهل السنة : المشبهة ، الحشوية .

ورد المعتزلة الأحاديث الواردة في الشفاعة لعصاة المؤمنين من أهل الكبائر .

ومن العدل الذين قالوا به أن أصحاب الكبائر من المؤمنين إذا ماتوا من غير توبة فانهم يستحقون النار خالدين بها ، إي أن عقابهم أخف من عقاب الكافرين .

وجوب المهر

من مصاديق إكرام الإسلام للمرأة مجيؤه بوجوب دفع المهر للزوجة لقوله تعالى [فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً]([684]) ولا يصح إسقاط المهر وإن كانت المرأة راغبة في الزواج أكثر من رغبة الرجل للحصر والتخصيص الوارد في قوله تعالى [خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ]([685]) .

ولو تم عقد النكاح من غير تعيين للمهر صح العقد وتستحق المرأة معه مهر المثل الذي يدفع لقرائنها من النساء .

ومن إكرام المرأة في المقام تملك المرأة للمهر ، وعدم جواز أخذ الأب أو الأخ أو غيرهما منه إلا برضاها .

ويكون المهر عوناً لها في تجهيز مستلزمات الزواج ، ومقدمات حسن المعاشرة مع الزوج بالمعروف .

وتضمنت آية البحث إكراماً للمرأة بهذا الخصوص من وجوه :

الأول : اجتناب غبن اليتيمة وبخسها حقها في المهر عند الزواج .

الثاني : حرمة الإستيلاء على مال اليتيمة عند الزواج منها .

وعن الحسين بن فرج قال : جاء رجل إلى علي بن أبي طالب عليه السلام (فقال: يا أمير المؤمنين، ما أمري وما أمرُ يتيمتي؟ قال: في أيّ بالكما قال: ثم قال علي : أمتزوّجها أنت غنيةً جميلةً .

قال : نعم ، والإله قال : فتزوّجها دميمة لا مال لها! ثم قال علي: خِرْ لها فإن كان غيرك خيرًا لها فألحقها بالخير)([686]).

الثالث : وجوب دفع المهر لليتيمة بمثل مقدار مهر مثلها من النساء أو زائداً عليه .

وهذه الوجوه من مصاديق قوله تعالى [وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى…]([687]).

الرابع : التوقف عن تعدد الزوجات بسبب المهر وكلفته ، فيكتفي الرجل بزوجة واحدة لتوفير أسباب المعيشة له ولأولاده .

وليكون من معاني قوله تعالى [فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً…]([688]) مجئ العول والظلم على الزوجة الأولى والأولاد بالزواج من ثانية ، لتكاليف الزواج الجديد .

قوانين الجزء 276

وفيه القوانين التالية :

الأول : قانون تعاون المسلمين والناس جميعاً لحفظ حقوق اليتامى .

الثاني : قانون تنظيم حياة  الأسرة المسلمة .

الثالث : قانون الثواب لا ينحصر بالعبادات ، وإن كانت واجبة.

الرابع : قانون لزوم إيلاء المؤمنين عناية خاصة باليتامى وهو سبيل لهدايتهم وتنشئتهم في طاعة الله .

الخامس : قانون حفظ أموال اليتامى ثم إعادتها لأصحابها أمانة تتجدد كل يوم .

السادس : قانون حفظ أموال اليتامى فقاهة في الدين .

السابع : قانون الآية القرآنية إصلاح للمجتمعات .

الثامن : قانون التعاون العام بين الناس للإمتثال لأحكام الآية القرآنية .

التاسع : قانون التقوى في الإصطلاح أعم من معناها اللغوي .

العاشر : قانون تقوم الصلة مع ذوي القربى بالخشية والخوف من الله عز وجل .

الحادي عشر : قانون صلة الأرحام بمصاديق وسنن أحكام الشريعة .

الثاني عشر : قانون صلة الأرحام  بقصد القربة إلى الله من الإيمان .

الثالث عشر: قانون التحذير والإنذار من إعانة الأيتام من الأرحام على الشر والفسوق والفجور ، فهم أمانة عهدية بيد مجتمع المسلمين ، والأولياء والأوصياء وذوي القربى خاصة .

الرابع عشر : قانون دفع أموال اليتامى لهم عند بلوغهم من خشية وتقوى الله .

الخامس عشر : قانون الإستحواذ على مال اليتيم كسب خبيث وفعل مذموم .

السادس عشر : قانون دفع أموال اليتامى لهم من تقوى الله .

السابع عشر : قانون تقوم الحكم بسنن التقوى .

الثامن عشر : قانون البسملة وسيلة لقضاء الحاجات ومنها استغناء الأولياء عن أموال اليتامى .

التاسع عشر : قانون الإتيان بالبسملة واقية وحرز من الشيطان .

العشرون : قانون البسملة تنمية لملكة الإيمان .

الواحد والعشرون : قانون آية البحث رحمة عامة .

الثاني والعشرون : قانون الملازمة بين خلافة الأرض والتقوى .

الثالث والعشرون : قانون استدامة الحياة بالتقوى .

الرابع والعشرون : قانون تجلي التقوى بعبادة الله تعالى ، قال تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ]([689]).

الخامس والعشرون : اختتمت آية البحث بقانون من الإرادة التكوينية جامع للبشارة والإنذار بقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا]([690]).

السادس والعشرون : قانون حفظ أموال اليتامى مدة اليتم وأيام ما قبل البلوغ .

السابع والعشرون : قانون الإنفاق على اليتامى من أموالهم بالحق وعدم التعدي أو التفريط ، وهو من مصاديق الإطلاق ، وذكر اليتامى بالنص في قوله تعالى [وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ]([691]) .

الثامن والعشرون : قانون دفع أموال اليتامى لهم بعد البلوغ والرشد .

التاسع والعشرون : قانون المنع من حبس أموال اليتامى أو التسويف أو التأخير في دفعها ، وإيجاد الشروط أو الموانع دون دفع أموالهم لهم .

الثلاثون : قانون أكل أموال اليتامى خبيث وضار على أصحابه .

الواحد والثلاثون : قانون التعدي على أموال اليتامى ظلم وإثم عظيم .

الثاني والثلاثون : قانون كل إنسان يحتمل أن يكون أبناؤه يتامى ، للجهل بما يصيب الإنسان في غد ، فقال تعالى [وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا]([692]).

الثالث والثلاثون : قانون حبس أموال اليتامى حرام .

الرابع والثلاثون : قانون الإستحواذ على أموال اليتامى ظلم .

الخامس والثلاثون : قانون الحصانة السماوية لأموال اليتامى .

السادس والثلاثون : قانون المنع من إيجاد الذرائع بغية تأخير دفع أموال اليتامى لهم عند بلوغهم .

السابع والثلاثون : قانون إمتناع الولي من الإنتفاع الشخصي من مال اليتيم .

الثامن والثلاثون : قانون دفع مال اليتيم له حال البلوغ والرشد .

التاسع والثلاثون : قانون وجود اليتامى في كل مجتمع .

الأربعون : قانون حفظ الله لليتامى وأموالهم بنص هذه الآية وأحاديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبالوقائع الأحداث .

الواحد والأربعون : قانون الدنيا دار الأوامر والنواهي الإلهية .

الثاني والأربعون : قانون الدنيا دار التكاليف ، وإقامة الأمر الإلهي في القرآن الوجوب إلا أن يدل دليل على الإستحباب ، والزكاة واجبة .

الثالث والأربعون : قانون عناية الشريعة باليتامى مطلقاً .

الرابع والأربعون : قانون بعث المسلمين والناس جميعاً على إعانة اليتيم سواء كان محتاجاً أو غير محتاج .

الخامس والأربعون : قانون الرفق العام بالذين يحتاجون العطف والإحسان .

السادس والأربعون : قانون الكرم قربة إلى الله تعالى .

السابع والأربعون : قانون إطعام الطعام في حب الله عز وجل كي ينال الإنسان فيه الأجر والثواب ، سواء كان مستحباً أو مباحاً.

الثامن والأربعون : قانون النهي عن أكل أموال اليتامى .

التاسع والأربعون : قانون الملازمة بين الحلال والطيب.

الخمسون : قانون القمار ظلم للذات والعائلة . 

الواحد والخمسون : قانون القمار فساد في الأرض .

الثاني والخمسون : قانون القمار مقدمة للأخلاق المذمومة ، والتعدي والظلم.

الثالث والخمسون : قانون الإنسان ليس مخير في موارد التكليف .

الرابع والخمسون : قانون تقريب الإنسان بالتنزيل والنبوة إلى فعل الخير وأكل الطيب.

الخامس والخمسون : قانون بقاء أموال اليتامى في حرز .

السادس والخمسون : قانون تعاهد أموال اليتامى .

السابع والخمسون : قانون أموال اليتامى وديعة .

الثامن والخمسون : قانون الولاية على أموال اليتامى أمانة مالكية شرعية.

التاسع والخمسون : قانون لو دار الأمر في عودة الضمير بين الخاص والعام فالأصل هو العام.

الستون : قانون اتيان المنهي عنه يؤدي إلى الفساد.

الواحد والستون : قانون بالنواهي القرآنية حماية للأفراد والمجتمعات من الضلالة وأسباب الهلكة.

الثاني والستون : قانون مال اليتيم أمانة.

الثالث والستون : قانون مصاحبة الأمانة للإيمان .

الرابع والستون : قانون لا إيمان لمن لا أمانة له .

الخامس والستون : قانون الصدق والأمانة مقدمة للنبوة وملازمين لها.

السادس والستون : قانون الحسن الذاتي للسلم.

السابع والستون : قانون التضاد بين تقوى الله الذي تأمر به آية البحث وبين الغزو بين القبائل والحروب .

الثامن والستون : قانون لو تعارضت المقولة الشائعة مع الكتاب والسنة فيجب طرحها .

التاسع والستون : قانون الجمع بين الأمر والوعيد.

السبعون : قانون اللطف في الخطابات العامة .

الواحد والسبعون : قانون استقلال كل يتيم بما له وإن كانوا إخوة .

الثاني والسبعون : قانون زجر الأولياء ونحوهم عن الإستيلاء على أموال اليتامى كثيرة كانت أو قليلة .

الثالث السبعون : قانون نزول القرآن للإنظمة الإجتماعية .

الرابع والسبعون : قانون لزوم انتفاء الظلم داخل الأسرة الواحدة.

الخامس والسبعون : قانون ولاية الله لليتامى .

السادس والسبعون : قانون الزجر عن التصرف في أموال اليتامى .

السابع والسبعون : إذ يتجلى في آية البحث قانون حفظ أموال اليتامى مطلقاً .

الثامن والسبعون : قانون الأحسن في الإقتراب والدنو من مال اليتيم ومن الأحسن عدم المجازفة في مال اليتيم وإجتناب توظيفه في عمل وكسب حرام .

التاسع والسبعون : قانون نزول القرآن لإصلاح المجتمعات .

الثمانون : قانون دعوة الأمراء بالعناية بالأيتام في العطاء.

الواحد والثمانون : قانون مسؤولية كل ولي ليتيم في حفظ أموال اليتيم.

الثاني والثمانون : قانون موضوعية أول الآية في آخرها وبالعكس .

الثالث والثمانون : قانون لحاظ سياق الآية الكريمة لمعرفة تفسير الكلمة والأمر والنهي الوارد فيها .

الرابع والثمانون : قانون موضوعية الكلمة القرآنية في المسائل المستقرأة من سياق الآيات .

الخامس والثمانون : قانون جمع الحرف بين التعليل والعطف.

السادس والثمانون : قانون إنتفاء التعارض بين التعليل والعطف.

السابع والثمانون : قانون صيانة أموال اليتامى .

الثامن والثمانون : قانون هو إجتناب الظلم والميل عن العدل .

التاسع والثمانون : قانون لزوم إنصاف اليتيمة في مهرها وتمام حقوقها .

التسعون : قانون التركة أعم من المال .

الواحد والتسعون : قانون الحسن الذاتي للإحسان لليتامى .

الثاني والتسعون : قانون عناية الناس جميعاً باليتامى ومنه كفالة اليتيم ، وعدم إنحصار هذه الآية بأولياء اليتامى .

الثالث والتسعون : قانون الملازمة بين صلة الأرحام والعدل.

الرابع والتسعون : قانون عدم جواز اتخاذ الخبيث مقدمة للطيب .

الخامس والتسعون : قانون موضوعية ماهية المقدمة في حكم ذيها .

السادس والتسعون : قانون الإمتناع عن العمل الذي قد يتضمن ظلماً لليتامى .

السابع والتسعون : قانون بالعدل حصانة من دعاء المظلوم .

الثامن والتسعون : قانون العدل في اليتامى من التقوى .

التاسع والتسعون : قانون التنزه عن الظلم في باب النكاح وغيره.

المائة : قانون حفظ القرآن لحقوق وأموال اليتامى .

الواحد بعد المائة : الآية القرآنية قانون عام .

الثاني بعد المائة : من إعجاز الآية القرآنية أنها نظام وقانون عام ومتجدد في كل زمان .

الثالث بعد المائة : قانون كفالة اليتيم.

الرابع بعد المائة : قانون التنزه عن القسط والظلم في اليتامى .

الخامس بعد المائة : قانون الترغيب بالعناية باليتامى وحفظ حقوقهم .

السادس بعد المائة : قانون النكاح المتعدد حرب على الفساد .

السابع بعد المائة : قانون تعدد الزوجات واقية من الزنا .

الثامن بعد المائة : قانون الزواج المتعدد برزخ دون تعطيل الأرحام .

التاسع بعد المائة : قانون عدم الذهاب إلى تعدد الزوجات إلا بعد التأكد من إحراز العدل بينهن.

العاشر بعد المائة : قانون موضوعية العدل بين الزوجات كشرط في تعددهن .

الحادي عشر بعد المائة : قانون الإكتفاء بزوجة واحدة تخفيف وسلامة .

الثاني عشر بعد المائة : قانون أولوية العدل والصلاح .

الثالث عشر بعد المائة : قانون تعاهد اليتامى .

الرابع عشر بعد المائة : قانون حق اليتيمة في إختيار زوجها ، وعدم إكراهها على الزواج من الولي .

الخامس عشر بعد المائة : قانون قبح ظلم اليتامى .

السادس عشر بعد المائة : قانون العدل بين الزوجات .

السابع عشر بعد المائة : قانون (اللطف الخاص) وهو أن لله عز وجل على كل إنسان لطفاً خاصاً ينفرد به من بين الناس من أيام آدم وإلى يوم القيامة.

الثامن عشر بعد المائة : قانون عدم جواز المباح بظلم الآخرين.

التاسع عشر بعد المائة : قانون حالما تظنون العجز عن توفير العدالة بين الزوجات يكون الإعراض عن الزواج من ثانية أو ثالثة أو رابعة.

العشرون بعد المائة : قانون اجتناب الظلم العائلي بترك تعدد الزوجات عند الخشية من فقدان العدالة بينهن .

الواحد والعشرون بعد المائة : قانون ترك تعدد الزوجات عند العجز عن الإنفاق عليهن .

الثاني والعشرون بعد المائة : قانون الإحتراز بإجتناب ظلم اليتامى أو بخسهم حقوقهم .

الثالث والعشرون بعد المائة : قانون تعاهد اليتامى وأموالهم مسؤولية عامة ولا تختص بأوليائهم .

الرابع والعشرون بعد المائة : قانون الحساب الشديد عن اليتامى يوم القيامة.

الخامس والعشرون بعد المائة : قانون اليتيم وديعة عند الولي وغيره من الناس.

السادس والعشرون بعد المائة : قانون تنمية ملكة العدل والإحسان للمستضعفين والناس جميعاً.

السابع والعشرون بعد المائة : قانون إجتناب الحرام مع الظن بحدوثه.

الثامن والعشرون بعد المائة : قانون الرفق باليتامى.

التاسع والعشرون بعد المائة : قانون اليتامى أمانة من عند الله عز وجل.

الثلاثون بعد المائة : قانون اليتامى وديعة عند المجتمع .

الواحد والثلاثون بعد المائة : قانون اختيار الأحسن والأنفع لليتيم .

الثاني والثلاثون بعد المائة : قانون إعانة اليتيم سواء الذي عنده مال أو تركة أو الفقير.

الثالث والثلاثون بعد المائة : قانون الإسلام دين الصلاح والإصلاح  .

الرابع والثلاثون بعد المائة : قانون تقوم الحياة بالعمل بالقرآن وأحكامه وسننه .

الخامس والثلاثون بعد المائة : قانون العدل في اليتامى .

السادس والثلاثون بعد المائة : قانون الحيطة والحذر مما يحتمل معه التعدي على اليتامى في أنفسهم وأموالهم .

السابع والثلاثون بعد المائة : قانون حاجة اليتامى والناس لنزول القرآن .

الثامن والثلاثون بعد المائة : قانون القرآن نظام شامل للحياة الإجتماعية.

التاسع والثلاثون بعد المائة : قانون الآية القرآنية مدرسة في الأخلاق الحميدة .

الأربعون بعد المائة : قانون العدل بين النساء من إعجاز القرآن بإكرامهن وحفظ حقوقهن .

الواحد والأربعون بعد المائة : قانون لزوم رضا المرأة بالخاطب .

الثاني والأربعون بعد المائة : قانون العدالة الأسرية .

الثالث والأربعون بعد المائة : قانون ترغيب السنة النبوية بالعتق .

الرابع والأربعون بعد المائة : قانون حذف المتعلق يدل على العموم.

الخامس والأربعون بعد المائة : قانون تلقي المسلمين في كل جيل وإلى يوم القيامة الأحكام التكليفية الواردة في القرآن بالقبول والإمتثال .

السادس والأربعون بعد المائة : قانون منع القرآن من الكسل .

السابع والأربعون بعد المائة : قانون طرد القرآن للخمول .

الثامن والأربعون بعد المائة : قانون محاربة القرآن للأخلاق المذمومة كالغيبة والنميمة ، قال تعالى [وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ]([693]).

التاسع والأربعون بعد المائة : قانون زجر القرآن عن اتباع ما يخالف أحكام الشريعة ، ومدركات العقل.

الخمسون بعد المائة : قانون تقريب الآية القرآنية الناس للإيمان .

الواحد والخمسون بعد المائة : قانون تعضيد الآية القرآنية المسلم للعمل بطاعة الله .

الثاني والخمسون بعد المائة : قانون انتفاع المستضعفين من آيات القرآن ، وهو من أسرار سرعة انتشار الإسلام .

الثالث والخمسون بعد المائة : قانون موضوعية نظم الآية في أحكامها ودلالة كلماتها.

الرابع والخمسون بعد المائة : قانون موضوعية نظم الآية في الحكم الوارد فيها .

الخامس والخمسون بعد المائة : قانون بركة ولادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الناس جميعاً.

السادس والخمسون بعد المائة : قانون ولادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إشراقة ونعمة عظمى.

السابع والخمسون بعد المائة : قانون المعجزة تغني عن الغزو .

الثامن والخمسون بعد المائة : قانون التعدد السندي .

التاسع والخمسون بعد المائة : قانون حاجة الناس إلى البركة .

الستون بعد المائة : قانون الملازمة بين النبوة والبركة .

الواحد والستون بعد المائة : قانون إكرام اليتيم .

الثاني والستون بعد المائة : قانون الإبتلاء بسبب إيذاء اليتيم .

الثالث والستون بعد المائة : قانون البر باليتيم بسبب يتمه .

الرابع والستون بعد المائة : قانون إكرام اليتامى واقية .

الخامس والستون بعد المائة : قانون أحكام العدالة الإجتماعية في القرآن سبب لحمل المشركين السيوف لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم 

السادس والستون بعد المائة : قانون خزي الذين حاربوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم .

السابع والستون بعد المائة : قانون إحسان الناس إلى اليتامى رشاد.

الثامن والستون بعد المائة : قانون الإحسان إلى اليتامى واقية من عذاب النار يوم القيامة .

التاسع والستون بعد المائة : قانون السعي في إعانة اليتيم من ذوي القربى وغيرهم ، لقانون العموم في المستحبات وللأجر والثواب.

السبعون بعد المائة : جاءت الشريعة بقانون ضمان حقوق القاصرين .

الواحد والسبعون بعد المائة : قانون رعاية القاصرين مطلقاً ممن لم يبلغوا سن الرشد سواء كانوا يتامى أو مع وجود آبائهم .

الثاني والسبعون بعد المائة : قانون توجيه وتأديب المسلمين للعمل المناسب في كل واقعة .

الثالث والسبعون بعد المائة : قانون منع الإختلاف والخصومة بين المسلمين .

من الردود الكريمة على عدد من أجزاء هذا السِفر المبارك

  1. سماحة الإمام شيخ الأزهر.
  2. سماحة العلامة الشيخ أ.د. مفتي جمهورية مصر العربية.
  3. سيادة رئيس مجلس القضاء الأعلى/ العراق .
  4. سيادة مستشار الأمن القومي السيد قاسم الأعرجي .
  5. الأمين العام لإتحاد المؤرخين العرب.
  6. سعادة أ.د .رئيس جامعة ديالى .
  7. سعادة أ.د. مدير جامعة الملك فيصل/ المملكة العربية السعودية .
  8. سعادة أ.د. مدير جامعة كردفان/ الجمهورية السودانية.
  9. سعادة أ.د. مدير الجامعة الإسلامية/ المدينة المنورة.
  10. سعادة أ.د. رئيس الجامعة العراقية.
  11. سعادة أ.د.مدير جامعة الأمير عبد القادر/ الجمهورية الجزائرية .
  12. سعادة أ.د. رئيس جامعة البصرة /  العراق.
  13. سعادة أ.د. رئيس جامعة القادسية /  العراق.
  14. سعادة أ.د. رئيس جامعة الكوفة / العراق
  15. سعادة أ.د. رئيس جامعة جدارا/ المملكة الأردنية الهاشمية.
  16. كلية الإمام الاوزاعي للدراسات الإسلامية/ بيروت.
  1.  

السيد صاحب الفضيلة المرجع الديني الشيخ/صالح الطائي

                       أستاذ الفقه والأصول والتفسير والأخلاق

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    وبعد،…..

    فلقد تلقيت بحمد الله رسالتكم الرقيقة وبها الجزء الحادي والخمسون في تفسير آية واحدة من سورة آل عمران من القرآن الكريم.

    نتضرع إلى الله العلي القدير أن يلهمكم العلم النافع وان يجعله في ميزان حسناتكم.

وشكر الله لكم حسن عملكم

                               والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

في: 13 من صفر 1429هـالموافق:20 من فبراير 2008ممصطفى عباس

المرجع الديني الشيخ/صالح الطائي

  صاحب أحسن تفسير للقرآن وأستاذ الفقه والأصول والتفسير والأخلاق

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…وبعد،

فإنه ليسعدني  أن أتقدم لسيادتكم بخالص  الشكر والتقدير والإحترام  على تفضلكم  بإهدائنا نسخة من من الجزء الثاني والثمانين.

وأتمنى  من الله أن  يديم  عليكم نعمة الصحة والعافية وأن يسبغ  عليكم نعمه ظاهرة وباطنه  وان يوفقنا لما يحبه ويرضاه.

شاكرين لكم، ولكم تحياتي

سماحة الشيخ صالح الطائي “المحترم”

تحية طيبة

إشارة إلى كتابكم المرقم(7285/17) المؤرخ في 17/12/2017.

تلقينا ببالغ الإعتزاز إهدائكم نسخة من كتابكم الموسوم(معالم الإيمان في تفسير القرآن) الجزء التاسع والخمسين بعد المائة، نقدم شكرنا وتقديرنا متمنين لكم دوام الموفقية.

   مع التقدير

السلام عليك عليكم ورحمة الله وبركاته

ببالغ الإمتنان والغبطة تلقينا هديتكم الكريمة (الجزء السادس عشر بعد المائتين ) من التفسير المبارك شاكرين حسن معالجتكم لهذا الموضوع المهم ونشد على عضدكم لتقدموا للأمة كل ما ينفعهم وينير بصيرتهم ويجلي الرين عن قلوبهم ليفهموا كتاب الله كما أراد سبحانه أن يفهموه ويعملوا بأحكامه ليكون لهم في الدنيا , مرشداً وفي الآخرة شفيعاً . ونضع أنفسنا وامكاناتنا لخدمة هذا المجهود المبارك سائلين المولى القدير أن يوفقكم لكل خير .  

إلى/ سماحة المرجع الديني للمسلمين الشيخ صالح الطائي المحترم

صاحب أحسن تفسير للقرآن

أستاذ الفقه والأصول والتفسير والأخلاق

م/شكر وتقدير

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :

وأسال الله تعالى أن يوفقكم ويحفظكم  ويرعاكم أنه سميع مجيب الدعاء

تسلمت مع بالغ الشكر والتقدير والإمتنان والإعتزاز اهداءكم لنا الجزء الواحد والثلاثين بعد المائتين من تفسيركم للقرآن وهو بعنوان (آيات السلم محكمة غير منسوخة ) ، وأن هذا الإنجاز يعبر عن مستوى ما متعكم به الله تعالى من امكانات متميزة في الإبداع الفكري والعلمي في مجال تفسيركم للقرآن الكريم ، ولم اقرأ  أو اسمع أن هنالك منجزاً في تفسير القرآن العظيم بمثل ما قدمتموه ، وأني لاعجز عن التعبير عن مدى اعجابي واحترامي وتقديري لما حباكم به الله تعالى من امكانية علمية فريدة ومتميزة .

داعياً الله تعالى لكم بموفور الصحة والسعادة والأجر الفضيل من أجل تقديم المزيد من العطاء لخدمة الإسلام والمسلمين في زمن شح به العطاء والإنتاج الفكري الإسلامي ، دعائي من الله تعالى لكم بمزيد من الصحة والعافية ومزيد من الإنتاج الرائع المتميز .

وسلامي للعائلة العزيزة جميعاً الذين وفروا لك أجواء هذا العمل العلمي المتميز وجزاهم الله خير الجزاء ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

سماحة المرجع الديني الشيخ صالح الطائي المحترم

صاحب أحسن تفسير للقرآن

أستاذ الفقه والأصول والتفسير والأخلاق

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته …

تلقينا بكل تقدير وامتنان اهدائكم نسخة من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) الجزء الثالث والأربعون بعد المائتين ، ونتقدم بخالص الشكر والعرفان على هذا الاهداء ، داعياً الله العلي القدير ان يمدكم بعونه وتوفيقه ، وان يسدد خطاكم ويكلل اعمالكم بالنجاح انه سميع مجيب .

ومن الله التوفيق

فضيلة الشيخ/ صالح الطائي                              الموقر

مكتب المرجع الديني وصاحب أحسن تفسير للقرآن

وأستاذ الفقه والأصول والتفسير والأخلاق

ص.ب -21168 مملكة البحرين

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد

تلقيت بكل الثناء والتقدير خطاب فضيلتكم رقم 1861/16 وتأريخ 20/5/2016م المرفق طيه نسخة من كتاب بعنوان “معالم الإيمان في تفسير القرآن ” الجزء الثاني والثلاثين بعد المائة.

يطيب لي ويسعدني أشكر فضيلتكم جزيل الشكر على إهتمامكم المتواصل بتزويد إدارة الجامعة بهذه النسخة ،  وستحال إلى مكتبة الجامعة للإطلاع عليها، سائلاً المولى جلت قدرته للجميع التوفيق والسداد.

وتقبلوا خالص تحياتي وتقديري،،،

السادة/ مكتب المرجع الديني

الشيخ صالح الطائي

 صاحب أحسن تفسير للقرآن

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تهديكم جامعة كردفان أطيب التحايا ، وتغمرنا السعادة بالإصدارات التي تتوالى إلينا بإنتظام من مكتب المرجع الديني في (معالم الإيمان في تفسير القرآن) والذي كان آخر هذه الإصدارات (الجزء السادس والثلاثين بعد المائة) والذي تشرفنا بإستلامه بموجب خطابكم رقم 1535/16 الصادر في 13/7/2016م، وذلك إثراءاً للمعرفة في مجال تفسير آيات القرآن، خدمة للباحثين والمهتمين بأمر التفسير القرآني، والتي أضحت متاحة في الأقسام المختصة بالمكتبات الأكاديمية في الجامعات ومراكز البحوث وجامعة كردفان تحظى بأعداد وافرة منها في مكتبها المركزية.

ختاماً لكم الشكر والعرفان على هذا الصنيع، نفعنا الله به، وأثابكم عليه خير الجزاء .

وتفضلوا بقبول فائق عبارات التقدير والإحترام

معالي الشيخ/ صالح الطائي                     سلمه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،، وبعد

فأسال الله لمعاليكم العون والتوفيق، ويسرني إفادتكم بأني تلقيت بكل تقدير وإمتنان إهداءكم للجامعة نسخة من الجزء التاسع بعد المائة من(معالم الإيمان في تفسير القرآن).

وإنني إذ أتقدم لمعاليكم بخالص الشكر والعرفان على هذا الإهداء، لأدعو الله العلي القدير أن يمدكم بعونه وتوفيقه، وأن يسدد خطاكم ويكلل أعمالكم بالنجاح إنه سميع مجيب يحفظكم الله ويرعاكم.

ولكم تحياتي وتقديري

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


المرجع الديني الشيخ صالح الطائي المحترم

صاحب أحسن تفسير للقرآن

تحية طيبة…

نشكر مبادرتكم الطيبة بإهدائكم لنا نسخة من كتابكم الموسوم الجزء الثلاثون بعد المائة من(معالم الإيمان في تفسير القرآن) سائلين الباري عز وجل أن يوفقكم في مسيرتكم العلمية والعملية خدمة لبلدنا العزيز.

                        ومن الله التوفيق…

إلى السيد المحترم/الشيخ صالح الطائي

صاحب أحسن تفسير للقرآن

مكتب المرجع الديني

تحية طيبة وبعد :

تلقينا نحن أ.د/ عبدالله بو خلخال مدير جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية قسنطينة، هديتكم القيمة المتمثلة في كتاب(معالم الإيمان في تفسير القرآن) الجزء الثالث عشر بعد المائة.

وإذ نعبر لكم عن شكرنا على هذه الإلتفاتة الكريمة، نهديكم نحن بدورنا نسخة من مجلة الجامعة العدد 33 ونسخة من نشرية أخبار الجامعة.

تقبلوا فائق الإحترام والتقدير.

إلى // الشيخ عبد الله الشيخ صالح الطائي المحترم

مدير مكتب المرجع الديني الشيخ صالح الطائي

م// شكر على إهداء

تحية طيبة …

إشارة إلى كتابكم ذي العدد (419/23) في 29/3/2023

ببالغ الإعتزاز والتقدير تسلمنا إهدائكم القيم لنا نسخة من الجزء السادس والأربعين بعد المائتين من (معالم الإيمان) … نستثمر هذه الفرصة لنعبر عن شكرنا وتقديرنا لهذا الإهداء مؤكدين سعادتنا الدائمة بالجهود المتميزة ، متمنين دوام التواصل والعطاء خدمةً لعراقنا العزيز.

مع التقدير …

إلى / مكتب المرجع الديني آية الله العظمى الشيخ صالح الطائي المحترم

صاحب أحسن تفسير للقرآن

تحية طيبة …

تسلمنا ببالغ الشكر والتقدير الجزء السابع بعد المائة من التفسير وهو القسم الأول من تفسير(أن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس) شاكرين لكم اهداءكم متمنين لكم مزيداً من الإرتقاء والأزدهار والتطور.

…مع التقدير

((بجيشنا والحشد الشعبي وقوات البيشمركة العراق أقوى))

إلى/سماحة المرجع الديني آية الله العظمى الشيخ صالح الطائي(دام ظله) المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…

ببالغ الإمتنان والتقدير تسلمنا نسخة من مؤلفكم القيم الموسوم (معالم الإيمان في تفسير القرآن) بجزئه العشرين بعد المائة  وإننا وإذ نتقدم لكم بالشكر والإمتنان على مبادرتكم الطيبة، فأننا نبتهل للباري جل في علاه أن يوفق سماحتكم لما يحبه ويرضاه، ومنه العون والسداد.

مع أسمى آيات تقديري واحترامي…

سيادة الأخ الشيخ صالح الطائي المحترم

صاحب أحسن تفسير للقرآن الكريم

وأستاذ الفقه والأصول والأخلاق

بكل فخر وإعتزاز تلقيت رسالتكم الموقرة التي تحمل العدد (532) تأريخ 26/5/2012م، ومرفقها الجزء التسعون من التفسير في الآية(133) من سورة آل عمران.

وانني إذ أشكركم جزيل الشكر وعظيم الإمتنان على اهدائكم هذا، سائلاً المولى عز وجل أن يديم عليكم نعمة الصحة والعافية، وأن يجعلكم سنداً وذخراً للأمة الأسلامية متمنياً لكم كل التقدم والإزدهار.

       والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بيروت في 9/ربيع الأول/1440هــ

                                      الموافق 24/11/2018م

سماحة المرجع الديني الشيخ صالح الطائي المحترم

صاحب أحسن تفسير للقرآن

مكتب المرجع الديني الشيخ صالح الطائي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تتقدم كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية بأطيب تمنياتها، وتشكركم على الجزء(171) الذي وصلنا من جانبكم من كتاب: “معالم الإيمان في تفسير القرآن” والذي يتضمن قراءة في آيتين من القرآن بما يدل على أن النبي(ص) كان لا يسعى إلى الغزو ولم يقصده ولم يدع إليه.

آملين الإستمرار في إرسال الأجزاء التي ستصدر منها مستقبلا، شاكرين لكم حسن تعاونكم الدائم معنا وداعين الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه خير الإسلام والمسلمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المحتويات

المقدمــــــــة. 3

قوله تعالى [وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا] الآية 2. 10

الإعراب واللغة. 10

سياق الآيات. 12

الوجه الأول : صلة هذه الآية بالآية الأولى من سورة النساء : 12

حفظ حقوق اليتامى. 14

دلالة تكرار تقوى الله.. 20

قانون دفع أموال اليتامى لهم من تقوى الله.. 22

الوجه الثاني : الصلة بين البسملة وآية البحث ، وفيها : 23

المسألة الأولى : موضوعية البسملة. 23

تقدير الجمع بين الآيتين. 26

المسألة الثالثة : قانون البسملة تنمية لملكة الإيمان. 28

المسألة الرابعة : قانون آية البحث رحمة عامة. 29

آية كثرة النسل. 31

تقييد الخلافة بالتقوى. 32

اليتيم من ذوي القربى. 36

الصلة بين خاتمتي الآيتين. 37

أسباب النزول. 39

إعجاز الآية الذاتي. 40

إعجاز الآية الغيري. 43

الآية سلاح. 44

مفهوم الآية. 46

موضوع الآية أعم من سبب النزول. 48

نظرية الفيض… 50

إفاضات الآية. 51

الآية لطف.. 53

الآية بشارة 54

الآية إنذار. 56

الصلة بين أول وآخر الآية. 57

من غايات الآية. 59

التفسير. 61

قوله تعالى [وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ] 61

تقدير النداء العام 63

أولوية حفظ اليتامى. 64

علم المناسبة. 68

بحث أصولي – قسما الأولوية- 68

شواهد على دليل الأولوية. 69

أولوية السلامة. 72

بحث أصولي في الأمر. 74

الكرم قربة إلى الله.. 77

علم المناسبة [وَآتُوا] 79

بحث بلاغي المجاز المرسل. 80

أقسام المجاز المرسل. 83

علم المناسبة [أَمْوَالَهُمْ] 85

قوله تعالى [وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ] 86

حرمة تبديل الخبيث بالطيب. 88

أضرار تبديل الطيب بالخبيث. 90

قوله تعالى [وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ] 91

علم المناسبة. 94

قوله تعالى [إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا] 95

طرق قساوة القلب. 97

بحث أصولي في النهي. 98

قانون مال اليتيم أمانة. 99

قانون مصاحبة الأمانة للإيمان. 101

حديث إطعام المسكين واليتيم والأسير. 103

الوفاء بالنذر. 107

أقسام الأمانة. 108

الأول : الأمانة العقائدية : 108

الثاني : الأمانة المالكية : 110

الثالث : الأمانة الشرعية : 110

الرابع : الأمانة المالكية الشرعية : 111

مال اليتيم أمانة مالكية شرعية. 111

كتاب الضمان. 113

أركان الضمان. 114

شروط الضمان. 115

مسائل في الضمان. 116

ضمان الدَين. 117

براءة الذمة بدفع الدَين. 119

ضمان النفقة. 121

الخلاف في الضمان. 123

قانون الحسن الذاتي للسلم 124

صدور الجزء (275) من معالم الإيمان. 128

حديث طرق علي الباب. 131

خطبة الإمام علي للزهراء. 132

مواعظ من زواج الزهراء. 133

جهاد النبي (ص) في مكة. 135

لا أصل لمقولة الأقارب عقارب. 138

قانون الجمع بين الأمر والوعيد 141

قانون اللطف في الخطابات العامة. 142

آية البحث من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 143

تعدد كلمة الأموال في الآية. 145

حقوق اليتامى. 145

حق حسن الولاية. 147

لماذا (الأموال) بالجمع. 149

الإكتفاء بزوجة واحدة 150

قانون ولاية الله لليتامى. 151

الهداية مع اليتم 152

إسلام سلمان الفارسي. 153

سلمان في الموصل. 156

توجه سلمان إلى بيت المقدس.. 158

قانون الزجر عن التصرف في أموال اليتامى. 162

عموم الخطاب في أموال اليتامى. 164

الحذر من الدنو من أموال اليتامى. 166

المحسنات اللفظية. 168

التداخل الموضوعي بين الكلمة القرآنية وسياقها 171

حروف العطف في أول الآية. 172

عطف من غير حرف عطف.. 176

قانون صيانة أموال اليتامى. 178

النهي عن التعدي على أموال اليتامى. 179

قانون الحسن الذاتي للإحسان لليتامى. 182

قوله تعالى [وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا] الآية 3. 184

الإعراب واللغة. 184

في سياق الآيات. 186

تقدير الجمع بين الآيتين. 188

قانون الملازمة بين صلة الأرحام والعدل. 189

تقيد الزوجة بأحكام الشريعة والعناية بالأيتام 190

الوعيد على التعدي على أموال اليتامى. 191

الوجه الثاني : صلة آية البحث بقوله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ 192

مصاديق من تقوى الله.. 194

الوعد والوعيد في آية البحث. 195

الوجه الثالث : صلة آية البحث بقوله تعالى [وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى. 196

أسباب النزول. 200

إعجاز الآية الذاتي. 201

إعجاز الآية الغيري. 205

الآية سلاح. 206

الآية القرآنية قانون عام 208

مفهوم الآية. 209

قانون أولوية العدل والصلاح. 211

مفهوم تكرار (إن خفتم) 213

إفاضات الآية. 215

الآية لطف.. 216

الآية بشارة 218

الآية إنذار. 219

الصلة بين أول وآخر الآية. 220

من غايات الآية. 222

قانون إجتناب الحرام مع الظن بحدوثه. 223

التفسير. 226

قوله تعالى [وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى] 226

قانون الرفق باليتامى. 228

الآية دعوة للشكر لله.. 230

بحث بلاغي / التلفيف.. 231

آيات اليتيم 232

لفظ (يتيماً) في القرآن. 234

لفظ [الْيَتَامَى] في القرآن. 235

التفسير بالتقدير. 238

قوله تعالى [فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ] 238

زجر آية البحث عن الطلاق. 239

صبر النبي (ص) عند الدخول. 240

قوله تعالى [فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا] 243

تعدد جهة الخطاب في الآية. 245

قوله تعالى [فَوَاحِدَةً] 246

قوله تعالى [أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ] 248

إنقطاع ملك اليمين. 249

قوله تعالى [ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا] 251

من مفاهيم [أَلَّا تَعُولُوا] 253

الأصل الحرية. 254

القسمة بين الزوجات. 255

حرمة هبة المرأة نفسها للرجل. 257

النكاح لغة وإصطلاحاً 258

(بحث بلاغي) تلوين الخطاب. 259

نزول القرآن منجماً 260

الإعجاز في نزول القرآن متتابعاً 263

عصمة القرآن من الزيادة والنقصان. 264

قهر النفس الشهوية. 265

قانون موضوعية نظم الآية في أحكامها ودلالة كلماتها 267

النكاح والأحكام التكليفية. 270

أدلة استحباب النكاح. 272

ولادة النبي محمد (ص) يتيماً 274

اسم محمد قبل الإسلام 276

معجزات صاحبت الولادة المباركة. 278

شدة أذى النبي (ص) 283

بين الخوف والظن (بحث أصولي) 285

قانون المعجزة تغني عن الغزو. 288

قانون التعدد السندي. 289

قانون حاجة الناس إلى البركة. 290

قانون إكرام اليتيم 291

قانون إكرام اليتامى واقية. 292

إعانة اليتيم من القربى. 294

إيمان العجائز. 298

في العبادات المكروهة. 299

من مصاديق الإيمان. 301

وجوب المهر. 305

قوانين الجزء 276. 306

من الردود الكريمة على عدد من أجزاء هذا السِفر المبارك. 317

رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد

77 لسنة 2026

طُبعَ هذا الجُزْءُ عَلى نَفقةِ

الأمير الشيخِ غانم الشيخ درع الفَياّض


([1]) سورة إبراهيم 7.

([2]) سورة القلم  4.

([3]) سورة البقرة 30.

([4]) سورة الأحزاب 56.

([5]) سورة يونس 10.

([6]) سورة الأعراف 43.

([7]) سورة آل عمران 200.

([8]) سورة النساء 1.

([9]) سورة سبأ 28.

([10]) سورة الأنبياء 107.

([11]) سورة المائدة 3.

([12]) سورة النساء 2-3.

([13]) سورة النساء 3.

([14]) سورة آل عمران 159.

([15]) سورة النحل 90.

([16]) سورة النساء 1.

([17]) عوالي اللآلي 1/139 .

([18]) سورة النساء 58.

([19]) عوالي اللآلي  3/197.

([20]) سورة النساء 2.

([21]) سورة المنافقون 11.

([22]) مجموعة ورام 1/210.

([23]) المعجم الأوسط 16/130.

([24]) سورة آل عمران 97.

([25]) سورة الفرقان 77.

([26]) سورة فصلت 23.

([27]) الدر المنثور 9/35 .

([28]) تفسير ابن كثير 2/88 .

([29]) ابن أبي الدنيا / المحتضرين 1/79 .

([30]) سورة آل عمران 102.

([31]) الثعلبي / الكشف والبيان 3/213.

([32]) سورة النساء 1.

([33]) سورة النساء 1.

([34]) سورة الذاريات 56.

([35]) البيان في تفسير القرآن 1/359 .

([36]) سورة النساء 1.

([37]) سورة الحج 32.

([38]) سورة النساء 2.

([39]) سورة النساء 10.

([40]) سورة النساء 10.

([41]) سورة النساء 10.

([42]) الدر المنثور 3/47 .

([43]) سورة الأحزاب 52.

([44]) سورة النساء 1.

([45]) سورة البقرة 220.

([46]) نهج البلاغة  3/62.

([47]) سورة البلد 15.

([48]) سورة العلق 1.

([49]) سورة الإسراء 45.

([50]) سورة الإسراء 46 .

([51]) تفسير القرطبي 1/127 .

([52]) سورة الإسراء 46.

([53])مستدرك الوسائل 4/135.

([54]) سورة الأحزاب 41.

([55]) سورة المدثر 29-30.

([56]) سورة المدثر 29-30.

([57]) سورة القيامة 34-35.

([58]) الدر المنثور 10/136 .

([59]) سورة النساء 2.

([60]) سورة التحريم 4.

([61]) سورة التحريم 4.

([62]) الدر المنثور 10/58.

([63]) الدر المنثور 10/58.

([64]) سورة النساء 1.

([65]) التفسير الصافي 1/85 .

([66]) سورة العنكبوت 64.

([67]) من لا يحضره الفقيه 4/183.

([68]) سورة النساء 1.

([69]) جمال الدين الزبعلي (ت 763 ) هجرية / نصب الراية 3/152.

([70]) سورة فصلت 53.

([71]) سورة البقرة 30.

([72]) سورة الرعد 11.

([73]) سورة النساء 2.

([74]) سورة البقرة 30.

([75]) سورة الذاريات 56.

([76]) سورة  الإسراء 70.

([77]) سورة النحل 14.

([78]) سورة الأحقاف 30.

([79]) سورة المائدة 2.

([80]) سنن البيهقي 2/131 .

([81]) رسالتي العملية (الحجة) الجزء الثاني ص 209 .

([82]) سورة النساء 1.

([83]) سورة النساء 1.

([84]) سورة النساء 1.

([85]) سورة البلد 11-15.

([86]) التسهيل لعلوم التنزيل 3/327 .

([87]) سورة النساء 1.

([88]) سورة ق 18.

([89]) الثعلبي / الكشف والبيان 3/329 .

([90]) الثعلبي / الكشف والبيان 11/304 .

([91]) الثعلبي / الكشف والبيان 11/304 .

([92]) سورة النساء 95.

([93]) سورة النساء 2.

([94]) سورة النساء 1.

([95]) ابن كثير / السيرة النبوية 4/130 .

([96]) سورة النساء 9.

([97]) الدر المنثور 3/46.

([98]) سورة النساء 2.

([99]) سورة الأنعام 152.

([100]) تهذيب الأحكام 9/240 .

([101]) سورة النساء 58.

([102]) سورة النساء 1.

([103]) الدر المنثور 2/202 .

([104]) سورة النساء 2.

([105]) سورة الزمر 36.

([106]) سورة إبراهيم 46.

([107]) البحار 61/195 .

([108]) سورة التوبة 92.

([109]) سورة البقرة 198.

([110]) سورة يس 82.

([111]) سورة الأحقاف 8.

([112]) سورة البقرة 199.

([113]) سورة الأعراف 50.

([114]) سورة الحشر 24.

([115]) سورة الضحى 6.

([116]) سورة الزلزلة 6.

([117]) سورة النساء 2.

([118]) البحار 3/72 .

([119]) سورة الماعون 1-2.

([120]) سورة فصلت 46.

([121]) سورة النساء 2.

([122]) سورة النساء 2.

([123]) سورة النساء 2.

([124]) الدر المنثور 5/189 .

([125]) الدر المنثور 9/263 .

([126]) سورة النساء 29.

([127]) سورة النساء 2.

([128]) سورة يوسف 64.

([129]) سورة النساء 2.

([130]) سورة النساء 9.

([131]) الوجيز للواحدي 1/307 .

([132]) سورة يونس 2.

([133]) سورة النساء 3.

([134]) سورة الأنعام 152 .

([135]) سورة الإسراء 34.

([136]) سورة الضحى 9.

([137]) سورة الماعون 1-2.

([138]) سورة الفجر 17.

([139]) سورة المؤمنون 61.

([140]) سورة النساء 58.

([141]) سورة النساء 1 .

([142]) سورة النساء 6 .

([143]) سورة النحل 106.

([144]) تفسير ابن ابي حاتم 9/122.

([145]) سورة آل عمران 28.

([146]) سورة آل عمران 28.

([147]) الدر المنثور 2/306.

([148]) سورة النحل 106.

([149]) تفسير العياشي 2/283 .

([150]) سورة الحج 41.

([151]) سورة النساء 2 .

([152]) الكشف والبيان للثعلبي 3/423.

([153]) كُراع الغميم : واد يبعد عن المدينة المنورة 370كم وعن مكة 55 كم ، وظاهر الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صام أكثر من يوم في طريق السفر لأنه وأصحابه قطعوا مسافة 370كم وهي لا تقطع إلا ببضعة أيام  ، ولقول جابر : (فصام حتى بلغ كراع الغميم ) عوالي اللألي 1/76.

([154]) أي قام المفطرون بسقي دواب وإبل الصائمين التي يركبون عليها إشارة إلى تجهيزهم لأمور الصائمين .

([155]) الكشف والبيان للثعلبي 1/341.

([156]) سورة الإسراء 23.

([157]) سورة الإسراء 23.

([158]) سورة البقرة 83.

([159]) الدر المنثور 3/54.

([160])  الدر المنثور 3/54 .

([161]) سورة البقرة 238.

([162]) البحار 79/279.

([163])البحار 79/279.

([164]) سورة هود 97 .

([165]) المستصفى 2/8.

([166]) سورة البقرة 183.

([167]) سورة النساء 11.

([168]) سورة البقرة 228.

([169]) سورة الحج 29.

([170]) سورة الطلاق 7.

([171]) سورة يوسف 18.

([172]) سورة البقرة 282.

([173]) سورة البقرة 282.

([174]) سورة فصلت 40.

([175]) سورة إبراهيم 30.

([176]) سورة الإسراء 50 .

([177]) سورة البقرة 94.

([178]) سورة آل عمران 32.

([179]) سورة النساء 77.

([180]) سورة الإنسان 8.

([181]) سورة البقرة 177.

([182]) سورة الإنسان 9-10.

([183]) الثعلبي / الكشف والبيان 13/462 .

([184]) الثعلبي / الكشف والبيان 1/313 .

([185]) تفسير الطبري 3/345 .

([186]) سورة التوبة 60.

([187]) سورة آل عمران 97.

([188]) سورة البقرة 110.

([189]) سورة آل عمران 2.

([190]) سورة النساء 58.

([191]) سورة الحاقة 21.

([192]) سورة الأنعام 6.

([193]) سورة يوسف 36.

([194]) الدر المنثور 3/458.

([195]) الدر المنثور  3/458 .

([196]) سورة نوح 7 .

([197]) سورة المائدة 38.

([198]) سورة النساء 92.

([199]) سورة النساء 2 .

([200]) سورة غافر 13.

([201]) سورة يوسف 70.

([202]) سورة إبراهيم 4.

([203]) سورة نوح 27.

([204]) سورة آل عمران 130.

([205]) سورة النساء 6 .

([206]) سورة النساء 6.

([207]) الثعلبي / الكشف والبيان 3/341 .

([208]) سورة النساء 6.

([209]) تفسير العياشي 1/236.

([210]) سورة النساء 1.

([211]) سورة الحجرات 10.

([212]) سورة النساء 6.

([213]) سورة النساء 6.

([214]) سورة الذاريات 58.

([215]) سورة آل عمران 130.

([216]) أنظر الأجزاء (94-95-96-97) من هذا السِفر المبارك التي اختصت بتفسير هذه الآية الكريمة  .

([217]) سورة البقرة 30.

([218]) سورة المائدة 58.

([219]) سورة النساء 1.

([220]) سورة النساء 6.

([221]) سورة النساء 10.

([222]) سورة البقرة 220.

([223]) الدر المنثور 2/15 .

([224]) سورة النساء 8.

([225]) الدر المنثور 3/43.

([226]) سورة النساء 10.

([227]) سورة النساء 132.

([228]) سورة النساء 2.

([229]) سورة الإسراء 31 .

([230]) سورة  لقمان 13.

([231]) سورة يوسف 28.

([232]) سورة النور 16.

([233]) سورة الأحزاب 53.

([234]) سورة الفرقان 21.

([235]) الدر المنثور 2/195 .

([236]) سورة النساء 31.

([237]) الدر المنثور 3/90 .

([238]) البيان في تفسير القرآن 1/239.

([239]) سورة البقرة 74.

([240]) سورة الأنعام 43.

([241]) البحار 72/5.

([242]) سورة البقرة 220.

([243]) سورة النساء 36.

([244]) سورة الأحزاب 72.

([245]) البحار 69/198 .

([246]) الدر المنثور 1/59 .

([247]) سورة الأعراف 68.

([248]) سورة القصص 26.

([249]) سورة يوسف 54.

([250]) سورة مريم 1.

([251]) تفسير ابن كثير / السيرة النبوية 1/290 .

([252]) سورة آل عمران 64.

([253]) صحيح البخاري 1/435 .

([254]) سورة الإنسان 1.

([255]) سورة الإنسان 9.

([256]) سورة الإنسان 5-6.

([257]) الثعلبي / الكشف والبيان 13/458 .

([258]) سورة الإنسان 7.

([259]) سورة الإنسان 7-8.

([260]) سورة الإنسان 9-10.

([261]) سورة الإنسان 11.

([262]) سورة الإنسان 11.

([263]) سورة الإنسان 13.

([264]) سورة الإنسان 13.

([265]) الثعلبي / الكشف والبيان 13/458 .

([266]) سورة طه 132.

([267]) سورة التحريم 6.

([268]) سورة لقمان 17.

([269]) الطبراني / المعجم الأوسط 15/67 .

([270]) سورة إبراهيم 40.

([271]) سورة الفرقان 74.

([272]) سورة النساء 2.

([273]) سورة النساء 6.

([274]) مسند أحمد 39/25.

([275]) الرازي / مفاتيح الغيب 17/84 .

([276]) تفسير ابن كثير 8/398 .

([277]) السيوطي / جمع الجوامع 1/271.

([278]) الدر المنثور 4/307.

([279]) مستدرك الوسائل 13/370.

([280]) سورة يوسف 72.

([281]) الثعلبي / الكشف والبيان 7/211 .

([282]) الوسائل 18/421 .

([283]) سورة الأنفال 61.

([284]) سورة سبأ 28.

([285]) سورة الحجرات 9.

([286]) أي شرب الناس وارتوت الإبل حتى اكتفت وقادوها إلى مبركها وموضع استراحتها.

([287]) ابن هشام / السيرة النبوية 2/309 .

([288]) سورة البقرة 30 .

([289]) سورة آل عمران 139.

([290]) سورة آل عمران 139.

([291]) سورة محمد 35.

([292]) الدر المنثور 4/485 .

([293]) سورة البقرة208 .

([294]) سورة البقرة 185.

([295]) سورة غافر 51.

([296]) سورة الأنبياء 107.

([297]) سورة البقرة 30.

([298]) سورة النساء 1.

([299]) سورة النور 60.

([300]) الوسائل 2/75 طبعة حجرية.

([301]) سورة النساء 3.

([302]) سورة النساء 3.

([303]) سورة النجم 3-4.

([304]) سورة الأنفال 30.

([305]) سورة الشعراء 214.

([306]) مسند أحمد 28/483.

([307]) سورة النساء 1.

([308]) سورة الشعراء 214.

([309]) سورة الشعراء 214.

([310]) الثعلبي / الكشف والبيان 9/447 .

([311]) سورة الأنفال 75.

([312]) سورة النساء 36.

([313]) البحار 71/105 .

([314]) سورة الأنبياء 107.

([315]) سورة القصص 54.

([316]) سورة النحل 89.

([317]) سورة النحل 89.

([318]) سورة البقرة 25.

([319]) سورة الكهف 23-24.

([320]) سورة المدثر 1 .

([321]) سورة الأحزاب 1.

([322]) سورة الذاريات 56.

([323]) سورة النساء 1.

([324]) البحار 79/223 .

([325]) الدر المنثور 3/115 .

([326]) معرفة السنن 10/93 .

([327]) سورة النساء 36.

([328]) سورة النساء 11.

([329]) سورة البقرة 215.

([330]) سورة آل عمران 132.

([331]) أنظر الجزء الثامن والتسعين من هذا السِفر الذي تضمن تفسير هذه الآية الكريمة .

([332]) الدر المنثور 5/229 .

([333]) سورة الروم 21.

([334]) من لا يحضره الفقيه 1/215.

([335]) البحار 100/220.

([336]) سورة البقرة 185.

([337]) سورة آل عمران 68.

([338]) سورة الجاثية 19.

([339]) سورة الشورى 9.

([340]) سورة الشورى 28.

([341]) الدهقان : بكسر أو ضم الدال ، لفظ معرب من الفارسية ويقصد به رئيس القرية أو المقاطعة ، والجمع دهاقين .

([342]) البرطيل : هنا الصومعة والكوخ ، ويأتي البرطيل بمعنى الرشوة والمنفعة الخاصة .

([343]) الحاكم / المستدرك على الصحيحين 15/206 .

([344]) في الأصل : قال .

([345]) أي أنهم غدروا بسلمان فادعوا أنه عبد فباعوه .

([346]) سورة المائدة 82.

([347]) في الأصل (فأتى) .

([348]) الحاكم / المستدرك على الصحيحين 15/206 .

([349]) سورة الأنعام 152.

([350]) سورة الأنعام 91.

([351]) سورة الأنعام 151.

([352]) الثعلبي / الكشف والبيان 5/193 .

([353]) البحار 89 /275 .

([354]) سورة النساء 43.

([355]) سورة الأنعام 151.

([356]) سورة الأنعام 152.

([357]) سورة الإسراء 32.

([358]) سورة الإسراء 34.

([359]) سورة الأنبياء 107.

([360]) سورة الأنعام 152.

([361]) سورة الإسراء 34.

([362]) سورة العنكبوت 46.

([363]) سورة الأنعام 152.

([364]) سورة الإسراء 9.

([365]) سورة البقرة 220.

([366]) الطوسي / الأمالي 1/436 .

([367]) تأريخ دمشق 2/8 .

([368]) سورة النساء 2.

([369]) سورة الأنعام 152.

([370]) سورة الروم 55.

([371]) سورة نوح 10-14 .

([372]) المحرر الوجيز 5/400.

([373]) سورة يس 69.

([374]) سورة الصافات 117-118.

([375]) سورة يوسف 85.

([376]) سورة الماعون 1-3.

([377]) سورة النساء 2 .

([378]) سورة الأنبياء 52.

([379]) سورة نوح 19-20.

([380]) سورة النساء 2.

([381]) سورة النساء 2.

([382]) سورة الأعراف 107.

([383]) سورة آل عمران 154.

([384]) سورة هود 40.

([385]) سورة الأعراف 173.

([386]) سورة آل عمران 142.

([387]) سورة البقرة 214.

([388]) سورة آل عمران 142.

([389]) سورة التوبة 16.

([390]) سورة آل عمران 150.

([391]) سورة آل عمران 198.

([392]) سورة التوبة 110.

([393]) سورة نوح 19-20.

([394]) سورة الابقرة 67-71.

([395]) سورة البقرة 17-20.

([396]) سورة نوح 26-28.

([397]) سورة الجن 20-22.

([398]) سورة النساء 11.

([399]) سورة سبأ 28.

([400]) عوالي الآلي 3/105.

([401]) سورة الكهف 82.

([402]) البحار 13/286 .

([403]) سورة الكهف 82.

([404]) البحار 13/288.

([405]) سورة آل عمران 104.

([406]) سورة النساء 3.

([407]) سورة النساء 23.

([408]) الدر المنثور 4/308 .

([409]) سورة النساء 2.

([410]) سورة النساء 36.

([411]) الدر المنثور 3/30.

([412]) سورة النحل 90.

([413]) سورة النساء 1 .

([414]) من لا يحضره الفقيه 3/30 .

([415]) سورة النساء 1.

([416]) تفسير ابن كثير 2/294 .

([417]) سورة النساء 2.

([418]) سورة النساء 1.

([419]) الأمير الزاهد ورآم بن أبي فراس الحلي ت605 هجرية/تنبيه الخواطر ونزهة النواظر (مجموعة ورام) 2/285 .

([420]) سورة النساء 1.

([421]) سورة النساء 1.

([422]) سورة سبأ 28.

([423]) سورة آل عمران 104.

([424]) سورة النساء 1.

([425]) سورة الروم 21.

([426]) مختصر تأريخ دمشق 3/29 .

([427]) سورة النساء 1 .

([428]) سورة النساء 6.

([429]) سورة النساء 3.

([430]) سورة النساء 6.

([431]) سورة النساء 3.

([432]) سورة القصص 29.

([433]) سورة البقرة 280.

([434]) سورة النساء 6.

([435]) سورة المعارج 32-33.

([436]) التباين في تفسير القرآن 3/103.

([437]) سورة النساء 129.

([438]) المحرر الوجيز 2/70.

([439]) البحار 100/384 .

([440]) سورة النساء 129.

([441]) سورة النساء 3.

([442]) سورة النساء 3.

([443]) سورة النساء 3.

([444]) سورة المائدة 3.

([445]) سورة النساء 3.

([446]) سورة النساء 11.

([447]) سورة النساء 11.

([448]) الدر المنثور 3/46 .

([449]) سورة الأنبياء 107.

([450]) سورة البقرة 286.

([451]) سورة النساء 2.

([452]) مسند أحمد 49/35 .

([453]) الطوسي / الأمالي 1/420 .

([454]) تفسير الخازن 2/87.

([455]) سورة الروم 21.

([456]) من لا يحضره الفقيه 1/212 .

([457]) النسائي / السنن الكبرى 5/292 .

([458]) النسائي / السنن الكبرى 3/460 .

([459]) سورة النساء 3.

([460]) تفسير القرطبي 9/277 .

([461]) سورة البقرة 201.

([462]) الدر المنثور 1/465 .

([463]) الثعلبي / الكشف والبيان 1/395 .

([464]) سورة البقرة 201.

([465]) البحار 17/293 .

([466]) سورة النساء 3.

([467]) سورة السجدة 9.

([468]) الطوسي / الأمالي 2/99 .

([469]) مستدرك الوسائل 13/173.

([470]) سورة النساء 3 .

([471]) سورة البقرة 220.

([472]) سورة الرحمن 29.

([473]) سورة الرحمن 29.

([474]) الثعلبي / الكشف والبيان 13/71 .

([475]) الطوسي / الأمالي 2/98 .

([476]) الدر المنثور 9/360 .

([477]) الطوسي / الأمالي 2/99 .

([478]) سورة النساء 3.

([479]) سورة النساء 4.

([480]) سورة النساء 3.

([481]) سورة النساء 2.

([482]) سورة النساء 2.

([483]) سورة الشرح 1.

([484]) سورة البقرة 299.

([485]) سورة النساء 4.

([486]) أنظر النكت والعيون 1/274.

([487]) سورة النور 31.

([488]) سورة النحل 89.

([489]) سورة النساء 3.

([490]) سورة البقرة 185.

([491]) سورة الجن 15.

([492]) سورة الجن 13-14.

([493]) المحرر الوجيز 2/70.

([494]) النكت والعيون 1/184 .

([495]) سورة البقرة 249.

([496]) سورة البقرة 249.

([497]) المحرر الوجيز 2/70.

([498]) سورة البقرة 229.

([499]) سورة البقرة 239.

([500]) سورة النساء 3.

([501]) سورة النساء 35.

([502]) سورة النساء 101.

([503]) سورة التوبة 28.

([504]) الرِّسل – بكسر الراء- اللبن (يقال كثر الرِّسْل العامَ أَي كثر اللب) لسان العرب 11/281.

([505]) سورة النساء 10.

([506]) سورة البقرة 220.

([507]) سورة النساء 3.

([508]) الدر المنثور 2/14.

([509]) تفسير الطبري 20/261 .

([510]) سورة الأحزاب 33.

([511]) سورة النحل 95.

([512]) سورة المائدة 3.

([513]) سورة طه 17.

([514]) سورة طه 18.

([515]) سورة طه 19-20.

([516]) سورة البقرة 215.

([517]) سورة النساء 3.

([518]) سورة الكهف 82.

([519]) سورة الأنعام 152.

([520]) سورة الإسراء 34.

([521]) سورة الفجر 17.

([522]) سورة الضحى 9.

([523]) سورة الماعون 2.

([524]) سورة الإنسان 8-9.

([525]) سورة البلد 15.

([526]) سورة الضحى 6.

([527]) سورة الضحى 6.

([528]) الكشف والبيان للثعلبي 14/134.

([529]) سورة البقرة 83.

([530]) سورة البقرة 177.

([531]) سورة البقرة 215.

([532]) سورة البقرة 220.

([533]) سورة النساء 2.

([534]) سورة النساء 3.

([535]) سورة النساء 6.

([536]) سورة النساء 8.

([537]) سورة النساء 10.

([538]) سورة النساء 36.

([539]) سورة النساء 127.

([540]) سورة الأنفال 41.

([541]) سورة الحشر 7.

([542]) سورة هود 103.

([543]) سورة النساء 3.

([544]) سورة النساء 128.

([545]) الدر المنثور 3/268.

([546]) سورة البقرة 228.

([547]) ابن سعد / الطبقات الكبرى 8/95.

([548]) سورة الأحزاب 6.

([549]) سورة الفتح 1.

([550]) سورة يونس 25.

([551]) سورة يونس 25.

([552]) سورة الليل 1-2 .

([553]) الدر المنثور 5/229 .

([554]) البحار 100/254 .

([555]) سورة الأعراف 188.

([556]) من لا يحضره الفقيه13.

([557]) سورة النساء 129.

([558]) سورة المؤمنون 1-7.

([559]) سورة البقرة 224-225.

([560]) سورة النحل94 .

([561]) سورة المنافقون 2.

([562]) الدر المنثور 10/273.

([563]) سورة النساء 92.

([564]) الدر المنثور 3/115.

([565]) البحار 101 /363.

([566]) سورة البقرة 30.

([567]) سورة الضحى 8.

([568]) سورة التوبة 28 .

([569]) أنظر رسالتنا العملية الحجة الجزء الخامس ص 27.

([570]) الكشف والبيان للثعلبي 3/34.

([571]) سورة البقرة 286.

([572]) سورة البقرة 30 .

([573]) من لا يحضره الفقيه 1/13.

([574]) أنظر رسالتنا الحجة ج 5 ص 90.

([575]) سورة الإنسان 8.

([576]) سورة الأحزاب 50.

([577]) سورة النساء 23 .

([578]) سورة يوسف 3.

([579]) سورة الفاتحة 4-5.

([580]) سورة يس 22.

([581]) سورة الإسراء 106.

([582]) سورة الفرقان 32-33.

([583]) سورة العلق 1.

([584]) سورة المدثر 1-5.

([585]) تفسير ابن كثير 8/262.

([586]) البحار 18/271.

([587]) سورة الحجر 9.

([588]) سورة النجم 3-4.

([589]) سورة البقرة 106.

([590]) سورة المدثر 31 .

([591]) سورة فصلت 42.

([592]) السيوطي / الاتقان في علوم القرآن 1/59 .

([593]) الرازي / مفاتيح الغيب 1/170.

([594]) سورة المدثر 31.

([595]) سورة الحجرات 12.

([596]) سورة القلم 4 .

([597]) البحار 16/232 .

([598]) سورة النساء 3.

([599]) سورة النساء 3.

([600]) مسند أحمد 9/416.

([601]) سورة النساء 3.

([602]) سورة النور 32.

([603]) سورة النساء 3.

([604]) سورة النور 60.

([605]) سورة آل عمران 39.

([606]) مختصر المزني 1/175.

([607]) سورة النساء 3.

([608]) البحار 100/222 .

([609]) البحار 22/264.

([610]) الكليني / الكافي 5/473 .

([611]) البحار 12/308 .

([612]) الروض الأنف 1/276.

([613]) سورة التوبة 28.

([614]) الطبقات الكبرى 1/116.

([615]) الروض الأنف 1/276.

([616]) الروض الأنف 1/76 .

([617]) أنظر تفسيرنا (معالم الإيمان في تفسير القرآن ) ص 247/57.

([618]) البيهقي / دلائل النبوة 1/21.

([619]) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد 1/360 .

([620]) الخصائض الكبرى 1/72.

([621]) الخصائص الكبرى 1/72 .

([622]) ابن كثير / السيرة النبوية 1/212.

([623]) البحار 29/56.

([624]) ابن كثير / السيرة النبوية 1/212.

([625]) البحار 11/204 .

([626]) سورة الأعراف 12.

([627]) ابن كثير / البداية والنهاية 2/340 .

([628]) سورة الأنفال 30.

([629]) سورة التوبة 25-26.

([630]) مسند أبي يعلى 4/97.

([631]) سورة آل عمران 200.

([632]) سورة النساء 3.

([633]) سورة البقرة 185.

([634]) سورة الحاقة 20.

([635]) تفسير ابن كثير  1/506.

([636]) سورة يوسف 42.

([637]) سورة الرعد 39.

([638]) سورة غافر 50.

([639]) الدر المنثور 2/389 .

([640]) البحار 84/104.

([641]) سورة الأعراف 96.

([642]) سورة الأنعام 92.

([643]) سورة ص 29.

([644]) سورة مريم 31.

([645]) سورة الصافات 113.

([646]) اي عبد الرحمن بن عوف .

([647]) الثعلبي / الكشف والبيان 3/375 .

([648]) تفسير ابن كثير / السيرة النبوية 3/123 .

([649]) الإستيعاب في معرفة الأصحاب 1/68 .

([650]) سورة النساء 3.

([651]) سورة الفجر 17.

([652]) سورة الفجر 17-20 .

([653]) سورة الفجر 21.

([654]) سورة النساء 11.

([655]) سورة الأنبياء 107

([656]) سورة البلد 15.

([657]) سورة البلد 1.

([658]) سورة البلد 2.

([659]) سورة البلد 1.

([660]) سورة البلد 2 .

([661]) الدر المنثور 10/267.

([662]) أنظر المحرر الوجيز 7/35.

([663]) سورة البلد 1-2.

([664]) الدر المنثور 10 /267.

([665]) سورة البلد 1-2.

([666]) البحار 23/270.

([667]) سورة النساء 1.

([668]) الدر المنثور 10/272.

([669]) البحار 38/108 .

([670]) الثعلبي / الكشف والبيان 3/33 .

([671]) سورة الأنعام 149.

([672]) البيهقي / معرفة السنن والآثار 4/129 .

([673]) الوسائل 14/122 .

([674]) سورة النحل 97.

([675]) سورة الحشر 7.

([676]) ابن أبي جمهور الأحسائي / عوالي اللآلي1/123 .

([677]) سورة البقرة 117.

([678]) سورة فصلت 12.

([679]) سورة الإنسان 30.

([680]) سورة الكهف23.

([681]) منهاج السنة النبوية 3/139 .

([682]) ابن الطقطقي / الفخري في الآداب السلطانية 1/102 .

([683]) سورة الشورى 7.

([684]) سورة النساء 24.

([685]) سورة الأحزاب 50.

([686]) تفسير الطبري 9/266 .

([687]) سورة النساء 3.

([688]) سورة النساء 3.

([689]) سورة الذاريات 56.

([690]) سورة النساء 1.

([691]) سورة النساء 2.

([692]) سورة النساء 9.

([693]) سورة الحجرات 12.