بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد الله الذي أنعم على عباده بالخلق والنشأة والرزق الكريم والبصر والبصيرة ، وفتح لهم باباً مباركاً هو باب الدعاء وجعله سبيلاً ومنهجاً للوصول الى مقامات التقوى، وطريقاً للترقي في مراتب السالكين سبل عروج الروح وانقطاعها اليه تعالى في ساعة استبصار وعرفان وتضرع ووجدان ايماني واقرار وخضوع لعظيم مشيئته وقهر سلطانه ، قال تعالى [قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ] ( ) وفيه حجة دائمة على العالمين اذ بعث اهل الارض إلى مسالك التقوى بآيات من القرآن المنزل على صدر نبي الرحمة والهداية محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم بصيغة الامر والحث والترغيب بالدعاء واقترانها بالوعد الصادق بالاستجابة وتدلى ثمارها للسائلين.
الحمد لله الذي جعل القرآن تبياناً وبرهاناً وحجة في كل زمان ، قال تعالى [هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ] ( ).
فجاء ذكر الدعاء بنحو خمسين مورداً كريما من القرآن، ولقد مدح الله عز وجل الانبياء لاجتيازهم الحواجز الدنيوية أثناء ارتقائهم سلم مراتب السالكين الى الله عز وجل في المواظبة على الدعاء، واثنى تعالى على المؤمنين الذين التزموا جانب الدعاء في الشدة والرخاء وبالليل والنهار ، قال تعالى تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ.
كان الدعاء والسؤال طريقا سالكاً للهدى والرشاد ورسوخ الايمان، وسبيلاً لطلب محبته سبحانه والنعيم الدائم تحت سماء مرضاته الى جانب انجاح الحاجة ونيل الرغائب وبلوغ المقصود وسرعة الاستجابة، وليرقى الدعاء الى منزلة العبادة ومضامين منافعها.
عن زرارة عن الامام جعفر الصادق عليه السلام قال: “الدعاء هو العبادة التي قال الله تبارك وتعالىإِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ، ادع الله عز وجل ولا تقل ان الامر قد فرغ منه.
ولقد أرسى الامام علي بن الحسين عليه السلام أركاناً في بناء صرح الدعاء والوجدان الايماني والحس الإسلامي، فكانت مضامين الصحيفة السجادية صلات حية وجسورا وضياءً ودليلاً للروح الانسانية في توجهها طائعة صاغرة لسؤال مقام القدرة المطلقة والربوبية القاهرة، ونبراساً للمؤمنين ذا اعتبارات ملكوتية تنير درب الايمان وتزينه بالسداد والصلاح والأمل حيث تتجلى مضامين الفيض الالهي والرحمة الواسعة للباري عزوجل علة وغاية وسبباً ونتيجة.
روي عن رسول صلى الله وعليه وآله سلم انه قال : ألا أدلكم على سلاح ينجيكم من أعدائكم ويدر أرزاقكم ، قالوا : بلى ، قال تدعون ربكم بالليل والنهار، فأن سلاح المؤمن الدعاء( ).
ويتضمن الجزء الثاني من كتابنا فلسفةالإمامة في الصحيفة السجادية شطراً من أدعية الإمام السجاد عليه السلام تبدأ من الدعاء الاول منها الى الدعاء السابع ، وهي :
الأول : (دُعَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا ابْتَدَأَ بِالدُّعَاءِ بَدَأَ بِالتَّحْمِيدِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ والثَّنَاءِ عَلَيْهِ).
الثاني : (دُعَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ هَذَا التَّحْمِيدِ فِى الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ).
الثالث :(دُعَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِى الصَّلَاةِ عَلَى حَمَلَةِ الْعَرْشِ وَكُلِّ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ).
الرابع :(دُعَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِى الصَّلَاةِ عَلَى أَتْبَاعِ الرُّسُلِ وَمُصَدِّقِيهِمْ).
الخامس : (دُعَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِنَفْسِهِ وَلِأَهْلِ وَلَايَتِهِ).
السادس : (دُعَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ).
السابع : (دُعَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا عَرَضَتْ لَهُ مُهِمَّةٌ أَوْ نَزَلَتْ بِهِ مُلِمَّةٌ وَعِنْدَ الْكَرْبِ).
مع بيان لغوي وتحقيقات موجزة ضمن رحلة مباركة في رحاب الدعاء وآفاق روح التوكل على الله، وسبل الهداية الى ميادين الإنابة والتوحيد والفوز بالعفو والرحمة والانقطاع الى الله عز وجل، والسعي لنيل محبته ورضاه في دروس عرفانية تشهد في كل زمان على اخلاص العبودية عند الإمام السجاد عليه السلام والتراث العظيم الذي تركه للمسلمين، وحجة في عالم التوحيد والجهاد في سبيل اعلاء لواء الإسلام وتهذيب النفوس وتخليصها من الكدورات وغلبة القوى الشهوانية والغضبية
وقد أنعم الله عز وجل علينا بصدور مائة واثنين وسبعين جزء من (معالم الإيمان في القرآن) وكله استنباط واستقراء من ذات مضامين الآيات، في آية علمية لم يشهد لها التأريخ مثيلاً، وفي التنزيلذَلِكُمْ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ .
18 محــــرم الحــــــرام 1414 هــ
النجـــــف الأشــــــرف
مناجاة السجاد
المناجاة لغة هو الكلام سراً وبخفية ، وعزلة عن الناس ومنها أن تخلو بمن تناجيه لتبث له سراً بمكان منفصل عن الغير ، ويقال (ناجاهُ مُنَاجَاةً ونِجاءً: سارَّهُ. وانْتَجَاهُ: خَصَّهُ بمُناجاتِه) ( ) .
والنجوى : السر والحديث الخاص المحصور بين طرفين .
وهو أعم من أن يكون بين شخصين ، وفي التنزيل مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
ورد القرآن بمناجاة الأنبياء وود في موسى عليه السلام قوله تعالى وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ.
ومن منهاج النبوة مناجاة الله ، وليس من نبي إلا وهو يفرد ساعة من يومه ليأنس بمناجاة الخالق ومبدع لوجود وعالم لسرائر الله عز وجل .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو الإمام في المناجاة وتلقي الوحي في بدايات بالمكث في غار حراء الليالي ذات العدد ، أي يبقى في الغار عدة ليال قبل أن يرجع إلى أهله وينزل من الطعام ، وكان يتهجد في ركوعه وسجوده خاصة عند صلاته النوافل بصيغة الإنفراد وليس الجماعة والتي يعجل فيها الصلاة لمراعاة أضعف المأمومين ، ومع هذا فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يترك الدنيا والنعاية بها ، وتولي شؤون الإسلام ، وقد بلغه أن بعض أصحابه أختاروا الزهد والإنقطاع عن الدنيا ، فلم يرضى بهذا الأمر ، و (عن أنس : أن نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر ، فقال بعضهم : لا أتزوج النساء ، وقال بعضهم : لا آكل اللحم ، وقال بعضهم : لا أنام على فراش ، وقال بعضهم أصوم ولا أفطر ، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ ، لكني أصلي وأنام ، وأصوم وأفطر ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني) ( ).
لقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإمام في المناجاة والدعاء والمسألة من الله عز وجل ، وفي عشية معركة بدر حيث أصر الذين كفروا على القتال والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يرغب به ، ولا يريده ، وكان يمنع أصحابه من البدء بالقتال ، فلم ينم النبي صلى الله عليه وآله وسلم تلك الليلة إنما قضاها بالمناجاة والدعاء ليأتي النصر في صبيحتها .
وعن (قيس بن عباد ، قال : صلى بنا عمار ، صلاة كأنهم أنكروها ، فقالوا له في ذلك فقال : ألم أتم الركوع والسجود ؟ قالوا : بلى . قال : أما إني قد دعوت بدعاء ، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي ، اللهم إني أسألك كلمة الإخلاص في الرضا والغضب ، والقصد في الغنى والفقر، وخشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك الرضا بالقدر، وأسألك نعيما لا ينفذ وقرة عين، لا تنقطع، ولذة العيش بعد الموت ، ولذة النظر إلى وجهك وشوقا إلى لقائك ، وأعوذ بك من ضراء مضرة ، وفتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان ، واجعلنا هداة مهتدين)( ).
والنسبة بين المناجاة والدعاء هي العموم والخصوص من وجه ، فمادة الإلتقاء توجه العبد إلى الله عز وجل برداء الخشوع والتسليم بالربوبية المطلقة له سبحانه ، أما مادة الإفتراق فان المناجاة حديث العبد مع ربه سراً والتضرع والتوسل إليه والثناء عليه سبحانه ، وذكر صفاته الحسنى ، أما الدعاء فهو السؤال وطلب الحاجة .
وقد يقال أن النسبة بين المناجاة والدعاء هي العموم والخصوص المطلق .
لقد ورث السجاد المناجاة من من آبائه فبيت النبوة هي موطن المناجاة ، ومنه يقتبس الناس آدابها وسننها ، وانقطع السجاد بعد واقعة كربلاء إلى المناجاة وهي واقية من بطش السلطان وحرز من الأذى والضرر وبرزخ دون الإنشغال والإفتتان بأمور الدنيا .
وكل دعاء من أدعية الصحيفة السجادية مناجاة ودعاء وتضرع إلى الله عز وجل ، ومنها المناجاة الخامسة عشر التي تدل على صدق العبودية واللجوء إلى الله عز وجل وحسن التوكل عليه ، ورجاء فضله ورفده .
وكان الإمام علي عليه السلام يكثر من الحج وعدد المرات التي حج فيها البيت الحرام بعشرين حجة ، وما قرع ناقته التي يحج عليها يوثا بسوط ، ليكون الحج مرآة لبيان بعبادة وزهد ودعاء ، ومناجاة الإمام السجاد ، إذ يرى وفد الحاج انقطاعه إلى الصلاة والدعاء ، وكثرة سجوده وتسبيحه ورآه طاووس وقت السحر يطوف بالبيت الحرام وهو منقطع إلى الله .
قال طاووس (رأيته يطوف من العشاء إلى السَّحر ويتعبد ، فلمّا لم يَرَ أحداً رمق السماء بطرفه ، وقال :
إلهي غارت نجوم سماواتك ، وهجعت عيون أنامك ، وأبوابُك مفتّحات للسائلين ، جئتك لتغفر لي وترحمني ، وتريني وجه جَدِّي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عرصات القيامة ، ثم بكى وقال : وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك ، وما عصيتك إذ عصيتك وأنا بك شاكٌّ ، ولا بنكالك جاهلٌ ، ولا لعقوبتك متعرضٌ ، ولكن سوَّلت لي نفسي ، وأعانني على ذلك سترُك المرخَى به عَلَيَّ . فالآن من عذابك من يستنقذني ؟. وبحبل مَن أعتصم إنْ قطعتَ حبلك عني ؟. فواسوأتاه غداً من الوقوف بين يَديك ، إذا قيل للمخفِّين جوزوا ، وللمثقَلين حُطُّوا . أمع المخفّين أجوز ؟ أم مع المثقلين أَحط ؟ ويلي كلما طال عمري كثرت خطايايَ ولم أتب ، أما آن لي أن أستحي من ربِّي. ثم بكى وأنشأ يقول :
أتحرقني بالنار يا غاية المنى فأين رجائي ثم اين محبّتي أتيتُ بأعمالٍ قباحٍ زَرِيَّةٍ وما في الورى خلق جنى كجنايتي ثم بكى وقال : سبحانك تُعصَى كأنك لا ترى،وتحلم كأنك لم تُعص تتودّد إلى خلقك بحسن الصنيع كأن بك الحاجة إليهم ، وأنت يا سيدي الغني عنهم ، ثم خر إلى الارض ساجداً . قال : فدنوتُ منه وشلتُ برأسه ووضعتُه على ركبتي وبكيتُ حتى جرت دموعي على خده ، فاستوى جالساً وقال : ” مَن الذي أشغلني عن ذكر ربِّي،فقلتُ : أنا طاووس يابن رسول الله ، ما هذا الجزع والفزع.
ونحن يلزمنا أن نفعل هذا ونحن عاصون جانون ، أبوك الحسين بن علي وأُمك فاطمة الزهراء ،و جدك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : فالتفت إليّ وقال : ” هيهات هيهات يا طاووس ، دع عني حديث أبي وأمي وجدي ، خلق الله الجنة لمن أطاعه وأحسن ولو كان عبداً حبشيّاً ، وخلق النار لمن عصاه ولو كان ولداً قرشيّاً . أما سمعتَ قوله تعالى { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلآ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسآءَلُونَ }( )، والله لا ينفعك غداً إلاّ تقدمة تقدمها من عملٍ صالح ، ولأنه أحب الله فوّض إليه أمره وسلّم له أشد التسليم ، وهو (ع) يروي عن نفسه القصة التالية فيقول :” مرضتُ مرضاً شديداً ، فقال لي أبي : ما تشتهي ؟ فقلتُ : أشتهي أنْ أكون ممَّن لا أقترح على الله ربِّي ما يدبِّره لي . فقال لي : أحسنتَ ، ضاهيتَ إبراهيم الخليل صلوات الله عليه حيث قال جبرئيل : هل من حاجة ؟. فقال : لا أقترح علي ربِّي ، بل حسبي الله ونعم الوكيل)( ).
وروى علي بن حمزة عن أبيه قال : سألت مولاة لعلي بن الحسين عليهما السلام بعد موته فقلت صفي لي أمور علي بن الحسين عليه السلام فقال: أطنب أو أختصر؟ فقلت بل اختصري قالت: ما أتيته بطعام نهارا قط ولا فرشت له فراشا بليل قط)( ).
المناجاة الخمسة عشر
المناجاة الأولى : مناجاة التائبين
المناجاة الثانية : مناجاة الشاكين
المناجاة الثالثة : مناجاة الخائفين
المناجاة الرابعة : مناجاة الراحين
المناجاة الخامسة : مناجاة الراغبين
المناجاة السادسة : مناجاة الشاكرين
المناجاة السابعة : مناجاة المطيعين لله
المناجاة الثامنة : مناجاة المريدين
المناجاة التاسعة : مناجاة المحبين
المناجاة العاشرة : مناجاة المتوسلين
المناجاة الحادية عشرة : مناجاة المفتقرين
المناجاة الثانية عشرة : مناجاة العارفين
المناجاة الثالثة عشرة : مناجاة الذاكرين
المناجاة الرابعة عشرة : مناجاة المعتصمين
المناجاة الخامسة عشرة : مناجاة الزاهدين.
الدعاء الأول
وكَانَ مِنْ دُعَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا ابْتَدَأَ بِالدُّعَاءِ بَدَأَ بِالتَّحْمِيدِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ والثَّنَاءِ عَلَيْهِ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْأَوَّل ِ(1).
(1) حمده يحمده حمداً ومحمداً. والحمد: هو الثناء والشكر ومقابلة الانعام بالتعظيم بالقول أو الفعل أو الاعتقاد. والحمد مبتدأ مرفوع جاء بلسان الحكاية.
ولله: اللام حرف جر، واسم الجلالة اسم مجرور وهما في محل رفع خبر، وفي (لله) ثلاثة لامات لدخول لام التحقيق عليها أي استحق الله الحمد، ووجود لامين في الأصل، لام التعريف في اسم الجلالة، والأخرى لام سنخية على القول بان الأصل (لاه)، وجاء الرسم والخط بلامين لكراهية اجتماع ثلاثة منها لأنه اشد استثقالاً من اجتماع صورتين الذي يدغم العرب فيه.
ان الحمد لله أمر دائم مستمر واجب لذاته.(روي عن ابن عباس أنه قال: الرفع هو القراءة لانه المأثور، وهو الاختيار في العربية)، والله: اسم الجلالة ولفظ دال على المعبود بالحق الذي جعل العقول تائهة في قدسية ذاته وعظيم صفاته. وهو أكثر الكلمات والاسماء وروداً في القرآن وفي ذلك أهمية خاصة وقدسية وتعظيم وقيل أنه سريانى والمختار أنه عربي.
شكرا لله عز وجل وثناءً دائماً متصلاً ضمن إطار التنزيه والتقديس المطلق لمقام عرشه ، روي ان آدم حمد لله في الساعة التي جلس فيها مستوياً بعد أن نفخ الله فيه من روحه فعطس، فقال : الحمد لله رب العالمين، فقال الله: يرحمك الله يا آدم( ).
بِلَا أَوَّلٍ كَانَ قَبْلَهُ(2)
وقد أنعم الله عز وجل على المسلمين والمسلمات بأن يتلو كل واحد منهم عدة مرات في اليوم وعلى نحو الوجوب العيني وبحال الخشوع وبقصد القرآنية والقربة الى الله قولالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
ان إبتداء الدعاء الأول من الصحيفة بالحمد والثناء لله عز وجل افتتاح مبارك لتوكيد الإقرار بان النعم كلها من عند الله تعالى ودعوة للسعي في دروب الشكر والإجتهاد في طاعته والإمتثال لأوامره سبحانه، انها مدرسة اهل البيت عليهم السلام ذات الصبغة العبادية والأخلاقية التي تبعث الأنوار في ارجاء الأرض داعية الى التوحيد، وهو حجاب دون الجحود وسلاح لصرف الأذى والبلاء والفتن.
(2) الله عز وجل هو واجب الوجود الدائم في ذاته قبل وجود الخلائق، ومبدأ الموجودات بأسرها، وصانع كل شيء، والاول الذي كان قبل كل شيء، والقديم الذي لا تدركه أوهام عقول البشر.
وكل شيء سواه مخلوق وحادث، وهو الصانع والمؤثر دائماً فيها، وهل من ملازمة بين هذه الفقرة من الدعاء والتي سبقتها، أم ان الحمد جاء للإفتتاح، الجواب: هو الأول فلأن العقول تعجز عن الإحاطة ببديع صنعه تعالى واحصاء نعمه الشخصية والنوعية جاء الحمد في الإبتداء، كما ان هذه الفقرة تبين خصوصية الثناء والحمد له تعالى بان الخلائق لا تستطيع الإستغناء عن فضله ورحمته.
والْآخِرِ بِلَا آخِرٍ يَكُونُ بَعْدَهُ(3)الَّذِى قَصُرَتْ عَنْ رُؤْيَتِهِ أَبْصَارُ النَّاظِرِينَ(4)
(3) من صفاته سبحانه الثبوتية وهي صفات كمال واكرام، انه الدائم الباقي بعد فناء كل شيء. قال الله تعالى هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .
فلا أول له يحده ببداية , وهو أزلي أي لا أول لوجوده وباق لا نهاية لوجوده، في الزمن الحاضر، وأبدي أي لا نهاية لوجوده في المستقبل، وكل
موجود غيره ممكن محتاج اليه في بقائه كما احتاج اليه في حدوثه،وهذا الموضع مدح وثناء وحمد ايضاً واعلان للإقرار بالصانع والصفات الحسنى التي تلازم وجوب الوجود.
سئل الامام حعفر الصادق عليه السلام عن الآية فقال: الاول لا عن أول قبله ولا عن بدء سبقه، والآخر لا عن نهاية كما يعقل من صفات المخلوقين، قديم أول آخر لم يزل ولا يزال بلا بدء. ولا نهاية لا يقع عليه الحدوث ولا يحول من حال خالق كل شيء( ).
(4) تعجز حاسة النظر وترتد الابصار مذعورة خائبة دون أن تتعلق بأمل رؤيته ، وهواللطيف الذي تعالى ان يكون مبصراً في ذاته القدسية. وفي التنزيللاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ.
مما هو ثابت عند المليين نفي الرؤية عنه تعالى ولا عبرة بالشاذ النادر، ان الأبصار لا تدركه وان كان موجوداً في كل مكان ولكن وجوده في الأمكنة عبارة عن احاطته بالأشياء وحضورها جميعاً عنده واستجابتها لقدرته، فهو سبحانه ليس بجسم لأن الجسم له طول وعرض وعمق والله منزه من التشبيه والجسمية والجهتية، فهي امور تدل على الحاجة الى المكان والمحل والجهة، وكل ممكن محتاج وهو سبحانه غني غير محتاج.
ولابد من تأويل بعض الآيات مثل الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِـمْ وَيَفْعَلـُونَ مَا يُؤْمَرُونَ،
فاستواؤه على العرش تمثيل للقدرة والملك وسلطان الحكم المطلق، والفوقية في الآية اعلاه تعني العلو والرفعة ومقام الربوبية ولزوم خضوعهم لها من منازل الذل والعبودية، ان عجز الأبصار وقصورها عن رؤيته تعالى نوع اجلال واكرام له سبحانه ودليل على عظمته سبحانه، فجاء الدعاء هنا من باب المدح والثناء والتعظيم واظهار الخضوع والخشوع والذل، انه نوع تبتل وتقرب اليه تعالى بالإقرار باستحالة رؤيته سبحانه، وتثبيت وتوكيد هذه الحقيقة بلسان ائمة اهل البيت عليهم السلام،
وفي حديث الإسراء ورد عن ابي ذر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: نور أنى اراه( )، اما بالنسبة للرؤية يوم القيامة فقد تعددت اقوال المتكلمين فيها وقد بيناه في مباحث التفسير.
وعَجَزَتْ عَنْ نَعْتِهِ أَوْهَامُ الْوَاصِفِينَ(5)ابْتَدَعَ بِقُدْرَتِهِ الْخَلْقَ ابْتِدَاعاً واخْتَرَعَهُمْ عَلَى مَشِيَّتِهِ اخْتِرَاعاً(6)
(5) عجز يعجز عجزاً من باب ضرب أي ضعف. والنعت: الوصف الذاتي. والاوهام: جمع وهم، يقال وهمت الشيء أهمه وهماً أي وقع في خلدي من خطرات القلب، لقد ضعفت وعجزت تصورات أصحاب التخيل عن الاحاطة بصفات الكمال ونعوت العظمة لذات الحق لقصور العقول ومحدودية تصوراتها واضطرارها للالتزام بما وصف به نفسه سبحانه من الصفات في كتبه وما جاء به الرسل من عنده.
وليس المراد من الأوهام هنا جمع وهم بالإصطلاح المنطقي وهو التصديق غير الجازم للمرجوح، فمن النكات الكلامية الخاصة بأهل البيت عليهم السلام ان الدعاء والثناء جاء بعجز الأوهام وليس العقول لأن الأوهام والخواطر أعم وأوسع تصوراً وجاءت بصيغة الإطلاق، والألف
واللام في الأوهام للجنس، أي جميع الأوهام من الخطرات التي تقع في خلد الناس والملائكة والجن، انه ثناء لله عز وجل مع الإقرار باستحقاقه سبحانه للعبادة.
(6) الابتداع : الاختراع من غير مثال يحتذى ، والاختراع: ايجاد الشيء من غير نموذج ولا سابقة. والابتداع والاختراع لفظان متحدان في المعنى، والقدرة: القوة وارادة الفعل ، والمشيئة: اسم من يشاء وهي الارادة والعزم، ومشيئته تعالى هي تجلي العناية الإلهية لايجاد المعدوم وتغير الموجود أو اعدامه اذ أوجد الله السماوات والارض وما فيهما من العدم المحض فضلاً منه من غير نموذج، والسابقة والخلق عند بعض أهل اللغة هم الناس.
ثُمَّ سَلَكَ بِهِمْ طَرِيقَ إِرَادَتِهِ وَبَعَثَهُمْ فِى سَبِيلِ مَحَبَّتِهِ(7)
وقال احد الأعلام من شارحي الصحيفة: “ان المراد هنا الثقلان لاعادة ضمير العقلاء عليه”، ولكن الدعاء يحمل على المعنى الأعم الا مع القرينة على التقييد فهو يشمل ايضاً الملائكة خصوصاً وانهم عقول بلا شهوة ولا يحتاجون الغذاء او يشتاقون الى اللذات الحسية فغذاؤهم التسبيح وهم دائبون على العبادة، قال تعالىيُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ، بالإضافة الى الآيات في خلقهم فكل ملك آية في الخلق والإبتداع ويدل على وجوب الصانع، وسيأتي التفصيل ان شاء الله في الدعاء على حملة العرش.
(7) سلك الطريق سلوكا: ذهب فيه واتخذه سبيلا. وتعديه بالباء افصح من تعديه بالالف أو بنفسه، والارادة: العزم، ومنه : المشيئة والحكمة الالهية. والبعث: الارسال والتوجيه.
لقد صور الله الخلق كيف شاء وأنشأهم بعينه وحكمته وأسلكهم سبل
الحياة وسخرهم لمرضاته وألزمهم التكاليف والفرائض والمندوبات التي تهدي الى محبته ونيل مرضاته.
ويبين الدعاء تعاهد الله سبحانه للخلائق، فهو لم يخلق الخلق ويتركهم كما ذهب اليه بعض الفلاسفة اليونانيين، ولم يتركهم يلجئون الى العبادة بمحض اختيارهم واكتشاف عقولهم وان كان العقل رسولاً داخلياً عند الإنسان، بل تفضل سبحانه باعانتهم على الإهتداء الى سبل الرشاد ومسالك العبادة والصلاح.
لَا يَمْلِكُونَ تَأْخِيراً عَمَّا قَدَّمَهُمْ إِلَيْهِ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَقَدُّماً إِلَى مَا أَخَّرَهُمْ عَنْهُ(8).
(8) التأخير : الابطاء وخلاف التقديم. وورد في بعض نسخ الصحيفة (تاخراً) بدل (تأخيراً). واستطاع يستطيع استطاعة: وهي الطاقة والقدرة، والواو جاءت لعطف جملة حالية على أخرى مثلها.
لقد جعل الله لكل مخلوق وظيفة وعملاً وأجلاً لا يتجاوزه ، ومنزلة لا يتعدى حدودها ورزقاً لا يحجب عنه ولا يأتي الا في أوانه.
لقد حرص الإمام على اظهار العجز النوعي العام عند الخلائق على نحو العموم الإستغراقي والمجموعي والبدلي، في تضرع ومسكنة الى الباري عز وجل وتوسل لنزول رحمته وعفوه، ودعوة وللناس جميعاً بالتبرأ من صيغ التكبر والجبروت عند بعض الطغاة والجاحدين والكفار بمعنى التوسل لعدم المؤاخذة للناس بسبب سوء عمل هؤلاء الخارجين عن غايات الخلق، وبذا تتجلى بعض منافع النبوة والإمامة قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
فيتعاهد اهل البيت عليهم السلام وعامة المسلمين رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالسعي الدؤوب والدعاء للرحمة والمغفرة والإمهال رجاء الهداية
ومنع نزول البلاء بسبب الظلم والطغيان من بعض الأفراد والجماعـات، انه توســل لتوقي شــرور البلاء الــوارد في قــوله تعـالى وَاتَّقُــوا فِتْنَةً لاَ تُصـــِيبَنَّ الَّذِينَ ظَــلَمُوا مِنْكُمْ خَاصّـــَةً وتـــبرأ من الظلمة والجاحدين، وفي
وَجَعَلَ لِكُلِّ رُوحٍ مِنْهُمْ قُوتاً مَعْلُوماً مَقْسُوماً مِنْ رِزْقِهِ(9)لَا يَنْقُصُ مَنْ زَادَهُ نَاقِصٌ وَلَا يَزِيدُ مَنْ نَقَصَ مِنْهُمْ زَائِدٌ. ثُمَّ ضَرَبَ لَهُ فِى الْحَيَاةِ أَجَلًا مَوْقُوتاً وَنَصَبَ لَهُ أَمَداًمَحْدُوداً(10)
الحديث تسليم بعجز الإنسان عن تعدي ما كتب له، وهذا التسليم لا يتعارض مع عظيم فضله تعالى في الزيادة والنقصان وعموم قوله تعالى يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ لأن المحو والإثبات يدخلان ضمن مشيئته وقدرته وإرادته سبحانه.
(9) تشمل الروح كل الذي به حياة النفس وتأتي عنواناً للنفس الانسانية الناطقة ذات البيان، والروح يذكر ويؤنث. وفي نسخة ابن ادريس (لكل زوج) لما يكون له نظير كالاصناف أو نقيص كالذكر والانثى.
والقوت : المقدار من الطعام الذي يمسك به الرمق. و(المعلوم: معروف الوصف والمقدار والمقسوم، أي المفروز المعين ضمن توزيع وقسمة حيث خص الله كل نفس برزق محدد المقدار والمنوع تتبلغ به الحياة).
في بيان فضل الله تعالى وسعة رحمته وان الأرزاق بيده، فالدعاء حث على الشكر والحمد لله عز وجل بانه خلقنا وتكفل أرزاقنا وادراك هذه الحقيقة باب للصلاح والهداية ، وفي التنزيل اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
(10) نقص الشيء ينقص نقصاً: ذهب منه بعضه. وزاد الشيء : أي أضاف اليه ، والزيادة نقيض النقصان. لا يستطيع الناس أن يحجبوا رزقا كتبه الله عز وجل وساقه لعبد من عبيده. كذلك لا يقدر أحد أن يزيد على ما جعل الله عز وجل لبعض خلقه. و(ثم) حرف عطف يفيد الترتيب جاء لبيان معرفة تقدم الرزق وتأثيره بموعد الأجل وحلول ساعة الوفاة.
و(موقوتاً) أي محدوداً بأوقات معينة وثابتة ، قال تعالىإِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا، يقال: وقته: فهو موقوت: اذا بين للفعل وقتاً يفعل فيه. ونصب الشيء ينصبه نصباً: وضعه. والأمد: الغاية والمنتهى ، وأمدك: منتهى عمرك حيث كتب الله لكل نفس أياماً معدودة فى الحياة الدنيا.
يظهر الدعاء الملازمة بين الرزق والأجل ولكنه ليس على نحو القطع والحتم، لأن الله واسع كريم فبالدعاء يزيد الله عز وجل الرزق وينسئ الأجل وكذا في بعض الصالحات كصلة الرحم كما ورد في النص “صلة الرحم منسأة في الأجل” وخصوصاً ان خزائنه سبحانه لا تنفذ.
والفقرة من الدعاء تتعلق بالإنسان وعجزه عن تغيير ما كتب الله عز وجل لــه من العمر في الحيــاة الدنيا، كما انه سبحانه له فضل لم يكتب لأحد بل هــو خاص لمن دعــاه وســأله لعمــومات قوله تعالى ادْعُونِي أَسْتجِبْ لَكُمْ، فلابد ان الإستجابة مطلقة تتعلق بالمكتوب وبأمر زائد عما هو مكتوب اصلاً مع علمه تعالى بما سيكون ونيل الزيادة من فضله.
يَتَخَطَّى إِلَيْهِ بِأَيَّامِ عُمُرِهِ(11) وَيَرْهَقُهُ بِأَعْوَامِ دَهْرِهِ(12)
(11) يتخطأ : من الخطو والدنو وهو المشي. وجاء فى أكثر النسخ بالهمز، والضمير فى (اليه) راجع الى الأمد حيث يجعل الله على الانسان حفظة يحفظونه الى حين أجله الذى يدنو منه ويقترب مع تعاقب الليل والنهار، قال تعالى وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ
يَسْتَقْدِمُونَ.
انه نوع إنذار واخبار عن امر حتمي ينتظر كل انسان والتذكير به اعلان وشهادة الإقرار بالموت وانه حق، وهذا الإقرار مقدمة علمية للجوء الى الباري ونزع رداء الدنيا وترك اللهث وراء لذاتها وما فيها من الشهوات.
وفي لفظ (يتخطى) وجوه بلاغية وتتفرع عنه مسائل كلامية، فالإنسان يتخطى للموت باعماله وافعاله ويدنو من الأجل وهو لا يعلم ما يحصي عليه الملائكة، وانه يختار مقامه بيده كما يختار المسافر جهة السفر وغايته، فاما الى الجنة بما يفعله من الصالحات واما الى النار بما يرتكبه من المعاصي والسيئات.
(12) رهقت الشيء رهقاً : قربت منه وادركته، ويأتي بعنوان التغشي وحمل ما لا يطاق وهو الأنسب في المقام، والضمير فى (ويرهقه) راجع الى الأمد ذلك ان كل شخص يدنو ويقترب الى موعد مغادرته الدنيا بما يقطع مستهلكاً من أيام وسنوات ما كتب الله له فيها.
وفي الدعاء اشارة الى ما في الحياة الدنيا من التكليف ومسؤولية اجتناب المحرمات، وسمي التكليف تكليفاً لما فيه من المشقة الزائدة، والدهر: هو
حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَقْصَى أَثَرِهِ وَاسْتَوْعَبَ حِسَابَ عُمُرِهِ(13) قَبَضَهُ إِلَى مَا نَدَبَهُ إِلَيْهِ مِنْ مَوْفُورِ ثَوَابِهِ أَوْ مَحْذُورِ عِقَابِهِ(14)
الزمان وتوالي الأيام والسنين، وفي الخبر: “لا تسبوا الدهر هو الله”، لأن العرب كانوا ينسبون المصائب والنوازل الى الدهر، فاخبروا بان الله عز وجل بيده مقاليد الأمور وان الدهر ليس فاعلاً للحوادث، وكأن في الحديث رداً على الدهرية وهي فرقة ضالة قالوا: “وما يهلكنا الا الدهر”، واضافة الدهر في الدعاء الى ضمير الغائب الهاء (دهره) راجع الى الروح
في قوله عليه السلام (وجعل لكل روح).
(13) أقصى الشيء : غايته وما ينتهى عنده، الاثر: الأجل وأصله من آثار الاقدام في الارض. واستوعبه: استقصاه وأخذه بأجمعه، والمعنى ان الانسان يأتي أجله عندما يستوفى رزقه وأفعاله وما ترتب عليها من الآثار والعواقب ويقضى ما كتب له ايام الدنيا.
انها عبارة عن امهال ومناسبة للإمتحان وان الحساب يتعقب النشأة الدنيا، وفي الدعاء قانون وهو ان الإنسان يتعذر عليه البقاء اكثر مما كتب الله عز وجل له في الحياة الدنيا، فمدة العمر امر راجع اليه تعالى وليس للإنسان.
(14) قبضه الله : توفاه، وندبه الى الامر ندبا: أي دعاه اليه، والموفور: الكامل التام. والثواب: الجزاء . المحذور: المخوف حيث ينقل الله العبد بعد موته الى دار حساب خالية من العمل وهناك الجزاء حيث الأجر العظيم والفـوز للصــالحين والمتقــين. والعذاب الأليم الذي أنـذر الله به اهل
لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى(15).
المعصية واصحاب الذنوب، قال تعالىيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ….
ويشير الدعاء الى حتمية لقاء الباري عز وجل والوقوف بين يديه للحساب، ففيه تذكير وموعظة ودعوة للإستعداد لذلك اليوم المشهود والإستعداد لا يكون الا بالتقوى والصلاح، انه دعوة لعدم التفريط بايام الحياة الدنيا كفرصة ومناسبة كريمة لأداء الفرائض وحمل زاد الآخرة.
(15) هذه الآية هي الحادية والثلاثون من سورة النجم، واللام في (ليجزي) للعاقبة وتكون للغرض لسعة معاني آيات القرآن، والله عزوجل خلق الخلق ليتعبدهم وان دار الحساب والإستحقاق تنتظرهم فلابد من الجزاء كل حسب عمله، فالموت ليس نهاية للحياة، بل هو انتقال من عالم الى عالم آخر وتوقف المقام فيه على نوع العمل في الدنيا ومدى الطاعة، انها فلسفة الإيمان وعقيدة التوحيد التي جاءت بها الرسل من عند الله تعالى ونزلت الكتب السماوية مبشرة ومنذرة لذا فان الدعاء والتذكير بالآية الكريمة يتضمن الوعد والوعيد.
ولقد اجمع المسلمون على وجوب المعاد الجسماني وان الأجسام تجمع بعد تفرقها وقد تقدم ان التكليف فيه مشقة زائدة، لذا تفضل سبحانه بالثواب والعوض الدائم على هذه المشقة في دار الجزاء، وفي علم الكلام قيل : والا لكان والتكليف ظلماً وهو قبيح تعالى الله عنه.
ولا ملازمة بين الثواب وعدم الظلم اذ ان الخلق ونعمة الحياة الدنيا تستحق وحدها الشكر لله تعالى بصنوف ووجوه العبادة المختلفة، فلو قضى الإنسان حياته قائما الليل صائماً النهار لا ينفك عن التسبيح فانه لا يجازي نعمة خلقه، ولكان الجزاء لهذه العبادة مستوفى سلفاً في الخلق والتمكين من العبادة او في استدامة الرزق والحياة فضلاً عن العافية، والولد، وصرف البلاء، والجزاء نعمة وفضل من الله تعالى ونعته بالإستحقاق لطف وكرم منه سبحانه ويوصف الجزاء بانه عوض مجازاً وتفضلاً واحساناً ، قال تعالىوَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا.
والعوض في الإصطلاح هو النفع المستحق الخالي من التعظيم والاجلال.
عَدْلًا مِنْهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ وَتَظاَهَرَتْ آلَاؤُهُ(16) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ(17).
(16) العدل لغة التسوية بين الشيئين، والحكم بالحق وهو خلاف الجور. وتقدست: أي تنزهت وتطهرت اسماؤه الحسنى عن النقص والعيب، وتظاهرت: أي تبينت ظاهرة منتشرة، والآلاء: النعم. وقد ذكرت في القران اربع وثلاثين مرة. ان الله عزوجل يحكم بين عباده بالحق تنزهت صفاته وتوالت واضحة نعمه وآياته وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ.
والعدل في اصطلاح علم الكلام هو العلوم المتعلقة بتنزيه واجب الوجود عن فعل القبيح، فمسائله سياحة للعارفين ونزهة لأولي الألباب، ومن الإعجاز انها ومع ما فيها من المضامين والدلائل القدسية فاكثرها تكون واضحة وبينة لكل انسان، فيشعر كل انسان المحصل وغير المحصل وكأنها صيغت له ويصيبه السرور، انه يعلمها بالفطرة والوجدان ، وأنها ليست غريبة عنه لأن العقل يحكم بالضرورة بها فهي من البديهيات أي القضايا التي يحكم بها العقل لذاته من دون توسط سبب خارجي فلا يستلزم ادراكها الا تصور طرفيها، وقد عد العدل من اصول الدين.
(17) هذه الآية هي الثالثة والعشرون من سورة الانبياء، فليس من أحد من الخلائق يسأل الله عز وجل عن أمرعله أو يفعله لأنه سبحانه مالك كل شئ، وهو العدل والحكيم المتقن لأفعاله ووله المشيئة المطلقة , والكل تقطع إلى عبادته وتسبيحه قال تعالىيُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ.
ترى هل عجز الخلائق عن سؤال الله عن فعله من الصرفة، أي أن الله عز وجل صرف الخلائق عن سؤاله، الجواب لا مانع منه بقيد أنه واحد من الأسباب التي جعلها الله عز وجل في أفراد ملكه ولكن الصرفة ليس علة تامة لعدم السؤال.
ويبين الإمام السجاد مسألة في تأديب وتعليم الناس وهي وجود رشحات من التباين بين الله وخلقه، بلحاظ أنه الرب والخالق والملك الذي ينقاد له كل شي , ومنها أن الله لا يسأله أحد عن فعله، والخلائق كلها تسئل ’ وإذ أذن الله في الشفاعة فإنه لا يأذن بسؤال الغير له مطلقا .
وقال الامام الصادق عليه السلام في تفسيرهالاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ لأنه لا يفعل الا ما كان حكمة وصواباً وهو المتكبر الجبار، والواحد القهار فمن وجد في نفسه حرجاً فى شيء مما قضى كفر، ومن أنكر شيئا من أفعاله جحد. وَهُمْ يُسْأَلُونَ قال يعني بذلك خلقه.
والدعاء واستحضار الآية الكريمة اقرار بالضعف والعجز وفيه تسليم للباري عز وجل ورضا وهو سبحانه منزه عن فعل القبيح وارادته، وان كانت الإرادة والفعل أمرين متغايرين وقد يلتقيان في النتيجة والأثر، وهو لا يتعارض مع القول بالمنزلة بين المنزلتين فيما بين الجبر والقدر لذمهم عليهم السلام للقدرية وهم الذين اسندوا افعالهم الى قدرتهم ويقولون ان كل عبد خالق لفعله، وفي الحديث: “لا يدخل الجنة قدري( ).
وذكرت الآية هنا للوعيد والتخويف والتذكير بالآخرة والحساب ونبذ الإنشغال بالقول فيما لا نعلم.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَوْ حَبَسَ عَنْ عِبَادِهِ مَعْرِفَةَ حَمْدِهِ عَلَى مَا أَبْلَاهُمْ مِنْ مِنَنِهِ الْمُتَتَابِعَةِ وَأَسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنْ نِعَمِهِ الْمُتَظَاهِرَةِ لَتَصَرَّفُوا فِى مِنَنِهِ فَلَمْ يَحْمَدُوهُ وَتَوَسَّعُوا فِى رِزْقِهِ فَلَمْ يَشْكُرُوهُ وَلَوْ كَانُوا كَذَلِكَ لَخَرَجُوا مِنْ حُدُودِ الْإِنْسَانِيَّةِ إِلَى حَدِّ الْبَهِيمِيَّةِ(18)
(18) حبس : منع. والعباد جمع عبد يطلق على الانسان بلحاظ كونه مملوكاً لخالقه عزو جل، وأصل العبودية: الخشوع والانقياد.
والمعرفة : العلم والاطلاع. يقال أبلاه يبلوه بلوى، والاسم: البلاء وهو الامتحان والاختبار، ويأتي الابلاء بمعنى الاحسان، والمنن: جمع منة وهي النعمة والفضل.
والمتتابعة : تابع بعضها بعضاً في توال. والاسباغ: التوسيع والافاضة, والمتظاهرة : المترادفة المتتالية في وضوح.
وعن الإمام جعفر بن محمد عن أبيه ، عن جده ، عن علي بن أبي طالب عليهم السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال في وصيته له : يا علي سبعة من كن فيه فقد استكمل حقيقة الايمان ، وأبواب الجنة مفتحة له : من أسبغ وضوءه ، وأحسن صلاته ، وأدى زكاة ماله ، وكف غضبه ، وسجن لسانه ، واستغفر لذنبه ، وأدى النصيحة لاهل بيت نبيه( ).
وتصرفوا : تقلبوا في الانتفاع. وتوسعوا : انبسطوا في زيادة وسعة، والانسانية: طبائع وصفات المجتمع الانساني. والبهيمية: سمات كل ذات أربع من دواب البر والبحر من البهائم.
لقد فتح الله عزوجل أبواب الشكر لعباده وهداهم اليه ودلاهم طرقه وابتلاهم في الارشاد اليه وليصرف عنهم الإسراف والجحود، والسفه والغفلة والعمى والضلالة والضيق والعسر ضمن اطار الكمالات العقلية والسلوك الواعي لبني الانسان وما أنعم الله عليهم به من العقل والفطنة والتميز.
عن الامام جعفر الصادق عليه السلام: “فيما أوحى الله عزوجل الى موسى عليه السلام: يا موسى اشكرني حق شكري، فقال: يا رب كيف أشكرك حق شكرك وليس من شكر اشكرك به الا وأنت أنعمت به علي؟ قال: يا موسى شكرتني حق شكري حين علمت أن ذلك مني( ).
لقد ورد ذكر الحمد ومشتقاته في القرآن خمساً واربعين مرة كلها لله عز وجل باستثناء واحدة هي ايضاً لم تستوف مستلزمات الحدوث والفعل اذ قال تعالىوَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا،
وذكر الحمد في القرآن وافتتاح القرآن به مدرسة عقائدية واخلاقية، ومفتاحاً للنعم والآلاء وهو مناسبة لإستحضار عظيم فضل الله،وتجديد لذكره تعالى،وجسراً يربط الإنسان بالسماء وعالم الملكوت وفيه اظهار لروح العبودية والخشوع لله عز وجل
وتصلح هذه الفقرة من الدعاء ان تكون مادة لإستقراء قاعدة كلية وهي الملازمة بين الإنسانية والحمد لله عز وجل، فتعاهد العبد لإنسانيته وما تمتاز بها من العقل والتمييز وحسن الإختيار يكون بالحمد لله على عظيم نعمه واحسانه قال تعالى[لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ].
فَكَانُوا كَمَا وَصَفَ فِى مُحْكَمِ كِتَابِهِ : إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا(19) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا عَرَّفَنَا مِنْ نَفْسِهِ وَأَلْهَمَنَا مِنْ شُكْرِهِ وَفَتَحَ لَنَا مِنْ أَبْوَابِ الْعِلْمِ بِرُبُوبِيَّتهِ(20)
(19) وهذه الآية هي الرابعة والأربعون من سورة الفرقان، وفيها تعريض بأهل الضلالة والجحود وتوبيخ لهم لما هم فيه من فقدان البصيرة وعدم توظيف جوهــرة وســلاح العقــل لخير الدنيا والآخرة , و(بل) حـرف اضراب أي ان الذين يتركون الحمد والثناء لله تعالى هم اكثر ضلالة من البهائم لوجوه منها :
أ) تتصرف الأنعام بمقدار ما عندها من قوة محدودة للتمييز.
ب) تخضع الأنعام لأربابها وتتبع من يربيها ويعلفها وتميل لمن ينفعها، ويتصف الكفار بالجحود.
ج) ان الأنعام لا تدرك فلا تطالها صفة التقصير، اما هؤلاء الكفار فانهم مذنبون بتركهم الحمد والثناء لله تعالى لذا استحقوا الذم.
د) ان هؤلاء استحوذ عليهم الشيطان واعرضوا عن آيات الإنذار والوعيد.
انهم تركوا ما في العبادات من السعادة الروحية وما ينتظر المؤمنين من الجزاء الجميل.
(20) تطلق النفس على الذات وعلى الغيب وعلى الدم وعلى الروح الحيوانية، والاخيران يختصان ببعض من خلق الله تعالى كالانسان وبعض الدواب. أما المراد من اطلاق لفظ (النفس) في حق الله تعالى فهو الذات المقدسة.
والالهام : ما يلقي في الروع، وأبواب العلم: وجوهه وطرقه، والعلم: الاعتقاد الثابت المطابق للواقع، شكراً لله اذ أنعم علينا وعرفنا قدرته وعظيم ســـــلطانه وأرشدنا الى تلمس براهينه وآثار بديع صنعه
وآياته في خلقه، وقذف في قلوبنا الإيمان وحب المكوث والثبات الدائم على حمده وثنائه، وفتح أبصارنا ونور بصيرتنا بالإقرار بالوحدانية والتسلح بالايمان والتزود بالرشاد والسداد ومعرفة أبواب الهداية، قال تعالى سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ….
لقد انعم الله عز وجل علينا بالحمد له تعالى وهو من الخزائن التي تفتح على كنوز من المعرفة الإلهية ومن حسن الجزاء .
وفي رواية مرسلة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما انعم الله على عبد نعمة يحمد الله عليها الا كان حمد الله اعظم منها، كائنة ما كانت( ).
لقد أنزل الله عز وجل الحمد منزلة يغبط عليها أهله، وفيها حث ودعوة للناس للمبادرة إليه والتزامه إلى جانب ما فيها من رحمة وتتضمن التخفيف عن أهل التقوى من المؤمنين الذين يدركون واقع العجز عن شكر نعم الله تعالى وعما ألهمهم من الشكر والثناء والتوفيق إلى قول الحمد الله ، وفي التنزيلوَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا.
وهذه الفقرة من بديع الدعاء وجوامع الكلم لما فيها من مـعاني التوحيد ومفاهيم الشكر ونســبتها الى فضــل الله تعالى وهدايته والإقرار بأن ادراك منازل العبودية شــرف لا ينــاله المرء الا بلطــف من الله تــعـالى، وهو عون
وَدَلَّنَا عَلَيْهِ مِنَ الْإِخْلَاصِ لَهُ فِى تَوْحِيدِهِ وَجَنَّبَنَا مِنَ الْإِلْحَادِ وَالشَّكِّ فِى أَمْرِهِ(21).
على الانقياد وحسن الامتثال للأوامر والتكاليف الإلهية.
وفي رواية قال موسى عليه السلام: إلهي أمرتني بالشكر على نعمك
وشكري اياك نعمة من نعمك، وفي هذا المعنى قال الشاعر:
اذا كان شكري نعمة الله نعمة
عليّ له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله
وان طالت الايام واتصل العمر( )
(21) الدلالة : الارشاد والهداية، والاخلاص هنا هو: الصفاء وترك الرياء والابتعاد عن عناوين الشرك. والتوحيد لغة جعل الشيء واحداً، واصطلاحا الإقرار بوحدانية الله وتنزه مقامه عن الشبيه والمشارك، وجنبته الشر: ابعدته عنه.
والالحاد : الطعن في الدين والميل عنه، والشك: التردد في القبول وهو خلاف اليقين، وهو التساوي بين طرفي الأمر المنظور وعدم ترجيح احدهما.
لقد ملأت الألوان الآياتُ والبراهين الدالة على الربوبية المطلقة لله تعالى ووحدانييته لتشكل مجتمعة ومتفرقة مداخل ايمان بتفرده تعالى بالإلوهية، وتساهم في نبذ الشرك وطرد الربية والشك والوسواس ضمن اطار الصدق في التوكل عليه سبحانه والثبات على الصالحات، وفي التنزيل فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ.
حَمْداً نُعَمَّرُ بِهِ فِيمَنْ حَمِدَهُ مِنْ خَلْقِهِ وَنَسْبِقُ بِهِ مَنْ سَبَقَ إِلَى رِضَاهُ وَعَفْوِهِ(22)، حَمْداً يُضِىءُ لَنَا بِهِ ظُلُمَاتِ الْبَرْزَخِ وَيُسَهِّلُ عَلَيْنَا بِهِ سَبِيلَ الْمَبْعَثِ(23)
والدعاء اقرار بأن الإيمان واستقراره في النفس الإنسانية نعمة منه تعالى، وفيه خشوع وذل امام مقام الربوبية بعدم نسبة الإقبال على العبادة والحمد له تعالى الى نفس الإنسان وارادته، واعتراف بالضعف امام اغواء ابليس واغراء مباهج الدنيا والحاجة الى اللطف الإلهي للوقاية والإحتراز منه.
(22) حمداً : مفعول مطلق منصوب، عمر يعمر فهو عامر: أي طال عمره. ورضا الله ارادة ثوابه والموافقة لامره. والعفو: محو الذنوب وازالة آثار السيئات.
نقيم: دائبين على ثنائه وشكره ، راجين اطالة أعمارنا بالتزام شكره والدوام على حمده فيها ، لنلتقي بذلك مع أهل الطاعة والتقوى من عبادة ونكون ممن يتسابق الى طلب مرضاته ونيل مغفرته، وفي الحديث: ان جبرئيل عليه السلام سمع ابراهيم خليل الرحمن عليه السلام يقول: ياكريم العفو. فقال: اتدري يا ابراهيم ما كرم عفوه قال: لا يا جبرئيل. قال: ان عفا عن السيئة كتبها حسنة.
(23) يضئ : يشرق ويبعث نورا ، والظلمات: جمع ظلمة وهي انعدام النور, والبرزخ : الحاجز بين شيئين وأطلق على حالة ومجمع الارواح في عالم بعد الموت الى يوم النشور ، قال تعالى وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
عن الامام جعفر الصادق عليه السلام في حديث قال: ولكن والله
وَيُشَرِّفُ بِهِ مَنَازِلَنَا عِنْدَ مَوَاقِفِ الْأَشْهَادِ(24)
اتخوف عليكم من البرزخ. فقال عمر بن يزيد، وما البرزخ؟ قال القبر منذ حين الموت( )، اللهم اجعل ثناءنا وشكرنا لك في الحياة الدنيا نورا ومؤنسا وضياءً تخترق اشعاعاته عالم البرزخ وليكون عنصر تخفيف وباب رحمة من فزع وأهوال البعث والنشور.
ولم يكن المسلمون وحدهم الذين يؤمنون بعالم ما بعد الموت فقد اقر الفلاسفة مليين وغير مليين بان الموت مرحلة وحالة ينتقل بها الإنسان الى عالم آخر لأن الروح تبقى بعد فناء الجسد، بل ان انفصال الروح عن البدن حال الموت بداية لحياة ابدية مختلفة في النوع ومغايرة في الإعتبار والمكان والوظائف، وعالم البرزخ هو عالم ما بعد الموت الى حين قيام القيامة وهو عالم مستقل من حيث الزمان والمكان والماهية ولكنه جزء من عالم الآخرة، والدعاء دعوة للإستعداد والتهيء لعالم البرزخ وما فيه من الأهوال وان كانت لا ترقى الى اهوال يوم القيامة.
(24) الشرف : العلو والرفعة في عز. والمنازل جمع منزل وهو هنا: المرتبة والدرجة. والمواقف جمع موقف وهو مكان الوقوف ومحل الاجتماع والأشهاد: جمع شاهد. قال تعالى وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ هم الانبياء واولياء الله والملائكة يشهدون على من كذب بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن امن وصدق وعمل صالحاً، قال قتادة: والمراد بالاشهاد الحضار وهم جميع اهل الموقف. ليصبح حمدنا وثناؤنا كنزا مدخراً لذلك اليوم المشهود وردءا الاهواله.
والفقرة من الدعاء رجاء لنيل ثواب الحمد، أي انه مرة يبين الإمام عليه السلام ان الحمد نعمة من الله تعالى، ومرة اخرى يطلب عظيم الجزاء على الحمد ويفوض له سبحانه كيفية الدعاء الذي يصل العبد به الى المنازل والمراتب العالية في الدار الآخرة، ويمكن تقسيم الحمد تقسيماً استقرائياً عقلياً الى:
الأول : حمد لغوي : وهو الوصف بالجميل بقصد التعظيم.
الثاني :حمد عرفي : وهو إتيان ما يرمز إلى تعظيم المنعم ويكون دلالة على كونه منعما فهو أعم من أن يكون باللسان أو الأركان فقد لا يكون صريحاً بيناً مباشراً، بل يدرك بالعرف والوجدان انه شكر، ويمكن تقسيم العرف الى قسمين :
الأول : عرف إسلامي .
الثاني : عرف غير إسلامي.
وتستلزم الصالحات وتعاهد الناس لها الشكر لله عز وجل.
الثالث : صرف الطبيعة من الحمد : وهو ما يدل عليه ولو على نحو المسمى.
الرابع :حمد قولي : وهو الثناء باللسان بما مدح الله عز وجل به نفسه سبحانه مما جاء به الأنبياء وما تضمنته الكتب السماوية والآيات القرآنية واحاديث السنة مملوءة بمصــاديق من هذا المــدح وفيها تخــفيــف عن المسلمين باعانته على ايجاد صيغ المدح وتثبيتها ومنع اللبس او التردد او التوقف والخشية من عدم مناسبة بعض الصيغ المخترعة، بالإضافة الى توفير الجهد الشــخصي والنوعــي والإتيان به على نحــو المجموع والإستغراق وبذا تكون مصاديق وصيغ الحمد هذه منطلقاً للوحدة الإيمانية والإلتقاء على عمل عبادي مندوب مشترك ، قال تعالىإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ.
الخامس : حمد فعلي : وهو الإتيان بالواجبات والأعمال البدنية ابتغاء مرضاته تعالى وتعبيراً عن الإقرار بنعمه.
السادس : حمد حالي : وهو الذي يتجلى بصفاء الروح وسلامة القلب والاتصاف بالكمالات والسعي لها والتأمل في عظيم قدرته تعالى وسعة ملكه والتزام الاستكانة والخضوع لسلطانه والاشتغال الدؤوب في العبادة.
وتتضمن الفقرة من الدعاء الإقرار بعالم البرزخ وهو مدة المكث في القبر بعد الوفاة ولحين يوم النشور.
وفي قوله تعالى وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، ورد عن الإمام
علي بن الحسين أنه قال هو القبر وان لهم فيه لمعيشة ضنكا والله إن القبر لروضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران.
وجاءت الفقرة من الدعاء سؤال الأمن والسلامة في البرزخ باللهج بالحمد لله في الدنيا وفيه بيان لعظيم منزلة ونفع الحمد، وقد تفضل الله عز وجل وجعل كل مسلم ومسلمة يتلوان قوله تعالىالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، في الصلاة اليومية الواجبة وجوباً عينياً على كل واحد منهم عدة مرات في اليوم ليكون هذا الوجوب والإمتثال برزخاً دون عذاب البرزخ.
يَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُون(25)
(25) اقتباس من قوله تعالى وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ. والإقتباس ليس بقرآن ولكنه استعانة وانتفاع ولجوء الى القرآن.
ويبين الدعاء أن الحمد والثناء لله تعالى، وان الحمد القولي والفعلي هو كسب وسعي، وفيه ايضاً حث على الحمد والمواظبة عليه والإكثار منه ادخاراً ليوم الحساب.
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا مزرعة للآخرة، لتتضمن الإبتلاء والإمتحان والإختبار ويتجلى بوجوب الإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه فجاءت هذه الفقرة من الدعاء لإعلان الإيمان، وتنمية ملكة التقوى وصيرورتها طريقاً وذخيرة ليوم الحساب.
ومن معاني هذه الفقرة من الدعاء أمور:
الأول : التسليم باليوم الآخر.
الثاني : الوقوف بين يدي الله للحساب.
الثالث :حكم الله بالحق والعدلوَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ.
الرابع : حضور الأعمال يوم القيامة ويكون الجزاء عليها، قال تعالىلَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى.
ويبين الدعاء عظيم نفع الحمد والشكر لله وأنه يثقل الميزان ويرجح الحسنات، وهو خير محض.
َ يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلَا هُمْ يُنْصَرُون(26)َ
(26) هذه هي الآية الحادية والأربعون من سورة الدخان، ويقال اغنى فلان عن صاحبه : أي اجزء عنه واناب عنه ونفعه. والمولى: الناصر والقريب والحليف والمحب اذ لايستطيع أي منهم أن يتحمل قسطاً من مؤونة الاخر يوم القيامة.
والدعاء تضرع ورصيد ليوم الفصل مع أن للآية تتمة فيها استثناء إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ .
ولم يذكر الإمام عليه السلام الإستثناء لأنه في مقام الخوف والفزع منه تعالى وسؤال العمل الصالح وتلقينه المؤمنين الحمد والثناء، لذا ترى الإمام علي عليه السلام اذا مرّ على آية فيها ذكر النار بكى خوفاً وفزعاً.
فمن رحم الله يرحمه الله عز جل وتدركه النصرة والمدد والعون من الله بان يسقط عقابه إبتداء أو يفوز بالشفاعة باذن الله أو يضاعف الله حسناته
أضعافاً كثيرة حتى ترجح على السيئات.
حَمْداً يَرْتَفِعُ مِنَّا إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ فِى كِتَابٍ مَرْقُومٍ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ(27)
(27) الارتفاع : الصعود خلاف الوضع. وعليون بكسر العين واللام وتشديدها هو ديوان الخير والاعمال الصالحة. والكتاب المرقوم: كتاب فيه تفاصيل أحوال السعداء وجزاء الصالحات. ويشهده المقربون: أي يحضره الملائكة والكروبيون منهم خاصة.
شكرا لله وثناء يصعد مع الاعمال الصالحة الى ديوان مرضاته تعالى مع صحائف أوليائه في أعالى الجنة ، وعن ابن عباس في عليين انه لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيه. وقيل هو في السماء السابعة. وقيل هو سدرة المنتهي التي اليها ينتهي كل شيء. قال تعالى كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ* كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ.
يسأل الإمام عليه السلام الله عز وجل ان يتقبل الحمد والثناء عليه ويجعله حرزاً وسلاحاً ووسيلة للإرتقاء في عالم الملكوت ونيل الدرجات العليا والمنزلة الرفيعة يوم القيامة.
حَمْداً تَقَرُّ بِهِ عُيُونُنَا إِذَا بَرِقَتِ الْأَبْصَار(28)
(28) قرت العين تقر قرة – بالضم- بردت سروراً وهو عنوان رمز الامتلاء رضا وطمأنينة بحسن النتائج، وبرق البصر يبرق برقا وبروقا: تحير فزعا فلم يبصر لشدة شخوصه ودهشته، نحمد الله ونشكره شكرا فيه طيبة نفس لنا وفرح وسرور واطمئنان للعاقبة والنتائج يوم الفزع الاكبر. قال تعالى فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ.
وتبين الآية بعض أحوال يوم القيامة بما يبعث الخوف في النفوس , قال تعالى فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ *وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، فالشمس والقمر في جريان دائب ونظام دقيق لملايين السنين لايقترب أو يلحق أحدهما بالآخر، ولكنهما يجتمعان لأول مرة يوم القيامة , قال تعالىلاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ.
وسأل إعرابي النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وناداه بصوت جهوري، فقال:يامحمد قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هاء على نحو من صوته، قال : يا محمد، متى الساعة. قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ويحك إن الساعة آتية، فما أعددت لها ، قال: ما أعددت لها كبير صلاة ولا صيام، ولكني أحب الله ورسوله. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: المرء مع من أحب”. فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث( ).
وتبين الفقرة من الدعاء حقيقة وهي الإستثناء من برق وتحير الأبصار بالدعاء والعمل الصالح وحضوره يوم القيامة، ومنه الحمد لله والمواظبة على الشكر له والثناء عليه.
ومن دلائل الإمامة في المقام دعوة المسلمين إلى إتخاذ الحمد واقية وحرزاً يوم القيامة، ويتجلى الحمد بوجوه:
الأول : المواظبة على الصلاة والفرائض الأخرى، وهل إتيان الزكاة والصيام والحج من الشكر لله أم أن القدر المتيقن هو الحمد القولي، الجواب هو الأول ،فكل فعل عبادي هو شكر لله عز وجل.
الثاني : الشكر القولي، ليكون الأمن يوم القيامة من عمومات الزيادة الواردة في قوله تعالىلَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ.
الثالث : المواظبة على الدعاء والمسألة، ليكون من خصائص الإمامة إستثمار الدعاء في موارد الشكر لله عز وجل , ومن مصاديق الحكمة لما فيه من خير الدنيا والآخرة، ومنها دعاء إبراهيم للمسلمينرَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ، وإبراهيم عليه السلام كان إماماً للناس بنص آيات القرآن , قال تعالىوَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، ولقد تعددت مضامين إستحضار يوم القيامة في الآية الكريمة.
وَتَبْيَضُّ بِهِ وُجُوهُنَا إِذَا اسْوَدَّتِ الْأَبْشَارُ(29).
(29) ابيض الشيء ابيضاضا: أصبح لونه أبيض، وبياض الوجوه اشراقها وأسفارها واستبشارها عند الظفر بالحاجة وتحقيق الامنية.
واسود الشيء اسودادا: أصبح ذا سواد. والابشار: جمع بشرة وهو ظاهر جلد الانسان. اللهم اجعل من حمدنا وثنائنا عليك نورا يغطى وجوهنا يوم القيامة وليصبح شرفا وعزا وأمانا من أهوال ذلك اليوم وفزعه. قال تعالى يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ … .
ويرجو الإمام عليه السلام ان يكون الحمد وسيلة للأمن من الفزع يوم القيامة، ان هم الإمام عليه السلام متوجه الى يوم الحساب ونظره شاخص لأهوال يوم القيامة.
تضمنت الآية أعلاه الثناء على المسلمين ببيان وصف عرضي لهم يبعث على الغبطة والفرح بفضل الله، ليسبح المؤمن في أنوار البهجة والكرامة، ويؤدي الفرائض والطاعات عن ملكة، ويدرك ببصيرته إشراقة البياض على وجهه وفي أقواله وأفعاله، ويلتقي المؤمنون بآية في الخلق والتكوين وهي بياض الوجوه المعنوي والإعتباري مع أنه يوجد في المؤمنين من هو أسود وأسمر ونحوهما.
الا ان اللقاء في الإيمان ينعكس على الوجوه والسنخية، فتجمعهم سمة مباركة تتغشى جميع المؤمنين والمؤمنات، فتكون مرآة لثباتهم على التوحيد والنبوة، وعنواناً لمقامات العز والرفعة والخلود في النعيم، كما يأتي بياض الوجوه من التفاني المحض في مرضاة المعبود، والمشاهدة الحضورية.
وفي الآية دعوة لمعرفة عظيم قدرة الله وسعة فضله، وحتمية الحساب والجزاء الأخروي وانه لطف ورحمة من عند الله بالمسلمين، ليفوزوا بالنعيم الخالد كما فازوا بوراثة الأرض وتعاهدوا سنن الأنبياء وواظبوا على العبادات والفرائض.
ان بياض الوجوه في الآخرة شاهد على إصطفاء الله عزوجل للإنسان وأهليته لمباهلة الله به الملائكة، فقد سأل الملائكة كيف يجعل الله فيها من يفسد فيها، فصدرت من الإنسان معاني التقوى والإنقطاع الى الله، فجزاه الله اشراقة الوجوه في الآخرة والبشارة والسعادة الدائمة، وإحاطة الملائكة به من كل جانب فرحاً به وثناء عليه وعرفاناً بحسن صنيعه وإخلاصه العبودية لله تعالى، وتجعل الآية نفس المسلم تمتلأ رضا واستبشاراً بما أعد الله له من الثواب والجزاء الحسن.
من آيات الربوبية والفضل الإلهي على العباد، ان المؤمن يحظى بعطاء غير متناهِ من الله عز وجل ويأتي هذا العطاء عن غير إستحقاق، ولكنه لطف وشاهد متصل على فضل وكرم واحسان الله ، وفي التنزيلإِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ، وجاءت هذه الآية لبيان عرض خاص بأهل الجنة لا يعرض لغيرهم، عرض كريم يبعث الإنسان على السعي الدؤوب لنيله والفوز به.
فهذه الآية الكريمة لطف بالناس من وجوه:
الأول: الإخبار الإلهي عن حال من أحوال الآخرة.
الثاني: ذكر الضدين معاً، حال المؤمنين وما هم فيه من السعادة، وحال الكافرين وما هم فيه من البؤس والحزن.
الثالث: بشارة المسلمين بحسن العاقبة.
الرابع: ظهور أثر النعمة والفضل الإلهي على وجوه المسلمين في الآخرة.
الخامس: حث الكفار على ترك الكفر والفرقة والإختلاف والجحود بالترغيب بحسن عاقبة المؤمن وإنعدام الحواجز بينهم وبين الإيمان، فمن اللطف الإلهي ان جعل الله عز وجل أبواب الجنة مفتوحة للناس جميعاً،
وبإمكان العبد ان يتخذ طريقاً معبداً نحوهما بالنطق بالشهادتين وعدم الخروج عن الجماعة.
السادس: تحث الآية الناس لبذل الوسع في الإستعداد لعالم الآخرة وتلمس دروب الهداية وكيفية إحراز بياض الوجوه فيها، فمن الآيات أن أسباب نيل هذه النعمة ليست إجمالية تقبل الترديد، او عسيرة وبعيدة المنال، ومن اللطف الإلهي ان جعل النعيم الدائم ثواباً على عمل قليل يحمل صفة الوجوب والفرض كي ينبعث العباد لإتيانه ليبقى الإيمان هو العرض المبارك الملازم الذي يتغشى أهل الأرض، والمعروف ان الإنسان يتجنب ما فيه حرج له عند الناس، ويخشى الفضيحة والخزي، ويسعى لما يزيده عزاً وفخراً أمام الآخرين من الأقارب والأصدقاء والجيران.
فجاءت هذه الآية لتبين ان يوم القيامة هو يوم الفوز والعز للمؤمنين يوم تبيض وجوههم فتغبطهم الخلائق كلها، وحري بالإنسان ذكراً او انثى ان يسعى لهذا الفخر والسعادة ، قال تعالى في الثناء على أهل الجنة ، وسعادتهم وشكرهم لله وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ.
حَمْداً نُعْتَقُ بِهِ مِنْ أَلِيمِ نَارِ اللَّهِ إِلَى كَرِيمِ جِوَارِ اللَّه(30).
ومن يفعل السيئات في الدنيا يفتضح في الآخرة ليس بين أهله وأصحابه فحسب بل عند الناس والملائكة والخلائق بإسوداد الوجه وظهور الحزن والحسرة عليه مع إنعدام الناصر والشفيع( ).
(30) عتق العبد عتقا وعتاقا: تخلص من العبودية وأصبح حراً، والاليم: فعيل من الالم وهو الاحساس بالوجع 0 والكريم: الحسن المرضي. وجاوره يجاوره مجاورة وجوارا ـ بالكسر والضم ـ أي اتخذ سكناً ملاصقاً لسكنه، ويطلق على الحماية والذمام.
ليكون حمدنا وشكرنا لله وسيلة وسبباً نتحرر به من سيطرة النار وننجو من عذابها الاليم وصائرين به الى سبيل الثواب والرفعة والامان والفوز بالجنة مقاما خالدا برحمة من الله.
والحمد لفظ وقول يرقى الى مستوى العمل كي يؤجر ويثاب الإنسان عليه، كما يترشح عليه ايمان الجوارح وظهوره على الأفعال، اذ ان الحمد لا ينحصر متعلقه بما يصل اليك من الإنعام بل يشمل الغير على نحو الإشتراك او الإستقلال أو الإتحاد او التعدد.
وانك ترى ان الحمد لله جملة اسمية وهي تفيد الدوام والثبوت من غير ان تنحصر بزمن معين دون زمن آخر من الأزمنة الثلاثة فحينما يقول العبد (الحمد لله) تبقى كلمته هذه تسبح في القضاء وتحفظ في سجلات الأعمال ويتعاهدها الله عز وجل بالنماء وزيادة الأجر والثواب، وكأنه يقولها كل يوم فلا غرابة ان تنزل شآبيب الرحمة على المؤمن في عالم البرزخ ويكون قبره روضة من رياض الجنة لأن قوله (الحمد لله) يبقى حياً بعد حياته وكأنه
حَمْداً نُزَاحِمُ بِهِ مَلَائِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ وَنُضَامُّ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ الْمُرْسَلِينَ فِى دَارِ الْمُقَامَةِ الَّتِى لَا تَزُولُ وَمَحَلِّ كَرَامَتِهِ الَّتِى لَا تَحُولُ(31)
روح الأعمال ومادتها، فكما تبقى الأرواح ولا تفنى بالموت كذلك قول (الحمد لله).
(31) زاحمه زحاما: ضايقه في المجلس وتأتي بمعنى قاربه والملائكة جمع ملك لما يتصف فيه من القوة والشدة، وهي اجسام لطيفة نورانية وعندها قابلية تغيير الهيئة، كما ورد في الاخبار بحضور جبرئيل عليه السلام عند النبي صلى الله عليه وسلم بصورة دحية الكلبى.
والمقربون : العليون والذين يسبحون الليل والنهار من غير انقطاع ولاتراخ، قال تعالى لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا، وتضام: تنضم ونجتمع، يقال فلان ضامه قومه أي انضموا اليه واجتمعوا معه.
والمرسلون : جمع مرسل وهو الذي يبعث برسالة فهو رسول. وجاء وصف الانبياء بالمرسلين لان الرسول أخص من النبي فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً.
وعن الامام الصادق عليه السلام قال: النبي الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك. الرسول الذي يسمع الصوت ويرى في المنام ويعاين الملك( ).
ودار المقامة : محل الاقامة الكريمة التي لا انتقال عنها ولا تبديل وقد ورد لفظ دار المقامة مرة واحدة في القرآن بقوله تعالىالَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ، وزال الشيء يزول زوالا: ذهب وأستحال. والمحل: مكان النزول وموضع الحلول. والكرامة : اسم من الاكرام وهو الاعزاز والتقدير والمبالغة في الاحترام. وحال الشيء يحول: تغير عن حالته وصفاته.
نحمد الله حمداً كثيرا متصلاً نرقى فيه الى مستوى الملائكة في تسبيحهم. ولنبلغ بالحمد والثناء والشكر لله عزوجل منزلة ننافس بها الملائكة في القرب من الله ومشاطرتهم مانالوه من درجات وعلو وننضم به الى الانبياء والمرسلين في منازلهم الرفيعة في الجنة ونجتمع معهم في جنة النعيم من غير حواجز في دار الخلود وكريم العطاء الدائم الذي لايزول.قال تعالى وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا… .
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى اخْتَارَ لَنَا مَحَاسِنَ الْخَلْقِ وَأَجْرَى عَلَيْنَا طَيِّبَاتِ الرِّزْقِ وَجَعَلَ لَنَا الْفَضِيلَةَ بِالْمَلَكَةِ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ فَكُلُّ خَلِيقَتِهِ مُنْقَادَةٌ لَنَا بِقُدْرَتِهِ وَصَائِرَةٌ إِلَى طَاعَتِنَا بِعِزَّتِهِ(32).
(32) الاختيار : الاصطفاء. والضمير في (لنا) عائد لبني الانسان. والمحاسن : جمع حسن بمعنى الجودة والجمال.والخلق: الهيئة والصورة.وقوام الجسم.قال تعالى وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ .
والفضيلة : الامتياز والدرجة الرفيعة والمنزلة المتقدمة. وملكه يملكه ملكاً : احتواه : استحوذ عليه مع القدرة على التصرف فيه.
والخلق: العالم وما فيه من الكائنات، والفاء في (فكل) سببية، والخليقة: البهائم، ومنقادة: طائعة في اذعان. وصائرة: ومنتقلة وراجعة. والطاعــة: امتثال الامر والتزام النهي.
لقد خلق الله الانســان ابتداعاً من غير مثال وبأكمل تقويم ورزقه غريزة التملك وامكانية الحيازة فضلا منه سبحانه ورحمة.قال تعالى وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.
والحمد لله تعالى والثناء عليه من اشرف مراتب الإيمان وافضل منازل الدنيا وهو عنوان الشوق الى المعشوق لما فيه من مضامين الرضا لفضله تعالى ولما يقابله تعالى من العطاء الجميل، انه ارتقاء في مقامات النفس
وَالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَغْلَقَ عَنَّا بَابَ الْحَاجَةِ إِلَّا إِلَيْه(33)
وسعي لبلوغ مقاصد البهجة والغبطة الأبدية ، واكثار الإمام الحمد لله في أديعته دعوة لمنع الغلو بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليه السلام لما فيه من الدلالة على عبوديتهم لله عز وجل.
وفيه بيان لأهلية الإنسان لمراتب الخلافة في الأرض، وفي الدعاء ذكر واعتراف بنصره تعالى واستحقاق الحمد على نعمة الرزق الكريم وعلى التفضيل والتشريف وما سخره لنا من الخلائق والموجودات مما يستلزم المواظبة على الحمد والشكر، ويدل الدعاء بالدلالة التضمنية على الإقرار بربوبية الله سبحانه المطلقة وانقياد الأشياء والمخلوقات جميعها اليه.
(33) أغلق: أوثق بالسد ويأتي بمعنى الضيق. شكرا لله على نعمة التوكل عليه والانابة اليه والاستعانة به وتفضله بفتح باب الدعاء والحث عليه سلاحاً لقضاء الحوائج وتهيئة أسبابها لانه المالك الحقيقي ومن عنده منابع الانعام ومصادر الارزاق التي تكفلها بفضل واحسان.
فان قلت : يحتاج الإنسان الآخرين في معاملاته وحياته اليومية، قلت: يشير الدعاء الى حقيقة الحاجة ، وعلة قضائها وسببها فان الناس وسائط واسباب يسخرها الله لقضاء الحاجات وليكون هذا القضاء مناسبة لنيل الثواب ، قال تعالىوَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ.
كما يمكن عودة ضمير الجماعة (نا) الى الناس فلما تفضل سبحانه وسخر لنا ما في السماوات والأرض فانه تفضل وجعل حاجة الجنس البشري اليه تعالى وهذا لطف وكرم ورحمة منه تعالى، فالحاجة من صفات الممكن وخصائصه الثابتة.
فَكَيْفَ نُطِيقُ حَمْدَهُ أَمْ مَتَى نُؤَدِّى شُكْرَهُ لَا مَتَى(34)
ومن اللطف الإلهي جعل حاجتنا عنده سبحانه فلا غرابة ان ترى المسلمين يرددون كل يوم في صلاتهم [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] وتقديم المفعول يفيد الحصر أي حصر الإستعانة به تعالى.
(34) أطقت الشيء اطاقة فأنا مطيق: قادر عليه و(أم) حرف عطف وتساوي في المعنى حرف الاضراب (بل) وتسمى منقطعة اذا لم تقع قبلها همزة تسوية أو استفهام. و(متى) اسم استفهام في محل نصب ظرف زمان جاءت للانكار وتكررت لتوكيد العجز عن تأكيد الشكر، ان ثناءنا وشكرنا لله عز وجل يبقى متخلفاً عن ادراك جزء يسير من عظيم نعم الله وآلائه التي تترى وتتصل متتابعة علينا. فلا نستطيع ان نستوفي شكر نعمه تعالى ولو أقمنا على ذلك أيام اعمارنا لان مايحتاج اليه شكرنا نعمته سبحانه او احصاؤها يتجاوز حدود الزمن.
ان الحمد لله اعم من ان ينحصر بالقول واللسان فالشكر على عظيم النعم لا تستوفي اسبابه الا بالإلتزام والتقيد باداء الفرائض لأن العبادة اساس الوجود الإنساني والعلة الغائية لخلق البشر وهي لا تصح الا لله عز وجل، فالدعاء حث على اتيان الحمد بكل صوره وكيفياته القولية والعملية والحالية مع الإقرار بانها لن تكون كافية، وورد عن أمير المؤمنين عليه السلام لما سُئل عن تفسير الحمد لله انه قال: “هو أن الله عز وجل عرّف عباده بعض نعمه عليهم جملاّ إذ لا يقدرون على معرفة جميعها بالتفصيل لأنها اكثر من أن تحصى أو تعرف فقال: قولوا الحمد لله على ما انعم علينا( ).
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى رَكَّبَ فِينَا آلَاتِ الْبَسْطِ وَجَعَلَ لَنَا أَدَوَاتِ الْقَبْضِ(35)
(35) ركب تركيبا : أى وضع، ومنه ركب الفص في الخاتم 0 والآلات: جمع آلة وهي أداة ومادة تأثير الفاعل ووسيلة الفعل. والادوات جمع أداة وهي آلة الفعل. وتعني هنا الجوارح والاعضاء. والبسط: السعة والنشر،
وللقبض في كلام العرب معان عديدة منها:
الأول : الجمع والتضييق.
الثاني : الانزواء.
الثالث : قبول المتاع وحيازته.
الرابع : حركة أعضاء البدن وارادة مختلف الافعال.
الخامس : شكرا لله على حسن الهيئة وكمال القوام وما خلقه في تكوين الانسان من الاعضاء والعضلات والعروق والمفاصل والحواس وغيرها.
والحمد لله الذي جعل عندنا القدرة على السعي والكسب وارادة الحركة وفي التنزيل[إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ].
التفت الإمام السجاد عليه السلام الى النعم الإلهية في البدن والعافية والقدرة الشخصية عند الإنسان ووسائل تمكنه من اسباب الخلافة في الأرض ، ومصاديق قوله تعالىإِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً، والإنتفاع مما سخر الله عز وجل للناس في الأرض، أي انه سبحانه لم يسخر المخلوقات لنا فحسب، بل جعل عندنا المقومات الذاتية للإنتفاع منها وهذه النعم المركبة تستحق الشكر والثناء.
وَمَتَّعَنَا بِأَرْوَاحِ الْحَيَاة(36) وَأَثْبَتَ فِينَا جَوَارِحَ الْأَعْمَال(37)
ومن الشكر ان تكون هذه الجوارح والأعضاء آلة للعبادة وهو من احسن وجوه الشكر على هذه النعم.
(36) متعنا : أي أعطانا لننتفع. وأرواح جمع روح. وورودها بلغة الجمع لان الدعاء جاء بلسان الجماعة ولرأفة الإمام عليه السلام بالأمة ولإشاعة مناهج الدعاء، ولمجئ الأمر بالدعاء في القرآن بصيغة الجمع بقوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، والروح خاصة الانسان وذات نفسه. والجسم اللطيف الذي يحمل قوة الحس والحركة لتنتشر في جميع البدن. لقد أنعم الله علينا بالنفس الانسانية رحمة منه تعالى في استثمار الحياة والانتفاع منها في طاعته قال تعالى وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ.
(37) أثبت الشيء : جعله ثابتا راسخا. والجوارح: جمع جارحة. وجوارح الانسان أعضاؤه التي يكتسب بها كيديه ورجليه. والاعمال: جمع عمل وهو الفعل وما يصنع.
شكرا لله الذي هيئ لنا وسائل ومستلزمات الكســب ، وسخر لنا أسباب انجاز الاعمال قال تعالى وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ.
لقد جعل الله الإنسان كائناً مركباً من روح وجسد، لم يتوصل علم الأبدان إلى الفصل بينهما مع أن حقيقة هذا التركيب أمر مدرك بالعقل والوجدان.
وعندما ذكر الإمام عليه السلام الروح في الفقرة السابقة ذكر هنا أعضاء البدن وما هو أظهرها واكثرها حركة وفعلاً خارجياً وهي الجوارح، ومن خصال الإمامة في ذكرها هنا وجوه:
الأول : جاء الدعاء من باب الشكر لله عز وجل.
الثاني : الدعاء شاهد على التفقه في الدين.
الثالث :الإقرار بعظيم قدرة الله عز وجل وهو من عمومات قوله تعالىلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍولم يكتف الإمام بذكر الجوارح بل ذكر وظيفتها وأنها وسيلة للأعمال وقضاء الحوائج وأمور الدين والدنيا بقوله جوارح الأعمال، وورد لفظ(أعمال) في القرآن عديدة بصيغة
المتكلم والمخاطب والغائب مرات عديدة لكل منها، ولكنه لم يرد مجرداً من الضمير إلا مرة واحدة هي قوله تعالىبَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ، ليكون الدعاء والشكر لله على نعمة الأعضاء والجوارح إقراراَ بأن نعم الله في البدن أعم من أن تنحصر بذات البدن فتشمل الأفعال التي تؤديها أعضاؤها، والنفع الذي يجلب بحركة تلك الأعضاء، وفيه طرد للغفلة في المقام.
وَغَذَّانَا بِطَيِّبَاتِ الرِّزْقِ وَأَغْنَانَا بِفَضْلِهِ وَأَقْنَانَا بِمَنِّهِ(38) ثُمَّ أَمَرَنَا لِيَخْتَبِرَ طَاعَتَنَا وَنَهَانَا لِيَبْتَلِىَ شُكْرَنَا(39)
(38) الغذاء : الطعام والشراب الذي فيه نماء الجسم. وطيبات الرزق: أنواع الاطعمة اللذيذة المباركة. والغناء -بالفتح-: الاكتفاء. والغنى -بالكسر-: اليسار. والفضل الطول والاحسان وأقناه الله: أرضاه. وهو من اقنى -بالكسر-بمعنى الرضا. والمن: توالي النعم.
الحمد لله الذي هيئ لنا الاسباب اليومية والضرورية لدوام الحياة الفردية من مأكل ومشرب بما بسط لنا من الرزق ودفع عنا شبح الفقر وآفة المجاعة بأحسانه وسعة فضله. وفي تفسير قوله تعالى وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى عن الامام الصادق عليه السلام عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: أغنى كل انسان بمعيشته وأرضاه بكسب يده ( ).
(39) ثم: تفيد الترتيب ومجئ التكليف بعد الاستطاعة. والاختبار: الامتحان، وكذلك الابتلاء في المعنى فبعد أن أفاض علينا الله نعمه أمرنا سـبحانه بالفرائض والتزام طاعته واجتناب محارمه ليمتحن ويختبر صدق سرائرنا ومقدار رسوخ الايمان والمواظبة على حمده وشكره سبحانه، قال تعالى هَذَا مِنْ فَضْــلِ رَبِّي لِيَبْلُـوَنِي أَأَشــْكــُرُ أَمْ أَكْــفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ، وعن الامام الصادق عليه السلام قال: شكر النعمة اجتناب المحارم.
فَخَالَفْنَا عَنْ طَرِيقِ أَمْرِه(40)
ويبين الدعاء فلسفة الأحكام التكليفية وعللها، وفيه ثناء على الله عز وجل وقبول للتكاليف ورضا بها وانها رحمة ولم تأت الا بعد توالي النعم وكأن فيها نوع تأهيل للعبادة ، وحجة في لزوم شكر الله تعالى باتيان الفرائض واجتناب النواهي.
(40) خالف عن الشيء: عدل وأعرض ومال عنه. لقد انحرفنا عن جادة الحق وعدلنا عن الصراط المستقيم خطأ منا وتقصيرا وغفلة. قال تعالى فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ
والإمام عليه السلام معصوم من الخطأ والزلل سواء على المعنى اللغوي للعصمة أي الإمتناع عن المعاصي او على المعنى الإصطلاحي لها، وهو ملكة نفسانية وهبة من الله تعالى تحجزه عن جميع المعاصي ، وتمنعه من اقتراف صغائر الذنوب وكبائرها.
وقد ورد عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام: “الإمام منا لا يكون الا معصوماً وليسـت العصمة في ظاهر الخلقة فيعرف بها، قيل فما المعصوم؟ قال: المعتصم بحبل الله( ) ، قال تعالى وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا.
وحبل الله هو القرآن لا يفترقان الى يوم القيامة والإمام يهدي الى القــرآن والقرآن يهدي الى النبوة والإمامة، وتجد بيانه وتوكيده في حديث الثقلين، ولكن لماذا يعترف الإمام عليه السلام بالذنوب والمخالفة والمعصية، فيه وجوه:
الأول : انها مدرسة الدعاء وتعليم الأمة كيفية الإستغفار والإقرار بالذنوب.
الثاني : تشجيع المذنبين على الندم والتوبة.
الثالث : تنبيه الناس بلزوم استحضار ذنوبهم وسيرتهم واللجوء الى الله تعالى.
الرابع : يظهر الدعاء سيادة اهل البيت ورأفتهم بالناس وتضرعهم الى الله عز وجل بلسان المذنبين والمسيئين بما فيهم اولئك الذين آذوا المؤمنين ولعل الدعاء من عمومات ادعوني بلسان لم تعصني به فيبادر الإمام عليه السلام للإعتذار عن اهل الخطيئة.
الخامس : الظاهر ان التضرع واظهار الندم والإستغفار عن ذنوب الآخرين من وظائف الإمام العامة وجزء من الرئاسة العامة للدين والدنيا، لتظهر الصحيفة السجادية سراً من اسرار آل محمد وعنايتهم برعاية افراد الأمة مطلقاً.
السادس : ان العصمة لا تمنع من الإستغفار واظهار الندم لأنه من وجوه الخشوع والتضرع الى الله عز وجل، وفيه درس وعبرة فمن باب الأولوية ان يتجه الناس جميعاً الى الإستغفار والندم.
السابع : الإستغفار عنوان العبودية وفيه نفي للغلو ومنع للإفتتان، ومرة خرج الإمام علي بن الحسين عليه الســـلام فصـــاح رجل لبيك يا علي بن الحسين فنزل الإمام عليه السلام من راحلته وخر لله ساجداً.
الثامن : كما ان الحمد ملازم لوجود الإنسان على الأرض فكذا الإستغفار والندم ملازم لوجوده الا ترى ان آدم عليه السلام وهو نبي نزل الى الأرض في حال الندم والتوبة والإستغفار قال تعالى فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ .
التاسع : النيابة عن الأمة في اللجوء الى الباري عز وجل والتصدي للدعاء والإستغفار وكأنه نوع شفاعة دنيوية حاضرة، لذا جاء ضمير المتكلم بصيغة الجمع، وكأن اقتراف بعض افراد الأمة الذنوب يجعل موضوع المعصية بالمعنى الأعم على نحو الحقيقة والتحمل في ابواب الإستغفار والتضرع والندم، أي ان البصير بالذنب يعترف ويتبرأ منه ويتضرع الى الله تعالى ويسأل العفو مما يهون الخطب على الأمة ويؤخر العذاب , قال تعالى وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ.
العاشر : ان عظيم النعم التي تقدم ذكــرها في الدعاء توجب الشــكر، وقد ثبت في علم الأصول ان شكر المنعم واجب، وان هذه النعم جاءت على نحو العموم الإستغراقي فليس من عذر لأحد في تقصيره في العبادة.
الحادي عشر : ان سياق ونوع النعم الواردة في الدعاء تشمل الناس جميعاً فهل الإمام عليه السلام يعتذر عن الناس جميعهم المسلم والكتابي، والكافر غير الكتابي، الجواب لا، فان الحكم يختلف بلحاظ تباين الموضوع، فهو عن المسلم اعتذار وعن غيره السؤال الى الله عز وجل بالتوبة والصلاح وتبرأ الشرك وفعل السيئات، وتبين فقرات الدعاء التالية حرص الإمام على الدعاء للمسلمين وذكره لسنن التوبة.
ِوَرَكِبْنَا مُتُونَ زَجْرِه(41)
(41) ركبه يركبه ركوبا : علاه ومضى واستوى عليه , والمتون: جمع متن. وهو عنوان الصلابة، والمتن من الارض ما صلب وارتفع. ومتن الشيء: ما ظهر منه وجاء هنا استعارة لبيان شدة قبح المعاصي والذنوب، وزجره يزجره زجرا: منعه ونهاه، لقد أعرضنا عن جادة الحق والصراط السوي واتخذنا بعض الطرق التي تؤدي الى عقاب الله وسخطه وأقدمنا مفرطين على اتيان الذنوب والمعاصي وولوج ما نهي الله وحذرنا منه.
ومع عصمة الإمام جاء الدعاء بالاقرار بعظيم الذنوب والمعاصي وركوب المعاصي وصنوف النواهــي اشــد من المخالفــة وكــأن بين هذه الفقــرة من الدعــاء والتي سـبقتها عموماً وخصـوصاً مطلقـاً، فكل ركــوب للمعاصـــي والذنــوب الكبيرة مخالفــة وليس كل مخالفـة ركـوباً للمعاصــي والذنــوب الكبيرة.
ويبين الدعاء الجرأة في الإعتراف بعظيم الذنوب وعدم التردد في ذكرها، اذ ان الإستحياء او البخـل في ذكرها حال الإســتغفار في الدنيا يعرض الإنسان للفضح والعقاب بسببها يوم القيامة، فالإمام عليه السلام يؤدب الناس ويحثهم على عدم التوقف والإستحياء من ذكر الذنـوب العظام وهذا من مصــاديق الحقيقة التكــوينية والتشــريعية وهي ان الدنيا دار عمل، فمن العمل ما كان حسناً وجميلاً ومنه الإستغفار من عظيم الذنوب، كما يستحب ذكر افرادها بالخصوص وان يستحضر المكلف كل ذنب ومعصية فعلها ويستغفر منها بالذات.
فَلَمْ يَبْتَدِرْنَا بِعُقُوبَتِهِ وَلَمْ يُعَاجِلْنَا بِنِقْمَتِهِ بَلْ تَأَنَّانَا بِرَحْمَتِهِ تَكَرُّماً وَانْتَظَرَ مُرَاجَعَتَنَا بِرَأْفَتِهِ حِلْما(42).
(42) ابتدره : عاجله واسرع اليه، والعقوبة: اسم عاقب يعاقب معاقبة، وعقاباً، وهي مكافاة المذنب بأذى يتبع ويتعقب اساءته وذنبه، والنقمة: الاخـذ بالعقوبة.و(بل) حرف اضراب جاء للاستئناف، وتأنى في الامر: تمهل ولم يعجل، والاسم: أناة، والياء في برحمته للسببية. والرحمة عند الانسان: رقة القلب والعطف.
ورحمة الله تعالى بره وفضله واحسانه ورزقه وعفوه ومن أسماء الله الحسنى الرحمن والرحيم، وتكرما: تطولا وتفضلا واحسانا. وجاء منصوبا لانه مفعول لاجله.
وتبين الآية الواردة أعلاه ـ وهى من سورة النور وجود مرحلة من الحذر والانذار والإستعداد لمواجهة العقاب والسخط الالهى لاصناف من المعاصي اذ لم يعجل الله العقوبة ولم ينزل علينا نقمته عند اقتراف الذنوب ومباشرتها. وان كنا نستحق ذلك، بل أمهلنا بحلمه وأجل عنا العقوبة ووفر لنا فرصة للاستغفار وزمانا للتوبة واظهار الندم.
عن الامام الباقر عليه السلام قال : لا والله ما أراد الله تعالى من الناس الا خصلتين: ان يقروا له بالنعم فيزيدهم، وبالذنوب فيغفرها لهم( ).
ويؤكد هذا الحديث ومناسبته للقواعد الكلية في المعارف الإلهية صحة صدور ادعية الصحيفة السجادية عن الإمام السجاد عليه السلام وكونها من غرر علوم اهل البيت عليهم السلام جاءت بالتفصيل والبيان وتثوير النفوس في باب الإتعاظ والإعتبار وحثها على الندم والإسـتغفار.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى دَلَّنَا عَلَى التَّوْبَةِ الَّتِى لَمْ نُفِدْهَا إِلَّا مِنْ فَضْلِهِ(43)
واذ يبين الدعـاء عظيم رحمة اللـه ورأفتـه في امهالنا مع اقامة الحجة علينا بتوالي النعم والإحسان والمن الإلهي فانه دعوة للمبادرة الى استثمار الإمهال الإلهي وتأخير ومنع نزول العقاب مع اتصال النعم.
(43) دله على الطريق يدله دلالة : أرشده. الافادةِ بألكسرِ من
الإستفادة. لقدذكر الله عز وجل التوبة في مواضع كثيرة من القرآن في
دعوة لها وترغيب وحث عليها مع بيان منافعها. ثم انعم الله سبحانه مرة اخرى فيسر لنا اتخاذها سبيلا ووسيلة لطلب عفوه ونيل مرضاته ، قال تعالى وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
ويبين الدعاء لطيفة قد يغفل عنها الإنسان سواء من بادر الى التوبة او أبطأ فيها ، وهي ان التوبة رحمة ولطف وكرم الهي ، قال تعالى وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، كما انه يمنع من الغرور واعتقاد ان الإنسان اهتدى للتوبة بنفسه، وفيه توكيد بأن التوبة تأتي بتوفيق من الله تعالى، ومن التوفيق أن الله حث عليها ووعد بقبولها وتعقبها بالمغفرة.
وفلسفة التوبة رحمة تتغشى الناس جميعاً ، وقد اثرت في القيم الأخلاقية للمجتمعات، فاخذ الناس يقبل بعضهم اعتذار بعض، والسلاطين والحكام يتجهون احياناً الى العفو والمغفرة، بما جعل الله سبحانه من موضوعية للندم
فَلَوْ لَمْ نَعْتَدِدْ مِنْ فَضْلِهِ إِلَّا بِهَا(44) لَقَدْ حَسُنَ بَلَاؤُهُ عِنْدَنَا وَجَلَّ إِحْسَانُهُ إِلَيْنَا وَجَسُمَ فَضْلُهُ عَلَيْنَا فَمَا هَكَذَا كَانَتْ سُنَّتُهُ فِى التَّوْبَةِ لِمَنْ كَانَ قَبْلَنَا(45)
والتوبة في فلسفة الجزاء ، قال سبحانهوَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى.
لقد خلق الله عز وجل الإنسان وجعله مركباً من البدن والروح وتتجاذبه قوة الشهوة والعفة، والصلاح والفساد، والهداية والضلالة ونحوها من الأخلاط المتنافية فتفضل سبحانه ووهبه باب التوبة مع قيام الحجة عليه بما جعل عنده من العقل وما جاء به الأنبياء من الرسالات وآيات الإنذار والوعيد وانباء نعيم الجنة وعذاب النار.
(44) اعتددت بالشيء أي أدخلته في العد والحساب، وشيء عتيد: معد حاضر. لو قمنا بعد واحصاء نعم الله علينا عند (التوبة) وأحكامها كرحمة من الله تعالى واحسان لكان في تلك النعمة وحدها صنيعاً حسناً ، ومنة عظيمة وآية بينة بلحاظ أنها خاتمة للذنوب وساترة للعيوب وطريقا لمرضاة الرب وتفتح أبواب الجنان كما أنها مسخطة للشيطان.
وفي الحديث : من أبلي فذكر فقد شكر.
(45) قال تعالى وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمْ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ .
جاء هارون بالذين لم يعبدوا العجل من بني اسرائيل شاهرين السيوف وقتلوا من اخوانهم الذين عبدوا العجل بعد ان اغتسلوا ولبسوا الاكفان وتضرع موسى وهارون عليهما السلام فاستجاب الله سبحانه لهما ورفع القتل وأوحى الله اليهما قد غفرت ذنب من قتل وتبت على من لم يقتل. ورضي الله من المسلمين بالاستغفار.
ولقد خفف الله عزوجـل عن المسلمين فلم يجعـل عليهم من التكاليف الثقيلة أو الشاقة في التوبة كما في بني اسرائيل وتحريم بعض مما أحل لهم من العقاب وحكم القصاص في الخطأ مثلــما هو في العــمد، وـقرض مكان النجاسة من الثوب والكتابة العلنية في الصباح لذنب المسـاء ونحو ذلك ، وفي التنزيليُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا.
وفي حديث الإسراء ان الله عز وجل كلم نبيه وقال له: كانت الامم السابقة اذا همّ أحدهم بسيئة ثم لم يعملها لم تكتب عليه وان عملها كتبت عليه سيئة وان امتك اذا هم احدهم بسيئة ثم لم يعملها كتبت له حســنة وهذه من الاصــار التي كانت عليهم فرفعــت ذلك عن أمتك وكانت الامم السالفة اذا أذنبوا كتبت ذنوبهم على أبوابهم وجعلت توبتهم من الذنوب ان حرمـت عليهم بعد التوبة أحب الطعام اليهم.
ان بيان عظيم فضل الله تعالى على المسلمين في باب التوبة واحكامه دعوة للإنتفاع منها وعدم التفريط بها كما يدل على التفضيل والتشريف الذي نالوه ببركة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن وهو من مصاديق بعثته صلى الله عليه وآله وسلم رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
أي ان هذه الرحمة متعددة الوجوه ومنها السعة والتخفيف في باب
لَقَدْ وَضَعَ عَنَّا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَلَمْ يُكَلِّفْنَا إِلَّا وُسْعاً وَلَمْ يُجَشِّمْنَا إِلَّا يُسْراً(46)
التوبة، فان قلت ان سنن التوسعة في التوبة نعمة على الناس كافة ولكن الذين كفروا حجبوا عن انفسهم هذه السنن والمنن الإلهية، والإمتناع بالإختيار لا ينافي الإختيار , وتبين هذه الوجوه منافع وافاضات من فلسفة بعثته صلى الله عليه وآله وسلم وخصوصياتها وهي اكثر من ان تحصى قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا.
(46) الطاقة : القدرة على الشيء. يقال: طاق يطوق طوقاً وأطاق يطيق اطاقة.
والطاقة اسم يوضع موضع المصدر.
والسعة : الجدة والطاقة والقدرة، وقد وسعه يسعه سعة. وجشم الامر يجشمه جشما وجشامة وتجشمه: تكلفه على مشقة.
لقد خفّف الله عن المسلمين في جميع مراتب التكليف في امتنان ورأفة ورحمة وفيه ترغيب بالهدى والإيمان ، وباعث للنفرة من الضلالة , قال تعالىحَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ.
وفي الصحيح عن الامام الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله: وضع عن أمتى تسع خصال الخطأ، والنسيان وما لا يعلمون ، وما لا يطيقون ، وما اضطروا اليه وما استكرهوا عليه والطيرة ، والوسوسة في التفكر في الخلق والحسد مالم يظهر بلسان أو يد. وفي التوحيد عن الامام الصادق عليه السلام: “ما أمر العباد الا بدون سعتهم ، فكل شيء أمر الناس بأخذه فهم متسعون له ، وما لايتسعون له فهو موضوع عنهم، ولكن الناس لاخير فيهم”( ). والمراد من الذين لا خير فيهم هم الكفار .
وهذا بيان وتفسير لقوله تعالى لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.
والدعاء شكر لله وثناء على ما انعم به علينا واظهار للزوم شكر هذه النعمة وان كان بيانها واٌلإقرار بها والإعتراف بها من افضل وجوه الشكر لأنه شكر وحمد عن بصيرة ولا ينحصر بالحمد القولي كما ان هذا النوع من انواع الحمد وسيلة ومقدمة لإتيان الطاعات واجتناب المعاصي ويخلق حالة نفسانية مفادها ان التكاليف التي امر الله عز وجل بها المسلمين امر سهل يسير والدعاء مقتبس من آخر سورة البقرة وهي آيات تلقاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الإسراء عند عروجه الى السماء وبعد ان تفضل سبحانه بالمغفرة والتوبة قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : اما اذا فعلت ذلك بنا سبحانك فغفرانك ربنا واليك المصـير يعني المرجع في الآخرة، قال فاجابه الله عز وجل وقد فعلت ذلك بك وبامتك.
وَلَمْ يَدَعْ لِأَحَدٍ مِنَّا حُجَّةً وَلَا عُذْراً. فَالْهَالِكُ مِنَّا مَنْ هَلَكَ عَلَيْهِ وَالسَّعِيدُ مِنَّا مَنْ رَغِبَ إِلَيْهِ(47) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ بِكُلِّ مَا حَمِدَهُ بِهِ أَدْنَى مَلَائِكَتِهِ إِلَيْهِ وَأَكْرَمُ خَلِيقَتِهِ عَلَيْهِ وَأَرْضَى حَامِدِيهِ لَدَيْهِ(48)
(47) هلك يهلك هلكاً ومهلكة والاسم الهلاك وهو الخسران ، والسعيد خلاف الشقي والرغبة : السؤال والطلب والطمع والحرص. رغب يرغب رغبة.
لم يبق لاحد عذر يلجأ اليه ويأتي به بعد أن خفف الله سبحانه في التكاليف ولم يأمر الناس الا دون سعتهم وما فتحه عليهم من أبواب دائمة للتوبة والمغفرة. ولن يضر صاحب المعصية ومقترف الذنوب الا نفسه. ولا يفوز بالسعادة في الدارين الامن سعي في طاعة الله وطلب مرضاته والتزم استغفاره.
(48) شكرا دائما لله عز وجل بكل الصيغ والطرق والوسائل والاشكال التي دأب على حمده بها الملائكة المقربون وحملة العرش وسكان السماوات من الملأ الاعلى. وأحمده وأثني عليه بمثل الذي أدب أنبياءه ورسله عليه من الشكر والتسبيح وكذلك الذين ارتضى ثناءهم وتقبل منهم شكرهم من أوليائه وعباده المخلصين.
عندما خلق الله عز وجل آدم ونفخ فيه من روحه نظرت اليه الملائكة من مقام الطاعة المطلقة لله تعالى وانقطاعهم الدائم الى التسبيح، فاخبرهم سبحانه انه اتخذه خليفة في الأرض يقوم باداء وجوه العبادة واسـباب الصلاح على سطحها فاجابوه سبحانه كما ورد في التنزيل أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ قالوا مــع انهم يعلــمون ان آدم نبي ومعصوم من الخطأ، والمقصود ما يفعله البعض من ذريته، فجاءت ادعية الصحيفة السجادية كرسالة الى الملائكة واهل السماء باستحقاق الإنسان للخلافة في الأرض بعد الشاهد الأكثر اهمية وموضوعية وهو اداء الفرائض واجتناب المعاصي، ان الإكثار من الحمد وصيغه تفسير خارجي واظهار للعبودية والخشوع ومصداق لعمومات قوله تعالى إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، في رد الله تعالى على احتجاج الملائكة في خلافة الإنسان في الأرض، وهي محاولة للإرتقاء الى مراتب الملائكة بطمس اثر القوى الشهوية والغضبية عند الإنسان .
وعن صفوان بن يحيى عن الكاهلي قال كتبت إلى أبي الحسن (الكاظم) عليه السلام في دعاء: “الحمد لله منتهى علمه، فكتب إليّ: لا تقولن منتهى علمه فليس لعلمه منتهى ولكن قل منتهى رضاه”( ) أي أن الله عز وجل يرضى من العبد بالقليل.
حَمْداً يَفْضُلُ سَائِرَ الْحَمْدِ(49)
(49) يقال : فاضلني ففضلته أفضله فضلا. غلبته بالفضل وكنت أفضل منه في القدر والمنزلة. وهو غير التفضل الذي يأتي بمعنى الإحسان والتطول، وسائر الشيء يقع على جله ومعظمه ولايستغرقه. وتكرر اللفظ في الحديث بمعنى باقي الشيء. واستعمله الناس في معنى الجميع.
أثني على الله سبحانه ثناءا يفوق أنواع الشكر ومقداره وما عرفه الآخرون من أبوابه , انه الشوق الى المحبوب , والتلهف للوقوف على باب كرمه، واليقين بكثرة عطائه مع الحمد والثناء والعلم بان خزائنه لا تنفذ والسبق لنيل اعلى المراتب بمنازل الحمد وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ.
لقد ورد في السنة النبوية الشريفة التي هي تفسير للقرآن والمصدر الثاني للتشريع بعد القرآن ما يجعل التلفظ بالحمد لله وقوله أداءً للشكر ووظيفته.
فقد روي عن الامام علي عليه السلام انه قال: “بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سرية من أهله فقال: اللهم لك عليّ أن رددتهم سالمين أن أشكرك حق شكرك، فما لبثوا ان جاءوا سالمين. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الحمد لله على سابغ نعم الله. فقلت: يا رسول الله ألم تقل أن أشكره حق شكره، فقال: أولم أفعل( ).
لقد كانت كيفية شكره صلى الله عليه وآله وسلم من جوامع الكلم ودرساً وموعظة وتخفيفاً وحثاً على الشكر وتيسير صيّغه.
انها فلسفة الإمامة التي تقود الناس الى الطاعات وفق قاعدة اللطف
كَفَضْلِ رَبِّنَا عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ(50)، ثُمَّ لَهُ الْحَمْدُ مَكَانَ كُلِّ نِعْمَةٍ لَهُ عَلَيْنَا(51)
وتخبر بالسنة القولية والفعلية ان الله سبحانه يهب الكثير ويرضى بالقليل ، وفي التنزيلوَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
ولا ينحصر ثواب الحمد باوانه او بنطقه وعدد كلماته ولكن جزالة الثواب وعظيم نفعه وثقله في الميزان ، ولا يتأتى الا من فضله واحسانه سبحانه فهو الذي يتعاهد الحمد وينميه الى يوم القيامة ليأتي بحلة بهية وباشراقة تبهر عقول اهل الموقف.
(50) (كفضل ربنا) في محل نصب مفعول مطلق والاصل فضلا كفضل ربنا فحذف الموصوف وأقيم الوصف مقامه والمراد التشبيه في مطلق الفضل والمشبه متناه بخلاف المشبه به في دعاء ورغبة وأمل امتياز شكره لله وحسن أدائه له شكلا ونوعا وأمدا على شكر وثناء الآخرين وارتقائه الى أعلى منازل الحامدين. وقيل ان فضل الله هنا بمعنى احسانه وانعامه.
وهل المراد من الفضل في المقام تفضيل الذات المقدسة ام انه الإحسان والمن الإلهي، الظاهر هو الثاني والمقارنة جاءت في الفقرة السابقة مع وحدة جنس الحمد.
(51) لا يستطيع الناس أن يعدوا نعم الله عليهم , وكل نعمة تحتاج منا الى شكر وثناء بما في ذلك نعمة الشكر. عن الامام الكاظم عليه السلام قال: من حمد الله على نعمة فقد شكر وكان الحمد أفضل من تلك النعمة( )، أي نعمة الإهتداء الحمد والشكر هي الافضل.
وَعَلَى جَمِيعِ عِبَادِهِ الْمَاضِينَ وَالْبَاقِينَ(52)
ترى هل يجزي الشكر الإجمالي على النعم مع تعددها وكثرتها وتواليها، والأصل ان يأتي التعدد بالشكر مقابل المتعدد من النعم فرداً بفرد، الجواب انه يجزي بفضل الله تعالى فانه سبحانه يقبل القليل من الحمد والثناء مقابل الكثير من عظيم النفع والآلاء.
وجاء الدعاء بصيغة الجمع (علينا) مما يدل على تولي الإمام عليه السلام الشكر على النعم على الأمة، وهل المراد :
الأول : النعم التي تفضل بها سبحانه على الأمة على نحو العموم المجموعي كمسلمين.
الثاني : النعم التي تفضل سبحانه على المسلم على نحو العموم البدلي على كل مسلم.
الثالث : مجموع النعم النوعية والشخصية.
الجواب هو الأخير، فان الإمام عليه السلام يواظب على الشكر على كل نعمة منه تعالى على المسلمين كافة وعلى كل مسلم وهو من وظائف الإمامة.
(52) المراد بالماضين : الامم السابقة والاجيال السالفة ممن مات من بني آدم من قولهم : مضى الشيء يمضى مضيا ومضياء.
أما الباقون فهم الاحياء وعمار الارض ومن لم يولد بعد لان كلمة بقي الشيء يبقى بقاء أي استمر في الدوام والوجود وهو ضد فنى , وتأتي كلمة بقي بمعنى تأخر فيشمل الحاضر منهم والذي يأتي في المستقبل.
أحمد الله على ما أنعم به على جميع المسلمين والصالحين ممن تقدم في زمانه علينا حمدا متصلا مع شكرنا وثنائنا على نعمه على أهل الارض ومن فلسفة الإمامة تعاهد الشكر لله على النعم المستديمة على البشر، اذ اننا بوجودنا من افاضات نعمه تعالى علينا وعلى الأجيال التي سبقتنا كآباء وامهات وعمار للأرض بالعبادة والحرث ، قال تعالىوَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ .
ان الإمامة تبين لك وحدة الأجيال واتحادها واشتراكها في الشكر على النعم، وتتولى الشكر عن الأجيال القادمة لأنها امتداد للوجود الإنساني عامة والإيماني خاصة ، قال تعالىوَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ.
وكما ان الحمد رابطة آدمية بين افراد النعم ورد عبودي صاعد في مقابل توالي النعم فانه شاهد على الإستحقاق وعدم تعقب العقاب او توقف وتأخر نزول النعم بسبب حصول الذنوب والأخطاء وقد يقال لماذا يشكر الإمام الله عز وجل على نعم الماضين , فيه وجوه:
الأول : إنها مقدمة وسبب في وجودنا ودوام الحياة.
الثاني : براً بالآباء أي ان الحمد والشكر لله على النعم التي نالها الآباء الماضين وان بعدوا يعتبر من البر بهم واكرامهم وفيه اجر وثواب للحامد، واجر وثواب للآباء.
الثالث : لعل فيها سبباً لدعاء الماضين وهم في عالم البرزخ للأحياء بالتوفيق والسداد.
الرابع : فيها رحمة مستحدثة للأموات.
الخامس : تأديب الناس والأجيال السابقة بالحمد والثناء عن الآباء والأجيال السابقة.
عَدَدَ مَا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ(53)
السادس : اظهار واعلان الإقرار بالمنافع العظيمة التي حصلنا عليها بسبب نعم الله تعالى على الماضين من الآباء.
السابع : انها من وظائف الإمامة العامة للناس وتعاهد الإستغفار والحمد لله عن الذات والأمة والأمم السالفة والأجيال اللاحقة، وبذا يظهر لنا ان الإمامة ليست فقط في شؤون الولاية العامة وشؤون الحكم ومسائل الحلال والحرام بل تشمل الرأفة والرحمة ببني الإنسان على اختلاف الأزمنة وتباعد الأمصار، فالأنبياء جاءوا لإنقاذ البشرية وصلاحها بما فيهم اولئك الذين قتلوهم وآذوهم , وقصص الأنبياء شواهد حية تثبت هذه الكبرى الكلية.
(53) العدد : اسم من عدّ الشيء يعده عداً اذا احصاه وحسب أفراده والكمية التى تقع جوابا لكم وهو مفعول مطلق لبيان العدد والكمية. وأحاط بالامر اذا أحدق به من جوانبه كلها وأدركه بكماله. وعلم الله تعالى يتضمن انكشاف الاشياء له ظاهرها وباطنها , كلياتها وجزئياتها، وهو تعالى عالم بالاشياء قبل ايجادها ولا يعزب عنه شيء من حقائقها أو عوارضها أو لوازم وجودها.
أثني على الله سبحانه عز وجل بعدد ومقدار كل شيء مما في الارض والسماء. قال تعالى وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.
حمداً يشمل الأفراد الطولية للزمان والعرضية للمكان ويخترقهما سعيا الى مرضاة الله والدخول في محبته ويتعذر عده وحسابه من قبل أهل الارض لدوامه وامتداده واتصال حلقاته في تعاقبها وبقائها ودوامها بفضل الله.
ويعد الحمد على النعم على الأمم الماضية مدخلاً ورجاء للحمد والثناء على ما عند المسلمين من النعم، سواء في زمان الدعاء وفي الأزمنة اللاحقة الى يوم القيامة , وفيه مسائل:
الأول : تأديب الأجيال اللاحقة من المسلمين بضرورة المواظبة على الحمد والشكر لله تعالى.
الثاني : ترك رسالة للإبناء بعظيم النعم التي منّ الله عليهم بها.
الثالث : المنع من ترك الحمد او الإستخفاف بمكانته وموضوعيته في العبادات وفي توالي النعم.
الرابع : البر بالأبناء , إذ ان البر لا ينحصر بالآباء وسيأتي بيانه في دعاء الإمام عليه السلام لأولاده.
الخامس : من اهم وظائف الإمامة اعداد الأبناء لمسؤوليات حفظ عقيدة التوحيد في الأرض وحمل لواء الإسلام ونشر احكامه في ربوع الأرض، ومن اركان فلسفة الإسلام الحمد والشكر لله عز وجل .
فجاء الدعاء سابقاً لوجودهم ليكون مدرسة لهم وعذراً عمن يقصر منهم في هذا الباب العبادي والأخلاقي، وعوناً لهم وتزلفاً الى الباري عز وجل رجاء قبوله نيابة عنهم.
السادس : انه مقدمة لوجود الأجيال اللاحقة وتضرع الى الله عز وجل بدوام نعمة الخلق والتكاثر بين المسلمين.
السابع : حث الأبناء على الشكر والحمد نيابة عن الآباء ووفاء لبعض الديون الأخلاقية وعرفاناً لجميلهم.
الثامن : طرد لشرور ابليس ووسوسته.
وَمَكَانَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عَدَدُهَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً أَبَداً سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة(54)
التاسع : كأن الحمد والثناء عن الأبناء واقية مباركة تحول دون اغواء ابليس لهم ، قال تعالىوَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا.
العاشر : يتصف هذا الحمد بالتجدد وحدوث افراد منه لأن الأشياء والموجودات وان كانت تتصف بالتجدد والإنشطار والتفرع والخلق فان الإمام عليه السلام اراد النماء لحمده لله عز وجل وحصول افراد منه متجددة ومستحدثة وملازمة للخلق والإبداع لتكون هذه الملازمة نوع ثناء حال وعاجل وعنوان استحقاق ووسيلة لنيل رضاه ورجاء لدوام النعم واستحداثها.
(54) الواو للاستئناف والظرف (مكان) خبر. عدد مبتدأ متأخر.
وورد في نسخة إبن إدريس بالفتح فتكون (الواو) حرف عطف و(عدد) منصوبا على المصدرية بفعل مقدر أى أعدد حمده. والضمير (ها) في منها وعددها راجع الى كل نعمة.
والاضعاف جمع قلة لضعف وهو الزيادة على أصل الشيء بمقدار مثله.
والابد : الدهر والزمان في إمتداد واستمرار الحياة وعمارة الارض في مستقبل وقرون مقدرة غير متناهية، والسرمد الدائم الذي لا ينقطع والزمان المتصل في دوامه.
أحمد الله مقابل كل نعمة منّ بها علينا حمدا كثيرا مضاعفا متكررا دائماغير منقطع. حمدا باقيا متجددا متصلا حتى يوم الجزاء. وناميا في
حَمْداً لَا مُنْتَهَى لِحَدِّهِ وَلَا حِسَابَ لِعَدَدِهِ وَلَا مَبْلَغَ لِغَايَتِهِ وَلَا انْقِطَاعَ لِأَمَدِه(55)
ازدياد حتى قيام الخلق وبعثهم للحساب.
لم يسأل الإمام الغنى والثروة في الحياة الدنيا بل توجه الى الباري سبحانه بسؤال خلود شكره وثنائه عليه وما يكون مدخلاً كريماً الى يوم الجزاء والحساب.
وتدل ماهية السؤال على معرفة الإمام عليه السلام بعظيم فضل الله تعالى وانه يرزق بغير حساب، فقد سأل ما يعجز الكتبة عن احصائه وتجف الأقلام حال تدوينه، ولكنه سبحانه يرزق بغير حساب، لقد سأل عليه السلام الزيادة الكثيرة لكل نعمة على الماضين وكل نعمة آتية على الأبناء والأجيال اللاحقة ويدل الدعاء على الوثوق بفضل تعالى وسعة رحمته وعدم وجود حد لعطائه.
(55) أثني على الله عز وجل ثناءً واسعاً يتجاوز الزمان والمكان ويخترقهما سعياً الى مرضاة الله والدخول في محبته وثناء يتعذر علينا عده.
ويظهر الدعاء الإجتهاد في الوصف والإلحاح في الدعاء في قول الحمد ومضاعفته واستدامته مما يدل على موضوعيته في الدارين ومحبوبيته الى الباري عز وجل ومما يدركه كل عاقل ان الحمد والشكر على النعم لا يساوي جزءاً ضئيلاً منها ومن الجزاء عليها فهو كالقطرة في البحر المترامي الأطراف، والنعم هبات مادية محسوسة وجواهر واعراض تأتي ابتداء ومن غير عوض، والحمد لا يكون الا ثناء باللسان، والله عز وجل غير محتاج له او لقائله فهو الغني الحميد , وتبين مدرسة الحمد عند اهل البيت حاجتنا للحمد والمواظبة عليه ، قال تعالى وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ.
حَمْداً يَكُونُ وُصْلَةً إِلَى طَاعَتِهِ وَعَفْوِهِ وَسَبَباً إِلَى رِضْوَانِهِ وَذَرِيعَةً إِلَى مَغْفِرَتِهِ(56) وَطَرِيقاً إِلَى جَنَّتِهِ وَخَفِيراً مِنْ نَقِمَتِهِ وَأَمْناً مِنْ غَضَبِه(57)
روي ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حدثهم ان عبداً من عباد الله قال: يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، فعضلت الملكين فلم يدريا كيف يكتبانها فصعدا إلى الله فقالا: يا ربنا ان عبداً قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها.
قال الله عز وجل وهو اعلم بما قال عبده: وما الذي قال عبدي.
قالا : يارب انه قال: يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها.
(56) أثني على الله سبحانه ثناءً يكون طريقا موصلا الى طاعتى لاوامره وحمدا منتميا الى خشوعى لعظمته ليصبح جزء من عبادتي وايماني وعلة واداة ووسيلة ورجاء لمرضاته وعفوه وصفحه عني وذريعة لتجاوزه عن ذنوبي.
ويظهر من الدعاء ان الحمد والشكر لله سبحانه عبادة وذكر له تعالى، وانه وسيلة كريمة لإكتناز الصالحات وبلوغ الدرجات الرفيعة، ويبين ان ثواب الحمد لا ينحصر بدوام النعم وتواليها، فهو مدخل كريم للمغفرة وقضاء الحوائج.
(57) الخفير: المجير والحامي من خفره يخفره اذا اجاره ورفع عنه اذى من يطلبه، والنقمة: المكافأة بالعقوبة، استمر ملحاً في الحمد والثناء راجياً ان يكون ذلك سبيلاً الى دخولي الجنة فضلاً منه تعالى واستجير برحمته وعفوه من العقاب وشدة الحساب، واسأل الله تعالى ان يجعل ثنائي وحمدي
وَظَهِيراً عَلَى طَاعَتِهِ وَحَاجِـزاً عَنْ مَعْصِــيَتِهِ وَعَوْنـاً عَلَى تَأْدِيَــةِ حَقِّهِ وَوَظــَائِفِـه(58)
وشكري له اماناً وسلاماً من سخطه وغضبه، وفي التنزيلأَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ.
ان الطمع عند الإنسان مذموم وعليه الكتاب والسنة والإجماع الا الطمع بفضله ورحمته تعالى فالأدلة ظاهرة على حسنه ورجحان الإطراد ، قال تعالىادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ، فيه والإلحاح بسؤال افراده وعدم حصر المسألة في دائرة العقل الإنساني لأن الأوهام قاصرة عن الإحاطة بعظيم فضله وهذا الدعاء واللجوء اليه تعالى والإستجارة بالحمد والثناء لا تنحصر بايام الآخرة ويوم القيامة، بل هو شامل لأحوال وشؤون الدنيا ايضاً سواء من البلاء النازل ورجاء صرفه، او من النقم العامة التي تحل بالناس وتصيب المؤمن عرضاً وان لم يكن اتفاقاً وصدفة.
(58) الظهير : المعين متحداً كان او متعدداً، والحاجز اسم ما فصل بين الشيئين، حجز بينهما يحجز حجزاً وحجازة فاحتجز، والمعصية: عدم الإنصياع للأمر وترك الإنقياد له، والوظائف جمع وظيفة وهي هنا بمعنى ما الزم به العبد من الفرائض اليومية والتكاليف المقدرة في اوقات مخصوصة جاء من باب عطف الخاص على العام لأن المراد التكاليف الشرعية.
حَمْداً نَسْعَدُ بِهِ فِى السُّعَدَاءِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ وَنَصِيرُ بِهِ فِى نَظْمِ الشُّهَدَاءِ بِسُيُوفِ أَعْدَائِه(59)
أحمد الله واثني عليه ثناء يكون عوناً ومساعداً لي على التزام طاعته تعالى وحجاباً يفصلني عن طرق المعصية وحافزاً وعنصر مساعدة يساهم في تأدية الواجبات والفرائض.
يسأل الإمام عليه السلام التوظيف الآني للحمد وجعله سلاحاً شخصياً ذا حدين ملازماً لصاحبه فيكون عوناً على الطاعة ومانعاً من اقتراف الذنوب ولا اقول ان مثل هذا السلاح نادر الوجود، لأنه في تعدده وكيفياته وبروزه الى الخارج فضل من الله تعالى سواء كان على نحو الإبتداء او الإستدامة فهو اذن هين يسير ويستطيع ان يناله العبد بالدعاء والتضرع فجاء السؤال بنيله، اما علته المباشرة ومادته فهي (الحمد لله).
ويظهر الدعاء الضعف والعجز عند الإنسان عن اداء الوظائف المفروضة والمندوبة لولا فضل الله فالتجأ الإمام عليه السلام الى الله عز وجل لتيسير ادائها بفضله واحسانه وتزكية القليل من الحمد وتعاهده.
(59) النظم : التأليف ، وضم الشيء الى آخر بنظام وحسن ترتيب، والشهداء: جمع شهيد وهو المقتول في سبيل الله قال تعالىوَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ، حمداً نواظب عليه ليكون لنا به فضل من الله واحسان درجة ومنزلة مثل التي نالها الذين قتلوا في سبيله دفاعاً عن دينه وذوداً عن القرآن.
عن انس بن مالك ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: “من ِ
إِنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيدٌ(60).
طلب الشهادة صادقاً اعطيها وان لم تصبه”( )، أي يرزق ثوابها واجرها وان مات على فراش الموت.
ويفتح دعاء الحمد هذا آفاقاً عديدة ويظهر افاضات كريمة في فلسفة الحمد وفي احكام الدعاء، سواء كان حمداً قولياً او فعلياً او حالياً ما لا عين رأت ولا اذن سمعت من النعم، اذن فكيف الجزاء لأداء الفرائض والنوافل وصيام شهر رمضان وتحمل العناء والإنفاق في اداء فريضة الحج وجهاد النفس من اجل اخراج الزكاة والخمس ودفعهما الى المستحقين .
لقد ترك الإمام عليه السلام بهذا الدعاء ثروة عقائدية لأجيال المسلمين يعجز البيان عن تقدير منافعها واسرارها وما يتولد عنها من البركات، وهو درس كريم لمعرفة عظم ثواب الحمد والثناء لله تعالى، وموعظة في بيان عظيم فضله سبحانه ، وحث على الطمع في رحمته ، وسؤال المزيد من حاجات الدنيا والآخرة ومنزلة الإمامة والحاجة اليها كعون على الهداية.
(60) الولي والحميد من اسماء الله الحسنى ، والله هو الناصر لعباده، المتولي لشؤون الخلائق القائم بامور العالمين، وهو الرزاق ذو القوة المتين، وهو المحمود على كل حال وفي كل زمان ومكان.
وابتدأ الدعاء بالحمد لله وجاء ختامه حسناً محمودا اذ انتهى باسم من اسمائه تعالى شكراً على احسانه وكرمه وهدايته وتوفيقه،انه اعلان للاطمئنان لعطائه الجزيل وتفضله بالإستجابة.
فروع :
الأول : هل الحمد الوارد في الدعاء هو المأتي به على نحو مستقل ام يشمل الحمد في الصلاة كما في قول المصلي او مطلقاً “الحمد لله رب العالمين” في قراءته لسورة الفاتحة؟ الجواب: انه يشمل الحمد الذي يرد في الصلاة وقراءة الفاتحة فضلاً منه تعالى وان جاء بصيغة القرآنية وليس بصيغة الدعاء والمسألة والله واسع كريم.
الثاني : الحمد لله ليس اختراعاً وابتداعاً من الإنسان بل هو فضل من الله تعالى لقنه الإنسان وعلمه اياه.
الثالث : مع كثرة الأحكام المتعلقة بالرياء وموضوعه وامكان دبيبه الى العبادات فان قول (الحمد لله) خال من الرياء في الجملة لانه ليس امراً اختيارياً واجتهاداً من العبد، بل هو امر انتزاعي قهري متولد عن حقيقة ولزوم استحاقه تعالى للحمد.
الرابع : تقسم (أل) المعرفة الى قسمين:
أولاً :عهدية : وهي التي تدخل على فرد واحد.
ثانياً : جنسية : وهي التي تدخل على الجنس مطلقاً وتنقسم الى قسمين:
الأول : لتعريف الحقيقة وهي التي لا تأتي (كل) بدلاً عنها.
الثاني : للإستغراق وهي ايضاً على شعبتين :
الأولى : تفيد الإستغراق لأفراد الجنس مطلقاً وتخلفها (كل) حقيقة.
والثانية: تسمى الكمالية وتفيد اســتغراق جميع خصائص الأفراد تجاوزاً. وهذا التقسيم استقرائي عقلي والا فان الألف واللام في الحمد يشمل القسمين معاً الإستغراق والكمال أي ان فضل الله تعالى في (الحمد لله) يفوق حد التصور البشري والعلوم اللغوية وان الحمد ينحصر بمجموعه بالله تعالى.
وهذا الدعاء المبارك جاء متجاوزاً لكل القواعد اللغوية والنحوية التي وضعها اهل الإختصاص فهو ثروة علمية بالإضافة الى مضامينه العرفانية والعقائدية والكلامية والأخلاقية، ان اريج العصمة يفوح من بين طيات الدعاء ويبرز كحقيقة يتحدى اهل العناد والجحود ويدعوهم الى الإسلام واغتنام نعمة “الحمد لله” وجعله سلاحاً كريماً وواقية حرزاً.
الدعاء الثاني
وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ هَذَا التَّحْمِيدِ فِى الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى مَنَّ عَليْنَا بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ دُونَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَالْقُرُونِ السَّالِفَةِ(1)
(1) شكراً دائماً لله عز وجل على نعمته واحسانه على اهل الإسلام بان بعث فيهم محمدا صلى الله عليه وآله وسلم رسولاً ورحمة، وورد في اخبار كثيرة عن طرق اهل البيت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: سماني الله محمدا، وشق اسمي من اسمه هو المحمود( ).
واخرج البخاري في تأريخه الصغير عن طريق علي بن زيد كان أبو طالب يقول: وشق له من اسمه ليجله) ( )، وقيل ان في اسم محمد المبالغة والتكرار اذ ان المحمد هو الذي حمد مرة بعد اخرى، واسمه صلى الله عليه وآله وسلم علم من اعلام رسالته لحمله لواء الهدى والرحمة في الدنيا وهو محمود بالآخرة بالشفاعة.
والقرن هو الوقت من الزمان، وقيل اربعون سنة وقيل ثمانون سنة، والإختيار الذي عليه الناس والمتعارف هو مائة سنة لما ورد في الخبر ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسح على رأس غلام وقال: عش قرناً، فعاش مائة سنة( ).
ولقد اكرمنا الله بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخصنا بتلك النعمة دون الأجيال والأمم السابقة لعصر الإسلام وزمانه.
يبدأ هذا الدعاء بالحمد لله وهو ابتداء موضوع الدعاء الأول من الصحيفة مما يدل على اتصال الحمد منه عليه السلام وعدم حصره بالدعاء الموسوم باسمه، وافرد عليه السلام لنعمة بعثة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حمداً مستقلاً قائماً بذاته لبيان امكان انشطار علوم الحمد ودراساته الى عدة فروع مستحدثة، لتأكيد عظيم النعمة التكوينية والتشريعية في بعثته صلى الله عليه وآله وسلم فهو الطريق الى الجنة والرافد المبارك لدوام الحياة على الأرض، هو الإفاضة السماوية التي ينتفع منها كل انسان وان لم يعرف النبوة، تتصل النعم وتدوم الحياة ومصداق هذا في قوله تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ والعبادة بعد البعثة والنبوة لا تصدق الا باحكام الإسلام.
وضمير الجمع في (علينا) يعود للمسلمين ولكن لو كانت بعثته صلى الله عليه وآله وسلم في الأمم السابقة لكنا ايضاً من اتباعه فلماذا هذا التخصيص والإفراد والتمييز , فيه وجوه :
الأول : ان الله سبحانه جعل لكل شيء اجلاً، ولكل زمان نبياً وشريعة، وشرائع الأزمنة السابقة ناسخة لما سبقها ومنسوخة مما يأتي بعدها من الشرائع السماوية وان بعثته صلى الله عليه وآله وسلم جاءت خاتمة للشرائع.
الثاني : ان الحمد والثناء وظيفة انحلالية لأن لكل مسلم حصة ونصيباً في نبوته وشخصه الكريم فحق لنا ان نفتخر ونتوجه الى الباري بالشكر على هذه النعمة.
الثالث : بالإنتماء للإسلام واتباعنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم استحققنا نيل الدرجات العالية , فجاء الحمد شكراً على نيلها ببعثته صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع : الحمد والشكر لله على تفضيل المسلمين ببعثته صلى الله عليه وآله وسلم دون غيرهم من الأمم، فان مراتب من الفضل خاصة تنال بالإسلام.
الخامس : الحمد على هذه النعمة لا يعني التعريض بالأمم السالفة، وفضله سبحانه منبسط وشامل لجميع الأجيال والأمم ولكن لذكر نعمة البعثة النبوية موضوعية وهي موضوع يستحق بمفرده الإقامة على الشكر.
في الدعاء والثناء تأديب لأجيال المسلمين وتنبيههم لما هو ملقى على اعناقهم من وظائف جهادية في اصلاح النفس وتهذيب السلوك وهداية الآخرين وتعاهد أحكام الشريعة، قال تعالى لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ.
بقدرته التي لا تعجز عن شيء وان عظم ولا يفوتها شيء وَإِنْ لَطُفَ(2)
(2) من اسماء الله تعالى : القادر والمقتدر والقدير، والله عز وجل مقدر كل شيء وقاضيه وعليه قدير، وعظم يعظم عظماً وهو عظيم: أي كبير والعظم: خلاف الصغر، وفاته الشيء فوتاً وفواتاً اذا ذهب عنه، ولطف – بضم الطاء – يلطف معناه صغر ودق، والأشياء جميعها طوع ارادته عز وجل مستجيبة لأمره منقادة بذل لقدرته.
قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة له: قدر ما خلق فاحكم تقديره، ودبره فالطف تدبيره ووجهه لوجهته فلم يتعد حدود منزلته ولم يقصر دون الإنتهاء الى غايته ولم يستصعب اذا امر بالمضي على ارادته( ).
الدعاء ثناء وحمد للباري عز وجل ذو شعبتين :
الأولى : عامة تتعلق بقدرته تعالى المطلقة، فجميع المقدورات خاضعة له لأنها قابلة للإيجاب وتتصف بالإمكان، وفي التنزيل[وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ( )، وقدرة الله تعالى عامة مجردة من الزمان والمكان والجهة.
الثانية : الاخرى تفضل الله ببعثة الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الزمان لتتغشاه بركات سماوية قدسية .
وتلاحظ في الدعاء الى جانب الحمد والثناء المدح والتعظيم لمقام الربوبية وبيان عظيم قدرته، وفيه توكيد على عظيم النعمة ببعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشملتنا هذه النعمة كمسلمين.
فَخَتَمَ بِنَا عَلَى جَمِيعِ مَنْ ذَرَأَ وَجَعَلَنَا شُهَدَاءَ عَلَى مَنْ جَحَد(3) وَكَثَّرَنَا بِمَنِّهِ عَلَى مَنْ قَلَّ(4)
(3) ختم الشيء يختمه ختماً بلغ امره، وخاتم كل شيء وخاتمته: عاقبته وآخره، وفي صفات الله عز وجل الذاري فهو الذي ذرأ الخلق أي خلقهم وكثرهم وجعل ذريتهم ينتشرون في الأرض .
وجحد يجحد جحداً وجحوداً وهو الإنكار مع العلم خلافاً للإقرار، لقد جعل الله المسلمين آخر الأمم ممن خلق سبحانه ليأتوا يوم القيامة شهداء على الناس من آمن منهم ومن كفر، قال تعالى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا.
الحمد لله على النعم الخاصة بالمسلمين , ويدل بالدلالة التضمنية على الإعتزاز والفخر بما خص به الله المسلمين وجعلهم شهداء على الناس وهو امر يملي علينا التقيد بآداب التقوى، ان اســتحضار مـوارد الشكر واسبابه يجعل الإنسان اكثر شوقاً اليه.
فمن فلسفة الإمامة الإرتقاء بالأمة الى منازل الثناء والحمد عن وعي وادراك وفيه طرد للغفلة.
(4) كثرت الشيء تكثيرا ًواكثاراً جعلته كثيراً واوفر العدد، حيث جعل الله عدد المسلمين في ازدياد ورقعته في اتساع، واذن باستمرار وجوده على الأرض من غير فترة او انقطاع حتى يوم القيامة، روي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة( ).
ويدل الثناء والحمد لله عز وجل في حقيقته على التصاغر امام فضل الله تعالى ونسبة الكثرة في اعداد المسلمين الى فضله سبحانه ، وسعي وصبر المسلمين وتفانيهم في نشر الدعوة نــوع ادب من مقامات العبودية وهو عنوان للشكر، لأن سعيهم ايضاً منه تعالى وجاء بتوفيق منه سبحانه لأن الإسلام نعمة منه وكل جهاد وسعي في سبيله سبحانه تم بمنه ولطفه واستحق اتيانه الحمد والثناء والتوفيق اليه، وفي التنزيلوَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ.
وفي الدعاء اخبار وبشارة عن تزايد عدد المسلمين ورجحانه على ملل عديدة ، لذا تراه يبلغ الآن اكثر من مليار وثلاثمائة مليون مسلم.
اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ أَمِينِكَ عَلَى وَحْيِكَ وَنَجِيبِكَ مِنْ خَلْقِكَ وَصَفِيِّكَ مِنْ عِبَادِكَ(5)
(5) الأمين : فعيل من الأمانة لصيانة ما استودع، والوحي في اللغة الإشارة والرسالة والكتاب والإلهام، والنجيب: الكريم النفيس والصفي بمعنى المصطفى أي المختار.
الهي وربي ارحم نبيك محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وبارك عليه كما ادى بامانة واخلاص ما حملته من اعباء الرسالة وبلغ بالتمام والكمال ما انزلت على صدره من آيات القرآن الكريم وجعلته افضل واكرم خلق واخترته واصطفيته من بين عبادك المخلصين لتختم بنبوة صفيك من عبادك رسالاتك لأهل الأرض.
لقد اشتهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالأمانة وسماه العرب (الصادق الأمين) قبل نبوته وبعدها في تأديب واعداد الهي وتأهيل لحفظ الوحي وصيانة اسرار الحكمة الإلهية.
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من إسماعيل كنانة واصطفى من كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم( ).
وصحيح ان الصلاة من الله رحمة كما في قوله تعالىإِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، فهي تشريف واكرام لذا جاءت الصلاة على النبي جزء من التشهد في الصلاة
إِمَامِ الرَّحْمَةِ(6)
وهي واجب , وبه قال احمد والشافعي وذهب ابو حنيفة ومالك الى عدم وجوبها.
انها من اقسام الذكر وفي الحديث: الصلاة على النبي افضل من الدعاء لنفسه وفيه: من صلى علي صلاة صلت الملائكة عليه عشراً، أي دعت له
وباركت عليه، وقولك اللهم صل على محمد وآل محمد أي ارحمه وارفع درجته في الدارين واظهر دعوته وبارك في ذريته وتعاهد رسالته وانشر دعوته وارزقه الشفاعة والدرجة الرفيعة في الآخرة.
(6) الإمام من يقتدى به، وامام كل شيء: قيمه والمصلح له، والرحمة: امتلاء القلب بالرأفة والشفقة على الخلق والتصرف ازاءهم بلطف ومودة ورفق، اذ جعل الله النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم هادياً الى طريق الرشاد وسبيل رضوانه تعالى وليكون النبي محمد صلى الله عليه وآله وســلم داعياً اليه وهاديــاً كـريماً للفـوز بالجنــة، قال تعالى ذِي قُــــوَّةٍ عِنْــــدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِــينٍ * مُطَــاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ.
وروي ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: انما انا رحمة مهداة( ).
ان وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بانه امام الرحمة مدح له وشكر لله عز وجل على هذه النعمة أي انه لم يكن اماماً للرحمة الا بفضـــله ومنه تعالى.
وفي معاني الأخبـــار ســمي الإمام اماماً لأنه قــدوة للناس منصوب من
وَقَائِدِ الْخَيْرِ وَمِفْتَاحِ الْبَرَكَة(7)
قبل الله تعالى مفترض الطاعة على العباد، وامامته صلى الله عليه وآله وسلم رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا تترشح منها انوار الهداية والرحمة.
ومدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم تعبير عن السعادة بالإنتساب اليه والإنقياد لما جاء به من عند الله عز وجل.
(7) القائد هو السيد والإمام الذي يتبعه من ينقاد لأمره ، والخير أعمال الصلاح والفلاح الى جانب الصفات المرضية.
والمفتاح هو ما نفتح به المغالق والمدخل اليها جاء هنا في استعارة بديعة. والبركة : النماء والزيادة والسعادة.
لقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبأمر من الله عز وجل يهدي الى الإيمان والإحسان والعدل ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، واتباعه مدخل للنماء والزيادة وباب سعة في الرزق دائمة.
لقد اجتمعت الخصال الكريمة بشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبأرقى مضامينها وهو مجمع الفضائل الحميدة والكمالات الإنسانية، تتباهى به الملائكة باخلاصه في العبودية وتفانيه في ميادين الجهاد وتبليغ الرسالة.
والنبوة نعمة وهبة الله عز وجل لنا جميعاً وهي تبعث الإيمان في دروب الحياة وتجعل ايام الحياة الدنيا معمورة بالبهجة تنيرها شمس الهداية وحلاوة التنزيل وحسن الإستجابة والإمتثال وهي حاجة للناس تحول دون ظلم بعضهم للبعض الآخر وتدعو الى الصلاح وتأخذ بيد اتباعها الى دار النعيم ولا عبرة بمن انكر النبوة كالبراهمة وهو قبيلة تنتسب الى برهم احد حكماء الهند القدامى ولهم علامة ينفردون بها وهي خيوط ملونة بحمرة وصفرة يتقلدونها تقلد السيوف وهم يقولون بالتوحيد وقيل انهم ينكرون النبوات.
ولهم كتاب كبير اسمه (الفيدا) يتضمن اصطفاءهم على البشر لأنهم خلقوا من رأس الإله، وذكر أن البراهمة قبائل هاجرت من أواسط أوربا طلباً للدفئ والخصب ، ومروا باليونان والعراق وإيران ، ولكن قبائل تلك البلدان يمنعون من استقرارهم إلى أن استقروا بمصب نهر السند .
وقالوا لما صح ان الله حكيم وكان من بعث رسولاً وما يدري ان الناس لا يصدقون، فلا شك انه متعنت عابث فوجب نفي بعث الرسل لنفي العبث والتعنت عنه تعالى وقالوا اذا كانت الغاية من بعث الرسل هداية الناس فقد كان اولى في حكمته واوثق ان يضطر العقول الى الهداية والإيمان.
وقيل بعثة الأنبياء عندهم ليس من الممكن بل ممتنع في ذاته .
ولكن النبوة من حكمته تعالى وهي لطف ورحمة للناس وحاجة لهم ورأفة بالبراهمة وشبههم ايضاً لو انتفعوا منها في الدنيا ولم يضيعوها بدعوى أثبت الواقع خلافها.
وفي بدايات النبوة وعندما خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من غار حراء ناداه جبرئيل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء: “يا محمد انت رسول الله وانا جبريل”، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: وجعلت أصرف وجهي عنه في أفق السماء فلا انظر في ناحية الا رأيته كذلك ( )، وظاهر الكلام انه في عالم اليقظة وليس الرؤيا والمنام.
لتبدأ مرحلة الدعوة إلى الله الذي انار دروب الحق واصلاح ملايين البشر وانفتحت ابواب السماء بالتنزيل العزيز واحكام الشريعة الباقية الى كَمَا نَصَبَ لِأَمْرِكَ نَفْسَهُ(8)
يوم القيامة والمملوءة سماحة وتيسيراً ورحمة.
(8) نصب نفسه: أي اقامها وجندها وسخّرها لأمر الله، لقد اجتهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في طاعة الله واتعب نفسه في مرضاته وتحمل المعاناة في سبيل اعلاء كلمة الله، قال تعالى فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ .
لقد جاءت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على فترة من الرسل، فكانت نبوته صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للناس جميعاً وحاجة لهم بعد الحادهم وجحودهم مما يبين عظيم منزلته ومسؤوليته في التبليغ لذا اخذت دعوته صبغة جهادية تتناسب مع مسؤولية قيادة امم الأرض ووضع السيف في غير المليين كحكم ضرورة بعد دعوتهم لإصلاحهم وتجنيب الإسلام شرهم. والنبوة رحمة لهم بما اثبته الواقع والوجدان ، قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
فحين سُئل الإمام الصادق عليه السلام عن الدليل على البعثة فقال: “لما اثبتنا أن لنا خالقاً متعالياً عنا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيماً لا يشاهده خلقه، فلا يلامسهم ولا يلامسونه، ولا يباشرهم ولا يباشرونه، ثبت ان له سفراء في خلقه وعباده يدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وهم الأنبياء الصفوة من الخلق.
وَعَرَّضَ فِيكَ لِلْمَكْرُوهِ بَدَنَه(9)
والدعاء مدح للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقيامه بحمل الرسالة احسن قيام وهو اعلان عن رضا المسلمين عن النبوة وافتخارهم واعتزازهم بها .
(9) المكروه : ما يكرهه الإنسان ويشق عليه، والبدن: جملة الجسد، لقد اوذي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتحمل في سبيل الله ما لم يتحمله نبي غيره ولاقى من المشقة منذ بدأ نزول الرسالة باستهزاء قريش ورميهم اياه بالحجارة وتحريم معاملته واهله ومحاصرتهم في شعب بني هاشم.
ثم اتفاقهم على قتله وهروبه لائذاً باهل يثرب فواجهوه بالحرب والقتال حتى قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
( ما اوذي نبي مثل ما اوذيت( ).
قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام ان الله تعالى كلف رسوله ما لم يكلف احداً من خلقه، كلفه ان يخرج على الناس كلهم وحده بنفسه ان لم يجد فئة تقاتل معه ولم يكلف احداً من خلقه قبله ولا بعده وتلا هذه الآية فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ.
وفي الدعاء مسائل :
الأولى : مدح وثناء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كوسيلة للتضرع الى الله تعالى رجاء لتفضله سبحانه بالصلاة عليه.
الثانية : انه سبحانه يعلم ما عاناه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من اجل اقامة احكام الإسلام، وجاء الدعاء نوع صيغة من صيغ التضرع لصلاته ورحمته تعالى على نبيه الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة : انه نوع انقياد واتباع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم واستجابة لأمره تعالى بالصلاة على نبيه الأكرم.
الرابعة : اظهار ونشر حقائق جهادية من سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتأديب الأجيال على محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامسة : خلق كيفية نفسانية عند عموم المسلمين بالإستعداد لتحمل مشاق الجهاد.
السادسة : انه درس في الصبر في سبيل الله باستحضار كبرى كلية وهي التأسي بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
والدعاء توسل الى الباري عز وجل بذكر جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وللصلاة عليه، وفيه ذكر لله عز وجل بالتوجه اليه سبحانه بالمسألة وبذكر واستعراض فضله تعالى باعانة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي، وتخفيف اعباء الرسالة عنه وتلقي التكاليف والصدح بالتبليغ مع ما واجهه من عناد وجحود الملأ من قريش.
فمثلاً في حديث الإسراء اخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قريشاً بالإسراء وتفاصيله وقالوا: يا محمد كذب بعد كذب يأتينا منك لئن لم تنته عما تقول وتدعي لنقتلنك شر قتلة تريد ان تأفكنا عن الهتنا وتصدنا عما كان يعبد آباؤنا الشم الغطاريف.
فقال يا قوم انما اتيتكم بالخير فان قبلتموه فاقبلوا فان لم تقبلوه فارجعوا وتربصوا بي اني متربص بكم واني لأرجو ان ارى فيكم ما اؤمله من الله فسوف تعلمون.
وَكَاشَفَ فِى الدُّعَاءِ إِلَيْكَ حَامَّتَهُ وحَارَبَ فِى رِضَاكَ أُسْرَتَهُ(10)
(10) كاشفه العداوة أي بادأه بها ظاهرة، وحامة الرجل: اقاربه وخاصته من اهله وولده، والأسرة: رهط الرجل واصلها من الأسر وهو الشدة لأن الرجل يشتد برهطه وعشيرته ويقوى بهم.
ومن معانيه أن الأسرة قيد للرجل بما يجب عليه من الإنفاق عليهم وتعاهدهم والذب عنهم.
فما ان بدء النبي صلى الله عليه وآله وسلم باعلان الدعوة الى الإسلام حتى اظهرت له قريش واغلب خاصته العداوة والبغض واشكال الأذى، ولم يتردد صلى الله عليه وآله وسلم في محاربتهم من اجل دعوتهم للإسلام واعلاء كلمته فكانت معركة بدر الكبرى وما تجسده مقدماتها وغاياتها وتفاصيلها ومناسبتها ونتائجها من دروس اسلامية في باب الجهاد في مرضاة الله، فكان في القتلى من المشركين نفر من بني امية وبين الأسرى بعض بني هاشم , وأحد أعمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو العباس بن عبد المطلب.
بيان لأولوية الجهاد عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فحينما حصل التعارض بين الرسالة وحمل اعبائها وبين صلة الرحم، فانه قدم المسؤولية السماوية وكانت مودته متفرعة عن الإيمان بالرسالة، والدعاء مدرسة في العمل الجهادي وجعل المدار على الإيمان، وهو بعث للحضارة الفكرية عند المسلمين والإستعداد للجهاد النفسي والإجتماعي لمنع تبديد الطاقات الإيمانية وما يحول او يعرقل سبل توجيهها مجتمعة او متفرقة نحو الغايات الإسلامية الكبرى وترسيخ دعائم الدين.
لِأَمْرِكَ نَفْسَهُ وَعَرَّضَ فِيكَ لِلْمَكْرُوهِ بَدَنَهُ وَكَاشَفَ فِى الدُّعَاءِ إِلَيْكَ حَامَّتَهُ وَحَارَبَ فِى رِضَاكَ أُسْرَتَهُ وَقَطَعَ فِى إِحْيَاءِ دِينِكَ رَحِمَه(11)
(11) دافع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الإسلام حتى بوجه ذوي الرحم واقاربه ممن انكر واستكبر واظهر الكفر بآيات الله.
وقرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم اليه الأبعدين عنه في النسب والمستضعفين ممن اعلن تصديقه بالنبوة وثبت على الإيمان وهو من رشحات قوله تعالى تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، ومن الإعجاز أنه لم يأت إلا بعد نزول قوله تعالى وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ، وعن الإمام علي عليه السلام لما نزلت هذه الآية (دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال يا علي ان الله أمرني أن أنذر عشيرتي الاقربين فضقت ذرعاً ، وعرفت أني مهما أبادؤهم بهذا الامر أرى منهم ما أكره .
فصمت عليها حتى جاء جبريل فقال : يا محمد إنك إن لم تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك ، فاصنع لي صاعاً من طعام ، واجعل عليه رجل شاة ، واجعل لنا عسا من لبن ، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغ ما أمرت به ، ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه ، فيهم أعمامه أبو طالب ، وحمزة ، والعباس ، وأبو لهب .
فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به ، فلما وضعته تناول النبي صلى الله عليه وسلم بضعة من اللحم فشقها باسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة ثم قال : كلوا بسم الله . فأكل القوم حتى تهلوا عنه ما ترى إلا آثار أصابعهم . والله إن كان الرجل الواحد ليأكل ما قدمت لجميعهم .
ثم قال : اسق القوم يا علي ، فجئتهم بذلك العس فشربوا منه حتى رووا جميعاً . وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله . فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال : لقد سحركم صاحبكم . فتفرق القوم ولم يكلمهم النبي صلى الله عليه وسلم .
فلما كان الغد قال : يا علي ان هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول ، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم ، فعد لنا بمثل الذي صنعت بالأمس من الطعام والشراب ثم اجمعهم لي . ففعلت ، ثم جمعتهم ، ثم دعاني بالطعام فقربته ، ففعل كما فعل بالأمس فأكلوا وشربوا حتى نهلوا ، ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم أحداً في العرب جاء قومه بافضل مما جئتكم به ، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله ان أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على أمري هذا فقلت وأنا احدثهم سناً : إنه أنا . فقام القوم يضحكون)( ).
والحب كيفية نفسانية وميل قلبي باتجاه المقصود بالمحبة، وتارة يكون الحب لمدركات عقلية واخرى لأسباب عاطفية او شهوية، وحب الله عز وجل من المدركات العقلية وهو من اوليات الإيمان ومرحلة ابتدائية من مراتب الكمالات الإنسانية وسبيل لنيل الحظوة والكرامة عند الله تعالى وآلة للتخلص من الكدورات الظلمانية وقوة محركة لإتيان الفرائض وحسن الإمتثال وهو سبيل للتخلص من امراض النفس وادرانها، ومن الحب في الله محبة اهل الإيمان وبغض اهل الكفر والجحود .
وَأَقْصَى الْأَدْنَيْنَ عَلَى جُحُودِهِمْ وَقَرَّبَ الْأَقْصَيْنَ عَلَى اسْتِجَابَتِهِمْ لَكَ. وَوَالَى فِيكَ الْأَبْعَدِينَ وَعَادَى فِيكَ الْأَقْرَبِينَ(12) وأَدْأَبَ نَفْسَهُ فِى تَبْلِيغِ رِسَالَتِكَ وأَتْعَبَهَا بِالدُّعَاءِ إِلَى مِلَّتِكَ(13)
وقد بذلت قريش جهوداً لطرد فقراء المؤمنين من حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجاء المدد من السماء بنزول القرآن في لزوم تعاهد المؤمنين وابقائهم مقربين من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبذا يظهر فضل الله تعالى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى الأمة في تحديد سنخية واتجاه الحب وكيفياته ومواضعه وغاياته.
(12) لقد قرب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصر وآزر واستوثق اهل الإيمان وان بعدوا عنه في النسب والموطن، وحارب وجاهد أعداء الدين وان جمعهم وإياه نسب او سبب.
عن الإمام الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه أي عرى الإيمان اوثق فقالوا الله ورسوله اعلم، قال بعضهم الصلاة وقال بعضهم الزكاة وقال بعضهم الحج والعمرة، وقال بعضهم الجهاد، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لكل ما قلتم فضل وليس به ولكن اوثق عرى الإيمان الحب في الله والتبرء من اعداء الله
والبغض في الله، وتوالي أولياء الله، والتبري من أعداء الله( ).
(13) أدأب نفسه : اجهدها، والتبليغ: الإيصال، والرسالة: اسم من الإرسال والتوجيه، ورسالة الله هي التكليف بالنبوة وتبليغ احكامه بواسطة ملك.
والملة : الدين والشريعة ، وفي التنزيل وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ.
لقد اجتهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تبليغ رسالة الإسلام وما جاء به الوحي من عند الله عز وجل وبذل كل شيء وتحمل الأذى في الحرص على دعوة الخلق الى الحق والمبالغة في نصحهم وحثهم على الرجوع الى الحنيفية.
والدعاء بيان في توسل وثناء على جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لإعلاء كلمة الإسلام والذي بدأ منذ الأيام الأولى للبعثة النبوية واتصاله بالقبائل العربية والوجهاء واستثماره الموسم وتعرضه للأهوال والأخطار كما ان هجرته لم تأت الا عن حاجة وضرورة واضطرار.
فان مبيت الإمام عليه السلام في فراشه ليلة الهجرة الى المدينة وعزم قريش على قتله ليلتها يدل على المخاطر المحدقة به لو بقي في مكة المكرمة، والدعاء توثيق واخبار لكل مسلم بما لاقاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سبيل الله لحمل النفوس على الصبر في جنب الله والتأسي به صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي التنزيلوَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ.
وَشَغَلَهَا بِالنُّصْحِ لِأَهْلِ دَعْوَتِكَ(14)
(14) كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستمع الى مختلف الطبقات من الناس ويجلس مع الضعفاء من اهل الإسلام مستثمراً ذلك في خلق نواة مجتمع اسلامي رائده القرآن.
ومن المعروف ان السنة النبوية على ثلاثة وجوه :
الأول : سنة قولية.
الثاني : سنة فعلية.
الثالث : سنة تقريرية.
وقد أضفنا لها وجوهاً وأقساماً أخرى منها :
الرابع : السنة التدوينية .
الخامس : السنة الدفاعية .
وكان مجموع سنته صلى الله عليه وآله وسلم دعوة الى الله عز وجل واصلاح للمجتمعات وتهذيب للنفوس، فكان صلى الله عليه وآله وسلم يؤسس قواعد شرعية واجتماعية واخلاقية , وكان يبني صرح المجتمع الإسلامي وفق احكام السماء وهو الأمر الذي يبدو ظاهراً للعيان وسـبّب حســد الآخرين ومحاولتهم بث الفرقة بين المسلمين، قال تعالىأَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا، لذا يمكن القول ان الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنوان الوحدة الإسلامية ومدخل للأخــوة الإيمانــية فـهي امـر جاء به القرآن، وتميل له النفوس وتشتاق له المجتمعات الإسلامية على اختلاف مشاربها وطبقاتها.
وَهَاجَرَ إِلَى بِلَادِ الْغُربَةِ وَمَحَلِّ النَّأْىِ عَنْ مَوْطِنِ رَحْلِهِ وَمَوْضِعِ رِجْلِهِ وَمَسْقَطِ رَأْسِهِ وَمَأْنَسِ نَفْسِه(15)
(15) هاجر مهاجرة : اذا خرج من أرض الى أخرى مفارقاً وطنه وقومه، والبلاد جمع بلدة وهي مأوى وموطن جماعة من الناس.
والغربة : البعد والنوى، والنأي: البعد، والموطن والوطن مكان الإنسان ومقره، والرجل جاء كناية عن اقامته، وموضع رحله: منشؤه ومرباه، ومسقط رأسه: موضع ولادته.
لقد ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة وهي افضل بقاع الأرض ومدينة آبائه الى الطائف ثم مرة اخرى الى يثرب حيث تكونت ونشأت وسادت دولة المسلمين، وقيل ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين حين بلغ الجحفة( ) في مهاجرة اشتاق الى مسقط رأسه ومولد آبائه وحرم ابراهيم فنزل جبرئيل وقال له: اتشتاق الى مكة؟ قال: نعم فاوحى الله اليه إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ.
وهكذا دائماً تأتي البشارة الإلهية مع العزم والقيام بالفعل العبادي
إِرَادَةً مِنْهُ لِإِعْزَازِ دِينِكَ وَاسْتِنْصَاراً عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ بِك(16)
والجهادي في جنب الله، ولكن هذا لا يعني انعدام المشقة في الهجرة، فالسفر بالذات فيه مشقة وعناء ومخاطر محتملة فكيف بالهجرة من دار الأهل والأحبة لكثرة الأعداء فيها الى دار غربة يجهل حال اهلها.
ولو اخذنا بالقياس لأتضح احتمال تعذر الهجرة، ولكنها جاءت بامر سماوي ولبطلان القياس في هذه الصورة فالخوف من الأعداء بين الأهل مع قوة شوكتهم وعند البيت الحرام لا يعني بالضرورة بطش الأعداء وكثرتهم واتساع نفوذهم في بلاد الهجرة الإفاضات الملكوتية التي تحيط بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم الا ان هذا لا يمنع من ركوب الأهوال واحتمــال التعرض للمخاطــر والأذى كما حصل له صلى الله عليه وآله وسلم في هجرته الى الطائف لتتجلى مصاديق من الوحي والصبر اذ ان جهاده وهجرته صلى الله عليه وآله وسلم عنوان عز وفخر ، وهو عمل مبارك انحل الى منافع عظيمة نالها كل مسلم في النشأة الدنيا وهيأ اسباب الفوز في الآخرة ، وفي التنزيل وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
(16) لم يترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة والحرم الا لإعلاء كلمة التوحيد والبحث عن اســس راســخة لبناء الإســلام وتهيئة المناخ المناســب لتلقي اوامــر الوحي وحفظ القرآن وآياته ولجمع الجنود والأعوان والانصار وتجنيد البلدان لمواجهة الكفر ومحاربته ودحره.
فالدعاء يبين موضوع الهجرة اسبابها وغاياتها فهي جزء من وظائف الرسالة مع ان ترك الأهل والوطن ليس بالأمر الهين، خصوصاً وان الجهة
حَتَّى اسْتَتَبَّ لَهُ مَا حَاوَلَ فِى أَعْدَائِكَ وَاسْتَتَمَّ لَهُ مَا دَبَّرَ فِى أَوْلِيَائِك(17)
المقصودة مجهولة وغير مأمونة، وفعلاً حاول المنافقون التآمر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة ولكنه مضى في جهاده وسعيه في نشر الإسلام طلباً لمرضاته تعالى وامتثالاً لأوامره واتباعاً للوحي النازل عليه.
(17) استتب : تهيأ واستقام واستمر، والمحاولة: طلب الشيء او ارادته بحيلة، واستتم أي تم واستقر، ودبر الأمر تدبيراً أي فعله عن فكر وتخطيط، لقد جاهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى استقام وتبين طريق الظفر باعداء الدين بعد ان وهنوا وكبتوا وضعفوا مقابل الإسلام وانتصارات رجاله ومغازيه واستبشر احباء الله والمخلصون من عباده بالنصر والعزة والرفعة ، قال تعالىوَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
ونزلت الآية التي تسمى آية السيف اكثر المفسرين أنها ناسخة لعشرات من آيات الصلح والموادعة وهي قوله تعالى فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وان لم يثبت أكثر النسخ المتعدد الذي ذكروه ، ولم يرد لفظ سيف في القرآن.
ويبين الدعاء فضل الله تعالى في تثبيت دعائم الدين ، وفيه مدح للنبي
َفَنَهَدَ إِلَيْهِمْ مُسْتَفْتِحاً بِعَوْنِكَ وَمُتَقَوِّياً عَلَى ضَعْفِهِ بِنَصْرِكَ فَغَزَاهُمْ فِى عُقْرِ دِيَارِهِمْ. وَهَجَمَ عَلَيْهِمْ فِى بُحْبُوحَةِ قَرَارِهِمْ حَتَّى ظَهَرَ أَمْرُكَ وَعَلَتْ كَلِمَتُكَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ(18)
صلى الله عليه وآله وسلم من وجهين:
الأول: انه واظب بدأب في الجهاد في سبيل الله ، واختار العناء والتعب في حمل الرسالة الى ان ظهر دين الله عز وجل.
الثاني: انه بلغ الغايات السماوية من الرسالة ولم يقف عند بعض المراحل او يتردد في تبليغ آية او انفاذ حكم فاستحق الصلاة عليه بفضله تعالى.
(18) نهد للعدو : أي نهض وبرز ، واستفتح : سأل الفتح استنصاراً، والباء للإستعانة، والنصر في المقام : الإعانة المؤدية الى الفوز والغلبة مباشرة كانت او بالواسطة.
لقد توكل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ربه وخالقه الذي انزل على صدره القرآن وتوجه بالجهاد بصيغة الدفاع ودفع قريشاً ذات المنعة والنفوذ بين القبائل وقيل كان مجموع سرايا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ستاً وعشرين سرية وكتيبة، وجميع سراياه ستاً وثلاثين سرية .
والمراد من الغزو هنا صبح الحديبية وفتح مكة , والمختار أن النبي محمداً لم يغز أحداً وبه جاءت الأجزاء ((159-160-161-163-164-165-166-167-169-171-172 @@) من تفسيري للقرآن ، وصار يوم فتح مكة عيداً خالداً ، قال تعالى هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
اللَّهُمَّ فَارْفَعْهُ بِمَا كَدَحَ فِيكَ إِلَى الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا مِنْ جَنَّتِكَ(19)
وفي الدعاء اشارة الى عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى مكة بجيوش المسلمين وليس بمفرده مما يدل على الفلاح والتوفيق في الهجرة المباركة، وان الكتائب والسرايا كانت في سبيل اعلاء كلمة الدين وليس لإعتبارات شخصية او قبلية.
ان الدعاء ذكر لله بما فيه من استعراض كريم لسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجهادية وهو تأديب للمسلمين وتعزيز لمقامه صلى الله عليه وآله وسلم في النفوس.
(19) إلهي تفضل علينا وارفع منزلة نبيك صلى الله عليه وآله وسلم ودرجته في الجنة بما بذله في سبيلك واعلاء كلمة الإسلام فسخر نفسه واهل بيته واصحابه وما ملكت يداه لبناء الدين ساعياً مخلصاً في ابقاء كلمة التوحيد في الأرض .
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة ينادي في البيت الحرام ، وفي موسم الحج في منى (قولوا لا إله إلاّ اللّه تفلحوا)( ).
لقد جاء الثناء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضمن الدعاء ومناجاة الباري عز وجل، وليس فيه خروج عن العبودية وآداب مخاطبة الربوبية لأن موضوع الثناء ومتعلقه هو الدفاع في سبيل الله تعالى والإستجابة لأمره وبيان آيات توفيقه وهدايته لذا فهو ملحق بالذكر، وصار كالمقدمة لسؤال المراتب العالية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما بذله في ذات الله.
حَتَّى لَا يُسَاوَى فِى مَنْزِلَةٍ وَلَا يُكَافَأَ فِى مَرْتَبَةٍ وَلَا يُوَازِيَهُ لَدَيْكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِىٌّ مُرْسَل(20)
(20) ساواه مساواة : عادله وماثله .
والمنزلة : المكانة والجاه.
وكافئ فلان فلاناً مكافأة وكفاه أي ماثله وتساوى معه.
والمرتبة هي المنزلة والدرجة ومقدار الجاه، اللهم اجعل نبيك محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في الدرجة العليا من الجنة والمنزلة الرفيعة والمكانة ذات القرب وعظيم الفضل والجاه التي يغبطه عليها الخلق جميعاً.
عن ابي سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الوسيلة درجة عند الله ليس فوقها درجة ، فسلوا الله أن يؤتينيها( ).
وفي خبر آخر : الوسيلة درجة في الجنة ليس في الجنة درجة اعلى منها فاسألوا الله ان يؤتينيها على رؤوس الخلائق.
لقد جاء الدعاء أداء لوظائف الإمامة واحكام الذرية الطاهرة واستجابة لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسؤال المراتب العالية له، وفيها عز للمسلمين ومقدمة كريمة لنيل شفاعته صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة واقرار بحقه على كل مسلم واظهار للتصديق برسالته.
وَعَرِّفْهُ فِى أَهْلِهِ الطَّاهِرِينَ وَأُمَّتِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ حُسْنِ الشَّفَاعَةِ أَجَلَّ مَا وَعَدْتَه(21)
(21) بعرفه الأمر تعريفاً : اعلمه اياه واطلعه عليه، ووصف اهل البيت
بالطاهرين يعني ابتعادهم عن الدنس والرجس وخلو اعمالهم من الإثم في اشارة الى آية التطهير ، وجل الشيء يجل جلالاً وهو جل جليل أي عظيم، في تفسير قوله تعالى عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا.
قال ابن عباس : مقام يحمدك فيه الأولون والآخرون وتشرف فيه على جميع الخلائق تسأل فتعطى، وتشفع ليس احد الا تحت لوائك، وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم انه قال : اول من اشفع له يوم القيامة اهل بيتي ثم الأقرب.
والظاهر تعلق حق الشفاعة للغير، باهل البيت والمؤمنين وفي ذلك احاديث كثيرة وروي ان اقل المؤمنين شفاعة من يشفع في ثلاثين الفاً، وفي قوله تعالى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى، قال الإمام علي عليه السلام ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: اذن لا ارضى وواحد من امتي في النار.
يَا نَافِذَ الْعِدَةِ يَا وَافِىَ الْقَوْلِ يَا مُبَدِّلَ السَّيِّئَاتِ بِأَضْعَافِهَا مِنَ الْحَسَنَات(22)
(22) العدة : الوعد، ووعده ماضٍ لا مرد له فهو اصدق القائلين والأشياء جميعاً مستجيبة له، ووافي القول أي صادقه والذي يفي بما وعد من الخير، يا منجز الوعد كرماً منك واحساناً تفضل علينا بامضاء الشفاعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم
واعلاء منزلته انك تمحو السيئات بل وتبدلها بما يحل محلها من الحسنات فضلاً منك وبحمدك وكرمك ونعمتك ومنك وتضاعف تلك الحسنات.
عن الإمام الرضا عليه السلام: اذا كان يوم القيامة اوقف الله المؤمن بين يديه وعرض عليه عمله فينظر في صحيفته فأول ما يرى سيئاته فيتغير عند ذلك لونه فيقول الله عز وجل بدلوا سيئاته حسنات واظهروها للناس، قال تعالى فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا .
في الدعاء نكتة من فلسفة الدعاء وهي ان السؤال جاء بصيغة المدح والثناء فظاهره الحمد والتمجيد بالباري عز وجل وذكر فضله وعظيم رحمته، مع بيان المسألة والحاجة في ثناياه ومن غير تعارض بينهما، وهي مدرسة في الدعاء والمسألة ، والله يعلم السرائر والحاجات ، وفي التنزيل يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى.
ولا ينحصر موضوع الدعاء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم او جماعة المؤمنين بل هو مطلق لأن مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند الله
إِنَّكَ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(23).
تترشح منه بركات على المسلمين ولأن سؤال إبدال السيئات بالحسنات تتعلق باهل الذنوب من المسلمين ، انه رجاء وأمل والله عز وجل لا يخيب من رجاه.
(23) الفضل : الخير والإنعام والإحسان ابتداءاً .
والعظيم : الهائل الكبير وهو فوق الكبير، جاء هنا صفة للفضل، اختتم الدعاء بتمجيد الله عز وجل والإقرار بفضله في رجاء وثقة وطمأنينة وتوقع متفائل للإستجابة وفي التنزيلوَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا.
وهذه اللغة في الدعاء ادب وتضرع وتوكيد للمسألة وللإستجابة ايضاً وهي مستقرأة من القرآن، وتصلح خواتم بعض الآيات ان تكون قواعد كلية كما بيناه مفصلاً في معالم الإيمان في تفسير القرآن وتأتي خواتيم الدعاء غاية في التوسل وتظهر الشوق الى الله تعالى وعشق لطفه والوثوق من حسن استجابته وهي عهد على الإيمان بالبقاء على الرجاء والأمل والإنقطاع اليه تعالى في المسألة وفي التنزيل وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ.
الدعاء الثالث
وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِى الصَّلَاةِ عَلَى حَمَلَةِ الْعَرْشِ وَكُلِّ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ
اللَّهُمَّ وَحَمَلَةُ عَرْشِكَ الَّذِينَ لَا يَفْتُرُونَ مِنْ تَسْبِيحِكَ وَلَا يَسْأَمُونَ مِنْ تَقْدِيسِكَ(1)
(1) الواو في وحملة عرشك للإستئناف، وحملة: مبتدأ، العرش: سرير الملك، وعرش الله تعالى في هذا المورد هو الجسد المحيط بالكرسي وظن بعضهم انه الفلك الأعظم.
وفي رواية عن النبي محـمــد صلى الله عليه وآله وسلم : ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ، وأن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة( ).
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم قال العرش يحمله اليوم اربعة ويوم القيامة ثمانية( ).
وفتر يفتر فتوراً : سكن بعد حدة وهدأ بعد شدة، والتسبيح هو القول سبحان الله وتنزيه مقامه تعالى ويأتي بمعنى الذكر، والسأم: الضجر والملل، والتقديس: التنزيه والتعظيم والإجلال اذ ان حملة العرش والملائكة المقربين دائبون في التســبيح , منقطعون إلى الذكر وتنزيه الله عز وجل وتعظيم مقام ربوبيته المطلقة. قال تعالى يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ.
مع ان الواو في بداية الدعاء للإستئناف ففيها اشارة الى العطف في مواضيع الأدعية ودلالة على الترتيب غير الإتفاقي بينها، وفيها توكيد على وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ مِنْ عِبَادَتِكَ وَلَا يُؤْثِرُونَ التَّقْصِيرَ عَلَى الْجِدِّ فِى أَمْرِكَ وَلَا يَغْفُلُونَ عَنِ الْوَلَهِ إِلَيْكَ(2)
صدور الأدعية وترتيبها من قبل الإمام عليه السلام، فالصلاة على حملة العرش جــاءت متعقبة للصــلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما يدل على عظيم منزلته عند الله من غير ان يكون هذا التقديم اقلالاً من شأن الملائكة كما إن افرادهم بدعاء خاص هو ايضاً من خصائص الأئمة فقلما يلتفت المكلف الى مدح الملائكة والدعاء لهم، ان الإيمان بالملائكة اقرار بالبعثة النبوية وهم رسل الله الى انبيائه لا تعتريهم فترة عن التسبيح، متلبسين باعلى مراتب الإخلاص في العبودية.
(2) يواظب الملائكة على اداء العبادات الباهظة الدؤوبة في جميع الأزمان والأوقات ، ولا يتخلل ذلك الفترة سكون او قنوط او ضعف او وهن او فراغ، ويبتعدون عن التقصير في طاعة الله ، وعن النقصان في التسبيح ويبادرون بحزم الى تنفيذ ما يأمرهم الله به وما يرضيه عنهم وهم مع ذلك بعيدون عن الغفلة التي هي من اعراض الذات الإنسانية، وهم حريصون على ما يستوجب اعلى صنوف الأخلاص في العبادة قال تعالى وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ.
والدعاء مدح وثناء للملائكة , وفيه مسائل :
الأولى : مدح اهل الإخلاص في العبادة نوع تقرب الى الله تعالى.
الثانية : انه مقدمة للدعاء والمسألة.
الثالثة : إكرام أولياء الله عز وجل.
وَإِسْرَافِيلُ صَاحِبُ الصُّورِ الشَّاخِصُ الَّذِى يَنْتَظِرُ مِنْكَ الْإِذْنَ وَحُلُولَ الْأَمْرِ فَيُنَبِّهُ بِالنَّفْخَةِ صَرْعَى رَهَائِنِ الْقُبُور(3)
الرابعة : الإتعاظ والإعتبار من سيرة الملائكة مع عظيم خلقهم.
الخامسة : تعليم المسلمين الدعاء للأولياء واهل الإيمان والتقوى.
السادسة : اشاعة مضامين العبادة.
السابعة : حث المسلمين على الإرتقاء في منازل العبادة والإقتداء بالملائكة.
الثامنة : الشعور بالذل والتقصير في العبادة مقارنة مع اجتهاد الملائكة وتفانيهم في التسبيح والعبادة.
التاسعة : مع عجزنا عن بلوغ درجات الملائكة في العبادة فاننا نتوسل إلى الله تعالى بهم وبذكر عبادتهم.
العاشرة : يدل استحضار ذكر الملائكة على الفقه العقائدي والتفات المسلم لقبائل واصناف المؤمنين.
الحادي عشرة : انه مناسبة كريمة وسبب لدعاء الملائكة وصلاتهم على صاحب الدعاء وقارئه.
(3) اسرافيل عطف على (حملة عرشك) خص بالذكر لعظيم منزلته بين الملائكة ولأهمية وخطورة وظيفته وهو اقرب الملائكة الى الله عز وجل وبينه وبين الله سبعة حجب، روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان ملك الله الذي يليه اسرافيل وهو فاتح عينيه لا يطرف منذ خلقه الله متهيأ لتنفيذ ما يأمر الله به.
عن ابي سعيد الخدري ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: كيف انتم وصاحب الصور وقد التقم القرن وحنا جبهته واضع سمعه ينتظر متى يؤمر فينفخ قالوا : فما تقول يا رسول الله قال قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل، وفي رواية اخرى عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال: لما فرغ الله من خلق السماوات والأرض خلق الصور فاعطاه اسرافيل عليه السلام فهو واضعه على فيه شاخص بصره الى العرش متى يؤمر قيل يا رسول الله ما الصور قال القرن، قيل: كيف هو؟ قال: عظيم والذي نفسي بيده ان عظم دارت فيه كعرض السماوات والأرض فيؤمــر بالنفخ فيه فيــنفخ نفخــة لا يبقى عندهــا في الحياة احد الا من شاء الله تعالى وذلك قوله تعالى وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثم امر اخرى فنفخ نفخة لا يبقى معها ميت الا بعثه الله وقام وذلك قوله تعالى ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ.
وفي رواية ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال “ان ملكاً من حملة العرش يقال له اسرافيل، زاوية من زوايا العرش على كاهله، قد مرقت قدماه في الأرض السابعة السفلى، ومرق رأسه من السماء السابعة في مثله من خليقة ربكم تعالى”( ).
لذا يمكن ان يكون عطف اسرافيل من عطف الخاص على العام ايضا، وقد ورد ان اسرافيل نزل في ليلة الإسراء واصطحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو جبرئيل الا ان يقال بعدم التعارض بين نزوله ومشاركته في وَمِيكَائِيلُ ذُو الْجَاهِ عِنْدَكَ وَالْمَكَانِ الرَّفِيعِ مِنْ طَاعَتِكَ(4).
حمل العرش وفق نواميس السماء سواء كان بالإذن المؤقت من حمل العرش، ومجيء الأمر الإلهي بالنزول او بإمكان جمع الوظيفتين معاً في آن واحد بقدرته تعالى وبديع خلقه للملائكة.
في خطبة راحيل في البيت المعمور في جمع من اهل السماوات السبع برواية الصدوق عن بعض الكتب: الحمد لله الأول قبل أولية الأولين، الباقـي بعد فنــاء العالمـين، نحمـده اذ جعلنـا مــلائكــة روحانيين، وبربوبيته مذعنين وله على ما انعم علينا شاكرين، حجبنا من الذنوب وسترنا من العيوب اسكننا السماوات وقربنا الى السرادقات وحجب عنا النهم للشهوات، وجعل شهوتنا في تقديسه وتسبيحه، الباسط رحمته الواهب رحمته جل عن الحاد اهل الأرض من المشركين وتعالى بعظمته عن افك الملحدين ثم قال بعدها اختار الملك الجبار صفوة كرمه، وعبد عظمته لأمته سيدة النساء( ).
(4) روي ان ميكائيل ملك موكل بارزاق الأجساد والمعرفة للنفوس والسحب وانزال المطر ونمو النبات وألإنتفاع من المعادن وله جنود واعوان في تنفيذ ما يأمره الله به، اخرج الديلمي عن ابي امامة ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: اسم ميكائيل عبيد الله وكأنه اصغر من جبرئيل الذي معناه عبد الله.
ولميكائيل منزلة وجاه عند الله ومكانة متقدمة في تقوى الله وطاعته وتنفيذ كل يؤمر به من غير تحريف او تهاون او ضعف او تقصير.
وروي عن امير المؤمنين عليه السلام قال: مؤذن اهل السماوات جبرئيل وامامهم ميكائيل يؤم بهم عند البيت المعمور قال تعالى قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ، وميكائيل ذكرت فيه ست لغات، منها ميكال وقيل هي لغة اهل الحجاز وميكئيل، وميكاييل.
وذكر ابن كثير في تفسيره عن الزهري عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: اسم جبريل عبد الله ، واسم ميكائيل عبيد الله ، واسم اسرافيل عبد الرحمن،وكل شيء راجع إلى ايل فهو معبد لله عز وجل( ).
وعن ابن عباس: جبر، وميكا، واسرا كلها بالأعجمية بمعنى عبد ومملوك، وايل اسم الله تعالى.
وتدل الآية الكريمة اعلاه في مفهومها على لزوم محبة الملائكة والإيمان بما جاءوا به من عند الله.
وفي الخبر حينما اتى عبد الله بن صوريا وهو من علماء اليهود الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لسؤاله، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد كلام واختبار بقيت خصلة إن قلتها آمنت بك، أي ملك يأتيك بما تقول عن الله؟ قال: جبريل. قال ان ذلك عدونا ينزل بالقتال والشدة، ورسولنا ميكائيل يأتي بالبشر والرخاء فلو كان هو الذي يأتيك آمنا بك.
ومبدأ هذه العداوة أن الله تعالى انزل على نبينا أن بيت المقدس سيخرب في زمان رجل يقال له بختنصر ووصفه لنا فطلبناه فلما وجدناه بعثنا لقتله رجالاً فدفع عنه جبريل وقال ان سلطكم الله على قتله فهذا ليس هو ذاك وَجِبْرِيلُ الْأَمِينُ عَلَى وَحْيِكَ الْمُطَاعُ فِى أَهْلِ سَمَاوَاتِكَ الْمَكِينُ لَدَيْكَ الْمُقَرَّبُ عِنْدَكَ(5)
الذي اخبر الله عنه انه سيخرب بيت المقدس فلا فائدة في قتله، ثم انه كبر وقوى وملك وغزانا وخرب بيت المقدس وقتلنا، فلذلك نتخذه عدواً واما ميكائيل فانه عدو جبريل)( ).
وليس من عداوة بين الملائكة فلذا جاء الدعاء بالإيمان بالملائكة على نحو العموم المجموعي من غير تفريط او اخلال بمحبة احدهم وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تتفكروا في عظم ربكم ولكن تفكروا فيما خلق الله تعالى من الملائكة …الحديث.
(5) الأمين : الذي يحفظ ما استودع ويمنع عنه الخلل ويحرص على عدم تحريفه، والمكين: ذو المنزلة والجاه يقال: مكن عند الملك مكانة: عظم عنده وارتفع، والمقرب: القريب منزلته والمقدم في الرتبة والإكرام وجبرئيل من افضل الملائكة.
قال ابن عباس: جبرئيل عبد الله وقيل اسمه في الملائكة خادم الله، وهم يطيعون امره ويرجعون الى رأيه، عن معاوية بن مرة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لجبريل ما احســن ما اثني عليك ربك ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ.
فما كانت قوتك وما كانت امانتك قال: اما قوتي فاني بعثت الى مدائن لوط وهي اربع مدائن وفي كل مدينة اربعمائة الف مقاتل سوى الذراري فحملتهم من الأرض السفلى حتى سمع اهل السماء اصوات الدجاج ونباح الكلاب ثم هويت بهم فقتلتهم واما امانتي فلم اؤمر بشيء فعدوته الى غيره.
ذكرت في جبريل نحو عشرة لغات، منها جبريل، بكسر الجيم ، واخرى بفتح الجيم، وجبرئيل وهي قراءة اهل الكوفة وتميم قيس، وجبرئل، وجبرين، وجبرئين، ومنهم من قال: انه اسم اعجمي عربته العرب، لذا تعددت به اللغات ولا ينصرف، والأقرب انه اسم عربي، وتعدد اللغات في التسمية للتسامح وتباين الألسن فيما اعتادت عليه من الألفاظ وصيغ التفخيم لاسيما مع عدم وجود فرد آخر بهذا الإسم.
وفي بيان المفاضلة والترجيح بين جبرئيل وميكائيل ذكر الرازي وجوهاً ثلاثة:
الأول: تقديم جبرئيل على ميكائيل في الآية المتقدمة، وتقدم المفضول على الفاضل في الذكر مستقبح عرفاً.
الثاني: ان جبرئيل عليه السلام ينزل بالقرآن والوحي والعلم وهي مادة بناء الأرواح، وميكائيل ينزل بالخصب والأمطـار والعلم اشرف.
الثالث: ان جبرئيل ذكر بوصف المطاع [مطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ] يحمل على الإطلاق أي ان ميكائيل يطيعه فهو افضل منه، وقد ناقشنا الوجوه الثلاثة بالتفصيل في مباحث التفسير وانها لا تدل على الأفضلية، فالتقديم بالذكر لا يدل على الأفضــلية الا مع القــرينة وقـدم الله عز وجل في احدى الآيات هارون على موسى، قال تعالى فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى.
مع ان هارون نبي وموسى من الرسل أولى العزم، و(مطاع) لا يحمل على الإطلاق وهو امر انفرد به سبحانه كما انفرد بحرف من حروف الإسم الأعظم وهو عنوان القدرة المطلقة والربوبية.
ومع هذا فان جبرئيل يحتل المنزلة السامية والدرجة الرفيعة ، وله عند كل مسلم منزلة وحب واجلال خاص به، فهو الواسطة المباركة لنزول القرآن ونرجو ان يكون شاهداً يوم القيامة على تعاهدنا للقرآن واحكامه، فالمسلمون سيستقبلون يوم البعث والنشور بعمل مبارك وهو حفظ القرآن وعدم وصول يد التحريف اليه، وكأنهم يؤدون الأمانة ويعيدون العهد والميثاق مقروناً بالعمل الصالح والإمتثال لما فيه من الأوامر والنواهي.
لقد حاول بعضهم النيل من جبرئيل وان ينزل بالحرب، اما الحقيقة الكامنة وراء هذه المحاربة فهي بغضهم له لأنه نزل بالقرآن وعلى صدر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، هذا البغض المترشح عن الجهل والإرباك الفكري الذي اوجده كبراؤهم ورهبانهم ووعدهم لليهود ببعثة نبي آخر الزمان من بينهم، ولذا جاء الى المدينة وسكنوا فيها، وليس لجبرئيل في الأمر شيء انما هو امين او بلغ ما امره الله به من غير
تبديل او تغيير، لذا فالدعاء فيه مسائل :
الأولى : الدعاء جهاد في سبيله تعالى بتثبيت الحقائق القرآنية.
الثانية : انه نصح للذين يبغضون جبرئيل ، وفي التنزيل مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ.
الثالثة : نهي ومنع من معاداة جبرئيل.
الرابعة : واقية وحرز للمسلمين وحائل دون تأثرهم باقوال اهل التحريف والضلال.
الخامسة : بيان المسؤوليات الجسام التي قام ويقوم به جبرئيل.
السادسة : التقرب الى الله بالصلاة على جبرئيل.
السابعة : نيل شفاعته يوم القيامة أي ان الدعاء ادخار ليوم الحساب.
الثامنة : اعراض المؤمنين عن مقولات الجحود.
التاسعة : تأديب المسلمين والحرص على دوام ودهم وحبهم لأهل بيت العصمة والرسالة.
العاشرة : يدل الدعاء بالدلالة الإلتزامية على التصديق بالوحي وبكل ما جاء به جبرئيل من عند الله عز وجل وامر به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الحادية عشرة : يبين الدعاء الوظائف العظيمة والخصائص التي تتصف بها الصحيفة السجادية في شد عضد المسلمين واقبالهم على القرآن.
في الدعاء مسائل:
الأولى : انه بيان واظهار لعظمة الملائكة وبديع خلقهم وهو طريق لإثبات الصانع.
الثانية : فيه مدح وثناء للقائمين على امور العرش وشؤون السماء.
الثالثة : انه صلة بين اهل الأرض واهل السماء.
الرابعة : تثبيت كبرى كلية وهي ان المسلمين هم الذين يذكرون الملائكة بالمدح بعد ان امتثلوا فاستجابوا لما نزلوا به من عند الله.
الخامسة : تنمية المعارف الإلهية عند المسلمين بالإطلاع على احوال كبار الملائكة
السادسة : شخوص الأبصار الى عالم السماء وفيه تخليص للنفس من شوائب الدنيا والإهتمام الزائد بهمومها.
وَالرُوحُ الذّي هو عَلى ملائكة الحُجُبِ(6)
(6) والروح هنا اسم من يتولى الإشراف على الملائكة فيما فوق السماوات وقيل انهم لكثرتهم لا يعرف بعضهم بعضاً ويمكن ان يكون عدم المعرفة هذا لإنقطاعهم الى العبادة وقيد عقولهم في محبة الله ، قال تعالى يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ.
وفي حديث الإسراء وعند السماء السابعة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم رأينا ملكاً قد افترقت رجلاه من الأرضين السفلى وافترق رأسه من السماء السابعة العليا غلظ كل جناح من اجنحته مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل جناحين مسيرة خمسمائة عام للراكب المسرع ومن لدن رأسه الى منتهى قدميه ممتلئ وجوهاً ونوراً، وفي كل جزء منه وجوه كثيرة يسبح كل لسان في هذه الوجوه بلغة اخرى، لا يشبه وجه وجهاً ولا لغة لغة ولا عين عيناً، ليس فيه عين الا وفيه من البرق والنور ما لا يحصى وفي جانب من جسده نور احمر، وفي جانب نور اصفر، وفي جانب نور اخضر، وفي جانب نور ابيض، وليس في جسده وفي اعضائه وريشه وبشرته وشعره جزء الا ويسبح بتسبيح آخر.
فيخرج كل يوم من تسبيحه بعدد ما خلق الله من الملائكة يسبحون لو اراد ان يلتقم السماوات والأرض بلقمة واحدة لأطاقه لا يستطيع احد من الملائكة ان ينظر اليه من نوره ولا جبريل ولا ميكائيل ولا الكروبيون.
وهو الروح المذكور في القرآن يرفع اليه امور اهل السماوات والأرضين وهو يرفعها الى الله فهو صاحب الحجب وسرادقات العرش وهو كاتب الرحمن.
وَالرُّوحُ الَّذِى هُوَ مِنْ أَمْرِك(7)
والحجب جمع حاجب وهو الستر وما يكون حائلاً بين شيئين والمقصود هنا ما فوق السماوات من الكلمات والآيات وسحائب النور وصحاريه مما لا يعلم ماهيتها وما فوقها الا الله عز وجل.
عن وهب ان امير المؤمنين عليه السلام سئل عن الحجب.
فقال: اول الحجب سبعة غلظ كل حجاب منها مسيرة خمسمائة عام وبين كل حجاب مسيرة خمسمائة عام والحجاب الثاني سبعون حجاباً بين كل حجابين مسيرة خمسمائة عام حجبة كل حجاب سبعون الف ملك قوة كل ملك منها قوة الثقلين( )…الحديث.
(7) الروح خلق عظيم من الملكوت كان مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يخبره ويرشده.
عن سعد الإٍسكافي قال اتى رجل الى علي بن ابي طالب عليه السلام يسأله عن الروح اليس هو جبرئيل فقال له علي عليه السلام: جبرئيل من الملائكة والروح غير جبرئيل فقال له: لقد قلت عظيماً من القول ما احد يزعم ان الروح غير جبرئيل، فقال له علي عليه السلام انك ضال يقول الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ والروح غير جبرئيل.
فَصَلِّ عَلَيْهِمْ وَعَلَى الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِمْ مِنْ سُكَّانِ سَمَاوَاتِكَ(8)
ومن منافع الصحيفة السجادية انها مدرسة في العلوم الإلهية وفيها كنوز من التفسير وبيان الأسرار العقائدية المستقرأة من القرآن ومطلق الوحي، فالإمام عليه السلام حرص على ذكر الروح مرتين بالتوالي مما يفيد التعدد والمغايرة في الذات وان اتفق والتقى الإسم.
وجاء عليه السلام بوظيفة كل منهما للمدح والثناء والتخصيص وبيان وتثبيت حقيقة التعدد مع ترسيخها في النفوس وقد اجاب ضمناً على بعض الجماعات من المسلمين الذين يقولون ان الروح هو جبرئيل، فانه عليه السلام لم يكتفِ بالإشارة بان الروح ليس جبرئيل بل ذكر انهما اثنان وكل واحد منهما له وظائف جسام يتحمل اعباءها ويستحق المدح والثناء والتخصيص بالذكر في الدعاء والإتيان باسمه خاصة.
(8) اللهم ارحم وتفضل على من ذكرت من الملائكة فيما سبق من الدعاء ، وتفضل بالرحمة والمن والإحسان على من خلقت سبحانك من الملائكة الذين دونهم واقل منهم في المكانة والمنزلة والعظمة والعبادة.
عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما في السماوات السبع موضع قدم ولا بشر ولا كف الا وفيه ملك قائم او ملك ساجد فاذا كان يوم القيامة قالوا جميعاً سبحانك ما عبدناك حق عبادتك الا انا لم نشرك بك شيئاً.
والدعاء سؤال لرحمته تعالى للملائكة واعزازهم واكرامهم وبيان للمسلمين ببديع خلقه وفيه اكرام للملائكة بالإخبار عما لهم من المنزلة السامية عند الله عز وجل.
وَأَهْلِ الْأَمَانَةِ عَلَى رِسَالَاتِكَ وَالَّذِينَ لَا تَدْخُلُهُمْ سَأْمَةٌ مِنْ دُءُوبٍ(9)
(9) يمتاز الملائكة بالأداء الملتزم والتام لجميع ما يتلقون من الأوامر الإلهية والأتقان الدقيق مع اليقظة الدائمة في تنفيذ جميع ما يناط بهم من واجبات الفعل او الإشراف او المراقبة او المتابعة، والرصد والحراسة في خشوع وطاعة والتزامهم الصادق باداء ما يحملون الى اهل الرسالات والتبليغ والأنبياء محفوظاً في امانة ومن غير مهلة او تأخير او زمان يذكر الا ان يشاء الله قال تعالى يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ.
وفي الدعاء مسائل :
الأولى : انه مدح وثناء على الملائكة.
الثانية : فانه اعتراف وايمان بما نزل به الملائكة من عند الله تعالى.
الثالثة : شكر لله عز وجل على امانة الواسطة السماوية التي تنزل بالكتب السماوية.
الرابعة : مما عليه الإجماع والنصوص ان جبرئيل هو الذي نزل بالقرآن من عند الله وقد تقدم ذكره والثناء عليه، فهل هذه الفقرة من الدعاء تشمله لأنها عامة للملائكة الذين ينزلون بالوحي، ام انها تتعلق بغيرهم من الذين نزلوا على انبياء آخرين او بالملائكة الذين يكونون عوناً ومصاحباً لجبرئيل حين نزوله بالقرآن كما ورد في سورة الأنعام مثلاً عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال: انزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون الف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد فمن قرأ الأنعام صلى الله عليه وَلَا إِعْيَاءٌ مِنْ لُغُوبٍ(10) وَلَا فُتُور(11) وَلَا تَشْغَلُهُمْ عَنْ تَسْبِيحِكَ الشَّهَوَاتُ وَلَا يَقْطَعُهُمْ عَنْ تَعْظِيمِكَ سَهْوُ الْغَفَلَات(12)
واستغفر له اولئك السبعون الف ملك بعدد كل آية من سورة الأنعام يوماً وليلة( ).
(10) اللغوب : التعب والإعياء، فلا يتسرب الى نفوسهم ملل من مواصلتهم للدعاء والتسبيح ولا يصيبهم كسل او ضعف في العبادة ولا شك او قنوط، قال تعالى يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ ، ولا يشعرون بتعب او اعياء من حمل الأمانة ونقل اخبار الوحي والتنزيل، والدعاء مدح لهم وتوسل وادراكهم بالرحمة الإلهية والصلاة عليهم لما يستحقونه من الأجر بفضله وتوفيقه تعالى.
(11) و لا يدخلهم اجهاد او شعور بالتعب من مواظبتهم الدائمة على التسبيح ومن حمل الرسالة ونقل الأمانة .
عن أبي ذر ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك واضع جبهته( ).
ان الإيمان بعالم الملائكة إقرار بالبعثة النبوية لأنهم رسل الله تعالى الى الأنبياء، والملائكة جواهر نورانية مسكنهم السماوات، لا يفعلون الا الخير والصلاح بينما لا يفعل الشياطين الا الشر، اما الجن فيفعلون الخير والشر، وابليس من الجن.
(12) الشهوات: جمع شهوة وهي ميل النفس وحركتها باتجاه ما ترغب اليه وما يلائمها، لا يقطعهم أي لا يحبسهم ولا يمنعهم، والتعظيم: الإجلال
والإكبار والتوقير.
والسهو : عدم التفطن واشتغال النفس عن الشيء الذي يجب عليها الإلتفات اليه.
والغفلات : جمع غفلة وهي اعم من السهو، يقال: غفل عنه يغفل غفولاً وغفلة، تركه وسها عنه لعدم خطوره على البال نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ.
لا يضعف الملائكة عن التسبيح الذي تفرغوا له وانعدمت الشهوات عندهم لأنها من خصائص النفس الحيوانية وغرائزها وابتعدت عن مقامهم الكريم لواحقها من السهو والغفلة والجهل التي يأست ابداً ان تتسلل الى انقطاعهم الدائم للتسبيح والطاعة والتقديس لعظمة الذات الإلهية. وفي الدعاء مسائل :
الأولى : هذا المدح ليس مقصوداً بذاته فحسب، فهو مقدمة ومدخل لسؤاله تعالى الصلاة عليهم ورحمتهم.
الثانية : رجاء الفوز والغنيمة بدعائهم لنأمن من فوق السماوات وان غفلنا وانشغلنا عن الدعاء او وافانا الأجل فهم اطول اعماراً بكثير من بني آدم.
الثالثة : في الدعاء نوع اعتذار عما يصيب الإنسان من الإنشغال والغفلة والســهو، ولجوء اليه تعــالى ومــدح عباده الـذين لا تصيبهم الغفلة.
الرابعة : يبين الدعاء عظمة الباري عز وجل بان التسبيح له، وحمده لا الْخُشَّعُ الْأَبْصَارِ فَلَا يَرُومُونَ النَّظَرَ إِلَيْكَ النَّوَاكِسُ الْأَذْقَانِ الَّذِينَ قَدْ طَالَتْ رَغْبَتُهُمْ فِيمَا لدَيْكَ الْمُسْتَهْتَرُونَ بِذِكْرِ آلَائِكَ وَالْمُتَوَاضِعُونَ دُونَ عَظَمَتِكَ وَجَلَالِ كِبْرِيَائِك(13)َ
يتقطع ولا يفتر آناً ما، فالبيت الحرام الذي هو خلق لله واكرمه ان جعله لا يخلو من الطائفين به من الإنس والملائكة وهم مشتغلون بالعبادة والتسبيح، وهكذا فان تسبيحه تعالى متصل ومستمر.
الخامسة : في الدعاء استغاثة ولجوء الى الله تعالى.
السادسة : انه تهيئة وتقديم لحساب القبر في عالم البرزخ وحضور الملكين منكر ونكير يتصف بالخشوع والخضوع.
(13) يقال نكست الشيء انكسه نكساً: قلبته على رأسه، والناكس: المطأطئ رأسه، والأذقان: جمع قلة للذقن وهو مجمع اللحيين والحنك يكون تحته.
والمستهتر بالشيء: المولع به الذي لا يلتفت في موضوعه الى غيره.
اشتغل الملائكة بعظمة الله عز وجل هيبة وتقديساً في مواظبتهم المستمرة على العبادة والخشــوع فطأطأوا رؤوسهم اجلالاً وحباً ورهبة.
وفي حديث الإسراء قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ثم مررنا بملائكة من ملائكة الله عز وجل خلقهم الله كيف شاء ووضع وجوههم كيف شاء ليس شيء من اطباق اجسادهم الا وهو يسبح الله وبحمده من كل ناحية باصوات مختلفة اصواتهم مرتفعة بالتحميد والبكاء من خشية الله فسألت جبرئيل عنهم فقال كما ترى خلقوا ان الملك منهم الى جانب صاحبه ما كلمهم كلمة قط ولا رفعوا رؤوسهم الى ما فوقها ولا خفضوها الى ما تحتهم خوفاً من الله وخشوعاً فسلمت عليهم فردوا علي ايماء
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ إِذَا نَظَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ تَزْفِرُ عَلَى أَهْلِ مَعْصِيَتِكَ(14)
برؤوسهم لا ينظرون الي من الخشوع فقال لهم جبريل هــذا محمــد نبي الرحــمة ارسـله الله الى العباد رسولاً نبياً وهو خاتم النبيين وســـيدهم افلا تكــلمونه؟ قال فلما سمعوا ذلك من جبـريل اقبلوا علي بالسلام واكرموني وبشروني بالخير لي ولأمتي، وهو مولعون بذكر الله والشكر على ما انعم عليهم، وما يرون من آيات الله وعجائب صنعه فلا يبالون بغير التسبيح والعبادة( ).
والدعاء بيان لبديع صنعه تعالى للملائكة وعظمته عند الخلائق من ارباب العقول الذين خلقهم الله عز وجل مجردين من الشهوة والغضب فاستولى الصفاء والصلاح على نفوسهم.
فكانت عبادة كل ملك آية من آيات الله تعالى في حجة على الإنســان ودعــوة له للإقتداء بالملائكة وفق الممكن والميسور لأن التكليف بما لا يطاق قبيح والله عز وجل منزه عن القبيح ، وفي التنزيللاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا.
(14) سميت جهنم لبعد قعرها اذ يهوى فيها من استحق العذاب في الآخرة من اهل الدنيا وقد ذكرت جهنم في القرآن (77) مرة، وروي ان جهنم تزفر زفرة ولا يبقى احد والا وترعد فرائصه حتى ان ابراهيم عليه السلام يجثو على ركبتيه ويقول نفسي نفسي، نعوذ والمسلمون كافة بالله منها ومن لهيبها قال تعالى إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا.
وفي حديث الإسراء قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حتى لقيني ملك من الملائكة لم ار خلقاً اعظم منه كريم المنظر ظاهر الغضب فقال لي مثل ما قالوا من الدعاء انه لم يضحك ولم ار فيه الإستبشار مما رأيت من الملائكة فقلت من هذا يا جبرئيل فاني قد فزعت منه فقال يجوز ان يفزع منه فكلنا نفزع منه ان هذا مالك خازن النار لم يضحك قط ولم يزل منذ ولاه الله جهنم يزداد كل يوم غضباً وغيضاً على اعداء الله واهل معصيته فينتقم الله به منهم ولو ضحك الى احد كان قبلك او كان ضاحكاً الى احد بعدك لضحك اليك ولكنه لا يضحك .
فسلمت عليه فرد علي السلام وبشرني بالجنة فقلت وجبريل بالمكان الذي وصفه الله مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ، الا تأمره ان يرني النار فقال له جبريل يا ملك ار محمداً النار، فكشف عنها غطاء وفتح باباً منها فخرج منها لهب ساطع في السماء وفارت وارتفعت حتى ظننت ليتناولني مما رأيت فقلت با جبريل قل له فليرد عليها غطاءها فامرها فقال ارجعي فرجعت الى مكانها الذي خرجت منه( ).
والواو في (الذين) الواردة في الدعاء واو عاطفة أي ان هؤلاء الملائكة مع اجتهادهم في العبادة فانهم يبادرون الى الإعتذار والإستغفار واظهار النــدم حــال الإطلاع على اهل النار.
وفي الدعاء شاهد على استغفار الإمام عليه السلام واظهاره الندم عن تقصيره وذنوبــه مع عصــمته وما اشــتهر عنه من قيــامه بالصلاة الـــف ركعة
سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِك(15)َ فَصَلِّ عَلَيْهِمْ وَعَلَى الرَّوْحَانِيِّينَ مِنْ مَلَائِكَتِكَ(16)
في اليوم ، وفي التنزيلفَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ.
ويذكر الإمام عليه السلام موضوع زفير جهنم وهو لا يتعلق الا باهل المعصية، فالملائكة يعلمون انهم في امان من حر النار ومع هذا فانهم منقطعون الى الإستغفار والذكر، وزفيرها هنا عبارة من عظيم جوفها وعمق مقرها وغضبها يقال للفرس “انه لعظيم الزفرة أي عظيم الجوف” والنار تتغيظ غضباً على اهل المعصية.
(15) يفزع الملائكة الى الله عز وجل معتذرين عن التقصير في العبادة لما يروا من صوت لهيب النار في تنزيه مطلق للقدسية الإلهية بوجوب اجتناب الكسل في عبادة الله واتيان ما امر به وطاعته الدائمة للفـوز بالنجاة من النار.
يتخذ الملائكة من رؤيتهم النار وزفيرها مناسبة للتضرع واعلان التقصير في العبادة طلباً لرحمته، ان فلسفة التقصير توكيد لحق الربوبية ورجاء كريم للعفو ونزول الرحمة والفضل الإلهي.
(16) الروحانيون جمع روحاني وهم ملائكة الرحمة نسبة الى الروح –بالفتح- وهي الرحمة.
اللهم تفضل بالرحمة على اولئك الملائكة والإحسان اليهم والى ملائكة الرحمة وجنود فضلك وجودك.
وَأَهْلِ الزُّلْفَةِ عِنْدَكَ(17) وَحُمَّالِ الْغَيْبِ إِلَى رُسُلِكَ(18)
وعن شعب الإيمان للبيهقي عن الإمام علي بن ابي طالب عليه السلام قال : ان في السماء حظيرة يقال لها حظيرة القدس فيها ملائكة يقال لهم الروحانيون فاذا كان ليلة القدر استأذنوا ربهم في النزول الى الدنيا فيأذن لهم فلا يمرون على مسجد الا ويصلون فيه ولا يستقبلون احداً في الطريق الا دعوا له فاصابه منهم بركة.
(17) من الملائكة المقربون لدى مقام القدس والجبروت بالمرتبة والمنزلة ودرجة العبادة والخشية من الله فهم أقرب مقاماً وادنى الى العرش واكثرجاهاً كالكروبيين.
وجاء الدعاء للصلاة على الملائكة المقربين على نحو الإطلاق لعدم امكان احاطتنا بهم عدداً ومنزلة وقرباً، ومقام القرب يصلح ان يكون علة لسؤال الرحمة عليهم، لأن القرب عنوان الرضا.
(18) الملائكة الذين يؤمرون بتبليغ الأسرار الملكوتية الى اهل الرسالات والأنبياء مما تجهله الخلائق من امور الغيب والأحداث والنشور والجزاء يوم الحساب.
والدعاء شهادة واقرار بتفضل الله تعالى باطلاع الأنبياء على علوم من الغيب وان هؤلاء الملائكة ينقلونها بامانة وحرص فاستحقوا الدعاء لهم وسؤال الرحمة والصلاة عليهم، لما في وظيفتهم هذه من الإحسان للناس جميعاً وللمؤمنين على نحو خاص , [عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا *إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ] ( ).
وَالْمُؤْتَمَنِينَ عَلَى وَحْيِك(19) وَقَبَائِلِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ اخْتَصَصْتَهُمْ لِنَفْسِكَ(20)
(19) حراس الوحي والعاملون على حفظ خزائن الوحي وطرق تبليغه وأسباب وصوله الى من اصطفى الله من الرسل من الملائكة او الأنبياء الذين هم سادات البشر.
والدعاء لهؤلاء الملائكة نوع شكر لهم ومن لا يشكر المخلوق لا يشكر الخالق، ويدل الدعاء بالدلالة التضمنية على التسليم بصدق الوحي وان القــرآن هو كـــلام الله عز وجل وصــل الى النبي صلى الله عليه وآله وســلم من غير تغيير او تبديل وفيه ابطــال للقــول بان القرآن من صياغة جبرئيل او النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد نزول مضــمونه وموضـــوعه اجمـــالاً من عند الله ، قال تعالىلاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.
فالملائكــة ليس لهم الا الأمانة، والأمين لا يبتدع ولا يتصرف فينحصر عمله بحفظ الأمانة ونقلها تامة سالمة الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وامانة الملائكة فرع انقطاعهم الى العــبادة وتجــردهم من الشـهوة وانتفاء السهو والغفلة عنهم، ان تفضل الله تعالى بائتمانهم على الوحي احسن توثيق لهم وفيه اثبات لصدقهم واستحقاق الدعاء لهم، والدعاء اقرار بالوحي والتنزيل وفيه رضا وقبول وانذار وافتخار به.
(20) القبائل: جمع قبيلة , وقبائل الرأس اطباقه وقيل هي اربع قطع مشعوب بعضها الى بعض،
وقبائل الشجرة: اغصانها، والقبيلة من الناس بنو اب واحد، والمراد هنا الجماعة ثلاثة فصاعداً، واختص فلان فلاناً جعله خاصته وقربه اليه، واغنيته بكذا: أي كفيته به فاستغنى، والطعام يطلق على كل ما يطعم ومنه الماء.
ان الجماعات المتجانسة من الملائكة المتداخلة كل منها في مجتمع ونظام تلتقي جميعها في الإختصاص بالإشتراك في العبادة والحب الإلهي والتسبيح وتنزيه البارئ فاكتفوا بذلك من الأكل والشرب ولم يلههم شيء عن الذكر وليس لهم اجواف او بطون.
وفي الدعاء مسائل :
الأولى : اظهار العجز عن احصاء صنوف الملائكة وجماعاتهم فضلاً عن اعدادهم.
الثانية : الإقرار بعجائب خلقه سبحانه في السماوات.
الثالثة : بيان فضل الله تعالى على الملائكة في عدم الحاجة الى الطعام والشراب وهل يمكن اعتبار عدم الحاجة هذا فضلاً للملائكة على بني آدم، الجواب: لا، فصحيح انه نعمة من عنده تعالى الا ان الأكل والشرب عند الإنسان نعمة اخرى منه سبحانه ومادة وموضوعاً للشكر لله عز وجل، ومعرفة الحاجة الى عبادته والثناء عليه كسبيل لدوام الأكل والشرب الذين يعتبران طريقاً مباركاً للدعاء والتضرع والشكر اذ ان زيادتهما او نقصهما يذكر بالله عز وجل.
الرابعة : هؤلاء الملائكة غير القائمين بوظائف التبليغ.
الخامسة : لقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصوم صوم الوصال وهو صيام يومين والليلة المتوسطة بينهما او ثلاثة ايام مع الليلتين المتوسطتين بينهما، وقد نهى امته عن صيامه فهو محرم علينا وقال صلى الله عليه وآله وسلم: “اني ابيت عند ربي يطعمني ويسقيني”، وكأن من نواميس السماء
وَأَغْنَيْتَهُمْ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ بِتَقْدِيسِكَ وَأَسْكَنْتَهُمْ بُطُونَ أَطْبَاقِ سَمَاوَاتِك(21)
عدم الأكل والشرب لسكانها، وانما جعل الأكل والشرب للإنس والجن لأنه جزء من الإبتلاء والإختبار والإمتحان في الحياة الدنيا، فمن اعطى الدعاء والشكر حقه قارب مراتب الملائكة واستحق المنزلة الرفيعة عند الله لأنه سـعى الى منازل الملكوت بالإختيار والغلبة على الشيطان وقوى النفس البهيمية وغرائزها.
(21) الأطباق : جمع طبق ، وكأن كل سماء طبق للأخرى، وبطون اطباقها: اشارة الى ما بين كل سماء من السماوات السبع والتي تليها ومن يسكن في كل سماء وكل بها من الملائكة وكلهم دائب في التسبييح ومواظب عليه.
وتفضل الله تعالى باسكان الملائكة في طبقات السماء من بديع الخلق ، وشاهد على وجود حياة مستقرة ونظام دقيق لتدبير شؤونها وعماده هو الإشتراك الجميع بالتسبيح والتحميد لله عز وجل فاستحقوا بذلك الدعاء مهم وسؤال رحمته تعالى لهم ليكونوا لنا شفعاء ولنفوز بدعائهم.
وقد ورد في القرآن ما يدل على دعاء الملائكة للمسلمين قال تعالى الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ .
وَالَّذِينَ عَلَى أَرْجَائِهَا إِذَا نَزَلَ الْأَمْرُ بِتَمَامِ وَعْدِك(22) وَخُزَّانِ الْمَطَرِ وَزَوَاجِرِ السَّحَابِ(23)
(22) الملائكة الذين هم على حافات السماوات وعلى جوانبها لأن
السماء تنشق فتنضوي الملائكة من سكانها الى اطرافها وما حولها من حافاتها، قال تعالى وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ.
والظاهر ان الواو في (والذين) استئنافية أي اللهم صل على الذين في ارجائها ، اذ ان الملائكة الموجودين في أطراف السماء هم غير القاطنين بين السماوات وفي داخلها، ولا غرابة في الأمر بعد اجماع المسلمين والنصوص بان عدد الملائكة لا يعلمهم الا الله.
ففي كل موضع في السماء ملك مشتغل بالعبادة والتسبيح.
ويدل الدعاء بالدلالة التضمنية على الإيمان بالمعاد وهو من اصول الدين ومدخل كريم لأداء الفرائض لتوقف نوع الجزاء حينئذ عليها.
(23) السحاب- بفتح السين- الغيم، جمع سحابة ويجمع على سحب وسحائب، اللهم ارحمنا وارحم الملائكة الذين يتولون حفظ وتعاهد مياه الأمطار، بانتظار امرك، في تقسيم الأرزاق، وكذلك الملائكة الموكلون بسوق السحاب والغيوم ومنع تشتت بعضها من غير امر.
وفي الدعاء مسائل:
الأولى : الأقرار بان المطر ونزول قطر السماء من عنده تعالى.
الثانية : ان نزول المطر يجري بنظام دقيق وعليه امناء كرام.
الثالثة : من اراد المطر وقطر السماء فليتوجه الى الله عز وجل بالدعاء والمسألة لذا شرعت في الإسلام صلاة الإستسقاء وقد بينا احكامها وكيفية ادائها في رسالتنا العملية “الحجة” وحجة النساء، وكتب فقهية اخرى.
الرابعة : ان وجود ملائكة يحفظون ماء المطر لحين الأمر بنزوله لا يتعارض مع الإكتشافات الحديثة بان المطر يتولد من تصاعد الأبخرة من ماء البحار والمحيطات بسبب حرارة الشمس، بل ان الدعاء يشمل هذه الأسباب كنعمة متجددة كل يوم. فان الله عز وجل جعل الأشياء باسبابها، وآثار هذه الأسباب للمطر وغيرها سلباً وايجاباً تظهر فيما بعد فهي رحمة، وقد يوظفها الإنسان للشر والأذى او عدم مراعاة حاجة الأجيال اللاحقة والأمم المستضعفة مما يسبب حصول الحروب ويعجل بالفناء والدمار.
الخامسة : الدعاء حث على ذكر الله تعالى والتوجه اليه سبحانه بالشكر والثناء عند سماع الرعد، أي ان الرعد تذكير برحمة الله تعالى ومناسبة لسماع صوت الملائكة ولو بواسطة احتكاك الغيوم بعضها بعض.
السادسة : ان الملائكة القائمين على خدمة الإنسان وقضاء حوائجه وتيسير امر معيشته يستحقون منه الثناء والدعاء وسؤال الرحمة.
السابعة : ان هذا الدعاء وسيلة لزيادة الأمطار وانتفاع المسلمين وامصارهم منها.
الثامنة : اقرار بوحدة النظام الكوني وجريانه وفق مشيئته تعالى وخلوه من التفريط او الخلل او الإتفاق والصدفة.
التاسعة : في الدعاء مدح وثناء على الله عز وجل واقرار بحكمته وبديع صنعه وهو مدخل كريم لفضله علينا بهطول الأمطار فمتى ما ادرك العبد ان الرزق منه تعالى وتعلق قلبه بالشوق رجاء نواله وهباته فانه تعالى لا يخيب.
وَالَّذِى بِصَوْتِ زَجْرِهِ يُسْمَعُ زَجَلُ الرُّعُود(24)
العاشرة : للسحاب قابلية الفهم والردع ويستجيب للأمر الصادر اليه من الملائكة فهم أمناء الله، فكما قال تعالىثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ
دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ. فكما استجابت السماء والأرض كذلك السحاب اذ انه سبحانه يجعل عند المخلوقات قدراً من الفهم بمقدار قيامها بوظائفها وهذا سر من اسرار الطبيعة لا تدركه عقول البشر ولكنه ظاهر للعيان تعرفه البصائر التي توظف الحواس لسبر اغوار الكون وشواهده والدالة على بديع صنعه تعالى فجاء هذا الدعاء كجزء من التوسل والتضرع اليه سبحانه وللأقرار بفضله واحسانه.
(24) الزجل : الصوت يقال سحاب زجل أي ذو رعد وفي الحديث : لهم زجل في التسبيح ، تزجر الملائكة السحاب وتسوق الغيوم فتردد طبقات الغيوم صوته الذي هو تسبيح، فيسمع اهل الأرض صدى التسبيح لعظم كل دارة فيه من الأفق الواسع ويستنير ذلك المكان من الأرض بلمع البرق الذي يمكن اعتباره انعكاساً لضياء التحميد والثناء والتسبيح ونوراً يقترن به كالذي يكسو وجه المؤمن الذي يقوم الليل.
وفي الدعاء مسائل :
الأولى : الواو في (والذي) واو استئنافية: الذي: اسم موصول يراد منه الملك أي اللهم فصل على الملك الموكل بالسحاب.
وَإِذَا سَبَحَتْ بِهِ حَفِيفَةُ السَّحَابِ الْتَمَعَتْ صَوَاعِقُ الْبُرُوقِ وََمُشَيِّعِى الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْهَابِطِينَ مَعَ قَطْرِ الْمَطَرِ إِذَا نَزَلَ(25)
الثانية : ان الدعاء للملك شكر وثناء لما يقوم به من اعباء زجر السحاب خدمة للإنسان ولما يلاقيه من الجهد والمشقة في طاعة الله وامتثال اوامره.
الثالثة : وفيه ايجاد حالة من اعتياد النفس.
الرابعة : والدعاء محاولة لطرد الغفلة اوان نزول المطر.
الخامسة : حث على عدم الإعراض عن موضوعية المشيئة الإلهية في الدراسات المتعلقة بالمطر وكيفية نزوله ومقداره.
السادسة : من منافع الدعاء استحضار فضل الله تعالى عند احياء الأرض وزراعتها وخروج النبات لحاجته الى المطر ابتداء واستدامة.
السابعة : بين السحاب والمطر عموم وخصوص مطلق فكل مطر من السحاب وليس كل سحاب ممطراً فيأتي الدعاء سؤالاً وتوسلاً للإنتفاع من كل سحاب ورعد وبرق والله واسع كريم.
(25) الحفيف : الصوت المتولد من الحركة والنقل ومنه حفيف الفرس أي دوي جريها.
وحفيف الشجر: دوي ورقه، وكذا حفيف جناح الطير.
والبرد : شيء ينزل من السحاب سمي به لأنه يبرد وجه الأرض، ويسمى ايضاً حب الغمام وحب المزن.
الهابطون: جمع هابط وهو النازل، من هبط يهبط هبوطاً وقطر جمع قطرة وهي الجزيئة الصغيرة المستقلة من ماء المطر ويأتي القطر بمعنى المطر، ومطرت السماء تمطر مطراً اذا انزلت قطرات بما شاء الله.
اللهم صل على الملائكة الذين يرافقون الثلج والبرد في مسيره ونزوله وهم يشتغلون بالتسبيح عسى ان يرحم الله بها اهل الأرض وسكانها قال تعالى وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ.
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال ما من قطرة تنزل من السماء الا ومعها ملك يضعها الموضع الذي قدر له.
الواو في قوله عليه السلام (ومشيعي) عاطفة، أي فصل على مشيعي الثلج.
ويبين الدعاء التناسق والتفاعل والتداخل بين الظواهر الكونية في حجة على بديع صنع الله تعالى، وفيه توكيد على تولي الملائكة لسوق وايصال الثلج وان جماعة من الملائكة ينزلون مع المطر حال نزوله الى الأرض، لذا يدعو لهم الإمام عليه السلام لأنهم رسل الخير والعطاء السماوي والبركات. وترى كل نبي من انبياء الله البالغ عددهم اربعة وعشرون الف نبي قد اشتغل كل واحد منهم برعي الغنم الا ما ندر كادريس فانه كان خياطاً.
وفي خبر الواسطي قال: سألت جعفر بن محمد عليه الســلام عن الفلاحين، قال: هم مزارعون كنوز الله في ارضه وما في الأعمال شيء احب الى الله من الزراعة وما بعث الله نبيا الا زارعاً الا ادريس فانه كان خياطاً.
والسر في اشتغال الأنبياء بالرعي هو جعلهم يحبون نزول المطر فيتوجهون بالدعاء إلى الله تعالى.
فلقد قسم الله عز وجل الأرزاق وجعل فضلاً لمن يدعوه ويسأله من غير الذي كتب للخلائق.
وَالْقُوَّامِ عَلَى خَزَائِنِ الرِّيَاح(26)
والسحاب فضل ونعمة من الله تعالى يصيب بها من يشاء وقيام الملائكة
بسوق السحاب او النزول بصحبة المطر لأنها من وجوه رحمة الله تعالى فهم يقومون بوظائفهم فرحين مستبشرين راجين من الإنسان مقابلة هذه النعم بالحمد والشكر.
فجاء دعاء الإمام عليه السلام عن نفسه وبالنيابة عن غيره من المسلمين، وفيه شكر لهم وهو اجمل واحسن هدية تدخل السرور الى قلوبهم وتجعلهم يشعرون باهلية الإنسان للخلافة في الأرض والتي تجسدت بوظائف الإمامة وفيها تعاهد الصلة بين اهل الأرض واهل السماء بالدعاء والذكر لأهل السماء والإقرار لهم بالفضل والمنزلة ، والذي يدل بالدلالة التضمنية على التسليم بوجودهم وأنهم عباد مكرمون ، قال تعالى آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ.
(26)القوام : جمع قائم، يقال: قام فلان على الشيء اذا ثبت عليه وتمسك به.
وقيم الأمر : مقيمه يتولى شؤونه.
والخزائن جمع خزانة وهي الموضع الذي يحفظ فيه الشــيء خــزن الشــيء يخـــزنه خزناً واختزنه.
احرزه وجعله في خزانة.
والرياح : جميع ريح وهو هبوط وحركة الهواء المسخر بين السماء والأرض.
اللهم ارحم الملائكة الموكلين بالرياح والذين يتولون شؤونها واتجاه مسيرها ومقاديرها.
عن امير المؤمنين عليه الســلام: لم ينزل شــيء من الريح الا بكـيل على يد ملك الا يوم عاد فانه اذن لها دون الخزان فخرجت فذلك قوله تعالى رِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ.
وفي الدعاء مسائل :
الأولى : قد لا يلتفت الناس الى نعمة الرياح وتصريفها وتغييرها وعدم حصول الأذى منها وهو امر يستحق بذاته الشكر لله تعالى بديع صنعه وعظيم رحمته ولطفه.
الثانية : تعجز الخلائق عن تنظيم الريح وسوقها للحظة واحدة خاصة مع خفة الهواء وتغشيه لما بين السموات والأرض.
الثالثة : لم تعط الرياح ما يناسبها من العناية في دوام الحياة على الأرض.
الرابعة : لقد ذكر القرآن نعمة الرياح بقوله تعالى وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ، في اشارة الى عظيم النعمة في تقليبها وتحويلها من جهة الى اخرى.
الخامسة : قد تأتي الرياح شمالاً او جنوباً او صبا او دبوراً ولكل واحدة منها خصائصها واثارها، وقد يكون اتجاه الريح بين اثنين منها، فاذا هبت رياح الجنوب فانها مناسبة لتلقيح النباتات والأشجار واذ هبت الشمال وهي تقابل الجنوب فانها تنشف الرطوبات قال الشاعر:
لعمري لئن ريح المودة اصبحت
شمالاً، لقد بدلت وهي جنوب( )
السادسة : بعض الرياح يأتي بالعذاب والأذى والعواصف المهلكة وسمع ابن عباس احدهم يسب الريح لما هاجت قال: لا تسبوا الريح ولكن قولوا: اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً.
السابعة : تصريف وتقلب الرياح موضوع للدعاء والشكر والتوسل له سبحانه بدفع الأذى والشر المصاحب لحركة الريح.
الثامنة : ان آية الريح وعجز كل الخلائق عن تنظيمها آية كونية ومناسبة للإستغفار وشكر الملائكة القائمين بشؤونها واتجاهها لا بمعنى ان أمرها بيد هذه الملائكة، فهم وملائكة السحاب والرعد وغيرهم جنود لله عز وجل، لا يعملون الا ما يأمرهم سبحانه به، ولكن الدعاء لهم يأتي شكراً.
التاسعة : هناك اوقات مخصوصة يستحب فيها الدعاء.
وفي صحيحة زيد الشحام عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام اطلبوا الدعاء في اربع ساعات عند هبوب الرياح وزوال الأفياء ونزول القطر( )، ويحث الدعاء على الإنتفاع من مناسبة هبوب الرياح.
العاشرة : هبوب الرياح مناسبة لذكر الله تعالى.
الحادية عشرة : الحث على استثمار الريح واتجاهها , وقد انتفع منها قد يأتي في سير السفن، وحديثاً في حركة بعض الآلات، وسيكون الإنتفاع منها في الأزمنة اللاحقة وارتقاء العلوم اكثر واوسع للرياح وظائف مركبة وهي من المتضادات، فهي رحمة للمؤمنين ونقمة وعذاب للكافرين، وقد تصيب بعض المؤمنين بالأذى للإبتلاء والأجر او لعمومــات قـــوله تعالى وَاتَّقُوا وَالْمُوَكَّلِينَ بِالْجِبَالِ فَلَا تَزُولُ(27)
فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وقد تكون نعمة للكافرين استدراجاً لهم وامهالاً واقامة للحجة او رجاء توبتهم والتفاتهم الى عظيم نعمتها.
الثانية عشرة : قال سبحانه وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ والرياح من جنود البارئ عز وجل يسخرها ويذللها ويصرفها كيف شاء بجنوده من الملائكة فجاء الدعاء لإظهار هذه الحقيقة ، واثبات معرفتها وإدراكها ولزوم استحضارها شكراً لله تعالى.
الثالثة عشرة : تذكير الأمة بنعمة الرياح ودعوتهم لعدم الغفلة عنها.
من وظائف الملائكة القائمين على شؤون الرياح حبسها ومنعها من ايذاء الناس وعدم صدورها وتسييرها الا بامر منه سبحانه وهو الرؤوف الرحيم هم محل اعجاب واعتزاز المؤمنين والأئمة الساهرين على خدمة الناس ولو بالدعاء عندما يحجب عنهم حقهم في تولي شؤون السياسة والمجتمع خصوصاً وان الدعاء لا ينقطع في كل احوال الإمام وكذا المؤمن.
(27) الموكل : اسم مفعول من وكلته بالأمر توكيلاً اذا فوضت له القيام
به، والجبال: جمع جبل وهو المرتفع الشامخ في بقعة من الأرض وهو خلاف السهل.
والفاء في (فلا تزول) للسببية والزوال بمعنى الذهاب او بمعنى الإنتقال والحركة، فهي بسبب ما جعلت عليها من الملائكة ثابتة لا تندك، اللهم ارحم الملائكة الذين عهدت اليهم مهمة تثبيت الجبال في مواضعها وعدم ميلها.
وفي المرسل : عن عكرمة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاء جبرئيل فقال لي يا محمد ان ربك يقرئك السلام وهذا ملك الجبال قد ارسله الله اليك وامره ان لا يفعل شيئاً الا بامرك.
فقال ملك الجبال : ان الله امرني ان لا افعل شيئاً الا بامرك ان شئت دمدمت عليهم الجبال وان شئت رميتهم بالحصباء وان شئت خسفت بهم الأرض.
قال يا ملك الجبال فاني أأنى بهم لعله ان يخرج منهم ذرية يقولوا لا اله الا الله، فقال ملك الجبال: انت كما سماك ربك رؤوف رحيم.
ويدل الدعاء بالدلالة التضمنية على تعاهد الله سبحانه للخلائق والأرض وما عليها , وتولي الملائكة لدوام النظام الكوني وانتظام المعاشات واستقرار الحياة كاسباب لإتصال عبادة الله تعالى وقيام الناس بأداء الفرائض واتيان المندوبات مع قيام هذه الكائنات نفسها بالتسبيح والذكر ، وهو أي الدعاء عنوان شكر لله عز وجل على ما يقوم به الملائكة من الجهد المتصل منذ خلق الأرض والى يوم القيامة من اجل سعادة الإنسان الذي اختاره الله عز وجل خليفة في الأرض وفيه تذكير بان القيام بالوظائف الموقوتة والأعمال الملازمة لا يمنع من الذكر والتسبيح لأن ملائكة الجبال لا يفترون عن التسبيح.
وَالَّذِينَ عَرَّفْتَهُمْ مَثَاقِيلَ الْمِيَاهِ وَكَيْلَ مَا تَحْوِيهِ لَوَاعِجُ الْأَمْطَارِ وَعَوَالِجُهَا(28)
(28) مثاقيل : جمع مثقال وهو في الأصل مقدار من الوزن قليلاً كان او كثيرا فمعنى مثقال ذرة أي وزن ذرة , وغلب استعماله في الذهب، والدينار الذهبي عبارة عن ثلاثة ارباع المثقال الصيرفي، والدينار مثقال شرعي ويسمى كما عن ابن الأثير بالذهب الصنمي، وهو عبارة عن عشرين قيراطاً، والقيراط ثلاث حبات من شعير كل حبة عبارة عن ثلاث حبات من الأرز وهو في الوزن الحديث 3.66 غراماً ، تقريباً اما المثقال الصيرفي فهو 4.88 غراماً , والمراد من المثقال في الدعاء منه.
والكيل مصدر كالطعام وهو مقدار مخصوص بظرف او اناء معين في مقابل الوزن ومن الكيل المد والصاع.
وروي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: المكيال مكيال اهل المدينة والميزان ميزان مكة.
واللواعج جمع لاعج أي الأمطار الشديدة الغزيرة، وعوالج: جمع عالج، وعوالج الرمال ما تراكم من الرمل وتداخل بعضه ببعض وكذلك الأمطار.
اللهم ارحم الملائكة الذين يأتمرون بامرك في تصريف المياه ومناسيبها ومواضع كل مقدار منها، واوزان الكميات التي تحملها كل سحابة ممطرة في داخلها، وتلك الغيوم السوداء الكثيفة المتداخلة المتلاحقة ذات الأمطار الشديدة التي تصيب بعض مناطق العالم او تنزل في موسم معين قال تعالى حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ.
وَرُسُلِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ بِمَكْرُوهِ مَا يَنْزِلُ مِنَ الْبَلَاءِ وَمَحْبُوبِ الرَّخَاءِ وَالسَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَالْحَفَظَةِ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ(29)
والدعاء سؤال وتضرع للصلاة والرحمة الإلهية على الملائكة الذين يتولون شؤون المياه ويلاحظ في الدعاء الإلتفات من الإمام عليه السلام الى
كيفية تصريف المياه وملاحظة الدقة في موازينها مع كثرتها وشمولها لثلاثة اربــاع الأرض والنظــام الذي يشــمل الموجودات وهو مصداق لقوله تعالى لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ.
(29) الملائكة الذين يبعثهم الله عز وجل في شؤون بني آدم وينقسم واجبهم الى نوعين :
الأول : انواع المصائب والإمتحان والإختبار والإفتتان.
الثاني : النعم واصناف الرزق والسعة فيه ، وابواب الهداية والتوفيق والسداد، وكذلك الملائكة الذين يأتون الأرض لأداء مهمة مخصوصة كالتبليغ وحفظ بني آدم والذين يتولى كل اثنين منهم الكتابة بامانة ودقة حسنات العبد وسيئاته، قال تعالى وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ .
ويؤكد الدعاء على ان رسل الله من الملائكة اعم من الذين يقومون بتبليغ الرسالات والنزول بالوحي، فمن الملائكة من ينزل بمصاديق الغضب وصنوف البلاء ومنهم ما ينزل باسباب السعادة والرخاء والغبطة ، وكل منهم يستحق منا الدعاء له وسؤال رحمته وفي هذا السؤال بيان ضمني لوظائف الإمام عليه السلام.
مهام هؤلاء الملائكة دعوة للإلتفات الى استغراق الطاعة لأهل السماء ولزوم الدعاء لهم والإقتداء بهم بالإمتثال الأحسن في اداء الفرائض، انه دعوة لخشوع القلب وتوظيف الجوارح والحواس لمعرفة الآيات والإعتبار من الظواهر الكونية والإبتلاءات الشخصية والنوعية ، والشكر عند النعم وانها لم تأت اتفاقاً او بسبب سعي الإنسان وجهده بل بفضل الله تعالى بواسطة ملائكته المقربين.
ومنهم من قال كيف يحضر الملائكة الكرام الكاتبون وهم ليسوا اجساماً مادية، ويلزم رؤيتهم لو كانوا اجساماً خارجية ، ولو كانوا اجساماً نورانية لطيفة فان الرياح الشديدة تدفعهم وتنحيتهم.
والجواب أن الله تعالى قادر على كل شيء فيمكن ان يكونوا على الوجهين اعلاه مع سلب رؤيتهم من قبل الإنس والجن، انهم يكتبون افعال ابن آدم مع علمه تعالى منذ القدم بها , وفي التنزيلأَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، ولكن الملائكة يكتبون الأعمال ليكونوا شهداء عليه يوم القيامة.
والفقرة من الدعاء مقتبسة من القرآن اذ ان الله عز وجل ذكر هؤلاء الملائكة ومدحهم فسماهم كراماً، وبين وظيفتهم وهي انهم كاتبون وفي هذا الوصف مدح آخر لهم وانهم يعلمون ما يفعلون فهم لا يكتبون الا عن تثبت مع انتفاء التردد والشك والوهم عندهم، وتأخرهم وتأنيهم في كتابة الســيئة رجــاء ان يســتغفر العبد فلا يكـتبونها.
ان صحبتهم للإنسان تدل على اهمية عمله وحتمية الحساب والجزاء وفيها حث وانذار للإنسان بان كل فعل من افعاله يدون ويكتب من قبل
وَمَلَكِ الْمَوْتِ وَأَعْوَانِه(30)
الملائكة ومتى ما شعر الإنسان انه مراقب وهناك من يشرف على عمله فانه يستحي ويحرص على اتيان المأمور به ويترك المنهي عنه , قال تعالى مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ.
ان ذكر ملائكة البلاء وملائكة الرخاء والملائكة الذين يقومون بكتابة افعال بني آدم اظهار للإقرار باطلاعه تعالى على أعمالنا فيكون الدعاء شاهداً على الإلتفات الى موضوع المراقبة ومدخلاً كريماً للمراقبة الذاتية للأفعال.
(30) ملك الموت هو عزرائيل يعرفه كل انسان ، واسمه شائع على الألسنة كل بحسب لغته والذي وكل بقبض ارواح بني آدم وله من يساعده في واجبه من الملائكة، قال تعالى الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ.
وعن الإمام الباقر عليه السلام لما سأله سدير عن يعقوب عليه السلام حين قال لولده اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا، اكان على علم ان يوسف حي وقد فارقه منذ عشرين سنة وذهبت عيناه من البكاء عليه.
قال الإمام الباقر عليه السلام: نعم حيث انه دعا ربه في السحر ان يهبط عليه ملك الموت فهبط عليه ملك الموت اليس سألت الله ان ينزلني عليك.
قال : نعم، قال : فما حاجتك يا يعقوب.
قال له : اخبرني عن الأرواح تقبضها جملة او تفريقاً، قال: يقبضها اعواني متفرقة ثم تعرض عليّ مجتمعة، قال يعقوب فاسألك بإله ابراهيم واسحق ويعقوب هل عرض عليك في الأرواح روح يوسف، فقال : لا، فعند ذلك علم انه حي فقال لولده اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ.
وجاء ذكر ملك الموت على نحو موجز (وملك الموت واعوانه)، فان ذكر ملك الموت مجرداً يكفي في استحضار عمله ومقامه السامي فله مع كل انسان لقاء مرتقب هو اشد ما واجه الإنسان في حياته ، مما يدل على زيف الدنيا وقلة متاعها بان تختم بلقاء شاق إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فان ملك الموت يتمثل لهم بأبهى صورة مع شمولهم كغيرهم بالمغادرة والفراق التام مع الدنيا، ولملك الموت أعوان كثيرون.
وفي الصحيح عن الصادق عليه السلام ما من أهل بيت شعر ولا وبر الا وملك الموت يتصفحهم في كل يوم خمس مرات( ).
ولقد كان ملك الموت يلتقي مع الأنبياء السابقين ويسألونه عن كيفية قبض الأرواح عن احوال عالم البرزخ وآجال بعض الأشخاص ممن لم يحن اجله وربما اخبرهم هو ابتداء نعم اخباره لا يكون على نحو الحتم والجزم لأن الله تعالى يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ.
ولقد التقى مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الإسراء كما ذكره الصدوق في الفقيه باسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أسري بي إلى السماء مررت بملك جالس على سرير من نور على رأسه تاج من نور واحدى رجليه في المشرق والأخرى في المغرب بين يديه لوح ينظر فيه والدنيا كلها بين عينيه والخلق بين ركبتيه ويده تبلغ المشرق والمغرب.
فقلت يا جبرئيل من هذا فما رأيت من ملائكة ربي جل جلاله اعظم خلقاً منه.
قال عزرائيل: ملك الموت ادن فسلم عليه فدنوت منه فقلت سلام عليك حبيبي ملك الموت.
فقال وعليك السلام يا احمد ما فعل ابن عمك علي بن ابي طالب عليه السلام.
فقلت وهل تعرف ابن عمي؟ قال وكيف لا اعرفه فان الله جل جلاله وكلني بقبض الأرواح ما خلا روحك وروح علي ابن ابي طالب فان الله يتوفاهما بمشيئته.
أي ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى ملك الموت وكيف يقوم باداء واجبه ويتلقى الأمر بحلول اجل من انقطع رزقه في الدنيا وحضر أوان انتقاله الى عالم الآخرة، وهذا المشهد تذكير وموعظة للمسلمين ومناسبة للإعتبار.
ان لقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بملك الموت في الإسراء امر ذو اهمية خاصة خصوصاً وانه يتولي جانباً وشأناً ذا خطورة في حياة الإنسان والمجتمع وقد تضمن البشارة والتأييد وتزكية للمسلمين.
لقد كان ملك الموت يأتي الأنبياء السابقين ويخبرهم عن بعض احوال عالم البرزخ وقبض الأرواح وآجال بعض الأشخاص ممن لم يحن اجله، وربما اخبرهم هو ابتداء وان كان اخباره ليس على نحو الحتم والقطع دائماً لأنه سبحانه يمحو ما يشاء قال تعالى وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ .
ومن الآيات الكونية ، ان اسم ملك الموت شائع على السنة الناس كل بلغته ولهجته فهو معروف عند كل الملل والأمم والنحل لما لقبض الأرواح عند الناس من اهمية وموضوعية واعتبار وهو امر يدل على الإقرار به وبوظيفته نعم تلك المعرفة من الكليات المشككة اذ يتفاوت ذكره ويتناسب طردياً مع التقوى والإيمان والإنتساب العقائدي السليم، ومع التباين في مقدار وكيفية تلك المعرفة فان كل فرد من افرادها يصلح ان يكون حجة على الإنسان ومناسبة لإستحضار الموت وما يستلزم من الإستعداد لما بعده من النشأة الآخرة.
ان الدعاء لملك الموت لجوء الى الله وصلة كريمة مع ملك الموت خصوصاً وانه يتصفح وجوه افراد كل اسرة خمس مرات في اليوم بعد الفرائض اليومية.
والتماس قبض الروح بيسر ومن غير مشقة وعناد لا يعني ان كيفية قبض الروح وما يرافقها بيد ملك الموت لأنها تجري وفق قواعد وضوابط كلية تمثل انعكاساً لعالم الأعمال.
وكأن هذه الكيفية من اول صيغ الجزاء التي تواجه الإنسان عند دخوله عالم الآخرة، وعالم الحساب بلا عمل ولكن منافع الدعاء بحسن التسليم بحتمية زيارة ملك الموت وتترتب عليه آثار كريمة على الجوارح والاركان.
والدعاء لملك الموت تسليم بالموت ، ورضا بعمل هذا الملك العظيم ورجاء وتوسل بسهولة قبض الروح، وهذا لا يتعارض مع كون ملك الموت مأموراً وان الأمر بيده تعالى، فسؤال الرحمة والصلاة على ملك الموت
وَمُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ(31)
تضرع الى الباري عز وجل وتوسل لرأفته ورحمته ساعة الموت وقد ورد ما يدل على ان قبض الأرواح بيده قال تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا.
(31) الملكان اللذان ينكران أعمال وأخلاق السوء من العبد عند ادخاله في القبر.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: اذا قبر الميت اتاه ملكان اسودان ازرقان يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير.
فيقولان : ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله، اشهد ان لا اله الا الله وان محمداً عبده ورسوله.
ولقد اتفق أهل الاسلام على سؤال منكر ونكير للميت في قبره وما يتعرض له الكفار من العذاب عند السؤال ومخالفة شخص مثل وهو ضرار بن عمرو للاجماع في هذا الباب امر لايعتد به خاصة وان السمع تواتر بحدوث هذا العذاب للكفار بالاضافة الى امكان ذلك وورد استشهاد في المقام بقوله تعالى قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا، وان أحد الاحيائين يكون في القبر للحساب ، وفيه يكون الاعتراف بالذنوب.
ومن الناس من اثبت العذاب في القبر دون الاحياء ومنهم من وصف العذاب بانه اجتماع للالام في الجسد. ومنهم من قال بالاحياء ولكن من غير اعادة للروح.
وانكر الجبائي ، وابنه تسمية الملكين منكراً ونكيراً ، وقال انما المنكر ما يصدر من الكافر عند تلجلجه اذا سئل، والنكير انما هو تقريع الكافر وهو قول ينطلق من المفهوم اللغوي للكلمة والتقيد الدقيق بمنطوقها والا فهو قول مخالف لظاهر الحديث.
وقد اختلف في الوظيفة الاضافية لمنكر ونكير من تعذيب الميت بعد سؤاله. فهل هما اللذان يتولان عذاب الكافر، ام انهما يكتفيان بالسؤال ثم يوكلان الميت اما الى ملائكة النعيم او الى ملائكة العذاب. او ان احدهما من ملائكة النعيم والاخر من ملائكة العذاب. فان اجاب الميت بما يستحق النعيم قام عنده ملك النعيم وان ظهر انه يستحق العذاب تولاه ملك العذاب وغادره ملك النعيم.
والظاهر ان السؤال والعذاب الإبتدائي في ساعة واحدة، وهما اللذان يقومان به ولايبعد ان يكون لهما اعوان كما لملك الموت اعوان.
ولعل تسمية منكر لما يصدر من الإنسان من افعال السوء والنكير بما يصدر عنهما من التوبيخ والتقريع.
ومنهم من ذهب الى القول بانه ليس للمؤمن منكر ونكير ولكن النصوص وردت مطلقة وتحمل مضامين التفصيل فانهما يأتيان للمؤمن بهيئة كريمة وحسنة ومن وظائف تسمية الملكين بمنكر ونكير ما هو دنيوي فمن دلالات هذه التسمية انها انذار وتخويف ووعيد وتحذير لعامة الناس.
وَرُومَانَ فَتَّانِ الْقُبُورِ(32)
(32) كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كثيراً ما يتعوذ من فتنة القبر.
وذكر ان عبد الله بن سلام سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن اول ملك يدخل في القبر على الميت، فقال صلى الله عليه وآله وسلم ملك يتلألأ وجهه كالشمس اسمه رومان يدخل على الميت ثم يقول اكتب ما عملت من حسنة وسيئة فيقول باي شيء اكتب اين قلمي ودوائي ومدادي فيقول ريقك مدادك وقلمك اصبعك.
فيقول على أي شيء اكتب وليس معي صحيفة قال صحيفتك كفك فيكتب ما عمله في الدنيا من خير واذا بلغ سيئاته يستحي منه.
فيقول له الملك يا خاطئ ما تستحي من خالقك حين عملته في الدنيا فتستحي الآن فيرفع الملك العمود ليضربه فيقول ارفع عني حتى اكتبها.
فيكتب فيها جميع حسناته وسيئاته ثم يأمره ان يطوي ويختم.
فيقول باي شيء اختمه وليس معي خاتم فيقول اختمه بظفرك، وعلقه في عنقك الى يوم القيامة كما قال الله تعالى وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا.
ويدرك العقل لزوم الإستعداد لعالم القبر واهوال الليلة الأولى فيه وعلى المكلف نفسه تتوقف كيفية استقبال رومان له في القبر.
ويدل سؤال الرحمة والصلاة على رومان بالدلالة الإلتزامية على التهيء للقائه، وهو ادخار لساعة لقائه ومقدمة كـريمة ورجـاء للتخفيف من حسابه واجتناب فتنته ووطأتها التي لا تحتمل مع وحشة القبر وضيقه .
وَالطَّائِفِينَ بِالْبَيْتِ الْمَعْمُور(33)
(33) الطائفون : جمع طائف، والطواف لغة الدوران حول الشيء والإستدارة عليه من نواحيه، وهو في الإصطلاح الدوران حول الكعبة المشرفة عبادة وطاعة وامتثالاً.
والمطاف : موضع الطواف حول الكعبة قال تعالى وَلْيَطَّوفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ.
أي ان الطواف حول الكعبة يوم النحر واجب، وفيه يحاكي المؤمنون الملائكة بطوافهم حول العرش، وهو مناسبة لخلوص القلب وتعلقه بالمعبود، ويذكر الازدحام في المطاف ومواضع الحج بعرصات القيامة.
وهو ادخار كريم لأهوال ذلك اليوم، وسمي البيت المعمور لأن الملائكة تعمره وتطوف به وهو في السماء.
ففي حديث الإسراء قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم انطلق بي على ظهر السماء السابعة فقال طأطأ رأسك فانظر ما ترى، فطأطأت رأسي فنظرت الى بيت مثل بيت نبيكم هذا، وحرم مثل حرمكم هذا لو القيت شيئاً بين يدي لم يقع الا عليه، فقلت للملك ما هذا: قال هذا بناء بناه الله للملائكة يدخله كل يوم سبعون الف ملك يسبحون الله ويقدسونه لا يعودون اليه وهو البيت المعمور تعمره الملائكة كل يوم فدخلته فصليت فيه ركعتين ومعي اناس من اصحابي عليهم ثياب جدد وآخرون عليهم ثياب خلقات فدخل اصحاب الجدد وجلس اصحاب الخلقات والكل على خير.
وهذه الفقرة من الدعاء غير محصورة بعدد معين من الملائكة بل هي مطلقة وشطر من الطائفين بالبيت المعمور في تبدل مستمر، وكثير من الملائكة يدخلونه ثم لا يعودون له الى يوم القيامة.
روى علي بن ابراهيم باسناده عن الامام محمد الباقر عليه السلام عن امير المؤمنين عليه السلام قال ان الله تعالى لما اراد ان يخلق خلقاً بيده وذلك بعد ما مضى من الجن والنسناس في الارض سبعة الاف سنة فكشف عن اطباق السماوات وقال للملائكة انظروا الى اهل الارض من خلقي من الجن والنسناس .
فلما رأوا ما يعملون فيها بالمعاصي عظم ذلك عليهم، فقالوا ربنا انت العزيز القادر وهذا خلقك الضعيف يعيشون برزقك ويعصونك ولا تنتقم لنفسك فلما سمع ذلك من الملائكةإِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً، يكون حجة في ارضي، فقالت الملائكة سبحانك [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا] ( )، كما افسدت بنو الجان فاجعل ذلك الخليفة منا فانا لا نعصيك ونسبح بحمدك ونقدس لك، فقال عز وجل [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( )، اريد ان اخلق خلقاً بيدي واجعل من ذريته انبياءً وعباداً صالحين وائمة مهديين اجعلهم خلفاء على خلقي في ارضي، واطهر ارضي من النسناس وانقل مردة الجن العصاة عن خلقي واسكنهم في الهواء وفي اقطار الارض، واجعل بين الجن وبين خلقي حجاباً.
فقالت الملائكة : يا ربنا افعل ما شئت ، فباعدهم الله من العرش مسيرة خمسمائة عام فلاذوا بالعرش واشاروا بالاصابع، فنظر الرب اليهم ونزلت الرحمة، فوضع لهم البيت المعمور.
فقال طوفوا به ودعوا العرش فطافوا به وهو البيت الذي يدخله كل يوم سبعون الف ملك ولا يعودون اليه ابداً، فوضع البيت المعمور توبة لاهل السماء ووضع الكعبة توبة لاهل الارض.
ويبين الحديث شرف الإنسان ومنزلته وانه كان من بين اسباب خلق البيت المعمور في السماء وان الطواف بالكعبة كطواف الملائكة بالبيت المعمور.
ويبين السنخية السماوية للكعبة فهي في الأرض ، ولكنها من معلولات ما حصل في السماء، لذا نزل الحجر الأسود من السماء وكما ترى في قدسية الزهراء وانها حورية إنسية اذ ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكل تفاحة في السماء ليلة الإسراء ،
وفي المسجد الحرام الحجر الأسود وهو يمين الله في الأرض وورد ( عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد على من استلمه بحق ( ).
ومن يستلمه بيده يستحب له تقبيله مع السعة والمندوحة وعدم الضرر وانتفاء الزحام ، وإذا لم يستطع استلامه يستقبله ويكبر ويقوله (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا ومَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَولاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ولاَ إِلَهَ إِلاَ اللَّهُ واللَّهُ أَكْبَرُ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِهِ وأَكْبَرُ مِمَّنْ أَخْشَى وأَحْذَرُ وَلاَ إِلَهَ إِلاَ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ ولَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي ويُمِيتُ ويُمِيتُ ويُحْيِي بِيَدِهِ الْخَيْرُ وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الحجر الأسود من حجارة
وَمَالِكٍ وَالْخَزَنَة(34)
الجنة وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : ليأتين هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به ، يشهد على من استلمه بحق ( )، قال تعالى [وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ] ( ).
(34) روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال والذي نفسي بيده لقد خلقت ملائكة جهنم قبل ان تخلق جهنم بالف عام فهم كل يوم يزدادون قوة الى قوتهم ومالك هو رئيسهم ، قال تعالى وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ .
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيقولون أدعوا مالكاً.
وعن ابن عباس انما يجيبهم بعد الف سنة.
وخزنة جهنم القائمون بتعذيب أهلها ويصدون لهيبها عن تجاوز حدها ويمنعون انتشارها، قال تعالى وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنْ الْعَذَابِ.
يشترك الناس جميعا في العيش في الحياة الدنيا وكذا يمر كل واحد منهم بعالم البرزخ ويقف يوم المحشر ، فهذه العوالم لا فرق فيها بين المؤمن والكافر، والذكر والأنثى والسيد والعبد والأب وابنه من جهة الإبتلاء او التعرض لها وان تغايرت اعمالهم من الصلاح او الفساد، والسعادة والنحوسة والصحة والمرض في الحياة الدنيا، والرحمة او العذاب الإبتدائي في عالم البرزخ، الا انه في الجزاء يكون الإفتراق بحسب الأعمال.
وهذا الإفتراق ابدي سرمدي أي لا نهاية له في المستقبل.
فجاء ذكر مالك في الدعاء لأنه احد اكبر الملائكة ولما يقوم به من مسؤولية عظيمة تتجلى بعض معالمها في حديث الإسراء بما يبعث الفزع في النفوس ويجعلها تتجه صوب الإحتراز من دخول النار والوقوع تحت وطأة ملائكتها.
وقال الإمام عليه السلام و(مالك الخزنة) والألف واللام للعهد أي خزنة النار بقرينة ذكر مالك نفسه وهل الصلاة عليهم والدعاء لهم نوع توسل ودعاء بالنجاة من النار الجواب نعم، فانه بفضل الله تعالى يكون هذا من الذكر والله من رأفته ان يقي العبد اذى النار ما دام خائفاً منها لأن الخوف منها إقرار وإعتراف بوجودها ، والتجاء الى الله تعالى الذي جعلها مثوى للجاحدين والكافرين , وفي دعاء كميل ( أم كيف ادخل النار ورجائي عفوك).
وقد ورد ذكر مالك في الروايات وفي الخبر عن الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن جبرئيل قال: اطلعت في النار فرأيت وادياً في جهنم يغلي.
فقلت: يا مالك لمن هذا؟ فقال لثلاثة: المحتكرين، والمدمنين الخمر، والقوادين( ).
والإحتكار حبس الطعام انتظاراً به الغلاء مع حاجة الناس له حرام.
ويتحقق الإحتكار في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والدهن وما يحتاج
وَرِضْوَانَ وَسَدَنَةِ الْجِنَان(35)
اليه الناس من الطعام، لو كان هناك طعام غير هذه الخمسة يحتاج اليه الناس عرفاً فتشمله ادلة الإحتكار، كما في بعض البلدان يكون الغذاء الرئيسي فيها الرز او الذرة ونحوها، ويجبر المحتكر من قبل الحاكم على البيع، ولا يعين له السعر، بل يكفي اخراج بضاعته الى السوق وله ان يبيع بما شاء، نعم لو اجحف يجبر على تخفيض السعر من دون تسعير عليه.
يصدق عنوان الإحتكار في الخصب بمرور اربعين يوماً على حاجة الطعام للناس مع وجوده عنده، اما في الشدة والغلاء فبثـلاثة ايام، وقد تختلف المدة بحسب الحاجة فقد تكون في مراتب القحط والابتلاء ساعات معدودات.
والقيادة وهي الجمع بين الرجل والأنثى للزنا او الفاحشة او بين الذكر والذكر للواط على حرمتها الكتاب والسنة والإجماع، ومع ثبوتها شرعاً بشهادة عدلين او الإقرار والعقل مرتين فان حدها ثلاثة ارباع الزاني أي خمسة وسبعون سوطاً وينفى من البلد الى غيره في الثانية.
وهذه الأحاديث زجر وتأديب ، وتساهم في اجتناب الموبقات وذكّر الملك على الألسن فيه نوع احتراز من ولوج النار ويأتي هذا الذكر بأبهى صوره وهو الدعاء له وسؤاله تعالى الصلاة عليه وعلى خزنة النار.
(35) رضوان كبير الملائكة الذين يتولون الإشراف على الجنان وشؤون اهلها وسكانها، اقتبس اسمه من رضا الله وطلب العباد لمرضاته تعالى كسبيل للفوز بالجنة سبحان الله الذي يرضى بالقليل ويعطي الكثير، والسدنة جمع سادن وهم اعوانه من الملائكة القائمون بامور الجنان قال تعالى وَتَتَلَقَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمْ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ.
ومن مباحث علم الكلام هل الجنة والنار مخلوقتان وموجودتان الآن ام انهما لم يخلقا بعد، واكثر علماء الإسلام على الأول وقال الأقل انهما لم يخلقا بعد.
والمختار هو خلقهما ووجودهما الآن، وصيغة الماضي اعم من الثبات المدعى فقد يراد منها القطع والحتم والإخبار عن ثبوت شيء وحتمية حصوله وانت ترى صيغ العقود تجري بالماضوية مع انها متعلقة على القبول والإيجاب كما استدل بقوله تعالى يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ.
ووردت نصوص كثيرة تفيد خلقهما , قال تعالى وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.
وقد دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجنة ليلة المعراج، ورأى النار في آية كونية وتشريعية خالدة، وهناك نصوص كثيرة تدل على خلقهما ، كما يمكن الإستدلال على خلقهما بقوله تعالى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ.
وقيل انها النار البرزخية ولم يثبت هذا التقسيم أي نار برزخية واخرى أبدية فالنار واحدة وهو من باب تعدد العنوان ووحدة المعنون كما ان الذات متحدة وان اختلف الإعتبار، والفارق جهتي وفيها رد اعجازي على بعض المعتزلة الذين يقولون ان خلق الجنة والنار الآن من العبث، فان وجوه وظائف للجنة والنار في هذا الزمان ينفي العبث وان كان العبث منفياً في صنع وفعل الله تعالى لأنه سبحانه منزه عن اللهو والعبث والقبيح.
لقد اراد الله عز وجل للجنة والنار ان يكون ملائكتهما شــاهدين على الناس في افعالهم، فمن يدخل الجنة يعرفه خزنتها بفعله واجتهاده في مرضاة الله وينتظرون وصوله.
ومن يعمل السيئات يراه ملائكة النار ويستشيطون عليه غضباً وهو يرتكب المعاصي وينتظرون يوم الإتيان به سجيناً ليدخلوه النار من غير رأفة او رحمة.
لذا جـاء الدعاء بالصلاة عليهم كصلة ومودة وشكر لقيامهم باعمالهم وطاعتهم لله عز وجل.
روى الصدوق في توحيده عن الهروي قال: “قلت للرضا عليه السلام: يا ابن رسول الله اخبرني عن الجنة والنار اهما اليوم مخلوقتان؟ فقال: نعم، وان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد دخل الجنة ورأى النار لما عرج به الى السماء.
قال : فان قوماً يقولون انهما اليوم مقدرتان غير مخلوقتين فقال عليه السلام : ما اولئك منا ولا نحن منهم، من انكر خلق الجنة والنار فقد كذب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكذبنا وليس من ولايتنا على شيء وخلد في نار جهنم( ).
وتلاحظ في الحديث استدلال الإمام الرضا عليه السلام بحديث المعراج على خلق الجنة والنار ، وهذا الحديث يساهم في الإنتفاع من الإسراء في الإستدلال على مسائل كلامية مهمة.
ويظهر التداخل في النصوص الواردة عن اهل البيت عليهم السلام وتعضيد وتفسير الصحيفة السجادية لحديث الإسراء والسنة النبوية كما ان الأخيرة بيان وتفسير للقرآن مما يدل على وحدة وتكامل الشريعة الإسلامية.
يبادر الملائكة الى طاعة الله وفعل ما يأمرهم به من غير تردد او تقصير، والدعاء اشارة واعتبار وتلميح لقوله تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ.
وهل الواو في (والذين) عاطفة أم استئنافية بمعنى هل قوله عليه السلام والذي لا يعصون الله ما امرهم راجع الى خزنة الجنة ومن قبلهم من الملائكة ام انهم ملائكة آخرون يسأل الإمام عليه السلام الله عز وجـل ان يصــلي عليهم ويرحمــهم، خصـــوصاً ان كل ملك من ملائكة الله لا يعصي الله فيما امره، وان الإمام اراد بعد التخصيص والتعريف في الدعاء، السؤال لمن يذكره بالخصوص ومن هو قائم باداء وظائفه لا يعلمه الا الله كما ان عدد الملائكـة لا يحصيه الا الله عز وجل.
الأقوى هو الأول أي انه راجع الى خزنة الجنة والنار وقد وردت هذه الفقرة والفقرة التالية من الدعاء على طريقة اللف والنشر البلاغية، فهذه الفقرة تتعلق بخــزنة النار والثــانية تعود الى خزنة الجنة، فخزنة النار لا تأخذهم رأفة باهل النار ولا يقومون بتخفيف العذاب عنهم او عن بعضهم، ومن يتوسل ويتضرع بهم فجاء الدعاء لهم لأخلاصهم وتفانيهـــم في طــاعة الله ولتذكـــير الأمة بهذا المشـهد المفزع والمخيف واخذ الحائطة له باجتناب المعاصي والفواحش والتعوذ من النار.
وَالَّذِينَ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(36)
(36) والدعاء نوع بيان واعتذار عن خـزنة النار فهم مأمورون بوظائفهم وان الخطــأ والذنـب يقع على الــذي يلقــي نفســه بين ايديهــم بارتكابه المعاصــي، لذا ترى المســلمين ينظــرون لهم بتقديس واكــرام، ولا عبــرة باقوال الكافـرين والجاحدين الذين عادوا الأنبياء والملائكة.
وعدد خزنة النار تسعة عشر ، ومالك رئيسهم وواحد منهم، وروي انه لما نزل قوله تعالى عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ قال ابو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم.
قال ابن ابي كبشة( ) ان خزنة النار تسعة عشر وانتم الجمع العظيم ايعجز كل عشرة منكم ان يبطشوا برجل منهم فقال ابو الأشد بن اسيد بن كلدة الجمحي وكان شديد البطش انا اكفيكم سبعة عشر، واكفوني انتم اثنين، فلما قال ابو جهل وابو الأشد ذلك.
قال المسلمون : ويحكم لا تقاس الملائكة بالحدادين، أي ليسوا كالسجانين وصانعي القيود فالدعاء جاء دحضاً وتبرأ من قول ابي جهل وتوكيداً لبقاء كلمة التوحيد وتثبيتاً لآيات القرآن وايماناً بها، وفيه دلالة على انتصار الإسلام وتغني الألسن باسماء الملائكة ومنهم خزنة النار.
َالَّذِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ(37) وَالزَّبَانِيَةِ الَّذِينَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ابْتَدَرُوهُ سِرَاعاً وَلَمْ يُنْظِرُوهُ(38)
(37) الملائكة الذين يباركون لأهل الجنة الثواب الذي استحقوه بتحملهم مشاق الصبر الدنيوي في سبيل الله قال تعالى جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ.
والدعاء استبشار بفضل الله تعالى وما وعد المؤمنين به، وانتظار ليوم الجزاء ودخول الملائكة على أهل الجنة من كل باب من أبوابها الثمانية، يباركون لهم مقام الخلد ودار السعادة والتوفيق في الإبتلاء.
وذكر سلام الملائكة في موضوع الصلاة عليهم لابد ان يكون فيه مدح لهم ولا يعني هذا ان الآية تدل على ما ذهب اليه المعتزلة من تفضيل الملائكة على الأنبياء ، ان السلام هنا نوع اكرام وتشريف لأهل الجنة وحسن استقبال يدل على الغبطة وانتفاء الحسد عند الملائكة.
(38) الزبانية : الشرط ، لدفعهم المجرمين الى النار يوم القيامة من غير امهال ولا تراخ او تسويف وهم ملائكة العذاب ، وقيل اذا قال الرب خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، ابتدره سبعون الف ملك أيهم يجعل الغل في عنقه( ).
وَمَنْ أَوْهَمْنَا ذِكْرَهُ وَلَمْ نَعْلَمْ مَكَانَهُ مِنْكَ وبِأَىِّ أَمْرٍ وَكَّلْتَهُ(39).
ويدل الدعاء بالدلالة التضمنية على مدح هؤلاء الملائكة لأخذهم المجرمين والكفار اخذاً شديداً طاعة لله عز وجل.
وفي الدعاء دراسة وبيان مقارن عن حالة السعادة التي تنتظر المؤمنين , والشقاوة التي تنتظر الكافرين والجاحدين، وفيه ايضاً انذار وتحذير وتخويف لهم ، وفي التنزيل فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ.
(39) توسل ودعاء لمن لم نذكره من الملائكة او اننا جهلنا عظيم منزلته او فاتنا التبرك بالصلاة عليه رغم رفعة وموضوعية الوظيفة الموكل بادائها وتعاهدها، عن حماد بن عيسى قال سأل رجل ابا عبد الله عليه السلام فقال: الملائكة اكثر ام بنو آدم، فقال عليه السلام والذي نفسي بيده لملائكة الله في الســماوات اكــثر من عــدد التراب في الأرض وما في السماء موضع قدم الا وفيه ملك يسبح له ويقدسه ولا في الأرض شجر ولا مثل غرزة ابرة الا وفيها ملك موكل يأتي الله كل يوم بعلمها والله اعلم بها…الحديث( ).
وفي هذه الفقرة أدب في الدعاء وإظهار للعجز والجهل باسرار عالم الملكوت والتفويض الى الله عز وجل بشمول الصلاة والدعاء لجميع الملائكة رجاء عموم رحمته وواسع فضله.
وَسُكَّانِ الْهَوَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْمَاءِ(40)
(40) الهواء : النسيم والأفق، اللهم ارحم الملائكة الموجودين في الجو والأرض والماء من الملائكة او من غيرهم، قال تعالى وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ… وروي ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الغسل تحت السماء الا بمئزر ونهى عن غسل الأنهار الا بمئزر ، وقال: ان للماء أهلاً وسكاناً( ).
وهل المراد من لفظ (سكان) في الدعاء الإطلاق وشموله لكل الخلائق التي تقطن في الهواء والأرض والماء ام انه خاص بالملائكة، الأظهر هو الثاني لأن الدعاء ورد لخصــوص الملائكــة ولأن بين سكان الأرض والهواء من كفار وجاحدون من فرق وقبائل الإنس والجن وبدليل الفقرة التالية، انه دعاء وسؤال فيه مودة لأولئك الملائكة وادراك لوجودهم وقيامهم باعمالهم من حوالينا وبين ظهرانينا.
فان قلت : ان سكن الملائكة في السماوات من المشهورات، وهم اجساد نورانية , وعن الفلاسفة هم العقول المجردة والنفوس الفلكية، فكيف يكون وجودهم في الأرض او في الماء.
قلت: انهم جنود الرحمن يقومون بوظائف تعاهد الموجودات ورصد الأفعال وتنظيم احوال الطبيعة وافراد المخلوقات مما يعني انتشارهم ووجودهم حيث يشاء الله عز وجل من طبقات السماء والأرض وهذا لا يتعارض مع القول بان مسكنهم السماء، لأنه الغالب والأصل وفيها الجم الكثير منهم.
وَمَنْ مِنْهُمْ عَلَى الْخَلْقِ(41) فَصَلِّ عَلَيْهِمْ يَومَ يَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيد(42)
(41) اللهم صل على الملائكة المكلفين بمهام خاصة وتعاهد بعض المخلوقات او حفظها او رصد حركتها او تدوين سيرتها والشهادة عليها، وفي الأخبار ليس من شيء من خلق الله الا وملك موكل عليه.
يمكن القول ان هذا الدعاء يتضمن المتضادات من غير تعارض بينها فانه يدل على سعة اطلاع الإمام عليه السلام في شؤون واحوال الخلق مع العجز عن ادراك التفاصيل وتسليم بانه لا يعلمها الا الله عز وجل سواء تلك المتعلقة بعدد الملائكة ام بوظائفهم الخاصة وكيفيتها، ولكن انحصار علمنا بالإجمال لا يمنع من الدعاء لهم وسؤال الصلاة عليهم وتفويض الأمر الى الله عز وجل، وفيه غاية العبودية وصدقها فمن الصفات الذاتية للعبودية الشعور بالرق والجهل وسلب المعرفة الا ما انعم الله عز وجل علينا به من ابوابها الدنيوية والأخروية.
ان اقرار الإنسان بوجود مخلوقات اخرى الى جانبه لا يراها ولا يحس بها ولكنه يعلم انها تقوم برصده ومراقبته، يولد عنده كيفية نفسانية قوامها الحيطة والحذر والإحتراز من اتيان ما يكون حجة عليه، والإقبال على اتيان ما فيه نفع له في الدارين.
(42) اللهم ارحمهم وتفضل عليهم واحسن الى الملائكة يوم القيامة حيث يأتي مع كل انسان ملكان احدهما يسوقه الى المحشر والآخر يشهد على عمله واسـتذكار هذا المـوقف فيه اشارة ورجـاء عونهما والتماس رفقهما يومئذ وفاءً وجزاءً، قال تعالى وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ.
وَصَلِّ عَلَيْهِمْ صَلَاةً تَزِيدُهُمْ كَرَامَةً عَلَى كَرَامَتِهِمْ(43) وَطَهَارَةً عَلَى طَهَارَتِهِمْ(44)
وفي الدعاء بيان لعظيم فضل الله تعالى على الملائكة واكرامهم بالخلق والسكن والعمل والإنقطاع الى ذكره وتسبيحه تعالى وان هذا الفضل لا يمنع من سؤال المزيد لإدراك الكبرى الكلية التي تحكم المخلوقات وتعشقها النفوس وتدركها العقول بالفطرة وهي أن الله تعالى كريم لا يقف عطاؤه عند حد، ولا يترك الدعاء من غير استجابة.
ان قيام الإنسان بالدعاء للملائكة اثبات لإستحقاقه للخلافة في الأرض، والإمام عليه السلام يقوم بوظائف الإمامة لإستدامة صلة ود بين الناس والملائكة تكون سبيلاً للرأفة بهم والتخفيف عنهم في الحساب باذنه تعالى.
(43) من أسماء الله تعالى (الكريم) وهو الذي لا ينفد عطاؤه مع كثرة جوده، والكرامة اسم من الإكرام , اللهم ارحمهم وتفضل عليهم بما يزيد في درجتهم ويرفع من منزلتهم ويقربهم اليك، ويكون مددا لهم من جاه، والدعاء بيان لتوالي نعم الله وعدم وقوفها عند حد او مرتبة , قال تعالى بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ
(44) اللهم وامنن على الملائكة بتنزيه اضافي الى جانب ما جعلته عندهم من التنزه عن الأدناس والإبتعاد عن الخطأ والمعصية واجتناب الكفر ونيلهم مراتب الهدى والتقوى وطهارة النفوس.
ويمكـــن اســتقراء مســألة من قولـه تعالى وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا بان الذي يسكن السماء يكون طاهراً في نفسه لأن الله عز وجل
اللَّهُمَّ وَإِذَا صَلَّيْتَ عَلَى مَلَائِكَتِكَ وَرُسُلِكَ وَبَلَّغْتَهُمْ صَلَاتَنَا عَلَيْهِمْ فَصَلِّ عَلَيْنَا بِمَا فَتَحْتَ لَنَا مِنْ حُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِمْ إِنَّكَ جَوَادٌ كَرِيمٌ(45)
اختاره لجواره او لأنه من النواميس الأحكام الثابتة في عالم السماء وسكانها، ومن وجوه طهارة الملائكة انه لا يصدر عنهم الا النفع، لذا فان سؤال الزيادة في الطهارة تعني بالدلالة الإلتزامية سؤال كثرة النفع والإحسان من الملائكة وتسخيرهم لخدمة الإنسان واعانته على اداء التكاليف.
(45) اللهم انعم علينا برحمتك للملائكة من خلقك والرسل من الأنبياء من عبيدك الذين اصطفيتهم فاعلمهم بصلواتنا عليهم ودعاءنا لهم، وارحمهم بما مننت علينا به، مما رزقتنا من صالح الدعاء والمسألة واستذكارهم في التقرب اليك، انك دائم الإحسان ونعمك متصلة وهباتك كثيرة وانت ولي الجود والكرم ان الإمام عليه السلام يحرص على ان يختم الدعاء بالثقة بالقبول منه تعالى مع ثناء لمقام الربوبية وتثبيت قاعدة كلية تظهر فضله واحسانه المتصل.
من صــفاته تعالى الثبوتية، انه صادق فيما يعد ويخبر، اما الكبرى فأنه تعالى منزه عن القبيح مطلقاً، واما الصغرى فأن الكذب قبيح لأنه اخبار غير مطابق للواقع وليس من واسطة بين الصدق والكذب مطلقاً أي من كل احد، وان الكـذب يـدل على النقص في الذات ويستحيل النقص عليه تعــالى لأنه مظــهر الكــمالات كــلها وبوجــهها الأتم ومن كل جهة اذ ان واجب الوجــود يمتنع تغيره وانفعاله وتجدد شيء له للثبوت العقلي الدائم لصفاته وما هو من شأنه، وهو الذي يتفضل بالكمالات ومنها الصدق بالوعد والوفاء به وهو من مصاديق الخير، وهو لا يخلف وعده لأن عدم الوفاء بالوعد من الشر الذي هو عدم كمال الشيء والله سبحانه منزه عن الشر وقد ثبت وصف الخيرية له تعالى.
ثم انه تعالى حكيم أحاط بكل شيء علماً ولا يصدر الشيء منه إلا على الوجه الأكمل وبتمام الإتقان، كما ان الوفاء بالعهد من اسباب النظام الأحسن.
ومن صفاته تعالى الثبوتية انه جواد، والجود الإعطاء وايصال النفع الى الغير من غير عوض وهو الذي أفاض بالوجود على الممكنات لا تنفد خزائنه مع كثرة العطاء ، وليس له من غرض بالوعد اذ انه في ذاته ملك غني عن غيره.
الدعاء الرابع
وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِى الصَّلَاةِ عَلَى أَتْبَاعِ الرُّسُلِ وَمُصَدِّقِيهِمْ
اللَّهُمَّ وَأَتْبَاعُ الرُّسُلِ وَمُصَدِّقُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ بِالْغَيْبِ عِنْدَ مُعَارَضَةِ الْمُعَانِدِينَ لَهُمْ بِالتَّكْذِيبِ(1)
(1) يبدأ الدعاء بالتوجـه الى الله تضرعاً ليرحم المؤمــنين الذين اتبعوا الأنبياء والمرســلين واقتدوا بهم وآمــنوا بما جـــاؤا به من عـــند الله رغم معارضة وصـــدود ابناء قومــهم وتكذيب المعانــدين، وللمبادرين للإسـلام في أول الدعوة والنبوة منزلة خاصة، قال تعالى وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ.
في الدعاء مسائل :
الأولى : يدل الدعاء بوضوح على قيام الإمام عليه السلام بمهام الإمامة في الترحم على اولياء الله والذين جاهدوا وساهموا في وصول عقيدة التوحيد الينا وحرصوا على ان تكون هي تركتهم التي يخلفونها لأهل الأرض عند مغادرة الدنيا.
الثانية : مع ان هذا الدعاء مستقل عن غيره من الأدعية فان سياقه يدل على وحدة الموضوع مع ما سبقه من الأدعية وان قلنا بعدم حجية الوحدة السياقية.
الثالثة : هناك قرائن على وحدة الموضوع وهي شمولها بعنوان الدعاء وسؤال الرحمة ولحاظ الإتحاد الجهتي ومادة الإتفاق بينها.
الرابعة : بين الملائكة واتباع الرسل عموم وخصوص من وجه، فمادة الإفتراق مادة الخلق في الإيمان وحسن الطاعة لله تعالى، وهذا العنوان يكفي لإشراك اتباع الرسل في الصلاة والدعاء.
الخامسة : قد لا يلتفت بعضهم الى موضوعية اتباع الرسل في تثبيت اركان التوحيد ولزوم شكرهم لما عملوا في طاعة الله وما تحملوه من مشاق وعناء يأتي الإمام عليه السلام ليقول اذكروا اسلافكم من المؤمنين وترحموا عليهم.
السادسة : في هذه الرحمة شكر لهم واقرار بفضلهم بهذه الوثيقة العبادية الملكوتية التي تصدر من الإمام ، وهي وصية باكرام اتباع الأنبياء واهل الإيمان من الأمم السابقة سبب ومناسبة للإلتفات والمواظبة.
السابعة : على ذكرهم على فرض بقاء الحديث والنص وحفظ الأصحاب له مع انه ليس من المسائل الإبتلائية التي حرصوا على نقلها وتوثيقها فتأتي الصحيفة الكاملة لتكون مدرسة متوارثة ومفتوحة لعامة المسلمين من غير حصر لها بطائفة دون اخرى.
الثامنة : في الدعاء دلالة على وراثة الإمامة للأمم السابقة واداء الواجب ازاءها نيابة عن الأمة وعن المؤمنين.
التاسعة : في الدعاء حضور لإتباع الرسل واصحابهم في حياتنا.
العاشرة : لقد غادرت الأمم الغابرة الدنيا ويبقى الذكر والإكرام خاصاً باهل الإيمان منهم، وفي الدعاء مدح لإتباع الرسل جاء على نحو التوسل والتضرع وبيان استحقاقهم للرحمة بفضله تعالى لإيمانهم وتصديقهم بالأنبياء ولتحملهم الأذى والكيد من اعداء الدين والجاحدين للرسالات السماوية.
والظاهر ان هذه الفقرة خاصة باصحاب الأنبياء واتباعهم ممن عاصرهم
وَالِاشْتِيَاقِ إِلَى الْمُرْسَلِينَ بِحَقَائِقِ الْإِيمَان فِى كُلِّ دَهْرٍ وَزَمَانٍ أَرْسَلْتَ فِيهِ رَسُولًا(2) وَأَقَمْتَ لِأَهْلِهِ دَلِيلًا مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ(3)
وعاش في ايامهم، وهذا التخصيص لشرف صحبة النبي مطلقاً سواء كان رسولاً او لم يكن، ولما في الإيمان به ابتداء من غير تقليد واتباع للغير من مضامين الجهاد والإيمان ولشدة اثر المعارضة والجحود.
وغالباً ما يكون الملأ ووجهاء القوم هم الذين يعارضون النبي ويتصدون لدعوته ويجهرون بالكفر بما جاء به سواء على نحو السخرية والإستخفاف او الإتيان ببعض الأدلة العقلية الزائفة الواهية , فيبقى هؤلاء المؤمنون فخراً لبني الإنسان وشاهداً على توظيف العقل لإدراك الكليات والإيمان بالغيب.
(2) وأهل الإيمان من التابعين والذين يؤمنون بما جاء به الرسل عندك وان لم يكونوا من اهل زمانهم لعظيم فضلك على الأجيال جميعها في بعثة كل نبي والإنتفاع العام من ذلك حتى في مضمون ، وعمل الرسالات اللاحقة كاساس وشاهد ومقدمات أو بشارة وانتظار وأمل.
إن الله عز وجل واسع كريم فاذا خص بعض الأجيال من الناس وفي بلدان معينة بصحبة الأنبياء، فلا يعني غلق باب خاص من الأجر والثواب بهم، وهو أكرم من أن يفتح باباً من الرحمة والفضل الإلهي ويغلقه فان التابعين لهم من الأجر والثواب ما لأصحاب الأنبياء ثم ان التابعين لهم مكرمة خاصة بالقياس مع أصحاب الأنبياء وهي ان الأصحاب رأوا الآيات والحجج والبراهين الدالة على صدق النبوة.
والتابعون آمنوا بها من غير ان يروا الآيات، سمعوا بها وصدقوا وامتثلوا لما فيها من الأحكام.
(3) آدم هو أبو البشر وأول من خلقه من الناس، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: انما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض، وكان اول الأنبياء الذين جعلهم الله ائمة يدعون الى الإيمان والهدى واتخاذ السبل الى الجنة ويقودون اهل الإيمان الى مرضاة الله ليستحقوا منا السلام والود والإستغفار.
عن ابي ذر الغفاري قلت: يا رسول كم النبيون؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم مائة الف واربعة وعشرون الف نبي، قلت يا رسول الله كم المرسلون؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير.
الهي تفضل برحمة منك تتغشاهم بها ومغفرة واحسان ، لينالوا مرتبة الفوز برضاك عنهم وعن اعمالهم.
وفي الدعاء مسائل :
الأولى : السعة والشمول في المسألة والإطلاق بغض النظر عن الإختلاف في المدة بين نزول آدم عليه السلام الى الأرض وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية : الدلالة على وراثة الإسلام للملل الســابقة والقـيام بالإستغفار والدعاء للسابقين من المؤمنين في مختلف الأزمنة , مع تعدد الأنبياء وكثرتهم.
الثالثة : انها الإمامة وما يترشح عنها من العناية بشؤون الناس واحوالهم في الحيــاة الدنيا وايضـاً في عالم البرزخ كما يظهر من الصحيفة السجادية.
الرابعة : ايجاد الصلة بين المسلمين ومن سبقهم من المؤمنين في الأزمنة السابقة خصوصاً ان الإمام عليه السلام من التابعين فأراد ان يعطي لهم ومن يأتي بعدهم من الأجيال درساً، ويعرفهم هذه الصلة.
الخامسة : اظهار عظمة الباري عز وجل ورسوخ الإيمان وسبقه لزماننا.
مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى وَقَادَةِ أَهْلِ التُّقَى عَلَى جَمِيعِهِمُ السَّلَامُ فَاذْكُرْهُمْ مِنْكَ بِمَغْفِرَةٍ وَرِضْوَانٍ. اللَّهُمَّ وَأَصْحَابُ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً الَّذِينَ أَحْسَنُوا الصَّحَابَةَ وَالَّذِينَ أَبْلَوُا الْبَلَاءَ الْحَسَنَ فِى نَصْرِهِ وَكَانَفُوهُ وَأَسْرَعُوا إِلَى وِفَادَتِهِ وَسَابَقُوا إِلَى دَعْوَتِهِ وَاسْتَجَابُوا لَهُ حَيْثُ أَسْمَعَهُمْ حُجَّةَ رِسَالَاتِهِ. وَفَارَقُوا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ فِى إِظْهَارِ كَلِمَتِهِ وَقَاتَلُوا الْآبَاءَ وَالْأَبْنَاءَ فِى تَثْبِيتِ نُبُوَّتِهِ وَانْتَصَرُوا بِهِ(4)
(4) الأصحاب : جمع صاحب، والصحابى في العرف من رأي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسمع منه وصحبه وآمن بما جاء به وقيل من طالت صحبته، وخاصة: أي بخصوصهم دون غيرهم فهي حال من الأصحاب والتاء فيها للنقل كعامة، وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن مائة واربعة عشر ألف صحابي آخرهم موتاً أبو طفيل عامر بن وائلة مات سنة مائة من الهجرة.
وفي الدراية نسب الشهيد الثاني هذا العدد الى القيل وختم ذكر هذا العدد بقوله: الله اعلم، ونسب القول بهذا العدد الخطيب البغدادي الى ابي زرعة الرازي , ولكن هذا العدد ليس مبالغاً فيه بلحاظ النصــوص الــواردة في بيعــة الغـــدير في العــودة من حجــة الوداع وانه حضرها تســعون ألف ويصـدق على كل واحد منهم عنوان الصحابي.
وكنفه يكنفه كنفاً واكنفه: حفظه واعانه.
ووفد عليه يفد وفداً ووفادة وافادة: قدم واقبل عليه، اللهم تفضل بالرحمة والرضوان على الأصحاب الذين ساهموا في بناء الإسلام وتعاهدوا مخلصين احكامه وابناءه هجرة وورعاً ووفاءاً وجهاداً تحت رايته ومن نال درجة الشهادة في سبيل الله ممن ترك الأوطان وفارق ازواجه واولاده ليلتحق بالمؤمنين في دار الهجرة اولئك الذين حاربوا قبائلهم بل قاتلوا بالسيوف وجهاً لوجه آباءهم وابناءهم فكانت تلك المبادرة الإيمانية من بركة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما يقترن بدعوته من مدد الهي تتلمس معالمه وآثاره ببراهين ساطعة حتى يوم القيامة.
والصحابي في الإصطلاح هو الذي آمن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ورآه , ومات على الإسلام وان ارتد في الإثناء، ومنهم من عرفه بانه من رآى النبي وقيل ان هذا التعريف يخرج الأعمى كابن مكتوم فهو صحابي بالإجماع ولم ير النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن النزاع صغروي فان المراد من الرؤية تشمل الأعمى لأن السبب شخصي قهري والمراد من الرؤية المعنى الأعم ويشمل المجالسة والسماع.
وقيل المراد من اللقاء ما هو اعم من المجالسة والمماشاة ووصول احدهما الى الآخر، وان لم يكلمه ولم يره اما من اسلم في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم تكتحل عينه برؤية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيمكن ان يطلق عليه اصطلاح آخر مستقل يفصله عن الصحابي وعن التابعي ويجعله كالبرزخ بينهما وتسميته مثلاً (المكاتف) لأنه احاط بالصحابة وآزر ونصر .
واصطلاح الصحابي من الكليات المشككة من جهة المنزلة والجهاد ودرجة الإيمان ، وعن ابن عباس انه ما ورد في القرآن [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ( )، الا وعلي رأسها.
وفي الحديث ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو على الحوض يرى بعض اصحابه يبعدون عنه فيقول اللهم اصحابي، فيأتيه النداء لا تعلم ما احدثوا بعدك، فيقول: سحقاً، سحقاً( ).
اكرام الصحابة الذين نصروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآزروه على درجة واحدة من الإكرام من غير فرق بين المهاجر والأنصاري روي ان عمر بن الخطاب كان يقرأ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ.
فلا يذكر الواو في (والذين) مما يعني عدم عطف الأنصار على المهاجرين ويجعل الأنصار وكأنهم تابعون للمهاجرين، فقال له أبي: والله لقد اقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على هذا الوجه، وانك لتبيع القرظ يومئذ ببقيع المدينة، فقال عمر: صدقت شهدتم وغبنا، وفزتم وشغلنا، ولئن شئت لتقولن نحن اوينا ونصرنا( ).
والقرظ بالتحريك ورق السلم يدبغ به الأديم.
الدعاء دعوة لعدم التفريق بين الصحابة الذين آمنوا بدعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم واخلصوا في العمل باحكامه لا اقل في الدعاء لهم والإستغفار لهم وفيها اجتناب للفرقة والشقاق، وبذا تتنجلى خصلة كريمة من خصال الإمامة وهي استثمار الدعاء لمنع الفرقة بين المسلمين والحيلولة دون استغلال العدو لها ولآثارها.
مدح وثناء للصحابة الذين جاهدوا في سبيل الله فمنهم من فارق الأهل وترك العيال والوطن والأمن والإستقرار وهم المهاجرون ومنهم من آوى ونصر وفتح بيته وصدره للإسلام.
وَمَنْ كَانُوا مُنْطَوِينَ عَلَى مَحَبَّتِهِ يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ فِى مَوَدَّتِهِ(5).
ان حياة الصحابة وما عانوه في سبيل الله مدرسة وعبرة تدل على صدق النبوة والإيمان بالآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فما من شيء يبعث على القتال بين الأب وابنه الا الإيمان خصوصاً وان هذه الظاهرة تكررت وتعددت وهي ليست قضية شخصية.
في الدعاء نوع شكر للصحابة على مؤازرتهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتحملهم المشاق في سبيل انتصار الإسلام وعلو كلمة التوحيد، وما فعلوه من اجل تلقينا للإسلام والولادة على مبادئه.
(5) (من) الموصولة وتختص بالعقلاء، وهي تقع على المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، وطويته طياً وطية، والطي: نقيض النشر، والطوية: الضمير.
والرجاء الأمل وإرتياح النفس بتوقع محبوب، والتجارة عبارة عن شراء شيء ليباع بالربح.
والبوار : الهلاك والكساد لقد طلبوا ربحاً مضموناً مكفولاً وثواباً عظيماً بثباتهم على محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحرصوا على المحافظة عليها كسبيل الى طاعة اوامر الله عز وجل وطلب مرضاته.
ثناء مع تقييد لمضامين الصحبة واستحقاق المدح وان الصحبة لا تنحصر بالرؤية او الصحبة البدنية والرفقة الخارجية بل لابد من التصديق بالنبوة وتنزيه النفس عن الأدران والآفات التي تحول دون الإخلاص والإقرار والتسليم بما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله تعالى، وفيه بيان لأحوال الصحابة ولزوم اتباعهم في صدق الإيمان ومحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وَالَّذِينَ هَجَرَتْهُمْ الْعَشَائِرُ إِذْ تَعَلَّقُوا بِعُرْوَتِهِ وَانْتَفَتْ مِنْهُمُ الْقَرَابَاتُ إِذْ سَكَنُوا فِى ظِلِّ قَرَابَتِهِ(6)
(6) اصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين تركتهم قبائلهم ومجتمعاتهم اعراضاً واحتجاجاً على مبادرتهم ومسارعتهم للتمسك بما جــاء به النبي صــلى الله عليـه وآله وسـلم من عنــد الله عــز وجل،
وتخلى عنهم اقرباؤهم وتنكروا لهم بسبب اتباعهم وانقيادهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورضاهم واعتزازهم بصحبته واقتناعهم بالإكتفاء به عشيرة وظلاً وملاذاً، قال تعالى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ… .
في الدعاء مسائل :
الأولى : بيان معاناة الصحابة وما لاقوه في جنب الله ومحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية : لقد خلق الله الإنسان وجعل عنده ميلاً الى الآخرين خصوصاً ذوي قرباه لذا قيل ان اشتقاق اسم الإنسان من الإنس لأنه يأنس بغيره.
الثالثة : جاء الإيمان برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليكون محور ومدار العلاقات والصلات وموضع السكن.
الرابعة : لقد حصلت الهجرة الى المدينة وهي من مفاخر الدين الإسلامي ودليل على صدق النبوة.
الخامسة : ان الآثار الإيجابية والمنافع العظيمة والغايات السامية التي حصلت بالهجرة لم تستوف حقها من الدراسات والتحقيٌق، فوراء كل مهاجر قصة ودروس على جهاد الصحابة لما فيه من العبر والموعظة.
السادسة : تصدى الإمام عليه السلام بحكم ولايته ومسؤولياته الشرعية الى تسليط الأضواء المباركة على جهاد الصحابة، وهو دليل على ما لاقاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأذى بالأولوية.
السابعة : في الدعاء نكتة وهي استحداث قرابة جديدة للصحابة وهي قرابتهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسبب الإيمان والهجرة.
السابعة : ان القرابة الجديدة هي اشرف واهم القرابات، فصلة وقرابة المؤمن المهاجر اوثق واهم من قرابة النسب الجاحد والكافر كأبي لهب الذي ذمه القرآن، وفي ذمه هذا اعجاز قرآني وهو اليأس من ايمانه وفعلاً فقد مات على الكفر.
الثامنة : ان القرابة والصلة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن قهرية او تعرض عليهم بالإكراه بل اختاروها طوع ارادتهم بعد ان رأوا الآيات فكان فيها شرف الدنيا والآخرة ومدح الإمام عليه السلام وخصه لهم بالدعاء مدرسة اخلاقية وعقائدية.
التاسعة : ان هذه القرابة جلبت لهم الأمن والعز والسكينة كما هو ظاهر قوله عليه السلام سكنوا في ظل قرابته لذا لا بأس بدراسة فلسفة الهجرة من جهة استعراض احوال جملة من المهاجرين قبل الهجرة وبعدها وكيف ان الله رزقهم بقرابة وصحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجاه والمال والسلطان والعز والبشارة في الآخرة وهي الأهم، وحال الأنصار قبل مجئ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الى المدينة وبعده وكيف ان الله عز وجل آلف بينهم واصلح حالهم بالقدوم المبارك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبدل الخصومة والنزاعات بين الأوس والخزرج ومن غير اجر توجهوا جميعاً الى الجهاد وما فيه من كنوز الثواب والذكر الجميل.
فَلَا تَنْسَ لَهُمُ اللَّهُمَّ مَا تَرَكُوا لَكَ وَفِيكَ وَأَرْضِهِمْ مِنْ رِضْوَانِكَ وَبِمَا حَاشُوا الْخَلْقَ عَلَيْكَ(7)
العاشرة : ان الدعاء والتوسل لرحمتهم لم يجعل الإمام عليه السلام ينسى النعم التي اصابت الصحابة بالهجرة الى بلاد الإسلام لتوكيد الإلتفات الى فضله العاجل عليهم والرضا والشكر على ما رزقهم الله عز وجل وللإشارة بان الذي يسأله الإمام عليه السلام لهم انما هو زيادة وفضل من رحمته تعالى.
الحادية عشرة : من المضامين العقائدية للهجرة ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد هجرته الى المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار فاذا مات احدهم ورثه اخوه في الدين ويأخذ المال دون ورثته بالنسب الى ان نسخ بآية قرآنية هي [النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا] ( ).
ويبين هذا الدعاء ونحوه ان كل امام في زمانه يسأل مضاعفة الأجر والثواب للمؤمنين.
(7) اللهم لا تتركهم من غير جزاء وثواب من رحمتك ومغفرتك وتفضل عليهم بالمجازاة والمكافأة لدعوتهم الناس لنيل مرضاتك وحسن اختيار سبيل الجنة بصلاح صحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم استجابة لما امرت به سبحانك فكانوا نواة المجتمعات الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها.
ورد في التنزيل نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ، أي كفروا وجحدوا ولم يؤمنوا فتركهم الله عز وجل ولم يتغشاهم فضله، وهو غير النسيان عند الإنسان الذي يعني اهمال الشيء عن غفلة وذهول، والدعاء توسل لله عز وجل بان يزيدهم من فضله اذ ان الحسنة وان كانت قليلة فان الله عز وجل ينميها ويزكيها ويضاعفها الى يوم القيامة فتأتي كجبل احد، ويقال: حشت الإبل
أي جمعتها وحشت الشيء أي جئته من حواليه.
لقد بذل الصحابة الوسع في نشر الإسلام وخاضوا الحروب ودافعوا ، لإعلاء كلمة التوحيد وقاتلوا وقتلوا في سبيل الله، قال تعالىوَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، كما أنهم رابطوا في الثغور .
فجاء الدعاء رجاء زيادة فضل الله تعالى عليهم وللبيان بان الإجتهاد في طاعته تعالى لا يغـني عن الحـاجة الى رحمته ولا يمنــع من التوسـل
رجاء احسانه تعالى، فاذا كان الإمام عليه السلام يتضرع ويتوسل للصحابة والمجاهدين المخلصين كي لا يتركهم الله من رحمته ولطفه فمن باب اولى ان نجتهد بالدعاء لأنفسنا للنجاة من النار ورجاء دخول الجنة.
ان الدعاء للصحابة اقرار بفضلهم واعتراف بما لهم من الأثر على من بعدهم من اجيال المسلمين، والدعاء مدرسة اخلاقية تعكس صيغ الإكرام والإجلال لأهل الفضل والإحسان.
وَكَانُوا مَعَ رَسُولِكَ دُعَاةً لَكَ إِلَيْكَ(8) وَ اشْكُرْهُمْ عَلَى هَجْرِهِمْ فِيكَ دِيَارَ قَوْمِهِمْ وَخُرُوجِهِمْ مِنْ سَعَةِ الْمَعَاشِ إِلَى ضِيقِهِ(9)
(8) كانوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عوناً وظهيراً وصلاحاً ويداً وامة في طاعة الله ونصرة دين الإسلام والدعوة اليه علانية وسراً، في القول والعمل فكانوا داعية الى الله وقدوة للآخرين في دخول الإسلام.
مدح وثناء للصحابة الذين اخلصوا لله ورسوله وتأديب للمسلمين على اكرامهم واجلالهم واتخاذهم اسوة وقدوة، فقد لازموا النبي ولم ينفكوا عن رفقته في اشد احوال الجهاد واشق ايام الدعوة وتكالب الأعداء والكفار، ولم يكونوا اصحاباً فقط بل انقطعوا الى الدعوة فكانوا يتلقون الأوامر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويستمعون الى الوحي والتنزيل ليقوموا بنقله الى الآخرين مع ركوب الأهوال وتحمل الأخطار في سبيل اعلاء كلمة الإسلام فالدعاء وان كان توسلاً الى الله عز وجل الا انه وثيقة من بيت النبوة تظهر شرف الصحابة وعناءهم وجهادهم في سبيل الله.
(9) من اسماء الله الحسنى الشاكر والشكور فهو الذي يزكي الصالحات من اعمال المسلمين وان قلت يضاعف لهم الجزاء، نسأله يجزل الثواب والثنــاء والعطــاء في الدنـيا والآخــرة للصـــحابة الذين تركوا اوطانهم وديارهم واهلهم في سبيل الله ونصرة الإسلام واعزازه وتحملوا الأخطار واستبدلوا الغنى بالفقر والأمن بالخوف الذي ابى الله الا ان يجعله مؤقتاً وذلك ايضاً من شكر الله لهم، قال تعالى وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
ويبين الدعاء موضوعية الهجرة وما فيها من المشاق والعناء فضلاً عن اهوال الطريق اذ ان قريشاً وضعت مراصد على الطريق لمنع وصول المسلمين والذين يريدون دخول الإسلام إلى المدينة، كانوا يخرجون من ديارهم ليلاً وسراً فيضطرون الى ترك اموالهم وما لهم من عز وشأن في بلدانهم وعند قبائلهم واهليهم.
فجاء الدعاء سؤالاً للإحسان اليهم لما بذلوه في سبيل الله وهو دعوة للمسلمين لنبذ الفرقة والخصومة في موضوع الصحابة والنظر من خلال وجوه الإلتقاء العامة والصفات التي تنطبق على اكثرهم وما يتقوم به المفهوم الإصطلاحي للصحبة من الإيمان والتصديق الجازم والإخلاص والإنقياد لما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله تعالى.
ان الغاية والمقصود اذا كان عظيماً وكبيراً يؤثر في الكيفية النفسانية وسلوك الإنسان فالهجرة مدرسة الإصلاح ووعاء ومناسبة لتهذيب النفس ونبذ الرذائل وهي موضوع كريم يصلح ان يكون واقية من المعاصي وآلة لإجتناب القبائح انها مجموعة دروس يومية اخلاقية وادبية وعقائدية، وثروة غنية من المعارف الإلهية لازالنا نسير بانوارها لذا جاء دعاء الإمام عليه السلام للمهاجرين، ويدل الدعاء بالدلالة التضمنية على منع الغلو في الصحابة.
وَمَنْ كَثَّرْتَ فِى إِعْزَازِ دِينِكَ مِنْ مَظْلُومِهِمْ(10)
(10) من أسماء يوم القيامة يوم الجزاء , نسأل الله تعالى ان يجزي الصحابة الذين امتحنهم الله فتحملوا الأذى والإضطهاد في الثبات على الإسلام لتكون كلمة الله هي العليا، قال تعالى وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُــلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُــمْ فِي الدُّنْيَــا حَسَـــنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُــوا يَعــْلَمُــونَ.
وظاهر العبارة ان عدد المظلومين من المؤمنين اصبح في ازدياد بسبب جهادهم وتحملهم العناء والمشاق في سبيل الله، فالأهم هو رفعة الدين واعزازه وان كان الثمن اذى يلاقيه المؤمنون، لأن هذا الأذى معوض باجر وثواب عظيم في الآخرة، وهو السبب في ذكرهم والتضرع الى الله في رحمتهم والرأفة بهم، فقد استضعفوا واوذوا في سبيل الله لتكتب لهم السعادة الأبدية، وليفرحوا برؤية نتائج هذا الأذى بمئات الملايين نقتفي اثرهم من غير اذى او مشاق، وتؤدى الفرائض والمناسك بعز وافتخار.
اللهم ارحم واشكر الذين اتبعوا المهاجرين في الإسلام والهداية منذ فتح مكة وحتى يوم القيامة ز
وروي ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بيّن فسر الإحسان : هو ان تعبد الله كانك تراه، فان لم تكن تراه فانه يراك، قال
تعالى وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ….
اللَّهُمَّ وَأَوْصِلْ إِلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ(11) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ(12)
قد ورد في القرآن مدح للتابعين بقوله تعالى وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ويظهر في الآية قيد الإحسان في الأتباع بالقول والفعل لنيل الأجر والثواب.
والدعاء اخص من شمول كل من رأى النبي، فقد روى السدي عن انس بن مالك ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قام خطيباً يوم الجمعة فقال: اخرج يا فلان فانك منافق، اخرج يا فلان فانك منافق، فاخرج من المسجد اناساً وفضحهم.
(11) لم ينس الإمام عليه السلام الإلتفات الى التابعين وذكرهم باحسن وجوه الذكر، انه خلق آل محمد ومقام الإمامة الذي ينظر الى الأشياء من وجهها الحسن المبارك، ويزكي اعمال البر والصلاح ويجعل أولوية خاصة في اتباع الصحابة وفق مناهج واحكام الكتاب والسنة وهو من مصاديق القيد المبارك الوارد بقوله تعالى [بِإِحْسَانٍ].
(12) هذه الفقرة هي الآية العاشرة من سورة الحشر، وفيها اعجاز قرآني يتجلى بمدح التابعين من المسلمين ومن يأت بعد عهد المهاجرين والأنصار وزمان نزول القرآن والظاهر ان مفهوم التابعين هنا اعم من المعنى الإصطلاحي فيشمل المسلمين جميعاً، وفيها قيد تأديبي عقائدي وهو الإستغفار للنفس وللمؤمنين السابقين في الإيمان ليخرج من مضمون الآية من لا يلجأ الى الإستغفار والدعاء.قال تعالى وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.
وكل مسلم داعية إلى الله بإتباعه نهج وسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويتولى تذكير الناس بحاجتهم في النشأتين إلى مغفرة الله رب العالمين لذنوبهم , ويتجلى هذا التذكير بحسن سمت المسلم وإظهاره طاعة الله وأدائه الواجبات، وقيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وكثرة أتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الداعين إلى الله دليل على أنه رحمة للعالمين، وشاهد على تفضيله على الأنبياء السابقين، وعدد أتباعه صلى الله عليه وآله وسلم من اللامتناهي لأن الإسلام هو الديانة الباقية إلى يوم القيامة.
وجاءت الآية أعلاه بالمسارعة إلى أمرين :
الأول : المغفرة.
الثاني : الجنة، بقوله تعالى[وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ]، وفيه مسائل :
الأولى : بيان الملازمة بين العمل الصالح في الدنيا وبين الثواب العظيم في الأخرة.
الثانية : موضوعية الدعاء والإستغفار للأمن والنجاة يوم القيامة وهو من مصاديق هذه الفقرة من الدعاء.
الثالثة : إكتناز الحسنات بالإستغفار.
الرابعة : إقرار المسلمين بالعالم الآخر والجزاء فيه، ولزوم السعي لمحو الذنوب والسيئات ، قال تعالىلَكِنْ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا.
الخامسة: إدراك المسلم للزوم عدم الوقوف عند الإستغفار، فلابد من مواصلة السعي في الصالحات، والإجتهاد في مسالك الطاعة رجاء دخول الجنة.
السادسة : بيان رحمة الله بالمسلمين بتداخل الأوامر وتعدد أفراد الثواب على كل واحد منها وعليها مجتمعة.
يعلن الإمام عليه السلام تسليمه بنزول القرآن ومضامينه القدسية لبيان الحجة في الدعاء للتابعين واستحقاقهم الاكرام وسؤال الرحمة.
وتدل الآية بالدلالة التضمنية والإلتزامية على مدح التابعين على الأتباع ذاته وعلى قيامهم بالدعاء لمن سبقهم في الإيمان بما تركوه لنا من التركة الكريمة وفيه تأديب ودعوة للدعاء لمن سبقهم بالإيمان من المهاجرين والأنصار وسؤال الرحمة لهم.
والآية وان جاءت بعنوان الخبر الا انها تفيد الأمر سواء على نحو الوجوب او الندب، والمختار انه للندب والإستحباب، هذا الدعاء صفحة من صفحات الإمامة الخالدة بترسيخ هذا الأمر الندبي
خَيْرَ جَزَائِكَ(13).
وجعله واقعاً يومياً تفيض منه البركات على قارئه وسامعه والمقصود فيه على متعدد وشمولي لمن سبقنا من اهل الإيمان صحابة وتابعين ، قال تعالىوَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
(13) خير : افعل تفضيل واصلها (أخير) حذفت الهمزة لكثرة الإستعمال، والجزاء : المكافأة، وابواب فضل الله تعالى غير متناهية، اللهم انعم عليهم باحسن الثواب وارزقهم الجنة.
انه اعتراف من الإمام عليه السلام بفضـل التابعـين وتثبيت لحقهم على الأمة، واعلان عن جهادهم في سبيل الله ومنع لحصـر الفضـل في الصلاة، والقرآن يتلى في البيوت، وفيالق الدفاع تخرج من المدينة متوجهة يمنة ويسرة وشمالاً وجنوباً حتى بلغت ارض الشــام ز
وقد خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى تبوك في شهر رجب من السنة التاسعة للهجرة ومعه ثلاثون ألفاً من المسلمين ، ولاقاهم جيش الروم نحو أربعين الفاً ، والذي تفرق فلم يقع قتال وعاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى المدينة بعد أن عقد صلحاً وموادعة مع إمارة دومة الجندل وإمارة إيلة مدينة العقبة الآن).
فجاء هذا الدعاء ليمنع من مثل هذا القول ويبين بان جهاد الصحابة ومؤازرتهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يحول دون ذكر فضل التابعين واســتحقاقهم الدعــاء، وبذا تتجــلى معالم الإمامة باعطاء كل ذي حق وتعليم
الَّذِينَ قَصَدُوا سَمْتَهُمْ وَتَحَرَّوْا وِجْهَتَهُمْ وَمَضَوْا عَلَى شَاكِلَتِهِمْ(14).
المسلمين كيفية اكرام المؤمنين ممن ساهم في اعلاء كلمة الإسلام بالتقوى.
(14) السمت : هو القصد والطريق او السير على الطريق بالظن، اللهم اجزل الثواب للتابعين الذين آمنوا بنبيك ولم يروه ولم يسمعوا منه وكانوا في تصديقهم للنبي وايمانهم بنزول القــرآن من عنــدك دلالة على حسن مذهبهم في الدين والدنيا لما اختاروه من تحري جهة الحق والإيمان وتمسكهم بها وتعاهدهم احكام الإسلام يرجون تجارة لن تبور في خطى ثابتة تستوعب ايام حياتهم كلها على نهج وسيرة الصحابة.
والشاكلة: الناحية والطريقة , قال تعالى كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ وقد بين الإمام عليه السلام شاكلة التابعين باتباعهم للصحابة باحسان والسير على منهاجهم، والضمير في سمتهم وجهتهم وشاكلتهم يعود الى اصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ويبين الإمام عليه السلام ان الأتباع بالمعروف واختيار طريق الصالحين والسير على منهجهم هو احسان وتوفيق وفعل كريم يستحق المدح والثناء، لقد حافظوا على الشعائر ونقلوا الأمانة الى الأجيال اللاحقة من بعدهم وساهموا في جعل احكام الدين حقيقة تكليفية وتشريعية ثابتة فاصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابتدروا اتباع النبوة، والتابعون رسخوا هذا الأتباع وتعاهدوه امانة وعهداً وميثاقاً الى الأجيال اللاحقة وعلى نحو التعدد أي ليس الى الجيل الذي من بعدهم بل الى غيرهم ايضاً ممن يلحق بهم، مباشرة او بالواسطة.
لَمْ يَثْنِهِمْ رَيْبٌ فِى بَصِيرَتِهِمْ وَلَمْ يَخْتَلِجْهُمْ شَكٌّ فِى قَفْوِ آثَارِهِمْ (15)
فجاء ثناء الإمام عليه السلام اكراماً لهم ودعوة لنا لإكرامهم وعدم الإنتقاص من منزلتهم وعظيم الجهد الذي بذلوه في سبيل الله سواء بالجهـاد او بتثبيت القــواعد الفقــهية الكــلية وبــث الأحكام الشرعية .
ويسجل التأريخ بفخر ترجمة شخصيات من التابعين برزت في ابواب التفسير والفقه والسيرة وغيرها كما ازدهرت الحركة العلمية في ايامهم وانتشر التدوين وكتابة الحديث على نحو تدريجي.
(15) ثنيت الشيء ثنياً: عطفته وصرفته عن حاجته، والريب الشك وقلق النفس.
والبصيرة : العقيدة والعلم وارادة الفكر.
واختلجه : اذا انتزعه وجذبه، وقفوت اثره: تبعته.
والآثار : ما بقى من رسم الشيء وما يدل عليه، لم يتسلل الشك الى نفوس التابعين واعتقادهم بسلامة وعلم وذكاء وفطنة الصحابة، واقتدوا بهم مطمئنين مستبشرين بمتابعة السير في الطريق الذي سلكوه ومواصلته خلف راية الإسلام ودين الحق والهدى.
في الدعاء مدح مركب، فهو اطراء للصحابة ذوي الرشاد، برؤيتهم للآيات بعين البصيرة والتدبر ، ومدح للتابعين باختيار التسليم بحسن سيرتهم وسداد اختيارهم الإيمان بما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وبين الصحابة والتابعين عموم وخصوص من وجه , فمادة الإلتقاء الإيمان بالرسالة والتصديق بما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ومادة الإفتراق ان الصحابة رأوا الآيات وسمعوا عن النبي مباشرة واسلموا ابتداء من غير اتباع جيل قبلهم.
وَالِائْتِمَامِ بِهِدَايَةِ مَنَارِهِمْ(16) مُكَانِفِينَ وَمُوَازِرِينَ لَهُمْ (17)
والتابعون لم يروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم واتبعوا جيلاً قبلهم هم الصحابة فمادة الإفتراق هذه تزيد كل منهما شرفاً ورفعة ومن غير تعارض بينهما والله واسع كريم، لذا جاء مدح الإمام عليه السلام لهم مجتمعين ومتفرقين سواء بالمنطوق او المفهوم ، قال تعالىوَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
(16) الإئتمام : الإقتداء من ائتم به: اذا اقتدى، والهداية مصدر هداه يهديه لمعرفة طريق الإيمان، والمنار: جمع منارة وهي العلامة الظاهرة، لقد اتبعــوا الصحابة فيما ســاروا عليه من ســنة النبــي صــلى الله عليه وآله وسلم وهدى القرآن ليسلك التابعون بذلك محجة الطريق نحو مرضاة الله.
ويستحق التابعون المدح والثناء والدعاء لهم بالرحمة، ويحفظ لهم المسلمون هذه المناقب الكريمة وتشهد لهم الإمامة بالفضل والإحسان والإخلاص في طاعة الله، وشهادة الإمام من الوثائق التأريخية التشريفية الخالدة بدليل حفظ الصحيفة , وترديد الملايين في كل جيل لأدعيتها واقرارهم بمضامينها.
(17) اعانوهم في حفظ الشريعة وانتشار الإسلام واقامة حدوده ، وحرسوا الثغور وما فتح من الأمصار ، ويشدون ازرهم في ترسيخ الإسلام واعلاء راية الدين.
واكتنفه : احاط به من الكنف بالتحريك وهو الجانب والناحية، والتابعي
يَدِينُونَ بِدِينِهِمْ وَيَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِم َ(18)
في الإصطلاح هو من لقى الصحابي وآمن بما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنهم من اشترط طول الصحبة وصحة السماع من الصحابي وانه مميز حين السماع.
وبحسب مضامين هذا الدعاء فان معنى التابعي اعم ولا ينحصر بالطبقة اللاحقة للصحابة بل يشمل كل مؤمن بعد عهد الصحابة، ويؤيده الآية السابقة من سورة الحشر.
وقيل التابعون باحسان وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار الى يوم القيامة( ).
ومؤازرة التابعي للصحابي على وجوه:
الأول: الأخذ منه والسماع والحفظ وحمل مسؤولية اتيان الفرائض من الصحابي، وتعاهد ميراثه بالإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما جاء به من عند الله عز وجل.
الثاني: الإلتزام الفعلي والقولي باحكام النبوة، فاستحقوا من الإمام الدعاء لهم وهو يدل بالدلالة التضمنية على الحث على الدعاء لهم ولو من.
الثالث: أداء هذه الرسالة الى تابعي التابعين.
(18) التابعون على نهج الصحابة في تطبيق احكام الشريعة واقتفوا آثارهم في الورع والهدى والتمسك بعرى الإسلام.
والفقرة من الدعاء للإيمان النوعي العام بالرسالة التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وانبساط هذا الإيمان على الأجيال
يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِمْ وَلَا يَتَّهِمُونَهُمْ فِيمَا أَدَّوْا إِلَيْهِمْ(19)
المتلاحقة على نحو العموم الإستغراقي من خلال اقرار وايمان جيلين متعاقبين منهما احدهما صاحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
والآخر سمع واخذ منه وهذا الدعاء يبين الحصة الزائدة في ايمان التابعين وانفرادهم بتحمل اعباء ربما اختصوا بها دون غيرهم ممن تبعهم من الأجيال.
(19) يجتمع التابعون على ما يأتي به الصحابة مما امر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم او نهى عنه وحفظهم المتواتر لكتاب الله عز وجل ولا يشكون بالذي بين ايديهم ولا يترددون في قبوله والتسليم به.
لقد تلقى التابعون آيات القرآن بالقبول والرضا، وقرأوا وعملوا بما بين الدفتين وحرصوا على عدم الزيادة فيه او النقيصة منه ودونوا الحديث النبــوي وســافروا وقطــعوا الصــحارى وتحملوا الأخطار من اجل ادراك صحابي يحمل حديثاً سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم واعتمدوا لغة التدوين والكتابة فيمكن احتساب زمانهم زمان التوثيق.
لقد صاحب الإمام السجاد عليه السلام التابعين واخذوا منه ونهلوا من مدرسة اهل البيت وعلومها المتعددة لذا ترى كبار التابعين ومن غير خلاف يجمعون على الثناء على الإمام وتعظيم مقامه العلمي والعبادي.
ان قول الإمام عليه السلام في حق التابعين الذين اخلصوا في ايمانهم حجة ودعوة الى اكرامهم والدعاء لهم كونهم سلفاً صالحاً.
اللَّهُمَّ وَصَلِّ عَلَى التَّابِعِينَ مِنْ يَوْمِنَا هَذَا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَعَلَى أَزْوَاجِهِمْ وَعَلَى ذُرِّيَّاتِهِمْ وَعَلَى مَنْ أَطَاعَكَ مِنْهُمْ(20)
(20) الهي ارحم وتفضل على التابعين من اهل الإسلام الى يوم القيامة أي جميع المسلمين وارحم نساءهم والنساء التابعيات منهم لأن الخطاب ورد بالتذكير الذي يأتي للغالب ويفيد العموم، وارحم اولادهم واحفادهم والأجيال المتلاحقة من نسلهم وخاصة اولئك الذي التزموا جانب الطاعة لأوامرك.
وظاهر الصحيفة اعطاء معنى اصطلاحي للتابعي ويكون اعم منه ويشمل كل مسلم جاء بعد صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفيه توسعة في الفضل والرجاء وهو باب للشمول بالدعاء، وهذا جزء من فلسفة الإمامة وانطلاقها من مضامين السعة في ابواب الرحمة والعفو والمغفرة وحسن الظن والتضييق في باب العقوبة والشدة كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم ادرؤا الحدود بالشبهات .
فجاءت أدعية الأئمة عليهم السلام بصيغ الجمع ولغة العموم والشمول وسعة الرجاء.
وقوله عليه السلام على من اطاعك منهم، يراد منه عطف الخاص على العام ، وفيه نوع تقييد بشرط الطاعة وليخرج من الدعاء من هو عاص ومقصر عن عمد من ذرية التابعي.
وفي الدعاء تعليم في لكيفية الدعاء والإلتفات الى اهل الإيمان خاصة عند سؤال الرحمة والصلاة عليهم، وتأديب وبيان بان النبوة وحدها غير كافية، فلابد من اقتفاء آثار الآباء في صلاحهم والتزامهم بالأحكام الشرعية.
صَلَاةً تَعْصِمُهُمْ بِهَا مِنْ مَعْصِيَتِكَ وَتَفْسَحُ لَهُمْ فِى رِيَاضِ جَنَّتكَ(21)
(21) اللهم ارحمهم رحمة تحجبهم عن المعصية وتمنعهم عن اقتراف الذنوب وتكون لهم مناراً وطريقاً في السعي الى نيل رضا الله والفوز بالجنة ودار النعيم
وتظهر في الدعاء المعارف الإلهية في قول المعصوم فهو يسأل لهم افضل امرين في الدارين، لقد اراد لهم حسن العاقبة في الدنيا والثبات على الإيمان، والرزق الكريم في الآخرة وبالخلود في دار النعيم، وهل سؤال العصمة من المعصية للتابعين يتعلق بهم وحدهم.
الجواب لا، انما هو امر يخص الأمة وعقيدة التوحيد، فكل مؤمن يثبت على الإيمان يكون داعياً الى الله وحاملاً للواء التوحيد وساعياً في سبيل الله ومورثاً كريماً له لمن يأتي من الأبناء وهو من عمومات قوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ.
فالإمام عليه السلام لم يسأل للتابعي فقط بل ان سؤاله للأمة وللدين
الإسلامي فيمكن القول ان هذا الدعاء جزء من تعاهد الإمام للشريعة ومحافظته على الإسلام , فبعد ان انعدم الناصر وقامت الحجة بعد واقعة كربلاء بالمعذرة عن حمل السيف للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شهر الإمام عليه السلام سلاح الدعاء ليبقى مصاحباً لدم الحسين عليه السلام واهل بيته واصحابه وليسيرا معاً في سبل الجهاد وينيرا للأمة اهم الطرق المؤدية الى الجنة من غير ان يترك الإمام عليه السلام اعباء ووظائف الإمامة في ابواب التفسير والفقه والكلام وغيرها، انها مدرسة اهل البيت المتكاملة والتي تظهر كل سلاح في اوانه لتحقيق الغايات السامية، وتبين الحاجة النوعية لعامة الناس الى الإمامة.
وَتَمْنَعُهُمْ بِهَا مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ(22)
(22) رحمة تخلصهم من حبائل الشيطان وحيله وتحميهم من مكره وشر اعوانه.
في الدعاء مسائل :
الأولى : لقد سأل الإمام عليه السلام لهم ملكة العصمة المكتسبة والوقاية من المعاصي والإمتناع عن الذنوب.
الثانية : في الدعاء اظهار للجوء الى الله عز وجل, عن أبي عبد الله عليه السلام: وما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي عرفت ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماوات من يديه وأسخت الارض من تحته( ).
الثالثة : الدعاء حرز من الشيطان وتحذير من كيده ومكره ودعوة للإحتراز منه واتيان الأسباب والوسائل الإيمانية في النجاة منه ومن اعوانه من الإنس والجن.
الرابعة : الإستغاثة بالله من الشيطان واقية تعين المؤمنين على اداء الفرائض واتيان الصالحات وتعاهد الشريعة وحفظ القرآن ووسيلة مباركة لإيصال احكامه وتصل الأمانة الشرعية والأخلاقية الى الأجيال من بعدهم.
الخامسة : الشيطان يحاول التعدي واغراء الإنسان ومنع انجذابه الى المعشوق ويسعى بمكر الى دفعه الى التفريط بالأمانة فتجوز مسؤولية الإمامة العامة بالتصدي للشيطان ليبقى المسلمون محافظين على احكام الشريعة بعيدين عن اغواء الشيطان ووساوسه.
السادسة : يسعى الإمام عليه السلام جاهداً في طرد الشيطان عن ابواب القلوب بدعائه ودعاء المؤمنين في كل زمان.
السابعة : في الدعاء اعتراف بالضعف والوهن واحتمال العجز عن مقاومة الشيطان ومحاولاته المتكررة للإستحواذ على قلب ابن آدم ونفاذه في حالات الغضب والشهوة، فتعطينا مدرسة الإمامة قواعد كلية في التخلص منه ومن كيده تتمثل باشهار سلاح الدعاء.
قد ينسى المكلف الإستعاذة من الشيطان والحيطة منه فيأتي هذا الدعاء ليكون واقية وبديلاً لإستعاذة المؤمن نفسه لذا ورد في الحديث القدسي: ادعوني على لسان لم تعصني به) ( ).
ولقد بادر الإمام عليه السلام الى الدعاء لمن صاحبه وعاصره من المسلمين ومن سبقه ومن تأخر عنه وجاء من وبعده الى يوم القيامة وهذه منقبة من مناقب الإمامة وفضل وبركة من وجودها في الأرض ، وقد تكون المنافع العظيمة المترشحة عنها دليلاً على ضرورتها والحاجة اليها كما ان دعاءه عليه السلام يأتي مقترناً ببيان الأحكام واظهار التقوى في القول والفعل.
وَتُعِينُهُمْ بِهَا عَلَى مَا اسْتَعَانُوكَ عَلَيْهِ مِنْ بِرٍّ وَتَقِيهِمْ طَوَارِقَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِلَّا طَارِقاً يَطْرُقُ بِخَيْرٍ(23).
(23) رحمة من الله تساعدهم على اداء اعمال الصلاح والهدى، ويستجيب لهم بها لما سألوه من حاجة ولتكون مدداً وتوفيقاً وهداية ودرعاً لصرف شر كل آت يحمل خبراً او امراً لا يجيء بخير.
وفي الحديث : اعوذ بك من طوارق الليل الا طارقاً يطرق بخير.
في الدعاء مسائل :
الأولى : انه تجديد للمسألة والحاح في ذات الدعاء الذي سأله التابعون.
الثانية : لقد قيده الإمام بالإستعانة في اعمال البر والصلاح لعدم جواز الدعاء في المعصية وقطع الرحم ونحوه.
الثالثة : ليس في هذا التقييد ذم لأحد بل هو من التعاون في البر، ويسمى في علم الأصول مفهوم الوصف.
الرابعة : يحتمل هذا التقييد وجهاً آخر وهو ان المؤمنين لا يدعون الا بصيغ البر والإحسان سواء لمعرفتهم بوظائفهم واتقانهم لآداب الدعاء وقواعد المسألة او لأن الملائكة لا ترفع لهم الدعاء الذي لا تجتمع فيه الشرائط، او ان الله عز وجل لا يحتسبه دعاءً، او يحوله بفضله واحسانه الى الدعاء في وجوه البر والصلاح ولو بعد حين وعقب التوبة والصلاح لأن الدعاء بالمعصية ونحوها مركب من امرين :
الأول: التوجه الى الله عز وجل بالسؤال وقضاء الحاجة.
الثاني: قبح موضوع السؤال بالمعصية.
ويقبل الله عز وجل لكرمه ورحمته الأول ,ويسقط الوجه الثاني فضلاً منه ورحمة وقد يزيد باحسانه، لذا ترى بعضهم يدعو على احد
وَتَبْعَثُهُمْ بِهَا عَلَى اعْتِقَادِ حُسْنِ الرَّجَاءِ لَكَ وَالطَّمَعِ فِيمَا عِنْدَكَ وَتَرْكِ التُّهَمَةِ فِيمَا تَحْوِيهِ أَيْدِى الْعِبَادِ(24)
الأشخاص لسؤال الإنتقام منه ثم لم يلبث ان يتصالح معه ويكون له صديقاً حميماً ويرجو له الخير والفلاح، ويأتيه منه النفع , او انه يأسف كثيراً حينما يبتلى هذا الشخص، وقد يقوم الذي دعا عليه باعانته ومساعدته قربة الى الله عز وجل ومشاركة له في مصيبته ومحنته وتلك الوجوه من المضامين القدسية والأسرار الخفية للدعاء تتجلى بهذا البيان لأدعية الصحيفة السجادية وما تتصف به الإمامة من المسؤوليات الخاصة الدالة على سبر اغوار الناس والأهلية لفهم القواعد الكلية والتفصيلية لفلسفة التوحيد.
(24) بعثه على الشيء : حمله عليه، واعتقدت كذا عقدت عليه القلب وما احمله من قناعة فكرية، والرجاء: الأمل، واتهمته بكذا. ظننت به، وفي رواية: ترك النهمة- بفتح النون وهي الشهوة .
اللهم تفضل عليهم برحمة من لدنك تحملهم على الإقتناع والوثوق بعظيم ثوابك وخزائن رحمتك وعدم التطلع لما في ايدي الناس، عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام قال: ينبغي لمن عقل عن الله ان لا يستبطئه في رزقه ولا يتهمه في قضائه( ).
وفي الدعاء مسائل :
الأولى : يؤكد نوع الدعاء على فهم الإمام عليه السلام للمعرفة الإلهية واحكامها.
الثانية : في الدعاء تسليط الأضواء على جانب من زيادة الإحسان والفضل الإلهي بان تكون الإستجابة سبباً لترسيخ الإيمان واتيان الصالحات.
الثالثة : حرص الإمام عليه السلام على انقطاع المسلمين في رجائهم واملهم الى الله عز وجل وخشيته وفزعه من توجههم الى غيره في الحاجة والمسألة، وهذه الخشية ، لا تمنع من الإستعانة بالأسباب والوسائط.
الرابعة : خوف الإمام من لجوء المسلمين الى ايدي الآخرين بمسكنة على نحو الإتحاد والتعدد من الطرفين، أي ان يرجع المسلم الى اكثر من شخص من الناس، او ان يلجأ المسلمون الى جهة شخصية واحدة، وهذا الخوف من مسؤوليات الإمامة الأساسية فالإمام يسعى جاهداً لإبقاء الناس ملتزمين بمواثيق النبوة والتطلع الى الباري في جلب المنفعة ودفع المفسدة والحاجة ملازمة للإمكان، فمتى ما احسن العبد بحاجته الى واجب الوجود فانه لا يلتفت الى غيره.
الخامسة : في الدعاء تأديب للمسلمين بعدم اللجوء لغير الله عز وجل ومتى ما علم الإنسان انحصار رزقه وقضاء حاجته بالله عز وجل اجتهد في المسألة واخلص في الطاعات، وهذا لا يتعارض مع السعي والكسب والبحث عن الأسباب المادية لتحقيق الغايات المشروعة.
السادسة : في الدعاء ادب من مقام العبودية وانجذاب للمعشوق وبيان ضعف العبد وانه مع العطاء الإلهي يزداد الأمل والرجاء بفضله والأصل لزوم استدامة وثبوت الرجاء بفضله تعالى سواء قضيت الحاجات والمسائل او تعرض العبد للإبتلاء. والمصيبة والإمتحان.
السابعة : تبين هذه الفقرة جانباً من فلســـفة الدعـــاء وقولــه تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ يدل بالدلالة الإلتزامية على دوام كلمة التوحيد في الأرض، وكأن الإستجابة آية كونية وتشريعية وشاهد حاضر على واجب الوجود ولزوم اتيان الأوامر واجتناب النواهي، وان الإستجابة من عمومات قوله تعالى سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ.
الثامنة : من الآيات في النفوس استجابة تعالى للدعاء، لتكون حجة على العباد في لزوم طاعته واخباراً عن قدرته المطلقة وانقياد الأشياء والمخلوقات كافة له.
التاسعة : الدعاء مدرسة لتهذيب النفوس والإبتعاد عن الرذائل والكدورات الظلمانية.
العاشرة : بيان منزلة الأئمة عليهم السلام وانهم لا يريدون للمسلمين الا الرفعة وخير الدنيا والآخرة.
الحادية عشرة : تنظيم الحياة المدنية وفق الضوابط والقوانين الإسلامية وعدم التعدي على الآخرين ، قال تعالىوَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.
الثانية عشرة : التوجه الى الباري عز وجل حافز على العمل والكسب.
الثالثة عشرة : حسن الرجاء بعطاء وفضل الباري عز وجل سبب لدوام الدعاء وعدم الغفلة عن ذكره تعالى وعون على اتيان الفرائض.
لِتَرُدَّهُمْ إِلَى الرَّغْبَةِ إِلَيْكَ وَالرَّهْبَةِ مِنْكَ (25) وَتُزَهِّدَهُمْ فِى سَعَةِ الْعَاجِلِ (26) وَتُحَبِّبَ إِلَيْهِمُ الْعَمَلَ لِلْآجِلِ وَالِاسْتِعْدَادَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ(27)
(25) اللام لام التعليل والعاقبة اذ ان الرضا بقضاء الله وحسن توزيعه للأرزاق من حكــمته تعــالى وعــدله ومصـالح العباد , وموارد انتفــاعهم نــوع ايمــان واظهار للخضــوع والــذل مـن مقـام العـــبودية وليكون الرضا باباً للتوكل المطلق على الله عز وجل والسؤال عما عنده والخوف والفزع من بطش الله واجتناب اسباب نقمته وموارد سخطه.
لقد خلق الله عز وجل عند الإنسان رغبة ورهبة وعلى نحو متوازن، وهما من السجايا الإختبارية ليختار المكلف كيفية التصرف بخصوصهما والجهة التي يوظفهما بها، فجاء الدعاء من الإمام عليه السلام لإعانة المسلم في توجيه الرغبة والرهبة الى الله عز وجل رجاء وطمعاً بفضله سبحانه وخشية من عقابه وغضبه.
ويدل الدعاء بالدلالة الإلتزامية على لطف الله سبحانه بالعباد , فان الإمام عليه السلام لم يتردد او يستحي منه سبحانه في سؤال ما يجب على كل مكلف، فالأصل ان تنحصر رغبة ورهبة الناس من الله تعالى ، وكأن الدعاء جاء لتثبيت هذا الأصل عند المسلمين وعدم رفعه بسبب الغفلة والنسيان والقصور والتقصير من البعض مع امكان تحصيل العلم به.
(26) زهد في الشيء زهداً وزهادة: تركه واعرض عنه، والعاجل: النعم الدنيوية وهو خلاف الآجل ليقللوا برحمتك من الحرص على الدنيا والإهتمام بملذاتها، ولكي لا يغلب الحلال شكره ولا الحرام صبره.
وفي حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: افضل الناس مؤمن مزهد( ).
والدعاء سؤال لتهذيب النفوس وصرفها عن الدنيا وزينتها وتضرع لإعانة المسلمين على الإنقطاع في مقاصد الأعمال الى عالم الآخرة وحسن الجزاء.
(27) الدعاء سؤال لتزيين السعي الى الآخرة الى نفوس المسلمين، وتقريب صور السعادات الأخروية اليهم مجسدة لتكون عنصر تحريض دائم لهم على الأخلاص في العبادة والجد وثبات العزيمة في اداء الفرائض وما ندبتهم اليه من الصالحات واعمال البر كسبيل الى الفوز بالنعيم الدائم في حياة الخلد بعد الذي يزهد به من الدنيا الفانية الزائلة.
والموت هو زهوق الروح ومغادرتها للجسد وتوقف الحركة فيه الى الأبد، يقال: مات الإنسان يموت موتا: والموت ضد الحياة وهو امر وجودي , قال تعالى الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً
واللام في الآية للتعليل أي ان ما بعدها علة لما قبلها، فيكون الثواب ثمرة ونتيجة لحسن الطاعة والعبادة، ويكون العذاب متعقباً للمعصية في زمان التكليف , ان استحضار الموت كحقيقة ونتيجة حتمية للحياة الدنيا سبب للصلاح والهداية والمواظبة على الطاعات لما يلازمه ويتفرع عنه من الإقرار
بعالم ما بعد الموت من الجزاء، والدعاء وسيلة مباركة جاء لإستحداث وايجاد كيفية نفسانية قوامها العشق والمحبة للقائه تعالى.
وقد يميل بعض الناس الى الابتعاد عن ذكر الموت حيث يخيفهم شبحه وربما ظنوا ومن غير تدبر ان استذكاره ينغص نضرة الدنيا وسرور نعيمها ورونق بهجتها ورفيف سعادتها لما يهجم عليهم معه من الرعب والفزع
وَتُهَوِّنَ عَلَيْهِمْ كُلَّ كَرْبٍ يَحِلُّ بِهِمْ يَوْمَ خُرُوجِ الْأَنْفُسِ مِنْ أَبْدَانِهَا(28)
وانكشاف الغطاء عن حقيقة الدنيا في سرعة زوال ايامها.
كما وان تصور اهوال الموت امر رهيب ويحتاج التأمل فيه الى ملكة من التحمل والصبر الذهني وارادة على متابعة الفكر لمغادرة الروح للجسد وتجسيد صور ومراحل الانتقال الى عالم البرزخ والدار الاخرة وغير ذلك من الظن الذي يتبدد وينحسر بحياء عند التدبر والتعمق في النظر الى منافع استذكار الموت بمنظار ايماني ونظرة واقعية الى حقيقة وماهية الحياة الدنيا كخلق لله عز وجل وقرين ملازم في مدة التكليف ومزرعة للآخرة ويصبح التفكر بالموت رحمة وعوناً خصوصاً مع الإستعداد له ولعالم ما بعده بالعمل الصالح.
(28) تهون : تسهل في يسر من هان يهون فهو هين، والكرب: الحزن والغم التخفف عنهم آثار كل مصيبة وحزن وغم يأخذ بالنفس ساعة حلول اجل الموت وحضور ملائكته وشدة هولها.
وروي ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول في سكرات الموت، اللهم اعني على سكرات الموت.
وقال امير المؤمنين عليه السلام في خطبة له: وان للموت لغمرات هي افظع من ان تستغرق بصفة او تعتدل على عقول اهل الدنيا( ).
ويبين الدعاء رأفة مقام الإمامة بالمسلمين حتى في حال الوفاة والتفات الإمام لحالة هي من اشق الساعات على الإنسان ولكنه يغفل عنها وسط ازدحام الأعمال واللهث وراء الدنيا وزينتها وهذه الفقرة مستقلة في موضوعها عن التي سبقها.
وَتُعَافِيَهُمْ مِمَّا تَقَعُ بِهِ الْفِتْنَةُ مِنْ مَحْذُورَاتِهَا وَكَبَّةِ النَّارِ وَطُولِ الْخُلُودِ فِيهَا(29) وَتُصَيِّرَهُمْ إِلَى أَمْنٍ مِنْ مَقِيلِ الْمُتَّقِينَ(30)
والواو في (وتهون) استئنافية، أي ان تخفيف وطأة قبض الروح لا يتوقف على استعدادهم للموت بل انه سؤال قائم بذاته والله عز وجل هو اللطيف الرحيم، فسواء استعد المسلم للموت وتحبب الى نفسه طرو ساعة الأجل او لا فان الدعاء يتضمن سؤاله تعالى بشموله
في الصورتين اعلاه، مما يظهر اسرار الإمامة وعلوم البلاغة في الدعاء وحسن اختيار الكلمات والألفاظ لخطاب مقام الربوبية والسؤال بالمعنى الأعم والمقاصد الأوسع والأتم لأنه تعالى كريم يعطي بالأوفى ويجازي بالأحسن والأكمل.
(29) العافية : دفاع الله عن العبد، والفتنة: الإمتحان والإبتلاء ومقام الإختبار، وكبة الشيء: شدته وصدمته، وطال الفعل، اذا امتد زمانه، اللهم اجعل رحمتك تتغشاهم بما ينجيهم ويخلصهم من اسـباب الفشل وموارده في اختبارات الدنيا وبلائها , واغلق عنهم ابواب المكروه كسبيل للبراءة من النار وأمان من البقاء الدائم في حرها وعذابها.
ويؤكد الدعاء ان مقاليد الأمور بيد الله وان قلوب العباد يقلبها كيف
يشاء، وفيه سؤال لصرف المسلمين عن موارد الفتنة ومواطن الشبهة لأن من حام حول الشــبهة وقع فيــها، وتوسل وايجاد اسباب المتعة والعصمة عند المؤمنين من الهلكات لأنهم اتبعوا نهج القرآن وآمنوا بما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصدقوا برسالته ولم يسمعوا منه ولم يروا الآيات الحسية التي جاء بها، واتجهوا صوب القرآن كآية عقلية دائمة فعملوا باوامره واجتنبوا نواهيه.
(30) صيره : رجعه ، والمصير : المرجع والمآل ، والمقيل : الإستراحة وان لم يكن نوم، قال تعالى وَأَحْسَنُ مَقِيلاً، وفي الحديث : القيلولة تورث الغنى ، وفي آخر : القيلولة تورث الفقر ، ولا تعارض بينهما للمغايرة في الموضوع وفسرت الأولى بالنوم وقت الأستواء أي عند الظهر، والثانية النوم وقت صلاة الفجر وما بين الطلوعين.
لم يكتف الإمام بالدعاء للمؤمنين بالنجاة من النار، بل سأل الله عز وجل لهم الجنة لوجوه :
الأولى : علم الله بسعة رحمته تعالى، وان يرزق بغير حساب سواء كان في الدنيا او في الآخرة بل ان عطاء الآخرة اكبر واعظم.
الثانية : ليس من برزخية بين الجنة والنار، فالعبد في الاخرة اما يدعى الى الجنة او يساق الى النار.
الثالثة : تأديب المسلمين وتعليمهم آداب الدعاء والإتيان به واقياً محتوياً على تمام المسألة والحاجة.
الرابعة : اعلان الإقرار باليوم الموعود والمصير الى دار الخلود , وفي تفسير الآية اعلاه ذكر انه لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يستقر اهل الجنة في الجنة، واهل النار في النار.
والدعاء جامع مانع جامع لحاجات المؤمنين وحتى يوم القيامة ومانع من الإستخفاف بهم و اجحافهم حقهم من التصديق بالرسالة والعمل باحكام الشريعة، ويدل على حاجة الناس الى الدعاء واصلاح النفوس كحاجتهم لها في العبادات والمعاملات والأحكام.
الدعاء الخامس
وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِنَفْسِهِ وَلِأَهْلِ وَلَايَتِهِ
يَا مَنْ لَا تَنْقَضِى عَجَائِبُ عَظَمَتِهِ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ(1)
(1) يبدأ الدعاء بتمجيد الله عز وجل والثناء عليه سبحانه تضرعاً واقراراً ووسيلة، وعجائب جميع عجيب وهو الأمر غير المألوف ولا المعتاد، ان بدائع خلق الله وآيات صنعه وبراهين ودلائل سلطانه دائمة متصلة لا تنقطع ولا تفنى ولا تزول، والصلاة على محمد وآل محمد مدخل كريم لسؤال الحوائج .
عن امير المؤمنين عليه السلام انه قال : اذا كانت لك الى الله سبحانه حاجة فابدأ بمسألة الصلاة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ثم سل حاجتك فان الله اكرم من ان يُسأل حاجتين فيقضى احداهما ويمنع الأخرى( ).
يلاحظ في سياق الأدعية التسلسل والترتيب فبعد التحميد لله عز وجل والصلاة على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى حملة العرش واتباع الرسل وهو عام جاء الدعاء الخاص للإمام عليه السلام ولأهل بيته، وفيه دعوة للمسلمين عادة بالدعاء للإمام عليه السلام كما ان قراءة الدعاء انما هو للنفس أي ان كل من يقرأ انما هو يدعو لنفسه بالإضافة الى دعائه للإمام وفي هذا وجه من وجوه فلسفة الإمامة وهو ان يدعو الإنســان لنفســه ويبقى دعــاؤه تراثاً مباركاً للأمة ينتفع منه كل مسلم، وفيه دعوة للبحث المستمر والتدبر في آيات صنعه تعالى وبديع خلقه واظهارها وجعلها
وَاحْجُبْنَا عَنِ الْإِلْحَادِ فِى عَظَمَتِكَ (2)
مناسبة للشكر له تعالى , وفي التنزيل مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
(2) الحجب : المنع، ولحد الرجل الحاداً: اذا عدل عن الشيء الى غيره فطعن فيه وقيل الإلحاد تجاوز قواعد الأدب والأعراف.
اللهم اصرفنا عن الميل عن الحق والعدول عنه وامنعنا عن الجدال في آيات الله والإعراض عنها.
ويسأل الإمام عليه السلام اليقين وهو الجزم الثابت المطابق للواقع، الذي لا يحتمل النقيض، وقيدناه بالثابت ليخرج الجهل المركب وهو الجزم غير المطابق للواقع والظن والتقليد القابل للزوال لأنه كالعرض والمعلول والتابع للغير ثقة به.
والعلم بأسرار الملكوت وأقطار السماوات والأرض وعظيم سلطانه تعالى قضية يقينية ولكنها تنقسم إلى بديهية ونظرية كسبية، والثانية أيضا تؤدي إلى الأولى، وقسمت البديهيات إلى أقسام ستة على نحو الإستقراء: وهي الأوليات، والمشاهدات، والتجريبات، والمتواترات، والحدسيات، والفطريات، ولقد جاء المنطقيون بأمثلة شخصية وخارجية على كل منها وبالإمكان توظيف هذه العلوم في تفسير القرآن والدلالة على آياته.
وفي الدعاء تأديب وثبات في منازل الإيمان والهداية وهو واقية دون الشك والريب وتسرب الغفلة الى النفوس.
وَيَا مَنْ لَا تَنْتَهِى مُدَّةُ مُلْكِهِ(3)صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأَعْتِقْ رِقَابَنَا مِنْ نَقِمَتِكَ(4).
(3) ليس من حد لفترة وزمان ملك الله عز وجل وسلطان عرشه فملكه دائم وسلطانه لا نهاية له ولا اجل كما كان خارج حدود الزمان والمواقيت.
ان ملك الله تعالى دائم وثابت لأنه ابدي أي لا آخر له ولا نهاية لوجوده في المستقبل فالله هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، والأشياء كلها بيده، ويستحيل عليه العدم السابق او اللاحق، ومتى ما ادرك العبد ان خزائن الله عز وجل لا تنفد فانه ينقطع اليه ويحس المسألة، وفي الدعاء ثناء على الله عز وجل وبيان لإنحصار النفع القادم به تعالى.
(4) الرقبة في الأصل العنق، وجعلت كناية واصطلاحاً عن جميع ذات الإنسان وقد ذكرت في القرآن بهذا المعنى في ثمانية موارد، النقمة الأخذ الشديد بالعقوبة، والدعاء سؤال وتضرع للنجاة من سخط الله واليم عقابه وتوسل لتحرير رقابنا ونجاتنا من النار ، وورد ثلاث مرات في آية واحدة وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ.
وأفضلية الرقبة لما فيها من ذكر لله عز وجل واقرار بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم ، وعهد على الثبات على الإسلام لحجية الإقرار على النفس، واكرام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم رجاء نيل شفاعته يوم القيامة، وفيها نشر للواء الإسلام.
وَيَا مَنْ لَا تَفْنَى خَزَائِنُ رَحْمَتِهِ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَاجْعَلْ لَنَا نَصِيباً فِى رَحْمَتِكَ(5)
لقد شرف الله عز وجل النبي بقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ فكانت أبلغ تشريف واكرام، ودعوة مستمرة للناس جميعاً للصلاة عليه والإنقياد لما جاء به من عند الله اذ ان الآية نوع تزكية وتوثيق وامضاء لسنته القولية والفعلية والتقريرية.
(5) جاء ذكر الخزائن بلغة الجمع لوفور رحمة الله تعالى وتعدد اشكالها وكثرة ابوابها وسعة نعمة تعالى على جميع الخلائق وعظيم عطاياه وارزاقه ورأفته التي نرجو ان تنالنا حصة منها، قال تعالى قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ ….
وفي الدعاء مسائل :
الأولى : تتجلى في هذه الفقرة آداب الدعاء بالثناء والمدح لمقام الربوبية تظهر فيها مضامين لإقرار بعظيم قدرته وسلطانه.
الثانية : لقد جعله الإمام عليه السلام مقدمة للمسألة ولبيان الحاجة.
الثالثة : وهل آداب الدعاء من هذه الخزائن، الجواب نعم فالدعاء سلاح الأنبياء وسبيل كريم يهدي الله العبد لقضاء الحوائج.
الرابعة : جاء (النصيب) في الدعاء على نحو التنكير فيصدق على القليل من رحمته تعالى انه نصيب فلماذا لم يسأل بما يفيد التكثر والتعدد، الجواب
وَيَا مَنْ تَنْقَطِعُ دُونَ رُؤْيَتِهِ الْأَبْصَارُ (6)
ان التنكير والإطلاق وعدم التقييد عنوان تفويض له تعالى.
الخامسة : انه تعالى لا يعطي القليل بالإضافة الى القرينة الحالية وهي ان خزائن رحمته لا تنفد.
السادسة : هل متعلق السؤال الحياة الدنيا ام الأعم الدنيا والآخرة انه الأعم والله واسع كريم.
السابعة : ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: ان لله مائة جزء من الرحمة قسم جزء واحداً منها على الملائكة والجن والإنس وجميع الحيوانات فيها يتراحمون وأدخر تسعة وتسعين جزء ليوم القيامة.
اقترن سؤال الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورحمته تعالى له ولأهل بيته المعصومين مع رجاء نيل الرحمة، توسلاً بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولأنه تعالى لا يرد سؤال الصلاة عليه ولتجديد إعلان الإيمان برسالته.
(6) تنقطع: تقف وتعجز عن المزاولة، والإبصار: جمع بصر وهو حاسة الرؤية، ودون: جاءت هنا بمعنى قبل، لقد ضربت حجب سرادق نوره
سبحانه جداراً ترتد عنده الأبصــار خـائبة عاجزة عن رؤيته تعالى، قال سبحانه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير.
ان نفي الرؤية وعجز الأبصار عن رؤيته تعالى اعتراف بعظمته ونفي الجسمية عنه مما يكون له طول وعرض وعمق، وكذا نفي التشبيه ولتوكيد حقيقة افضلية المسلمين على من سبقهم من الأمم ومن قال بالتشبيه، او
صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأَدْنِنَا إِلَى قُرْبِكَ(7)
احد على طلب الرؤية كما في اصحاب موسى وكان عددهم سبعمائة الف رجل فاختار موسى منهم سبعة آلاف ثم اختار منهم سبعمائة ثم اختار منهم سبعين رجلاً وخرج بهم الى طور الى سيناء وسمعوا كلامه سبحانه مع موسى عليه السلام، اذا حدثه الله في الشجرة وسمعوه من جميع الوجوه كما ورد في النص عن الإمام الرضا عليه السلام، فابوا عليه الا الرؤيــة فبعــث عليهم صاعقة لولا ان تتداركهــم رحمته تعــالى بســؤال وتضــرع موســى عليه السلام .
وقد تلقى المسلمون الأحكــام الشــرعيــة من النبي صــلى الله عليه وآلـه وسلم ولم يحــرفوا ولم يبدلــوا وقد سألوا اسئلة كثيرة عن احكام الشريعة، ووردت (يسألونك) في القرآن خمس عشــرة مرة تبين الإرتقـــاء الفكــري عند المســلمين وشــــوقهم الى معــرفـــة احكــام الشريعة.
ونفي الرؤية عنه تعالى ورد في الدعاء الأول بقوله عليه السلام: الذي قصرت عن رؤيته ابصار الناظرين، وهذا التكرار لم يحدث اتفاقاً وصدفة بل يدل على اهمية المسألة وانها مناسبة كريمة للتقرب إلى الله تعالى وثناء كريم عليه سبحانه.
(7) اللهم ارحم رسولك محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وآله الأطهار وتفضل علينا بالقرب من رحمتك وتحسس اشعاعات عفوك قال تعالى إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ.
وَيَا مَنْ تَصْغُرُ عِنْدَ خَطَرِهِ الْأَخْطَارُ(8)
انه عشق للمحبوب وشوق لمقام الربوبية يتجسد بسؤال القرب، فان قلت: ان القرب ليس حاجة مادية دنيوية فهل هو حاجة اخروية الجواب انه حاجة دنيوية واخروية وانه مقدمة للحوائج الدنيوية، وبه تقضى وان لم يسألها صاحبها ما دام متوجهاً وسائلاً القرب كما لو كان الإنسان منشغلاً بقراءة القرآن والإستغفار فتقضى حوائجه بفضل الله تعالى فكذا سؤال القرب .
وهل الدعاء قرب ودنو من رحمة الله الجواب نعم وكذا أداء الفرائض العبادية , ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم قال الله عز وجل : ما زال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، لئن سألني أعطيته ، وإن استعاذني لأعيذنّه( ).
(8) الإخطار : جمع خطر وهو القدر والشرف والمنزلة، كل نبيل او ذي منزلة وقدر وشأن وعدل يتضاءل متصاغراً في وهن امام جبروت الله وعظمة سلطانه وعزة عرشه.
في صفات الله تعالى الثبوتية الوجودية القدرة المطلقة وهي من ابواب الاستدلال على وجوب طاعته وعبادته تعالى لحاجة الموجودات اي افراد العالم لقدرته تعالى حدوثاً وبقاءاً، جواهر كانت او اعراضاً، وهذه الاجسام ممكنة لافتقارها الى الحيز- وهو الفراغ الذي يشغله الجسم- وقد ثبت ان كل ممكن حادث ليس بقديم , فالجسم حادث محتاج الى المؤثر المختار الممتنع عن الحدوث مع استحالة التسلسل.
صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَكَرِّمْنَا عَلَيْكَ(9).
وقدر ة الله تعالى عامة تتعلق بجميع المقدورات وبشكل مجرد عن الزمان والمكان والجهة، ومن صــفات الممكــن ان ماهيته تتصــف تــارة بالـعدم وتارة اخرى بالوجود لحاجتها الى المؤثر، وبما أن الله تعالى قادر على ان يفعل وان لا يفعل اي انه قادر على كل مقدور، ومن قدرته تعالى سلبه لتلك النعم التي اعطاها للمنافقين والمخادعين والكفار الذين لم يوظفوها في مسالك طاعته تعالى ومن تلك النعم السمع والبصر.
فذكر قدرة الله تعالى في هذه الآية انذار ووعيد لهم وان الله لا يعجزه شيء، وفيه شارة للمؤمنين في حفظهم بانفسهم وبيان وهن عدوهم وافتقاره الى الناصر والمعين، وفي الآية اشارة الى اطلاق قدرته تعالى وانها عامة ونافذة ونسبتها الى الموجودات والمعدومات متساوية لعلة الايجاب وقبول المقدورات للوجود والعدم، ولوجود المقتضي وفقد المانع.
(9) اللهم اجعل لنا جاهاً ومنزلة لديك، قال تعالى وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ.
توسل وسؤال لتفضل الله تعالى بالصلاة على النبي محمد واهل بيته وسؤال الرحمة، والضمير في (كرّمنا) يعود للمسلمين لأن الإمام عليه السلام يدعو بلغة الجمع كجزء من وظائف الإمامة ولتأديب المسلمين على آداب الدعاء، وطلب عظيم الأجر وشموله لكل المسلمين أي ان الدعاء يعم المسلمين سواء الأحياء منهم او الأموات ، وفي التنزيلكُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
وَيَا مَنْ تَظْهَرُ عِنْدَهُ بَوَاطِنُ الْأَخْبَارِ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَلَا تَفْضَحْنَا لَدَيْكَ(10).
(10) ظهر الأمر يظهر ظهوراً: تبين في وضوح، والبواطن: جمع باطن وهو الذي خفي واحتجب من امر او سر لا يعلمه الا الله عز وجل، الذي احاط علمه بكل مستتر ومحتجب , نسأله تعالى ان يزيد في منزلة ومقام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجاهه عنده وان يستر عيوبنا ولا يكشفها حتى لدى الملائكة المقربين.
وفي الدعاء اقرار باطلاع الله سبحانه على خفايا الأمور، وهو عنوان الإحتراز والخشية واجتناب الفواحش في حال السر والعلانية فما من
انسان يستحضر اطلاع الله تعالى على افعاله وما ينتظره من الجزاء الا ابتعد عما هم به من السوء فيتفضل الله سبحانه بكتابته حسنة لأن المكلف هم به ولم يأته.
وفي الدعاء اشراقة في المعرفة الإلهية فمع الإقرار باطلاع وعلم الله تعالى بكل خفية تأتي مسألة الإمام عليه السلام رجاء عدم الفضيحة لديه وليس لدى الخلائق وهو امر خال من التناقض لإمكان الجمع فلا تعارض بين الأمرين فان الإمام عليه السلام يسأل العفو وستر الذنب ومحوه لذا ترى بعض الناس يستر الله عز وجل ذنوبه حتى عن الملائكة المقربين فيأتي يوم القيامة ولا ذنب عنده.
ومع عصمة الإمام فانه يسأل الستر وعدم الفضح وهذا من كنوز آل محمد وبركاتهم، فانه عليه السلام يريد ان يعلمنا آداب الدعاء كما ان الدعاء يدل بالدلالة الإلتزامية على سؤال عدم الفضح لدى الملائكة وعموم الخلائق بالأولوية وفحوى الخطاب ومفهوم الموافقة .
اللَّهُمَّ أَغْنِنَا عَنْ هِبَةِ الْوَهَّابِينَ بِهِبَتِكَ (11)
ومن فلسفة الإمامة في ادعية الصحيفة انك ترى الشمول والسعة في الدعاء الأمر الذي يدل على حســن الفهم لمعــاني الربوبية وعظيم قدرة الله تعالى وكرمه، فالصحيفة دعوة للإكثار من المسألة واللجوء الدائم إلى الله تعالى.
(11) (الوهاب) من اسماء الله الحسنى وهو كاف لعباده، نسأله ان يجعلنا لا نحتاج عطية احد بما ينعم علينا من عطايا متصلة خالصة من العوض او البدل تلك التي لا يقدر على منحها وهبتها الا هو تقدست اسماؤه.
والباء في (بهبتك) باء السببية، أي بسبب هبته تعالى نسـتغني عن عطـايا الآخرين مع فضـل اضــافي وهـو ان ما يهبه تعـالى متصل وخال من المن فالله عز وجل لا يمن على العباد فاخراً او معظماً بينما يكون المن ملازماً لعطايا الإنسان ومنهم ومن حصره ببخلاء المنعمين كما في لسان العرب، ولكنه عام عن الخلائق نعم هو من الكليات المشككة فمن الناس من يمن بادنى عطية ويحتسبها عليك وان كان ثرياً ومنهم لا يمن الا بعد عطاء وهبات كثيرة وان كان غير ثري.
ان انتفاء المن بمفهومه المذموم صفة ينفرد بها الله سبحانه لذا جاء دعاء الإمام عليه السلام مطلقاً فادنى هبة منه سبحانه تغني عن جميع هبات الناس وان اجتمعوا عليها وبذا يكون الدعاء مدخلاً لبلوغ الكمالات الإنسانية.
وَاكْفِنَا وَحْشَةَ الْقَاطِعِينَ بِصِلَتِكَ حَتَّى لَا نَرْغَبَ إِلَى أَحَدٍ مَعَ بَذْلِكَ وَلَا نَسْتَوْحِشَ مِنْ أَحَدٍ مَعَ فَضْلِكَ(12)
(12) اللهم سد خلتنا وما يترتب على قطيعة ومنع وحجب الناس من الضرر والهم بما تنعم علينا به من عطايا ومنن كي لا نحرص او نتطلع الى احد من خلقك ولا يصيبنا غم او حزن او خيبة من تقصير الآخرين لما يصيبنا من الغنى باحسانك المتصل.
ويظهر الدعاء الوثوق بعظيم فضل الله تعالى ، وتدلي كنوز رحمته وموضوعات هذه المسألة باب للإنقطاع اليه تعالى، فان الإستغناء عن الغير بفضل الله تعالى يدل بمفهومه على التوجه اليه تعالى بالأمل والرجاء الذي يصاحبه بالضرورة الحرص على اداء الواجبات والتقيد باداء الفرائض مما يستنتج معه مزايا ومنافع اخرى للصحيفة السجادية وهي انها طريق للعبادة واداء المناسك، وفيها بعث للعز في النفس ومانع من الرياء والذل والهوان الذي قد يرافق طلب الحاجة من الناس، فبعطائه سبحانه لا نشعر بالأذى والعزلة والدهشة ممن قطع صلتنا وامتنع عن اعانتنا، ولا نلتفت الى من غابت عنا نصرته واظهر الشح في ساعة الحاجة الى مساعدته.
اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَكِدْ لَنَا وَلَا تَكِدْ عَلَيْنَا (13) وَامْكُرْ لَنَا وَلَا تَمْكُرْ بِنَا(14)
(13) الكيد من الله هو التدبير بالحق في مصالح العباد وما هو متعلق بنهايات الأمور.
قال تعالى إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ويقال كاده يكيده كيداً: خدعه ومكر به فهو كائد اذا جاء بما يسبب له الأذى والضر على نحو خفي والكيد من المخلوقين احتيال ولذا سميت الحرب كيداً .
وفي الحديث : اعوذ بك من كيد الشيطان)، أي احتياله وخدعه ومكره، اما الكيد من الله تعالى فهو من المشيئة والرحمة وصرف البلاء.
فالدعاء اقرار وارادته المطلقة وهو نوع لجوء اليه تعالى بسؤال الرحمة والفضل الإلهي والنجاة من البلاء والإفتتان.
(14) المكر هو الإحتيال ، ولكنه من الله عز وجل جزاء واستدراج وامهال في رصد الذنوب نسأله تعالى ان يسوقنا الى ما فيه خير امورنا وصلاح ديننا ودنيانا وصرف البلاء والأمر المكروه.
قال تعالى وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ والمكر من الله تعالى المجازاة وقد يكون استدراجاً للعبد بحيث يرتكب المعصية باختياره، ورجاء توبته وإقامة للحجة عليه ولزجر الناس عن الإقتداء به , اما المكر من المخلوقين فهو الخديعة والخب والحيلة.
وَأَدِلْ لَنَا وَلَا تُدِلْ مِنَّا(15).
وفي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام: ان كان العرض على الله حقاً فالمكر لماذا)( )، وسؤال المكر لنا أي الإعانة وتوسط الفضل الإلهي لإجتناب المعصية والسوء كما لو هم مؤمن وكافر بمعصية متحدة او متعددة، فان مكر الله تعالى للمؤمن حجبه عنها وانزواؤها من بين يديه، ومكره سبحانه للكافر تركه واياها من غير حواجز مستحدثة.
فيكون المكر للمؤمن مدداً وسلاحاً وعوناً ظاهراً أو يبدو انه خفي، وجاء ضمير المتكلم للجمع (لنا) (بنا) لإرادة عامة المسلمين على نحو العموم الإستغراقي الشامل لكل فرد منهم، وعلى نحو العموم المجموعي الذي يصيبهم كأمة فيتفضل الله تعالى بالمكر ليخزي الكافرين ويصدهم عن المسلمين وديارهم، وفيه اعانة للمسلمين ولهدايتهم الى سبل النصر والعزة ومنع الفرقة فيما بينهم.
(15) اللهم اجعل لنا الغلبة والنصر والظفر وانتزاع ما لنا من حق ولا تجعلنا مغلوبين على امرنا، وارحمنا واغفر لنا ولا تجعل غيرنا ينتصر منا.
قال تعالى [ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ ] ( ) يقال لكل من القى انساناً في بلية قد دلاه في كذا، وفي الحديث: ان الله قد دل الناس على ربوبيته بالآيات الكونية وبما جعل عندهم من العقل والبصيرة، وفي الدعاء مسائل:
الأولى : انه اعتراف بان مقاليد الأمور بيده تعالى.
الثانية : ان الدعاء سلاح لصرف الضرر وجلب المنفعة.
الثالثة : فيه ادراك للضعف والنقص عند الإنسان وعجزه عن وقاية نفسه
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَقِنَا مِنْكَ وَاحْفَظْنَا بِكَ (16) وَاهْدِنَا إِلَيْكَ (17)
الا باللجوء الى الله تعالى.
الرابعة : لم يأت الدعاء بسيطاً منحصراً بالنجاة والسلامة من الآفات بل جاء مركباً، النجاة والوقاية للمسلمين، والإبتلاء والإستدراج والإضرار بالكفار والمنافقين.
الخامسة : التسليم بعظيم قدرة الله والصفات الفعلية له تعالى كالرحمة والغضب، فيسأل الإمام عليه السلام الرحمة للمسلمين والغضب على الكافرين.
السادسة : يشهر الإمام عليه السلام يشهر سلاح الدعاء لإعانة الأمة مطلقاً وليكون وسيلة لتثبيت الدين والتخفيف عن المؤمنين.
(16) اللهم ارحم وبارك وتفضل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآل محمد واحفظنا من نقمتك وجنبنا ما يؤدي الى سخطك من الذنوب والفواحش ، ونلوذ بعفوك من غضبك ، وبرحمتك من عذابك.
والدعاء التجاء الى عفوه ومغفرته سبحانه من عدله , وهو سؤال للهداية والله واسع كريم فعطاؤه وكرمه سبحانه لا ينحصر بالعفو والتجاوز عن الذنوب بل بالهداية الى سبل الفلاح واجتناب الزلل والخطأ.
(17) الدعاء سؤال للرحمة والتوفيق في التسديد والرشاد لإنتهاج الصراط المستقيم، قال تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ….
بعد التسليم بان الله عز وجل بعث الأنبياء والرسل وجعل عند الإنسان
وَلَا تُبَاعِدْنَا عَنْكَ(18) إِنَّ مَنْ تَقِهِ يَسْلَمْ(19)
عقلاً وقوة على التمييز بين الحق والباطل واقام عليه الحجة وتوقف الجزاء على ما يختاره العبد من اعمال الصلاح او ما يناقضها جاء هذا الدعاء ليشير الى مسألة من مسائل علم الكلام ويستثمر فضله ورحمته تعالى، فالإمام عليه السلام يدعو الله ان يهدي المسلمين الى سبل الصلاح والرشاد من غير ان تصل النوبة الى حصر الأمر بتوظيف العقل في الإختيار.
وحينئذ هل يحتسب للإنسان ثواب في عمله وانه اختار طرف الهداية بنفسه الجواب نعم لأن المدد الإلهي فضل من الله سبحانه ويأتي بالسؤال او من دونه وبذا تظهر بعض وجوه فلسفة ادعية الصحيفة السجادية، بان يكون الدعاء باباً للهداية وعوناً للعقل وعيناً للبصيرة وتخفيفاً للمؤونة والتكليف.
(18) وامنعنا من المعاصي واحجب عنا الفواحش كي لا نغادر خيمة رضاك ولا تطردنا عن ثواب رحمتك فيغيب عنا الإستغفار.
انه تضرع وتوسل لنيل درجات القرب منه تعالى والحيطة من البعد عن رحمته وما فيه من تسلط الشيطان واستحواذه ومحاولاته الإستيلاء على النفس باغوائه ومكره، والدعاء في مفهومه تبرأ من اعداء الدين ووجوه الكفر والضلال، واظهار للحاجة الى الفوز برحمته تعالى والخشية والخوف من غضبه وسخطه سبحانه.
(19) سبحانك من تحفظه وتجنبه السوء والفواحش في صون نفسه متحرزاً بفضلك فانه ينجو من عقابك والوان العذاب، وفي التنزيل [ وَقِهِمْ السَّيِّئَاتِ
وَمَنْ تَهْدِهِ يَعْلَمْ(20)
وَمَنْ تَقِي السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ]( ).
وهذه الآية دعاء من الملائكة للذين آمنوا فلا غرابة ان يخصص الإمام عليه السلام دعاء خاصاً للملائكة شكراً لهم فهم دائبون في التسبيح ويسألون الله ان يقي المسلمين المذاهب الباطلة ومسالك الضلالة والفساد ويرجون لنا الجنة والنجاة اليم النار وشدته.
وجاء الدعاء بصيغة القطع والجزم وثوقاً بقدرته تعالى المطلقة ومن فلسفة الإمامة تنمية ملكة الوثوق بعظيم سلطانه وقدرته تعالى والإتيان بالحجج والبراهين التي تجعل المسلم يبادر الى اللجوء إلى الله تعالى في المهمات والشدائد بل في جميع حالاته.
(20) ومن تسلحه بالرشاد والإيمان من لدنك فان الحكمة تلازمه في نفاذ بصيرته للتمييز بين الحق والباطــل واختــيار سـبل النجاة، قال تعالى يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ….
والفقرة من الدعاء تضرع وامل مع وثوق بالعطاء الذي ينال بواسطة الدعاء اذ ان الإستجابة معلقة على المسألة ويظهر من مضامين الدعاء انه باب للعلم والإرتقاء في سلم الكمالات الإنسانية وهذا من فلسفة الدعاء والإمامة، فنتوجه الى الدعاء لبلوغ درجات العلم والفضيلة ونتخذ العلم واسطة وسبيلاً لأداء الفرائض خصوصاً.
وان المعرفة واجب عيني فيجب على كل مكلف معرفة الله تعالى
وَمَنْ تُقَرِّبْهُ إِلَيْكَ يَغْنَمْ(21)
وصفاته الثبوتية من القدرة والعلم والإختيار ونحوها والسلبية وانه ليس بمركب ولا جسم ولا جوهر ومنزه عن القبائح، فجاء الدعاء طلباً للهداية التي هي كالخزينة التي تفتح على كنوز من العلم والمعرفة ببركة الدعاء.
وهذا من المضامين القدسية للصحيفة انها عون على تحديد المسألة، فلا يرى صاحب الدعاء الصلاح فساداً والضلالة هدى بل يوفق لرؤية الأشياء استحقاقها ويعمل وفق مناهج صلاح النفس وسلامة عمل الجوارح.
(21) من يتقرب الى الله بالصالحات والدعاء والتقوى يكتسب فوائد كثيرة كثمار دانية من غير مشقة ويصبح بمقدوره الإنتفاع مما يصبو اليه من ابواب رحمته، وفي التنزيل رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا .
والغنيمة : الفائدة المكتسبة، وشطر من المسلمين خصها بما اخذ من الكفار حال القتال قال تعالى فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وهو وان لم يكن مع القتــال فهو فيء وكذا ما يــؤخذ بعد ان تضع الحرب اوزارها، والفيء خاص بالإمام، والغنيمة يخرج منها الخمس: والباقي بعد المؤن للمقاتلين، وفي باب الخمس فان الغنيمة تشمل الزائد عن مؤونة السنة من جميع ما يستفاد عن ارباح التجارات والزراعات والصناعات
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَاكْفِنَا حَدَّ نَوَائِبِ الزَّمَانِ (22)
والمكاسب والوظائف الى جانب المعادن والكنوز والغوص والحلال المختلط بالحرام.
وفي الدعاء بيان لأهم مغنم مما يشمل منافع الدنيا والآخرة الا وهو الدنو من رحمته تعالى.
فالغنيمة في الدعاء تحمل على المعنى الأعم وتشمل المغانم المادية والأمن والعافية والجاه والفوائد الأخروية من الأمن يوم الحساب ودخول الجنة.
(24) حد الشيء وحدته: بأســه وقــوته، والنوائب: جمــع نائبة وهي ما ينزل بالإنسان من المصائب والوقائع، نابه ينوبه: واضافة النوائب للزمان لأنها تأتي مع تعاقب الليل والنهار، وتحملها الأيام وتمتزج معها.
اللهم ارحم رسولك الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وآله الأطهار وبارك عليهم وجنبنا عداوة المصائب وتواليها او تماديها واصرف شرها عنا.
وتخفي الأيام في تواليها وقائع واحداث وابتلاءات يجهلها الإنسان ويتعذر عليه احصاؤها فضلاً عن معرفتها وتحديد نوعها واوانها وكيفيتها ولا يستطيع في الغالب الإحتراز منها والتصدي لها او معالجتها، فجاء الدعاء استغاثة بالله ولجوء اليه للوقاية من نوائب الزمان ، وهو من عمومات قوله تعالىيَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ، فبالدعاء يمحو لله البلاء ويجلب ويثبت الخير وأسباب الفلاح .
وَشَرَّ مَصَايِدِ الشَّيْطَانِ(23)
(23) اللهم ادفع عنا اذى وشر الشراك التي ينصبها الشيطان لتوريط بني آدم، وفي الدعاء اظهار للإيمان بقدرة الله تعالى وان كيد الشيطان ليس عاماً او انه منفلت وشامل لكل انسان، فكيده ضعيف والدعاء سلاح لدفعه.
وفي الدعاء تأديب للمسلمين ودعوة لهم باليقظة والحذر من الشيطان وعدم الإستخفاف بكيده وحيله وشروره، وقد يغفل الإنسان او تغلب عليه القوة الشهوية او الغضبية فيفقد السيطرة على جوارحه ولسانه، فيأتي الدعاء واقية دائمة وحرزاً متصلاً وعوناً حاضراً في كل اوان ومكان، ويلاحظ في الدعاء اقتران كل مسألة بسؤال الصلاة على محمد وآله شمولهم برحمته تعالى وهو ادب في الدعاء ، وتقديم مبارك للمسألة ورجاء للإستجابة.
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال : اما مصايده فصد عن بر الأخوان واما شباكه فنوم عن قضــاء الصلاة التي فرضــها الله تعالى.
وَمَرَارَةَ صَوْلَةِ السُّلْطَانِ(24) اللَّهُمَّ إِنَّمَا يَكْتَفِى الْمُكْتَفُونَ بِفَضْلِ قُوَّتِكَ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَاكْفِنَا(25)
(24)اللهم اكفنا وقنا معاناة وآلام حمــلة الســلطان ، ووثبتــه وسطوته وبأسه.
والدعاء لجوء الى الله تعالى من القوة والبطش القهر ونحوها مما يتصف به السلطان وادراك لأثره وضرره ولزوم اجتناب صحبته والتعرض له، والألف واللام في السلطان للجنس فهو ليس من القضية الشخصية.
فيشمل الدعاء الإحتراز من كل من ينتمي الى السلطان من الأعوان والجند والعيون والخدم.
والدعاء استعاذة بالقوي الجبار من كل متجبر في الأرض سواء اظهر الفتك او اخفاه بين ثنايا صيغ وضعية وحجج واهية .
فيشمل الدعاء اللجوء إلى الله والإستعاذة به من السلطان الذي يحكم بالعدل لأن عفوه تعالى اعظم واكبر فكثيراً ما يخطئ ويذنب الإنسان ويستره الله عز وجل ويترك للإستغفار امكان الهجوم على السيئة ومحوها، اما السلطان فقد يحكم بما يفيد تثبيت كرسيه.
(25) (القوي) من اسماء الله تعالى و(انما) تفيد الحصر وكفاه مؤنته كفاية: لم يحوجه اليها او بسببها، والفضل: الإحسان وتوالي النعم، لا يسلم الناس ولا تقضى حوائجهم الا بما يمن الله به عليهم من الإحسان والجود، اللهم اغننا ووفقنا للتي هي اقوم , قال تعالى أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ.
وَإِنَّمَا يُعْطِى الْمُعْطُونَ مِنْ فَضْلِ جِدَتِكَ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأَعْطِنَا(26)
ويلاحظ في الدعاء تقديم المدح والثناء والحمد لله عز وجل قبل المسألة، وبيان عموم فضل الله وعدم انحصاره بجماعة دون اخرى او زمان دون آخر، وفي الدعاء اشارة الى قاعدة كلية ثابتة في بني آدم عند اعمارهم للأرض وهي الفزع اليه تعالى لكفايتهم ووقايتهم والكفاية لها وجهان، جانب ثبوتي وهو الرزق والعطاء، وجانب سلبي وهو منع وصول الأذى، والظاهر ان الدعاء محمول على الثاني خلافاً للقاعدة الكلية بالإطلاق والتعميم في الدعاء لسياق الدعاء ، ولورود الفقرة التالية بخصوص الجانب الثبوتي.
(26) من أسماء الله تعالى (الواجد) وهو دائم الغنى والسعة، واوجده الله : اغناه.
والمعطون : جمع معطي: اسم فاعل من اعطى يعطى اعطاء قدم ودفع نقيض اخذ.
ويحتمل ان يكون اسم مفعول وان يعطى فعل مبني للمجهول، وهو الأرجح بدليل الفقرة التالية.
وفي الدعاء مسائل :
الأولى : بعد ان جاءت الفقرة السابقة بسؤال الكفاية جاءت هذه الفقـرة بسؤال العطاء والفضل الإلهي والرزق الكريم منه سبحانه لأنهما متوازيان.
الثانية : الكفاية ليست امراً عدمياً بل هي امر وجودي يحتاج الى دفع وصرف ووقاية واحتراز.
الثالثة : قد تعجز قوى الإنسان وقدرته عن صد ما يرد عليه من الشرور والآلام، ولكن الدعاء يردها لما فيه من الكفاية.
الرابعة : ان التوجه الى الباري عز وجل في المسألة وقضاء الحوائج نوع
وَإِنَّمَا يَهْتَدِى الْمُهْتَدُونَ بِنُورِ وَجْهِكَ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَاهْدِنَا(27).
ذكر وثناء على الله تعالى.
الخامسة : فيه اعراض عن الأسباب الدنيوية وما في ايدي الناس.
السادسة : وبذا تظهر وجوه اخلاقية من ادعية الصحيفة السجادية وهي انها تصون كرامة الإنسان وتحفظ ماء وجهه وتحول دون تعرضه للذل لا اقل في جملة من المواطن وتنجيه من الإبتلاءات باعتبارها واسطة لقضاء الحاجات.
السابعة : اقرار وتسليم بان ما في ايدي الخلائق من الله تعالى ويتفرع عن هذا الإقرار اختيار سؤاله تعالى واللجوء اليه لنيل المطالب.
الثامنة : اخبار عن عدم نفاد خزائنه وان العطاء لم يكن الا من فضله ومنه واحسانه، وهذا الإعتراف باب للمزيد من العطاء والنعم.
التاسعة : يلاحظ الترتيب في الدعاء والمسألة وهو نوع ادب من منازل العبودية.
العاشرة : المدحة والثناء على الله عز وجل.
الحادية عشرة : سؤال الصلاة على محمد وآله.
الثانية عشرة : طلب الحاجة وسؤال الرزق.
ورد السؤال على نحو التنكير والإطلاق وهذا من القواعد الكلية لأدعية الإمام عليه السلام لأن الله عز وجل يعطي بالأوفى والأتم.
(27) يختار اهل الإيمان طريق الهداية بتوفيق من الله ويسترشدون بما ملأ به الآفاق من الآيات والبراهين التي يتوجه ضياؤها واشعاعتها للدلالة على بديع صنع الله تعالى الهاً ورباً وخالقاً وهادياً، والدعاء سؤال للهداية وفي الحديث القدسي: يا عبادي كلكم ضال الا من هديت( ).
اللَّهُمَّ إِنَّكَ مَنْ وَاَلَيْتَ لَمْ يَضْرُرْهُ خِذْلَانُ الْخَاذِلِينَ وَمَنْ أَعْطَيْتَ لَمْ يَنْقُصْهُ مَنْعُ الْمَانِعِينَ(28)
لقد رزق الله عز وجل الإنسان العقل وجعله قادراً على ادراك الآيات بقوة التمييز، لذا فان بعض اهل العرفان قسم القوة العقلية الى :
الأول : القوة التي يفارق بها البهائم ويدرك بها العلوم النظرية.
الثاني : القوة التي يعرف بها عواقب الأمور فيجتنب اللذة المحرمة لما فيها من الأضرار العاجلة والآجلة، وقد تشترك هذه القوة مع السابقة في تحمل التكاليف لإدراك وجوبها بالقوة النظرية، وتحمله مع ما فيه من المشقة للسعادة في الآخرة، فيظهر الدعاء ان العقل قد لا يدرك اسباب الهداية وسبل الرشاد فيستعين الإمام عليه السلام بالله عز وجل وظاهر الدعاء ان الإستعانة به تعالى للإيمان المستقر مطلقة لكل مؤمن يلهج كل مسلم بقولاهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، عدة مرات في اليوم وعلى نحو الوجود العيني في الصلاة اليومية .
وقد تفضل الله سبحانه بالحجج العامة الظاهرة للحواس ومنها الآيات التي تملأ آفاق السماء وفي الدعاء اعتراف بالعجز عن تلمس دروب الهداية الا بفضل الله تعالى.
(28) والاه : ولاء وموالاة، نصره، والولاء نقيض العداء، وخذله يخذله خذلاً وخذلاناً، ترك الإعانة، وفي الحديث: المؤمن اخو المؤمن لا يخذله)( )، ونقص الشيء ينقص نقصاً ونقيصة، والنقص: الخسران في الحظ، والمنع: الحجب وتحجيز الشيء خلاف الإعطاء.
من ينصره الله ويؤيده بالتوفيق لم يؤثر عليه ترك الآخرين لإعانته
وَمَنْ هَدَيْتَ لَمْ يُغْوِهِ إِضْلَالُ الْمُضِلِّينَ(29)
وتخليهم عنه ولا يستوحش من جفائهم، ومن يتفضل الله عليه بالرزق والإحسان لا تضره محاولات الآخرين لحرمانه ولا يسبب له حجب عطاياهم أي افتقار او نقص.
وفي دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم لا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت ( ) ، في الدعاء مسائل :
الأولى : مدح وثناء لله تعالى بالجهر بكفايته تعالى لعبيده وان المدار في التوفيق على عدوه ونصره سبحانه تعالى.
الثانية : من فلسفة الإمامة في الدعاء انه تحذير وانذار من الأضرار الجسيمة المترتبة على الحرمان من موالاته.
الثالثة : لزوم تحري اسباب ادراكها والفوز بها ومن اهمها الدعاء والإلحاح به.
الرابعة : الدعاء قاعدة كلية في المعرفة الإلهية.
الخامسة : ليس من نقض لعطاء الله فلا راد لما اعطاه.
قوله عليه السلام (لم ينقصه) أي من باب اولى ان الآخرين لا يستطيعون منعه ابتداء او استدامة.
(29) من كتب الله له الهداية والإيمان المستقر الدائم الثابت لن يصرفه خداع او زيف واستدراج اهل السوء ، ولن ينحيه عن جادة الإيمان والأخلاص في العبودية السعي الواهن لأهل البغي والفسوق والعصيان وحبائلهم قال تعالى[مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي] ( ).
فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَامْنَعْنَا بِعِزِّكَ مِنْ عِبَادِكَ(30) وَأَغْنِنَا عَنْ غَيْرِكَ بِإِرْفَادِك(31)
وفي الدعاء بيان للثقة بفضله والشكر له سبحانه وان ما عندنا من الهداية والرشاد منه تعالى ابتداء واستدامة، ويدل الدعاء بالدلالة التضمنية على وجود اغواء واضلال من قبل الشيطان ولزوم التصدي له باللجوء الى الله عز وجل ولا يعني هذا ابطالاً للحذر واليقظة ولكنهما لا يكفيان في الإحتراز منه كما انهما لا يأتيان ويكملان الا بالدعاء، فقد تكون الإستجابة بملكة الإحتراز , وتلك من مضامين فلسفة الدعاء عند الإمام عليه السلام أي ان الصحيفة السجادية خلق لملكة العصمة من اغواء الشيطان بواقية من الله تعالى واستجابته تعالى للدعاء والمسألة وفي التنزيلوَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
(30) اللهم ارحم وبارك وتحنن على نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم واهل بيته وتقبلنا لائذين مستجيرين بعزتك وعظمتك وسلطانك من شر واذى واذلال الناس .
بعد المدح والثناء والإقرار بقواعد كلية في المعارف الإلهية جاء السؤال بالمنعة والنجاة من الناس جميعاً، وفي منطوق السؤال مدح لله عز وجل بقوله تعالى (بعزتك) والدعاء عام لكل المسلمين وكأن فيه تقسيماً ثنائياً فمسلم يسأل الإمام له المنعة من غيره، وآخر يسأل الإمام عليه السلام الله عز وجل له عدم التعدي.
(31) الإرفاد: الإعطاء والإعانة، اللهم انعم علينا بالعطايا والهبات النازلة من لدن مقام عزك وكرمك كي لا نحتاج بفضلك أياً من خلقك ,
وَاسْلُكْ بِنَا سَبِيلَ الْحَقِّ بِإِرْشَادِكَ(32). اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَاجْعَلْ سَلَامَةَ قُلُوبِنَا فِى ذِكْرِ عَظَمَتِكَ(33) وَفَرَاغَ أَبْدَانِنَا فِى شُكْرِ نِعْمَتِكَ(34) وَانْطِلَاقَ أَلْسِنَتِنَا فِى وَصْفِ مِنَّتِكَ(35).
قال تعالى وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ .
والدعاء رجاء فضل ورحمة الله تعالى وجاء على نحو الإطلاق فمن الناس من لا يكتفي بالقليل وان كان عنده كثير فانه يريد المزيد فجاء الدعاء لسؤال هذا المزيد وعدم الحاجة فيه الى المخلوقين اذ ان القناعة من الكليات المشككة فلابد ان يكون لها حد ونهاية، وعطاء وفضل الله تعالى لا ينتهي، وفتح الله باب الدعاء لكي يستجيب لنا من غير تقييد للعطاء بقدر معين , قال تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
(32) اللهم خذ بايدينا في جادة الإيمان والهدى وسدد خطانا بتوفيق منك وارشاد لبلوغ آمالنا في نيل رضاك، قال تعالى وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ… .
ويظهر الإمام عليه السلام في الدعاء الضعف والحاجة الى فضله الله تعالى بقيادتنا الى طرق الهداية باضاءة دروب الهدى وتيسير معرفة الحق ووقايتنا من الزلل ومنع المعصية من الإقتراب منا.
(33) اللهم ارزقنا طهارة القلوب وصدق النوايا في الدوام على التفكر والتدبر بآيات قدسك وبراهين عظمتك وليكون الإشتغال الدائم بالذكر والتسبيح حصناً لنا من الجهل والعمى وخلاصاً من الغفلة ووقاءاً وحرزاً من الزيغ، قال تعالى هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ….
والقلب هو هذا العضو الصنوبري الموجود في الصدر والظاهر ان معناه الإصطلاحي اخص والمراد القوة التي جعلها الله عز وجل في القلب، وحرف الجر الوارد في ذكر للظرفية المجازية.
(34) فرغ يفرغ فراغاً وفروغاً: اصبح خالياً.
والبدن: جسد الإنسان سوى الرأس، كثيرة هي الساعات التي تمر على الإنسان كل يوم خالية من اعمال الضرورة وطلب الحاجة.
اللهم اجعلنا نستثمرها في الثناء والتبجيل والتقديس لمقامك في اللسان والجنان والأعضاء لعظيم احسانك علينا.
ورد عن الصادق عليه السلام:إن الله يبغض كثرة النوم، وكثرة الفراغ)( ).
والدعاء منع للفراغ واللهو ، وفيه توظيف للفائض من الوقت بشكر الله تعالى بالقول والفعل وليكون هذا الشكر سبباً لتوالي النعم والحصانة من كثرة الفراغ وضياع الوقت، وابتعاد القلب عن الذكر والدعاء والشكر.
(35) انطلاق اللسان: فصاحته في جريان وعذوبته في اندفاع والوصف : النعت والبيان.
والملة : الشريعة والدين وما جاء به الرسل اللهم اجعل حديثنا في معالم الدين متواصلاً وكلامنا في ابواب الشريعة مستمراً.
انه دعاء واستغاثة للإعانة على النفس وتخليصها من الغفلة والتجاء الى الله عز وجل لوقاية لسان المسلم من الزلل والإقامة على اللغو واعراض اللسان من الغيبة وفاحش القول والظلم والنميمة والثرثرة ونحوها، وفي الدعاء تأديب بالانتفاع الأمثل من كل نعمة عند الإنسان لشكر وذكر الله تعالى ونشر لواء الإسلام وبيان الأحكام الشرعية بحسب درجة المعرفة قال تعالىوَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَاجْعَلْنَا مِنْ دُعَاتِكَ الدَّاعِينَ إِلَيْكَ وَهُدَاتِكَ الدَّالِّينَ عَلَيْكَ(36) وَمِنْ خَاصَّتِكَ الْخَاصِّينَ لَدَيْكَ(37) يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ(38)
(36) الدعاة : جمع داع من دعاه يدعوه بمعنى ناداه وطلب قدومه، والهداة: جمع هاد الذي يقود الى الرشاد والفلاح.
والدعاء سؤال للتشرف بالإنضمام لجنود الإيمان وتسخير الذات والقدرات الفردية لتوجيه الآخرين في مرضاة الله وارشادهم الى سبيله، قال تعالى أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي.
والله هو الواسع الكريم الذي يرزق بغير حساب، فالدعاء وبلحاظ عمومه وصيغة الجمع وانه للمسلمين جميعاً يتضمن طلب منزلة رفيعة للمسلمين وقد ورد حرف الجر (من) الذي يفيد التبعيض اقراراً بمنزلة الملائكة والأنبياء في الدعوة الى الله.
(37) اللهم اجعلنا من عبادك المخلصــين المقــربين منك واوليائــك المطـيعين لأوامرك انك الكريم ذو الجود المطلق والإحسان المتصل في نزوله.
(38) مدح وثناء لله عز وجل ضمن القاعدة الكلية لفلسفة الدعاء عند الإمام عليه السلام ، وهي ختم الدعاء بمدح الله تعالى ، وفيه نوع شكر وحسن اختتام للدعاء.
الدعاء السادس
وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ بِقُوَّتِهِ(1)
(1) شكراً دائماً لله عز وجل وثناءاً لاحداثه الليل والنهار في صنع ابتدائي من لدنه من غير احتذاء ولا مثال، وجعل في ذلك آية من آيات بديع صنعه وفي اختلافهما وتعاقبهما دعوة للناس للإيمان واخلاص العبودية لله الذي ابتدعهما دائبين بقوته وعظمته وجبروته وارادته التي تنقاد لها الخلائق جميعاً.
ويبدأ الدعاء بالحمــد والثـناء لله تعالى، وذكر الإمام خلق الليل والنهار وهما فردا الزمان المتعاقبــان ليشـمل الدعاء جميع آنات الزمان المتجددة، وفيه بيان لشــكره تــعالى على هذه النعمة على الخلائق سواء نعمة خلــق النهار او خــلق الليل وما يتصف به كل منهما او هما معــاً مجتمعــين، وقولـــه عليه السلام (بقوته) لأن خلقــهما لا يقـدر عليه الا الله عز وجل، وفي التنزيل [أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا] ( ).
وذكر الإمام عليه السلام النهار والليل بلحاظ أن كلاً منهما نعمة واحسان منه تعالى بدليل التوجه بالحمد والثناء على خلقهما ، ولم يفرق عليه السلام بينهما او يظهر ما في النهار من المزايا إذ ان النور اشرف من الظلام، كم انه قدم الليل على النهار، لعله لسبق الخلق ولتقدم الليل في آيات قرآنية ، وفي التنزيلاللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ
وَمَيَّزَ بَيْنَهُمَا بِقُدْرَتِهِ وَجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدّاً مَحْدُوداً وَأَمَداً مَمْدُوداً(2) يُولِجُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِى صَاحِبِهِ وَيُولِجُ صَاحِبَهُ فِيهِ(3)
الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
(2) حد كل شيء : غايته وما ينتهى عنده ومحدوداً: مميزاً بوضوح وتعيين، والأمد: الزمان والوقت وممدوداً: مبسوطاً، لقد جعل الله لكل شيء من الليل والنهار امارات وعلامات وصفات وماهية تختلف اختلافاً كبيراً ينعكس بصورة مباشـرة على سلوك واعمـال العباد في كل منهما، وتلك آيــة اخــرى في بيان عظيم مقدرتـه سبحانه، قال تعالى وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً...
ان عدم تعدي النهار وضياؤه على الليل وعدم استمرار ظلام الليل لبدايات النهار آية من بديع صنعه تعالى تدعو الى التدبر والتفكر واتخاذها مناسبة للعبادة والذكر.
(2) ولج الشيء يلج ولوجاً : دخل، وصحبه يصحبه صحبة: عاشره ولازمه، جعل الله لكل من الليل والنهار بداية ونهاية يومــية في برهــان دائم على قربه منا لعظيم قدرته وجبروته حيث يبدأ النهار بالإشعاعات الأولى لبشــارات الفجر ليدفــع الليل ويزيحــه عن الأرض فلا تتجرأ ظلمته
بِتَقْدِيرٍ مِنْهُ لِلْعِبَادِ فِيمَا يَغْذُوهُمْ بِهِوَ يُنْشيءهُمْ عَلَيْهِ(4)
على الدبيب الا بعد غروب الشمس، قال تعالى أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ… .
عن ابن عباس في تفسير الآية قال: يدخل احدهما في الآخر باتيانه به بدلاً في مكانه.
(4) لقد احاط الله عز وجل بكل شيء علماً وبحكمته سبحانه جعل تعاقب الليل والنهار في نظام اعجازي يمتلأ رحمة وفضلاً على العباد لتوفير طعامهم وشرابهم ومستلزمات ما يجب عليهم اداؤه او قضاؤه، قال تعالى وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ.
في الدعاء تأسيس لمدرسة وهي سبر اغوار ماهية المخلوقات بتلمس وجوه الحكمة فيها وبذا تظهر لنا اشراقة اخرى من فلسفة الصحيفة السجادية، بالإستدلال بالبرهان الإني أي من المعلول الى العلة، وفيه بيان بان خلق الليل والنهار لم يأت لأسباب تتعلق بذاتها وبعناصر الزمان فحسب بل ان خلقهما جاء مناسباً لحال الإنسان وتسهيل قضاء حوائجه وهو من عمومات قوله تعالىوَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ.
الأمر الذي يستلزم شكر الله تعالى على نعمة خلق الليل والنهار وتسخيرهما لخدمة الإنسان، ومن شكره تعالى افتتاحهما وختمهما بالصلاة
فَخَلَقَ لَهُمُ اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ مِنْ حَرَكَاتِ التَّعَبِ وَنَهَضَاتِ النَّصَبِ وَجَعَلَهُ لِبَاساً لِيَلْبَسُوا منْ رَاحَتِهِ وَمَنَامِهِ فَيَكُونَ ذَلِكَ لَهُمْ جَمَاماً وَقُوَّةً وَلِيَنَالُوا بِهِ لَذَّةً وَشَهْوَةً(5)
اليومية الواجبة وترى التسهيل في اداء هذا الشكر الفعلي وهو من احسن مصاديق الشكر فصلاة الصبح تودع الليل وتستقبل النهار لذا ورد قول الله تعالى إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا أي تشهده ملائكة الليل عند صعودهم وملائكة النهار عند نزولهم، وصلاة المغرب تودع النهار وتستقبل الليل.
(5) الحركات : جمع حركة وهي النشاط وفعل الجوارح، والتعب: الإعياء، والنهاضات : جمع نهضة وهي الكد والجد والقيام والسعي، والنصب : الإجهاد، وشبه الليل باللباس: لأنه يستر ويغطي بظلامه والجمام بفتح الجيم الراحة والنشاط ونال الشيء: اصابه،
واللذة : ادراك المشتهى الملائم، والدعاء بيان واقرار واعتراف بنعم الله عز وجل في خلقه الليل متعقباً للنهار كل يوم ليكون راحة وسكناً ومناسبة للتهجد بالقرآن واستثمار وقت السحر منه للإستغفار .
وفيه تجديد لطاقات الناس وتنشيط لهممهم في الكسب والمعاش فيما يعقبه من نهار جديد مشرق , قال تعالى وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا… .
والمراد من اللذة والشهوة أعم من الصلة والمودة بين الزوجين لتكون خلال الليل سبباً للإستراحة من العمل والشغل في النهار.
وَخَلَقَ لَهُمُ النَّهَارَ مُبْصِراً لِيَبْتَغُوا فِيهِ مِنْ فَضْلِهِ وَلِيَتَسَبَّبُوا إِلَى رِزْقِهِ وَيَسْرَحُوا فِى أَرْضِهِ طَلَباً لِمَا فِيهِ نَيْلُ الْعَاجِلِ مِنْ دُنْيَاهُمْ وَدَرَكُ الْآجِلِ فِى أُخْرَاهُمْ(6)
(6) لقد قرن الله ساعات النهار بشمس مضيئة تبعث عند الإنسان اشعتها النافذة النشاط والحركة وتكون مادة للتوظيف التام لحاسة البصر لتتهيأ اسباب السعي والكسب النافع في مصالح الدنيا وتغذية عنصر البقاء , والنهار فرصة مناسبة لأداء فرائض الصلاة النهارية والصوم قال تعالىوَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ، وغير ذلك من ابواب الطاعات وما ندب اليه الشارع من الصالحات كرصيد مضمون ونافع في يوم الجزاء، قال تعالى اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ .
بيان لعظيم فضل الله تعالى في خلق النهار ومنافعه وتفضله بجعل الإنسان مدنياً بالطبع وتنظيم شؤون الناس في الطعام والملبس والعبادات والمعاملات مما لا يتم الا بضياء النهار، وجعل النور طبيعة وجودية والظلمة عدمية .
وفي الدعاء تذكير بلزوم استثمار النهار للإكتناز من الصالحات وما فيه خير الآخرة، ومن الآيات ان كلاً من الليل والنهار يدل على بديع الصنع في الآخر، أي بظاهرة الليل تتجلى اسرار المعارف الإلهية في خلق النهار وكذا العكس.
بِكُلِّ ذَلِكَ يُصْلِحُ شَأْنَهُمْ وَيَبْلُو أَخْبَارَهُمْ وَيَنْظُرُ كَيْفَ هُمْ فِى أَوْقَاتِ طَاعَتِهِ وَمَنَازِلِ فُرُوضِهِ وَمَوَاقِعِ أَحْكَامِهِ(7) لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى(8)
(7) الدعاء اقرار وشكر بنعمة وجود الليل والنهار واختلافهما وتعاقبهما متداخلين ولما فيه من صلاح للناس وتيسير ابواب التدبير والفلاح والسداد وهما فرصة لإختبار الناس واحصاء اعمالهم واستثمارهم لعنصر الوقت وتغير ساعاته في الحرص على اداء الفرائض باوقاتها المحدودة والتقائهم في جماعاتها واجتماعهم في فريضة الحج واداء مناسكها واقامة الحدود وتعظيم شعائر الله.
وقوله عليه السلام “بكل ذلك” أي بخلق الليل والنهار وما جعل في كل منهما من خصائص ومزايا نافعة للإنسان كفرد وللبشر كجماعة وامة في آية كونية اعجازية لا يقدر عليها غيره كما جعلها سبحانه باباً للإمتحان والإختبار وكيفية للشكر له تعالى.
(8) سورة النجم 31، الجزاء: المكافأة وجاء في الآية الكريمة بعنوان العقاب والثواب ومجازاة اهل السيئات باليم العذاب، ومجازاة المحسنين بالزلفى والبشارة والخلود في الجنة ، وفي الآية اشارة الى مضاعفة الثواب لأن الحسنى رمز الزيادة.
وقراءة الآية في الدعاء مناسبة للتنبيه والتحذير من التفريط في نعمة تعاقب الليل والنهار، وهذا وجه مشرق من وجوه سعي الإمام علي عليه السلام في الصحيفة السجادية، فهو لم يكتف ببيان عظيم نعمة الليل والنهار بل اكد على لزوم استثمارها في الطاعات لأن الله عز وجل جعلهما مناسبة للعبادة والطاعة.
اللَّهُمَّ فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا فَلَقْتَ لَنَا مِنَ الْإِصْبَاحِ (9) وَمَتَّعْتَنَا بِهِ مِنْ ضَوْءِ النَّهَارِ وَبَصَّرْتَنَا مِنْ مَطَالِبِ الْأَقْوَاتِ (10)
(9) الفلق : الشق وفي الدعاء: رب الظلام والفلق، والفلق هنا النور، والأصباح والصبح واحد وهو مصدر اصبحنا اصباحاً، شكراً دائماً متواصلاً لك يا إلهي على ما تفضلت به من بيان الصبح ووضوح تباشيره وانشقاقه مع الفجر في اعلان عن بدء الحركة والنشاط ، قال تعالى فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا….
انه نوع شكر لله عز وجل لنعمة النهار كامر وجودي مسخر لبني آدم لذا
قال الإمام عليه السلام (فلقت لنا)، وهو اقرار جاء نيابة عن جميع المسلمين بهذه النعمة العظيمة ومنه اظهار لإدراك المسلمين لها وليكون هذا الحمد والثناء مناسبة لدواء هذه النعمة.
(10) متعته بالشيء –بالتثقيل وامتعته به: جعلته متاعاً في عنوان للإنتفاع، وبصره اياه يبصره تبصيراً: عرفه واوضحه، والمطالب: جمع مطلب أي سبب ومكان، والأقوات: جمع قوت وهو الزاد الذي يمسك الرمق لما توفره ساعات النهار وضياؤها من بلغة وفرصة لقضاء الحاجات ومناسبة لطلب الرزق والكسب في ابواب المعاش.
وفي الدعاء مسائل:
الأولى : انه شكر لله عز وجل لما في ضياء النهار من بركات وافاضات الهية واعانة على قضاء الحوائج.
الثانية : يبين مفهوم الدعاء مدرسة اهل البيت عليهم السلام في لفت انظار المسلمين الى ما في النهار من منافع.
الثالثة : ان الله عز وجل اراد للإنسان الإستفادة من نعمة النهار ونعمة الليل.
الرابعة : انه فرع قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ادبني ربي فاحسن تأديبي( )، ومن الأدب الرسالي معرفة نعم الله تعالى في الجملة وما فيها من الفوائد , قال تعالىوَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا.
الخامسة : يظهر الدعاء فضل الله تعالى في تهيئة المقدمات الكونية للكسب والمعاش.
السادسة : الدعاء حث على العمل والكسب وتبديد للإعتذار عن العمل، ودعوة للإنتفاع من هذه النعمة لوجود المقتضي وفقد المانع.
وَوَقَيْتَنَا فِيهِ مِنْ طَوَارِقِ الْآفَاتِ(11) أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَتِ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا بِجُمْلَتِهَا لَكَ سَمَاؤُهَا وَأَرْضُهَا وَمَا بَثَثْتَ فِى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَاكِنُهُ وَمُتَحَرِّكُهُ وَمُقِيمُهُ وَشَاخِصُهُ (12)
(11) النهار مصدر ووعاء وقاية وحرز من الإبتلاء المفاجيء بمصيبة او اذى طارئ او ضرر عارض لما جعل الله فيه من ضياء وابصار يعين على الإحتراز والتدبر واليقظة.
لا يعلم ما يحدث للناس لو استدام الليل والظلمة على الناس وما يصرف من البلاء النوعي والشخصي باشعاعات ضياء النهار بل ان ادراك الإنسان لدنو طلوع الفجر يؤدي للإستعداد من الليل للسعي والكسب والعبادة، ويحول دون هم اهل الفسوق بالمعصية ويكون رادعاً لهم ويصلح ان يكون من عمومات قوله تعالى َوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ، وقد تتعقبه التوبة والصلاح.
(12) مع أول اشعاعات الفجر من جهة المشرق تطل علينا حقيقة ثابتة تلح بوجوب الإعتراف بان جميع ما في الكون من موجودات وكائنات هي ملك لله عز وجل، ولسنا الا جزء ضئيل منها في جانب مخلوقاته سبحانه من السماوات السبع والأرضين وما جعل الله في السماء من الأفلاك والنجوم والكواكب السيارة والثابتة وملائكة مقيمين على العبادة او مكلفين بواجبات تستلزم نزولهم الى الأرض الى جانب ما بث الله عز وجل في الأرض من الدواب والكائنات المتنقلة كالحيوانات والحشرات والمياه في جريانها او تلك الكائنات الثابتة كالأشجار والجبال والمعادن.
ومَا عَلَا فِى الْهَوَاءِ (13)
وفي الدعاء مسائل :
الأولى : انه افتتاح مبارك لساعات النهار.
الثانية : جعل ساعة شروق الشمس مناسبة كريمة للجوء الى الله عز وجل.
الثالثة : تعليم المسلمين الإنتفاع من ساعات النهار ببدء النهار بحمد الله تعالى والثناء عليه.
الرابعة : اعتراف باستدامة ملكه تعالى للأشياء جميعاً فهو تعالى لم يخلق المخلوقات ويتركها وشأنها بل انه يتعاهدها وهي خاضعة لملكه ولمشيئته، وحفظ الأشياء موضوع متجدد يدل على عظيم قدرته أي ان
الحفظ يحتاج الى قدرة الله عز وجل، فالربوبية لا تنحصر بالخلق والإيجاد بل تشمل تعاهد المخلوقات وحفظها الأمر الذي يستلزم استدامة الشكر ، وهو من مصاديق قوله تعالىوَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ.
(13) علا الشيء يعلوا علواً: ارتفع وارتقى والهواء: الجو المسخر بين السماء والأرض وما يملأ الفضاء الخالي من الأجرام، ان كل ما ارتفع في السماء من الطير والسحاب وطبقات الغيوم وغير ذلك مما عرف واستبان او خفي واستتر يخضع لسلطان مشيئته تعالى ويدخل في ملكه.
والدعاء اقرار بان كل شيء في السماء من فوقنا عائد في ملكيته لله عز وجل، وفيه تسليم بان ما ينزل من المطر هو من عنده تعالى، وان الطيور سابحات في فضله ونعمته والكل محتاج لفضله.
وَمَا كَنَّ تَحْتَ الثَّرَى(14) أَصْبَحْنَا فِى قَبْضَتِكَ(15)
(14) كنّ الشيء يكنه كناً: ستره واخفاه.
والثرى : هو التراب الذي اذا بل لم يصر طيناَ لازباً وقال بعضهم الأرضين السبع، ولله ملك جميع ما في الأرض وما في جوفها وما بعد الطبقة الأولى من التربة مما استتر وخفي ، قال تعالىلَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى.
والدعاء اخبار عن الاطلاق والعموم في ملك الله تعالى ، وعلى لزوم استحضار ذكره سبحانه في مختلف الأحوال الطولية للزمان والمكان وهذا الذكر سبب كريم لتوالي نعمه تعالى وتيسير الإنتفاع من خيرات الأرض، وتحت الثرى ثروة النفط التي جعلها الله عز وجل عصب الإقتصاد العالمي في هذا الزمان وجعل شطرها في بلاد المســلمين لينتفعوا منها لحــاجـــات الدنيا والآخرة مع الصلاح والتقوى واتيان الأفعال العبادية التي تصون الرزق وتمنع من تبديده وتشتته وتسلط الظالمين عليه.
(15) قبض الشيء قبضاً:اخذه أي اننا صرنا في ملك الله وتحت قدرته، وحوى الشيء يحويه اذا سيطر عليه وضمه.
والسلطان هنا بمعنى الإرادة النافــذة والولايــة، وضــم الشــيء ضـماً: جمعه واستولى عليه.
والدعاء اقرار بالربوبية واستسلام لإرادة الله واستعداد لقبول امر الله تعالى ومشيئته والتزام جانب الطاعة والخشية من الله واهمية ذكره في ساعات النهار والإســتجابة طــوعاً او كــرهاً لمشيئة الله،
يَحْوِينَا مُلْكُكَ وَسُلْطَانُكَ وَتَضُمُّنَا مَشِيَّتُكَ وَنَتَصَرَّفُ عَنْ أَمْرِكَ(16) وَنَتَقَلَّبُ فِى تَدْبِيرِكَ. لَيْسَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ إِلَّا مَا قَضَيْتَ(17)
قال تعالى وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ….
والدعاء لجوء واستجارة بالله عز وجل مقرونة باظهار العجز والإنقياد له سبحانه وان ملكيته سبحانه مطلقة.
ولقد اشتهر بين الفلاسفة الأقدمين ان المؤثر في الوجود مطلقاً هو الله تعالى والفيض كله منه سبحانه.
ان ربوبيته المطلقة والتي تشمل جميع الخلائق هي احدى ركائز عقيدة التوحيد وانه تعالى يتعاهد العالم بالإصلاح الدائم المتصل وفي ذلك منع لإنتشار الفلسفة القاصرة وتأثير العقيدة التي تنحرف عن مسار جادة الحق، وبالإسلام وانتشاره وثبات مبادئه وبالآيات المباركات التي جاءت في بيان حقيقة التوحيد ومفاهيم الربوبية امكن التصدي للآراء ذات الزيف والبطلان.
(16) لا نصدر الا عن ارادة ومشيئة الله تعالى في المخلوقات ولا نؤدي عملاً باختيار ومقدرة الا ضمن ما اجرى وقدر سبحانه وتلك منزلة بين الجبر والتفويض واسعة كبيرة لله فيها الحجة البالغة.
والدعاء التجاء الى الله تعالى وســؤال للهداية وتلمـس دروب الرشاد.
(17) تضرع الى الله فيه بيان ضعف الإنسان ويتضمن مدخلاً لتفويض امر العبد ونمط سلوكه الى الله تعالى ولتسوقه العناية الإلهية الى غايات رشيدة باسباب الحكمة والهداية ضمن قضاء الله في عباده وارادته المطلقة النافذة التي يستجيب لها ما في السماوات والأرض.
وَلَا مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا مَا أَعْطَيْتَ(18) وَهَذَا يَوْمٌ حَادِثٌ جَدِيدٌ وَهُوَ عَلَيْنَا شَاهِدٌ عَتِيدٌ(19)
(18) لا يرد الينا من الأمور الحسنة وابواب الإحسان والنعم الا ما تمن علينا به سبحانك، قال تعالى وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ.
والدعاء اقرار وحجة بان كل ما عند الناس منه تعالى وان المراتب الرفيعة التي بلغها المسلمون في احوال المعاش وسلم العبادات حتى اصبحوا امة ذات سيادة وكيان وعنوان جامع مانع هو بتدبيره سبحانه وهبة كريمة منه سبحانه.
(19) اليوم في اللغة هو الزمان الذي ينحصر بين طلوع الشمس وغروبها، ويرمز في الشريعة الى ما يقع بين طلوع الفجر الى غروب الشمس، وحدث الشيء يحدث حدوثاً فهو حادث أي وجد بعد عدمه، والشاهد هو الذي يخبر بما يطلع عليه.
والعتيد: الحاضر المهيأ فعيل بمعنى فاعل وكل يوم يأتي يكون جديداً ولن يعود ابداً، يحضر ليعاين اعمال بني آدم ويطلع عليها وقد اخذ اهبته وآلته واستعد للشهادة.
عن الإمام الصادق عليه السلام قال: ما من يوم يأتي على ابن آدم الا قال له ذلك اليوم يا ابن آدم انا يوم جديد وانا عليك شهيد فقل فيّ خيراً واعمل في خيراً اشهد لك يوم القيامة فانك لن تراني بعدها ابداً ( ).
بعد المدح والثناء والإجلال واثبات سعة ملكه وعظيم قدرته تعالى ووجوب وجوده ببيان بديع صنعه في حصة واحدة من هذا الخلق المترامي الأطراف والمتعدد الهيئة والكيفية والزمان والمكان بما لا يقدر على احصائه الا الله عز وجل.
جاءت هذه الفقرة من الدعاء متعلقة باطلالة يوم جديد وهو فضل من الله سبحانه وامتحان جديد فاما ان يعمل الإنسان فيه بطاعة الله فينال رضاه سبحانه ويدلل على استحقاقه لهذه النعمة، واما ان يستغله للمعصية فيعرض نفسه للغضب الإلهي، واعلان هذه الحقيقة نوع عبادة وذكر لله سبحانه والتفات للنعمة العظيمة بحلول النهار.
ان تجزئة الزمان وانحلاله الى الأيام والليالي بكونها افراداً غير ارتباطية والنظر الى كل يوم كوحدة مستقلة جزء من فلسفة الإمامة لتوظيف هذه التجزئة في العبادات والطاعات وانقياد للإرادة التكوينية وفيه منع للغفلة التي قد تتولد من الإعتياد الذي يبعث على السكون والنسيان .
فجاء الدعاء لتوكيد نعمة حدوث اليوم وانه جديد مستحدث لتجديد الشكر فيه لله تعالى ومعلوم ان هذا الشكر لا ينحصر بالقول فقط بل يشمل العمل ايضاً وان كان القول وحده هو عمل وكسب ويستحق الأجر ويترشح عنه قهراً العمل والحيطة والإلتفات على نحو الجري والإنطباق.
إِنْ أَحْسَنَّا وَدَّعَنَا بِحَمْدٍ وَإِنْ أَسَأْنَا فَارَقَنَا بِذَمٍّ(20).
(20) اذا قام الإنسان خلال اليوم بالأعمال الصالحة ونطق صدقاً وعدلاً فان هذا اليوم يغادره مودعاً بالثناء والإستعداد للشهادة بخير واحسان، اما لو لم يوفق للإحسان فيه واقترف الذنوب فانه يغادره عند المساء ساخطاً في ذم وتقبيح لبئس ما رآى , وقبح الموضوع الذي سوف يشهد عليه , قال تعالى [إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا] ( ).
إن إعطاء صفة الشهادة لليوم والإعتراف باهليته له ادراك للخلق والحياة في الموجودات وبعث للحياء في النفس منها.
فالدعاء إعلان للإقرار بوجود نوع حس وفهم عند اليوم، ولو على نحو مجازي وان المقصود هو ما يحدث اثناءه من الأعمال وما تكتبه الملائكة من افعال بني آدم , قال تعالى مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ.
وفي الدعاء تحذير للمسلمين بلزوم اجتناب السيئات وفعل المعاصي، وتنبيه للإلتفات لشهادة اليوم وليلته ، والإستحياء منهما ، وهو دعوة لحسن الصحبة معهما.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَارْزُقْنَا حُسْنَ مُصَاحَبَتِهِ وَاعْصِمْنَا مِنْ سُوءِ مُفَارَقَتِهِ بِارْتِكَابِ جَرِيرَةٍ أَوِ اقْتِرَافِ صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ(21) وَأَجْزِلْ لَنَا فِيهِ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَأَخْلِنَا فِيهِ مِنَ السَّيِّئَاتِ(22)
(21) إلهي تفضل علينا وارحم نبيك الكريم محمداً صلى الله عليه وآله وسلم واهل بيته ووفقنا لإتيان الصالحات في هذا اليوم واسعده بصحبته لنا وملازمته لنا في هذه الساعات، اللهم احفظنا واحرسنا وامنعنا من الآثام التي تجعل هذا اليوم يغادرنا في ذم واستياء وجنبنا فيه برحمتك اقتراف ما يجر العقاب من صــغائر الذنــوب والســيئات واصرف عنا الكبائر التي اوجبت عليها النار كالشرك وقتل النفس التي حرم الله قتلها الا بالحق , والربا واكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ونحوها، قال تعالىإِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمًا.
(22) اجزل له في العطاء : اذا اكثر منه ووسعه: والحسنات: جمع حسنة وهي ما ندب اليه الشارع وحث عليه وهي طريق للمدح في العاجل وكريم الثواب في الآخرة .
واخلنا: أي اجعلنا فارغين، وفي بعض نسخ الصحيفة (من الحسنات) باضافة (من) اللهم اجعلنا نكثر من اتيان الصالحات واعمال البر في هذا اليوم، واعصمنا فيه من المعصية والخطيئة قال امير المؤمنين عليه السلام: ان الله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه ما العباد مقترفون في ليلهم ونهارهم) ( ).
والترتيب في وجوه ومسائل الدعاء من خصوصيات وآداب دعاء الأئمة عليهم السلام فبعد المدح والثناء والإقرار ببديع صنعه تعالى بتوالي الليل والنهار والإعتراف بوجود ملائكة يدونون ويحصون اعمالنا، جاءت مرحلة اللجوء إلى الله تعالى وعدم الإتكال على النفس وإعمال النظر ، وما تأتي به من الأفعال، فسأل الإمام عليه السلام الله عز وجل باعانتنا على الإكثار من الصالحات وتهيئة أسباب ومقدمات الحسنات وأداء العبادات والعصمة من الزلل والخطأ.
وفيه نوع اعتراف بالعجز والضعف وعدم نيل مراتب الفضيلة باعانة الله سبحانه وما يمن علينا فيه من المدد والتوفيق، فالإمام عليه السلام يبين عظيم الأهمية لما يكتسب من الفعل في الليل والنهار ويؤكد التفاته له كجزء من التكليف وتوظيف العقل الإجمالي في موارد الأحكام التكليفية الخمسة فهو سؤال بعد المعرفة واظهار للعجز ثم اللجوء الى الله تعالى لتزكية افعالنا.
وَامْلَأْ لَنَا مَا بَيْنَ طَرَفَيْهِ حَمْداً وَشُكْراً وَأَجْراً وَذُخْراً وَفَضْلًا وَإِحْسَاناً(23)
(23) الطرف : الناحية والجانب، وطرفا النهار: اوله وآخره، وعن الإمام الباقر عليه السلام: طرفا النهار: المغرب والغداة .
والحمد: الثناء باللسان على الجميل، والأجر: الثواب: والذخر: اسم لما اعد لوقت الحاجة اليه، والفضل: الزيادة في الخير، والإحسان: ما يسدى من الخير.
اللهم وفقنا لإستثمار ساعات هذا اليوم في الثناء عليك والشكر لمقامك في القول والفعل والفوز فيه برصيد من الصالحات والثواب في رحمة منك ورزق كريم.
عن انس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما من حافظين يرفعان الى الله عز وجل ما حفظا في يوم فيرى في اول الصحيفة وفي آخرها استغفاراً الا قال الله تعالى: قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة( ).
لقد ورد سؤال الإمام عليه السلام على نحو الإطلاق ومن غير تقييد فاراد ان تكون جميع محتويات الصحيفة اليومية من ارقى مراتب فيه رضــوان الله عز وجل، وهو امر يتعذر على غالبية المسلمين تحقيقه فليس له الا سبيل الدعاء سواء باتيان العبد للصالحات كما في الإمام عليه السلام نفسه اذا كان منقطعاً الى الله تعالى عز وجل يصلي باليوم والليلة الف ركعة، او بفضل الله تعالى ومضاعفة الحســنات ومحــو السـيئات بحيـث تملأ تلك المضاعفـة والتكثير للحسنات كافة جوانب الصحيفة وهو امر لا يقدر عليه رسول ولا ملك مقرب فتوجه الإمام عليه السلام الى الله عز وجل وهو الوهاب المنان.
الصــالحات وما اللَّهُمَّ يَسِّرْ عَلَى الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ مَئُونَتَنَا(24)
(24) يسر الشيء يسراً : سهل واصبح خفيفاً، والمؤنة: تهمز ولا تهمز قال الفراء هي مفعلة من الأين وهو التعب والشدة( )، وهو اسداء الخير الى الغير والكرم نقيض اللؤم، وكرم الشيء تفضل وعز فهو كريم والجمع كرام، والكاتبون: جمع كاتب اذ ان الملكين الموكلين بالإنسان يبادران بكتابة الحسنات ويتريثان بكتابة السيئات.
وذكرهم والإقرار بوجودهم ورصدهم أفعال العبد باب ارتداع عن المعصية ، واستحياء من الإقتراب او الدنو من السيئة وقيل انما سموا كراماً لأنهم اذا كتبوا حسنة يصعدون بها الى السماء ويعرضونها على الله تعالى ويشهدون على ذلك فيقولون ان عبدك فلان عمل حسنة كذا وكذا واذا كتبوا سيئة يصعدون بها الى السماء مع الغم والحزن فيقول الله تعالى: ” ما فعل عبدي فيقولون: الهي انت ستار وامرت عبادك ان يستروا عيوبهم استر عيوبهم( ).
وعن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند الظهيرة فرأى رجلاً يغتسل بفلاة من الأرض فحمد الله واثنى عليه ثم قال:
اما بعد فاتقوا الله واكرموا الكرام الكاتبين الذين معكم ليس يفارقونكم الا عند احدى منزلتين حيث يكون الرجل على خلائه او يكون مع اهله لأنهم كرام كما سماهم الله( ).
وفي الدعاء غاية الدقة والمعرفة والإلتفات الى الفعل وما يتفرع عنه فهذا الدعاء للمسلم وللملك القائم باحصاء افعاله، فالحسنات تدخل السرور على الملك لأن فيها تثبيتاً لإركان الدين وتصديقاً برسالة سيد المرسلين والسلامة من العذاب يوم الدين، وصيغة الجمع للملائكة في الآية لا تعني ان الملائكة مجتمعون يكتبون اعمال جميع الناس، فالقرآن يفسر بعضه بعضاً , قال تعالى عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ فكل انسان عليه اثنان من الملائكة يكتبان اعماله وفيه نصوص عديدة.
وهل تدون الملائكة افعال القلوب وهي غير ظاهرة في الخارج ولا محسوسة , الجواب لا ، والله عز وجل قادر على جعلها تدرك افعال القلوب ولكنه تعالى لا يؤاخذ على ما تنطوي عليه النفوس من الهم والتفكير، انما يعلم ما في القلوب الله وحده وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، فالمسلم الذي يهم بالسيئة ولم يفعلها معفو عنه وتكتب له حسنة لأنه لم يأت بالسيئة وامتنع عنها ولم تترجل الى الخارج مما يعني انهم يعلمون الهم بالفعل إن شاء الله , وان كان ظاهر الآية متعلقاً بالعمل والفعل قال تعالى وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ *كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ.
وَامْلَأْ لَنَا مِنْ حَسَنَاتِنَا صَحَائِفَنَا وَلَا تُخْزِنَا عِنْدَهُمْ بِسُوءِ أَعْمَالِنَا(25)
(25) الحسنات جمع حسنة وهي العمل الصالح الذي يتعلق به الثواب وحسن الجزاء، وصحائف وصحف: جمع صحيفة وهي صحف الأعمال التي كتبها الملائكة ودونوا فيها اعمال بني آدم من خير وشر تنشر يوم القيامة ليقرأ كل انسان صحيفته، خزى خزياً: وقع في بلية وافتضح بها: واخزاه الله فضحه بذنوبه.
نسأل الله تعالى ان لا تحوى كل صحيفة من صحف اعمالنا الا المزيد من اعمال البر والطاعة والصلاح وان لا يستنسخ اولئك الكتاب من الملائكة الا ما تقر به العيون مما يفتخر به من صالح الأعمال، ونسأله الرشـاد والتوفيق واجتناب السيئات وما يقترن به الخزي وسوء الشهرة.
وفي الدعاء مسائل :
الأولى : حرف الجر في (من حسناتنا) جاء لبيان الجنس وليس للتبعيض واكثر ما تأتي في المبهمات أي سواء كانت حسناتنا كثيرة او قليلة.
الثانية : اظهار للإستحياء من الملائكة الكاتبين وتوسل الى الله تعالى بستر ذنوبنا منهم.
الثالثة : هذا لا يعني ان الذنوب تكتب من قبل غير الملائكة من الخلائق او انهم لا يطلعون عليها.
الرابعة : انه سؤال لإصلاح اعمالنا وطلب للحصانة من السيئات واجتناب الذنوب.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَنَا فِى كُلِّ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِهِ حَظّاً مِنْ عِبَادِكَ وَنَصِيباً مِنْ شُكْرِكَ(26)
(26) الساعة في اللغة : جزء قليل من الليل والنهار، وفي اصطلاح اهل الطبيعة والمجتمع جزء من اربعة وعشرين جزءاً من اليوم مع ليلته، والحظ :
النصيب ، وعبادة الله : طاعته واتيان الفرائض وفي رواية مشهورة ورد (عبادك) بدل (عبادتك) وما في المتن هو الأصح والأرجح والأنسب وبمثله جاءت نسخة ابن ادريس، والنصيب: الحصة .
والدعاء تضرع لإستثمار النهار لأغراض العبادة والتقوى وتوظيف ساعاته للذكر والتسبيح وابواب العبادة والإقرار بالنعم بلغة الحمد والثناء.
في الدعاء مسائل :
الأولى : الضمير في (ساعاته) يعود الى اليوم الذي هو فيه، أي ان الدعاء متجدد بتجدد الأيام.
الثانية : من اسرار ادعية آل محمد عليهم السلام تجدد الدعاء وبقاؤه حياً مع الزمان.
الثالثة : بعث الناس للإنتفاع من آنات الليل والنهار في طاعة الله ، وإدخار الحسنات للآخرة .
ان الإمام عليه السلام لم يقف عند طلب العفو والزيادة بل توجه بالدعاء الى الهداية الى عبادته في كل ساعة تعالى وهو امر محبوب ومطلوب بذاته أي ان الإمام عليه السلام يعشق العبادة ويحبها لذا يسألها من الله تعالى فهي جنة المؤمن في الدنيا فتراه يشعر بالراحة والغبطة عن التوفيق لأداء الصلاة او اداء الصيام.
لذا ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم للصائم فرحتان فرحة عند الإفطار وفرحة عند لقاء ربه.
وَشَاهِدَ صِدْقٍ مِنْ مَلَائِكَتِكَ(27) اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَاحْفَظْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا وَمِنْ خَلْفِنَا وَعَنْ أَيْمَانِنَا وَعَنْ شَمَائِلِنَا وَمِنْ جَمِيعِ نَوَاحِينَا(28)
(27) شاهد صدق : يعاين بحضوره جودة الأعمال وصلاحها وليشهد من وكلته من الملائكة باعمالنا بصدق العبودية وحسن السيرة والإخلاص في الطاعة خشوعاً لمقام الربوبية واداءاً اميناً لما امرته القيام به، وليس المراد من العبادة النفل الأمين لكل فعل بل الإعانة على شهادة فعله للصالحات وما فيه صدق وحق ويدل الدعاء بالدلالة التضمنية على التسليم بكتابة الملك لأفعال الإنسان وهذا التسليم باب للإحتراز واجتناب السيئات.
(28)الحفظ : السلامة والنجاة ومنع الضرر والأذى، من بين ايدينا من قدامنا، ومن خلفنا: من ورائنا، والإيمان: جمع يمين وهي ضد جهة الشمال اللهم تغشانا بواقية منّك وامان من فضلك للنجاة من كل شر او اذى من أي جهة او جانب مما نحذر ومما لا نتوقع، ومن شر ابليس.
وفي التنزيل قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ عن ابن عباس في تفسير الآية، من بين ايديهم: من قبل الآخرة، ومن خلفهم: من جهة الدنيا وعن ايمانهم: وعن شمائلهم: من جهة حسناتهم وسيئاتهم.
في الدعاء مسائل :
الأولى : من البديهيات والتي يعرفها كل انسان عجزه عن الإحاطة بما يحل به وعدم استطاعته دفع ما يرد عليه من وجوه البلاء والنوائب.
حِفْظاً عَاصِماً مِنْ مَعْصِيَتِكَ هَادِياً إِلَى طَاعَتِكَ(29)
الثانية : توجه الإمام عليه السلام الى الله عز وجل بالتضرع وسؤال الوقاية والحرز وطلب الأمان بصرف البلاء والمصيبة وعلى نحو الإطلاق والشمول والله واسع كريم.
الثالثة : يدل هذا التعدد للجهات بالدلالة الإلتزامية على الإقرار بالجهل بمصدر البلاء فضلاً عن دفعه او رفعه.
الرابعة : ومن اسرار مدرسة الدعاء عند الأئمة عليهم السلام ان التوجه الى الله عز وجل يأتي من منازل العجز وبصيغة الشمول والإطلاق لذا فان هذه الصيغة اظهار للعبودية واقرار بعظمته تعالى وانفراده سبحانه بالعلم والقدرة المطلقة والإستجابة والعطاء الجزيل.
(29) حفظاً : مصدر منصوب مطلق، وعاصماً: صفة وبيان لنوع وماهية الحفظ وكونه مانعاً يحجب عن مخالفة اوامر الله، والطاعة هي الإنقياد والخضوع اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام وتفضل علينا بعناية تمنعنا من اقتراف الذنوب وتحول دون الإقتراب من ابواب المعصية والإثم، وتطرد عنا الشيطان وتصرف شره وكيده.
وتبين هذه الفقرة وجهاً آخر من اسرار الدعاء عند اهل البيت عليهم السلام، وهو التوسعة في التفصيل وعدم الوقوف في الدعاء عند الإجمال لأنه تعالى واسع كريم، وقوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، جاء على نحو الإطلاق من غير تقييد، انه التوسعة والتفصيل في المسألة وبيان الحاجة.
مُسْتَعْمِلًا لِمَحَبَّتِكَ(30) اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَوَفِّقْنَا فِى يَوْمِنَا هَذَا وَلَيْلَتِنَا هَذِهِ وَفِى جَمِيعِ أَيَّامِنَا لِاسْتِعْمَالِ الْخَيْرِ وَهِجْرَانِ الشَّرِّ(31)
(30) مستعملاً – بفتح الميم : اسم مفعول أي موظفاً ومادة للفعل، والكاف ضمير نصب للمخاطب فمعنى لمحبتك: لمحبتنا اياك، ويجــوز ان تكون لمحبتك لنا.
والدعاء بيان لمنفعة اخرى من منافع الحفظ الإلهي في التوفيق الى نهج سبيل الهدى والإيمان بالإرتماء في احضان الفرائض والواجبات وســنن النبوة اداءاً والتزاماً وليوظف ذلك الحفظ والحراسة لنيل السعادة بابتغاء مرضاة الله واجتناب ما يوجب سخطه واليم عقابه.
(31) التوفيق : هو موافقة فعل العبد لما يرضي الله وفعل الطاعات، واليوم: من طلوع الفجر الى غياب قرص الشمس، والهجران: ام من هجره يهجره هجراً بمعنى الترك والإعراض. اللهم اصلحنا واجعلنا نمتلك ارادة طاعتك واســباب نيل مرضــاتك في هذا اليوم خاصــة وفي جميع ايام وساعات اعمارنا معرضين فيه عن ابواب السوء، رافضين لضروب المنكر والفحشـاء والظلم ضمن ابتعاد واع عن مطلق الذنوب قال تعالى وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ.
وتزودنا هذه الفقرة من الدعاء بعلم في مدرسة الدعاء عند اهل البيت عليهم السلام وهو الإنتقال من موضوع المسألة الى ما هو اوسع واعم، وعلى نحو الشــمول والإطــلاق فأصــل الدعاء يتعــلق باليوم والليلة ولكن الإمام عليه السلام الستثمره فرصة لشمول جميع ايام حياتنا بمسألة المواظبة على الصالحات واجتناب السيئات ومواطن الشر والضرر فقد يفوت الإنسان الدعاء يوماً فيأتي هذا الدعاء تداركاً وبديلاً عنه بلطفه تعالى ترى ما المراد من ضمير الجمع في الدعاء الوارد في (يومنا) و(ايامنا) وغيرهما , فيه وجوه :
الأول : الشخص الداعي.
الثاني : المسلمون المعاصرون له.
الثالث : ابناء بلده.
الرابع : المسلمون وحتى يوم القيامة .
الجواب هو الأخير وهو الظاهر من سياق الأدعية، فالإمام يدعو لأفراد الأمة الأحياء والأموات ولمن لم يأت بعد، وتلك من وظائف الإمامة التي تجلت في الدعاء كما تظهر في اقوال الأئمة وافعالهم وسعيهم للصلاح العام والإلتزام باحكام الشريعة الأمر الذي تحملوا بسببه المشاق الجسام.
وَشُكْرِ النِّعَمِ (32) وَاتِّبَاعِ السُّنَنِ(33)
(32) شكر النعمة : الإعتراف بها ومقابلتها بالثناء، والنعم جمع نعمة كسدرة وسدر ومعنى النعمة: اليد والمنة والصنيعة.
والدعاء سؤال لإلهام الشكر على كل نعمة انعمها الله على العباد مما لا يحصيها غيره سبحانه وليكون التمجيد والتحميد والتعظيم لمقام الربوبية معلماً واضحاً في اعمالنا اليومية.
وفيه اظهار لأهمية الشكر على النعم ولزوم تعاهده والحرص عليه، ان الإمام عليه السلام يسأل الله عز وجل التوفيق للشكر له على عظيم النعم، فان الشكر كالقاعدة والأصل الذي يرتكز عليه دوامها واستمرارها ان الشكر مادة وواسطة وصيغة حسنة في العبودية لذا فان الإمام عليه السلام حرص عليه.
(33) الإتباع : الإقتداء ونهج ذات العمل، والسنن: جمع سنة وهي في اللغة الطريقة والسيرة وفي المقام سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قولاً وفعلاً وتقريراً، والفقرة من الدعاء سؤال للإصلاح وطلب الهداية والأقتداء بسنة وطريقة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما جاء به من احكام.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم :السنة سنتان سنة في فريضة الاخذ بعدي بها هدى، وتركها ضلالة، وسنة في غير فريضة الاخذ بها فضيلة، وتركها غير خطيئة( ).
يظهر من لغة الدعاء انه تأديب للمؤمنين وتعليم لصيغ الدعاء والسعة في
وَمُجَانَبَةِ الْبِدَعِ(34)
مواضيعه وهذا سر من اسرار الصحيفة السجادية وهو انها تفتح لنا آفاقاً من الدعاء والمسألة , فالإمام عليه السلام خائف فزع من احتمال الإبتعاد عن السنن ويدرك ان إتيان الفرائض والمستحبات ليس امراً سهلاً مما يكفي فيه العزم والإيمان، بل يستلزم ملكة وسجايا ثابتة دائمة منبسطة على كل يوم من ايام حياتنا الدنيا، تمنع الإنسان من الخروج عن القواعد الكلية للشريعة وتلك الملكة تأتي وتنمو بفضل الله تعالى واحسانه فتوجه بالدعاء ولم يسأل لنفسه فحسب الى رحمته للإنسان كل ساعة من ساعات الدنيا والآخرة لأن الحاجة من صفات الممكن ويظهر ان العصمة لا تغني عن المسألة والتضرع الى الله فهي فيض ولطف منه تعالى.
(34) المجانبة: ضد المخالطة، وجانبه مجانبة: أي باعــده وتركـه جانباً، والبدع: جمع بدعة وهي ابتداع الشيء وابتداؤه وفي الشريعة هي الزيادة في الدين او النقصان منه، والدعاء طلب للرشاد والبصيرة وسؤال لإجتنــاب ما كان واقعــاً في دائرة القبـح والذم مما ليس فيه قرآن او سنة.
وهناك حالة برزخية بين اتباع السنة والإبتعاد عن البدعة فقد يخلط الإنسان عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فتبرز هنا خصوصية في أدعية الصحيفة وهي التكامل في جوانب المسألة فقد تفضل الله عز وجل بفتح باب الدعاء وحثنا على كثرة السؤال والإلحاح في الطلب فلماذا البخل او النقص في السؤال.
ويضع الإمام عليه السلام أسساً كريمة للدعاء تتمثل باحاطة المسألة للموضوع وعدم ترك جانب منه لما بين اطرافها من الملازمة والتأثير، فالإمام عليه السلام سأل اتباع السنن ولزوم مسالك الخير ، وسأل النجاة من الأحداث في الدين البدعة ، وسميت بدعة لأن صاحبها ابتدعها من نفسه.
وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ(35)
وقال بعض ممن شرح الحديث البدعة بدعتان، بدعة هدى وبدعة ضلال، فما كان في خلاف مما امر الله به ورسوله فهو في خبر الذم والإنكار، وما كان تحت عموم ما ندب الله اليه وخص عليه او رسوله فهو في حيز المدح وما لم يكن له مثال موجود .
اقول : ان البدعة امر بسيط وليس مركباً وقد ورد الذم بصددها، فما كان من افعال الخير والصلاح فليس ببدعة خصوصاً وقد ندب الله اليه قال تعالىوَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ، فلذا جاء سؤال الإمام عليه السلام التجاءً من البدعة مطلقاً من غير تخصيص بجزء او قسم منها دون الجزء او القسم الآخر , والأمر صغروي لإمكان العرض على القرآن , قال تعالىتِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ.
(35) المعروف : اسم جامع لكل فعل يعرف حسنه بالشرع، وطرق اطاعة الله والتقرب اليه والإحسان الى الناس.
والنهى : المنع، ونهاه ينهاه نهياً ضد امره، والمنكر: الشيء القبيح الذي حرمته الشريعة.
اللهم وفقنا في هذا اليوم وكل يوم ان ننصح ونرشد وتوجه الآخرين الى كل ما عرف من اعمال الطــاعة والى فعل ما نتقــرب به الى الله عز وجل وكل ما ندب اليه الشرع من ابواب الإحسان وطرق الخير والصلاح، وان نجتنب ونمتنع وننهى عن كل ماحرمته الشريعة وقبحه الإسلام، قال تعالى وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ.
ويدل الكتاب والسنة والإجماع على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد وردت فيه آيات عديدة، ونصوص مستفيصة تحث على الترغيب بها ولزوم العمل وفق سننهما ، قال تعالىوَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
وفي المرسل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا يزال الناس بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البر، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت عنهم البركات وسلط بعضهم على بعض، ولم يكن لهم ناصر في الارض ولا في السماء( ).
والإجماع على وجوبهما نقلاً، مع وجوبهمـا عقلاً ايضاً وبه قال الشــيخ والعلامة والشــهيدان بلحاظ انهما لطــف، واللطف كل ما يقرب العبد به الى الطاعة ويبعده عن المعصية من غير ان يصل الى حـد الإلجــاء لمنافاتــه للتكليف بل هو تهيئــة لمقدمات الصلاح وحاجب عن أســباب الفاقة وقالوا انه واجب على الله، لذا ذهـب جمع منهم الســيد وابن ادريس وغيرهما انهما ليس بواجب عقلي فلو كانا واجباً عقلاً من باب اللطف لوجبا على الله تعالى، ورد بانه من الكلـي المشــكك وادناه للعاجــز ان يكونا بالقلب، وان تفضــل الله تعالى بالإنذار والوعد والوعيد وقد انعم علينا ببعث الرسل وانزال الكتب.
كما ان النزاع في الكبرى وهو لماذا الوقوف عند اصطلاح (واجب على الله) فهو سبحانه لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون، فاللطف رحمة منه تعالى ومن اسمائه اللطيف ثم ان العقل يحكم بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن تركهما تسبب نشر الفساد واختلال النظام العام والمعايش لذا فان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قديمان قدم وجود الإنسان على الأرض ولا يختصان بالإسلام.
ولكن الإسلام وضع قواعدهما الكلية الثابتة واحكامهما قوانينهما وبين كيفية وعظم الثواب على اتيان المعروف والعقاب على تركه او اتيان المنكر ولقد اتخذهما الأنبياء والصالحون منهجاً وباباً للجهاد.
وفي خبر ابي سعيد الزهري عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام: ويل لقوم لا يدينون الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر( ).
والفقرة من الدعاء شطر من الآية الكريمة وتتمتها.
الجهاد من أفضل الأعمال بعد الفرائض، وهو من أركان الإسلام وفيه آيات عديدة، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: للجنة باب يقال له: باب المجاهدين، يمضون اليه فاذا هو مفتوح وهم متقلدون بسيوفهم، والجمع في الموقف، والملائكة ترحب بهم( ).
ويشمل الجهاد الصبر والمرابطة والدعوة الى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهي أمور أعم وتأتي بالموعظة والحكمة وإرشاد الناس الى سبل الخير والصلاح، وترقى الى مرتبة الجهاد القولي وبذل الجهد البدني والإنفاق المالي في سبيل الله.
ومن الآيات في الدعوة الإسلامية وفي الحث على الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجود منافع كثيرة ومتشعبة منها:
الأول: عدم الحاجة الى الجهاد في موارد عديدة.
الثاني: تحقيق ذات الغايات التي يؤدي اليها الجهاد.
الثالث: فيهما حقن للدماء.
الرابع: موضوع الدعوة والأمر بالمعروف أعم فيشمل المسلمين فيما بينهم، وهو من خصائص نعمة الأخوة التي جعلها الله عز وجل بينهم، وموضوعها أعم وأوسع.
الخامس: يحتاج الجهاد الى الدعوة الى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لإتمامه، وتحقيق الأغراض الحميدة منه كاملة.
السادس: توفير الأموال والعناء والجهود التي تبذل في الجهاد.
السابع: سعة وكثرة ميادين الأمر بالمعروف، فانه يؤدى في البيت وميادين العمل والأسواق والمساجد ومحل تجمع الناس.
الثامن: توظيف وسائل الإعلام للأمر بالمعروف ونشر الفضيلة والأخلاق الحميدة، فلا يستلزم الأمر القتال والتقاء الصفين، بل ان الأمر بالمعروف باب لنيل الثواب العظيم في الحياة اليومية وبين الأهل والأحبة ومع الأخوة، فكأن الأمر بالمعروف جهاد دفاعي ضد الفجور والفسوق والضلالة، وفيه إدراك للزوم تحصين النفس والمال والعرض، وقطع علة الفساد والإفساد.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب لنزول البركة، وسبب لتوثيق أواصر الصلة الأخوية بين المسلمين، وتعاهد لشعائر الله.
وورد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: “لا تزال أمتي بخير ما أمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وتعاونوا على البر، فاذا لم يفعلوا ذلك زالت عنهم البركات، وسلط بعضهم على بعض، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء”( ).
لقد فتح الله عز وجل للمسلمين باباً للجهاد ومن غير ان يشهروا فيه سيفاً او يلتقوا في ميادين المعركة مع الأعداء، فيسعى المسلم لإصلاح حال غيره فيأتيه الثواب، قال تعالى وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ، كما أن مواضيع وأحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،من مصاديق التفقه في الدين، وسبب لنيل الحسنات فيحث المسلم إخوانه على أداء الصلاة في وقتها فينال الأجر، ويرغب الشاب في طاعة الوالدين فيكتنز الصالحات بلحاظ ان العناية بهما من موارد الجهاد، والنظر اليهما من مصاديق العبادة، والصبر في طاعة الله وعن المعصية باب من ابواب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وفرد من افرادهما ، وهو من اسمى مصاديق الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وجعل الله عز وجل خدمة وبر الوالدين واللطف بهما بديلاً للجهاد، وسبباً لنيل أجر وثواب الجهاد عندما لا يكون واجبا عينيا.
وفي رواية جابر جاء رجل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “أجاهد معك، فقال: لك أبوان قال: نعم، قال ففيهما جاهد”( ).
والأمر بالمعروف برزخ دون ترك الواجب، ومانع من حصول ما يتأذى منه المسلمون، ويكون للوالدين المسلمين منع الولد عن الجهاد ما لم يجب عليه الجهاد عيناً، اما الدعوة الى الخير والأمر بالمعروف ففيهما سعة ومندوحة ويمكن الدعوة والبيان بصيغ مناسبة بحيث لا يتأذى الوالدان منها.
وعن الإمام علي عليه السلام قال: أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ( )، مما يدل على صدق إنطباق عناوين الجهاد على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وتبين آيات الأمر بالمعروف مناهج العمل وفق مرضاة الله تعالى، وتخبر بان الإمتحان والإختبار في الدنيا ليس على نحو القضية الشخصية وجهاد النفس فحسب، بل هي سعي بين الناس في أعمال البر والصلاح، واظهار الأخلاق الحميدة، وجعل الناس يدركون حسنها الذاتي، ويعملون بمضامينها.
ومن خصائص الحياة الدنيا وجود معاني الخير والشر فيها، فيكون الإنسان في صراع ذاتي لإختيار طريق الخير والغلبة على النفس الشهوية وإغواء الشيطان، فيكون الأمر بالمعروف مدداً خارجياً سخره الله عز وجل له، لينطلق صادحا من أفواه الآخرين ولا يتركه ونفسه وما يبرز عندها من أسباب الطمع والشره، يأتي الآمر بالمعروف ليأخذ بيده للإرتقاء في سلم المعارف، ويقوده لما فيه منفعته، ويجعله يشعر بانه كانسان حامل لرسالة عقائدية، وما جاء الى الحياة الدنيا الا ليقوم بأدائها وتتجلى في الإمتثال لأوامر الله تعالى وإتيان الفرائض والواجبات وإجتناب المعاصي والسيئات.
ومن الآيات ان الذين يأمرون بالمعروف ليسوا معينين او لهم صفات خاصة بحيث يعلم المكلف ان هذا الشخص قد يأمره بالمعروف لأنه من إختصاصه، او لا يأمره لأنه ليس من إختصاصه، فكل مسلم مكلف ومؤهل للأمر بالمعروف، وهو واجب منبسط على جميع المسلمين وان كان كفائياً، لذا فحينما يأتي الأمر بالمعروف من الأجنبي او المساوي او الأدنى لا تحصل نفرة من الطرف الآخر.
ولو كان هناك حصر في الأمر بالمعروف لتعطل شطر منه، سواء كان الحصر في الموضوع على نحو الإطلاق، أو تقسيم الإختصاصات حسب أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا التعطيل يضر بالأفراد والأمة وعلى نحو عاجل وآجل، لذا جاء الخطاب التكليفي للمسلمين بوجوب الأمر بالمعروف والنهوض بمسؤولياته، أما كونه واجباً كفائياً فهو على نحو القضية الشخصية وليس مطلقاً، فاذا كانت هناك حاجة للأمر بدعوة انسان الى ان يبر والديه فان الجميع ملزمون بدعوته وأمره بالمعروف ولكن ان جاء شخص منهم بالأمر سقط عن الباقين، وفيه وجوه:
الأول: سقوط الأمر عن الجميع عند قيام أحدهم به.
الثاني: لا يسقط الواجب الا عند التبليغ بطريقة مناسبة من الرفق والتفقه ونحوهما ، قال تعالىوَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ، إذ قيدت الآية أعلاه البلاغ الرسالي بأنه بيّن وجلي.
الثالث: يبقى الواجب لحين إمتثال المأمور بالفعل وإنصياعه للأمر والا فان الخطاب التكليفي يتوجه مرة أخرى الى الأمة للقيام به.
الرابع: حصول الأثر الخارجي والعبرة والنفع،
والصحيح هو الأخير، فسواء كان الأمر بالمعروف واجباً كما في الواجبات، او مستحباً كما في المستحبات فلا تسقط بمجرد قيام فرد او جماعة به، بل لابد من ظهور التأثير عند المدعو وإتعاظه لأنه أخص من الإرشاد وبيان الأحكام وإقامة الحجة الا اذا ترتب الأثر وحصل النفع منها، نعم لو لم يحصل تحسن وإستجابة بتجدد الأمر يسقط التكليف، وكذا عندما يتحقق المقصود بوسائل وأسباب أخرى، او ان الموضوع يصبح منتفياً لإنتفاء موضوعه او زوال أسبابه.
فالأمر بالمعروف إمامة شخصية، وريادة في سبل الهدى، وسعي للأخذ بيد الآخرين الى سبل الأمن والسلامة في النشأتين، لذا فان مضامين الآية والأمر بتصدي أمة من المسلمين للدعوة الى الخير والأمر بالمعروف، دعوة لهم للإمامة والعز وتنمية ملكة التقوى في النفس.
فمن يواظب على دعوة الآخرين للمعروف يحرص على إصلاح حاله ويكون بقوله وفعله دعوة لفعل المعروف، ووسيلة للترغيب بالصالحات فيأتي الأمر بالمعروف من الداني الى العالي، اذ لا يعتبر فيه العلو.
وصدور الأمر من العالي، إلا ان يكون التصدي للأمر والنهي علوا إعتباريا،أو تكون موضوعية للعلو فيه.
فمن الآيات في هذا الباب ان تحلي الداني بخصال المعروف هو علو في موضوعه، ودليل على علو همته، وتفقهه في الدين، مما يكون له أبلغ الأثر عند العالي خصوصاً مع لحاظ الأولوية، أي انه يقول اذا كان الأدنى مني يتقن صيغ المعروف ويتقيد بها ويأمرني بها ويحثني عليها، فمن باب أولى ان أبادر للإمتثال وإصلاح الذات وأحافظ على ما لي من المرتبة والرفعة بالتقيد باحكام الحلال والحرام والحرص على الواجبات والمستحبات.
لقد فتح الله عز وجل باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخاصة أوليائه، وهيء لهم أسباب التوفيق والفلاح، ولا ينحصر الذي يؤمر بالمعروف بالمكلف، بل يشمل الصبيان والمجانين، فلابد من إرشادهم ونصحهم، لذا ورد إستحباب تمرين الصبيان في السابعة على الصلاة والصيام ولو لشطر من النهار( ).
وَحِيَاطَةِ الْإِسْلَامِ(36) وَانْتِقَاصِ الْبَاطِلِ وَإِذْلَالِهِ (37)
(36) حاطه يحوطه حوطاً وحياطة : ذب عنه وتعاهده ورعاه وصانه والدعاء رغبة وطمع بالمساهمة الفعالة والجادة في حفظ الإسلام وتعاهد شرائعه والتقيد بكل ما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ… .
والحياة الدنيا مناسبة كريمة لتعظيم شعائر الله وتعاهد احكام الدين، وانتهاج ما يكون طريقاً الى الجنة والذي يحتاج الى توفيق منه تعالى، لذا توجه الإمام عليه السلام بالدعاء الذي يظهر لك سراً من اسرار الصحيفة السجادية فلقد شاء الله عز وجل ان يرفع راية الإسلام ويبقيه شريعة ثابتة للناس الى يوم القيامة فلماذا الدعاء، الجــواب انه للنفس ولنيل الثواب وليكون الداعي من جند الله تعالى وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ فحفظ الإسلام بوجوه متعددة منها تعاهد المؤمنين لأحكامه وعدم التفريط بسننه، وان الإمام عليه السلام يرجو بعموم الدعاء ان يقوم المسلمون كافة بصيانة احكام الإسلام.
(37) الإنتقاص:الإعابة والإقلال من القيمة، والباطل: الشرك وما ليس له اساس واقعي ولا نفع وما خالف الحق والصدق، والإذلال: الإضعاف والإزدراء، نرجو ان نصبح من الذين يسعون بهداية ومدد من الله عز وجل لدحض كل قبيح ومنكر مما فيه الخسارة والضياع والهلاك مساهمة في
وَنُصْرَةِ الْحَقِّ وَإِعْزَازِهِ(38)
تحصين دعائم الإسلام.
كما سأل الإمام عليه السلام الله الهداية لإتباع السنن ومجانبة البدع وبعد ان سأل حياطة الإسلام سأل الجهاد في محاربة الباطل ودحضه وفضحه وهو من مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفيه عون للناس على التدبر باحكام الشريعة وما يجب عليهم ان يختاروه ويفعلوه.
ففي الدعاء اظهار لعلوم اهل البيت عليهم السلام وانه يرجون الخير للناس جميعاً وليس للمؤمنين او المسلمين اذ ان ففضح الباطل سبيل لهداية الناس.
(38) النصرة : الإعانة، واعززته اعزازاً: قويته، لنساهم مخلصين في تأييد ودعم ومساندة ما جاء به التنزيل واظهار الصدق والترغيب فيه والحث على ما فيه ثواب الآخرة.
وفي الدعاء اشراقة جديدة من مدرسة الدعاء عند اهل البيت عليهم الســلام وهي الإنتقــال من الدعـــاء من الذات وافعـال النفس الى ما يتعلق بحالات النصرة والإعانة.
ليكون المؤمن ناذراً نفسه لله عز وجل في جميع تصرفاته وفي الحديث: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف( )،والقوي الذي لا تأخذه في الله لومة لائم ويجتهد في مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع عزيمة وصدق وصبر على الأذى في جنب الله عز وجل وطاقة على تحمل المشاق ورغبة في مسالك الطاعة وعلى قاعدة عموم الدعاء للمسلمين فانه سؤال لإيجاد المجتمع الفاضل المتماسك في ابواب الهداية.
وَإِرْشَادِ الضَّالِّ(39)
(39) الرشد: الإهتداء، والضال: الذي يسلك طريقاً لا توصل الى المطلوب، فيكون من الذين يبذلون النصيحة باخلاص لمن ركب طريق الخطأ والضلالة، واجتهد في السعي لهدايته
في الدعاء مسائل :
الأولى : انه سلاح لنشر الإسلام وهذا من اسرار الإمامة والمضامين القدسية للصحيفة السجادية.
الثانية : بعد واقعة كربلاء وتجرأ الناس على قتل خامس اصحاب الكساء عليه السلام وبقيتهم، وما تدل عليه الواقعة من قسوة القلوب وابتعاد عن قواعد الشريعة توجه الإمام لسلاح الدعاء لنجاة المذنبين والضالين.
الثالثة : لا ينحصر الدعاء بالكفار بل هو مطلق فيشمل كل ضلالة وغواية ومعصية.
الرابعة : من افضل وجوه ارشاد الضال الدعاء له وسؤال الإعانة على هدايته.
الخامسة : الدعاء من مراتب السلاح المؤثرة والحاسمة، فبعد سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزواته وحروبه وبعد حروب امير المؤمنين عليه السلام وقتاله للناكثين في معركة الجمل، والقاسطين في صـفين والمارقين من الخوارج وبعد ما حلّ بالعالم الإسلامي في واقعة كربلاء جاء سلاح الدعاء وان لم يكن مستحدثاً اذ انه ملازم للبعثة النبوية الشريفة، وحياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلها دعاء وذكر وتسبيح الا ان الدعاء في ايام السجاد احتل منزلة اكبر واتسعت اهميته وتحول الى منهج راتب وسنة مستقلة وظهر بهذه الذخيرة الخالدة.
السادسة : ان هداية ونصح الضال من وظائف الإمام عليه السلام فاستعان الإمام عليه السلام بالدعاء للتوفيق لأداء مسؤولياته اتجاه الأمة والشريعة، أي ان صيغة الدعاء الجماعية لا تمنع من وجود عنوان شخصي مستقل في الدعاء من غير تعارض بينهما فالإمام عليه السلام يشترك مع الآخرين بما في الدعاء من صيغة الجمع وينفرد بتكاليف الإمامة.
السابعة : تفيد هذه الفقرة الشمول في المقاصد السامية لأدعية الصحيفة وتلك حقيقة ثابتة عند الأئمة عليهم السلام يعرفها كل مسلم ويتلقاها بالإكرام والفخر والإعتزاز فلابد من امة وسط يرجع اليها المتقدم ويلحق به المتأخر ويلجأ اليها الضعيف والمظلوم.
الثامنة : حينما يلجأ الناس الى الأئمة عليهم السلام فانهم يتوسلون ويتضرعون الى الله عز وجل فهم باب الله الذي منه يؤتى.
التاسعة : من اهم وجوه اللجوء هو الدعاء سواء كان دعاءهم للأمة او اعانة الأمة على الدعاء او سؤال الصلاح والإصلاح كما في هذا الدعاء.
العاشرة : ان منفعة الدعاء مركبة فهي تشمل تحريض النفس على فعل الخيرات وازالة الحواجز الظلمانية عنها ومنع الشيطان من صدها عن نشر المعروف واعانة الآخرين.
الحادية عشرة : ان إصلاح الآخرين عنوان مستقل يحتاج الى ملكة وقدرة زائدة عن حاجات النفس فقد يكتفي الإنسان باصلاح نفسه واداء فرائضه ولا يلتفت الى الآخرين.
الثانية عشرة : لقد جاءت الآيات القرآنية والنصوص بالحث على تربية العيال على اداء الفرائض والتوكيد على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لإن الإنسان بطبعه كائن اجتماعي يؤثر ويتأثر بالمجتمع، فمن لم يؤثر بالآخرين لإصلاحهم فقد يؤثروا به وتتسرب السموم والشكوك الى النفس اذا كان هذا التأثير ظلمانياً.
وَمُعَاوَنَةِ الضَّعِيفِ(40)
الثالثة عشرة : ان هذا الدعاء ذو وجوه عديدة فهو سؤال لإرشاد الضال ولمنع تسرب الضلالة الى نفوس المؤمنين.
ان المؤمن اذا سأل الله عز وجل اعانته على هداية الضال فانه يعني بالدلالة التضمنية ان السائل ليس بضال كما يتولد عنده احتراز من الضلالة والغواية وهذا من اسرار الصحيفة السجادية وهي تنمية الملكات الإيمانية في النفس بسلاح الدعاء.
(40) عاونه معاونة: ساعده واعانه، والضعيف: المفتقر الى القوة والإمتناع، نسأل الله تعالى ان يوفقنا لمساعدة وتعضيد من قصرت وسائله عن نيل مقصوده في طريق الخير والصلاح والذب عنه ودفع الظلم والمكروه عنه ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عونك الضعيف من افضل الصدقة( ).
وتظهر هذه الفقرة من الدعاء الجانب الأخلاقي لمضامين الصحيفة السجادية بلحاظ انها جزء من مدرسة النبوة وميراث الرسالة ووظائف الإمامة، فان الضعيف يلجأ الى من هو اقوى منه ، فيلجأ الى الإمام والى السلطان والى المؤمن القوي واهل المروءات، والإمام عليه السلام اراد تأديب هؤلاء جميعاً بلفت انظارهم الى لزوم اللجوء الى الله عز وجل وعدم الإعتداد بقوتهم وما لهم من عز وجاه.
وَإِدْرَاكِ اللَّهِيفِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَاجْعَلْهُ أَيْمَنَ يَوْمٍ عَهِدْنَاهُ وَأَفْضَلَ صَاحِبٍ صَحِبْنَاهُ وَخَيْرَ وَقْتٍ ظَلِلْنَا فِيهِ(41)
وكأن الأمر من العلة والمعلول والسبب والمسبب فالضعيف يلجأ الى من هو اقوى منه بحسب مقدار حاجته وقصر نظره وبلحاظ الأسباب والمسببات، قال تعالى أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا.
فاراد الإمام عليه السلام اعانة الضعفاء بالصيغة الصحيحة السليمة ولكي تكون اعانة الضعيف باباً للأجر والثواب بالإضافة الى حصول تمام الفائدة ولكي تكون الإعانة بقصد القربة الى الله.
(41) اليمن : البركة والسعادة، عهدناه: عرفناه، والصاحب: الملازم، اللهم اجعل هذا اليوم اكثر ايام حياتنا بركة وخيراً وعطاءاً، واجعله من احسن ما لازمنا في طريق الترقي بمنازل الهداية ودرجات الإيمان، وفرصة كريمة نستثمرها لإتيان الطاعات وفعل الصالحات. وفي الدعاء مسائل:
الأولى : محبة خلق الله وما سخر لنا من الليل والنهار.
الثانية : سؤال الخير والبركة منه تعالى عنوان الثقة به سبحانه وتوكيد للاقرار بان مقاليد الأمور بيده سبحانه.
الثالثة : انه عشق للمحبوب ورجاء ان تكون كل نعمة منه افضل واكبر من السابقة لها.
الرابعة : هذا الدعاء يفتح آفاقاً من المعرفة الإلهية لما فيه من استمرار على سؤال المزيد ففي كل يوم اسأله تعالى زيادة مع ما رزقنا بالأمس.
الخامسة : عموم الدعاء مركب فهو يشمل الزيادة لكل مسلم والزيادة
وَاجْعَلْنَا مِنْ أَرْضَى مَنْ مَرَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ مِنْ جُمْلَةِ خَلْقِكَ(42)
للمسلمين كأمة رجاء اتساع رقعة الإسلام واعلاء كلمة التوحيد.
والظل من التغطية والستر من الأذى وفي الحديث: (ايها الناس قد اظلكم شهر رمضان) ( )، أي دنا منكم وصار ظلالة عليكم، لذا فان للدعاء مضامين عالية ففيه الشكر لله عز وجل على نعمة النهار وما فيه من الستر واجتناب الأذى وهو كهف يلجأ اليه الإنسان لأنه نعمة منه تعالى سخرها لبني آدم ويتمثل هذا اللجوء باعماره بالذكر والتسبيح والدعاء، اللهم اجعل يومنا هذا افضل من امسنا، وغدنا افضل من يومنا.
(42) اللهم اجعلنا مشغولين بالثناء عليك وتمجيدك ضمن محبتك لما يملأنا من الرضا بحكمك وقضائك وكريم عطائك وجزيل ثوابك، رضا يفوق ما للأولين في هذا الباب بفضل جودك واحسانك علينا في مضاعفة الحسنات والنماء في الثواب والزيادة في الأجر.
لقد أنعم الله عز وجل على المؤمنين نعماً تفوق ما اصاب الأمم البالية فحق علينا الشكر واظهار الرضا لتدوم هذه النعم ولا تبلغ هذه المرتبة الا بمدد وعون من الله تعالى.
فجاء هذا الدعاء لسؤال التوفيق للشكر والرضا وبذا تظهر لطيفة في الدعاء وهي الإستعانة بالدعاء لإصلاح الذات لمنازل الشكر مما لم يخطر على بال وهو طلب تغشي حال الرضا بفضله تعالى لجميع آنات الليل والنهار ان الإمام عليه السلام يريد اثبات حقيقة شرعية في الملل والنحل وهي استحقاق المسلمين لوراثة الأرض.
وأَشْكَرَهُمْ لِمَا أَوْلَيْتَ مِنْ نِعَمِكَ وَأَقْوَمَهُمْ بِمَا شَرَعْتَ مِنْ شرَائِعِكَ(43)
(43) قومهم: اكثرهم استقامة وعدلاً، والشرائع: جمع شريعة وهي ما فرض الله من الفرائض وما سن من الأحكام والمندوبات.
اللهم اجعلنا اكثر الأمم ثناءً عليك وحمداً لك على ما مننت به علينا من النعم والعطايا، واجدرهم حرصاً وعملاً في تعاهد احكام الإسلام والإلتزام بما انزلت من الآيات على صدر نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي الدعاء مسائل :
الأولى : انه اخبار عن قيام الأمم السالفة بالشكر والثناء له تعالى.
الثانية : هذا الإخبار يتضمن المدح والثناء لهم.
الثالثة : توكيد العزم والسعي لتجاوزه بالكم والكيف والزمان والمكان والجهة.
الرابعة : فيها بيان لجانب من فلسفة الصحيفة السجادية يتمثل بالإرتقاء والصعود في مراتب الإيمان مع تقادم الزمان.
الخامسة : لما كان المسلمون هم الوارثون للأرض انحصر الإرتقاء بهم وكان من مسؤولياتهم تعاهد كلمة التوحيد في الأرض فلجأ الإمام للدعاء توسلاً الى الله عز وجل وطلب المدد منه.
السادسة : فيه تأديب للمسلمين وتبصير لهم بما يقع على عاتقهم من الوظائف الجسام ليبقوا مختلفين عن الأمم السابقة التي فضلت في زمانها ممن لم يتعاهد النعمة بالشكر ويتوارث الإيمان بالرسل.
لقد خفف الله عز وجل عن الناس ولم يجعل بعد الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبياً ولا رسولاً ، وفتح لنا باب الدعاء والمندوبات بعد المواظبة على الفرائض لدوام التفضيل للمسلمين والذي يستلزم اللجوء الى الله للإعانة عليه ومنه هذا الدعاء.
وَأَوْقَفَهُمْ عَمَّا حَذَّرْتَ مِنْ نَهْيِكَ(44) اللَّهُمَّ إِنِّى أُشْهِدُكَ وَكَفَى بِكَ شَهِيداً(45)
(44) اوقفهم : اسم تفضيل من وقف على الشيء اذا توقف عن ولوجه وامسك عن الدخول فيه، اللهم اجعلنا اشد الناس امساكاً وحذراً مما نهيت عنه سبحانك من الفواحش واصناف الظلم والحرام، قــــــال تعـــــالىوَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى *فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى.
والدعاء لا يتعلق بكثرة عدد النواهي بل بالتقيد باحكام النهي عن الشريعة السمحاء، والحذر اعم من الحرمة فيشمل المكروهات والشبهات والمحرمات ومقدماتها وهو مدخل لتباهي الملائكة بما يأتي به المسلمون ويظهر لهم اهلية الإنسان لخلافة الأرض.
(45) (الشهيد) من أسماء الله الحسنى ، وأشهدك : اسألك ان تشهد، فلا يغيب عن علم الله أمر، وجميع الأشياء تنكشف وتتضح دقائقها عنده سبحانه قال تعالى وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا.
وفيه مسائل:
الأولى : الدعاء ثناء على الله عز وجل لأنه سبحانه لا يغيب عنه شيء، والشهيد من ابنية المبالغة على وزن فعيل بمعنى فاعل.
الثانية : الشهيد صفة له تعالى بلحاظ الأمور الظاهرة والعليم مع اعتبار العلم بالأشياء، واذا اضيف للأمور الباطنة فهو الخبير سبحانه مع الإقرار بان صفاته عين ذاته.
الثالثة : ان الإكتفاء بشهادته سبحانه اقرار بالربوبية المطلقة واستغناء عن المخلوقات في باب الشهادة لأنه تعالى حاضر معنا.
الرابعة : الإكتفاء بشهادته سبحانه مدح وثناء له فهو من الذكر والثناء وبذا يكون الدعاء عند اهل البيت مدرسة عبادية جامعة.
(وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أبي جعفر قال : كان علي بن حسين عليهما السلام يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ختم القرآن حمد الله بمحامده وهو قائم ، ثم يقول : الحمد لله رب العالمين ، الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ، وجعل الظلمات والنور ، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ، لا إله إلا الله ، وكذب العادلون بالله ، وضلوا ضلالاً بعيداً.
لا إله إلا الله ، وكذب المشركون بالله من العرب والمجوس واليهود والنصارى والصابئين ومن دعا لله ولداً أو صاحبة أو نداً أو شبيهاً أو مثلاً أو سمياً أو عدلاً ، فأنت ربنا أعظم من أن تتخذ شريكاً فيما خلقت ، والحمد لله الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولداً ، ولم يكن له شريك في الملك ، ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً الله الله الله أكبر كبيراً.
والحمد لله كثيراً ، وسبحان الله بكرة وأصيلاً والحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب إلى قوله إلا كذباً . الحمد الله الذي له ما في السموات وما في الأرض الآيتين : الحمد لله فاطر السموات والأرض الآيتين ، الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ، آلله خير أما يشركون بل الله خير وأبقى وأحكم وأكرم وأعظم مما يشركون.
فالحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ، صدق الله وبلغت رسله ، وأنا على ذلك من الشاهدين ، اللهم صلّ على جميع الملائكة والمرسلين وارحم عبادك المؤمنين من أهل السموات والأرضين ، واختم لنا بخير ، وافتح لنا بخير ، وبارك لنا في القرآن العظيم ، وانفعنا بالآيات والذكر الحكيم . ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم)( ).
وفيه تعليم للمسلمين للإحتراز من الفواحش لأن الله تعالى حاضر معنا، والإستحياء من الله اهم واكبر من الإستحياء من الناس وهو شاهد ومبرز خارجي لملكة الحياء لتكون عند الإنسان مستديمة وثابتة فقد يتمكن الإنسان من الإتيان بمعصية او جناية من غير ان يعلم بها الناس او لا تثبت فيها البينة كالزنا فانه يستلزم شهادة أربعة عدول يرون الميل بالمكحلة، ولكن ادراك حضور شهادة الله تعالى يجعل الإنسان يعرض عن هذه المعصية ويتجه لأعمال العبادات من غير رياء.
حكي عن بعض الأحداث انه راود جارية عن نفسها، فقالت: الا تستحي.
فقال : ممن ، وما يرانا الا الكــواكب.
فقالــت : واين مكوكبها؟ .
فملكة ادراك شهادة الله تعالى وإطلاعه على الغيب ، حصانة للنفس وآلة نصح وارشاد للغير.
وَأُشْهِدُ سَمَاءَكَ وَأَرْضَكَ(46)
(46) اصل الشهادة : الأخبار بما يشاهد، وفي بعض الأخبار ان لكل من السماء والأرض جوهر ناطق، قال تعالى فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ.
في الدعاء مسائل:
الأولى : اضافة السماء والأرض للذات المقدسة تعالى اقرار بالملكية المطلقة له تعالى.
الثانية : فيه باب من أبواب العلم تظهر فلسفة الإمامة في الصحيفة السجادية وهو ان السؤال يستلزم تقديم الإجلال والإكرام والثناء على الله عز وجل وهو عنوان الإعتراف بالربوبية المطلقة له سبحانه وهو الأفضل لصاحب المسألة ومدخل لقضاء الحوائج.
الثالثة : ان قلت : مع شهادة الله تعالى وكفايتها ما معنى سؤال شهادة السماء والأرض، قلت: انه بيان لبديع صنعه واثبات امكان شهادتهما وان الإستحياء من الله والناس ومن السماء والأرض الملازمين للإنسان في كل زمان ومكان لذا فان مواضع الأرض تحضر يوم القيامة لتشهد على الإنسان ما فعل عليها، وقد ورد باستحباب الصلاة في كل مسجد يستطيع المسلم ان يصلي فيه ليشهد له يوم القيامة.
الرابعة : في الدعاء كنز آخر من كنوز الدعاء عند اهل البيت عليهم السلام وهو مظنة الإستجابة بلحاظ عظيم خلقه وبديع صنعه، فحينما تتعدد العطايا الكثيرة التي بذلها ومنحها المحسن والكريم فانك تطمع بتوجيه المسألة اليه.
الخامسة : (وكفى بالله شهيداً) ادب في الدعاء لدفع وهم فليس من تضاد عرضي او طولي بين شهادة الله تعالى وشهادة مخلوقاته ، فان قال قائل: بان الله قرن طاعة الرسول بطاعته بقوله تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وكذا في باب الولاية والمحاربة والشقاق والبراءة من المشركين الجواب انه قياس مع الفارق من وجوه:
الأول: ان الله عز وجل هو الذي جعل التسليم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم مدخلاً للإيمان به تعالى لبيان حقيقة عقائدية وهي ان الرسول داعية الى الله عز وجل ولا ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى.
الثاني: فضل الله في موضوع القسم أي انه تعالى يقسم بمخلوقاته، وليس لنا ، بل ان الإيمان هنا اخبار عن وحدة الموضوع وان الإيمان بسيط وليس مركباً ، قال تعالىوَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا .
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لأعرابي : أفلح وأبيه ، أي ليس بقصد التعظيم.
الثالث: ان القرآن هو الذي اخبر بكفاية شهادة الله سبحانه كما في الآية اعلاه.
وَمَنْ أَسْكَنْتَهُمَا مِنْ مَلائِكَتِكَ وَسَائِرِ خَلْقِكَ فِى يَوْمِى هَذَا وَسَاعَتِى هَذِهِ وَلَيْلَتِى هَذِهِ وَمُسْتَقَرِّى هَذَا أَنِّى أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ قَائِمٌ بِالْقِسْطِ عَدْلٌ فِى الْحُكْمِ(47)
(47) والمستقر: موضع الإقامة والقسط: العدل، والفقرة من الدعاء سؤال لإستحضارجميع سكان السماوات والأرض من الملائكة والإنس والجن وما خلق الله ليقيموا شهادة من غير امتناع ويسمعوا ويحضروا ما اعلنه في يومي المبارك هذا في ليله ونهاره ومنه خاصة هذه اللحظة ومن مكاني هذا اني اقسم صادقاً ان لا اله الا الله الهاً واحداً سبحانه لا شريك له، يعطى كل ذي حق حقه ويقسم الأرزاق بحكمته وعدله، ولا يجور في حكمه ولا يظلم مثقال ذرة، قال تعالى شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ… .
وعن أنس عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال: من قرأ شهد الله الآية عند منامه خلق الله منها سبعين ألف خلق يستغفرون له الى يوم القيامة( ).
الملائكة أجسام لطيفة تسكن السماء مواظبة على الطاعة والعبادة، لا تفعل الا الخير والصلاح، ويقومون بوظائف كونية شاقة ووثيقة، وهم رسل الله الى الأنبياء، واقرارهم بالتوحيد يتعلق بصحة التنزيل والأخبار عن الله عز وجل، فلابد في باب الرسل والوسائط التأكد من الرسول وصدق رسالته، والملائكة لا يكذبون ولا يقولون الا الحق والصدق، فمن فضل الله تعالى ان جعل الملائكة حملة للقرآن في نزوله وفيه اكرام للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن والمسلمين ، وحجة على الناس ودلالة على اشتراك اهل السماء في هداية الناس وارشادهم الى طرق الحق.
وهذا الشطر اخبار اضافي وشهادة اخرى من الله تعالى.
فبعد ان شهد سبحانه على نفسه بالتوحيد وشهد على الملائكة أعلنوا شهادة التوحيد وأقروا بالعبودية لله عز وجل، وعلى الإنسان ان يقتدي بهم من وجوه :
الأول : لا يفعل الملائكة الا الخير واعلان التوحيد خير محض وباب تتفرع منه أحكام ووسائل عديدة للخير.
الثاني : إنقطاع الملائكة للتسبيح والذكر .
الثالث : السماوات مسكن الملائكة وهم أقرب للعرش وتظهر لهم الآيات جلية، وعالم السماوات ليس فيه من الشرك اوالمعصية شيء قليلاً كان او كثيراً كما ان الأولى والأهم لا يترك فيه ولا يختار أهل السماوات المرجوح دون الراجح، والمهم ويتركون الأهم، لذا فعندما أكل آدم وحواء من الشجرة أخرجا من الجنة وهذه الخصوصية عبرة وموعظة لكل انسان، ودعوة للإرتقاء الى عالم الملائكة والعيش في الجنة والنعيم الدائم جزاء لعمل الصالحات في الدنيا.
الرابع : ومن فضل منه تعالى أنه جعل الملائكة أسوة للمسلمين وقادة لهم في النطق بشهادة التوحيد والتقيد بأحكامها، لأن شهادة الملائكة لا تنحصر بالتلفظ بالشهادة بل بالعمل بمضمونها لذا فان الملل السماوية جميعها تعلم ان الملائكة لا يفترون عن الطاعة والتسبيح.
وكل مؤمن يسعى جاهداً لمحاكاتهم والإقتداء بهم ويغبطهم على ما هم عليه من الإنقياد التام لأوامره تعالى، وهم يغبطون المؤمن على نطقه بشهادة التوحيد وحسن امتثاله للأوامر الإلهية وتغليبه منطق العقل على الشهوة.
وفيه تحد وخزي للكافرين والمشركين فاذا كان الملائكة الذين هم عقل بلا شهوة يقرون بالتوحيد صاغرين طائعين.
فمن باب الأولوية ان يؤمن الناس جميعاً، وان كفر شطر من الناس ضلالة وغواية ولن تضر في عقيدة التوحيد، كما ان كفرهم محدود زماناً ومكاناً وسيضطرون في الآخرة للإقرار بالتوحيد ولكن بعد فوات الأوان وتضييع زمان الإختيار ودار الإمتحان .
فالإخبار عن شهادة الملائكة جزء من تسهيل اختبار الحياة الدنيا ودعوة للتدارك والرجوع الى الله عز وجل ايماناً وعقيدة وهو واجب بالذات ومقدمة واجبة للرجوع الحتمي لله تعالى في الآخرة والذي يبدأ بالدخول الى القبر، وتقدم ذكر الملائكة على اولي العلم في الآية أعلاه , وفي وجوه :
الأول : ان الملائكة خلقوا قبل الإنسان وكانوا حاضرين خلق آدم، قال تعالى وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ.
الثاني : الزجر عن اتخاذ الناس للملائكة ارباباً من دون الله، فالآية أخبرت بانهم عبيد له تعالى، وتلك مقدمة سلبية وتهيئة لحصر الإيمان بالله عز وجل.
الثالث : توكيد وجود الملائكة وانهم يقومون بوظائف عبادية.
الرابع : منع الإنسان من الغرور والزهو والظن بأنه رائد الإيمان او ان الشهادة بالتوحيد تتوقف عليه أو ان الخلائق لا تقتدي ، الا به، فقد أخبرت الآية بان شهادة التوحيد سبقت خلقه.
الخامس : دعوة أهل الإيمان والتقوى لإكرام الملائكة ، والإقرار بشرف منزلتهم، ورفعة شأنهم، والثناء عليهم لأنهم رواد الإيمان والقادة في عالم التوحيد.
السادس : تأكيد بقاء كلمة التوحيد في السماوات وبين الخلائق لطول أعمار الملائكة وبقائهم، وفيه إشارة إلى دوام السماوات العلا بالذكر والتسبيح من سكانها وهم الملائكة، ودعوة لأهل الأرض لتعاهد الحياة والمعايش فيها بكلمة التوحيد وطاعة الله.
وجاءت الآية بصيغة العموم الإستغراقي الذي تدل عليه لام الجنس في (َالْمَلاَئِكَةُ) فالملائكة كلهم موحدون يشهدون لله بالربوبية المطلقة
في قوله تعالى وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قيل الشاهد يوم الجمعة، مما يعني وجود شهادة معتبرة لليوم لأن يوم الجمعة لا يختلف عن باقي الأيام الا بالرتبة الطولية فهو اكثر شرفاً وفضلاً.
ويبين الدعاء عظم كلمة التوحيد واهمية الإثبات بها.
ومن منافع شهادة المخلوقات تثبيت كلمة التوحيد في اركان الكون وجعلها موضوعاً ايمانياً للشهادة فيستحق الناس شفاعتها وتضرعها للعفو عن الناس ما دام فيه مؤمن يرجو منها الشهادة، وتطمع هذه
المخلوقات في ازدياد عدد المؤمنين الذين يطلبون شهادتها على التوحيد والنطق بالشهادتين.
رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ(48)
(48) الرؤوف من أسماء الله الحسنى، والرأفة اخص من الرحمة وارق: ان الله عز وجل رحيم بعباده عطوف عليهم بدوام هباته واتصال الطافه.
والرأفة شدة الرحمة ولا تقع في الكراهة، والرحمة تقع في الكراهة والدعاء مدح وسؤال للرحمة والعفو بالشهادة اليومية المتكررة بانه سبحانه شديد الرحمة فهو الذي يرزقنا كل يوم ابتداءاً ويعفو عن سيئاتنا ويقربنا الى منازل التقوى.
وان رحمة الله تشمل البر والفاجر، والمؤمن والكافر، وان رحمته وشمولها للمؤمنين في الدنيا والآخرة ان ارسل محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين، ووجوه رأفته لا تنحصر بحال الدنيا بل تشمل الآخرة ايضاً وجعل الأيام حجة على الإلتزام باحكام رسالته.
والملك أصله مالك فقدم اللام وأخر الهمزة، وتركت الهمزة لكثرة الاستعمال فقيل : ملك، ووزنه مفعل من الألوكة وهي الرسالة، أما المالك فانه مأخوذ من الملك – بكسر الميم – يقال ملكه يملكه ملكاً وملكاً بكسر الميم وملكاً: احتواه استيلاء وقدر عليه استبداداً.
والملك هو القادر الذي له السياسة والتدبير والسلطان في حدود مملكته، وقيل ان الملك هو الذي يملك الكثير من الأشياء والممتلكات ويشارك غيره من الناس في ملكهم والأول هو الصحيح.
والمالك : القادر على التصرف في ماله ولا يجوز لغيره منعه، وكل من يملك يعتبر مالكاً وذلك بتأويل الفعل كما يقال: مالك الدار ومالك المال والله عز وجل يملك اقامة يوم الدين.
وقيل كل ملك مالك وليس كل مالك ملكاً، ولكن هذا القول لا يصلح
مَالِكُ الْمُلْكِ(49)
ان يكون قاعدة عامة فقد يقال ملكاً بعنوان الرياسة وهو لا يملك ، ويبدو سلطان المالك اكثر قهراً منه في الملكية، حيث يمكن للرعية الإنفلات من سلطان الملك او الفرار منه والخروج من دائر سطوته ولكن الناس جميعاً لا يستطيعون الفرار في الآخرة.
ان الشهادة بعائدية الملك مطلقاً لله تعالى نوع صدق في العبودية ومدخل للإلتجــاء اليه تعـالى في كل حاجة من حــوائج الدنيا والآخرة.
(49) الملك هو الله عز وجل ملك الملوك ومالك الخلق قال تعالى [قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ] وفي الدعاء مسائل :
الأولى : ان الشهادة جاءت على نحو الإطلاق أي ان رحمة الله تعالى شاملة لجميع الخلائق.
الثانية : كرر الإمام ذكر الشهادة على الرأفة والرحمة كصفتين من صفات الباري عز وجل، ولم يذكر سخطه وغضبه.
الثالثة : ينفي الدعاء ينفي اليأس ويطرد القنوط ويبعث على الأمل والطمع برحمته تعالى في الدارين.
هذه الشهادة تعني الإقرار والرضا بتغشي رحمة الله تعالى للخلائق وانبساطها على جميع آنات الزمان وقربها من اهل الصلاح والمشتغلين بالدعاء والمسألة.
الرحيم من أسماء الله الحسنى، ومن رحمته تعالى احسانه ورزقه للعباد ورأفته لهم وليس من الخلق الا وهو محتاج الى رحمة الله في كل آن
رَحِيمٌ بِالْخَلْقِ(50)
(50) وزمان ولا يمكنه الإستغناء عنها فيما كبر او صغر من الأمور.
والعبادة خضوع للمعبود وانقياد ينبئ عن الذل والإستكانة الناشئة من الإعتقاد بجلال عظمة المعبود وكمال مقامه، والعبادة وظيفة كل انسان والسر الكامن في خلقه، والذي يرتكز عليه نـوع المنزلة التــي ينالها في الآخرة , قال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ.
فحددت هذه الوثيقة الإلهية الخالدة مسار عمل الإنسان والجان في الحياة الدنيا والماهية التسخيرية في أصل هيئة الخلق ووجود الإستعداد الفطري للإنقهار والانجذاب لمقام الباري عز وجل.
والدعاء اعلان وشهادة بان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عبد لله شرّفه الله بمرتبة النبوة، أدى ما أمر به في خضوع وذل تأمين لمقام الربوبية، وهذا الخضوع هو آلة الإرتقاء في منازل العز والرفعة في الدارين، فانت ترى ان الإسراء جاء بعنوان العبودية , قال تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لبيان منافع العبودية وضرورة اظهار آدابها والإفتخار بملازمة وجوهها في مختلف الميادين كدروس في الإيمان ولسان في التوحيد ومفاهيمه العرفانية.
قال تعالى [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ] ( )، مما يدل على موضوعية العبادة في سلم الكمالات الإنسانية.
َوأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ(51) وَخِيَرَتُكَ مِنْ خَلْقِكَ حَمَّلْتَهُ رِسَالَتَكَ فَأَدَّاهَا وَأَمَرْتَهُ بِالنُّصْحِ لِأُمَّتِهِ فَنَصَحَ لَهَا(52)
(51) واشهدك اللهم وكفى بك شهيداً واشهد ملائكتك وجميع ما خلقت ان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد من عبادك اخترته للنبوة واصطفيته لتحمل اعباء البعثة مبشراً وهادياً ونذيراً بسفارة جبرئيل وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا ترفعوني فوق حقي فان الله تعالى اتخذني عبداً قبل ان يتخذني نبياً( ).
ومن فلسفة النبوة التوكيد المركب على النبوة بصيغ الإقرار والإعتراف وبنفي الغلو.
(52) خيرتك من خلقك- بكسر الخاء وبالياء والراء المفتوحتين – اي المختار المنتجب، والرسالة: اسم من الإرسال وهي هنا ما يتلقاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة الملائكة عياناً او مخاطبة من احكام الشريعة، ونصح ينصح نصحاً ونصيحة وهي كلمة جامعة تتضمن الرشاد لأبواب الهداية والنهي عن طرق الفساد.
لقد اصطفى الله محمداً ليكون خاتم النبيين واختاره لإستقبال القرآن وتلقي الوحي وتثبيت دعائم حكم الله في الأرض فبلغ وجــاهد وصـبر حتى جاء نصر الله، روى عن المطلب بن ابي وداعة ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فَجَعَلَنِى فِى خَيْرِهِمْ ثُمَّ جَعَلَهُمْ فِرْقَتَيْنِ فَجَعَلَنِى فِى خَيْرِهِمْ فِرْقَةً ثُمَّ جَعَلَهُمْ قَبَائِلَ فَجَعَلَنِى فِى خَيْرِهِمْ قَبِيلَةً ثُمَّ جَعَلَهُمْ بُيُوتًا فَجَعَلَنِى فِى خَيْرِهِمْ بَيْتًا وَخَيْرِهِمْ نَفْسًا( ).
والدعاء مدح للنبي صلى الله عليه وآله وسلم , وهو من الذكر لما فيه من ثناء على الله عز وجل بما يتفضله على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى الأمة بواسطته، فان كل نعمة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تنحل الى نعم متكثرة بعدد المسلمين، وفيها إكرام وتشريف لهم وشهادة على ادائه لرسالته باجتهاد وامانة ونصيحة مما يعني بيان الأحكام وخلوها من اللبس، وفيها شكر لله تعالى وللرسول على تحمله الرسالة وقيامه بالتبليغ احسن قيام، وأمل لنيل شفاعته صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة.
وهذا من أسرار الصحيفة السجادية، إن الشهادة والإقرار والإخبار ونحوها أبواب لإكثار ومضاعفة الثواب , ووجه من وجوب الصالحات واشتغال بالذكر والتسبيح والتوجه الى الباري عز وجل بالدعاء والمناجاة والبث والثناء.
اللهم ارحم وبارك وتحنن على نبيك محمد وأهل بيته رحمة يزداد فيها نبيك رتبة ورفعة في مقامه الذي يزدان ويعلو بما يناله من ثوابك وفضلك في كريم جزائك على حسنات افراد امته وما يأتونه من الطاعات والعمل الصالح. والدعاء شكر لله عز وجل ولرسوله على النعمة العظيمة ببعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن وجوه هذا الشكر سؤاله تعالى حسن الجزاء للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي التنزيل عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا.
اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَكْثَرَ مَا صَلَّيْتَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ وَآتِهِ عَنَّا أَفْضَلَ مَا آتَيْتَ أَحَداً مِنْ عِبَادِكَ وَاجْزِهِ عَنَّا أَفْضَلَ وَأَكْرَمَ مَا جَزَيْتَ أَحَداً مِنْ أَنْبِيَائِكَ عَنْ أُمَّتِهِ(53)
وفي الدعاء نكتة من علوم اهل البيت عليهم السلام بسؤال الجزاء والوفاء عنا وعما اسداه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لنا من تبليغ الرسالة وآيات القرآن وتثبيت الإسلام، وقوله عليه السلام افضل واكرم، اقرار وشهادة بان النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاهد في النبوة وبذل الوسع وتحمل ما لم يتحمله غيره من الأذى والعناء في جنب الله .
ان الله ينعم على عباده بالهبات العظيمة تكـرماً وتفضـلاً واحساناً وهو الغفار لذنوب عباده وان كثرت او كبرت، قال تعالى قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .
(53) مدح وثناء لله عز وجل جاء به الإمام عليه السلام خاتمة للدعاء ووسيلة تقرب واظهار لحسن الأدب وتمام الدعاء، وتوكيد لقاعدة ثابتة في الصحيفة تمثل مدرسة في الدعاء وتشير الى ادب العبودية ووظائف الإمامة وهي بدأ الدعاء بالمدحة والثناء له تعالى وختمه بالثناء عليه سبحانه وهو الكريم الذي لا يرد الثناء والمدح فكما يقبل طرفي الدعــاء فانه بكرمه يقبل ما بينهما كما امـرنا بالصلاة ما بين طرفي النهار وطرفي الليل كوسيلة للعفو والمغفرة لما يحصل من تقصير منا بينهما.
إِنَّكَ أَنْتَ الْمَنَّانُ بِالْجَسِيمِ الْغَافِرُ لِلْعَظِيمِ (54) وَأَنْتَ أَرْحَمُ مِنْ كُلِّ رَحِيمٍ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ الْأَخْيَارِ الْأَنْجَبِينَ(55).
(54) (المنان) من أسماء الله الحسنى وهو سبحانه الذي يتفضل بالعطاء والإحسان، والجسم: العظيم، والغفران: الستر والصفح.
كل مخلوق محدود مرهون باجله فاقد المقدرة، والله عز وجل هو الخالق الباقي وسعت رحمته كل شيء، والدعاء لجــوء اليه تعالى بصيغة المدح والثناء، واعلان عن الطمع فيما عنده سبحانه والإعراض عن غيره.
وكل رحمة بين العباد لا تحصــل الا بفضله ولطفـه تعالى وتقريبه العباد الى الرحمة والتراحــم فيما بينهـم، وكل منهم يحتــاج الى رحمته تعالى فهناك دور وتسلسل بين الناس، ولكنه ينقطع برحمته تعالى.
(55) الأخيار : خلاف الأشرار، والأخيار الذين يفعلون الخيرات يؤتون الصالحات قال تعالى [وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنْ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ].
وفي الحديث : سئل عن الخير ما هو: فقال: ليس الخير ان يكثر مالك وولدك ولكن الخير ان يكثر عملك وان يعظم حلمك وان تباهي الناس بعبادة ربك فان احسنت حمدت الله وان اسأت استغفرت الله.
والنجباء : جمع نجيب وهو الفاضل والنفيس والدعاء سؤال للرحمة على النبي وآله مع مدحهم ووصفهم باحسن الأوصاف وهذا الوصف هو ايضاً مدح وشكر لله تعالى على المنزلة التي جعلهم فيها ومرتبة الكمال الإنساني التي اوصلهم لها ليقوموا بمهام الإمامة خير قيام واستحقوا بها الدعاء لهم وسؤاله تعالى الرحمة لهم .
فمن أسرار الصحيفة التأكيد بأن الصلاة على الرسول الإكرم صلى الله عليه وآله وسلم واهل بيته واسطة وسبيل للدعاء والتضرع اليه تعالى.
الدعاء السابع
وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا عَرَضَتْ لَهُ مُهِمَّةٌ أَوْ نَزَلَتْ بِهِ مُلِمَّةٌ وَعِنْدَ الْكَرْبِ
يَا مَنْ تُحَلُّ بِهِ عُقَدُ الْمَكَارِهِ (1)وَيَا مَنْ يَفْثَأُ بِهِ حَدُّ الشَّدَائِدِ(2)
(1) حللت العقدة احلها حلاً : فتحتها ونقضتها، والعقد: جمع عقدة وهي موضع العقد والشد، والمكاره: جمع مكروه وهو ما يشق على الإنسان.
لقد ابتدأ الدعاء بالمدح والثناء والتسليم بان العسير يصبح يسيراً سهلاً بالتوكل علي الله تعالى، وبلطفه ويرتفع اللبس من الأمور المشككة، وبرحمته تعالى يزول الهم والغم واسبابه وفي التنزيل وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
و(يا) اداة نداء، تصلح للبعيد والمتوسط والقريب، ولا يستعمل في الإستغاثة غيرها، وهي وحدها من بين ادوات النداء التي يجوز حذفها قبل المنادى، والدعاء استغاثة به تعالى، وكشف الكرب والمحن امر ينحصر به تعالى سواء بالواسطة والسبب الظاهر او بغيره فلذا جاء الخطاب على نحو الإطلاق والحصر، أي الإطلاع على نوع وموضوع ومقدار الأذى والشدة والحصر انه وحده تعالى القادر على صرف الشر والأذى.
(2) وتكسر وتخف بل تزول مضاعفات وأهوال الهزاهز وتنكشف بفضل الله صعوبة الزمن.
انه لجوء وتسليم وفزع من البلاء الحاضر والمشاق المجهولة التي يكتنفها الزمان فبعد دعائه عليه السلام عند الصباح والمساء جاءت الإستجارة به مما
وَيَا مَنْ يُلْتَمَسُ مِنْهُ الْمَخْرَجُ إِلَى رَوْحِ الْفَرَجِ(3)
يكتنف الإنسان من المحن والشدائد والنوازل المتوقعة او المفاجئة، والدعاء رجاء دفع الشدائد وايجاد القدرة على مواجهتها واجتيازها فكثيراً ما يبتلى المؤمن بمصيبة او بلية لا يملك الأهلية الجسدية والمالية لمقاومتها ودفعها، ولكنه بفضــله تعالى يتخـطــاها ويجــتازهـا لذا جـاء الدعاء سلاحاً ووقاية وعوناً على النوائب، فقد يدخر الإنسان بعض المال لما قد يفاجئه والصلات الإجتماعية واسباب الإحتراز، والإمام عليه السلام يوصينا بان ندخر الدعاء ونتعاهده بالمواظبة عليه وبذا يظهر لنا وجه مشرق من وجوه ادعية الصحيفة فالعلم يحرسك والمال تحرسه، وحراسة هذا الدعاء لنا بدفع او رفع او تخفيف وطأة الشدة والبلاء.
(3) نعلم ان الله على كل شــيء قدير وبيده مقاليد الأمور، نتطلع اليه تعالى بخشوع الخاشــعين، لينعم علينا بالنجــاة والخلاص من الشــدة والضيق والإبتلاء، ان السعة والراحة من الحزن والهم امل وحال يطمع كل انسان ان يتنعم به ومن فلسفة الإمامة الهداية الى سبله باقصر الطرق واضمنها وهو ارتداء لباس التقوى قال تعالى يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ.
الروح هنا الراحة والإستراحة والحياة واضافته للفرج، والفرج – بفتحتين – انكشاف الغم وفي الدعاء اللهم من قبلك الروح والفرج واضافة الروح للفرج في دعاء المتن لما في الفرج من الراحة وزوال الهم وانصراف الكرب، والدعاء اقرار بانحصار النجاة به تعالى ويدل في مفهومه على
ذَلَّتْ لِقُدْرَتِكَ الصِّعَابُ(4) وَتَسَبَّبَتْ بِلُطْفِكَ الْأَسْبَابُ (5)
تقديم اللجوء اليه عند الوقوع في الشدة وسياق فقرات الدعاء يبين ان الإمام عليه السلام يسأل الله ان يخفف عنه وطأة واثر البلوى والمصيبة.
(4) ضعف وهان كل امر عسير لينصاع مستجيباً لإرادة الله ومشيئته.
والدعاء تسليم بالقدرة المطلقة لله تعالى، وفيه مدح وثناء على الله تعالى، لأن المقدورات خاضعة لإرادته فما دامت الأشياء جميعاً من الممكنات، فان الإمكان علة موجبة لللإحتياج وقدرته تعالى عامة مجردة عن الزمان والمكان والجهة والشدة والصعوبة.
وقد قال بعض الفلاسفة اليونانيين بأن الله سبحانه واحد لا يصدر عنه الا واحد، ولكن لا ملازمة بين اتحاد الذات وبساطته وبين تعدد الصادر عنه فالذي يصدر عنه غيره ، قال تعالىكُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاَء وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا، وهذه الغيرية تأذن بالتعدد بحسب الحيثية والإمكانية والقدرة، فما دامت قدرته سبحانه مطلقة وعامة وان الأشياء مستجيبة له بالسوية في الكيفية والزمان فكل منها خاضع لله عز وجل مستجيب لقدرته من غير تعارض.
(5) باحسان وفضل الله وفضله تعالى وارادته النافذة التي قد نعجز عن رؤيتها بحاسة البصر تتهيأ وسائل النعم وابواب الرحمة ومنازل الفرج.
وفي التنزيل وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ أي الطرق الموصلة والتي يبلغ بها الى الغاية والهدف واصل السبب الحبل يشد بالشيء فيجذب به ثم استعير
وَجَرَى بِقُدرَتِكَ الْقَضَاءُ(6)
لكل ما يجر شيئا.
والدعاء مدح لله عز وجل واقرار بان مقدمات الأمور والمقادير بيده تعالى، وفي الدعاء تأديب لنا باستحضار قدرة الله سبحانه العامة في مراحل ما قبل حصول الحوادث والوقائع السعيدة والمصائب، وهو حث على الدعاء المتصل وعدم انتظار الوقوع ثم الشكر او اللجوء فما دام المسلم يعلم ان الأسباب بيده تعالى فانه لا يحصر جهده وتوجهه الى الأسباب المادية الظاهرة بل يتوجه الى الباري بالدعـاء والتوسـل والأمل وهذا التوجه لا يتعارض مع تهيئة الأسباب المادية ولكن ظاهر الدعاء والواقع والوجدان يفيد ان الأسباب المادية ذاتها بيد الله تعالى ايضاً فكم من انسان يرى الأسباب مهيأة لفعل شيء او مشروع او اجتناب واقعة ولكنه بلحظة واحدة يرى تلك الأسباب والمقدمات قد انعدمت او لم تعد كافية، وهذا الدعاء تعاهد لتلك الأسباب وليس فقط لإستحداثها وتلك من كنوز الإمامة التي تتضمنها الصحيفة السجادية، فالحاجة الى الأسباب لا تنحصر بالإبتداء بل تشمل الإستدامة والدوام.
(6) بعلم الله تعالى وارادته ومشيئته تمت الأحكام وببديع صنعه وتقديره سبحانه نفذت انظمة الكون.
والقضاء : التقدير والإبرام وفي الحديث: اذا قضى امضى وهو الذي لا مرد له.
والدعاءاعتراف بان ما جرى ويحدث بامر الله سبحانه وهذا الإعتراف يقود بالضرورة الى اللجوء اليه تعالى، وهذه من اشراقات الصحيفة السجادية فاننا نلج الدعاء كحاجة وباب رحمة نعم من الدعاء بمعناه الأعم أداء الصلاة والفرائض وقراءة القرآن ونحوها.
وَمَضَتْ عَلَى إِرَادَتِكَ الأَشْيَاءُ(7)
(7) جرت الأحداث والوقائع وتمت امور الخلائق وفق مشــيئة الله عـز وجل وحكمته وامره فيما يجسد بديع صنعه وعظيم مقدرته قال تعالى وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
ومما اجمع عليه المسلمون اتصاف الله تعالى بالإرادة وانه مريد نعم اختلفوا في معنى الإرادة في حقه فارادته تخصيصه للأفعال وايجادها بوقت دون آخر، او هي امره ونهيه، او انها علمه تعالى بما في الفعل من المصلحة الداعية الى ايجاده من غير ان يتأثر سبحانه بآثار ومدلولات هذه الإرادة فالعلم عنده تعالى حضوري ذاتي، وعند الناس كسبي انطباعي، وهناك فرق بين الإرادة والعلم فالإرادة علم بالمعنى الأخص لأنها عبارة عن العلم باشتمال الأمر على المصلحة او المفسدة او اختلاطهما ونسبة كل منهما.
واختلف في الإرادة هي هل من صفات الأفعال او الذات، وبعض النصوص على الأول منهما كما في صحيحة صفوان عن ابي الحسن عليه السلام قلت: اخبرني عن الإرادة من الله ومن الخلق، فقال عليه السلام: الإرادة من الخلق الضمير وما يبدو له بعد ذلك من الفعل، واما من الله عز وجل فارادته احداثه لا غير ذلك، لأنه لا يروي ولا يهم ولا يتفكر وهذه الصفات منفية عنه وهي من صفات الخلق، فارادة الله هي الفعل لا غير ذلك يقول له كن فيكون بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا همة ولا تفكر ولا كيف كما انه بلا كيف.
فَهِىَ بِمَشِيَّتِكَ دُونَ قَوْلِكَ مُؤْتَمِرَةٌ (8)
(8) رويت (المشيئة) بالهمزة وهو الأصل، وحذفت للتخفيف وامرته فاتمر: أي امتثل للأمر، ان الأشياء تمضي في نظام ثابت ازلي حادث بمشيئته تعالى وبما جعل في جوهرها واعراضها من مادة وهيئة وتفاعل وتجانس فاصبحت تعرف مسار حركتها ودائرة فعلها من غير ان تكون بحاجة الى امر جديد فكل وضع او شكل استحالت اليه وان كانت تمتلك الإستعداد للإستجابة الفورية المباشرة لأمر الله عز وجل وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ .
ان امره بالشيء يعني حتمية حصوله وحدوثه لوجود المقتضي وفقد المانع وعمومات قدرة الله تعالى، ونهيه عن الشيء يعني كراهته ضرورة وقد ثبت في علم الكلام انه تعالى مريد وكاره، ولكن الكراهة ليس هي التي عند الناس من حالة وكيفية نفسانية تكون عنواناً للهم وعدم الرضا، بل هي النهي عن ايجاد الشيء لأن الله تعالى لا يوصف بكيف أي لا كيف لنفسه، وكراهته تعالى علمه بما في الفعل من المفسدة والضرر المانع من حصوله.
وهل يمكن القول ان قوله تعالى اعلى درجة من المشيئة وان مقصود الإمام عليه السلام ان النوبة لا تصل الى البعث والزجر بقوله تعالى، بل بالمشيئة وحدها تستجيب الأشياء جميعاً لا يبعد هذا لبيان عظيم قدرته وسلطانه وارادته تعالى، ولعمومات قوله تعالى إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
وَبِإِرَادَتِكَ دُونَ نَهْيِكَ مُنْزَجِرَةٌ(9) أَنْتَ الْمَدْعُوُّ لِلْمُهِمَّاتِ وَأَنْتَ الْمَفْزَعُ فِى الْمُلِمَّاتِ (10)
وقيل : ان المشيئة والإرادة والقدر والقضاء كلها بمعنى النقش في اللوح المحفوظ ، ولكن لكل صفة كريمة منها دلالات ومضامين وحيثيات قد تتباين مع غيرها في الإعتبار واللحاظ وان كانت متحدة في الذات.
وفي الحديث عن الصادق عليه السلام : لا يكون شيء في الأرض ولا في السماء الا بخصال سبع بمشيئة وارادة وقدر وقضاء واذن وكتاب واجل( ).
(9) زجرته فانزجر : نهيته فانتهى وامتنع، لقد جعل الله لكل شيء اجلاً وحــداً وموعــداً لا يســـتطيع ان يتجــاوزه ولا يحـتاج عند ذلك الى منع وانتهــار ضمن خضـوع الخلائق المطلق لمشيئته سبحانه قال تعالى يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
ان ارادة الله تعالى في وجود الشيء احداثه، وفي زواله اعدامه، فهو لا يروي ولا يعلم ولا يفكر، فبالإرادة والمشيئة تستجيب الأشياء وتحصل المقادير، ولا تصل النوبة الى النهي والردع الإلهي لأنها جميعاً خاضعة لمقام الربوبية، ويظهر الدعاء جانباً من فلسفة الإمامة بالأخذ بأيدي المسلمين لمعرفة عظيم قدرته تعالى وبعث الأمل في النفوس وعدم القنوط من رحمته تعالى.
(10) المهمات من الأمور : الشدائد التي يصاحبها القلق والحزن، والملمات جمع ملمة وهي النازلة الشديدة من مصائب دار الدنيا.
لاَ يَنْدَفِعُ مِنْهَا إِلاَّ مَا دَفَعْتَ وَلَا يَنْكَشِفُ مِنْهَا إِلَّا مَا كَشَفْتَ(11) وَقَدْ نَزَلَ بِى يَا رَبِّ مَا قَدْ تَكَأَّدَنِى ثِقْلُهُ(12)
بالله عز وجل تكون الإستجارة واليه الإلتجاء عندما تتشابك الأحداث وتدفع الى الصدارة في الواقع المسائل الصعبة والخطيرة حيث تفزع الى الله الذي لا تستعصى عليه مسألة، قال تعالى فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ.
من علوم الصحيفة السجادية ان ادعيتها مدرسة عقائدية فمفهوم هذا الدعاء هو اللجوء الى الله عز وجل عند كل شدة، واستحضار ذكره والإستغاثة به سبحانه عند حلول كل بلية ومصيبة وفيه اخبار على نحو القطع والإنشاء بان نوازل الدهر ليس لها الا الله عز وجل.
(11) دفعته فاندفع : نحيته فتنحى وانصرف، وكشفته كشفاً فانكشف: ازلته فزال وتبدد، لا يصرف البلاء ولا تنحى المصائب والغموم الا بفضل الله وعفوه وامهاله قال تعالى إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا
والدعاء اقرار بان مقاليد الأمور بيد الله تعالى، وفيه تقسيم استقرائي لصرف النوائب فمنها ما يندفع قبل وصوله الى العبد، ومنها ما ينكشف ويزول بعد طروه.
وجملة الدعاء وان جاءت خبرية الا انها تدل على الإنشاء وسؤال دفع وكشف البلاء، وهي مدح وثناء للباري عز وجل رجاء الإستجابة.
(12) نزل بالمكان: حل به، تكأدني: شق وصعب علي، والثقل: العبأ والوزر، يتضمن الدعاء بث الحزن والهم الى الله تعالى لما يحل في ساحة العبد من الشدة والهول والضيق مما يصعب عليه تحمله وتشق عليه معاناته.
وهو استغاثة الى الله تعالى وشكوى ولجوء اليه تعالى لما اصابه من المصائب وفيه مسائل :
الأولى : الدعاء جاء بصيغة المفرد وليس الجمع.
الثانية : فيه سر من اسرار ادعية الصحيفة السجادية تعدد مواضيع وكيفيات الأدعية.
الثالثة : قد يحتاج المؤمن الدعاء لنفسه دون غيره.
الرابعة : لأنه ابتلي ببلاء شخصي جعله يعيش هموماً خاصة، او يشتاق لبث همومه الخاصة الى الله تعالى.
الخامسة : الدعاء تأديب للتوجه بالشكوى والإستغاثة الخاصة وما يلحق المسلم من البلاء الى الله عز وجل.
السادسة : دفع وهم بان الدعاء لا يأتي الا بصيغة الجمع، فبعد ستة ادعية بصيغة الجمع، جاء هذا الدعاء بلغة المفرد.
السابعة : ان الله عز وجل يحب ان يسمع العبد يبث همومه ونجواه وشكواه الخاصة الى جانب الحوائج والأمور العامة.
وَأَلَمَّ بِى مَا قَدْ بَهَظَنِى حَمْلُهُ(13)، وَبِقُدْرَتِكَ أَوْرَدْتَهُ عَلَىَّ وَبِسُلْطَانِكَ وَجَّهْتَهُ إِلَىَّ(14)
(13) الم به : نزل به، وبهظه الحمل يبهظه بهظاً: شق عليه وعجز عنه.
الدعاء بيان لشدة الإبتلاء وعجز الطاقة البدنية والنفسية للفرد عندما تهاجمه الأزمات.
والدعاء تضرع الى الله عز وجل بصيغة الشكوى، واعتراف بالعجز وعدم اطاقة تحمل البلايا النازلة، فجاء اللجوء الى الله تعالى لأنه سبحانه القادر على كشف الكرب وتبديد المصائب والمحن
(14) الدعاء اقرار باحاطة الله عز وجل بكل شيء علماً او مقدرة وتوجيها، للأسباب كجزء من سلطانه ونفوذ ارادته سبحانه في الخلائق، وليكون هذا الإقرار مقدمة مباركة في حسن السؤال وصدق الدعاء.
والدعاء حمد وشكر لله عز وجل وان كان في مقام البلوى وقد ورد النص بشكر الله تعالى عند البلية بقول “الحمد لله على كل حال” فاننا نشكره ونثني عليه في حال البلوى والشدة مثلما نشكره في الرضا والسعة فمن فلسفة الإمامة الإقامة على الشكر وملازمته وعدم الإعراض عنه حتى في اشد حالات الضيق والأذى.
فَلَا مُصْدِرَ لِمَا أَوْرَدْتَ(15)وَلَا صَارِفَ لِمَا وَجَّهْتَ(16) وَلَا فَاتِحَ لِمَا أَغْلَقْتَ(17)
(15) (الفاء) في فلا للسببية، والإصدار: الصرف وهو خلاف الإيراد وان اراد الله عز وجل امراً فلا يستطيع احد ان يحول دون وقوعه واتمامه.
انه اعلان للتسليم بامر الله تعالى، وان ما يحل بالعبد لا يستطيع صرفه الى الله عز وجل فاصبح الإلتجاء اليه نوع ضرورة لحصر النجاة من البلاء به تعالى، وصحيح انه تعالى قد يرفع البلاء ابتداء وفضلاً منه تعالى ومن دون مسألة سواء كان استدراجاً للكافر والعاصي او رحمة وتخفيفاً عن المؤمن، ولكن الدعاء والإلتجاء باب للأجر والثواب وسبب لنزول رحمته تعالى.
(16) الصرف هو رد الشيء عن وجهه، وليس من كائن في الأرض او في السماء يسلك العزم او الإرادة او الفعل الا بمشيئة الله حيث الإســـتجابة لإرادته تعــالى مطــلقة في كل زمــان ومكـان، قال تعالى وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ.
الدعاء توكيد للتسليم بامر الله تعالى واظهار للإستعداد والقبول بما يحل بنا من البلاء مع رجاء كشفه وفيه اظهار للبأس من الناس وما في ايديهم وعجزهم عن دفع البلاء.
(17) اذا ما اغلق الله علينا باباً من ابواب الفرج والرحمة بما كسبت ايدينا فلا يستطيع احد ان يطرقه الا بمشيئته وعفوه ورحمته.
في الآية مسائل:
وَلَا مُغْلِقَ لِمَا فَتَحْتَ(18)
الأولى : اظهار لعظيم قدرته تعالى وانه لا يجاريها شيء.
الثانية : في الفقرة من الدعاء، بيان لما في الصحيفة السجادية من آداب الدعاء وحسن المسألة فهي توكيد للحاجة بلغة المدح والثناء.
الثالثة : اعلان لمعرفتنا بقدرة الله المطلقة.
الرابعة : دعوة للإلحاح بالدعاء.
الخامسة : حث على دوام التوجه له في المسائل وفي المسألة الواحدة بالتسليم بان الأمور بيده تعالى وان الذي يمنعه سبحانه لا يستطيع الخلائق اعطاءه.
السادسة : الثقة بفضل الله تعالى من احسن وجوه التوكل عليه سبحانه.
السابعة : لا تنحصـر وظــائف الدعــاء بالمسـألة بل يتضـمن المدحـة والثنــاء لله عز وجل.
ويشمل الدعاء غلق ابواب الشر والبلوى فاذا انعم الله عز وجل على العبد بالسلامة والأمان فان ابواب البلوى لا يفتحها احد عليه.
(18) اذا ما فتح الله باباً من العذاب فلا يقدر على غلقه وصرف اذاه الا الله عز وجل قال تعالى حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ .
وكذا لو فتح الله عز وجل باباً من ابواب رحمته على العبد فلا يستطيع الخلائق غلقه ولو اجتمعت ويظهر الدعاء لطيفة من كنوز ادعية اهل البيت عليهم السلام وهي ان فضل الله تعالى مركب وان نعمه لا تأتي من جهة
وَلَا مُيَسِّرَ لِمَا عَسَّرْتَ(19) وَلَا نَاصِرَ لِمَنْ خَذَلْتَ(20)
واحدة بل تأتي من الجهات المتعارضــة من غير تصادم بينها وهو من سعة رحمته وعظيم فضله وفيه اثبات لربوبيته المطلقة.
(19) اذا ما اصابنا ضيق وحرج وشدة فليس من كاشف لذلك الا الله عز وجل قال تعالى وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ….
والميسر : اسم فاعل لليسر والتسهيل، والعسير: الصعب الشديد، والمعسور ضد الميسور، ومن يجري دراسة مقارنة لأيام حياته واحواله فيها يجد ان حالات اليسر والرخاء هي الأغلب والأكثر، وان العسر قليل سواء كان في العافية او الرزق او الأمان او الإستقرار وفرص اداء الفرائض والصالحات ونحوها، الا ما قل من الناس اذا ما جاء ابتلاء وحالة من الضيق والشدة فلا كاشف له من الخلائق وهذا الإقرار لجوء الى الله تعالى واعراض عن غيره، وفيه تضرع اضافي وتقرب الى رحمته تعالى وهو الذي لا يخيب من رجاه.
(20) من أسماء الله الحسنى (النصير) وهو نعم المولى ونعم النصير فاذا منع الله عز وجل نصرته واعانته عن شخص فلا يستطيع الإعتصام من المصائب والنكبات ، قال تعالى وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ .
ومن فلسفة الصحيفة السجادية انها وثيقة يومية يتكرر فيها ذكر الله تعالى فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَافْتَحْ لِى يَا رَبِّ بَابَ الْفَرَجِ بِطَوْلِكَ وَاكْسِرْ عَنِّى سُلْطَانَ الْهَمِّ بِحَوْلِكَ(21)
واعلان التسليم لأمره تعالى وانفراده بالنصرة والعون.
ويقال : خذله خذلاً: اذا ترك عونه ونصرته، وخذلان الله للعبد، ان لا يعصمه، ويخلي بينه وبين المعصية، ويدل السؤال بالدلالة الإلتزامية وبحكم موضوعه المبني على التضرع والرجاء والإلتجاء المطلق على ورجاء عدم الخذلان وطلب استمرار الإعانة والنصرة.
(21) الفرج- بفتحتين- انكشاف الغم، والطول: الفضل والسعة والإحسان والهم: الحزن والقلق وقيل الهم: قبل نزول الأمر وهو طارد للنوم، والحول: ملكة الإرادة والقدرة على التصرف.
اللهم انعم علي بانحسار الهم وزوال الغم بقدرتك وغناك وفضلك وقوتك.
وفي الدعاء مسائل :
الأولى : لقد بدأ الإمام عليه السلام بالصلاة على محمد وآله وسؤال الرحمة لهم وهو مقدمة كريمة اخرى، لعرض المسألة بعد ان اعلن التسليم بان الأشياء لا تستجيب الا لمشيئته تعالى.
الثانية : في الدعاء اقرار بسعة فضل الله تعالى وقدرته على ازالة الغم وتحقيق الآمال وكشف الكربات.
الثالثة : من بديع صنع الله ابدال الحزن بالفرح، والضيق بالسعة، والحزن بالسعادة.
الرابعة : الشكوى الى الله عز وجل من اذى الهم وشره وقد نعته الإمام عليه السلام بانه له سلطاناً أي له تأثير سلبي ضار كبير.
وَأَنِلْنِى حُسْنَ النَّظَرِ فِيمَا شَكَوْتُ(22) وَأَذِقْنِى حَلَاوَةَ الصُّنْعِ فِيمَا سَأَلْتُ(23) وَهَبْ لِى مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَفَرَجاً هَنِيئاً وَاجْعَلْ لِى مِنْ عِنْدِكَ مَخْرَجاً وَحِيّاً(24)
(22) اناله نوالاً: اعطاه، والشكوى هنا بيان سوء الحال والإبتلاء ضمن الدعاء، اللهم ارزقني صلاح الحال والإستبشار بظهور آثار عنايتك واحسانك في الأمور والمسائل التي فزعت بها الى مقامك الكريم.
كما اتصف سبحانه بالقدرة المطلقة فانه اتصف بعدم رد سؤال وطالب
حاجة صــفر اليديــن، نعم قد تأتي الإســتجـابة في غير موضوع المســـألة وهو اعلم بمواضع المصلحة فجاء هذا الدعاء تحديداً في موضوع الشكوى لعظيم لطفه وســعة رحمة الله تعالى وعمومات الإذن بالدعاء واطلاق اللإستجابة بقوله تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ].
(23) اللهم اجعلني اتحسس بفرح وبغبطة الإيمان انكشاف الكرب وغياب العسر والضيق وإقبال النعم والعطايا التي هي منك متواترة.
انه توسل وتضرع يظهر ضعف العبد وحاجته الى فضل الله فهو الذي يبدل الحزن بالفرح، والمر بالحلو، وفيه اخبار عن عظيم الثقة بالإستجابة، ومن فلسفة الإمامة حمل العبد على الإقرار بالضعف والعجز وحاجته للطف الإلهي في المصاديق العملية والإستجابة للمسألة لتكون عوناً على استقرار الإيمان في النفس.
(24) اللهم تفضل علي كرماً منك واحساناً برحمة ولطف ورأفة ونهاية سعيدة تختم بها الهم والغم بزوالهما لأتفرغ الى الطاعات بهمة ونشاط.
والدعاء سؤال لرحمته تعالى في كشف الكرب وطرد الهم بفرج ولطف منه تعالى يبعث في اركاني الحياة والحيوية لتوظيفها في طاعته تعالى.
وَلَا تَشْغَلْنِى بِالِاهْتِمَامِ عَنْ تَعَاهُدِ فُرُوضِكَ وَاسْتِعْمَالِ سُنَّتِكَ(25) فَقَدْ ضِقْتُ لِمَا نَزَلَ بِى يَا رَبِّ ذَرْعاً(26)
(25) اللهم اصرف عني البلاء والهموم كي استمر بالدوام على تأدية فريضة الصيام باوقاتها اليومية المبينة بالسنة، واشرح لي صدري في اعانتي
على صيام شهر رمضان ووفقني لأداء الفرائض والواجبات الأخرى التي امرت بها لحفظ حدود الشريعة واحكامها.
ويدل الدعاء بالدلالة الإلتزامية على الشكوى الى الله عز وجل وبيان ان النوائب والهم بها عائق ومانع من اداء تمام الفرائض والمستحبات أي ان السؤال يتعلق بكشف الكرب وحل عقد المكاره لذاتها، ولجعله وسيلة لأداء الفرائض والعبادات على النحو الأكمل وهذا من اسرار الصحيفة السجادية، فالدعاء الواحد له وجوه متعددة بعضها يظهر في المنطوق وبعضها بالمفهوم.
(26)الذرع بسط اليد ، وجاء هنا كناية عن شدة الإنقباض ورمزاً للعسر وقلة الوسع وهو تمييز منصوب ووجه التمثيل ان قصر الذراع عنوان للعجز عن بلوغ الغايات وضيق الوسع والطاقة، ان التوجه الى الله عز وجل لبيان العجز الذاتي والضعف في المقدرة الشخصية ووضوح عنصر التقصير والعسر كأثر لشدة الإبتلاء وهو دعاء وحكمة.
وفيه معرفة وادراك لما نزل به من الكرب والبلاء وانه من عند الله تعالى فان الإمام عليه السلام يناجي ربه بالضعف عن الصبر عند البلاء، مما يدل على عدم التعارض بينهما، فقد يبتلي الله عز وجل العبد لكي يسمع دعاءه ويرى صبره ويكتب له الأجر والثواب الذي لا يناله الا بالبلاء.
وَامْتَلَأْتُ بِحَمْلِ مَا حَدَثَ عَلَىَّ هَمّاً(27) وَأَنْتَ الْقَادِرُ عَلَى كَشْفِ مَا مُنِيتُ بِهِ(28)
(27) أصابني الإرباك والوهن بسبب انشغالي التام بهموم الشدة والضيق وآثار الحزن والقلق.
وفي التنزيل إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ فالدعاء لبيان عظيم وقع البلاء على النفس، وهل يتعارض هذا الدعاء مع الإسترجاع أي قول “انا لله وانا اليه راجعون” الذي اكرم الله به هذه الأمة الجواب انه لا تعارض بينهما وكل منهما دعاء والتجاء الى الله تعالى ودعاء الصحيفة حصة زائدة في الإسترجاع، وهذا من اسرار الصحيفة وهو تضمنها لوجوه اضافية من المستحبات واسباب النجاة والفوز.
(28) منيت به : ابتليت به، ان الله هو القوي العزيز الذي يطرد عني اسباب الهم والغم بفضله ومنه قال تعالى وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ… .
والدعاء اقرار بحصر القدرة على صرف البلاء به تعالى لأن قدرة الله مطلقة فلابد من التوجه اليه سبحانه، ومن فلسفة الإمامة معرفة الإنسان لمنازل العبودية وافتخاره بها.
وفي دعاء امير المؤمنين عليه السلام: (كفى بي عزاً ان اكون لك عبداً).
ومن مضامين هذه المعرفة الإنقطاع الى الله تعالى في الحاجات وكشف الكرب فقد يسهو الإنسان عن الذكر وصيغ التوكل عند الشدة والإبتلاء،
وَدَفْعِ مَا وَقَعْتُ فِيهِ (29) فَافْعَلْ بِى ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ أَسْتَوْجِبْهُ مِنْكَ(30)
ولكن هذا الإقرار رياضة روحية للإقامة على منازل العبودية وعون في جعلها ملكة راسخة في النفس.
(29) ان الله عز وجل قادر على ازالة ما اعتراني من الهموم واصابني من البلاء باعتبارها امور حادثة مستجيبة لإرادته تعالى.
والدعاء استحضار لذكر الله تعالى في اشد حالات الضيق وهو مدخل لصرف البلاء، وان الإعتراف بالبلاء والضيق دليل على نزع رداء الكبر والغرور، ومناسبة لمعرفة الأشياء على حقيقتها وعون على التوجه للباري عز وجل لأن بيده مقاليد الأمور.
(30) اللهم ارزقني النجــاة والخلاص والفـوز بفضل منك وان كان عملي لا يرقــى الى مرتبة نيل ذلك ثواباً ويتوارى منحسراً في موقف الشفاعة، ولكن خــزائن رحمتك ومغفـرتك لا تنقص منها كثرة العطاء شيئاً.
ومع التضرع واظهار روح المسكنة يعترف الإمام عليه السلام بعدم استحقاقه لكشف البلاء سواء لكثرة ذنوب العبد او لتقصيره في الشكر له تعالى وهذا من مشارق الصحيفة، بان يلازم العبد الشعور بالتقصير واللجوء الى الإستغفار واظهار الندم وهي حال من ادب العبودية، وفيها عون على عدم مفارقة الدعاء والمسكنة ، قال تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا] ( ).
يَاذَا الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (31)
(31) العرش سرير الملك وسلطانه وعرش الباري لا يحد وتعجز اوهام العقول عن وصفه قال الله تعالى قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.
الدعاء بيان لعظيم سلطانه سبحانه وهو خاتمة كريمة للدعاء بتمجيده سبحانه، والعرش لغة الملك لذا قيل ان عرش الله ملكه وان استواءه على العـرش يعني اســتيلاءه على ملكه، ولكــنه اخص منه فهــو في اعلى السماوات وكأنه السرير المحمول بالملائكة او انه الجسم المحيط بجميع الموجودات وسمي عرشاً لإرتفاعه، وفي قوله تعالى وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ.
سأل المأمون الإمام الرضا عليه السلام فاجابه : ان الله تبارك وتعالى خلق العرش والماء والملائكة قبل خلق السماوات والأرض وكانت الملائكة تستدل بانفسها وبالعرش وبالماء على الله عز وجل ثم جعل عرشه على الماء ليظهر بذلك قدرته للملائكة فيعلمون انه على كل شيء قدير…” الحديث.
المحتويات
صفحة الموضوع
3 المقدمة
12 الدعاء الأول(دُعَاؤهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا ابْتَدَأَ بِالدُّعَاءِ بَدَأَ بِالتَّحْمِيدِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ والثَّنَاءِ عَلَيْهِ).
80 الدعاء الثاني (دُعَاؤِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ هَذَا التَّحْمِيدِ فِى الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ).
108 الدعاء الثالث(دُعَاؤِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِى الصَّلَاةِ عَلَى حَمَلَةِ الْعَرْشِ وَكُلِّ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ).
169 الدعاء الرابع (دُعَاؤِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِى الصَّلَاةِ عَلَى أَتْبَاعِ الرُّسُلِ وَمُصَدِّقِيهِمْ).
206 الدعاء الخامس (دُعَاؤِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِنَفْسِهِ وَلِأَهْلِ وَلَايَتِهِ).
235 الدعاء السادس (دُعَاؤِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ).
295 الدعاء السابع(دُعَاؤِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا عَرَضَتْ لَهُ مُهِمَّةٌ أَوْ نَزَلَتْ بِهِ مُلِمَّةٌ وَعِنْدَ الْكَرْبِ).
رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد
4752 لسنة 2024