بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم تفضل به فقيه عصره وأستاذ المعقول والمنقول
آية الله العظمى السيد عبد الأعلى الموسوي السبزواري
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين وبعد..فان من منن الله تبارك وتعالى على عباده ان فتح لهم باباً سماه باب الدعاء ودعاهم اليه بابلغ اسلوب واطيب كلام قال عز من قائل ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، فصار ذلك من اكمل النعم واتمها على خلقه لأن به تتهذب النفوس وتصل الى ما تريد، ومن اهم السبل للولوج في هذا المسلك ما ورد عن الأئمة المعصومين عليهم السلام لاسيما الإمام الهمام المعصوم علي بن الحسين السجاد عليه وعلى آبائه الصلاة والسلام فقد بهر العقول بسحر بيانه وطيب كلامه ودلّ بكلماته سبل الوصول الى الله تعالى والتعرف بآلائه ونعمائه والتشرف بالحضور لدى جنابه، وكان عليه الصلاة والسلام معجزة في هذا المضمار فكانت كلماته نوراً يهتدي بها السالك ومناراً يقتدي بها العارف المنجذب إلى خالقه.
وقد اتعب العلماء رفع الله شأنهم انفسهم في شرح كلامه عليه السلام وتفسيره وممن حباه الله تعالى بهذه الكرامة الفاضل العالم الشيخ صالح الطائي دامت تأييداته وقد بذل جهده في تفسير غوامض الفاظ كلامه عليه السلام وشرحها شرحاً وافياً ليستفيد منه الطالب ويستنير منه المستفيض وفقه الله تعالى لمراضيه والسلام عليه ورحمة الله بركاته.
حرر في الرابع من شوال المكرم 1413هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
المدخل
الحمد لله الذي بعث الرسول الأكرم محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين ، قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
ومن رحمة الله في المقام آيات الدعاء واستجابته التي في القرآن ، واجتهد النبي محمد بالدعاء , ودعا المسلمين لمائدة الدعاء وسؤال الله عز وجل واتخاذ الدعاء بلغة لقضاء الحاجات وتحقيق الرغائب بفضل ولطف من عند الله تعالى .
ومــن لطف اللــه تعالى انه حــث العباد على الدعاء وجعله ســلاح من إليه أناب ووعد عليه بالإجابة، قال تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
ولقد ألهم الله عز وجل المؤمنين من عباده ومن أيام آدم عليه السلام الدعاء سبيلاً الى التوفيق وحسن الرجاء وليصبح طريقاً مباركاً لأهل الأرض لنيل الأماني والنعم وحجاباً نافعاً لدفع النقم وفي التنزيلقُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ.
ومن منافع الدعاء الأخروية انه يكون لصاحبه في عالم البرزخ ويوم القيامة نوراً وضياء وحاجزاً من العذاب وذخراً وبشارة لحسن المآب لما فيه من الذكر والثناء على الله تعالى واللجوء اليه في أيام الحياة الدنيا والإقرار بالعبودية والخضوع لسلطان الربوبية.
واحتل الدعاء منزلة عظيمة في حياة الأنبياء إذ كان سلاحهم ومفزعهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتوجه بالدعاء في ساعات الرخاء والشدة، وتركت السنة النبوية المباركة صحائف سامية في الدعاء وصيغه وموارده مع بيان عظيم منفعته وجزيل ثوابه وعبدت طريقاً للمسلمين ونهجاً متصلاً في الإلتجاء الدائم الى الدعاء واتخاذه وسيلة لتحقيق الأماني الحميدة ونيل الآمال الكريمة.
ولقد كانت “الصحيفة السجادية” احدى ذخائر الفكر الإسلامي وكنوز المعرفة بما تحتويه من مفاهيم اسلامية واحكام اخلاقية رفيعة وآداب اجتماعية مستنبطة من أصول الشريعة الى جانب ما تتضمنه من اقرار بان الإستعانة بالله عز وجل هي السبيل الى تحقيق غايات الصلاح وان التضرع اليه تعالى هو طريق الفلاح وزينة الدنيا ، وعذوبة المنطق.
ومن اجل معرفة معالم الصحيفة السجادية ومضامينها العالية تضمن هذا الجزء من (فلسفة الإمامة في الصحيفة السجادية) اضواء مباركة على حياة الإمام علي بن الحسين عليهما السلام وما احتله الدعاء من أيام حياته التي قضاها بالنسك والعبادة.
وفيه مقدمة ومدخل لأدعية الصحيفة حسب ما ورد في نسخها الأصلية عسى ان يفتح ذلك أبواباً للإطلاع على سندها ورجاله وقصة تواترها وطرق روايتها.
وسيبقى البحث في أغوار الصحيفة السجادية مفتاحاً لآفاق من العلم وأبواب المعرفة وركناً مهماً في الدراسات الهادفة في ميدان الدعاء والمناجاة وصيغ توجيه النفس في مسالك الإيمان وسبل الهداية وطرق الرشاد والفلاح.
ويساهم التأمل والتدبر في دراسة ادعية الصحيفة السجادية في إكتشاف ما تحتويه مدرسة الدعاء من مفاهيم عقائدية وروحية تساعد في بناء الشخصية والمجتمع وفق أسس سليمة وتعين على ايجاد ودوام صلة متينة تتعلق من خلالها النفس الإنسانية بما عند الله عز وجل خوفاً وطمعاً ورجاء.
ولإدراك أن الدعاء ملاذ المؤمن ومفزع المحتاج وملجأ المضطر هذا بالإضافة الى ما تجسده من مضامين العبودية الصادقة .
وأدعية هذه الصحيفة من غرر علوم آل محمد لذا سميت زبور آل محمد وهي وثيقة فكرية في باب التوحيد والإخلاص والأخلاق والعرفان وصاحب كريم وإشراقة لمدرسة أهل البيت الفقهية التي اتسعت في أيام الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام لينهل منها جميع فقهاء الإسلام.
وتنفي الصحيفة السجادية وتمسك المؤمنين بها مضامين الغلو عنهم , إذ تبين عبودية الأئمة عليهم السلام لله تعالى وحاجتهم إلى فضله وإحسانه في أمورهم كلها .
وتؤكد أهلية المسلمين لخلافة الأرض باللجوء الصادق إلى الله تعالى ، وهي من مصاديق خلافة الإنسان في الأرض بقوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.
لبيان أن الخليفة في الأرض عبد لله عز وجل يفتقر إلى رحمته وفضله في كل ساعة من ساعات حياته .
وهذه الأدعية شاهد العبودية لله وحده ، ومدرسة للكمالات ومدخل لاكتساب الفضائل , ومؤدب للعادات المحمودة , وداعية لتلاوة القرآن والصدور عنه , وباعث على الأخلاق الحميدة , وتحض على المحبة والشوق إلى الله عز وجل , والإستعداد ليوم الجزاء بالتقوى والعمل الصالح .
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال : فإن الله اتخذني عبداً قبل أن يتخذني نبياً)( ).
وربما لم تستوف البحوث والتحقيقات الخاصة بأدعية الصحيفة حقها وتبقى قاصرة عن بلوغ ما فيها من المعاني القدسية والمقاصد السامية خصوصاً وان كل دعاء له عدة وجوه بعضها يظهر بالمنطوق وآخر بالمفهوم بالاضافة الى صيغ التضرع والمسكنة من موضع العبودية، انها عنوان الصلة والحبل الممتد بين الانسان وعالم الملكوت خصوصاً وان الدعاء ذخيرة الله في الارض.
وكما ان أدعية الصحيفة السجادية لم تشغل الإمام عن كثرة الصلاة والمواظبة عليها، فأن الاهتمام بالصحيفة السجادية يجب ان لا يشغلنا عن العبادات وقراءة القرآن وعلومه فهو الكتاب المنزل من السماء الذي لا يرقى اليه كتاب وفيه تبيان لكل شيء.
وقال ابراهيم بن عمر بن كيسان (أذكرهم في زمان بني أمية يأمرون في الحاج صائحاً يصيح لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح)( ).
ويقصدون الفتوى بخصوص الحج ومناسكه.
وفي رواية (فان لم يكن عطاء ، فعبد الله بن أبي نجيح) ومع هذا فان الناس يقبلون على ائمة أهل البيت في موسم الحج في الفتوى بخصوص الحج وغيره من العبادات والمعاملات.
وعن أبي اليقظان (إن قريشاً لم ترغب في أمهات الأولاد حتى ولدن ثلاثاً هم خير أهل زمانهم: علي بن الحسين، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله. وذلك أن عمر أتى بنات يزدجرد بن شهريار بن كسرى سبيات، فأراد بيعهن، فقال له علي: إن بنات الملوك لا يبعن، ولكن قوموهن، فأعطاه أثمانهن ، فقسمهن بين الحسين بن علي، ومحمد بن أبي بكر الصديق، وعبد الله بن عمر، فولدن الثلاثة)( ).
وعن (النبي صلى الله عليه وسلم : زين الله السماء بثلاث: بالشمس، والقمر، والكواكب، وزين الأرض بثلاث: بالعلماء، والمطر، وسلطان عادل)( ).
وقيل لعلي بن الحسين عليه السلام (ما بالك إذا سافرت كتمت نسبك عن أهل الرفقة؟ قال: أكره أن آخذ برسول الله ما لا أعطي مثله) ( ).
لبيان تواضع الأئمة وحرصهم على الدعوة إلى الله بالزهد والتقوى ، وهو الذي تدل عليه أدعية الصحيفة السجادية .
وقد صدرت لي خمسة أجزاء من كتابي الموسوم (بحوث في الصحيفة السجادية) وتتضمن شرح وتحقيق واحد وأربعين دعاء من أدعية الصحيفة السجادية والتي عددها أربعة وخمسون دعاءً .
وقد صدر الجزء الثاني بتأريخ 20-1-1994 برقم أيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد 31 لسنة 1994 .
قال تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
اشراقات مباركة
من حياة الإمام زين العابدين عليه السلام
الفصل الأول
نسب الإمام وولادته
هو الإمام علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
وآباؤه كلهم سادة وقادة اعزة اشتهروا بالفضائل والمكارم وعرفوا بمحاسن الأخلاق وليس فيهم من هو خامل او غير ذي وزن ومكانة.
عن أنس بن مالك، عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الله خلقني وعليا وفاطمة والحسن والحسين من قبل أن يخلق الدنيا بسبعة آلاف عام( )، قلت: فأين كنتم يا رسول الله؟ قال: قدام العرش، نسبح الله ونحمده ونقدسه ونمجد، قلت: على أي مثال؟ قال: أشباح نور، حتى إذا أراد الله عز وجل أن يخلق صورنا صيرنا عمود نور، ثم قذفنا في صلب آدم، ثم أخرجنا إلى اصلاب الآباء وأرحام الامهات، ولا يصيبنا نجس الشرك، ولا سفاح الكفر، يسعد بنا قوم ويشقى بنا آخرون، فلما صيرنا إلى صلب عبد المطلب أخرج ذلك النور فشقه نصفين، فجعل نصفه في عبد الله، ونصفه في أبي طالب، ثم أخرج الذي لي إلى آمنة، والنصف الذي الى علي إلى فاطمة بنت أسـد، فأخرجتنـي آمنة، وأخرجت فاطــمة عليا، ثم أعاد عز وجل العمود إلي فخرجت مني فاطمة، ثم أعاد عز وجل العمود إلى علي فخرج منه الحسن والحسين – يعني من النصفين جميعا – فما كان من نور علي فصار في ولد الحسن، وما كان من نوري صار في ولد الحسين، فهو ينتقل في الائمة من ولده إلى يوم القيامة( ).
ولد الإمام السجاد عليه السلام يوم الخامس من شعبان من سنة ثمان وثلاثين( ) للهجرة النبوية المباركة وهناك رواية تشير الى ولادته في التاسع من ذات الشهر واخرى في يوم الجمعة السادس والعشرين من جمادى الآخرة من نفس السنة، وقيل يوم الخميس في النصف منه( ) ولكن المشهور هو القول الأول وعليه يتم الإحتفال السنوي بذكرى مولده عليه السلام لكثرة الأخبار المعتبرة التي تشير اليه.
وكانت ولادته ايام خلافة جده امير المؤمنين عليه السلام الذي خر ساجداً شكراً لله عز وجل عندما جاءه الحسين عليه السلام ببشارة المولود المبارك قبل استشهاد امير المؤمنين بسنتين وقيل ولد سنة ست وثلاثين وقيل سنة سبع وثلاثين( ).
اما مكان الولادة فاختلف فيه على قولين احدهما (انه ولد بالكوفة)( ) والآخر انه ولد بالمدينة المنورة( )، في بيت جدته الزهراء ذي الباب الذي ابقاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مطلاً على المسجد النبوي.
ولعل هذا الإختلاف ناشيء من التباين في تأريخ الولادة اذ ان الإمام الحسين عليه السلام لم يغادر المدينة الى الكوفة الا بعد تولي امير المؤمنين عليه السلام الخلافة وانتقال عاصمة الدولة الإسلامية اليها في السنة السادسة والثلاثين للهجرة النبوية الشريفة، كما اجمعت الأخبار ان الإمام الحسين عليه السلام لم يزل مقيماً في الكوفة مع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام مدة حكمه وكان احد قادته الى صفين ولم يغادرها الا بعد دخول معاوية لها سنة احدى واربعين من الهجرة، وعقد الإمام الحسن بن علي بن ابي طالب عليه السلام الصلح مع معاوية حيث خرج الحسن والحسين ومعهما أهل بيت النبوة بحشمهم واثقالهم عائدين الى مدينة جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
والمختار أنه ولد في الكوفة خاصة مع لحاظ عمره في واقعة كربلاء سنة 61 للهجرة .
لقد اطل على الدنيا نور جديد بولادة الإمام علي بن الحسين عليهما السلام واشرقت آفاق الحكمة وتوثبت ينابيع العلم والزهد بتدفق وانبعاث واشراق ولتكون سيرته نبراس هدى وطريق رشاد.
وليضع للأجيال المتعاقبة من اهل التوحيد تراثاً روحياً وعقائدياً يرتكز في مادته على الإنقطاع الى الله عز وجل والزهد في الدنيا.
لقد تعانق ضياء ولادته مع حرص الإمام علي عليه السلام واهل البيت في المحافظة على بقاء ووجود ذرية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كي لا تخلو الأرض منهم.
فانك ترى الإمام علي عليه السلام يولي عناية خاصة يوم صفين لمتابعة حركة الحسين عليه السلام وهجماته ولم يتردد في اعلان وجوب المحافظة على حياته (عن ابن عباس قال: كان علي يخاف انقطاع النسل فقال يوم صفين وقد رأى الحسين يتسارع الى القتال، املكوا عني هذا الغلام لا يهدني فاني انفس به عن الموت لئلا ينقطع نسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
لقد درج علي بن الحسين عليه السلام في بيت النبوة والوحي وبرعاية امير المؤمنين عليه السلام الذي كان يرومه ويحدثه فرحاً واستبشاراً بمقدمه الى الدنيا واعداداً له ليستعد لتحمل اعباء ومسؤوليات الإمامة خاصة وان نسل الحسين عليه السلام سيكون منه.
هذا رغم مسؤوليات الإمام امير المؤمنين عليه السلام التي تضاعفت ايام الخلافة، وتشعبت بمحاربة الخارجين عليه.
اخذ الإمام علي بن الحسين عليه السلام يتلقى تعلم الآيات القرآنية وهو لم يكمل الرابعة من العمر في منازل جبرئيل ومهبطه ومن قبل عمه الحسن وابيه الحسين سبطي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وباشراف مباشر منهما بلحاظ ان القرآن مدرسة الأجيال ومصدر العز لأهل الإسلام وهو خير سبيل للإرتقاء في الحياة الدنيا والفوز في الآخرة، كما وان حفظه وتوارثه في الأجيال المتعاقبة طريق لتعاهده وباب لدوام الخير والبركة على سطح الأرض.
روي ان رجلاً يسمى عبد الرحمن كان معلماً للأولاد في المدينة فعلم ولداً للحسين عليه السلام يقال له جعفر سورة الفاتحة فلما قرأ على ابيه الحسين عليه السلام استدعى المعلم واعطاه الف دينار والف حلة وحشى فاه دراً فقيل له في ذلك فقال عليه السلام : وانى تساوى عطيتي هذه تعليمه ولدي الحمد لله رب العالمين.
ويظهر الخبر حرص الإمام عليه السلام على تعليم اولاده القرآن وعلومه فمن باب اولى ان يكون الإهتمام مضاعفاً وخاصاً بميراث الإمامة بالإضافة الى ما حباه الله من العلوم الوهبية.
وما لبث السجاد عليه السلام ان عرض على ابيه الحسين عليه السلام ما تعلمه من القرآن وكان يمتاز بقوة الحافظة فحفظ القرآن عن ظهر قلب في مدة غير طويلة واخذ الفقه واستوعب ابوابه ومسائله.
وينفرد الإمام علي بن الحسين عليه السلام بكرامة وهبة الهية عظيمة وهي ان ثلاثة من الأئمة المعصومين تولوا تربيته مثل تربية الرسول وأمير المؤمنين والزهراء للحسن والحسين مع فارق وهو تربية الرسول لهما ، وقاموا باعداده لمسؤوليات الإمامة وتحمل اعبائها في احوال بالغة الحساسية مزدحمة بالمصائب الجسام وتستلزم وجوها اضافية من الصبر وروح التفاني لدوام رسوخ قواعد الإسلام وتثبيت اركانه ومنع تسرب حالة التفكك الأخلاقي ومحاولة الإبتعاد عن قيم الشريعة واحكامها وآدابها، لقد ساهمت سيرة الإمام السجاد عليه السلام في تعاهد اخلاق النبوة والتذكير بسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكانت دعوة صامتة وحثاً على التقيد بها ومنع التمادي والتفريط ، وهو من عمومات قوله تعالى إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ.
واما من جهة وفاة الإمام علي بن الحسين عليه السلام فقد كانت على اشهر الأقوال في الخامس والعشرين من محرم من سنة اربع وتسعين للهجرة، وقيل سنة خمس وتسعين، ولعظيم وقع مصيبة وفاته ترى المؤرخين واهل الحديث ممن عاصر الإمام عليه السلام يذكر تفصيلات ذلك الحدث الجلل.
لقد جمع الإمام عليه السلام شرف النسب وطهارة المولد واقر واذعن المسلمون لنسبته للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ولأمير المؤمنين عليه السلام والزهراء والحسين عليه السلام، وتحليه بلباس التقوى والزهد والإنقطاع الى العبادة.
وقد اعطى الإمام عليه السلام لهذا الموضوع ما يستحقه من الحكم والشكر وقابله باخلاص العبادة فاضفى على النسب ما يعتبر تأسيساً لمدرسة عقائدية واخلاقية ومضمونها التناسب الطردي في التقوى بلحاظ النسب والشأن والمقام، وان كانت هذه الخصائص تترشح على صاحب التقوى والصلاح بالكسب والسعي والبر والإجتهاد فكم من عبد مملوك ارتقى الى منازل الرفعة بتقواه وعلمه واخذ منه الإشراف واهل الحسب والنسب ، وهو من مصاديق قوله تعالىإِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ.
لقد ولد الإمام عليه السلام في الكوفة بعد ان جعلها الإمام علي عليه السلام مقراً للخلافة الإسلامية لوجود الناصر فيها واستجابة اهلها له لجهاد الناكثين والقاسطين والمارقين، وكانت موطناً لقبائل عربية مشهورة ومعروفة بالنفوذ والشأن فانطوت تحت لواء الحق والجهاد، واكسبها موضعها اهمية خاصة اذ انها تقع في نهاية البلاد وعلى شاطئ الفرات فاصبحت ممراً تجارياً ومركزاً يربط شمال آسيا بالحجاز واليمن فهاجرت لها الكثير من العشائر العربية من اليمن وحضرموت بالإضافة الى القبائل العربية الموجودة فيها اذ انها كانت مركز نفوذ دولة المناذرة في الحيرة وما يتفرع عنه من التنظيم والإدارة واصبحت محلاً للحضارة وتبادل الخبرات والإرتقاء الفكري الذي تجلت معالمه بالإسلام ومجي الإمام علي عليه السلام الكوفة وكثر فيها عدد القراء والفقهاء وازدهرت فيها العلوم.
وقد ورد عن امير المؤمنين عليه السلام ما يفيد مدحها والثناء عليها في نصوص وخطب عديدة منها:
(الكوفة كنز الإيمان وحجة الإسلام وسيف الله ورمحه يضعه حيث يشاء).
(تربة نحبها وتحبنا).
(الكوفة قبة الإسلام).
(مدينتنا ومحلنا ومقر شيعتنا) ( ).
ولقد كان الإمام علي عليه السلام مؤسس مدرسة الكوفة والحوزة العلمية بجهاده وخطبه ومواعظه ودروسه التي تضمن شطراً منها نهج البلاغة هذا السفر الخالد الجامع لشعب وفروع العلوم المختلفة من التفسير والفقه والأصول والأخلاق والفلسفة واللغة والبلاغة والمفاهيم الإنسانية.
ومن رشحات علمه ترى الحوزة العلمية تضرب جذورها في تأريخ وكيان المعارف الإسلامية وتشع انوارها في ارجاء العالم الإسلامي كافة، وقد سبقت الكوفة غيرها من المدن العلمية، واصبح مسجد الكوفة مصدر اشعاع علمي انتشرت علومه وطلابه وآثاره في الأمصار، وقد اولى الإمام علي عليه السلام اهمية خاصة لتعليم اولاده واصحابه المنتجبين واثر هذا المنهج في تحصيل اهل البيت عامة والإمام علي بن الحسين عليه السلام خاصة.
ثم احيى الإمام الصادق عليه السلام مدرسة اهل البيت في الكوفة وجعلها ذات اسس ونظام متماسك، وقال الحسن بن علي البجلي اني ادركت في هذا المسجد –أي مسجد الكوفة- تسعمائة شيخ كل يقول حدثني جعفر بن محمد واسست مدرسة الإجتهاد وانتقلت جامعتها الى النجف الأشرف التي هي امتداد مكاني للكوفة وملاصقة لها ، وقد تداخلا في هذا الزمان وتنوعت علومها، وليس من فارق بين الكوفة والنجف لغة وموضعاً وتأريخاً الا بالاسم، لذا قال الزمخشري نجف الكوفة: علو من الأرض وغِلًظً، انا حنين وداري النجف( ).
وهي في هذا الزمان مدينة واحدة متصلة ولقد كان للإمام السجاد عليه السلام دور فعال في تأسيس جامعة الكوفة وتعاهدها، ولعل تسميتها بالحوزة بدأ من أول خطبه عليه السلام في أهل الكوفة ومدحهم بقوله: (فأغنيتم
حوزتكم، وأعنتم الناس على عدوهم) ( ).
وكان كبار الفقهاء فيها يأتون الى الإمام السجاد في موسم الحج وايام العمرة ليتزودوا بالعلوم وينهلوا من درر الحكمة وكنوز اهل البيت، ويأخذوا منه احكام دينهم خصوصاً وانه مرت فترات منها تولى شؤون الحكم فيها رجال انتسبوا الى شيعة اهل البيت واظهروا الولاء للإمام السجاد عليه السلام، واخذوا بثأر الحسين عليه السلام وقتلوا قاتليه كما في حكم المختار الثقفي، مما اتاح للناس الرجوع الى اهل البيت وتلقي الأحكام الشرعية منهم.
تسميته
لقد وردت الروايات بان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي سماه علياً قبل ان يُولد، واطلق عليه لقب سيد العابدين وهو امر يسير ضمن معجزات النبوة واحكام الرسالة، نقل عن ابي الزبير محمد بن مسلم المكي انه قال: كنا عند جابر بن عبدالله( ) فاتاه علي بن الحسين ومعه ابنه محمد وهو صبي فقال علي لإبنه: قبل رأس عمك، فدنا محمد من جابر فقبل رأسه فقال جابر: من هذا – وكان قد كف بصره- فقال له عليه السلام: هذا ابني محمد فضمه جابر اليه وقال: يا محمد! محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ عليك السلام فقالوا لجابر: كيف ذلك يا ابا عبد الله؟ فقال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحسين في حجره وهو يلاعبه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: يا جابر يولد لإبني الحسين ابن يقال له علي اذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم سيد العابدين فيقوم علي بن الحسين، ويولد لعلي ابن يقال له محمد، يا جابر ان رأيته فاقرءه مني السلام واعلم ان بقاءك بعد رؤيته يسير، فلم يعش بعد ذلك الا قليلاً ومات( ).
أي أن النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم سمّى الإمام السجاد باسمين :
الأول : علي وهو اسمه الأصلي .
الثاني : سيد العابدين .
ويدل الحديث على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إختار كنية السجاد (ابا محمد) وقام بتسمية الإمام الباقر للدلالة على وراثة الإمامة وتعيين الإمام عليه السلام .
وقد ادرك جابر الإمام محمد الباقر عليه السلام وابلغه بامانة وود واستبشار تحية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اذ ان جابر بن عبد الله عمر وكان موته سنة ثمان وسبعين وقال الهيثم بن عدي انه مات سنة اربع وسبعين للهجرة بينما كانت ولادة الباقر عليه السلام سنة سبع وخمسين من الهجرة النبوية المباركة، ولذلك وبراً بابيه وتيمناً باسمه كان الإمام الحسين عليه السلام يحب تسمية ابنائه بعلي لما يضفيه هذا الاسم من معاني الإيمان والشجاعة والعز وما يبعثه من اشعاع روحي يرسخ في النفوس الولاء والإقتداء به.
وكنية الإمام السجاد عليه السلام ابو محمد ، وبها تعاهد لصلة البنوة مع النبوة والتشرف والتبرك بافاضتها واحياء لمعالم الدين.
ألقابه
تفرد الإمام علي بن الحسين عليهما السلام بالقاب شريفة عكست سمو الشخصية ومحاسن السجية والتقدم في مضمار العبادة والعفة والإنقطاع الى الله، وكان الناس وفي كل زمان يميلون برضا وقبول الى ذكره بالقابه الكريمة لما القي في نفوسهم من الهيبة والإجلال لإجتهاده في العبادة ووضعه حدوداً متقدمة في عالم الهداية والتوفيق إلى طاعته تعالى حتى اصبحت القابه اسماء له.
واخذ المسلمون في مختلف الأمصار يسمون ابناءهم بالقابه عليه السلام تبركاً وتيمناً، ومن الكرامات انك ترى الإفاضات ظاهرة على اولئك الذين يسمون باسمائه عليه السلام في الجملة لما فيها من التذكير بالتقوى والصلاح ، وفي التنزيل بخصوص بشارة زكريا قال تعالىيَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا، ومن معاني حياة يحيى ورود ذكره في القرآن خمس مرات ، وتلاوة المسلمين في كل زمان للآيات التي ورد ذكره فيها ، وتسمية بعض المسلمين أبناءهم باسم يحيى.
والى جانب ما سمّاه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هناك القاب أخرى انتزعها الإمام عليه السلام انتزاعاً او جاءته جرياً وانطباقاً لإرتقائه في درجات الورع ومنازل التقوى ومنها :
1- سيد الساجدين
السيد في المقام: الذي يفوق في الخير والرئيس الكبير في قومه ويطلق على الشريف والفاضل والكريم والحليم، والساجدون: جمع ساجد وهو الفاعل للسجود الذي يعني في اللغة الخضوع والتطامن والتذلل، وفي الشرع هيئة مخصوصة يقال سجد الرجل أي وضع جبهته على الأرض طاعة لله وتسليماً ، قال تعالى فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ.
لقد انقطع الإمام علي بن الحسين عليه السلام الى العبادة ولم يلتفت الى الدنيا وزخرفها، مشفقاً خائفاً من الله ، منقطعاً للإقبال على طاعته والإشتغال بعبادته فاعترف له أهل زمانه والفقهاء والمؤرخون برياسة اهل التقوى وتقدم ركبهم في عالم ومضامين الورع والعبادة وكثرة الصلاة والإقبال عليها ليتجلى قانون وهو أن الذي يتخذ من الخضوع والخشوع لله ملكة ونهجاً دائماً يكرمه الله بالمودة والذكر الحسن بين الناس ، قال تعالىسَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا.
2- السجاد
سمي به لكثرة سجوده، لما روي انه كان يصلي في اليوم والليلة الف ركعة، وكان اكثر الناس ورعاً وعبادة، واثار السجود وعلاماته ظاهرة في وجهه وبدنه.
كان مناراَ للناس في التقوى، دعاهم وحثهم على إيلاء الأولوية للعبادة والإقبال على الآخرة روي ان رجــــــلاً اتــى
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال ادع الله ان يدخلني الجنة فقال له: اعني بكثرة السجود( ).
وكان الإمام علي بن الحسين عليه السلام دائم السجود سواء بالمواظبة عليه وتكراره او باتصال السجود وطوله.
قال الإمام الباقر عليه السلام: ان ابي علي بن الحسين ما ذكر لله نعمة عليه الا سجد، ولا قرأ آية من كتاب الله عز وجل فيها سجود الا سجد، ولا دفع الله عنه سوء يخشاه او كيد كائد الا سجد، ولا فرغ من صلاة مفروضة الا سجد ولا وفق لاصلاح بين اثنين الا سجد وكان اثر السجود في جميع مواضع سجوده فسمي السجاد لذلك( ).
لقد أسس الإمام علي بن الحسين عليهما السلام مدرسة السجود ونال هذا اللقب بفخر، لذا ترى المسلمين جميعاً يطلقون عليه هذا اللقب على نحو التسالم والإكرام والتقدير، لتترشح احكام الإسلام في المجتمعات وتطرد الكدورة من النفوس، وفيه شاهد على حب المسلمين جميعاً لأهل البيت، روي انه لما جاء وفد ثقيف إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سنة تسع من الهجرة، رجوا منه اعفائهم من امرين:
1- كسر أوثانهم بأيديهم.
2- تأدية الصلاة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما كسر أوثانكم بأيديكم، فسنعفيكم منه، واما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه.
فقالوا: يا محمد أما هذه فسنؤتيكها وان كانت دناءة( )، لإستحيائهم من رفع العقيرة في السجود، ولكن عنصر الإيمان هو الغالب فاخذت النفوس تنشرح بالصلاة وتشتاق اليها واصبح المسلم يفتخر باداء الصلاة وينتظر اوقاتها بشوق وحتى المحتضر منهم يوليها اهتماماً وعناية خاصة مع ما يعانيه من النزع وشدة الألم فهي الهوية ووسيلة العبور على الصراط.
وسنت في الشريعة احكام وقواعد اداء المضطر لها عن جلوس او استلقاء وبالممكن والميسور من افعالها ولو بالإيماء والإشارة، لأن الصلاة ركن الدين ولا تترك بحال فتؤدى بالإمتثال للأمر الواقعي او الظاهري او الإضطراري( ).
كان سجوده عنواناً لإنقطاعه الى الله وتعلق قلبه بمحبته تعالى وعزوفه عن الدنيا واعراضه عما يشغله عن ذكر الله وكان ملاذاً والتجاءً مما الم به وبالأمة بواقعة كربلاء ومقتل خامس أصحاب الكساء أبيه الحسين عليه السلام ونخبة من أهل بيته على مرأى ومسمع منه وهو مسجى على الفراش لا يستطيع الرد ولا يقوى على القتال وتعرض للتهديد بالقتل وهو على هذه الحال لولا العناية الإلهية في حفظ الامامة.
وقال ابن حماد يصف عبادة الإمام عليه السلام وكثرة سجوده:
وراهب أهل البيت كان ولم يزل
يلقب بالسجاد حين تَعَبّده
يقضي بطول الصوم طول نهاره
منيباً ويقضي ليله بتهجد
فأين به من علمه ووفائه
واين به من نسكه وتعبده
لقد اضاء السجاد عليه السلام بطول سجوده وكثرته دروب العبادة للسالكين سبل الإنقطاع الى الله ، وجعلهم يجهدون انفسهم في النسك والتقوى وهم مع هذا يشعرون بالتقصير، قال تعالى وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى.
كان عمل السجاد عليه السلام جهاداً وخالصاً لله عز وجل وفيه شاهد على عبوديته المغلقة لله عز وجل وحرب على الرياء ، قال أحمد بن منيع: ثنا يزيد، أبنا فرج بن فضالة، عن أبى الحسن، عن جبلة اليحصبي قال: كنا مع رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكان فيّما حدثنا: أن قائلا من المسلمين قال: يا رسول الله، فيما النجاة غدًا؟ قال: لا تخادع الله، قال: وكيف نخادع الله ، قال : أن تعمل بما أمرك الله به تريد به غيره، فاتقوا الرياء، فإنه الشرك بالله عز وجل وإن المرائي ينادى به يوم القيامة على رءوس الخلائق بأربعة أسماء: يا كافر، يا فاجر، يا خاسر، يا غادر، ضل عملك، وبطل أجرك، ولا خلاق لك اليوم عند الله، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا مخادع، قال: فقلت أو قلنا له : الله الذي لا إله إلا هو، لأنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقال : والله الذي لا إله إلا هو، لأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يكون شيئًا لم أتعمده. ثم قال يزيد: وأظنه قرأ آيات من القرآن: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا} و{إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم}.
3- سيد العابدين
العابدون: جمع عابد وهو فاعل العبادة ومؤديها الذي يواظب على المأمور به وفعل الصالحات مع الإشتغال الدائم بالتنسك ، وورد لفظ (العابدين) مرة واحدة في القرآن بقوله تعالى قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَانِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ.
وعبادة الله على خمسة اقسام:
الأول: ما يجب على الأبدان كاتيان الصلاة والصيام ونحوها من العبادات التي تحتاج الى سعي وجهد.
الثاني: العبادات المالية كالزكاة والخمس ، قال تعالىوَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ، فبينت الآية أعلاه أن الصلاة قيام وفعل وأن الزكاة اتيان ودفع .
الثالث : العبادات البدنية المالية كاداء فريضة الحج لما فيها من بذل الجهد والسعي وقطع المسافة كمقدمة عقلية لأداء الفريضة والإنفاق المالي.
الرابع: ما يجب على النفوس كالمعرفة والإخلاص في التوحيد والإعتقادات الصحيحة والتنسك بالثناء عليه تعالى والمداومة على شكره، وتمجيده والتفكر بعظيم صنعه وعظيم احسانه علينا وعلى الخلائق جميعاً.
الخامس: ما يجب في الصلات مع الناس والمستلزمات الأخلاقية والإجتماعية والأدبية في المعاملات والعلاقات اليومية وما فيها من تشعبات خصوصــاً وان الإســلام وضع ضوابط محددة لكل باب منها فتهون الدنيا عند العبد في شوقه الى الآخر ، قال تعالىإِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ.
ويعلم المؤمن انه لا يملك منها شيئاً ولا يشغل نفسه بطلب شيء منها فيتقطع الى ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه، وتفويض تدبير احواله الى الله تعالى، فتسهل عليه مصائب الدنيا واهوالها، ولا يطلب ما عند الناس استغناء، ويتخلى عن نزعة التكاثر، والميل الى التفاخر والمباهاة مع الآخرين لإقباله روحاً وجسداً واركاناً على عبادة الله والخضوع الدائم له في خشوع ، قال تعالىأَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ.
السادس : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو واجب يتجلى في العبادات والمعاملات والأحكام ، ويكون فيه المسلم على وجوه :
أولاً : آمر بالمعروف .
ثانياً : مأمور بالمعروف .
ثالثاً : عون في الأمر بالمعروف .
رابعاً : ناه عن المنكر .
خامساً : منهي عن المنكر .
سادساً : عون في النهي عن المنكر .
وقد كانت سيرة الإمام السجاد دعوة إلى الله وأمراً بالصلاح والتقوى ، ونهياً عن المعاصي والقبائح ، قال تعالى وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ.
وكان الإمام علي بن الحسين أكثر الناس عبادة واتقاهم واكثرهم انقطاعاً الى الله عز وجل، وكان رائداً لأهل المعرفة الإلهية وقائداً للسائرين في طرق الهدى والإيمان ومرشداً للذين يريدون الإرتقاء في درجات التقوى.
لذلك اطلق عليه المسلمون وفقهاؤهم وباعتزاز لقب سيد العابدين وفي سبب هذه التسمية.
(ذكر ان الزهري( ) رأى في منامه كأن يده مخضوبة، فطلب تعبيرها، فقيل له: انك تبتلى بدم خطأ، وكان عاملاً لبني امية فعاقب رجلاً فمات في العقوبة، فخرج هارباً فتوحش، ودخل الى غار وطال شعره، فحج علي بن الحسين عليه السلام فقيل له: هل لك في الزهري فذهب ودخل عليه وقال له: اني اخاف عليك من قنوطك ما لا اخاف عليك من ذنبك، فابعث بدية مسلمة الى اهله واخرج الى اهلك ومعالم دينك، قال الزهري: فرجت عني سيدي، وكان الزهري بعد ذلك يقول: ينادي مناد يوم القيامة ليقم سيد العابدين فيقوم علي بن الحسين).
ولكن قوله ونعته هذا للإمام مأخوذ من رواية جابر بن عبد الله المتقدمة، ويمكن ان يكون قول الزهري اعلاناً وتصديقاً لتسمية النبي صلى الله عليه وآله وسلم له.
واصل هذه التسمية من النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وهو من عمومات قوله تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى، وان الوحي في بعض جوانبه يتعلق بالغيب والإعانة على التقوى، ولعل في اخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم آية اعجازية وواقية لحفظ الإمام السجاد ونجاته يوم كربلاء سواء:
الأول : بالحجب السماوية.
الثاني : بتعاهد اهل البيت.
الثالث : ذب عمته العقيلة زينب عنه وتعريض نفسها للقتل دونه.
الرابع : بما ابتلاه الله تعالى من المرض الذي اقعده وهو آية ظاهرة.
الخامس : بهذه الأسباب مجتمعة وهو الأرجح لأنها من فضله تعالى والله واسع كريم، فالأمر يتعلق بحفظ الأمامة التي تعني الرياسة العامة في امور الدين والدنيا قال تعالىوَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ.
السادس : رأفة جيش ابن زياد به وامتناعهم عن قتله، وخصوصاً وان ابن زياد همّ بقتله في مجلسه لأنه رد كلامه لولا الحجب الإلهية ودفاع العقيلة عنه.
4- زين العابدين
الزين: الحسن نقيض الشين، لقد كان الإمام عليه السلام مدرسة لأهل زمانه وللأجيال كلها في حسن العبادة وعناوين التقوى والمواظبة على التنسك، ولقد شاع هذا الاسم للإمام عليه السلام وعرف به في ارجاء العالم الإسلامي، روي عن سعيد بن المسيب( ) عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: “اذا كان يوم القيامة ينادي مناد اين زين العابدين فكأني انظر الى ولدي علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب يخطر بين الصفوف”( ).
حدثنا أبوالحسين محمد بن محمد بن عبدالله قال ثنا أبو بكر بن الانباري قال ثنا احمد بن الصلت قال ثنا قاسم بن ابراهيم العلوي قال حدثني أبي عن جعفر بن محمد عن أبيه قال قال علي بن الحسين فقد الأحبة غربة وكان يقول اللهم إني أعوذ بك أن تحسن في لوائع العيون علانيتي وتقبح في خقيات العيون سريرتي اللهم كما أسأت وأحسنت الي فاذا عدت فعد علي وكان يقول إن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد وآخرين عبدوه رغبة فتلك عبادة التجار وقوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الأحرار( )( ).
5- ذو الثفنات
الثفنات: جمع ثفنة-باسكان الفاء- وهي من البعير والناقة الركبة وما يقع من اعضائه على الأرض اذا استناخ، وسميت ثفنات لأنها تغلظ من مباشرة الأرض وقت البروك.
والثفنة: ركبة الإنسان( ) وطول السجود وكثرته يؤثر في ثفنات الإنسان ومواضع سجوده فيغلظها ويجعلها ناتئة.
ولقد أجمع اصحاب السير على ان الإمام علي بن الحسين عليه السلام كان مواظباً على السجود في ليله ونهاره، وقال الإمام محمد الباقر عليه السلام: كان لأبي في مواضع سجوده آثار ناتئة، وكان يقطعها في السنة مرتين في كل مرة خمس ثفنات فسمي ذا الثفنات لذلك( ).
لقد كان انقطاع الإمام السجاد عليه السلام للصلاة معلماً مباركاًٍ من معالم اهل بيت النبوة يكشف عن حضور اشراقي، ومقامات سامية في مراتب القرب، وتتجلى فيه مفاهيم الإمامة والعلوم الكمالية والدعوة الفعلية اليومية الى الصلاح والهداية والإلتزام باداء الفرائض.
6- الزكي
وهو لقب يطلق على الطاهر من الذنوب والذي اجتنب الأفعال الذميمة ويطلق ايضاً على المباشر لأفعال الخير على الدوام فبالعمل الصالح تطهر النفوس، وفي سورة مريم [ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاَمًا زَكِيًّا… ] ( )
ان الألقاب الكريمة التي انتزعها الإمام عليه السلام وتقدمه على اهل زمانه بالورع والشرف والزهد جعلت لقب الزكي يأتيه طائعاً لما حباه الله به من السجايا الكريمة والخصال الحميدة.
ولقب الزكي اذا اطلق يراد به الحسن بن علي عليه السلام، وهو الذي باشر تربية الإمام السجاد واعداده مدة اثنتي عشرة سنة مع ابيه الحسين عليه السلام اذ ان وفاة الإمام الحسن كانت سنة خمسين من الهجرة.
انها مشكاة النبوة ومدرسة آل محمد فان التعليم يتولاه الأئمة عليهم السلام واهل البيت على نحو العموم المجموعي والإستغراقي والبدلي أي كل منهم يتولى التعليم ويشارك فيه ويستقل به وكذا بالنسبة لتلقي ابناءهم، ليعيش الأبناء والبنات من آل محمد في مناخ تعليمي متصل يلازمهم في كل ساعة من ساعات يومهم، ويصاحبهم في كل واقعة وحال من احوالهم، بالاضافة الى الافاضات الإلهية لخصوص الإمام المعصوم منهم ، قال تعالىذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
لقد ترسخت في نفس السجاد المثل العليا للإسلام واحكام الإمامة، واغدق عليه الأئمة بعطفهم وحبهم ضمن توجيهه في ايام الصبا والشباب لإعداده لمسؤولياته الجسام واصلاحه لمقام الإمامة وتحمل الأعباء بعد واقعة كربلاء وترسبات اهوالها وما افرزته من تغيير في القيم السائدة.
فكان السجاد طاهراً نقياً تقياً، وفي حضرته وعند ذكره يستصغر اهل الزهد والصلاح انفسهم، روى ابو محمد الحسن بن محمد العلوي باسناده قال: وقف على علي بن الحسين عليه السلام رجل من اهل بيته فاسمعه واشتمه، فلم يكلمه فلما انصرف قال لجلســائه: قد سمعتم ما قال هذا الرجل وانا احب ان تبلغوا معــي اليه حتى تسمعوا مني ردي عليــه قالوا نفعل فأخذ نعليه ومشى وهو يقول قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاَمًا زَكِيًّا، فعلموا انه لا يقول شيئاً قال: فاتى منزل الرجل وصرخ به، فخرج الرجل متوثباً للشر.
فقال علي بن الحسين عليهما السلام يا اخي ان كنت قد قلت ما فيّ فاستغفر الله منه، وان كنت قلت ما ليس في فغفر الله لك، قال: فقبل الرجل بين عينيه وقال: بل قلت ما ليس فيك وانا احق به( )، وهو مصداق لقوله تعالىوَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
انه تأسيس لمدرسة اخلاقية وقيم اسلامية رفيعة تعين على التوجه الى العبادات والانقطاع الى الدعاء، وتنقح الصلات، وتبعث بالود والمحبة والوئام.
لقد زكّى الله الإمام علي بن الحسين وطهره من الذنوب والدنس برحمته للعالمين بتطهير اهل البيت وبقائهم اسوة ومثالاً يقتدى، وضياء ينير دروب السالكين قال تعالى إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا .
7- الأمين
يقال اؤتمن فلان فهو امين أي حامل للأمانة ومحتمل لها ، ولا يؤدي ما استودع الا لصاحبه.
والأمانة صفة كريمة تنبت حيث الشرف، وسمو الأخلاق، وغنى النفس، وعز الذات، وعلو الأدب، وحب الحسب والنسب والحرص عليهما، وتتعاهدها روح الإيمان وتحافظ احكام الشريعة على بقائها سجية راسخة بين اهل الأرض وعمّارها، وهي مسؤولية اخلاقية وشرعية وعقلية، قال تعالى [ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ ] ( )
والمراد من الأمانة في المعنى الاصطلاحي التكليف واتيان الفرائض والتزام طاعة الله ومنع النفس من اتباع الهوى او الإنصياع للقوة الغضبية والشهوية، وكان علي عليه السلام اذا حضر وقت الصلاة يتململ ويتزلزل فيقال له ما لك يا امير المؤمنين فيقول: (جاء وقت الصلاة وقت امانة عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فابين ان يحملنها واشفقن منها)( ).
ولقد كان الإمام علي بن الحسين عليه السلام في صلاته آية وداعية الى الله يبهر كل من يراه ويلح عليه بالإلتفات الى التقصير في عبادة ربه وطاعته، عن ابان بن تغلب قال: قلت للإمام جعفر الصادق عليه السلام: اني رأيت علي بن الحسين عليه السلام اذا قام الى الصلاة غشي لونه لون آخر فقال لي: والله ان علياً بن الحسين كان يعرف الذي يقوم بين يديه( ).
أي ان الأئمة واصحابهم يشهدون للإمام السجاد بتقواه وانقطاعه الى الصلاة ولقد اسس السجاد مدرسة الخضوع والخشوع في الصلاة وهذا التأسيس انما هو احياء لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان اقرب الناس الى ربه واكثرهم خشوعاً وخضوعاً في صلاته ومن قبل كان ابراهيم عليه السلام، وفي التنزيل إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ.
ولقد اعطى الإمام السجاد دروساً نافعة في الأمانة، ووجوب صيانتها، وحفظها تأديباً للناس ، ومحافظة على تعاهد القيم الإسلامية في المجتمعات حتى لقبه الناس بالأمين.
قال عليه السلام: لو ان قاتل ابي اودع عندي السيف الذي قتل به ابي لأديته اليه،
وقال ابن سعد في الطبقات : كان علي بن حسين يبخل فلما مات وجدوه يقوت مائة أهل بيت بالمدينة في السر. قالوا وكان علي بن حسين ثقة مأمونا كثير الحديث عاليا رفيعا ورعا( ).
لقد اجمع معاصروا الإمام عليه السلام من الفقهاء وكتاب السير على اختلافهم على الثناء على الإمام والإجتهاد في مدحه ووصف فضائله ومكارمه التي تبرز الأمانة الى الصدارة منها لتأثيرها في المنزلة وصدق الحديث والإطمئنان اليه لذلك كان بعضهم اذا جاءه خبر مسند الى الإمام عليه السلام يقول معلقاً في اعتزاز: اخذته من عين صافية.
وذكرت للإمام السجاد عليه السلام القاب اخرى تتناسب وعلو شأنه ورفعة مقامه وتحكي خصاله الكريمة وصفاته الحميدة وتحريه مرضاة الله ونشأته جامعاً لعناصر الفضيلة واسباب الكمال منقطعاً الى الله مواظباً على عبادته لا يجد السعادة الا في مناجاته والتوجه اليه بالدعاء في جميع حوائج الدنيا والآخرة، وشيوع هذه الإلقاب عند عامة المسلمين وتعددها يدل على منزلة الإمام عليه الاسلام وما يكنه له جميع المسلمين.
قال عمر بن عبد العــزيز عندما بلغه نبأ وفاة الإمام السجاد مؤبناً: “ذهب سراج الدنيا وجمال الإسلام وزين العابدين”( ).
خاتمه
يحكي نقش خاتم الإمام عليه السلام قصة اعتماده على الله وتفويضه امره اليه ونسبته ما عنده من الخير الى الله عز وجل فقد كان خاتمه “وما توفيقي الا بالله( )، لقد كان الإمام السجاد عليه السلام متوكلاً على الله عز وجل في أموره كلها، وفيه تعظيم لشعائر الله ودعوة للمسلمين للإلتجاء الى الله والسعي في منازل التقوى والصلاح والهداية ، وفي التنزيلوَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ.
زواجه وأولاده
عندما بلغ الإمام السجاد عليه السلام السابعة عشرة من عمره زوجه ابوه الحسين عليه السلام من ابنة عمه بنت الحسن بن علي وكانت في غاية الورع وكمال التقوى إذ ترعرت في بيت النبوة والوحي، قال فيها الإمام جعفر الصادق عليه السلام كانت صديقة لم تدرك من آل الحسن سواها.
وانجبت له الإمام محمد الباقر عليه السلام سنة سبع وخمسين من الهجرة النبوية المباركة في المدينة المنورة فجمع النسب الى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم من طرف الأب والأم وهو صاحب المدرسة الفقهية الكبرى التي نهل من عذب احكامها جميع فقهاء المسلمين.
وللإمام السجاد اولاد آخرون من نساء شتى، فلقد حرص الإمام على حفظ نسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة بعد مقتل الإمام الحسين وجماعة من بني هاشم يوم عاشوراء، فكان من اولاده :
الأول : الإمام محمد الباقر عليه السلام.
الثاني : عبد الله الباهر.
الثالث : زيد.
الرابع : عمر وامهما ام ولد.
الخامس : عبد الله
السادس : الحسن.
السابع : الحسين، امهم ام ولد.
الثامن : الحسين الأصغر.
التاسع : عبد الرحمن.
العاشر : سليمان لأم ولد.
الحادي عشر : علي وكان اصغر ولده وخديجة امهما ام ولد.
الثاني عشر : محمد الأصغر امه ام ولد.
ومن البنات :
الأولى : فاطمة.
الثانية : علية .
الثالثة : ام كلثوم( ).
وقيل لم يكن له بنت.
واعقب من اولاده الإمام محمد الباقر وعبد الله الباهر- اخو الباقر لأبويه- وزيد بن علي وعمر بن علي والحسين الأصغر.
ولقد أولى الإمام السجاد عليه السلام اولاده وتربيتهم عناية واهتماماً خاصاً، فالى جانب تأديبهم بما يرونه في شخصه من مظاهر الورع ولباس التقوى وسمات السخاء فقد توارث ابناؤه والمسلمون وصاياه القيمة لأبنائه التي تتفجر بالحكمة والعلم وتهدي الى سبل الرشاد والسداد، ففي وصية له لولده يضع ضوابط الصلات الإجتماعية واسس اختيار الصديق والصاحب وفيها بيان لمعادن الناس والآثار والعواقب غير المحمودة للإقتراب من ذوي النزعات الذميمة.
وفي مرسلة محمد بن مسلم وأبي حمزة عن الإمام الصادق عن الباقر عليهما السلام قال : قال لي أبي علي بن الحسين عليهم السلام : يا بني انظر خمسة فلا تصاحبهم ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق ، فقلت : يا أبه ، من هم عرّفنيهم ؟ قال : إياك ومصاحبة الكذاب فإنه بمنزلة السراب يقرب لك البعيد ، ويبعد لك القريب ، وإياك ومصاحبة الفاسق فانه بائعك بأكلة ، وأقل من ذلك ، وإياك ومصاحبة البخيل فانه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه ، وإياك ومصاحبة الأحمق فانه يريد أن ينفعك فيضرك ، وإياك ومصاحبة القاطع لرحمه فإني وجدته ملعونا في كتاب الله في ثلاثة مواضع قال الله عزّ وجّل : ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * اولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ) وقال : ( الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض اولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ) وقال : في سورة البقرة : ( الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون)( ).
ولقد شملت وصاياه لإبنائه جوانب الحياة المختلفة فوضع لهم الأسس الكاملة لأنماط السلوك، وضمت كتب السير العديد من وصاياه تلك وفي الصحيفة السجادية باب مستقل لدعائه لولده يسأل الله فيه طول بقائهم وصلاحهم وسلامة ابدانهم والهداية لهم مع سعة الرزق وان يكونوا له قرة عين وعوناً يشد الله بهم عضده ويعملون على قضاء حوائجه.
واتخذ الإمام عليه السلام الدعاء سبيلاً لتأديب ابنائه وطريقاً الى الهداية والتوفيق باعتباره سلاح الأنبياء، الى جانب اشرافه المباشر على اعدادهم لمسؤوليات اهل بيت النبوة في المجتمع الإسلامي فاستمرت وصاياه لهم وتوجيههم حتى ساعة الوفاة اذ اوصى الإمام الباقر فيها باجتناب الظلم، كما كان يظهر لأولاده العطف والحنان واسباب الإكرام.
روي عن ابي حمزة الثمالي انه قال: كنت ازور علي بن الحسين في كل سنة مرة وقت الحج فاتيته سنة: وكان على فخذه صبي فقام عنه واصطدم بعتبة الباب فخرج منه دم فوثب اليه الإمام وجعل ينشف دمه.
وهو يقول: اني اعيذك ان تكون المصلوب بالكناسة.
قلت: بأبي انت وامي أي كناسـة.
قال: كناسة الكوفة، قلت: جعلت فداك أيكون ذلك.
قال: أي والذي بعث محمداً بالحق ان عشت بعدي لترين هذا الغلام في ناحية الكوفة مقتولاً، مدفوناً منبوشاً، مصلوباً بالكناسة ثم ينزل ثم يحرق ويدق ويذرى في البر.
قلت: جعلت فداك ما اسم هذا الغلام؟ قال: زيد.
وبعد سنوات حدث ذلك كما سيأتي تفصيله في ترجمة زيد.
اما عبد الله بن علي بن الحسين فكان فقيهاً فاضلاً ، وكان يلي صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصدقات امير المؤمنين عليه السلام وكان اخوه عمر فاضلاً ورعاً وروى اخباراً كثيرة عن ابيه علي بن الحسين وعن اخيه ابي جعفر وعن عمته فاطمة بنت الحسين( ).
وقال عنه الشيخ المفيد: كان فاضلاً ورعاً روى حديثاً كثيراً عن ابيه علي بن الحسين عليه السلام وعمته فاطمة بنت الحسين واخيه ابي جعفر الباقر، توفي بالمدينة سنة 157 للهجرة ودفن بالبقيع ويكنى أبا عبد الله.
وفي المناقب في باب امامة ابي محمد علي بن الحسين قال: بنوه اثنا عشر من امهات الأولاد الا اثنين محمد الباقر وعبد الله الباهر امهما ام عبد الله بنت الحسن بن علي عليهما السلام (روى ابو الجارود زياد بن المنذر قال: قيل لأبي جعفر الباقر عليه السلام: أي اخوتك احب اليك وافضل؟ فقال: اما عبد الله فيدي التي ابطش بها، واما عمر فبصري الذي ابصر به واما زيد فلساني الذي انطق به، واما الحسين فحليم يمشي على الأرض هوناً وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا )( )، ويظهر الحديث ما يمتاز به زيد من السداد والرشاد واتقان وجوه الحكمة وحب الإمام الباقر لأخوته ، ورعايته لهم ، وحرصه على درء الخلاق والحسد والخصومة بينهم كالذي وقع بين يوسف وأخوته.
واعتزاز الإمام عليه السلام بجميع اخوته والخصال الحميدة التي يتصفون بها حسن تأديب الإمام السجاد عليه السلام لهم واعدادهم لميادين العمل العبادية والأخلاقية ونحوها، وفيه نكتة هي ان اتصافهم بالتقوى والصلاح يحول دون معرفة الظالمين وأهل الريب للإمام بالذات والتحريض عليه.
الإمام ومماليكه
من غرر الآيات في التشريع الإسلامي نظام الرق، وما تعقبه من العتق، حتى اصبحت مسائله الفقهية من غير مصداق خارجي في هذا الزمان في الجملة، ويختص الإسترقاق باهل الحرب من الكفار دون غيرهم للإحتراز من تجدد تعديهم على المسلمين ولإختلاطهم بالمسلمين، وليروا كيف يؤدي المسلمون افعالهم العبادية.
واتسمت سيرة الإمام علي بن الحسين عليه السلام مع مماليكه بالرفق، والعطف والدعوة الى الله عز وجل باتصال المعروف، والإغداق عليهم بالبر ومعاملتهم بالإحسان، وكان لا يعاقب أمة ولا عبداً اذا اقترف ذنباً، فعاشوا متنعمين في كنف رعايته وتقواه (كان له مملوك فدعاه مرتين فلم يجبه ثم اجابه في الثالثة فقال له: يا بني اما سمعت صوتي: قال: بلا، قال: فما بالك لم تجبني، قال: امنتك، فقال: الحمد لله الذي جعل مملوكي يأمنني( ).
لقد بادر الإمام عليه السلام بالتوجه بالشكر الله الله عز وجل الذي لم يجعله جباراً ولا قاسياً مع الذين دونه، وان انقطاعه الى الله عز وجل بعث الطمأنينة في نفوسهم، لأن خوفه من الله حاجز ومانع عن ايذائهم.
وكان عليه السلام يغضي عمن اساء اليه منهم حلماً وكرماً وتأديباً وتثبيتاً لقيم الإسلام في نفوسهم واصلاحاً للصلة بين السيد والعبد في المجتمعات الاسلامية.
واذا كان آخر شهر رمضان جمع عبيده واخرج كتاباً كان قد دوّن فيه ذنوبهم وتأريخ كل منها، ثم يقول لهم: ارفعوا اصواتكم وقولوا: يا علي بن الحسين ان ربك قد احصى عليك كل ما عملت، كما احصيت علينا كل ما عملناه ولديهكِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ، [لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً] لا يغادر صغيرة ولا كبيرة مما اتيت الا احصاها وتجد كل ما عملت لديه حاضراً، كما وجدنا كل ما عملنا لديك حاضراً، فاعف واصفح كما ترجو من المليك العفو، وكما تحب ان يعفو المليك عنك، فاعف عنا تجده عفواً، وبك رحيماً ولك غفوراً، ولا يظلم ربك احداً، كما لديه كتاب ينطق بالحق علينا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة مما اتيناها الا احصاها.
فاذكر يا علي بن الحسين ذل مقامك بين يدي ربك الحكم العدل الذي لا يظلم مثقال حبة من خردل، ويأتي بها يوم القيامة، وكفى بالله حسيباً وشهيداً، فاعفُ واصفح يعف عنك المليك ويصفح، فانه يقول وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفرَ اللَّهُ لَكُمْ.
هذا وهو واقف وسط جماعتهم يبكي من خشية الله ، ويقول: ربنا انك امرتنا ان نعفو عمن ظلمنا، وقد عفونا عمن ظلمنا كما امرت فاعفُ عنا فانك اولى بذلك منا ومن المأمورين وامرتنا ان لا نرد سائلاً عن ابوابنا، وقد اتيناك سؤالاً ومساكين، وقد انخنا بفنائك وببابك نطلب نائلك ومعروفك، وعطاءك فامنن بذلك علينا ولا تخيبنا فانك اولى بذلك منا ومن المأمورين، إلهي كرمت فاكرمني، اذا كنتُ من سؤّالك وجدتَ بالمعروف فاخلطني باهل نوالك، يا كريم.
ثم يقبل عليهم بوجه ملؤه الخشوع وزاده جريان دموع عينيه هيبة وجلالاً فيقول لهم:
قد عفوت عنكم، فهل عفوتم عني؟ وما كان مني من سوء ملكة، فاني مليك سوء لئيم ظالم، مملوك لمليك كريم، جواد، عادل، محسن.
فيقول العبيد بصوت واحد: قد عفونا عنك يا سيدي فيطلب منهم ان يقولوا:
اللهم اعف عن علي بن الحسين كما عفا عنا واعتقه من النار كما اعتق رقابنا من الرق، فيقولون ذلك.
ويقول بعدهم راجياً الإستجابة: اللهم آمين رب العالمين.
اذهبوا فقد عفوت عنكم واعتقت رقابكم رجاء للعفو عني، وعتق رقبتي، فاذا كان يوم عيد الفطر اجازهم جائزة سنية تصونهم وتغنيهم عما في ايدي الناس.
وهذا العمل المبارك من الإمام عليه السلام درس وموعظة وبعث وترغيب للآخرين على عتق عبيدهم والرأفة بهم واظهار سمو ورفعــة الأخـلاق الإســلامية معهـم ترسيخــاً للإيمــان في نفوسـهم.
لقد كانت سيرة الإمام السجاد عليه السلام مع المماليك صفحة مشرقة من النظام الإجتماعي في الإسلام لما فيها من الشواهد المنيرة والأخلاق السامية فهي حجة بوجه من يحاول الطعن في نظام المماليك.
وعن فاطمة بنت الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام (قالت : قال أبي ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : من أعتق نسمة ، مسلمة أو مؤمنة ، وقى الله بكل عضو منه عضوا من النار)( ).
لقد كان الإمام عليه السلام دائباً على عتق العبيد وتحريرهم وربما اشترط عليهم التفقه في الدين وعلوم القرآن، وكان يحرص على حاجات مماليكه ويتفقدهم.
عن عبد الله بن مسكان عن علي بن الحسين عليه السلام: انه كان يدعو خدمه كل شهر ويقول اني قد كبرت ولا اقدر على النساء فمن اراد منكن التزويج زوجتها أو البيع بعتها أو العتق أعتقتها ، فاذا قالت احداهن : لا، قال : اللهم اشهد ، حتى يقول ثلاثا ، وإن سكتت واحدة منهن قال لنسائه : سلوها ما تريد ، وعمل على مرادها( ).
أي ان الإمام عليه السلام يكرم الإماء ويعرض عليهن وجــوه الخيــار ليكــون الـرق نوع ضمان واكرام ومناسبة للإختيار.
وأخرج البيهقي عن علي بن الحسين ، أن جارية جعلت تسكب عليه الماء يتهيأ للصلاة ، فسقط الإبريق من يدها على وجهه فشجه ، فرفع رأسه إليها فقالت : إن الله يقول { والكاظمين الغيظ } قال : قد كظمت غيظي قالت { والعافين عن الناس } قال : قد عفا الله عنك قالت {والله يحب المحسنين } قال : اذهبي فأنت حرة والله يحب المحسنين } قال : اذهبي فأنت حرة( ).
شفقة الإمام وصدقاته
لقد أولى الإسلام الفقراء والمساكين عناية خاصة، وجاءت الآيات القرآنية بالحث على اطعامهم واعطائهم سهامهم من الصدقات، فتكون سيرة الإمام عليه السلام في مماليكه مصداقاً عملياً لأحكام الشريعة ، ورداً متقدماً على أولئك الذين أعابوا على الإسلام نظام الرق والعبيد من غير ان يعرفوا فلسفته وغاياته السامية التي تجلت في هذه الأزمنة بزواله تلقائياً بعد التأهيل العقائدي وتنمية ملكة التقوى والصلاح عندهم.
ولقد اوصى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم برعايتهم والحنو عليهم (وعن ابي بصير قال: قلت لأبي عبد الله الصادق قول الله إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ… ، قال: الفقير الذي يسأل ، والمسكين أجهد منه، والبائس أجهدهما( ).
ولقد كان الإمام علي بن الحسين مدرسة في انعاشه للفقراء، ومتفانياً في السعي لرفع البؤس عنهم، وتغذية روح الصبر وعناوين الأمل عندهم والإعتزاز بالانضواء تحت راية الإسلام ليزدادوا حرصاً على التقيد باحكامه والإلتزام بآدابه.
فكان يسره ان يرى على مائدة طعامه الفقراء واليتامى والزمنى ، فيناولهم الطعام بيده، ولقد ورد في الأخبار انه كان يطعم الناس اطعاماً عاماً وقت الظهر في بيته بالمدينة المنورة، وكان يحمل الحطب على ظهره للذين يعجزون عن توفيره.
وعندما ينتصف الليل ويخيم السكون على مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخرج الإمام من بيته حاملاً جرابه على ظهره ليطوف به على بيوت الفقراء فيها فيرمي لهم من وراء الجدار ما طاب من الطعام والمأكولات.
وقد نقل الرواة انه كان يتصدق باللوز والسكر لأنه كان يحب اكلهما، وعندما سئل عن ذلك تلا قوله تعالى لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ أي انه عليه السلام لا يعمل الا بالقرآن ومنهج آياته، ويسعى الى بلوغ الغايات الأخروية بما رسمه القرآن من اعمال الصلاح.
كان يحب صدقة السر ويحرص عليها لأنها تطفئ غضب الرب، ويسعى في تأديب ونصح وهداية ابناء الفقراء ويتوجه الى الله تعالى طلباً للرزق، وبالإسناد عن سفيان بن عيينة قال: رأى الزهري علي بن الحسين عليه السلام في ليلة باردة مطيرة وعلى ظهره دقيق وحطب وهو يمشي فقال يا ابن رسول الله ما هذا؟ قال: اريد سفراً اعد له زاداً احمله الى موضع حريز، فقال الزهري: فهذا غلامي يحمله عنك، فابى الإمام عليه السلام.
قال: انا احمله عنك فاني ارفعك عن حمله، فقال علي بن الحسين: لكني لا ارفع نفسي عما ينجيني في سفري ويحسن ورودي على ما ارد عليه، اسألك بحق الله لما مضيت لحاجتك وتركتني فانصرف عنه.
فلما كان بعد ايام قال له: يا ابن رسول الله لست ارى لذلك السفر الذي ذكرته اثراً.
قال: بلى يا زهري ليس ما ظننته ولكنه الموت، وله كنت استعد، انما الإستعداد للموت تجنب الحرام وبذل الندى والخير( ).
وكان الفقراء يقفون على ابواب بيوتهم ينتظرون مجيئه في غلس الليل البهيم، وعندما يطل عليهم المحسن المتلثم حاملاً هباته وعطاياه يقولون وهم مستبشرون: جاء صاحب الجراب، قال الذهبي: انه كان كثير الصدقة في السر، وكانت بيوتات من اهل المدينة المنورة يعيشون وهم لا يعرفون الذي يأتيهم بالطعام، وقد تقدم انها مائة بيت.
وفي ليلة وفاة الإمام انقطع عنهم الذي يأتيهم من الطعام ليلاً قال ابن عائشة: سمعت اهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين.
لقد كان الإمام عليه السلام يجتهد في ترسيخ الأخلاق الحميدة والقيم الإسلامية، ويدعو بسلوكه الى التقيد بأحكام القرآن وبما اوصى به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فينفق جل ماله على الفقراء والمحتاجين ليتذوقوا طعم الكرامة في رحاب الإسلام ويزدادوا حرصاً على اداء الفرائض وينظروا الى المستقبل بعين الأمل والى المجتمع بالود والرضا ولتكون قلوبهم منقطعة الى الله خالية من الحقد والزيغ.
لقد اعطى الإمام علي بن الحسين عليه السلام مثلاً للحنو على الفقراء فكان رائد هذا المضمار وفتح طريقاً للمحسنين لإستثمار مغانم صدقة السر وما فيها من الأجر وعظيم الثواب.
قال عليه السلام: ما من رجل تصدق على مسكين مستضعف فدعا له المسكين بشيء في تلك الا استجيب له( ).
وعندما غسل الإمام بعد وفاته وجد على كتفيه جلب( ) كجلب البعير فقيل لأهله ما هذه الآثار ، فقالوا: من حمل الطعام في الليل يدور به على منازل الفقراء( ).
لقد كان استشهاد الإمام وأوان وفاته موعظة ومدرسة وعبرة للأغنياء والفقراء معاً، وهو درس للأغنياء بلزوم الإنفاق من أموالهم ونشر البر والإحسان، وسكينة للفقراء وحث لهم على الصبر.
وكان عليه السلام يلبس الثياب الحسنة ويتخذها زينة في طاعة الله وتمتعاً بنعمه ومناسبة للشكر فيلبس الخز في الشتاء وثوبين من متاع مصر في الصيف، ولكنه يتصدق بها عند انتهاء موسمها ويعطيها احياناً لمن يتعفف عن قبول الصدقة.
وكان الإمام يقول: اني لأستحي من ربي ان آكل ثمن ثوب قد عبدت الله فيه( ).
عن الزهري، قال: كنت عند علي بن الحسين عليه السلام فجاءه رجل من أصحابه، فقال له علي بن الحسين عليه السلام: ما خبرك أيها الرجل ؟ فقال الرجل: خبري يا ابن رسول الله أني أصبحت وعلي أربعمائة دينار دين لاقضاء عندي لها، ولي عيال ثقال ليس لي ما أعود عليهم به، قال: فبكى علي بن الحسين عليه السلام بكاءا شديدا، فقلت له: ما يبكيك يا ابن رسول الله ؟ فقال: وهل يعد البكاء إلا للمصائب والمحن الكبار ؟ ! قالوا: كذلك يا بن رسول الله، قال: فأية محنة ومصيبة أعظم على حر مؤمن من أن يرى بأخيه المؤمن خلة فلا يمكنه سدها ويشاهده على فاقة فلا يطيق رفعها، قال: فتفرقوا عن مجلسهم ذلك، فقال بعض المخالفين – وهو يطعن على علي بن الحسين عليه السلام -: عجبا لهؤلاء يدعون مرة أن السماء والارض وكل شئ يطيعهم، وأن الله لا يردهم عن شئ من طلباتهم، ثم يعترفون اخرى بالعجز عن إصلاح حال خواص إخوانهم، فاتصل ذلك بالرجل صاحب القصة، فجاء إلى علي بن الحسين عليه السلام فقال له: يا ابن رسول الله بلغني عن فلان كذا وكذا، وكان ذلك أغلظ علي من محنتي، فقال علي بن الحسين عليه السلام: فقد أذن الله في فرجك، يا فلانة احملي سحوري وفطوري، فحملت قرصتين، فقال علي بن الحسين عليه السلام للرجل: خذهما فليس عندنا غيرهما فان الله يكشف عنك بهما وينيلك خيرا واسعا منهما، فأخذهما الرجل ودخل السوق لا يدري ما يصنع بهما يتفكر في ثقل دينه وسوء حال عياله ويوسوس إليه الشيطان أين موقع هاتين من حاجتك، فمر بسماك قد بارت عليه سمكة قد أراحت، فقال له: سمكتك هذه بائرة عليك وإحدى قرصتي هاتين بائرة علي فهل لك أن تعطيني سمكتك البائرة وتأخذ قرصتي هذه البائرة ؟ فقال: نعم، فأعطاه السمكة وأخذ القرصة، ثم مر برجل معه ملح قليل مزهود فيه فقال: هل لك أن تعطيني ملحك هذا المزهود فيه بقرصتي هذه المزهود فيها ؟ قال: نعم ففعل فجاء الرجل بالسمكة والملح فقال: اصلح هذه بهذا، فلما شق بطن السمكة وجد فيه لؤلؤتين فاخرتين فحمد الله عليهما فبينما هو في سروره ذلك، إذ قرع بابه، فخرج ينظر من بالباب، فإذا صاحب السمكة وصاحب الملح قد جاءا يقول كل واحد منهما له: يا عبد الله جهدنا أن ناكل نحن أو أحد من عيالنا هذا القرص فلم تعمل فيه أسناننا، وما نظنك إلا وقد تناهيت في سوء الحال ومرنت على الشقاء، قد رددنا إليك هذا الخبز وطيبنا لك ما أخذته منا، فأخذ القرصتين منهما، فلما استقر بعد انصرافهما عنه، قرع بابه، فإذا رسول علي بن الحسين عليه السلام فدخل فقال: إنه يقول لك: إن الله قد أتاك بالفرج فاردد إلينا طعامنا فانه لا يأكله غيرنا، وباع الرجل اللؤلؤتين بمال عظيم قضى منه دينه وحسنت بعد ذلك حاله، فقال: بعض المخالفين: ما أشد هذا التفاوت، بينا علي ابن الحسين لا يقدر أن يسد منه فاقة إذا أغناه هذا الغناء العظيم، كيف يكون هذا ؟ وكيف يعجز عن سد الفاقة من يقدر على هذا الغناء العظيم ؟ فقال علي بن الحسين عليه السلام: هكذا قالت قريش للنبي صلى الله عليه وآله: كيف يمضي إلى بيت المقدس ويشاهد ما فيه من آثار الانبياء من مكة ويرجع إليها في ليلة واحدة من لا يقدر أن يبلغ من مكة إلى المدينة إلا في اثني عشر يوما ، وذلك حين هاجر منها.ثم قال علي بن الحسين عليه السلام: جهلوا والله أمر الله وأمر أوليائه معه، إن المراتب الرفيعة لا تنال إلا بالتسليم لله جل ثناؤه، وترك الاقتراح عليه والرضا بما يدبرهم به، إن أولياء الله صيروا على المحن والمكاره صبرا لم يساوهم فيه غيرهم فجازاهم الله عزوجل بأن أوجب لهم نجح جميع طلباتهم، لكنهم مع ذلك لا يريدون منه إلا ما يريده لهم( ).
إعانة الأخوان
وكان الإمام علي بن الحسين عليه السلام يسارع في مواساة الآخرين، والتخفيف عن اهل الإيمان بقضاء حوائجهم وديونهم او بالمبادرة الى حسن الإعتذار ، ويجتهد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال الزهري: كنت عند علي بن الحسين عليه السلام فجاء رجل من اصحابه فقال له: اني اصبحت وعلي اربعمائة دينار دين، ولا اتمكن من قضائها وعندي عيال، ولم يكن عند الإمام في ذلك الوقت شيء من المال ليسعفه به فبكى عليه السلام وقال: اية محنة او مصيبة اعظم على حر مؤمن من ان يرى بأخيه المؤمن خلة فلا يمكنه سدها.
ولم ينحصـر قضـاؤه للحوائج في اطار الأصحاب والأصدقاء بل انه يتعـدى ليـطال الأعداء وينال اهل البغضـاء والخصـومة كل ذلك طلباً لما عند الله من الثواب الجزيل واشاعة لمكارم الاخلاق ولتتفشـى في المجتمعــات صفــات السمو والرفعة ولتوكيد قاعدة كبرى وهي ان آل محمد أرأف الناس بالناس فلا يجاريهم أحد بالشـفـقـة والعفــو وكظــم الغيــظ ومجـــازاة الســيئة بالحســنــة قال تعالى وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
وفي مسارعته للخيرات : كان عليه السلام يقول : ان عدوي يأتيني بحاجة فابادر الى قضائها خوفاً من ان يسبقني احد اليها او ان يستغني عنها فتفوتني فضيلتها.
وكان ابياً عزيز النفس نازعاً حب الدنيا من قلبه، قال عليه السلام: “من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا”( ).
ولكنه مع هذا كان اذا سار في الطريق لا يؤذي احداً، وعلامات الذل والخضوع لله عز وجل ظاهرة بوضوح عليه بل انه ينزل من دابته لينحي بيده الكريمة من الطريق ما يؤذي المارة من حجر او مدر( ).
وكان يصبر بوقار على الزحام ولا يستحوذ على الطريق ولا يرضى بازاحة الناس عن طريقه بل يقول: هو مشترك وليس لي ان انحي عنه احداً.
وكان الإمام عليه السلام يحذر من رد السائل، وينهي عن حرمانه من العطاء ويتابع امر رعاية الفقراء واهل الحاجة والمسألة ومنع قهرمانه من اجتذاذ النخل في الليل لأن ذلك يحرم الفقراء من حضوره والحصول على العطاء، وقال لقهرمانه لما جذ النخل في آخر الليل: لا تفعل الا تعلم ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الحصاد والجذاذ بالليل، وكان يقول: الضغث تعطيه من يسأل فذلك حقه يوم حصاده( ).
وكان عليه السلام يغطي وجهه اذا اعطى احد شيئا لئلا يعرفه او يدخله الحياء وذل السؤال، وكان يحث اهل بيته على الصدقة ويأمرهم بالإحسان الى السائل ويحذرهم من عواقب رده والإعراض عن مسألته.
قال سعيد بن المسيب : حضرت علي ابن الحسين عليه السلام يوما حين صلى الغداة فإذا سائل بالباب، فقال علي بن الحسين: أعطوا السائل، ولا تردوا سائلاً( ).
وكان يرحب بالسائل ويقول له: مرحباً بمن يحمل زادي الى الآخرة.
وفيه دعوة للمسلمين جميعاً باستثمار فرصة مجئ السائل للتقرب الى الله عز وجل خصوصاً وانه يجزي القليل في عطائه، وان منافعه لا تنحصر بالآخرة بل تشمل أيام الحياة الدنيا بزيادة الرزق ودفع البلاء.
انه فرع كريم من شجرة النبوة وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عنوان الكرم ومنبع الإحسان والعطاء، عن الصادق عليه السلام: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان له يسأله أحد من الدنيا شيئا الاأعطاه ، قال : فأرسلت اليه امرأة ابنا لها فقالت : انطلق إليه فاسأله فان قال : ليس عندنا شيء ، فقل : أعطني قميصك ، فأتاه الغلام فسأله ، فقال النبي صلى الله عليه و آله : ليس عندنا شيء ، فقال : فأعطني قميصك ، فأخذ قميصه فرمى به اليه ، فادبه الله على القصد فقال وَلاَ تَجْعَــلْ يَدَكَ مَغْلُولَـةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ( ).
وكان الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام مقتدياً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يجاريه احد في كرمه وسخائه، وعنه عليه السلام قال: كنت اصلي في المسجد فجاء سائل وانا راكع فناولته خاتمي من اصبعي فانزل الله تعالى إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ .
وفي الإمام علي وفاطمة سيدة نساء العالمين والحسن والحسين عليهم السلام نزلــت الآيـة التي خلدت اطعامهــم للمساكين وايثارهم تقرباً الى الله عز وجل قال تعالى وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا، ثم كان علي بن الحسين عليه السلام يتعاهد هذه المنقبة، ويؤكد وراثته لسسن بيت النبوة واخلاق أصحاب الكساء، ومن الآيات ان الناس لا ترضى من اهل البيت الا التأسي الحسن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسنته الشريفة وتعاهد الأخلاق الحميدة.
ومع هذا العطاء والإحسان المتتالي من أهل البيت وكثرة المصائب التي توالت على الإمام السجاد واشتغاله طيلة ساعات الليل والنهار بالعبادة فانه كان وجلاً خائفاً من التقصير في حق المساكين ويتوقى دعاءهم وظلامتهم.
فقد روى ابو حمزة الثمالي قال: صليت مع علي بن الحسين الفجر بالمدينة يوم جمعة فلما فرغ من صــلاته نهض الى منزلـه وانا معه فدعا مولاة له تسمى سكينة
فقال لها: لا يعبر على بابي سائل الا اطعمتموه فان اليوم يوم الجمعة، فقال له ابو حمزة: ليس كل من يسأل مستحقاً، فقال عليه السلام: اخاف ان يكون بعض من يسألنا مستحقاً فلا نطعمه، ونرده فينزل بنا اهل البيت ما نزل بيعقوب وآله اطعموهم، اطعموهم، ان يعقوب كان يذبح كل يوم كبشاً فيتصدق منه، ويأكل منه هو وعياله وان سائلاً مؤمناً صواماً مستحقاً له عند الله منزلة اجتاز على باب يعقوب يوم جمعة عند اوان افطاره فجعل يهتف على بابه اطعموا السائل الغريب الجائع من فضل طعامكم وهم يسمعونه قد جهلوا حقه ولم يصدقوا قوله فلما يئس منهم وغشيه الليل مضى على وجهه وبات طاوياً يشكوا جوعه الى الله وبات يعقوب وآل يعقوب شباعاً بطاناً وعندهم فضلة من طعامهم.
فاوحى الله الى يعقوب في صبيحة تلك الليلة لقد اذللت عبدي ذلة استجررت بها غضبي واستوجبت بها ادبي، ونزول عقوبتي وبلواي عليك، وعلى ولدك.
يا يعقوب أحب انبيائي اليّ واكرمهم عليّ من رحم مساكين عبادي وقربهم اليه، واطعمهم وكان لهم مأوى وملجأ.
يا يعقوب اما رحمت عبدي المجتهد في عبادته القانع باليسير من ظاهر الدنيا.
اما وعزتي لأنزلن بك بلواي، ولأجعلنك وولدك غرضاً للمصائب.
فقال ابو حمزة: جعلت فداك متى رأى يوسف الرؤيا.
قال: في تلك الليلة التي بات فيها يعقوب وآله شباعاً، وبات السائل الفقير طاوياً جائعاً.
لقد اتخذ الإمام عليه السلام من قصة يوسف ورؤياه عبرة وموعظة وهو من تجليات قوله تعالى لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبرَةٌ لِأُوْلِي الأَلبَابِ ويبدأ بالإمتثال وحسن الإتعاظ والإنقياد بنفسه وينفق من ماله عليه السلام، لينتفع المسلمون من فعله ويقتدون ويبادرون إلى الإنفاق في سبيله واعانة المساكين التي ندب لها الشارع بالإضافة الى رجحانها عقلاً وعرفاً، وهذا الإعتبار نوع ارتقاء في انماط السلوك الإيماني اختص به المسلمون وائمتهم بجهاد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم واهل بيته وفي التنزيلوَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ.
الإمام والناس
للصلات الإجتماعية والسيرة بين الناس أحكام ندبت اليها الشريعة تساهم في بناء مجتمع سليم متماسك وحياة كريمة تهيء مناخاً لإتيان الصالحات وواقعاً ملائماً لأفعال العبادة والتقوى وغياب الظلم بين البشر، ولقد تميز سلوك الإمام علي بن الحسين عليه السلام بالخلق الرفيع حيث تجلت فيه معالم الآداب الإسلامية، كان يقابل كل انسان بالود والإكرام ويحترم جلساءه ويوقرهم.
قال عليه السلام : ما جلس الي احد قط الا عرفت له فضله.
التقى به نصر بن أوس الطائي : فرحب به الإمام كعادته مع كل انسان وجليس وقال له مم انت؟ اجاب: من طيء، قال الإمام: حياك الله، وحيا قوماً اعتزيت اليهم، نعم الحي حيك، قال : قلت من انت؟ قال : أنا علي بن الحسين ، قلت : او لم تقتل مع ابيه، قال : لو قتل يا بني لم تره( ).
وكان لا يرضى ان يساء الى أي أحد من جلسائه ولا يغادره اكرام الآخــرين حتى مــع الذي يحسب أنه من اعدائه يحرضــه على مقابلــة الإسـاءة بالإحسان اداء لوظيفته في الحياة وتأســياً بجده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال : إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق)( ).
كان الإمام عليه السلام يصلي في اليوم والليلة الف ركعة وكان اهل زمانه ينظرون الى ذلك بعين الهيبة والرضا فدخل عليه احد اعدائه، وقال له: هل تعرف الصلاة؟ فاراد أحد أصحاب الإمام وهو ابو حازم الوقيعة به، فزجره الإمام وقال له بلطف مهدئاً ومظهراً كظم الغيظ: مهلاً يا ابا حازم ان العلماء هم الحلماء الرحماء، ثم التفت الى الرجل وقال له والسكينة تعلو محياه البهي: نعم اعرفها.
فاخذ الرجل يسأل عن خصوصيات الصلاة، والإمام يجيبه عنها حتى خجل الرجل وراح يعتذر للإمام وهو يقول له: ما تركت لأحد حجة.
وكان يغضي عن الإساءة تكرماً وحلماً، ويبادر الى الصفح والعفو عمن ظلمه، ولا يتوانى عن الإحسان اليهم، وورد في الأخبار ان اسماعيل بن هشام المخزومي والي المدينة كان يبالغ في ايذاء الإمام زين العابدين ويشتم آباءه على المنابر فلما ولي الوليد بن عبد الملك الخلافة بادر الى عزله والوقيعة به لهنات كانت بينهما قبل ان يلي الملك والحكم، واوعز بايقافه للناس لإستيفاء حقوقهم منه.
فخاف اسماعيل من الإمام علي بن الحسين، وفزع من كثرة اساءته واعتدائه عليه وقال: ما اخاف الا من علي بن الحسين فانه رجل صالح يسمع قوله فيّ.
ولكن الإمام عليه السلام أصدر أوامره الى بني هاشم ومواليه ان لا يتعرضوا له بمكروه، ووقف عليه في محنته ليواسيه ويعرض عليه مساعدته وهو يقول: يا ابن العم عافاك الله لقد ساءني ما صنع بك فادعنا الى ما احببت، فاجاب اسماعيل بن هشام بذهول واعجاب [ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ] ( )( ).
ومن بين أدعية الصحيفة السجادية دعاء يتضمن سؤال التجاوز عن ظالميه فيما ارتكبوه ازاءه من الإساءة والإعتداء تبرعاً بعنوان الصدقة ورجاء عفوه تعالى ودرساً في تهذيب النفوس وتخليصها من الكدورات الظلمانية لتتوجه الى الباري تعالى في العبادة والمسألة.
ان تعلقه بما عند الله جعله يترك ما له عند الناس ولا يريد استيفاء حقوقه منهم، ولا يظهر لهم عين العفو والرحمة، واهل بيت النبوة أحق بالرأفة بالناس ، وقد عجز البيان عن وصف سيرة واخلاق علي بن الحسين في هذا الباب، وأورد المؤرخون الكثير من الوقائع التي تعكس ما يجسده سمته ودماثة خلقه من نبل وشرف وسمو.
وعن الإمام علي بن الحسين عليه السلام قال : ولى علينا عبد الملك بن مروان طارقاً مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه. قال الإمام : فمشيت إلى سالم بن عبد الله بن عمر، وإلى القاسم بن محمد بن أبي بكر، وإلى أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، فقلت: اذهبوا بنا إلى هذا الرجل نسلم عليه وندفع بذلك عن أنفسنا.
قال: فأتيناه فسلمنا عليه فأجلسنا عنده، ثم قال لنا: أيكم سعد بن المسيب؟ قال: فكلمه القاسم بن محمد، فقال له: أصلحك الله، إن سعيد بن المسيب قد رفعت عنه الولاة إتيانها، وقد ألزم نفسه المسجد، فليس يبرح منه، قال: رغب أن يأتيني، والله لأقتلنه، والله لأقتلنه، والله لأقتلنه – ثلاثاً – قال القاسم: فضاق بنا المجلس حتى قمنا، فجئت المسجد فتطلعت فيه فإذا سعيد بن المسيب عند اسطوانته جالس، فدخلت عليه فأخبرته بما كان وقلت له: أرى لك أن تخرج الساعة إلى مكة فتعتمر وتقيم بها، قال: ما حضرتني في ذلك نية، وإن أحب الأعمال إلي ما نويت، فقلت له: فإني أرى أن تخرج إلى بعض منازل إخوانك فتقيم فيه حتى ننظر ما يكون من الرجل .
قال:فكيف أصنع بهذا الداعي الذي يدعوني في كل يوم وليلة خمس مرات، والله لا دعاني إلا أجبته على أي حال كان، قلت له: فإني أرى أن تقوم من مجلسك هذا فتجلس إلى بعض هذه الأساطين فإنك إن طلبت فإنك تطلب عند اسطوانتك .
قال : ولمَ أقوم من موضعي هذا الذي قد أتاني الله فيه العافية من كذا وكذا سنة، قلت له: رحمك الله، أما تخاف على نفسك كما يخاف الناس ؟ .
فقال لي: والله لا أحلف بالله كاذباً ما خفت شيئاً سواه، قلت له: فبماذا أقوم من عندك رحمك الله، فقد غممتني، فقال : تقوم بخير، أسأل الله رب العرش العظيم أن ينسيه ذكري .
قال : فانصرفت من عنده فجعلت أسأل فرط الأيام هل كان في المسجد خبر؟ فلا أخبر إلا بخير. قال: فأقام علينا والياً سنة لا يذكره ولا يخطر بباله حتى إذا عزل وصار بوادي القرى من المدينة على خمس مراحل، قال لغلامه وهو يوضئه: ويحك أمسك، واسوءتاه من علي بن الحسين، ومن القاسم بن محمد، ومن سالم بن عبد الله، ومن أبي سلمة بن عبد الرحمن، حلفت بين أيديهم ثلاثة أيمان لأقتلن سعيد بن المسيب، والله ما ذكرته إلا في ساعتي هذه، فقال له غلامه : يا مولاي تأذن لي أن أكلمك؟ قال: نعم، قال: فما أراد الله لك خيراً مما أردت لنفسك إذ أنساك ذكره. فقال له: اذهب فأنت حر( ).
وكان طارق هذا قد حضر ومعه خمسة آلاف من أصحابه بعثهم عبد الملك مدداً للحجاج في قتاله ابن الزبير سنة اثنتين وسبعين للهجرة ، فلم يطف طارق بالبيت ولم يصل إليه وهو محرم.
في البيت ومع العيال
لقد اظهر الإمام السجاد عليه السلام اسمى معاني الود واليسر مع أهل بيته وأصحابه وجيرانه ومن كان يحبه ويتصل به.
كان يخرج في الصباح الباكر لطلب الرزق لعياله فقيل له: الى اين تذهب؟ فقال: اتصدق لعيالي من طلب الحلال فانه من الله عز وجل صدقة عليهم، وكان يساعد عياله في حوائجهم ويتولى بنفسه توفير مستلزمات معيشتهم (وروي انه قال: لأن ادخل السوق ومعي دراهم ابتاع بها لعيالي لحماً وقد قرموا( ) احب الي من عتق نسمة( ).
ولا يعني هذا التعارض بين الإنفاق على العيال والصدقة كما ظن جماعة بل انه يبين الأولوية والتقدم الرتبي كما بيناه في رسالتنا العملية (الحجة) ولأن الإنفاق على العيال واجب ، والصدقة اما واجبة أو ومستحبة، وهي في طول النفقة على العيال وليس في عرضها او مزاحمة لها.
وكان لا يسأل عياله شيئاً مخافة وقوعهم في التقصير وما يترتب عليه من الآثار، فيتولى بنفسه ما يحتاجه خصوصاً في شؤون العبادة وكانت صلاته وانقطاعه الى الله خير موعظة ودليل رشد الى طريق الهداية.
وعن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين عليهما السلام قال : إن أحبكم إلى اللّه تعالى أحسنكم عملآَ، وإن اعظمكم عنداللّه عملاً أعظمكم فيما عنداللّه رغبة، وإن أنجاكم من عذاب اللّه أشدكم خشية، وإن أقربكم من اللّه جل ذكره أوسعكم خلقاً، وإن أرضاكم عندالله أشبعكم لعياله ، وإن أكرمكم عند اللّه أتقاكم( ).
مع بني هاشم والصحابة
كان عليه السلام يتفقد بني هاشم ويحرص على صلتهم ، ويظهر السرور والغبطة عندما يلتقي ببعضهم، ويتغاضى عن أذاهم ويعفو عن مسيئهم، ولم تحجب اساءتهم له احسانه المتصل لهم لما كان يوليه من عناية بصلة الرحم خاصة وانها منسأة للأجل.
كان الإمام يأتي لإبن عم له ليلاً فيناوله شيئاً من الدنانير، فيقول له العلوي: ان علي بن الحسين لا يوصلني ويدعو عليه فيسمع الإمام ذلك، ويغضي عنه، ولا يعرفه بنفسه، ولما توفي الإمام، فقد العلوي الصلة فعلم ان الذي كان يوصله هو الإمام فكان يأتي الى قبره باكياً ومعتذراً منه( ).
لقد كان البر والإحسان الصبغة العامة لصلات الإمام مع جميع الناس وكل منهم يستشعر منه الأمان، ويتلقى منه الدروس في مكارم الأخلاق ويتزود منه التقوى.
واستمر الإمام عليه السلام في اظهار معاني الإكرام والتقدير لأصحاب رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابنائهم وحرص على صلتهم فكان يبالغ في الترحيب بهم في مجلسه، ويمتلئ غبطة عندما يذكرون حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
كما انه لم ينقطع عن زيارتهم وعيادة مرضاهم وتفقد حاجاتهم، (مرض محمد بن اسامة بن زيد فعاده الإمام عليه السلام فبكى محمد حينما رآه، قال له الإمام: ما يبكيك؟ قال: عليّ دين، قال: كم هو؟ قال: خمسة عشر الف دينار، قال الإمام: هو عليّ( ).
وورد في خبر الفضيل عن ابي عبد الله عليه السلام لما حضر محمد بن اسامة الموت دخل عليه بنو هاشم فقال لهم: قد عرفتم قرابتي ومنزلتي منكم وعليّ دين، فاحب ان تقضوه عني، فقال علي بن الحسين عليه السلام: ثلث دينك علي، ثم سكت وسكتوا، فقال علي بن الحسين عليه السلام: علي دينك كله، ثم قال عليه السلام: اما انه لم يمنعني ان اضمنه اولاً الا كراهة ان يقولوا سبقنا ( ).
لذا لا يشترط في صحة الضمان العلم بمقدار الدين او جنسه، فمن وجوه الإستدلال عليه ضمان علي بن الحسين عليه السلام هذا لإفادته الإطلاق والإمضاء له في حد الكثرة والقلة.
بالإضافة الى ضمانه لدين عبد الله بن الحسن فقد ورد في الفقيه: روى انه احتضر عبد الله بن الحسن فاجتمع اليه غرماؤه فطالبوه بدين لهم فقال لهم: ما عندي ما اعطيكم ولكن ارضوا بمن شئتم من اخي وبني عمي علي بن الحسين عليه السلام او عبد الله بن جعفر فقال الغرماء: اما عبد الله بن جعفر فملي مطول، واما علي بن الحسين فرجل لا مال له صدوق وهو احبهما الينا، فارسل اليه فاخبره الخبر فقال عليه السلام: اضمن لكم المال الى غلة ولم يكن له غلة فقال القوم: قد رضينا فضمنه، فلما اتت الغلة اتاح الله عزو جل له المال فأداه( ).
وفي الحديث مسائل:
1- ظهور الحاجة والفاقة على اهل البيت عليهم السلام يومئذ وازدياد الديون عليهم وهو عائق دون القيام بالمسؤوليات العقائدية والإجتماعية المنوطة على عاتقهم.
2- اختيار عبد الله بن الحسن للإمام السجاد ابتداء، ولم يحتمل انه لا يرضى باحالة الدائنين عليه مع ان لغة الجمع (الغرماء) تفيد الكثرة عدداً وكماً ومقداراً، وانهم اجتمعوا أوان الوفاة للمطالبة باموالهم.
3- معرفة الناس بان الإمام عليه السلام ليس عنده مال، ولم يحتسب احد ندرة المال عنده بانه فقر للتسالم بانه كثير الإنفاق في سبيل الله ، قال تعالىتَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ.
4- محبة الناس للإمام عليه السلام في السراء والضراء ورضاهم بالإحالة عليه وان لم يكن عنده مال.
5- استجابة الإمام عليه السلام ومبادرته بضمان المال ودرء الحزن عن اهل البيت ، وتعاهد حسن سمعتهم ، واصلاح ذات البين وقضاء حوائج الناس.
6- تفضل الله تعالى بالإستجابة للإمام عليه السلام والوفاء بوعده الذي قطعه للدائنين أوان الغلة.
7- الشهادة العامة والشياع المفيد للإطمئنان بانه عليه السلام صدوق مع الناس وفي معاملاته.
وكان الإمام عليه السلام يداري جميع الناس حتى عدوه لذلك لا تجد له مبغضاً، قال سفيان بن عيينة: قلت للزهري: لقيت علي بن الحسين؟ قال: نعم لقتيه، وما لقيت أحداً افضل منه، والله ما علمت له صديقاً في السر ولا عدواً في العلانية فقيل له: وكيف ذلك؟ قال لأني لم ار أحداً وان كان يحبه الا وهو لشدة معرفته بفضله يحسده ، ولا رأيت أحداً وان كان يبغضه الا وهو لشدة مداراته له يداريه( ).
كان يكره ان يدخل في منازعة وخلاف ويتجنب ذلك بتحمل الخسارة في المال وتلقي الإساءة ومقابلتها بالإحسان الأمر الذي يحتاج الى درجة عالية من التقوى والحلم والسخاء والإيثار مما يعتبر رادعاً للنفس عما جبلت عليه من الطبائع والغرائز.
عن سفيان بن عيينة قال: قيل للزهري من ازهد الناس في الدنيا؟ قال: علي بن الحسين( ).
ومرة قيل للإمام فيما بينه وبين محمد بن الحنفية من المنازعة في صدقات الإمام علي بن ابي طالب عليه السلام: لو ركبت الى الوليد بن عبد الملك ركبة لكشف عنك من غرر شره وميله عليك بمحمد فان بينه وبينه خلة، وكان الإمام عليه السلام بمكة والوليد بها.
فقال: ويحك افي حرم الله اسأل غير الله عز وجل اني آنف ان أسأل الدنيا خالقها فكيف اسألها مخلوق مثلي( ).
لقد أراد الإمام ان يحث الناس على الإنقطاع الى الله عز وجل وعشق البيت الحرام وتعظيم الشعائر والحرص على اداء المناسك والعلم بانه باب للرزق والكسب، وقد جاءت النصوص المستفيضة بان الحج باب للرزق ونيل الرغائب.
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد( ).
عبادته
ان الإلقاب العظيمة التي افرد بها الإمام علي بن الحسين عليه السلام اهل عصره ومعاصروه توثق وتدون للأجيال المتعاقبة كمال الورع واعلى منازل التقوى التي كان الإمام يرتقيها بصورة استقبلها المسلمون بالأعجاب والإستحسان وجعلت فقهاء عصره يقفون عندها اكباراً واعتزازاً وافتخاراً، قال سعيد بن المسيب ما رأيت قط افضل من علي بن الحسين وما رأيته قط الا مقت نفسي ما رأيته ضاحكاً يوماً قط، وقال الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري: ما رؤي في اولاد الأنبياء مثل علي بن الحسين.
ان انقطاع الإمام السجاد عليه السلام الى العبادة كان من اهم محاوره حب الله وامتلاء نفسه واركانه بالشوق اليه قال يوماً: “اني اكره ان اعبد الله ولا غرض لي الا ثوابه، فاكون كالعبد الطامع، ان طمع عمل، والا لم يعمل واكره ان اعبده لخوف عذابه فاكون كالعبد السوء ان لم يخف لم يعمل، فقال له بعض الجالسين فبم تعبده قال: اعبده لما هو اهله باياديه وانعامه.
ولا يعني هذا بطلان العبادة خوفاً من النار او طمعاً في الجنة كما يذهب اليه بعضهم في تأويل حديث الإمام علي عليه السلام في المقام: “إلهي ما عبدتك خوفاً من عذابك، ولا طمعاً في ثوابك، ولكن وجدتك اهل للعبادة فعبدتك( )”.
ولكن الإمام يبين مراتب العبادة ودرجات الكمال فيها وبلوغ أعلى مراتب الثواب والإرتقاء في سلم التقوى، باتخاذ الشكر رداءً للعبادة وحبه تعالى وسيلة لمناجاته ورجاء عفوه، والحديث في مفهومه تحريض وارشاد لعشق العبادة، وزجر عن التعلق بحاجات النفس الشهوية.
لقد ادرك الإمام عليه السلام نوع التضاد بين الدنيا والآخرة فالسعي للسعادة في الآخرة يستلزم الاعراض عن زينة الدنيا، لقد اراد للناس ان يختاروا نعيم الآخرة الدائم ويعرفوا ضآلة امر الدنيا وسرعة زوالها، فكانت عبادته دعوة للآخرة وسبباً في صلاح المجتمع.
الاجتهاد في العبادة
كان الإمام مخلصاً في عبادته يقبل عليها في السر والخلوة اكثر منه بين الناس.
سئلت جارية له عن عبادته فقالت: اطنب او اختصر؟ قيل: بل اختصري قالت: ما اتيته بطعام نهاراً قط، وما فرشت له فراشاً بليل قط( ).
لذلك كان الضعف يدب في بدن الإمام عليه السلام ويغزو الإنحلال التدريجي صحته، فكان القريب والبعيد يشفق عليه ويرى ما يبدو على بدنه من ذبول، وهو مع هذا مواظب على العبادة المتصلة ومنكب على الصلاة وقراءة القرآن ودائب في طاعته تعالى لا يشعر باللذة الا بمناجاته سبحانه.
وكانت رؤيته تذكر الناس بخالقهم لما فيها من عبرة وتذكرة ومضامين التقوى ومناظر الإيمان واسرار الحكمة واخلاص العبودية، قال مالك بن دينار: (قرأت في بعض الكتب ان الله عز وجل يقول: ان اهون ما اصنع بالعالم اذا احب الدنيا ان اخرج حلاوة مناجاتي من قلبه)، ولقد اجتهد بالدعوة الى مسالك التقوى واستحضار النعيم الخالد في الآخرة باجتناب السيئات والتخلي عن زينة الدنيا، واتخذ من سيرته المباركة وحسن عبادته وصفاء سريرته مدرسة ومثلاً وموعظة وشاهداً وحجة.
لقد كان الإمام عليه السلام علماً للهدى ومناراً للتقى وشيد بعبادته وزهده صرحاً من صروح الإيمان يعترف المتسابقون في هذا المضمار بتخلفهم عن بلوغ مداه، عن سعيد بن كلثوم قال: كنت عند الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام فذكر امير المؤمنين عليه السلام فمدحه بما هو اهله ثم قال: والله ما اطاق عمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الأمة غيره وان كان ليعمل عمل رجل كأن وجهه بين الجنة والنار يرجو ثواب هذه ويخاف عقاب هذه، ولقد اعتق من ماله الف مملوك في طلب وجه الله والنجاة من النار مما كد بيده ورشح منه جبينه وما كان لباسه الا الكرابيس اذا فضل يده من كمه دعا بالجلم( ) فقصه، وما اشبهه من ولده ولا اهل بيته احد اقرب شبهاً به من علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام.
ولقد دخل ابو جعفر ابنه عليه فاذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه احد فرآه قد اصفر لونه من السهر، ورمدت عيناه من البكاء، ودبرت جبهته من السجود وورمت ساقاه من القيام في الصلاة.
فقال ابو جعفر عليه السلام: فلم املك حين رأيته بتلك الحال من البكاء، فبكيت رحمة له واذا هو يفكر فالتفت الي بعد هنيهة من دخولي فقال يا بني: اعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة علي فاعطيته فقرأ منها يسيراً ثم تركها من يده تضجراً، وقال: من يقوى على عبادة علي بن ابي طالب عليه السلام.
وكان علي بن الحسين عليه السلام اذا توضأ اصفر لونه فقيل له: ما هذا الذي يغشاك؟ فيقول للسائل: اتدري من اتأهب للقيام بين يديه؟( )
ان البصيرة في الدين والتفكر في ماهية الوجود واتخاذه سبيلاً للمعرفة وادراك عظمة الخالق والإحساس بسلطان قدرته سبحانه اسباب للإجتهاد في العبادة والشعور الدائم معها بالتقصير في وظيفة العبودية وواجباتها، فمع اشتغاله الدائم بالعبادة كان الإمام يلجأ الى الله فزعاً خائفاً.
روي عن طاووس اليماني( ) قال: دخلت الحجر في الليل فاذا علي بن الحسين عليهما السلام قد دخل فقام يصلي فصلى ما شاء ثم سجد فقلت: رجل صالح من اهل بيت النبوة لأسمعن الى دعائه فسمعته يقول في سجوده: “عُبيدك بفنائك، مسكينك بفنائك، فقيرك بفنائك، سائلك بفنائك” قال طاووس: فما دعوت بهن في كرب الا فرج عني( ).
ولم يكن اتصال الإمام عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم اتصال نسب فقط وان كان هذا الإتصال عنوان عز وفخر وشرف الى يوم القيامة بل كان امتداداً روحياً للعبادة ومراتب القرب والخشوع المطلق لله تعالى ليكون مصداقاً للمآل المعنوي الروحاني النوراني الذي يفيض بالبركة والفلاح.
ومع ان فقهاء زمانه وأهل الصلاح والورع منهم اقروا له بالسبق في مضمار العبادة والزهد والفقه، فانه كان متواضعاً يبتعد عن الفخر والعجب.
عن سفيان الثوري( ) قال: ذكر لعلي بن الحسين عليهما السلام فضله قال: حسبنا ان نكون من صالحي قومنا( ).
كان يستقي بنفسه ماء لطهوره ويخمره قبل النوم، فاذا قام من الليل بدأ بالسواك ثم اتجه صوب الوضوء بخشوع ووجهه تتغشاه صفرة من خشية الله، ثم يتطيب بالمسك من قارورة جعلها في مسجد صلاته استعداداً للصلاة واستقبالاً لأفعالها ، واستبشاراً بالوقوف بين يدي الله بتزين وحسن أدب وذل العبودية.
وكان يلبس الصوف واغلظ الثياب إذا اراد القيام بين يدي الله عز وجل هجراناً لزينة الدنيا ، واذلالاً للنفس في محراب الصلاة التي هي معراج المؤمن وسبيله الى مرضاة الله عز وجل.
وهذا لا يتعارض مع لبس ثياب التجمل عند الصلاة ولبيان عظيم فضله تعالى على المسلمين وللترغيب بالصلاة ومنع الحرج او التشديد على النفس، ومما يستدل على استحباب لبس المكلف أنظف ثيابه عند قيامه للصلاة، ما ورد في خبر العياشي عن الإمام الحسين عليه السلام انه كان اذا قام الى الصلاة لبس أجود ثيابه، فقيل له: “يا ابن رسول الله لم تلبس اجود ثيابك” وقال: ان الله جميل يحب الجمال فاتجمل لربي، وهو يقول [خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ] ( ) فأحب ان البس اجمل ثيابي.
وفي خبر أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام سأله عن الصلاة في الفراء، قال: كان علي بن الحسين عليه السلام رجلاً صرداً لا يدفئه فراء الحجاز لأن دباغها بالقرظ، فكان يبعث الى العراق فيوتى عما قبلكم بالفـرو، فيلبسه فاذا حضرت الصلاة ألقاه وألقى القميص الذي يليه، فكان يسئل عن ذلك؟ فقال: ان اهل العراق يستحلون لباس جلود الميتة ويزعمون ان دباغه ذكاته”( ).
وكان الإمام عليه السلام يعمل بمضمون قوله تعالى [خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ] ( ).
وفي خبر الحسين بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “ان علي بن الحسين عليه السلام استقبله مولى له في ليلة باردة وعليه جبة خزّ ومطرف خز وعمامة خز وهو متغلف بالغالية، فقال له: جعلت فداك في مثل هذه الساعة على هذه الهيئة الى أين، قال: فقال: الى مسجد جدي رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم اخطب الحور العين الى الله عز وجل”( ). لذا ورد استحباب التطيب ولبس ثياب التجمل والملابس النظيفة عند التوجه الى المسجد.
وكان يصلي صلاة مودع مغادر للدنيا وكأنه لا يعود لها ترتعد اعضاؤه من خشية الله، عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: كان ابي عليه السلام يقول: كان علي بن الحسين عليه السلام اذا قام الى الصلاة كأنه ساق شجرة لا يتحرك منه شيء الا ما حركت الريح منه( ).
لقد جمع الإمام عليه السلام بين الشكر لله عز وجل والصبر على ما ألم بالأمة عامة وبه خاصة يوم عاشوراء فكان دائباً على الشكر على النعم متصـاغراً امام فضله تعالى، اتخــذ من قوله تعالى وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ رداءً ومنهاجاً يومياً تجلى بانقطاعه الى الصلاة والاحتجاج الصامت على التعدي والظلم، وكأنه يرى الثواب الجزيل والعاقبة الكريمة للتضحية في سبيله تعالى والزهد في الدنيا، وقد ذهب بعض أهل العرفان الى وجوب الشكر على المصيبة لإنها نعمة كسبب للشكر لما فيها من الأذى والشر.
وحيث ان السجود عنوان القرب الى الله عز وجل يتطامن فيه العبد ذليلاً منقاداً لأمر الله فان الإمام عليه السلام يكون في احلى اللحظات عند السجود نازعاً رداء الدنيا وهمومها، عن الفضيل بن يسار عن الإمام الصادق عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليه السلام اذا قام الى الصلاة تغير لونه فاذا سجد لم يرفع رأسه حتى يرفض عرقاً( ).
وكان يكثر من البكاء في سجوده حتى تبدو آثار كثرة دموعه مترجلة في الخارج.
ووطن النفس على عدم الإلتفات اثناء الصلاة الى الدنيا ومشاغلها وما يضغط على الإنسان من اسباب فتنتها، وفي المرسل عن ابي حمزة الثمالي انه قال: (رأيت علي بن الحسين عليه السلام يصلي فسقط رداؤه عن منكبه فلم يسوه حتى فرغ من صلاته، قال: فسألته عن ذلك فقال: ويحك اتدري بين يدي من كنت؟ ان العبد لا يقبل منه صلاة الا ما اقبل منها، فقلت: جعلت فداك هلكنا، قال: كلا، ان الله متمم ذلك للمؤمنين بالنوافل)( ) ورواه الصدوق في العلل.
أي ان الإمام يعلم التخفيف ويواظب ايضاً على موارده من غير ان يفرط بشيء من جوهر الأصل ومادته الروحية وانه يأتي الفرائض ويؤدي الواجبات بوجه من الاتقان يعجز عنه الآخرون، فلقد تعلقت روحه بالملأ الأعلى وامتزجت خشية الله مع دمه فسرت في جميع جوارحه.
سقط ابن له في بئر ففزع اهل المدينة وانقذوه من الموت كل هذا والإمام قائم في محرابه ولما قيل له في ذلك، قال: اني كنت اناجي رباً عظيماً.
وذكر كثير من الرواة والمؤرخين ان حريقاً حدث في بيت الإمام عليه السلام وهو قائم كعادته في المحراب مشغولاً بذكر الله فلم يلتفت الى الذي وقع ولم يعن به.
وقد فسر بعض اقطاب المتصوفة هذه الحالة التي تتصف بها عبادة الإمام بانها من باب غيبة القلب عن علم ما يجري من احوال الخلق لإشتغال الحس بما يرد عليه( )، وهذا القول جزء من الإدعاء بان الإمام احد اعلامهم لما رأوه من زهد الإمام واعراضه الدائم عن الدنيا وما فيها من المباهج ومعالم الفتنة ومحاولة منهم لإظهار منهجهم بصورة مشرقة.
أن زهد الإمام تجسيد للورع والتقوى وانعكاس للمعرفة ورؤية عقلية ونفسية لما في الزهد من منافع دنيوية وأخروية تسبر فيها الروح اغوار مظاهر الدنيا وحقائق موجوداتها وفعل ما تمليه الشريعة والإدراك، فلبس الصوف لا يمنع من اكل الطيبات، والإنقطاع الى العبادة لا يحول دون الأخذ بالرخصة والتمتع بما انزل الله لأهل الأرض من النعم بل ان المؤمن اولى بتلك النعم، ولقد كانت سيرته وحسن سمته عليه السلام مدرسة هادفة للأمة ونوع تأديب نوعي للأجيال، نتلمس بركاته في مناهج التربية وسنن الآداب والمستحبات عند عامة المسلمين.
وتضمنت سيرة اهل البيت تجافياً عن مظاهر منهج التشديد على النفس ، روي ان رجلاً دخل على الإمام علي بن موسى الرضا لما بويع بولاية العهد ايام الخليفة العباسي المأمون وقال: (ان الإمامة تحتاج الى من يأكل الجشب ويلبس الخشن، وكان الإمام الرضا متكئاً فاستوى جالساً وقال رداً عليه: كان يوسف بن يعقوب نبياً فلبس اقبية الديباج المزررة بالذهب والقباطي المنسوجة بالذهب، وانما يراد من الإمام قسط وعدل، ان الله لم يحرم ملبوساً ولا مطعماً، وتلا قوله تعالى قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ.
كان الإمام السجاد عليه السلام يتخذ من الحياة الدنيا فرصة للعبادة ومناسبة لتعظيم شعائر الله، وترسيخ احكام الشريعة في الأرض، واختبار انماط السلوك المناسبة لعلو شأن الإسلام، ووظيفة الإمام واحدة ولكنها ذات وجوه متعددة قد يتطلب زمان ما وواقعة او حال مخصوصة التركيز والعناية الخاصة ببعض تلك الوجوه، وعبادة الله محور الأعمال اليومية، ولقد قال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ.
كان الإمام عليه السلام لا يلتفت الى بعض الشؤون الشخصية وما حوله لإنشغاله بما هو أولى وأهم وأجدر وأكثر نفعاً، ولعلمه بان الله عز وجل يتعاهد أحوال عبده المؤمن ويصلح شأنه ويقضي حوائجه ما دام منقطعاً اليه، وان كان هذا الإنقطاع لا يتعارض مع مباشرة شؤون العيال وحاجات النفس الضرورية واسباب الكفاية عن الآخرين قدر الامكان.
قال رجل بطال في المدينة يضحك الناس منه، قد اعياني هذا الرجل يعني الإمام ان اضحكه واجتاز عليه الإمام عليه السلام مرة فبادر الرجل وانتزع رداءه وولى هارباً، فلم يلتفت الإمام وكان مع الإمام اثنان من مواليه فسارعا إلى أخذه منه واعادوا طرحه على عاتقيه.
فقال لهما الإمام عليه السلام: من هذا؟ فقالوا: انه بطال يضحك اهل المدينة منه.
فقال: قولوا له ان لله يوماً يخسر فيه المبطلون( ).
كان الإمام بانقطاعه الى العبادة وانابته الى الله عز وجل يؤدب الناس ويدعوهم الى سبل مرضاة الله والتقرب اليه باطاعة اوامره، ولا يتردد في وعظهم وحثهم على الإلتجاء اليه، ( ورأى رجلاً جالساً على باب احد الأثرياء فسأله الإمام قائلاً: ما يقعدك على باب هذا المترف الجبار؟
قال: البلاء، أي ما اصابه من الفقر والحاجة.
قال الإمام عليه السلام: قم فارشدك الى باب خير من بابه، والى رب خير لك منه، فأخذ بيده، حتى انتهى الى المسجد مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال: استقبل القبلة ثم صل ركعتين ثم ارفع يديك الى الله عز وجل فاثن عليه وصل على رسوله ثم ادع آخر الحشر وست آيات من الحديد وبالآيتين اللتين من آل عمران، ثم سل الله فانك لا تسأل شيئاً الا اعطاك( ).
والإمام مع انقطاعه الى العبادة يحس بالتقصير الذاتي فيظهر اللوم لنفسه لا عن تقصير او خطأ بل تأدباً امام مقام الربوبية وتقرباً الى الله عز وجل بلسان التقصير وتأديباً وارشاداً للمسلمين، بالإسناد عن الزهري قال: سمعت مولانا علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام يحاسب نفسه ويناجي ربه ويقول: يا نفس حتى مَ الى الدنيا ركونك؟( ).
وكان الإمام علي بن الحسين عليه السلام مواظباً على النوافل اليومية، يقضي ما فاته منها بالنهار في الليل، ويوصي أولاده باداء صلاة النافلة ويرغبهم فيها.
ويقول لهم: يا بني ليس هذا عليكم بواجب، ولكن احب لمن عود نفسه منكم عادة من الخير ان يدوم عليها.
وكان يحب صلاة الليل ويحرص على ادائها، قال ابو حمزة الثمالي وهو يتحدث مبهوراً مما رأى في شخص الإمام وورعه وطريقته في هداية الناس وارشادهم الى الإلتزام بأحكام دينهم: “ما سمعت باحد قط كان ازهد من علي بن الحسين اذا تكلم في الزهد ووعظ ابكى من بحضرته…”.
ان سيرة الإمام عليه السلام مدرسة في الزهد فتنفذ لهجته الصادقة الى القلوب في كل زمان لتؤثر فيها، لقد استطاع عليه السلام ان يحيي المضامين السامية للزهد والتقوى في الاسلام، في فترة توالت النعم والفتوحات على المسلمين وكانوا محتاجين لدروس من التقوى وتنبيه وحث على الصلاح وتعاهد النعم بالشكر والثناء عليه تعالى، والتقيد التام بالفرائض والحرص على المستحبات.
لقد اثنى على الإمام بورعه وعبادته كل من رآه او صحبه من الفقهاء واصحاب السير وغيرهم ممن عاصروه والتقت كلماتهم على تفضيله والإقرار بعلو مرتبته في ابواب الخير والصلاح والتقوى، وقدموه على رهط بني هاشم الذي تراجعوا عن منافسته وجعلوه مناراً وفخراً وعزاً واحاطوه بعناية واكرام.
قال مالك: لم يك في اهل بيت رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم مثل علي بن الحسين، كذلك قال ابو حازم وابو حاتم الأعرج ويحيى بن سعيد الذي قال: (سمعت علي بن الحسين وكان افضل هاشمي رأيته)( ).
لقد واظب معاصروه على اظهار اعتزازهم بالسماع منه، والأخذ من مناهل علمه وما فيها من صلاح للنفوس وتزود لعالم الآخرة وحث على التقوى ودروس في صدق العبادة واخلاصها.
ولقد اشفق على الإمام كل من رآه، فآثار الإجتهاد في العبادة كانت ظاهرة عليه يدل عليها ضعف بدنه وانحلال صحته ومواظبته على الصلاة والتسبيح والذكر.
التقى بالخليفة عبد الملك بن مروان ليشفع لنفر كانوا في السجن ولما رآه استعظم امره ورق لحاله وسيماء السجود وآثار كثرته بادية عليه فقال عبد الملك: لقد بان عليك الإجتهاد ولقد سبق لك من الله الحسنى، وانت بضعة رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم قريب النسب، وكيد السبب وانك لذو فضل عظيم على اهل بيتك، وذوي عصرك ولقد اوتيت من الفضل والعلم والدين والورع ما لم يؤته احد مثلك، ولا قبلك الا من مضى من سلفك.
وبعد ان ذكر مآثر الإمام وفضله قال له الإمام:
كل ما ذكرته من فضل الله سبحانه، وتأييده وتوفيقه، فاين شكره على ما انعم؟
لقد كان الجواب درساً بليغاً بلزوم شكره تعالى بالحكم بالعدل والإحسان والتوكيد قاعدة كلامية وهي ان تكرار الأفعال العبادية يرسخ ملكة التقوى ويمكن من سيطرتها على النفس، وفي الجواب دعوة لعدم الإنكباب على شهوات الدنيا واغراءات الشيطان اذ ان الشكر لله تعالى نوع ذكر وسبيل رشاد، ولقد كان رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم يقف للصلاة حتى تتورم قدماه، ويظمأ في الصيام حتى يعصب فوه، فقيل له يا رسول الله الم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال صلى الله وعليه وآله وسلم : افلا اكون عبداً شكوراً.
ثم اردف الإمام عليه السلام: الحمد لله على ما اولى وابلى وله الحمد في الآخرة والأولى والله لو تقطعت اعضائي وسالت مقلتا عيني على صدري لن اقوم لله جل جلاله بشكر عشر العشير من نعمة واحدة من جميع نعمه التي لا يحصيها العادون، ولا يبلغ احد نعمة منها، على جميع حمد الحامدين، لا والله او يراني الله لا يشغلني شيء عن شكره وذكره في ليل ولا نهار، ولا سر ولا علانية ولولا ان لأهلي علي حقاً ولسائر الناس من خاصهم وعامهم علي حقوقاً لا يسعني الا القيام بها حسب الوسع والطاقة حتى اؤديها اليهم لرميت بطرفي الى السماء، وبقلبي الى الله، ثم لم اردهما حتى يقضي الله على نفسي وهو خير الحاكمين.
وبكى الإمام من خشية الله توكيداً لسعادته في التزام الإنقطاع الى العبادة، واثر ذلك في نفس عبد الملك وقال: شتان بين عبد طلب الآخرة وسعى لها سعيها، وبين من طلب الدنيا من اين جاءته ما له في الآخرة من خلاق، ثم استجاب له وشفعه فيمن سأله واطلق سراحهم( ).
لقد اعطى الإمام عليه السلام في هذا اللقاء موعظة في العبادة وكانت هيئته وكلماته مدرسة في التقوى وارشاداً للصلاح وحاجباً دون الجحود ومانعاً من الضلالة ، ذلك ان العبادة عنوان للشكر وتعظيم للخالق عز وجل.
وقد ثبت في علم الأصول ان شكر المنعم واجب، ولم ينقطع الإمام عليه السلام عن ارشاد الناس وتذكيرهم بالآخرة وكان يستثمر المناسبات للوعظ والنصح.
عن سعيد بن المسيب قال: كان علي بن الحسين يعظ الناس ويزهدهم في الدنيا ويرغبهم في اعمال الآخرة بهذا الكلام في كل جمعة في مسجد الرسول صلى الله وعليه وآله وسلم.
لقد حفظ عنه الفقهاء من التابعين ودونوا اقواله فكانت تراثاً ومناراً وقواعد وحكمة دائمة تدل على فناء الذات في جنب الله، وحياة القلب بالمعارف اليقينية.
كان يقول: ايها الناس اتقوا الله واعلموا انكم اليه ترجعون، فتجد كل نفس ما عملت في هذه الدنيا [مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ] ( ).
ويحك ابن آدم الغافل وليس بمغفول عنه ابن آدم ان اجلك اسرع شيء اليك، وقد اقبل نحوك حثيثاً يطلبك ويوشك ان يدركك وكأن قد اوفيت اجلك وقبض الملك روحك، وصرت الى المنزل وحيداً فرد اليك فيه روحك، واقتحم عليك فيه ملكان منكر ونكير لمساءلتك وشديد امتحانك الا وان أول ما يسألانك عن ربك الذي كنت تعبده ، وعن نبيك الذي أرسل اليك ، وعن دينك الذي كنت تدين به وعن كتابك الذي كنت تتلوه.
وعن امامك الذي كنت تتولاه.
ثم عن عمرك فيما افنيته ومالك من اين اكتسبته وفيما اتلفته؟ فخذ حذرك وانظر لنفسك وأعد الجواب قبل الإمتحان والمساءلة والإختبار، فان تك مؤمناً تقياً، عارفاً بدينك، متبعاً للصادقين موالياً لأولياء الله.
لقاك الله حجتك وانطق لسانك بالصواب فاحسنت الجواب فبشرت بالجنة والرضوان من الله والخيرات الحسان، واستقبلتك الملائكة بالروح والريحان، وان لم تكن كذلك تلجلج لسانك ودحضت حجتك وعميت عن الجواب، وبشرت النار واستقبلتك ملائكة العذاب بنزل من حميم وتصلية جحيم.
لقد كانت صور الآخرة واهوال المحشر المتجسدة امام عيني الامام علي بن الحسين وكأنه يراها، الأمر الذي انعكس على سلوكه مع الناس وطبعه بصيغة الخشوع لله والإعراض عن شؤون الدنيا ومباهجها فتراه يعطي الدروس العظيمة في الحلم والحكمة وضبط النفس عن هيجان الغضب من غير ان تستفزه الإساءة الموجعة.
(استقبله احدهم بالسب والشتم من غير علة، فاجابه الإمام عليه السلام بلطف وسكينة ومن غير ان تبدو عليه أمارات التأثر والسخط: يا فتى ان بين يدينا عقبة كؤوداً فان جزت منها فلا أبالي بما تقول وان اتحير فيها فانا شر مما تقول)( ).
وكان كل جواب منه حكمة تتجلى فيها مفاهيم الإمامة ، ودرساً يفتح آفاقاً من المعرفة ومناسبة للرفعة وكمال الأدب، فهو يقابل الإساءة بالإحسان والعفو تأدباً وعملاً بلغة القرآن واحكامه، قال تعالى وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ.
وكان الإمام يروم من ذلك مرضاة الله عز وجل واصلاح الناس واعادة المسيء الى الهداية والرشاد، ويتفانى في افشاء روح المحبة وتثبيت دعائم الايمان، وطرد الكدورات والحواجز الظلمانية، (استقبله احدهم يوماً واخذ يسب الإمام عليه السلام، والإمام عليه السلام يعرض عنه ويغضي حلماً وجوداً فاندفع ذاك نحو الإمام وهو يقول مؤكداً: اياك اعني، فاجابه الإمام عليه السلام بلطف وود والإبتسامة ظاهرة على محياه الكريم ليشع نوراً: وعنك اغظي، وانصرف عنه الإمام عليه السلام وتركه من غير ان يرد عليه بالمثل او يسأله السبب)( ).
لقد كانت سيرة الإمام عليه السلام عنوان التقاء الأمة وآية في نبذ الفرقة والخصومة والتشتت، فترى الجميع يلتقي بإكرامه والإقرار له بالتقوى والعلم ويدعو للتأسي به.
الصوم وأقسامه
لقد حرص الإمام عليه السلام على اظهار معالم الدين وأحكام الفرائض وذكر وجوه الصوم واقسامه في بيان شرعي تفصيلي يظهر عظمة هذه الفريضة المقدسة وضرورة استثمارها كباب من العبادة مبارك.
بالإسناد عن سفيان بن عيينة عن الزهري قال: دخلت على علي بن الحسين عليه السلام فقال لي: يا زهري من اين جئت؟ قلت: جئت من المسجد.
قال: فيم كنتم، قلت: تذاكرنــا امر الصوم فاجمــع رأيي ورأي اصحابي انه ليس من الصوم شيء واجب الا صوم شهر رمضان.
فقال: يا زهري، ليس كما قلتم ان الصوم على اربعين وجهاً فعشرة اوجه منها واجبة كوجوب شهر رمضان، وعشرة اوجه منها حرام، واربعة عشر وجهاً منها صاحبها فيها بالخيار ان شاء صام وان شاء افطر.
وصوم الإذن على ثلاثة اوجه: صوم التأديب، وصوم الإباحة، وصوم السفر والمرض.
قلت: فسرهن لي جعلت فداك.
قال: اما الواجب فصيام شـهر رمضان وصيام شهرين متتابعين في قتل الخطأ لمن لم يجد العتق واجب، قال الله عز وجل وَمَنْ قَتَلَ مُؤمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ الى قوله تعالى فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا .
وصــيام شـهــرين متتــابعــين في كفــارة الظــهار لمن لــم يجــد العتق واجب، قال الله تبارك وتعالى الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا.
وصــيام ثلاثة ايام في كفـارة اليمين واجب لمن لم يجد الإطعام قال الله تبـارك وتعالى فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ كل ذلك متتابع وليس بمتفرق وصيام اذى حلق الرأس واجب، قال الله تبارك وتعالى فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ وصاحبها فيها بالخيار وان صام ثلاثاً، وصوم دم المتعة واجب لمن لم يجد الهدي، قال الله تبارك وتعالى فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ وصـوم جزاء الصيد واجب، قال الله تبارك وتعالى وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا.
ثم قال: اوتدري كيف يكون عدل ذلك صياماً يا زهري، فقلت: لا ادري.
قال: تقوم الصيد قيمة ثم تفضي تلك القيمة على البُر، ثم يكال ذلك البر اصواعاً فيصوم لكل نصف صاع يوماً، وصوم النذر واجب وصوم الإعتكاف واجب.
واما الصوم الحرام فصوم يوم الفطر ويوم الأضحى وثلاثة ايام من التشريق- لمن كان بمنى ناسكاً- وصوم يوم الشك امرنا به ونهينا عنه، امرنا ان نصومه مع صيام شعبان ونهينا عنه ان ينفرد الرجل بصيامه في اليوم الذي يشك فيه الناس.
قلت: جعلت فداك فان لم يكن صام من شعبان شيئاً كيف يصنع؟ قال: ينوي ليلة الشك انه صائم من شعبان، فان كان من شهر رمضان اجزأ عنه، وان كان من شعبان لم يضر.
قلت: وكيف يجزي صوم تطوع عن صوم الفريضة؟
فقال: لو ان رجلاً صام يوماً من شهر رمضان تطوعاً وهو لا يدري ولا يعلم انه من شهر رمضان، ثم علم بعد ذلك اجزأ عنه لأن الفرض انما وقع على اليوم بعينه.
وصوم الوصال( ) حرام وصوم الصمت حرام، وصوم النذر للمعصية حرام، وصوم الدهر حرام.
واما الصوم الذي صاحبه بالخيار فصوم يوم الجمعة والخميس والإثنين، وصوم الأيام البيض، وصوم ستة ايام من شوال بعد شهر رمضان، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء، كل ذلك صاحبه فيه بالخيار ان شاء صام وان شاء افطر.
واما صوم الإذن فان المرأة لا تصوم تطوعاً الا باذن زوجها، والعبد لا يصوم تطوعاً الا باذن سيده، والضيف لا يصوم تطوعاً الا باذن صاحبه، قال رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم ” فمن نزل على قوم فلا يصومن تطوعاً الا بإذنهم”
واما صوم التأديب فانه يؤمر الصبي اذا راهق( ) بالصوم تأديباً وليس بفرض وكذلك من افطر لعلة من اول النهار ثم قوي بعد ذلك امر بالإمساك بقية يومه تأديباً وليس بفرض، وكذلك المسافر اذا اكل من اول النهار ثم قدم اهله امر بالإمساك بقية يومه تأديباً وليس بفرض( )، أي عليه قضاء ايام المرض او السفر في ايام أخر.
حجه للبيت الحرام
الحج عبادة مالية وبدنية مركبة، وسفر روحي وجسدي وعقائدي تتجلى فيه آيات العرفان ، قال تعالىوَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً.
وتلتقي تقوى الإيمان بالتلبية الجماعية واداء المناسك بتجرد من الضغائن والأحقاد وتنجذب الى الباري حباً وشوقاً وطاعة وعشقاً يشعر معه الحاج بالزهد في الدنيا واستحقاق التشرف بحضور المشهد العظيم والطواف بالشاخص المبارك المشاق التي تحملها والنفقة التي بذلها، وفي الخبر عن الصادق عليه السلام يذكر الحج قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (هو احد الجهادين وهو جهاد الضعفاء ونحن الضعفاء اما انه ليس شيء افضل من الحج الا الصلاة، وفي الحج ههنا صلاة وليس الصلاة قبلكم حج)( )، والظاهر أن قول (ونحن الضعفاء وما بعده يعود للإمام الصادق.
لقد كان الإمام السجاد عليه السلام يبادر الى فعل كل ما فيه تهذيب السجايا والطباع ويبعث على قهر القوة الشهوية والغضبية ويؤدي الى الصلاح، والحج افضل مصاديقه وتجتمع فيه خصائص الأخلاص وهو كاشف ظاهري عن التقوى والزهد وبلوغ المراتب العالية في سلم المعرفة الإلهية، وفيه تطلع الى السعادة الحقيقية ومنازل الرفعة في الآخرة وكأن في ادائه حرزاً من النار ووثيقة إقتراب العبد من نعيم الآخرة.
ومن بين علل تســمية البيت الحــرام بالعتيق لأن الله اعتقه وحرره من نير الجبابرة كما حصل لإبرهة ملك الحبشة اذ انه أقام بصنعاء اليمن كنيسة ضخمة ليحج اليها العرب ولكنه عجز عن صرفهم عن الكعبة، فسـار اليها بجيــش عظيم لهدمهــا فلحقتــه الهزيمة والعار والخزي كما في سورة الفيل، وكان عبرة وموعظة، ومن الاعجاز والآيــات لا الصــدفة والاتفاق ان ولادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت في عام الفيل، ليتجدد في كل عام حفظ البيــت باداء المسـلمين للحج وطردهم للشياطين من القلوب والثغور.
وكما ان الحج عبادة مستقلة فانه طريق كريم لتيسير اداء الفرائض الاخرى وللمواظبة عليها وتعاهدها، ومن الاعجاز ان أشهر الحج ثلاثة شهور كان يحتاجها الناس بالنقل البطيء والسير على الاقدام، والآن ومع التطور السريع والأمان في الطريق فأن العالم الاسلامي يعيش هذه الاشهر كلها في خضم وفيض الحج واسبابه ومقدماته وتهيئة شؤون الحاج.
لقد كان الإمام عليه السلام حريصاً على اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القولية والفعلية، وما يتجلى فيها من مكارم الأخلاق قال تعالىوَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ, وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من شرف الرجل ان يطيب زاده اذا خرج في سفر( )، فكان الإمام يهيء الطيبات من الزاد للسفر ويكثر منها ثم يقوم بانفاقها في طريق الحج.
لقد أولى الإمام علي بن الحسين عليه السلام حج البيت الحرام عناية خاصة، وحرص على ملازمته ، وكان يشهد مواقفه ومناسكه ويجد فيه متعة روحية، والحج سفر من الخلق الى الحق، وفيه تجلية وتخلية وتحلية، فتتجلى فيه القيم الحميدة ويظهر حسن الخلق والطاعة، وفيه تخل عن ذميم الافعال ورذائل الاخلاق، وتحلى بأخلاق الانبياء وصفات الصالحين، وفي الحديث (تخلقوا بأخلاق الله) ( ).
وكان الإمام عليه السلام يستعد للحج ويهيء الزاد والراحلة وكثيراً ما ينفق طعامه في الطريق على الحجاج والمحتاجين منهم خاصة، واستعداده للحج فيه طاعة لله عز وجل فهو مقدمــة عقلية لأداء الفريضــة ، وتذكير بالحج ، وترغيب للناس بادائه ، وهو من مصاديق الإعجاز القرآني في قوله تعالى الْحَجُّ أَشْهُرٌ معْلُومَاتٌ وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة.
وكان الإمام عليه السلام يروم المواظبة على الحج تعظيماً لشعائر الله واظهار الشكر له سبحانه، والتوكيد على وحدة الأمة من خلال التقيد بأحكام الشريعة واللجوء الى الحد الأدنى من الجهاد واعلان رفض الظلم والاستبداد.
وفي احدى سني الحج اعدت له اخته سكينة زاداً طيباً انفقت عليه ألف درهم ولكنه امر بتوزيعه بظهر الحرة بعد خروجه من المدينة.
وكان القراء( ) والعلماء يحتفون بالإمام في طريقه الى الحج ليأخذوا عنه العلوم ومناسك الحج ويتقنوا عملياً آداب السفر وحسن الصحبة ويحرزوا بمكارم الأخلاق سلامة حجهم وقبول اعمالهم، روي ان سعيد بن المسيب قال: (ان القراء كانوا لا يخرجون الى مكة حتى يخرج علي بن الحسين فخرج وخرجنا معه الف راكب) ، أي انهم يقتدون به وينتفعون من صحبته للتزود بالعلوم والآداب، وفيه اقرار برئاسته.
وقد أثنى عليه الفقهاء من معاصريه التي بما تنص على أعلميته وتصاغرهم في حضرته اجلالاً.
فكان موكبه مهيباً يبعث في النفس معاني الإيمان ويذكرها بلزوم تعظيم شعائر الله ويحث على طاعته سبحانه، وترى الإمام في وسط الموكب متواضعاً وجلاً من خشية الله، عن ابراهيم بن علي عن ابيه قال: (حججت مع علي بن الحسين عليه السلام فالتاثث الناقة عليه في مسيرها فاشار اليها بالقضيب ثم قال: آه لولا القصاص ورد يده عنها( ).
وفي ذلك جملة من الدروس منها التواضع ونزع رداء الكبرياء وحضور الخشية من الله في كل افعال الإمام ووصول رأفته وشفقته حتى الى الحيوان، واستثمار الوقائع والمناسبات للتذكير بالعقاب والجزاء ليترقى العقل وتنمى المدارك ومن باب الأولوية الى ما هو اكبر واكثر اهمية في العلاقات الإنسانية اصلاحاً وتهذيباً وطرداً للكدورات الظلمانية.
ولقد اكثر الإمام عليه السلام من حجه للبيت الحرام وحرص على المواظبة عليه، عن زرارة قال: (سمعت ابا جعفر عليه السلام يقول: كان لعلي بن الحسين عليه السلام ناقة قد حج عليها اثنتين وعشرين حجة ما قرعها قرعة قط( ).
كما سار الى البيت في بعض السنين ماشياً على قدميه لما فيه من عظيم الثواب وللحث على التقوى والصلاح ولاجهاد النفس ومنعها من الغي والغرور، علماً بأن المسافة بين المدينة المنورة ومكة المكرمة تبلغ نحو اربعمائة وخمسين كيلومتراً في أرض تكثر فيها الجبال والمرتفعات والوديان والمخاطر.
وعن علي بن ابراهيم عن ابيه قال: (حج علي بن الحسين عليه السلام ماشياً فسار عشرين يوماً من المدينة الى مكة)( ).
وفي موثقــة سماعة ان عبــاد البصــري قال لعلــي بن الحسـين عليه السـلام في طــريق مكــة : تركت الجهــاد وصعوبتــه، واقبلت على الحـج ولينه ان الله عز وجل يقول إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فقال علي بن الحسين عليه السلام: اذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم افضل من الحج.
أي ان الإمام عليه السلام لم يترك الجهاد ولكنه يعمل بالميسور والممكن من وجوهه، ولم ينفعل الإمام او يتأثر من الإشكال والإعتراض بل جعله مناسبة للبيان ومدرسة في التفقه في الدين وتوكيداً لأهمية الجهاد وعدم التخلي عنه وان تركه مؤقت وبسبب عدم اجتماع شرائطه وليس اعراضاً عنه، ثم ان الحج والمواظبة عليه يعتبر جهاداً للنفس وهو من اهم صيغ الجهاد.
وكان الإمام يحث الناس على الحج وعمارة المسجد الحرام ويدعوهم الى اغتنام هذه المناسبة العبادية المباركة والتذكير بعروج الروح والبدن يوم القيامة الى منازل الخلد (عن خالد القلانسي عن ابي عبد الله الصادق عليه السلام قال: قال علي بن الحسين عليه السلام حجوا واعتمروا تصح ابدانكم وتتسع ارزاقكم وتكفون مؤونات عيالاتكم، وقال: الحاج مغفور له وموجوب له الجنة ومستأنف العمل ومحفوظ في اهله وماله( ).
وكان يوصي باكرام وفد الحاج اظهاراً للتقدير والإكبار لما اقدموا عليه من الطاعات قال: (استبشروا بالحجاج اذا قدموا وصافحوهم وعظموهم تشاركوهم في الأجر قبل ان تخالطهم الذنوب)( ).
لتفيض منافع الحج وثوابه على اهل الأمصار ممن لم يؤد مناسك الحج في تلك السنة لينال الثواب الجزيل بزيارة الحاج والسلام عليه وتهنئته بالتوفيق لأداء الحج.
وفي حج المسلمين والمسلمات للبيت الحرام شكر لله عز وجل على إزاحة الكفار عن ولايته ، والأصنام عن الكعبة يوم فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة النبوية المباركة قال تعالىوَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ.
أداء المناسك
يعتبر الحج سياحة في عالم الملكوت وسبيل هداية إلى الرشاد وباعثاً على السعادة في الدارين، جعله الله عز وجل عيداً عبادياً ودعوة سنوية متجددة للجوء الى مقام الربوبية بالإستغفار والإنابة.
واذا ما وصل الإمام عليه السلام الى الميقات جاء بواجبات الإحرام وكذلك مستحباته كالإكثار من التلبية والأدعية المخصوصة واجتنب تروكه، كالصيد والتظليل والإستمتاع بالنساء وكانت افعاله تجديداً وبياناً للسنة الشريفة وتعليماً للناس وتثبيتاً لأحكام الحج ومنعاً من البدعة فيه.
واذا اراد التلبية – وهي من واجبات الاحرام – اصفر لونه، وظهر عليه الفزع والإضطراب.
فيقال له: ما لك لا تلبي؟
فيقول : اخشى ان اقول : لبيك فيقال لي : لا لبيك.
وروى مالك ان زين العابدين لما اراد ان يقول: لبيك اغمي عليه حتى سقط من ناقته فهشم.
وفي عرفات كان الإمام عليه السلام يكثر من الصلاة وقراءة القرآن والدعاء وفي ادعية الصحيفة السجادية دعاء خاص بيوم عرفة فيه من آيات التوحيد ومضامين الثناء ما يناسب المقام.
وقد ذكر الله عز وجل عرفات في القرآن لبيان شرفها ، ولدعوة المسلمين لتعاهد المناسك كما أداها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالىفَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ.
كان عليه السلام يشتري العبيد من غير حاجة لهم، فيأتي بهم ليسد بهم الفرج والخلال فاذا افاض من عرفات اعتقهم وانعم عليهم بعطايا وجوائز مالية.
ونظر الى رجل سائل يسأل الناس في يوم عرفة فانكر عليه ذلك وحثه على الطمع بما عند الله رجاء مَنه وعطائه قائلاً له: ويحك اغير الله تسأل في مثل هذا اليوم انه ليرجى في هذا اليوم لما في بطون الحبالى ان يكون سعيداً( ).
دخل الإمام عليه السلام البيت الحرام ليؤدي الطواف حيث يتزاحم الحجاج ويمتلئ بهم المسجد الحرام وتختفي الفوارق والإمتيازات وكل يجتهد للدنو من الحجر الأسود ومسه وتقبيله.
وحالما رأى الناس الإمام وبصروا به سارعوا الى اكرامه هيبة واجلالاً لسيماء التقوى التي تتغشاه والتي تأتي مطابقة لما عرفوه عنه وسمعوه عن عبادته ولنسبه من الرسول الأكرم صلى الله وعليه وآله وسلم وانفرجوا له سماطين ليتقدم لإستلام الحجر الأسود بوقار يرتكز الى الخشية الصادقة من الله.
وكان هشام بن عبد الملك حاضراً وينظر الى الناس وقد نصب له منبر الى جانب زمزم في الحطيم، بعد ان تعذر عليه الوصول الى الحجر الأسود واستلامه لشدة الناس على الحجر، وهو ينتظر الزحام ان يخف ليتمكن من الوصول الى الحجر وكان معه وجوه واعيان اهل الشام وبعض الحرس.
فسألوا هشاماً عن الإمام لما رأوه من هيبة الناس له قائلين: من هذا؟ قال : لا اعرفه.
وكان الفرزدق( ) من الشعراء الذين حضروا مع هشام يرجون نائلته، ويسعون لإنتهاز الفرصة لقول قصيدة في مدح الخليفة تفتح عليهم ابواباً من الجاه وموارداً من المال.
ولكنه اندفع قائلاً: انا اعرفه ثم انشد ارتجالاً قصيدته العصماء التي يقول فيها :
يا سائلي اين حل الجود والكرم
عندي الجواب اذا سؤاله قدموا
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير الناس كلهم
هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا الذي احمد المختار والده
صلى عليه الإله ما جرى القلم
لو يعلم الركن من قد جاء يلثمه
لخر يلثم منه ما وطأ القدم
هذا علي رسول الله والده
امست بنور هداه تهتدي الأمم
هذا الذي عمه الطيار جعفر
والمقتول حمزة ليث حبه القسم
هذا ابن سيدة النسوان فاطمة
وابن الوصي الذي في سيفه سقم
يكاد يمسكه عرفان راحته
ركن الحطيم اذا ما جاء يستلم
وليس ذلك من هذا بضائره
العرب تعرف من انكرت والعجم
اذا رأته قريش قال قائلها
الى مكارم هذا ينتهي الكرم
ان عد اهل التقى كانوا ائمتهم
او قيل من خير الناس قيل هم
هذا ابن فاطمة ان كنت جاهله
بجده انبياء الله قد ختموا
يغضي حياء ويغضى من مهابته
فما تكلم الا حين يبتسم
ينشق نور الهدى عن صبح غرته
كالشمس ينجاب عن اشراقه الظلم
مشتقة من رسول الله نبعته
طابت عناصره والخيم الشيم
الله شرفه قدماً وفضله
جزى بذاك له في لوحه قلم
من جده دان فضل الأنبياء له
وفضل امته دانت له الأمم
عم البرية بالإحسان وانقشعت
عنها العماية والأملاق والظلم
كلتا يديه غياث عم نفعهما
يستو كفان ولا يعروهما العدم
سهل الخليقة لا تخشى بوادره
يزينه الخصلتان العلم والكرم
الليث اهون منه حين يبغضه
والموت ايسر منه حين يهتضم
لا يخلف الوعد ميموناً فقبته
رحب الفناء اريب حين يعتزم
في معشر حبهم دين وبغضهم
كفر وقربهم منجى ومعتصم
لا يستطيع جواد بعد غايتهم
ولا يدانيهم قوم وان كرموا
هم الغيوث اذا ما ازمة ازمت
والأسد اسد الثرى والرأي محتدم
لا يقبض العسر بسطاً من اكفهم
سيان ذلك ان اثروا وان عدموا
بكفه خيزران ريحه عبق
من كف اروع في عرنيه شمم
حمال اثقال اقوام اذا قدموا
حلو الشمائل تحلو عنده النعم
ان قال قال بما يحوى جميعهم
وان تكلم يوماً زانه الكلم
ما قال لا قط الا في تشهده
لولا التشهد كانت لاؤه نعم
يستدفع الضر والبلوى بحبهم
ويسترق به الإحسان والنعم
مقدم بعد ذكر الله ذكرهم
في كل بر ومختوم به الكلم
من يعرف الله يعرف اولوية ذا
فالدين من بيت هذا قاله الأمم
بيوتهم من قريش يستضاء به
في النائبات وعند الحكم ان حكموا
فجده في قريش في ارومتها
محمد وعلي بعدهم علم
بدر له شاهد والشعب في أحد
والخندقان ويوم الفتح ان علموا
وخيبر وحنين يشهدان له
وفي قريظة يوم صيــــــــــل قتم
مواطن قد علت في كل نائبة
على الصحابة لم اكتم وان كتموا( )
وأمر هشام بحبس الفرزدق وسجن في عسفان ما بين مكة والمدينة وارسل له الإمام علي بن الحسين عليه السلام مبلغ اثني عشر الف درهم فاعتذر الفرزدق عن قبولها، فردها الإمام عليه وقال انا اهل بيت لا نسترجع ما اعطينا، فقبلها الفرزدق، وستبقى هذه القصيدة وثيقة أدبية خالدة وشاهداً على منزلة الإمام عليه السلام واقرار وجهاء المسلمين وفقهائهم وشعرائهم بإمامته في الصلاح والتقوى، والمنزلة الرفيعة لذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم الطاهرة، وما يسببه هذا الواقع من حسد الظالمين الذي يبرز خارجاً أحياناً بالمكر والبطش ودس السم.
واذا انتهى الإمام عليه السلام في طوافه عند الحجر الأسود اقبل على الدعاء وهو يقول “اللهم ادخلني الجنة برحمتك واجرني برحمتك من النار وعافني من السقم واوسع علي من الرزق الحلال، وادرأ عني فسقة الجن والإنس وشر فسقة العرب والعجم( ).
ويقبل الإمام عليه السلام على الصلاة في البيت الحرام بخشوع واجتهاد فيه درس بليغ للحجاج، لينقل الحجاج الى اهليهم ومن خلفهم صفة التقوى ولتترسخ في اذهانهم موضوعية الصلاة ولزوم تعاهدها فهي عمود الدين ، قال تعالىإِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا.
ليكون خشوع الإمام ودعاؤه وافعاله العبادية المتتابعة معلماً من المعالم التي يحفظها الحاج عن زيارته للبيت الحرام ليساهم في انتشار القابه الشريفة في الآفاق، كما انه نوع استجارة بالله عز وجل ولجوء الى البيت الحرام ، واستغاثة لما أصاب أهل البيت في كربلاء من وجوه الاذى.
رآه طاووس اليماني تحت الميزاب يتضرع الى الله عز وجل ودموعه تسيل من خشيته، فلما فرغ من صلاته خاطبه طاووس قائلا: رأيتك على حالة من الخشوع، ولك ثلاثة أمور أرجو ان تؤمنك من الخوف :
احدها: انك ابن رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم.
الثاني: شفاعة جدك.
الثالث: رحمة الله.
ولما كان الخشوع حالة ملازمة للإمام ومنها الشعور الدائم في التقصــير في العبادة وفي الإعداد ليوم الجزاء، اجاب من غير ان يغادره يا طاووس اما انــي ابن رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم فلا يؤمنني وقد سمعت الله تعالى فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ.
واما شفاعة جدي فلا تؤمنني لأن الله تعالى يقول وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ واما رحمـة الله فالله يقولإِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ولا اعلم اني محسن( ).
وهذا الجواب مدرسة في التأديب والاصلاح، ودعوة لبذل الوسع في الطاعات واستثمار الدنيا لعمل الصالحات وتحذير وارشاد للناس بعد اتخاذ العفو الإلهي وعظيم رحمته واحكام الشفاعة عذراً وسبباً للتهاون في أداء الفرائض.
وروى طاووس ايضاً قال: مررت بالحجر فاذا بشخص راكع وساجد تأملته فاذا هو علي بن الحسين، فقلت في نفسي رجل صالح من اهل بيت النبوة والله لأغتنمن دعاءه فجعلت ارقبه حتى فرغ من صلاته فرفع بطن كفيه وجعل يدعو الله وهو يقول:
الهي: سيدي، هاتان يداي قد مددتهما اليك بالذنوب مملوءتين وعيناي بالرجاء ممدودتين، وحق من دعاك بالندم تذللا ان تجيبه بالكرم تفضلاً.
سيدي: من اهل الشقاء خلقتني فاطيل بكائي؟ ام من اهل السعادة خلقتني فابشر رجائي؟
سيدي: ألضرب المقامع خلقت اعضائي؟ أم لشرب الحميم خلقت امعائي؟
سيدي: لو ان عبداً استطاع الهرب من مولاه لكنت اول الهاربين من مولاه لكني اعلم اني لا افوتك.
سيدي: لو ان عذابي مما يزيد في ملكك سألتك الصبر عليه، غير اني اعلم انه لا يزيد في ملكك طاعة المطيعين، ولا ينقص منه معصية العاصين.
سيدي: ما انا وما خطري؟ هب لي بفضلك وجللني بسترك، واعف عن توبيخي بكرم وجهك.
الهي وسيدي ارحمني مصروعاً على الفراش تقلبني ايدي احبتي، وارحمني مصروعاً على المغتسل يغسلني صالح جيرتي، وارحمني محمولاً قد تناول الأقرباء اطراف جنازتي وارحم في ذلك البيت المظلم وحشتي وغربتي، فلم يتمالك طاووس نفسه وتصاغر امام هيبة الخشوع وصدقه فاشفق عليه الإمام والتفت اليه قائلاً:
يا يماني ما يبكيك؟ او ليس هذا مقام المذنبين.
فقال طاووس بإجلال: حق على الله ان لا يردك.
ونقل عن الحسن البصري انه رأى الإمام في الكعبة يتضرع الى الله ومقبلاً على دعائه والتوسل اليه فدنا منه وسمعه ينشد في خشوع قلب ورقة كلام:
الا أيها المأمول في كل حاجة
شكوت اليك الضر فارحم شكايتي
الا يا رجائي انت كاشف كربتي
فهب لي ذنوبي كلها واقض حاجتي
وان اليك القصد في مطلب
وانت غياث الطالبين وغايتي
اتيت بافعال قباح رديئة
فما في الورى خلق جنى كجنايتي
فزادي قليل لا اراه مبلغي
أللزاد ابكي ام لبعد مسافتي
اتجمعني والظالمين مواقف
فاين طوافي ثم اين زيارتي
اتحرقني بالنار يا غاية المنى
فاين رجائي ثم اين مخافتي
فيا سيدي فامنن علي بتوبة
فانك رب عالم بمقالتي
فاندفع الحسن البصري نحو الإمام باكرام واجلال ومهابة , وهو يقول: يا ســلالة النبوة، ما هــذه المناجــاة والبكــاء وانت من اهل بيت النبوة قال الله إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.
فأجابه الإمام عليه السلام بلسان التقوى ولغة فيها بيان وموعظة: (دع هذا، خُلقت الجنة لمن اطاع الله ولو كان عبداً حبشياً، وخُلقت النار لمن عصاه ولو كان حراً قرشياً)، وقال صلى الله وعليه وآله وسلم: (ائتوني باعمالكم لا بانسابكم).
لقد كان وجود الإمام عليه السلام في البيت الحرام مدرسة في المناجاة وعالماً ملكوتياً ينبض بروح التوحيد وتفيض منه سمات الأخلاص في العبادة والصدق ومحبة المعبود، ومن مناجاته عليه السلام في المسجد الحرام ما رواه طاووس قال: رأيت علي بن الحسين يطوف من العشاء الى السحر ويتعبد، فإذا لم ير احداً رمق السماء بطرفه وقال: الهي غارت نجوم سماواتك وهجعت عيون انامك، وابوابك مفتحة للسائلين جئتك لتغفر لي وترحمني، وتريني وجه جدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عرصات القيامة.
ثم بكى وهو يواصل مناجاته قائلاً: اما وعزتك وجلالك ما اردت بمعصيتي مخالفتك، وما عصيتك اذ عصيتك وانا بك شاك، ولا بناكل جاهل، ولا لعقوبتك متعرض، ولكن سولت لي نفسي واعانني على ذلك سترك المرخى به عليّ، فانا الآن من عذابك من يستنقذني وبحبل من اعتصم ان قطعت حبلك عني، فواسوأتاه غداً من الوقوف بين يديك، اذا قيل للمخفين جوزوا وللمثقلين حطوا، امع المخفين اجوز؟ ام مع المثقلين احط؟ ويلي كلما طال عمري كثرت خطاياي ولم اتب اما آن لي ان استحي من ربي. ثم اجهش الإمام بالبكاء وانشأ يقول:
اتحرقني بالنار يا غاية المنى
فاين رجائي ثم اين محبتي
اتيت باعمال قباح ردية
وما في الروى خلق جنى كجنايتي
سبحانك تعصى كأنك لا ترى، وتحلم كأنك لم تعص، تتودد الى خلقك بحسن الصنيع كأن بك الحاجة اليهم، وانت يا سيدي الغني عنهم، ثم خر الىالأرض ساجداً قال طاووس: فدنوت منه ورفعت رأسه ووضعته في حجري: فوقعت قطرات من دموعي على خده الشريف فاستوى جالساً وقال بصوت خافت: من هذا الذي اشغلني عن ذكر ربي.
فاجابه طاووس بخضوع واكبار:
انا طاووس يا ابن رسول الله ما هذا الجزع والفزع؟ ونحن يلزمنا ان نفعل مثل هذا؟ ونحن عاصون جانون،ابوك الحسين بن علي وامك فاطمةالزهراء وجدك رسول الله، فاجاب الإمام عليه السلام بجواب يمتلئ حكمة واستعداداً ليوم الجزاء قال: هيهات، هيهات، يا طاووس دع عنك حديث ابي وامي وجــدي خلق الله الجنة لمن اطاعه واحسن، ولو كان عبداً حبشياً، وخلق النار لمن عصاه ولو كان سيداً قرشياً، اما سمعت قوله تعالى فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ.
انها دعوة لكل من ينتسب الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفي كل زمان بعدم الركون الى النسب وحده بل عليه ان يتحلى باخلاق النبوة وصدق العبادة والإخلاص في الدين، وان كانت ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم تنفرد بخصوصية وتشريف يوم القيامة، وهي انقطاع كل نسب وسبب حينئذ الا نسبه وسببه صلى الله عليه وآله وسلم.
وكان الإمام في البيت الحرام بالمناجاة والدعاء وملازمة الصلاة لقوله تعالىفَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ، فانه كان يقوم باداء وظائف الإمامة بالميسور في نصح الناس وتوجيههم وارشادهم الى امور دينهم سمع رجلاً يسأل الله في اثناء طوافه الصبر فالتفت الإمام عليه السلام اليه وقال : سألت البلاء ، ولكن قل : اللهم اني اسألك العافية، والشكر على العافية( ).
أي ان الصبر يترشح عن المصيبة فاراد الإمام عليه السلام ان يعطيه درساً في استثمار هذه المناسبة الكريمة خصوصاً في البيت الحرام ويدعو بالخير والله واسع كريم.
وروي ان الإمام عليه السلام رأى يوماً رجلاً وهو يقص عند الحجر الأسود، فقال له: اترضى يا حسن نفسك للموت؟ قال: لا، قال: فعملك للحساب؟ قال: لا ، قال: فثم دار للعمل غير هذه الدار؟ قال: لا، قال: فلله في ارضه معاذ غير هذا البيت؟ قال: لا، قال: فلم تشغل الناس عن الطواف؟( )
وفي ادعية الصحيفة السجادية دعاء يستقبل به الإمام عيد الأضحى مبتهلاً ومتضرعاً الى الله عز وجل راجياً قبول المناسك والطاعات ويسأله فيه العفو والمغفرة والرضوان ويطلب السلامة والأمان في مضامين ترى فيها كمال التوكل وتمام الإنقطاع الى الله الى جانب الأدب المعهود منه في مثل هذا المقام.
لقد كان الإمام عليه السلام يختار الخلوة للإنقطاع الى الله عز وجل في سعي صادق للقرب من منازل المحبة وللمواصلة اليومية في طرق التقوى.
حدث مولى له برز يوماً الى الصحراء، قال فتبعته فوجدته قد سجد على حجارة خشنة فوقعت وانا اسمع شهيقه وبكاءه، واحصيت عليه الف مرة وهو يقول لا اله الا الله تعبداً ورقاً، لا اله الا الله ايماناً وتصديقاً وصدقاً، ثم رفع رأسه من سـجوده وان وجهه ولحيته قد غمرا بالدموع.
فقلت له : يا سيدي ما آن لحزنك ان ينقضي وبكائك ان يقل.
فقال : ويحك ان يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم كان نبياً وابن نبي، له اثنا عشر ابناً فغيب الله واحداً ( )، منهم فشاب رأسه من الحزن واحدودب ظهره من الغم، وذهب بصره من البكاء ( )، وابنه حي في دار الدنيا وانا رأيت ابي وسبعة عشر من أهل بيتي مقتولين فكيف ينقضــي حزني ويقل بكائي.
مسند الإمام علي بن الحسين
لقد أولى المسلمون وقادتهم بالسنة الشريفة عناية خاصة ، حرصوا على تعاهدها والحفاظ عليها بلحاظ أنها المصدر الثاني للتشريع ولأنها بيان وتفسير للقرآن واحكامه الى جانب ما تتناوله من تفصيلات الحياة الإجتماعية والإقتصادية وآداب السلوك والأنظمة الأخلاقية والواقع اليومي للشخص والأسرة والمجتمع، ولأهمية ذلك ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حذر واشار الى ظهور الكذب عليه، فقد تصدى اهل البيت عليهم السلام ونفر من الصحابة والتابعين إلى ضبط احاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتوارثها توثيقاً وحفظاً.
وكان الإمام علي بن الحسين عليه السلام ممن أولى اهمية خاصة لرواية احاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم واملائها.
وقد نقل عنه الفقهاء واخذوا منه كثيراً من الأحاديث عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كما روى عن جده امير المؤمنين وابيه الحسين عليه السلام.
واختلف اليه وجوه التابعين وبعض الصحابة، كما ورثه في علمه ومقام الإمامة إبنه الإمام الباقر وأخذ يبث علوم أهل البيت، روي عن ابي مالك (عن عبد الله بن عطا المكي قال: ما رأيت العلماء عند احد قط اصغر منهم عند ابي جعفر محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام ولقد رأيت الحكم بن عيينة مع جلالته في القوم بين يديه كأنه صبي بين يدي معلمه) ( ).
وكان الإمام علي بن الحسين عليه السلام يحث على طلب العلم واخذه من اهله، واتباع حامليه استقصاء لأبوابه ، وتزوداً من آفاقه، فقيل انه ومع جلالة منزلته وسمو قدره كان يجلس في حلقة زيد بن اسلم فانكر عليه نافع بن جبير وقال له: غفر الله لك انت سيد الناس، تأتي حتى تجلس مع هذا العبد ، فاجابه الإمام ان العلم يبتغى ويؤتى ويطلب من حيث كان ، وبغض النظر عن ضعف السند فلابد ان وراء حضوره هذا مقاصد شريفة ومنافع متعددة منها التقية ودرء شر الحاسدين والبغاة والوشاة، ومتابعة كيفية اظهار علوم القرآن ونقل الاحاديث النبوية والافتاء وتبادل العلوم.
ولقد نظر الفقهاء وعلماء الرجال على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم بعين الثقة والإطمئنان الى الأسانيد التي تتصل بالإمام علي بن الحسين عليه السلام، قال ابو بكر بن ابي شيبة: (اصح الأسانيد الزهري عن علي بن الحسين عن ابيه عن علي)، وهناك أسانيد عديدة تتصف بالصحة والوثاقة تصل الى الإمام عليه السلام.
ومن الأحاديث التي رواها الإمام: ما اورده الزهري عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يتوارث اهل ملتين، ولا يرث مسلم كافراً ولا كافر مسلماً)، وروي عن جرير بن عبد الله، وأبي أمامة يرفعانه( ).
روى الإمام علي بن الحسين عن ابيه الحسين عن ابيه امير المؤمنين عليهم السلام ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن اربع: عن عمره فيما افناه، وعن شبابه فيمن ابلاه، وعن ماله من اين اكتسبه وفيما انفقه، وعن حبنا اهل البيت( ).
وبالإسناد نفسه روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: ما يوضع في ميزان امرئ يوم القيامة افضل من حسن الخلق( ).
روى عليه السلام عن ابيه عن جده ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: هبط علي جبرئيل فقال: ان الله يقرئك السلام ويقول: حرمت النار على صلب انزلك وبطن حملك وحجر كفلك.
وقال السيوطي في شرح الحديث: اما الصلب الذي نزل منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعبد الله، واما البطن فآمنة، واما الحجر فعمه أبو طالب وفاطمة بنت اسد.
وروى عليه السلام عن ابيه عن جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: ان احب الأعمال الى الله تعالى ادخال السرور على المؤمن.
وقال: حدثني ابي سيد شباب اهل الجنة الحسين قال: حدثني ابي علي بن ابي طالب عليه السلام قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: قال الله عز وجل: اني انا الله لا اله الا انا فاعبدوني فما جاء منكم بشهادة ان لا اله الا الله باخلاص دخل في حصني ومن دخل في حصني أمن من عذابي( ).
وروى عن ابيه الحسين عن ابيه امير المؤمنين عليهم السلام ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم , قال: يصلي المريض قائماً، فان لم يستطع صلى قاعداً، فان لم يستطع ان يسجد اومأ، وجعل سجوده اخفض من ركوعه فان لم يستطع ان يصلي قاعداً صلى على جنبه الأيمن مستقبلاً القبلة، فان لم يستطع صلى مستلقياً ورجليه مما يلي القبلة( ).
روى عليه السلام عن ابيه ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ان المؤمن ليشبع من الطعام فيحمد الله فيعطيه الله من الأجر ما يعطي الصائم القائم، ان الله يحب الشاكرين( ).
قال عليه السلام وجاء رجل الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: يا رسول الله لم اترك شيئا من القبيح الا وقد فعلته فهل لي من توبة.
فقال له: هل بقى من والديك احد.
فقال: نعم ابي.
فقال صلى الله عليه وآله وسلم: اذهب وابرره، فلما ولى , قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو كانت امه ( ).
أي ان باب التوبة لم يغلق، وعلى العبد ان يلتمس وجوه الإحسان والبر رجاء العفو والمغفرة، ان قوله صلى الله عليه وآله وسلم لو كانت امه أي ان البر بالأم اسرع للتوبة واقرب للمغفرة، في توكيد على اغتنام فرصة حياة الأم للتقرب الى الله ببرها والإحسان اليها.
قال عليه السلام: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه)( ).
وترى كثيراً من هذه الأحاديث تبرز على سيرة الإمام ونهجه واخلاقه السامية، فهو يتخذ السنة النبوية نبراساً وإماماً ومؤدباً، ويجتهد في اظهارها على الواقع العملي لحث الناس على اتباعها وعدم الغفلة والاعتذار بصعوبة احكامها.
الإمام والقرآن
لقد ولد الإمام علي بن الحسين عليه السلام في بيت النبوة حيث مهبط الوحي وموضع التنزيل فكان يتغذى بآيات القرآن ويتربى في رحابه.
وقد تلقى الآيات وهو في الرابعة من العمر في منازل جبرئيل وبيت النبوة والوحي وقد قام بتعليمه القرآن وقراءته عمه الحسن وابوه الحسين عليهما السلام ، وكان الإمام حليفاً للقرآن ، مواظباً على الإستشهاد به، متفانياً في المحافظة على أحكامه، يحب تلاوته ويقبل عليها بشغف وعشق وتنصهر عواطفه وتمتزج روحه مع آياته وما فيها من وعد ووعيد(عن الزهري قال: سمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول آيات القرآن خزائن فكلما فتحت خزانة ينبغي لك أن تنظر ما فيها)( ).
وتراه يفرح ويستبشر بالآيات التي تعد بالجنة وتشير اليها، ويرتعد خوفاً حينما يمر على آية فيها بيان لعذاب النار وحرها فكان صوته ينطلق صادقاً في خشوع وتهجد يبهر العقول ويجذب النفوس ويهيج مواطن الإيمان فيها، ولذلك وردت الروايات بان السقائين حين يمرون على باب داره يقفون لإستماع صوته( ).
لقد اراد الإمام عليه السلام ان يؤدب الناس، ويلفت انتباههم الى وجوب الإهتمام اليومي بالقرآن، سواء بتلاوته ام بتدبر آياته والإهتداء بنوره، أم باتخاذه سلاحاً للهداية والرشد.
وقد وردت عنه عليه السلام روايات كثيرة في بيان عظيم شأن القرآن والحث على تدبر آياته.
وروي انه اذا قرأ قوله تعالى مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، جعل يكررها حتى يكاد ان يموت لما يستحضره من اهوال الحساب وشدته، ولتعلق قلبه برحمة الله ورأفته يوم الفاقة.
لقد اتخذ الإمام عليه السلام من القرآن صديقاً مصاحباً ، وحبيباً ملازماً بعد ان عرف وايقن بان الباطل لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه , وقد قال عليه السلام لو مات ما بين المشرق والمغرب لما استوحشت بعد ان يكون القرآن معي( ).
ولقد أخذ عنه ابنه محمد الباقر عليه السلام وابنه زيد وغيرهما تفسيراً لآيات عديدة من القرآن كانت نبراساً وسبيلاً للحكمة ومنهاجاً مباركاً في صيغ وقواعد التفسير، منها ما رواه الإمام الباقر عنه في تفسير قوله تعالى الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشًا.
قال : انه سبحانه وتعالى جعل الأرض ملائمة لطباعكم، موافقة لأجسادكم، ولم يجعلها شديدة الحمأ والحرارة فتحرقكم ولا شديدة النتن فتعطبكم ولا شديدة اللين كالماء فتغرقكم، ولا شديدة الصلابة فتمتنع عليكم في دوركم وابنيتكم، وقبور موتاكم.
ولكنه عز وجل جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به وتتماسكون، وتتماسك عليها ابدانكم وبنيانكم وجعل فيها ما تنقاد به لدوركم وقبوركم وكثير من منافعكم فلذلك جعل الأرض فراشاً لكم.
ثم قال عز وجل وَالسَّمَاءَ بِنَاءً، أي سقفاً من فوقكم، محفوظاً يدبر فيها شمسها وقمرها ونجومها لمنافعكم.
ثم قال عز وجل وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً، يعني المطر ينزله الله من عل ليبلغ قلل جبالكم ، وتلالكم وهضابكم واوهادكم ثم فرقه رذاذاً ووابلاً وهطلاً، لتنشفه ارضكم، ولم يجعل ذلك المطر نازلاً عليكم قطعة واحدة فيفسد ارضكم واشجاركم وزروعكم وثماركم، ثم قال عز وجل [فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ] يعني مما يخرجه من الأرض رزقاً لكم [فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا] أي اشباهاً وامثالاً من الأصنام التي لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر ولا تقدر على شيء وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ انها لا تقدر على شيء من هذه النعم الجليلة التي انعمها عليكم ربكم تبارك وتعالى.
وفي قوله تعالى وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً قال صلى الله عليه وآله وسلم: بينه في تلاوته تبييناً، ولا تنثره نثر البقل ولا تهذه هذي الشعر، قفوا عند عجائبه لتحركوا به القلوب، ولا يكونن هم احدكم آخر السورة) ( )، وكان الإمام عليه السلام يواظب على تلاوة القرآن آناء الليل واطراف النهار، وحال الحضر والسفر ويحث على الفطنة لما فيه من الكنوز ويدعو الى اتباعه.
وفي قوله تعالى أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ قال عليه السلام: ضمنت على ربي ان الصدقة لا تقع في يد العبد حتى تقع في يد الرب( ).
وقال سعيد بن جبير: سألت الإمام زين العابدين عليه السلام عن القربى في الآية الكريمة قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى فقال عليه السلام: هي قرابتنا اهل البيت( ).
ان كتب التفسير والجوامع تضم الكثير من تفسير الإمام عليه السلام لآيات القرآن وبيان أحكامه ، وكان المرجع الذي يأخذ منه الفقهاء والقراء مسائل الشريعة وأسرارها ويتلقون منه أحكام القرآن وتفاصيل علم الفقه.
وكان عليه السلام يستدل بالقرآن في مواعظه وحكمه ويجعله حجة ودليلاً وسبيلاً للوصول الى الغايات النبيلة في هداية النفوس الإنسانية وصلاحها.
قال عليه السلام لبعض أصحابه: ليس لك ان تقعد مع من شئت فان الله تبارك وتعالى يقول وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
وليس لك ان تتكلم بما شئت فان الله تعالى يقول وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ولأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: رحم الله عبداً تكلم فغنم أو سكت فسلم) ( )، ويبين الإمام عليه السلام هنا الحقيقة المركبة للسان وانه ليس شراً محضاً بل ان وجوه الخير فيه اكثر ومن منافعه انه وسيلة البيان وآلة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وليس لك ان تسمع ما شئت فان الله تعالى يقول إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً .
يشير الإمام الى اجتناب الإستماع الى الغيبة لأنه حرام والى الفاحش من القول وما يكون مقدمة للحرام، انه دعوة لتنزيه الأسماع بالإضافة الى الأبصار والبطون، وقد لا يلتفت بعض الناس الى هذه المسألة، ويحترز من لسانه دون اذنه وسمعه فجاء الحديث موعظة وتنبيهاً وتحذيراً.
وفي علم الكلام وابوابه كانت اقوال الإمام علي بن الحسين عليه السلام آية ونبراساً ودليلاً وسبيلاً للهدى وحاجزاً عن التيه والضلال والقول بغير علم في هذا الباب الذي نزل فيه الإقدام.
سأله رجل قائلاً: جعلني الله فداك: أبقدر يصيب الناس ما اصابهم ام بعمل؟
فاجاب عليه السلام: ان القدر والعمل بمنزلة الروح والجسد فالروح بغير جسد لا تحس، والجسد بغير روح صورة لا حراك بها، فاذا اجتمعا قويا، وصلحا، كذلك العمل والقدر فلو لم يكن القدر واقعاً على العمل لم يعرف الخالق من المخلوق، وكان القدر شيئاً لا يحس ولو لم يكن العمل بموافقة من القدر لم يمض ولم يتم ولكنهما باجتماعهما.
ثم اضاف الإمام عليه السلام: الا ان من اجور الناس من رأى جوره عدلاً، وعدل المهتدين جوراً، الا ان للعبد اربعة اعين: عينان يبصر بهما امر آخرته، وعينان يبصر بهما امر دنياه، فاذا اراد الله عز وجل بعبده خيراً فتح له العينين اللتين في قلبه فابصر بهما الغيب، واذا اراد غير ذلك ترك القلب بما فيه، ثم قال له الإمام: هذا منه..هذا منه.
لقد سعى عليه السلام لصرف عقول الناس عن احضار لغة الكم والكيف في تنزيه صفات الله عز وجل عنها فقال: لا يوصف الله تعالى بالمحدودية ، عظم الله ربنا عن الصفة، وكيف يوصف بمحدودية من لا يحد، ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير.
وكان عليه السلام يحارب الشك ويسعى في تبديده ويدعو الناس الى الإيمان المحض والتسليم بالآخرة والإستعداد لها، قال : عجبت لمن شك في الله وهو يرى خلق الله، وعجبت لمن نسي الموت وهو يرى من يموت، وعجبت لمن أنكر النشأة الاخرة وهو يرى النشأة الاولى( ).
مواعظ الإمام
توجه الناس للإمام عليه السلام ليتزودوا بالتقوى وليأخذوا الحكمة من عين صافية ولينهلوا من رحاب بيت النبوة.
فقد كان الإمام يحذر الناس من الإغترار بالدنيا ويجتهد في بيان حقيقتها ليدفعهم الى التوجه الى استثمار ايامها في العبادة وابتغاء سبيل الطاعة للوصول الى الآخرة.
لقد حرص الإمام عليه السلام على تنمية ملكة محاسبة النفس عند الإنسان وتقوية الواعز الذاتي وايجاد رقيب في نفسه يردعه عن ابواب الشر وطرق الضلال كما في قوله عليه السلام:
يا ابن آدم لا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك، وما كانت المحاسبة من همك، وما كان لك الخوف شعاراً، والحزن لك دثاراً، يا ابن آدم انك ميت مبعوث، وموقوف بين يدي الله عز وجل ومسؤول فاعد جواباً.. ( )
وكان عليه السلام يستعين بالقرآن وآياته للوصول الى غاياته النبيلة في سلامة النفوس من الأدران ومنعها من الإفراط في حب الدنيا.
روى الزهري قال: ســمعت علياً بن الحسين يقول: من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حســرات والله ما الدنيــا والآخـرة ا لا ككفتي ميزان، فايهما رجح ذهب بالآخر، ثم تلا قوله تعالى إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ يعني القيامــة لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ خفضـت والله باعداء الله الى النار رَافِعَةٌ رفعت والله اولياء الله الى الجنة.
ثم توجه عليه السلام في الخطاب الى أحد جلسائه قائلاً: اتق الله واجمل في الطلب، ولا تطلب ما لم يخلق فان من طلب ما لم يخلق تقطعت نفسه، ولم ينل ما طلب وكيف ينال ما لم يخلق، فقال الرجل طالباً البيان والتفصيل: كيف يطلب ما لم يخلق؟
فقال عليه السلام: من طلب الغنى والأموال والسعة في الدنيا فانما يطلب ذلك للراحة في الدنيا، والراحة لم تخلق في الدنيا، ولا لأهل الدنيا انما خلقت الراحة في الجنة، والتعب والنصب خلقا في الدنيا ولأهل الدنيا( ).
أي ان الإمام عليه السلام يكشف عن زيف الدنيا ويخبر على انها دار غرور، ويدعو الى تلمس دروب الآخرة بالصلاح ومقومات الهداية قال تعالىالدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ.
ولقد أولى المسلمون شؤون الإمام وصحته عناية خاصة، وكانوا يحرصون على تفقد احواله فهو بقية بيت النبوة، وفي شخصه تتجلى معالم الإمامة.
سأله بعضهم : كيف اصبحت يا ابن رسول الله. فقال عليه السلام : اصبحت مطلوباً بثمان : الله يطالبني بالفرائض، والنبي يطالبني بالسنة، والعيال بالقوت، والنفس بالشهوة، والشيطان باتباعه، والحافظان بصدق في العمل، وملك الموت بالروح، والقبر بالجسد فانا بين هذه الخصال مطلوب( ).
لقد جعل الإمام عليه السلام من نفسه موعظة وعبرة للآخرين فليس من انسان الا وهو مطالب بهذه الثمانية الأمرالذي يعني حثاً وتنبيهاً للناس لمعرفة الدنيا والنظر اليها بعين الحكمة وعدم الإنخداع بمباهجها البراقة ذات الإضمحلال والزوال السريع.
لقد كان للإمام عليه السلام في كل حدث او واقعة موعظة وحكمة، وكانت وظيفته الدائمة الهداية وترسيخ الإيمان في النفوس وتوجيهها لركوب ناصية التقوى.
جاءه رجل يشكو حاله فاراد الإمام عليه السلام ان يدله على المواطن التي يجب ان يزداد اهتمامه بها فقال: مسكين ابن آدم له في كل يوم ثلاث مصائب لا يعتبر بواحدة منهن: ولو اعتبر لهانت عليه المصائب وامر الدنيا.
فأما المصيبة الأولى: فاليوم الذي ينقص من عمره، وان ناله نقصان في ماله اغتم به، والدرهم يخلف عنه والعمر لا يرده.
والثانية: انه يستوفى رزقه فان كان حلالاً حوسب عليه وان كان حراماً عوقب عليه.
والثالثة: اعظم من ذلك، فقيل له : وما هي ، قال: ما من يوم يمسي الا ودنا من الآخرة رحله لا يدري اعلى الجنة ام على النار.
كثيرة هي المواعظ التي وجهها الإمام عليه السلام للناس لتكون دواء للأدران ، وعلاجاً وصلاحاً للنفوس وضياء ينير دروب الحياة ويكشف عن طبيعتها، بالإضافة الى الموعظة العملية بسيرته الكريمة، ولقد كانت مواعظه وحكمه توكيداً لروح الصحيفة السجادية وانعكاساً لمضامينها في وجوب الخشية من الله والزهد بالدنيا والسعي الى الآخرة كما كان لتلك المواعظ أثر بليغ في النفوس لما امتازت به من روح الصدق ورؤيتها مجسدة بوضوح في سلوك الإمام وواقعه اليومي الى جانب منزلته الرفيعة في القلوب ونسبه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
ومما يتصف به أهل البيت عليهم السلام ان فعلهم مطابق لأقوالهم، وظاهرهم لباطنهم، وهما معاً ترجمة للقرآن ، وتصديقاً لآياته ، لقد سعوا جاهدين لتثبيت أنظمة الإسلام وأحكامه.
ان التدبر في لغة مواعظه عليه السلام ودراسة مضامينها العالية وتحليل رموزها ومقارنتها مع أدعية الصحيفة ومعانيها يظهر نتائج وامارات تؤكد صحة انتساب الصحيفة الى صاحبها لما بينهما من تطابق في المعنى والغايات، خاصة وان الإمام عليه السلام كان لا يفرط بساعة من يومه، فلا تمر عليه لحظة الا ويستثمرها في العبادة والتنسك، كما كان يقضي ساعة اختلاطه بالناس في الوعظ والإرشاد، ويقضي ساعة الخلوة في الإقبال الدؤوب على العبادة والدعاء.
(سأله رجل عن السكوت والكلام ايهما افضل؟ فقال الإمام: لكل واحد منهما آفات، فاذا سلما من الآفات فالكلام افضل، فقال احدهم كيف ذاك يا ابن رسول الله.
فاجاب : ان الله سبحانه لم يبعث الأنبياء والأوصياء بالسكوت، انما بعثهم بالكلام، ولا استحقت الجنة بالسكوت، انما ذلك كله بالكلام وما كنت لأعدل القمر بالشمس).
أي انه عليه السلام جاء بالمقارنة بين الشمس والقمر لبيان فضل الكلام في جنب الله وانه كالشمس في ضيائها وعموم نفعها.
ويكشف الإمام عليه السلام في الحديث عن حقيقة تكوينية وتشريعية وهي ان ما ينطــق به اللسان من الأضداد وان عمله على وجوه :
الأول : النطق بالخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثاني : النطق بالشر.
الثالث : السكوت.
وبين الأول والثاني أعلاه تناف وتضاد، وبين الأول والثالث عموم وخصوص من وجه، والكلام مع سلامته وحسنه شرعاً هو الأفضل لأنه يؤدي الى الجنة.
ان الإمام عليه السلام يرد ضمناً على المقولة الشائعة الى الآن بان اللسان شر اعضاء البدن ، وحرص على بيان فوائده بضبطه واخضاعه للحق والقواعد الشرعية.
ولقد بيّن الإمام عليه السلام نوع الكلام ولغة التخاطب بين الناس إذ حث على الكلام الحسن قائلا: ” القول الحسن يثري المال، وينمي الرزق، وينسأ في الأجل، ويحبب الى الأهل، ويدخل الجنة”( ).
وروى الإمام عليه السلام بعضاً من مناجاة موسى بن عمران عليه السلام مع الله عز وجل : أوحى الله الى موسى: حببني الى خلقي ، وحبب خلقي الي، فقال موسى: يا رب كيف افعل؟ قال: ذكرهم آلائي ونعمائي ليحبوني فلا ترد آبقاً عن بابي، او ضالاً عن فنائي، ان ذلك افضل من عبادة مائة سنة يصام نهارها ويقام ليلها.
قال موسى : من هذا العبد الآبق منك؟ قال الله: المتمرد قال: فمن الضال عن فنائك ، قال : الجاهل بامامه والغائب عنه بعد ما عرفه والجاهل بشريعة دينه، تعرفه شريعته وما يعبد به ربه تعالى ويتوسل به الى مرضاته( ).
ونقل الإمام عليه السلام من الانجيل ما فيه حث على العمل ووجوب اقترانه بالعلم المحصل وعدم تخلفه عنه، قال: مكتوب في الانجيل لا تطلبوا علم ما لا تعلمون، ولما تعملوا بما علمتم، فان العلم اذا لم يعمل به لم يزد صاحبه الا كفراً ولم يزدد من الله الا بعداً، ومثل الحديث يؤكد حقيقة عقائدية ثابتة في الملل السماوية وهي ان المسلمين ورثة الأديان السابقة وان اهل البيت عليهم السلام عندهم خزائن العلم.
ووردت احاديث عديدة عن الإمام زين العابدين في سنن الأنبياء وسيرتهم للإقتداء بها والتحلي باخلاقهم كما ذكر لأصحابه بعض القصص من الأمم السابقة لتعميق الإيمان والإقبال على العبادة ومنع الغرور وحجبه عن اهلها، وازالة اسباب الوحشة عن سبل السالكين.
روى الزهري ان الإمام زين العابدين عليه السلام قال: كان آخر ما اوصى به الخضر لموسـى بن عمران انه قال: لا تعيرين احداً بذنب وان احب الأمور الى الله عز وجل ثلاثة: القصد في الجدة، والعفو في المقدرة، والرفق بعباد الله وما رفق احد باحد في الدنيا الا رفق الله عز وجل به يوم القيامة ورأس الحكمة مخافة الله( ).
ويؤكد الحديث الملازمة بين النبوة وعلم الأخلاق لذا كان آدم عليه السلام اول نبي حاملاً للواء هذا العلم وادرك الحاجة اليومية اليه في تهذيب النفس الإنسانية وصلاح المجتمعات منذ ان قتل قابيل هابيل اذا لم نقل منذ ان اكل آدم نفسه من الشجرة واهبط الى الأرض ، قال تعالى فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ.
ولعل قتل الأخ لأخيه سبقته خصومة ومشاحنات وحسد فجاء الحديث لنشر السجايا الحميدة وتطهير النفوس وسد الذرائع ومنع مقدمات الفتنة، والإقتداء الفعلي بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
لقد كان الإمام عليه السلام من اهل الحق والداعين الى التسليم به والرضا بقدر الله.
عن ابي حمزة قال: قال ابو جعفر عليه السلام: لما حضرت علي بن الحسين عليه السلام الوفاة ضمني الى صدره وقال يا بني اوصيك بما اوصاني به ابي حين حضرته الوفاة وما ذكره ان اباه اوصاه به يا بني اصبر على الحق وان كان مراً)( ).
(قال ابو حمزة الثمالي : قرأت صحيفة فيها كلام زهد من كلام علي بن الحسين عليه السلام فكتبت ما فيها ثم اتيت علي بن الحسين عليه السلام فعرضت ما فيها عليه فعرفه وصحح ما كان فيها: بسم الله الرحمن الرحيم كفانا الله واياكم كيد الظالمين وبغي الحاسدين، الى ان قال ولا تركنوا الى ما في هذه الدنيا ركون من اتخذها دار قرار ومنزل استيطان، وليس يعرف تصرف ايامها وتقلب حالاتها وعاقبة ضرر فتنتها الا من عصمه الله ونهج سبل الرشد وسلك طريق القصد ثم استعان على ذلك بالزهد واتعظ بالصبر وزهد في عاجل بهجة الدنيا وتجافى عن لذتها ورغب في دار نعيم الآخرة وسعى لها سعيها)( ).
ويدل هذا الحديث على ان للإمام علي بن الحسين صحفاً مكتوبة، ولا غرابة في ذلك خاصة مع وجود ادعية الصحيفة السجادية وتعاهدها من قبل أهل البيت ومباشرتهم لحفظها.
كما يبين حرص الأصحاب على توثيق كلامه والإتعاظ به واتخاذه منهجاً وتفسيراً لآيات القرآن.
وعن أبي حمزة الثمالي عن الإمام الباقر عليه السلام قال : حضر علي بن الحسين عليه السلام الوفاة ضمني إلى صدره ثم قال : يا بني اوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة وبما ذكر أن أباه أوصاه به قال : يا بني ، إياك وظلم من لا يجد عليك ناصرا إلا الله ( ).
في رحاب قلمه الشريف
تتضمن “رسالة الحقوق” التي كتبها الإمام علي بن الحسين عليه السلام علوماً جمه واتحف بها بعض اصحابه والتي جاءت روايتها عن ثابت بن دينار ابي صفية المعروف بابي حمزة الثمالي( ) وثيقة ومنهاجاً شاملاً لأشكال السلوك الإنساني ومساهمة فعالة في تطوير حياة الفرد وارتقاء المجتمع ووقايته من اسباب الفساد، ومدرسة لتعريف الفرد بواجباته وما يستلزم مراعاته ببيان روحاني وتفصيل ممتلئ بروح الود والنصيحة والإعانة.
ولقد ذكرت الرسالة في كتب المتقدمين من المحدثين، فقد ذكرها الصدوق باسناده، ومحمد بن يعقوب الكليني، والحسن بن علي بن شعبة الحراني.
وقبل ان يشرع الإمام عليه السلام في تفصيل الحقوق والواجبات بدأ بذكرها اجمالاً وقدم لها عرضاً موجزاً قال: اعلم رحمك الله ان لله عليك حقوقاً محيطة بك، في كل حركة تحركتها او سكنة سكنتها، او منزلة نزلتها او جارحة قلبتها، وآلة تصرفت بها بعضها اكبر من بعض، واكبر حقوق الله عليك ما اوجبه لنفسه تبارك وتعالى من حقه الذي هو اصل الحقوق ومنه تفرع.
ثم اوجبه عليك لنفسك من قرنك الى قدمك على اختلاف جوارحك فجعل لبصرك عليك حقاً ولسمعك عليك حقاً وللسانك عليك حقاً ولفرجك عليك حقاً فهذه الجوارح السبع التي بها تكون الأفعال.
ثم جعل عز وجل لأفعالك عليك حقوقاً، فجعل لصلاتك عليك حقاً ولصومك عليك حقاً، ولصدقتك عليك حقاً، ولهديك عليك حقاً، ولأفعالك عليك حقاً.
ثم تخرج الحقوق منك، الى غير ذلك من ذوي الحقوق الواجبة عليك، واوجبها عليك حق ائمتك، ثم حقوق رعيتك ثم حقوق رحمك فهذه حقوق يتشعب منها حقوق، فحقوق ائمتك ثلاثة اوجبها عليك: حق سائسك بالسلطان ثم سائسك بالعلم، ثم حق سائسك بالملك، وكل سائس امام.
وحقوق رعيتك ثلاثة: اوجبها عليك حق رعيتك بالسلطان ثم حق رعيتك بالعلم فان الجاهل رعية العالم، وحق رعيتك بالملك من الأزواج وما ملكت من الإيمان.
وحقوق رحمك متصلة بقدر اتصال الرحم في القرابة، فاوجبها عليك حق امك ثم حق ابيك ثم حق ولدك، ثم حق اخيك ثم الأقرب فالأقرب، والأول فالأول، ثم حق مولاك المنعم عليك، ثم حق مولاك الجاري نعمتــه عليك، ثم حق ذوي المعروف لديك، ثم حق مؤذنك بالصلاة، ثم حق امامك في صلاتك، ثم حق جليسك ثم حق جارك، ثم حق صاحبك ثم حق شريكك، ثم حق مالك، ثم حق غريمك الذي تطالبه، ثم حق غريمك الذي يطالبك، ثم حق خليطك، ثم حق خصمك المدعي عليك، ثم حق خصمك الذي تدعي عليه، ثم حق مستشيرك، ثم حق المشير عليك، ثم حق مستنصحك، ثم حق الناصح لك، ثم حق من هو اكبر منك، ثم حق من هو اصغر منك، ثم حق سائلك، ثم حق من سألته، ثم حق من جـرى لك على يديـه مســاعدة بقـول او فعـل او مسـرة بذلك بقول او فعــل عـن تعمـد منه او غير تعــمـد منه، ثم حــق اهـل ملتك عامة، ثم حـق اهـل الذمة، ثم الحقـوق الجــاريـة بقـدر علل الأحوال، وتصرف الاسباب، فطوبى لمن اعانه الله على قضاء ما اوجب عليه من حقوقه، ووفقه وسدده.
ثم يأتي الإمام عليه السلام على بيان تلك الحقوق وشرحها شرحاً وافياً لتترسخ تفاصيلها في أعماق النفوس ، وتبرز احكامها وآدابها على الجوارح وبما يجعل الفرد والمجتمع في أمن وسلام وتتغشاهما البركة.
ونسب الى الإمام علي بن الحسين عليه السلام ايضاً “المناجاة الخمس عشرة” وتتضمن التوجه الى الله عز وجل بروح الأمل وبرداء التضرع والخشوع وبلسان التقوى، وقد شاعت نسبتها الى الإمام عليه السلام بين العلماء وذكرها المجلسي في البحار، وعدها بعضهم من ملحقات الصحيفة، وترجمت ايضاً الى لغات متعددة لتكون كل منها معراجاً في مسالك رضاه تعالى والإقتراب من مناهل رحمته ودليلاً للمسلمين ودعوة الى الإنابة والصلاح والتوفيق وهي:
1- مناجاة التائبين. 2- مناجاة الشاكين
3- مناجاة الخائفين. 4- مناجاة الراجين.
5- مناجاة الراغبين. 6- مناجاة الشاكرين.
7- مناجاة المطيعين لله تعالى. 8- مناجاة المريدين.
9- مناجاة المحبين. 10- مناجاة المتوسلين.
11- مناجاة المفتقرين. 12- مناجاة العارفين.
13- مناجاة الذاكرين. 14- مناجاة المعتصمين.
15- مناجاة الزاهدين.
وقد ورد ذكر كتاب ينسب الى الإمام علي بن الحسين عليه السلام، ربما يكون مما يتوارثه الأئمة عليهم السلام ويرجعون اليه في الرواية وغيرها مما يدل على وجود التدوين عند الأئمة عليهم السلام وتعاهدهم له.
نقل عن الإمام محمد الباقر عليه السلام قال: وجدنا في (كتاب علي بن الحسين): الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، اذا ادوا فرائض الله، واخذوا سنن رسول الله وتورعوا عن محارم الله، وزهدوا في عاجل زهرة الحياة الدنيا، ورغبوا فيما عند الله، واكتسبوا الطيب من رزق الله، لا يريدون به التفاخر والتكاثر ثم انفقوا في ما يلزمهم من حقوق واجبة فاولئك الذي بارك الله لهم في ما اكتسبوا، ويثابون على ما قدموا لآخرتهم( ).
التقوى حجاب
لم يفارق سمو الأخلاق وحسن الأدب وعظيم السجايا سلوك الإمام عليه السلام طيلة ايام حياته وفي تعامله مع مختلف الناس وفي جميع الأحوال، فاظهر كرماً وخلقاً عظيماً مع الجميع بما في ذلك الذين ناصبوه وآباءه العداء البغضاء.
ولم تغادره سمات رفعة وسمو الأخلاق في احلك الأحوال وابدى ارقى منازل المروءة عند انقلاب دورة الزمان على من كان يؤذيه واثبت انه لم يعرف لروح التشفي معنى.
فعندما ثارت المدينة المنورة في واقعة الحرة سنة 63 للهجرة بزعامة نفر من المهاجرين والأنصار على يزيد بن معاوية، ارتبك بنو امية القاطنين فيها وضاقت عليهم الحيل وخاف مروان بن الحكم على نسائه وعياله فالتجأ الى عبد الله بن عمر طالباً منه حمايتهن فاعتذر عن اجابته( ).
ففزع مروان الى بيت النبوة ومعدن الرحمة مع عدائه وكثرة ايذائه لهم، واسرع الى الإمام علي بن الحسين عليه السلام فضم نساء بني امية الى حرمه وخرج بهن مع عياله الى ينبع( ).
وقد روى المؤرخون ان الإمام عليه السلام كفل اربعمائة امرأة وضمهن الى عياله، الى ان انتهت واقعة “الحرة” المؤلمة.
واقسمت واحدة منهن انها ما رأت في دار ابيها من الراحة والعيش الهنيء مثل ما رأته في دار الإمام علي بن الحسين.
وكان مسلم بن عقبة رئيس جيش يزيد بن معاوية ينتظر احضار الإمام عليه السلام ويكرر اعلانه بالبطش به، وكان الإمام عليه السلام مشغولاً اثناء ذلك بالدعاء والعبادة، وفيما يخص الأمر توجه الى الله عز وجل بهذا الدعاء :
رب كم نعمة انعمت بها عليّ قل لك عندها شكري وكم من بلية ابتليتني بها قل بها صبري، فلا تخذلني يا ذا المعروف الذي لا ينقطع ابداً يا ذا النعماء التي لا تحصى عدداً صلِ على محمد وآل محمد وادفع عني شره، فاني ادرأ بك في نحره واستعيذ بك من شره”، ولما جيء بالإمام عليه السلام وادخل على مسلم بن عقبة امتلأ الأخير فزعاً من هيبته واجلسه على فراشه وقال له: سلني حوائجك، فاخذ الإمام يشفع لمن صدر الأمر بقتله فاجابه الى جميع ذلك.
وشوهد الإمام عليه السلام لما انصرف يحرك شفتيه فقيل له: ماذا كنت تقول؟ فقال: قلت: “اللهم رب السماوات السبع وما اظللن والأرضين السبع وما اقللن، ورب العرش العظيم رب محمد وآله الطاهرين، اعوذ بك من شره وادرأ بك في نحره، اسألك ان تؤتيني خيره، وتكفيني شره.
وقيل لمسلم بن عقبة: رأيناك تسب هذا الغلام وسلفه، فلما اتى اليك رفعت منزلته؟ فقال: ما كان ذلك لرأي مني، ولكن قد ملئ قلبي منه رعباً( ).
لقد كانت حياة الإمام علي بن الحسين عليه السلام جامعة اسلامية تبعث اشعاعاتها الفكرية والروحية لتختط مسالك مباركة ودروباً للسالكين سبل الإيمان، وكانت ادعية الصحيفة السجادية عناوين هدى ذات مضامين نورانية تساهم في استضاءة طرق الفلاح ومسالك الصلاح، ففي صفحات حياة الإمام السجاد عليه السلام التي وظفها لطاعة الله ومرضاته، تحس بسياحة في عالم الملكوت وعند قراءة مضامين الصحيفة السجادية تتجسد لك وجوه مشرقة من ايامه المباركة.
وفي الحديث : من تخلق للناس بما يعلم الله انه ليس من نفسه شانه الله ، ولقد كان الإمام عليه السلام يؤكد في سيرته على التطابق المبارك بين سره وعلانيته، وفيه دعوة لصلاح النفوس ونبذ الرياء وطرد الغل وآفات النفس ووسوسة الشيطان.
لقد جمع الإمام عليه السلام بين ارقى مراتب الورع والتقوى وبين الثبات على العقيدة والتنزه عن صيغ الباطل ولم يتردد في اختيار اكرام القرآن واظهار معاني التقوى وان كلفه المال الكثير.
وفي خبر علي بن ابي حمزة عن ابي بصير عن ابي جعفر عليه السلام ان اباه كانت عنده امرأة من الخوارج، اظنه قال: من بني حنيفة.
فقال له مولى : يا بن رسول الله ان عندك امرأة تبرأ من جدك أي من الإمام علي عليه السلام فقضي لأبي ان طلقها فادعت عليه صداقها.
فجاءت به الى أمير المدينة تستعديه.
فقال له امير المدينة: يا علي اما ان تحلف واما تعطيها.
فقال لي : يا بني قم فاعطها اربعمائة دينار، فقلت له : يا أبه، جعلت فداك: الست محقاً؟ قال: بلى يا بني ولكني أجللت الله ان احلف به يمين صبر( ).
رحلة في عالم الدعاء
لم تقف نعم الله ورحمته على الإنسان عند خلقه او تنحصر في عالمه التكويني بل انها ترافقه في حياته في سجل مفتوح وابواب من الخير مطردة الآفاق وتتعدى الى خارج عالمه المحسوس وزمان وجوده وشخصه، قال تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا وللدعاء في هذا الباب وظيفة مركبة فهو جزء عظيم من تلك النعمة ومفتاح ومدخل للكثير من ابوابها، انه مسلك العارفين وسبيل السائرين على جادة الهدى والصواب، فيه تنال الرغائب وتتحقق الأماني وتتنزل شآبيب الرحمة.
ان قوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ… مدرسة عقائدية لأهل التوحيد يتظلل اهل الأرض بفيئها ويستفيدون من بركاتها التي تتغشى الناس بدعاء الصالحين والأولياء واولئك الذين يتخذون التعميم صبغة لدعائهم لما فيه من تقريب الإستجابة وافتتاح ابوابها واقرار وتسليم بأن الله واسع كريم ، ففي الكافي عن ابن القداح عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اذا دعا احدكم فليعم فانه اوجب للدعاء.
وادعية الصحيفة السجادية امتثال لأمره تعالى في هذه الآية المباركة، وفعل ايماني وحرز من العترة الطاهرة للإنتفاع من نعمة الدعاء التي فتحها الله للناس، وارشاد للأمة الى المسالك الهادفة في ابواب الدعاء، وكيفية إستثماره، وصور التوجه بالمسألة الى الباري عز وجل، فانت ترى مثلاً لغة الإقرار والإعتراف بالذنب جلية في ابواب الصحيفة مع اجماع الأمة وفقهائها على نزاهة الإمام علي بن الحسين عليه السلام واعتصامه الدائم بالتقوى وملازمته للصلاح في جميع مراحل حياته التي قضاها بالعبادة والتنسك، قال تعالىإِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.
ترى لماذا اذن لغة الإقرار هذه؟ انها طريق مبارك لإرشاد الناس الى سبل الدعاء وكيفية سلوك الطرق التي تصعد بالدعاء الى السماء وعن معاوية بن عمار عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: انما هي المدحة ثم الثناء، ثم الإقرار بالذنب، ثم المسألة انه والله ما خرج عبد من ذنب الا بالإقرار.
لقد توارثت اجيال المسلمين انظمة مدرسة السجاد في الدعاء وادركت في الواقع المحسوس شرائط الدعاء والتماس الإستجابة وترسخت القيم الأخلاقية التي حث عليها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مسالك الدعاء ورجاء الإسـتجابة ولغة التوسل الى مقام الربوبية بلسان الذل والخضوع ورداء المسكنة والإستكانة، بصبغة العبودية والخشوع للباري عز وجل والاقتداء ببيت النبوة تعاهد المسلمون ادعية الصحيفة واقبلوا على قراءتها والإقتباس من ادعيتها وازداد حفظهم لها بصورة خاصة بعد لمس منافعها، وكل دعاء يتضمن المنافع والخير الكثير، وما من فرد منه الا ويسمعه الله عز وجل وتتلقاه الملائكة بالإستبشار والتأمين، كما ان ادعيتها مجتمعة ومنفردة ساهمت في ابراز آداب الدعاء والمحافظة عليها.
الدعاء لغة
الدعاء هو النداء ويأتي بمعنى الإستغاثة وهي احدى وجوه العنوان الإصطلاحي للدعاء، والتي منها العبادة وقد ورد في الحديث: ان الدعاء مخ العبادة.
وقد يطلق على تمجيده تعالى والثناء عليه، وفي حديث عرفة: اكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفات لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ولذلك يعتبر التحميد والتهليل من افضل الأسباب لقضاء الحوائج باعتباره اشتغالاً بذكره تعالى واعراضاً عن الدنيا ونسياناً للذات ورغبات النفس، وهياماً في محبته تعالى وتعظيماً لمقامه.
ان التفكر بآيات قدسه يجعل البصر والبصيرة يسبحان في جلال جبروته، ويحول دون الانصياع التام لحاجات النفس الشهوية والغضبية، فذكره تعالى نعمة وفضل ومدخل للسعادة في الدارين، وسلاح وحرز لما يأتي به الغد من المجهول والأمور الغيبية.
وفي الحديث القدسي: (اذا شغل عبدي ثناؤه عليّ من مسألتي اعطيته افضل ما اعطــي السائلين، وفي التنزيل ما يؤكد ان التحميد دعاء، قال تعالى وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
ومن تلك الوجوه الرغبة الى الله عز وجل، يقال دعاه دعاء ودعوة.
فضل الدعاء
الدعاء عالم رحب واسع الأبعاد يلمس فيه المتتبع وذو التجربة وصاحب الإيمان آيات من فضل الله تعالى ، فهو سبحانه بيده مقاليد الأمور، وهو على كل شيء قدير، وفي قوله تعالى يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ اضواء على حكمته تعالى في سن باب الدعاء وفتح وجوه الإستجابة.
فالآية وثيقة مباركة يمكن التمسك بها في استثمار الدعاء وانتظار الإستجابة في كل شأن من شؤون الحياة، ولا تعارض بين المستحدثات التي تنبثق من الدعاء وسؤال الحوائج منه تعالى وبين القاعدة الكونية القائلة بان الله جعل الأشياء باسبابها اذ ان الدعاء سبب ملكوتي وايماني لا يتعارض مع التركيبة الطبيعية للأحداث فسلاح الدعاء ينفذ اليها، وان لم يكن من جنسها بل له التأثير الفعال فيها كماً وكيفاً، وربما كانت تلك الأسباب منقادة لمساره وممتثلة للخصوصيات التي يمتاز بها.
وهذا لا يتنافى مع الأخبار الواردة في الحث على السعي وابتغاء الحوائج من اسبابها الواقعيــة وطرقها الظاهرية ومقدماتها العملية كما في رواية عمر بن يزيد قال: (قلت للإمام جعفر الصادق عليه السلام: رجل قال لأقـعدن في بيتي ولأصلين ولأصومن ولأعبدن ربي فاما رزقي فسيأتيني، فقال ابو عبد الله الإمام الصادق عليه السلام هذا احد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم.
قلت : ومن الإثنــان الآخران؟ قال: رجل له امرأة يدعــو الله ان يريحه منها ويفـرق بينه وبينها، فيقال له: امرها بيدك خل سـبيلها ورجل له حـق على انســان لم يشــهد عليه , فيــدعــو الله ان يـرد عليه فيقــال له: قد امــرتك ان تشـهد وتستوثق فلم تفعل).
ولقد استدل الأئمة عليهم السلام بالقرآن والسنة لبيان ضرورة السعي وطلب الرزق وعدم التعارض بين الدعاء والنسك من جهة وبين السعي والعمل من جهة اخرى، (عن علي بن عبد العزيز قال: قال ابو عبد الله عليه السلام: ما فعل عمر بن مسلم؟ قلت: جعلت فداك اقبل على العبادة وترك التجارة , فقال: ويحه اما علم ان تارك الطلب لا يستجاب له دعوة، ان قوماً من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما نزلتوَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ اغلقوا الأبواب واقبلوا على العبادة وقالوا قد كفينا فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فارسل اليهم فقال ما حملكم على ما صنعتم؟ فقالوا: يا رسول الله تكفل الله لنا بارزاقنا فاقبلنا على العبادة , فقال انه من فعل ذلك لم يستجب له، عليكم بالطلب.
هذا بالإضافة الى النصوص الواردة في استحباب الكسب وهو أعم من التجارة ويتضمن مطلق طلب الرزق وحيازة المباحات والصناعات، كما ورد عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام انه قال: ليس منا من ترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه).
ومن الأدلة القرآنية على عدم التنافي قوله تعالى كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
وعن ابي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين عليه السلام قال خرجت حتى انتهيت الى هذا الحائط فاتكأت عليه فاذا رجل عليه ثوبان ابيضان ينظر في اتجاه وجهه ثم قال: يا علي بن الحسين هل رأيت احداً دعا الله فلم يجبه قلت: لا، فهل رأيت احداً توكل على الله فلم يكفه قلت : لا، قال: فهل رأيت احداً سأل الله فلم يعطه قلت: لا، ثم غاب عني( ).
انها جامعة الملكوت التي تتعاهد اهل البيت والمسلمين واهل الصلاح والتقوى في عالم الحس والمعاينة للموعظة وزيادة الإيمان والحث على الهداية والرشاد والإجتهاد في العبادة والمنع من اليأس او القنوط، وفيها دعوة للإقامة على الدعاء والبقاء على حال الرجاء والأمل وانتظار الرحمة والفضل من الله تعالى.
وبالإسناد عن الزهري قال: سمعت مولانا علي بن الحسين عليه السلام يحاسب نفسه ويناجي ربه ويقول: يا نفس حتى مً الى الدنيا ركونك( ).
مما هو متسالم عند المسلمين في جميع اجيالهم زهد الإمام علي بن الحسين بالدنيا وعزوفه عنها سواء بانقطاعه الى العبادة والدعاء، او بسخائه وكرمه، او بمواظبته على الصلاة، او باعراضه عن الجاه والسلطان وهو اولى من غيره بالحكم وشؤون السلطنة واتخاذها وسيلة لإقامة شعائر الله والإنصاف والأمر المعروف والنهي عن المنكر.
ومع تخليه عن الدنيا وزينتها فانه اظهر الإعتراف بميله لها وقام بتوبيخ النفس على الركون لها وزجرها ومنعها من استمرار اتباع الهوى واللهث وراء مباهج ولذات الدنيا، ليكون هذا الإعتراف دعوة للمسلمين للتخلص من هيمنة النفس الشهوية.
وفي رواية عيسى بن جعفر عن الإمام الكاظم عن آبائه عليهم السلام قال: ان علي بن الحسين عليهما السلام قال لولده: ان شتمك رجل عن يمينك ثم تحول عن يسارك فاعتذر اليك، فاقبل عذره.
وتتجلى مكارم الأخلاق في هذه الوصية خصوصاً مع لحاظ منزلة اهل بيت النبوة ووظيفة المسلم باكرامهم وودهم واحترامهم، وهي دعوة لتهذيب السلوك وقهر النفس الغضبية، وهي امر بتلقي اعتذار المسيء بقبول حسن وعدم رده، وهذه الوصية موجهة للمسلمين جميعاً بالأولوية لنشر المحبة ودفع الضغائن، كما انها مقتبسة من هدي الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم فقد ورد في وصيته صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: “يا علي من لم يقبل من متنصل عذراً صادقاَ كان او كاذباً لم ينل شفاعتي”( ).
ونذكر هنا ردنا على شبهات تتعلق بالدعاء ذكرها الرازي في تفسيره : اختلف الناس في الدعاء فقال بعض الجهال الدعاء شيء عديم الفائدة واحتجوا عليه من وجوه) ( )، وقد رد الرازي على هذا القول ونضيف :
ان نعت الذي ينفي فوائد الدعاء بالجهالة مع التبعيض أي بعض الجهال وليس كلهم، يدل على عدم استحقاقه لوصف المخالف ولا يرقى الى صدق عنوان الخلاف بل هو قول شاذ نادر لا عبرة به، وان جاء اسم الجنس بلفظ (الناس) وليس المسلمين، فوصفهم بالجهال وعلى نحو التبعيض علة لعدم الإلتفات لقولهم ، وهو من عمومات قوله تعالىوَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا.
ثم قال : واحتجوا عليه من وجوه (احدها) ان المطلوب بالدعاء ان كان معلوم الوقوع كان واجب الوقوع، فلا حاجة الى الدعاء، وان كان غير معلوم الوقوع كان ممتنع الوقوع، فلا حاجة ايضاً الى الدعاء، وان كان غير معلوم الوقوع كان ممتنع الوقوع، فلا حاجة ايضاً الى الدعاء، (وثانيها) ان حدوث الحوادث في هذا العالم لابد من انتهائها بالآخرة الى المؤثر القديم الواجب لذاته، والا لزم اما التسلسل، واما الدور واما وقوع الحادث من غير مؤثر وكل ذلك محال واذا ثبت وجوب انتهائها بالآخرة الى المؤثر القديم، فكل ما اقتضى ذلك المؤثر القديم وجوده اقتضاء قديماُ ازلياً كان ممتنع الوقوع ولما ثبتت هذه الأمور في الأزل لم يكن للدعاء البتة أثر، وربما عبروا عن هذا الكلام بان قالوا : الأقدار سابقة والأقضية متقدمة والدعاء لا يزيد فيها، وتركه لا ينقص شيئاً منها، فأي فائدة في الدعاء)( ).
والجواب على الشبهة الأولى ان الدعاء ينتفع منه العبد كوجه من وجوه الطاعة والعبودية لذا ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: الدعاء مخ العبادة( )، وفي خبر آخر عنه عليه السلام : الدعاء هو العبادة( ).
واذا كان معلوم الوقوع عند الله تعالى فهو معلوم حدوثه بفضله تعالى ولأن الله يعلم بان العبد يدعوه وعلمه تعالى سابق لوقوع الفعل من العبد، فكأن الدعاء جزء علة للوقوع.
وقوله: “ان كان غير معلوم الوقوع كان ممتنع الوقوع، فالظاهر في العبارة نوع مسامحة لأن تعالى احاط بكل شيء علماً ويعلم الموجود والمعدوم، وكان الأولى ان يقول: وان عدم وقوعه معلوماً”، وفي هذه الحالة أي عدم الوقوع لا يكون الدعاء عديم الجدوى، بل فيه نفع عظيم كعبادة ولجوء الى الله، ولأنه تعالى يخلف على الداعي ويعوضه عن مسألته في أمر آخر، بالإضافة الى الثواب العظيم، كما ان الدعاء نوع عمل، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: اعملوا فكل ميسر لما خلق له”( )، وعن الصادق عليه السلام: عليكم بالدعاء فأنكم لا تتقربون بمثله”( ).
اما الشبهة الثانية فانه لا خلاف في انتهاء الحوادث الى الله تعالى لأن كل ممكن محتاج، ومن وجوه الخلل في الشبهة اعلاه واسباب بطلانها انهم لم يجعلوا برزخاً بين ما هو حتمي الوقوع وبين ممتنع الوقوع، وهو خلاف الكتاب والسنة والعقل، وقد وردت آيات قرآنية تدل على أن الله سبحانه يبدل القضاء ويرد البلاء المكتوب , قال تعالى يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
ومن السنة نصوص كثيرة تحث على الدعاء والتطلع الى فضله سبحانه، وفي زبور داود: (يقول الله عز وجل: يا ابن آدم تسألني وامنعك لعلمي بما ينفعك، ثم تلح عليّ بالمسألة فأعطيك ما سألت).
اما العقل فيدرك الحاجة الى اللجوء الى القوي الجبار الذي بيــده مقاليد الأمــور وقد امر الله بالدعــاء ونـدب اليه قال تعالى ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً وقال سبحانه قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ أي ان منافع الدعاء اعظم من موضوعه وخصوص المسألة التي يسألها العبد , وهو ركن من اركان بقاء الحياة الإنسانية على الأرض لنزول البركات ودفع الشرور والفتن والبلاء.
وفي تفسير العياشي عن الإمام الباقر عليه السلام قال: ان مريم كانت اجمل النساء وكانت تصلي فيضيء المحراب لنورها فدخل عليها زكريا وكان يرى عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء فقال: انى لك هذا؟
قالت: هو من عند الله، هنالك دعا زكريا ربه، وفي تفسير الإمام في سورة البقرة ان زكريا قال في نفسه ان الذي يقدر ان يأتي مريم بفاكهة الشـتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشـتاء لقادر ان يهب لي ولداً وان كنت شـيخاً وكانت امرأتي عاقـراً فهنالك دعا زكريا ربه قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ أي ان الدعاء واستجابته وما فيه من عناوين العبادة يفتح آفاقاً واسعة من الإلتجاء الى الله عز وجل والتوجه اليه وسؤاله لعظمة القدرة الإلهية القاهرة لجميع الأشياء والتي تنقاد لها جميع نواميس الطبيعة وان كانت خارج ميدان الأسباب التكوينية المتعارفة.
أدعية الإمام
لم تنحصر ادعية الإمام عليه السلام بالصحيفة السجادية خصوصاً وان الدعاء احتل مكانة عظيمة في حياته كصلة ومناجاة مع الباري عز وجل ولجوء اليه من شدة وقعة كربلاء في العاشر من محرم سنة احدى وستين للهجرة عليه وعلى الأمة ولمواجهة محاولات الإنحراف في العادات والقيم، وترك الإمام عليه السلام تراثاً مباركاً من الأدعية، وبالإسناد عن مسعدة بن صدقة قال: سألت ابا عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام ان يعلمني دعاء ادعو به في المهمات، فاخرج لي اوراقاً من صحيفة عتيقة فقال: تنسخ ما فيها فهو دعاء جدي علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام للمهمات، فكتبت ذلك على وجهه فما اكربني شيء قط، واهمني الا دعوت به ففرج الله همي وكشف كربي واعطاني سؤلي وهو:
إلهي هديتني فلهوت، ووعظت فقسوت، وأبليت الجميل فعصيت، ثم عرفت ما أصدرت إذ عرفتنيه، فاستغفرت فأقلت، فعدت فسترت، فلك – الهي – الحمد، تقحمت أودية الهلاك، وحللت شعاب تلف، تعرضت فيها لسطواتك وبحلولها عقوباتك، ووسيلتي إليك التوحيد وذريعتي أني لم أشرك بك شيئا، ولم أتخذ معك إلها، وقد فررت إليك بنفسي، وإليك مفر المسيئ، ومفزع المضيع لحظ نفسه الملتجئ،
فكم من عدو انتضى علي سيف عداوته، وشحذ لي ظبة مديته، وأرهف لي شبا حده وداف لي قواتل سمومه، وسدد نحوي صوائب سهامه ولم تنم عني عين حراسته، وأضمر أن يسومني المكروه ويجرعني زعاق مرارته، فنظرت – يا إلهي – إلى ضعفي عن احتمال الفوادح، وعجزي عن الانتصار ممن قصدني بمحاربته، ووحدتي في كثير عدد من ناواني، وأرصد لي بالبلاء فيما لم أعمل فيه فكري، فابتدأتني بنصرك وشددت أزري بقوتك، ثم فللت لي حده، وصيرته من بعد جمع عديد وحده، وأعليت كعبي عليه، وجعلت ما سدده مردودا عليه، فرددته لم يشف غيظه ولم يسكن غليله، قد عض على شواه وأدبر موليا قد أخلفت سراياه.
وقام نفر بجمع ادعية الإمام السجاد عليه السلام وضمها الى ادعية الصحيفة حتى صدرت “الصحيفة السجادية التاسعة” والظاهر ان بين ادعية الإمام عليه السلام وادعية الصحيفة عموماً وخصوصاً مطلقاً، فكل ادعية الصحيفة هي ادعية للسجاد وليس العكس فهناك ادعية للإمام عليه السلام ليست من الصحيفة، مما يدل على رفعة وموضوعية وأثر الدعاء والسعة فيه والإنجذاب اليه والحاجة الشخصية والعامة له .
وبالإسناد (عن المنهال بن عمرو، قال دخلت على علي بن الحسين عليهما السلام منصرفي من مكة فقال لي يا منهال، ما صنع حرملة بن كاهلة الأسدي فقلت تركته حيا بالكوفة، قال فرفع يديه جميعا، فقال اللهم أذقه حر الحديد، اللهم أذقه حر الحديد، اللهم أذقه حر النار.
قال المنهال فقدمت الكوفة، و قد ظهر المختار بن أبي عبيد، و كان لي صديقا، قال فكنت في منزلي أياما حتى انقطع الناس عني، و ركبت إليه فلقيته خارجا من داره، فقال يا منهال، لم تأتنا في ولايتنا هذه، و لم تهننا بها، و لم تشركنا فيها فأعلمته أني كنت بمكة، و أني قد جئتك الآن، و سايرته ونحن نتحدث حتى أتى الكناس، فوقف وقوفا كأنه ينتظر شيئا.
وقد كان أخبر بمكان حرملة بن كاهلة، فوجه في طلبه، فلم نلبث أن جاء قوم يركضون و قوم يشتدون حتى قالوا أيها الأمير، البشارة، قد أخذ حرملة بن كاهلة، فما لبثنا أن جي ء به، فلما نظر إليه المختار قال لحرملة الحمد لله الذي مكنني منك. ثم قال الجزار الجزار، فأتي بجزار، فقال له اقطع يديه، فقطعتا.
ثم قال له اقطع رجليه، فقطعتا، ثم قال النار النار، فأتي بنار و قصب فألقي عليه و اشتعلت فيه النار. فقلت سبحان الله فقال لي يا منهال، إن التسبيح لحسن، ففيم سبحت فقلت أيها الأمير، دخلت في سفرتي هذه منصرفي من مكة على علي بن الحسين عليهما السلام.
فقال لي يا منهال، ما فعل حرملة بن كاهلة الأسدي فقلت تركته حيا بالكوفة، فرفع يديه جميعا فقال اللهم أذقه حر الحديد، اللهم أذقه حر الحديد، اللهم أذقه حر النار. فقال لي المختار أ سمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول هذا فقلت و الله لقد سمعته قال، فنزل عن دابته و صلى ركعتين فأطال السجود، ثم قام فركب، و قد احترق حرملة، و ركبت معه و سرنا، فحاذيت داري، فقلت أيها الأمير، إن رأيت أن تشرفني و تكرمني و تنزل عندي و تحرم بطعامي. فقال يا منهال، تعلمني أن علي بن الحسين دعا بأربع دعوات فأجابه الله على يدي ثم تأمرني أن آكل هذا يوم صوم شكرا لله عز وجل على ما فعلته بتوفيقه)( ).
آداب الدعاء
الدعاء سفر روحي يصعد بالعبد الى عالم الملكوت ويعرض حاجته على نحو مباشر ومن غير واسطة وهو يدرك في ساعتها انعدام الحاجب وتحقق القرب بالمناجاة وتجلي اسباب الرحمة، لذلك وضعت للدعاء آداب واحكام منها :
الأول : الصدق والإخلاص في الدعاء وعدم الرياء : ورد في الكافي عن سليمان بن عمرو قال : سمعت ابا عبد الله الإمام الصادق عليه السلام يقول : ان الله عز وجل لا يستجيب دعاء بظهر قلب ساه، فاذا دعوت فاقبل بقلبك ثم استيقن بالإجابة) ( ).
كما ورد عنه عليه السلام ايضاً : انه ورد في وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام : لا يقبل الله دعاء قلب ساه( ).
والحديث دعوة للتوجه الى الله بنية صادقة واقبال بالقلب والجوارح وحث على السـعي لطرد الغفلة ساعة الدعاء.
الثاني : حسن الظن بالله وتوقـع الإستجابة وانتظارها والثقة بما عند الله عز وجل فقد ورد في الحديث القدسـي : (انا عند ظن عبدي بي فلا يظن بي الا خيراً) ( )، ان الله عز وجل لا يخيب رجاء من رجاه وبذلك تبدو منافع حسن الظن والتطلع بثقة للإستجابة، هذا وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: (ادعو الله وانتم موقنون بالإجابة).
وعطاء الله عز وجل واستجابته اعم من ان تنحصر بذات السؤال وموضوع المسألة.
الثالث : التوجه التام نحو مقام الربوبية واليأس مما في ايدي الناس، وفي الكافي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئا إلا أعطاه فلييأس من الناس كلهم ، ولا يكون له رجاء إلا من عند الله ، فاذا علم الله ذلك من قلبه لم يسأل الله شيئا إلا أعطاه) ( ).
ليصبح الدعاء مرآة للإيمان واظهاراً لليقين وحرزاً من الشيطان واغوائه.
الرابع : صدق النية في المسألة والعزيمة وعقد القلب في الإقبال على الدعاء فالله سبحانه يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، وقد ورد في الخبر (ان الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى)( )، كما ورد عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام في خبر ابي حمزة الثمالي انه قال: (لا عمل الا بنية)، وهذا القول دليل في احكام النية في باب العبادات التي لا تتقوم الا بها، أي ان الإمام عليه السلام ترك لنا قواعد وادلة في ابواب الفقه المختلفة .
وفي نهج البلاغة عن امير المؤمنين عليه السلام (ان العطية على قدر النية)( )، أي ان الله عز وجل يهب للسائل على قدر اخلاصه في المسألة وصدق توجهه.
الخامس : احضار المعرفة بان الله عز وجل قادر على كل شيء وانه الضار النافع الذي لا تستعصي عليه مسألة والعطية على قدر المعرفة، وان كانت هذه المقولة لا تصلح قاعدة في المعرفة الإلهية لأن الله سبحانه واسع كريم يعطي على مسمى المعرفة فيزيد من فضله،أي انها دعوة للتفقه في التدبر والتفكر في بديع خلقه تعالى وعظيم سلطانه ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال الله عز وجل: من سألني وهو يعلم اني اضر وانفع استجبت له)( ).
السادس : اقتران الدعاء بالعمل والسعي لفتح آفاق الرحمة بالسير في طرق الأسباب، عن زرارة عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : (الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر) ( )، لذا فان ادعية الصحيفة السجادية تحث على العمل والسعي لعدم التعارض بينه وبين الدعاء، فالدعاء امام للعمل وحصانة له وواقية من الآفات التي تحيط به وبنتائجه.
السابع : الحرص على العمل الصالح وافعال البر وملازمة الدعاء لحالة التقوى وانبثاقه من مفاهيمها، وفي وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر: يا ابا ذر يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من الملح، يا ابا ذر مثل الذي يدعو بغير عمل كمثل الذي يرمي بغير وتر، يا ابا ذر ان الله يصلح باصلاح العبد ولده وولد ولده ويحفظه في دويرته والدور حوله ما دام فيهم)( ).
الثامن : الرزق الحلال وطيب المكسب وتنزيه البطن باجتناب الحرام وفي الحديث القدسي : لا يحجب عني دعوة الا دعوة آكل الحرام( )، وورد في الحديث “ان رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم احب ان يستجاب دعائي، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : طهر مأكلك ولا تدخل بطنك الحرام”( )، وهل هذه الأحاديث تصلح ان تكون مقيـدة لعمومات قوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ..، والجواب إن فضل الله سبحانه عظيم , وهو الذي يعطي ابتداءً ورحمة.
التاسع : اجتناب فعل الموبقات والإبتعاد عن مضامين الشرك وموارد الضلال ليكون الدعاء مباركاً ومسموعاً، وفي البحار: (ان الله اوحى الى عيسى بن مريم ان قل لظلمة بني اسرائيل: لا تدعوني والسحت تحت احضانكم والأصنام في بيوتكم، فاني آليت ان اجيب من دعاني، وان اجابتي اياهم لعنة عليهم حتى يتفرقوا)( ).
العاشر : تبرئة الذمة من حقوق الناس واداء ما لهم ونيل رضاهم او عفوهـم في خصوص كل مظلـمة صدرت ازاءهم فمن يسأل الله عز وجل دفع مظلمة عليه ان يحرص على عدم ظلمه للناس، والدعاء حجــة عليه بالإقـرار بأن مقاليــد الأمور بيد الله تعالى وان اليه المعاد والحساب.
وقد جاء عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام انه قال (قال الله عز وجل وعزتي وجلالي لا اجيب دعوة مظلــوم دعاني في مظلمـة، ولأحد عنده مثل تلك المظلمة) ( ).
ولقد كان الإمام علي بن الحسين عليهما السلام في ســيرته ملتزماً غاية الإلتزام بآداب الدعاء واسباب قبوله ورعاية مسالكه باجتناب ظلم الآخرين او الإساءة اليهم وكان يحرص على عدم إيــذاء أي من عبيده كما تقدم ويكـون اجتناب ايذاء الآخــرين من باب الأولوية وفحوى الخطاب.
الحادي عشر : ذكر من شرائط الدعاء ان لا يكون شديد النعاس، ولكنه ليس على نحو السالبة الكلية فقد يطرد الدعاء النعاس خصوصاً مع التلبس بادنى مراتب الخشوع والخضوع الذي يحول دون الكلام غير المقصود، وذكر من شـرائطه ان لا يكون ممتلئ البطــن ولكنــه ليس علـة تامة، وعمــومات الأمر بالدعاء شاملة له.
الثاني عشر : صلة الرحم وعدم القطيعة والإبتعاد عن روح الخصومة ومعاداة الناس وهي مقدمات اخلاقية وادبية لرفع الدعاء.
وعن احمد بن محمد بن ابي نصر عن الإمام ابي الحسن الرضا عليه السلام في حديث قال: لا تمل من الدعاء فانه من الله بمكان وعليك بالصبر وطلب الحلال وصلة الرحم واياك ومكاشفة الناس فانا اهل بيت نصل من قطعنا ونحسن الى من أساء الينا فنرى والله في ذلك العاقبة الحسنة.
الثالث عشر : عدم العجلة في الدعاء والمبادرة الى الإنصراف وترك الدعاء ساعة البدء به، أي ان الاشتغال بالدعاء يستلزم الصبر والاقامة عليه ليكون مناسبة للتدبر والانقطاع الى الله في المسألة.
وقد جاءت الرواية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام بتحديد المفهوم الإصطلاحي للعجلة في هذا المضمار، عن هشام بن سالم عن ابي بصير عنه عليه السلام قال: (لا يزال المؤمن بخير ورجاء رحمة من الله عز وجل ما لم يستعجل فيقنط ويترك الدعاء، قلت: كيف يستعجل؟
قال: يقول: دعوت منذ كذا وكذا وما ارى الإجابة).
فمن آداب الدعاء المواظبة عليه وعدم الملل او اظهار الضجر فان الله عز وجل يحب ان يسمع دعاء عبده المؤمن ويرى انشغاله بالإنقطاع اليه في المسألة والتوجه اليه في الحاجة.
الرابع عشر : مراعاة الإعراب في الدعاء واجتناب اللحن قدر الإستطاعة ، وعن الإمام محمد الجواد عليه السلام قال: (ما استوى رجلان في حسب ودين قط الا كان افضلهما عند الله عز وجل ادبهما، قال الراوي: قلت جعلت فداك قد عرفت فضله عند الناس في النادي والمجالس فما فضله عند الله عز وجل، قال: بقراءة القرآن كما نزل ودعائه الله عز وجل من حيث لا يلحن وذلك ان الدعاء الملحون لا يصعد الى الله عز وجل.
وانت ترى الصحيفة السجادية خالية من اللحن، بل يمكن اتخاذها مصدراً وحجة في اللغة، وترك اللحن مع القدرة والإستطاعة أما مع العذر فيجزي الميسور مع الحرص على عدم تغيير المعنى وان كان سبحانه يعلم النية والقصد، كما يصح الدعاء باية لغة كانت ، وفي التنزيللاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا.
الخامس عشر : استحباب لبس الداعي خاتماً في يده من العقيق او الفيروزج: عن الإمام الصادق عليه السلام قال: ( ما رفعت إلى الله كف أحب إليه من كف فيها عقيق)( )، ووردت اخبار في فضل العقيق وانه اول من آمن بالوحدانية من الأحجار وذكرت منافع عديدة في لبسه، وكذا الفيروزج.
السادس عشر : رفع اليد بالدعاء والتضرع وهو عنوان مشاركة الجوارح بالدعاء والمسألة ورفع اليدين اخبار عن الإشتغال بالدعاء واعلان على التوجه الى الباري عز وجل.
عن محمد بن مســلم قال : سـألت ابا جعفر الباقر عليه السلام عن قول الله عز وجل فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ قال: الإستكانة : هي الخضوع، والتضرع رفع اليدين بالدعاء والتضرع بهما، ولقد اضفى تضرع الإمام السجاد عليه السلام وخضوعه لله عز وجل ساعة الدعاء قدسية خاصة على ادعية الصحيفة وساهم في تعاهدها والنظر اليها باجلال واهتمام خاص، وروي ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يرفع يديه اذا ابتهل ودعا كما يستطعم المسكين.
السابع عشر : الإلحاح في الدعاء والمواظبة في المسألة وعدم القنوط مع الحرص على الإعتقاد الجـازم بان الحكمة الإلهية تقتضــي تأخير الإستجابة وان الله تعالىأَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.
عن ابن القداح عن ابي عبد الله الصــادق عليه الســلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رحم الله عبداً طلب من الله عز وجل حاجة فألح في الدعاء استجيب له او لم يستجب وتلا هذه الآية وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا.
ومن منافع الإلحاح في الدعاء انه يكون واقية مما هو اسوأ من احوال الضيق والشدة ونحوه كما ان الإلحاح في الدعاء وجه من وجوه الإيمان ومظهر من مظاهره، والروايات في استحباب الإلحاح في الدعاء كثيرة لما لهذا المورد من اهمية خاصة، وايضاً ذكر انه في زبور داود: (يقول الله عز وجل يا ابن آدم تسألني وامنعك لعلمي بما ينفعك ثم تلح علي بالمسألة فاعطيك ما سألت)( ).
الثامن عشر : مواصلة الدعاء واتصاله في ساعات الليل والنهار كجزء من المواظبة والإلحاح في المسألة وعسى ان يوافق ذلك ساعة مباركة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الا ادلكم على سلاح ينجيكم من اعدائكم ويدر ارزاقكم، قالوا: بلى، قال: تدعون ربكم بالليل والنهار فان سلاح المؤمن الدعاء)، وقد روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام : في قوله تعالى إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ قال: الأواه هو الدعاء)، وكان امير المؤمنين عليه السلام رجلاً دعاء.
ان العقل الإنساني يبقى عاجزاً وقاصراً عن ادراك منافع الدعاء وابعاد انبساطها على أحوال الإنسان في الدنيا والآخرة وعدم انحصارها بحياته وشخصه وشؤونه بل يشمل ذريته والمتعلقين به.
التاسع عشر : اظهار حالة الذل والخضوع والمسكنة عند الدعاء خاصة وان الإنسان في مقام الحاجة ورجاء الرحمة وسؤال القرب من منازل العفو والمغفرة.
وفي مرسلة علي بن يقطين عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : (اوحى الله الى موسى عليه السلام: اتدري لم اصطفيتك بكلامي دون خلقي، قال: يا رب ولم ذلك قال: فاوحى الله عز وجل اليه يا موسى اني قلبت عبادي ظهرا لبطن فلم اجد فيهم احداً اذل لي نفساً منك يا موسى انك اذا صليت وضعت خديك على التراب)( ).
العشرون : طرد الملل واجتناب الضجر في الدعاء بالإقبال الروحي على الدعاء، واتخاذه رداءً وعوناً ودليلاً وكم من انسان اشتغل بالدعاء ففتح الله عز وجل عليه ابواباً من فضله لم تكن محتسبة، وقد روي عن انس بن مالك انه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما فتح لأحد باب دعاء الا فتح الله له فيه باب اجابة اذا فتح لأحدكم باب دعاء فليجتهدن فان الله لا يمل حتى تملوا).
أي ان الله عز وجل يسمع الدعاء وانكم لا تفتقدون الإستجابة الا عند ضجركم وسأمكم، وان الإستجابة حتمية، وكما قيل في الفلسفة بان عدم الإيجاد اعم من عدم الوجود فان تأخير الإجابة لا يدل على انعدامها.
الحادي والعشرون : عدم التردد في سؤال الحوائج وان كانت صغيرة، فان التوجه الى الله عز وجل في كل حاجة وجه من وجوه الإيمان وحسن التوكل عليه تعالى، وفي الحديث القدسي: (يا موسى سلني كل ما تحتاج حتى علف شاتك وملح عجينك)( ).
ويدل بمفهوم الموافقة وفحوى الخطاب على التوجه بالمسألة الى الله سبحانه في الحوائج الأهم من باب أولى، وعدم الغفلة عن الدعاء اثناء الليل او النهار لاتصال حاجات الانسان وتعددها، وبالإسناد عن سيف التمار قال: (سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: عليكم بالدعاء فانكم لا تتقربون بمثله ولا تتركوا صغيرة لصغرها ان تدعو بها ان صاحب الصغار هو صاحب الكبار)، انها دعوة للتلبس بالدعاء والإلتجاء اليه في كل حاجة، لذا جاءت الصحيفة السجادية متنوعة في أبوابها ومضامينها وحاجاتها.
الثاني والعشرون : يستحب مسح الوجه والرأس والصدر باليدين عند الإنتهاء من الدعاء لأن الله عز وجل كريم لا يرد اليدين فارغتين، وهو عنوان اظهار الثقة بالإستجابة وحسن الظن بالإسناد عن ابن القداح عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : (ما ابرز عبد يده الى الله العزيز الجبار الا استحيى الله عز وجل ان يردها صفراً حتى يجعل فيها من فضل رحمته ما يشاء، فاذا دعاء احدكم فلا يرد يده حتى يمسح على وجهه ورأسه) ( ).
نعم يكره ان يمر بيديه على وجهه وصدره عند وضعهما بعد القنوت في صلاة الفريضة.
الثالث والعشرون : استثمار الأوقات المناسبة لطلب الحوائج والساعة التي تفتح بها ابواب السماء، بالإسناد عن محمد بن مسلم عن الإمام جعفر الصادق عن آبائه عن الإمام علي عليه السلام فيما علم اصحابه: تفتح ابواب السماء في خمسة مواقيت عند نزول الغيث وعند الزحف وعند الأذان وعند قراءة القرآن وعند طلوع الفجر، وهناك اوقات اخرى ومناسبات عامة او خاصة يستحب فيها المبادرة الى الدعاء.
في الصحيح عن محمد بن ابي عمير عن ابان عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : (ساعات الليل اثنتا عشرة ساعة وساعات النهار اثنتا عشرة ساعة، وافضل ساعات الليل والنهار اوقات الصلاة، ثم قال عليه السلام: انه اذا زالت الشمس فتحت ابواب السماء وهبت الرياح ونظر الله عز وجل الى خلقه واني لأحب ان يصعد لي عند ذلك الى السماء عمل صالح ثم قال: عليكم بالدعاء في ادبار الصلوات فانه مستجاب) ( ).
وفيه نكتة عرضية وهي ان تقسيم الفلكيين لساعات الليل والنهار مأخوذ من النظام الإسلامي المبني على تحديد ساعات الصلاة وفرائضها اليومية الخمسة بالإضافة الى المضامين القدسية في افضلية بعض الساعات للدعاء وان كانت جميع الأوقات صالحة للدعاء , ولكنها نواميس الإرادة التكوينية والتشريعية يتعذر على العبد درك كنهها، وفي جانب منها حث على ترقب هذه الأوقات للفزع واللجوء الى الله لتكون وقفة مباركة وحرزاً ورجاءً .
الرابع والعشرون : تقديم الصــدقة عند الشــروع بالدعــاء فانها بـاب لنزول الرحمة والتقرب الى الله، وبالإسناد عن معاوية بن عمار وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : كان اذا طلب الحاجة طلبها عند زوال الشمس فاذا اراد ذلك قدم شـيئاً فتصدق به، وشم شيئاً من طيب، وراح الى المســجد فدعا في حاجته بما شاء( ).
الخامس والعشرون : اقتران الدعاء بالبكاء او التباكي توسلاً الى الله عز وجل وخشية منه تعالى وتضرعاً اليه واظهاراً لصدق اللجوء .
بالإسناد عن ابي حمزة قال : (قال ابو عبد الله عليه السلام لأبي بصير ان خفت امراً يكون فابدأ بالله فمجده واثن عليه كما هو اهله وصل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسل حاجتك وتباك ولو مثل رأس الذباب، ان ابي كان يقول ان اقرب ما يكون العبد من الرب عز وجل وهو ساجد باكي)( ).
ان البكاء وشاح يؤطر الدعاء لما فيه من التوكيد على التوجه إلى الله من مقام العبودية والرق ، وفي التنزيلقُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً.
السادس والعشرون : الصلاة على النبي وآله وتقديمها في الدعاء بلحاظ انها باب للإستجابة وفيه روايات عديدة منها ما ورد في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (اذا كانت لك الى الله حاجة فابدأ قبل مسألتك بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم سل الله فان الله اكرم من ان يُسئل حاجتين فيقضي احداهما ويمنع الأخرى).
أي ان السؤال بتفضل الله تعالى بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لحتمية الإستجابة فيها فتكون مدخلاً للاستجابة لما يقترن لها من المسائل والحاجات.
السابع والعشرون : الإجتماع في الدعاء ، فانه اقرب الى الإستجابة لتعدد السائل والإلتقاء في المسألة والحاجة، (وروي ان الله عز وجل اوحى الى عيسى عليه السلام : يا عيسى تقرب الى المؤمنين ومرهم ان يدعوني معك) ( ).
وهو باب لإتساع رقعة الدعاء وشموله للآخرين ومناسبة لبعث لسجايا الصلاح والهداية ، قال تعالى[أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ] ( ).
الثامن والعشرون : التأمين( ) على الدعاء فانه مشاركة في الدعاء وسؤال الحاجة وتوسل اضافي وتوكيد للطلب وعنوان للصدق في المسألة، وفي مرسلة علي بن عقبة عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : دعا موسى وأمن هارون وأمنت الملائكة فقال الله تعالى: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا )( ).
التاسع والعشرون : وفي صــيغة الدعاء ســعة اذ يجوز ان يكون الدعاء بما جرى على اللسان من بيان للحــاجة وذكر للفاقة والمســألة، وكذلك يجــوز بل يســتحب اختيار الدعـاء المأثور الوارد عن النبي صــلى الله عليه وآله وســلم والأئمة المعصــومين عليهـم السلام.
الثلاثون : التضرع الى الله وسؤاله باسمائه الحسنى لما فيها من الثناء على الله عز وجل وتعظيمه، وهي سلاح لفتح ابواب السماء بالإضافة الى بعثها اليقين في القلب وما تحتله من ذكره تعالى على اللسان بادب العبوديةز
بالإسناد عن عبد السلام بن صالح الهروي عن الرضا عن ابيه عن آبائه عن علي عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لله عز وجل تسعة وتسعون اسماً من دعا الله بها استجيب له ومن احصـاها دخل الجنة، قال الله عز وجل وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا.
الحادي والثلاثون : اسباغ الوضوء استعداداً للدعاء وحسن أدب في ساعة الوقوف بين يدي الله عز وجل وسؤاله، وقد ورد استحباب الوضوء للحاجة مطلقاً بالإضافة الى استحبابه النفسي، وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: (اني لأعجب ممن يأخذ في حاجة وهو على وضوء كيف لا تقضى حاجته) ( ).
وفي الإعتداء في قوله تعالى ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ قيل (هو رفع الصوت بالدعاء، والصياح في الدعاء مكروه وبدعة) ( )، ولا دليل على هذا التفسير، نعم يكون الصياح بالدعاء مكروهاً بالعنوان الثانوي وما يسببه الصياح من الأذى، وقد يكون الدعاء بصوت عال أمراً راجحاً بلحاظ القرائن والمنافع الحالية.
وقيل بكراهة الإسهاب في الدعاء، وعن النبي صلى الله عليه وسلم ” سيكون قوم يعتدون في الدعاء ، وحسب المرء أن يقول : اللَّهمّ إني أسألك الجنة وما قرّب إليها من قول وعمل ، وأعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قول وعمل( ).
وهل في قوله فَإِنِّي قَرِيبٌ، دعوة للدعاء بإخفات خصوصاً مع قوله تعالى ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً، الجواب لا، فان المراد من القرب سماع الله عز وجل للدعاء مطلقاً سواء كان علناً أوخفية وأن الله سبحانه يتفضل بالإستجابة ، وهو سبحانه ليس بمكان ، لأن المكان عنوان الحاجة والحمد ، والله غني ومنزه عن الحاجة والجهة.
من منافع الدعاء
لقد واظب الإمام السجاد عليه السلام على الدعاء والتنسك من دون ان يثنيه شيء عن الإنقطاع الى الله وتعلقت روحه بالعالم العلوي من غير ان يخاف الغوائل واسباب الإيذاء وابواب الضرر والمكائد التي تُحاك ضده.
(روي ان الحجاج بن يوسف الثقفي كتب الى عبد الملك بن مروان: ان اردت ان يثبت ملكك فاقتل علي بن الحسين، فكتب عبد الملك اليه: اما بعد فجنبني دماء بني هاشم واحقنها فاني رأيت آل ابي سفيان لما اولغوا فيها لم يلبثوا ان ازال الله الملك منهم.
وبعث بالكتاب سراً فكتب علي بن الحسين عليه السلام في الساعة التي انفذ الكتاب الى الحجاج: وقعت على ما كتبت في دماء بني هاشم وقد شكر الله لك وثبت لك ذلك، وزاد في عمرك وبعث به مع غلام له بنفس الساعة التي انفذ فيها عبد الملك كتابه الى الحجاج فلما قدم الغلام اوصل الكتاب اليه فقرأه عبد الملك وكان فيه ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اتاني في النوم فعرفني ما كتبت به اليك وبالشكر من ذلك.
ووجد عبد الملك ان تأريخ الكتاب مطابق وموافق لتأريخ كتابه الى الحجاج، فلم يشك في صدق زين العابدين ففرح بذلك وبعث اليه بوقر دنانير وسأله ان يبسط اليه جميع حوائجه وحوائج اهل بيته ومواليه لقد تفضل سبحانه بحجب وحواجز تقي الإمام السجاد مكر الظالمين، فانت ترى ان اسباب الحفظ الإلهي له متصلة منذ واقعة كربلاء.
والظاهر ان ادعية الصحيفة السجادية احد اهم اسباب الوقاية والإحتراز من الأعداء والكيد والحسد لذا فانها افاضة الهية دون القرآن بمراتب ومن كلام المعصوم صياغة وموضوعاً وفيها مقاصد سامية، وهي كنز عقائدي وكلي طبيعي( ) لكل مسلم حصة فيه لينهل من بركات ادعيتها ويأخذ منها ما يناسب حاله وشأنه حسب الحاجة والقصد أي ان الصحيفة ليست حصراً على طائفة من المسلمين، لذا لا بأس تعاهدها وحفظها ونشرها وتحقيقها فهي من كنوز أهل البيت عليهم السلام ومرآة للكمال الانساني وتراث عقائدي للأمة والأجيال المتعاقبة ، وهي من عمومات قوله تعالىعَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.
وستبقى ادعية الصحيفة السجادية آية في المعرفة الإلهية واشعاعاً مباركاً يضيء لأهل الإيمان مسالك الهدى ودروب الفلاح في الدنيا وسبل النجاة في الآخرة بما تتضمنه من الأخلاص في العبودية واليقين الصادق.
انها توكيد واقعي لموضوعية الدعاء ودعوة لإستثماره والإنتفاع منه في جميع ابواب المسائل وجوانب الحياة وحث على عدم نسيانه ساعة المهمات او الإعراض عنه عند الشدائد، فبه تتفكك حلقات المكاره وبالإلتجاء اليه كسلاح يتصدى لهجوم الشر والأذى، وهو مدرسة تفتح امام العبد آفاق الخير.
لقد ساهمت ادعية الصحيفة السجادية في ترسيخ مواقع الدعاء في تهذيب النفس الإنسانية وتخليصها من الكدورات الظلمانية وثبتّت مرتكزاته في القيم الأخلاقية والسلوك العام.
العصمة والإستغفار
مع ان ادعية الصحيفة افاضات ملكوتية وانوار من علوم اهل البيت عليهم السلام الا انها تتزين على نحو الخصوص بالإعتراف بالذنوب وكبائرها مع اجماع المسلمين على خلو ساحة الإمام عليه السلام من الذنوب ونزاهته من الرجس والدنس، قال تعالى إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا، وعصمته سواء العصمة الموهبة او الكسبية ان الإمام عليه السلام يظهر الإعتراف بالذنوب ومن فلسفة هذا الإعتراف وجوه:
الأول : ان الإمام عليه السلام يظهر تصاغره امام مقام الربوبية.
الثاني : اعلان الإمام للتقصير العظيم مع عصمته يعني بالأولوية لزوم اعتراف الناس بذنوبهم، والدعاء حث للمؤمنين على الدعاء واظهار المسكنة.
الثالث : بيان حاجة الإمام عليه السلام والناس المستديمة الى فضله تعالى.
الرابع : تعليم المسلمين صيغ الدعاء وآدابه واحكامه.
الخامس : رفع الحياء من ذكر الذنوب في الدعاء بل يستحب للمسلم ان يذكرها في مناجاته ودعائه كموضوع يتعلق به الإستغفار، مع علمه ســبحانه بالأفعال قبل حــدوثها قبل حدوثها ولمنـع الغلـو فاراد عليه السلام الإخبار بانه عبد مملوك لله تعالى ومحتــاج الى رحمته في كل آن.
السادس : ان الإمام عليه السلام كباقي الناس يصاب بالبلاء والمرض ويتعرض للأذى والضيق وانه يتطلع الى الله تعالى لكشف الهم وصرف البلوى.
السابع : الدعاء بلحاظ اوانه ومناسبته ينقسم الى قسمين عام وخاص، فالإمام عليه السلام يسعى من خلال الصحيفة السجادية الى تعليم المسلمين القسمين معاً وكيفية الإنتفاع من الدعاء في كل الأحوال والمناسبات.
الثامن : الإمامة رئاسة عامة في امور الدين والدنيا، ومن افضل وجوه هذه الرئاسة اظهار العجز والضعف والحاجة الى رحمته تعالى، أي ان الرئاســة تتجلــى في مقام الدعــاء باصــدق مفاهيم العبودية والرق.
التاسع : الإمام قدوة لغيره من المؤمنين، ومن اشرف مصاديق القيادة والزعامة المواظبة على الدعاء واظهار المسكنة والإكثار من الإعتراف بالتقصير.
العاشر : ان الإمام عليه السلام يعلم الناس صيغ الدعاء وكيفية الإقرار بالذنوب على فرض اتيان العبد لأسوئها، والكبائر منها.
الحادي عشر : دعاء الإمام عليه السلام مدرســة للأمة فلابــد ان يكون وافياً كافياً.
الثاني عشر : من اهم المواطن التي يحتاج بها العبد اعترافه واقراره بذنوبه ساعة المناجاة.
الثالث عشر : لعل لجوء العبد الى الله تعالى من ذنوب لم يرتكبها سبيل لزيادة حسناته ونزول الرحمة عليه، فهو يعرف تلك الذنوب واحترز منها واجتنبها طلباً لمرضاته تعالى ثم يسأل العفو عنها.
الرابع عشر : الدعاء ادخار كريم لمستقبل الأيام في النشأة الدنيا ولعالم البرزخ ويوم القيامة وهذه الأقسام الثلاثة يحتاج العبد فيها الإقرار بالذنب بما في ذلك الذنب الذي لم يرتكبه ليكون الدعاء واقية وستراً واستغفاراً متقدماً.
الخامس عشر : تعداد الآثام والخطايا يلقي في النفس النفرة منها وكراهتها، وذكرها في مقام الإستغفار يؤدي جرياً وانطباقاً الى الحذر والإحتراز منها.
السادس عشر : المبالغة في ذكر الذنوب سبيل للأمل ورداء لعفوه تعالى، وسلاح لدفع القنوط وطرد اليأس من النفس، واستغفار الإمام عليه السلام من الذنوب العظيمة مع معرفة المسلمين كافة وعلى مختلف اجيالهم بنزاهته وعفته وطهارته دليل على أهليته للإمامة بلحاظ خشيته منه تعالى من منازل العبودية.
السابع عشر : من وظائف الإمامة الدعاء والإستغفار لأفراد الأمة على نحو العموم المجموعي والعموم الإستغراقي فكأن دعاءه عليه السلام بدل ونيابة وتطوع عن المذنب والمجرم، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “ادعوا الله بالسنة ما عصيتموه بها، قالوا: يا رسول الله ومن لنا بتلك الألسنة، قال: يدعو بعضكم لبعض، لأنك ما عصيت بلسانه وهو ما عصى بلسانك.
الثامن عشر : يتجلى على الذوات القابلة في هذا الإستغفار شروق غيبي يدفعها بلطف الى منازل الصلاح.
التاسع عشر : الإستغفار عنوان يحبب الإمامة وشخص الإمام الى النفوس ويجعلها تطمئن وتسكن اليه وتميل الى الإستجابة الى اوامره ونصائحه في مرضاة الله، فيكون الدعاء مناسبة لتوجيه العباد نحو اداء الفرائض والمستحبات.
العشرون : اشاعة لغة الإسـتغفار نوع اصــلاح للمجتمعات واســتدامة الرجوع اليه تعالى وتنزه عن متعلقات الدنيا وزينتها وبرزخ دون النفاق.
الحادي والعشرون : في الصحيح عن سلام بن المستنير قال: “كنت عند ابي جعفر عليه السلام فدخل عليه حمران بن أعين وسأله عن أشياء، فلما همّ حمران بالقيام قال لابي جعفر عليه السلام: اخبرك أطال الله بقاءك لنا وأمتعنا بك أنا نأتيك فما نخرج من عندك حتى ترق قلوبنا، وتسلو أنفسنا عن الدنيا، ويهون علينا ما في أيدي الناس من هذه الاموال، ثم نخرج من عندك فإذا صرنا مع الناس والتجار أحببنا الدنيا.
قال : فقال أبو جعفر عليه السلام: إنما هي القلوب مرة تصعب، ومرة تسهل.
ثم قال أبو جعفر عليه السلام: أما إن أصحاب محمد صلى الله عليه واله قالوا: يا رسول الله نخاف علينا النفاق.
فقال: ولم تخافون ذلك؟ قالوا: إذا كنا عندك فذكرتنا ورغبتنا وجلنا ونسينا الدنيا وزهدنا حتى كأننا نعاين الآخرة والجنة والنار ونحن عندك، فإذا خرجنا من عندك ودخلنا هذه البيوت وشممنا الاولاد ورأينا العيال والاهل يكاد أن نحول عن الحالة التي كنا عليها عندك، حتى كأنا لم نكن على شئ، أفتخاف علينا أن يكون ذلك نفاقا.
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه واله: كلا إن هذه خطوات الشيطان فيرغبكم في الدنيا، والله لو تدوموا على الحالة التي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة ومشيتم على الماء ولولا أنكم تذنبون فتستغفرون الله لخلق الله خلقا حتى يذنبوا ثم يستغفروا الله فيغفر لهم، إن المؤمن مفتن تواب.
أما سمعت قول الله عز وجل إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، وقال وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ )( ).
الثاني والعشرون : من فلسفة الإمامة الترجمة العملية والسنة البيانية للآيات القرآنية فاكثار الإمام عليه السلام من الإستغفار مصداق واستثمار وانتفاع من عمومات من عمومات قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ أي ان حب الله تعالى يشمل كل تواب ويتعلق من باب الأولوية بمن يستغفر لا عن ذنب كما ان الآية ظاهرة بالتشجيع على التوبة والمبادرة اليها كطريق للمغفرة والعفو الإلهي.
الثالث والعشرون : التوبة اعم من ان تتعلق بذنب مخصوص فقد تكون تكراراًَ وتوكيداً للتنزه والكف عن المعاصي والذنوب خصوصاً وان الآية اعلاه قاعدة كلية وحقيقة ثابتة وجزء من الإرادة التكوينية والتشريعية.
الرابع والعشرون : خلق حالة استقرار وسكينة في النفس الإنسانية بتعادل طرفي الرجاء والخوف منه تعالى.
الخامس والعشرون : استغفار الإمام عليه السلام رسالة لبيان الحاجة الى التوبة والإسـتغفار من صغائر الذنوب وان التوبة لا تنحصر بالكبائر منها.
السادس والعشرون : لقد ثبت في مباحث علم الكلام ان الإمامة لطف وهو ما يقرب العبد الى الطاعة ويبعده عن المعصية كما تعني ارشاد الناس الى الصلاح وتنحيتهم عن الفساد، فمن وجوهها افشاء الإستغفار وجعله حالة مستديمة وسلوكاً شائعاً متعارفاً عند الناس.
السابع والعشرون : استغفار الإمام عليه السلام حث ودعوة لكثرة التوبة التي يلجأ اليها العبد مرة بعد اخرى وعند العودة الى الذنب كما لو تاب من ذنب ثم عاد اليه ثم ندم وتاب، بمعنى ان الإمام عليه السلام يحث على عدم القنوط واليأس من مغفرته ورحمته سبحانه ، وفي التنزيلوَلاَ تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ.
الثامن والعشرون : من اسمائه تعالى “الغفور” والغافر” و”الغفار” وما في الكون من الآيات وبديع الصنع من مظاهر اسـمائه وصفاته، فحصــول الذنب من العبد سـبب ومناســبة للعفــو والمغفــرة منه تعالى من غير جبر.
التاسع والعشرون : للإستغفار كموضوع اشراقة غيبية تتجلى بمفاهيم معنوية واخلاقية، وفيه نقاء للنفس وطهارة معنوية.
الثلاثون : ورد في الحديث ان الدعاء سلاح الأنبياء، والسلاح حاجة ملازمة للانسان ويستعمل للاحتراز ايضاً، فدعاء الإمام واستغفاره حرز وواقية للذات والغير.
والدعاء سلاح للأنبياء في أنفسهم وشرائعهم وفي أممهم وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ.
الصحيفة وواقعة كربلاء
تعتبر واقعة كربلاء الإنتكاسة الكبرى في التأريخ الإسلامي والقت بظلالها القاتمة على الحكام والمحكومين الى يومنا هذا , ولكنها اعظم المدارس الجهادية في التأريخ والاشعاع العقائدي الذي يبعث في الآفاق انوار الهداية ورفض الظلم.
ومما اجمع عليه المسلمون ان الحسين عليه السلام هو خامس اهل الكساء الذين نزل فيهم قوله تعالى إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا، وهو سيد شباب الجنة بنصوص مستفيضة في كتب المسلمين، وهو الإمام المفترض الطاعة بعد أبيه وأخيه الحسن بنصوص عديدة.
وعن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ببيتها على منامة له عليه كساء خيبري ، فجاءت فاطمة ببرمة فيها خزيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادعي زوجك ، وابنيك ، حسناً ، وحسيناً ، فدعتهم فبينما هم يأكلون إذ نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بفضلة ازاره ، فغشاهم إياها ، ثم أخرج يده من الكساء وأومأ بها إلى السماء ، ثم قال : اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي ، فاذهب عنهم الرجس ، وطهرهم تطهيراً ، قالها ثلاث مرات . قالت أم سلمة : فادخلت رأسي في الستر فقلت : يا رسول الله وأنا معكم فقال : إنك إلى خير مرتين( ).
ولواقعة كربلاء اثر في المجتمع الإسلامي وندبة سوداء في قلب كل مسلم فهي الجرح المستديم الذي يبعث على الأسى ويدعو الى استلهام الدروس والعبر ويتضمن التحذير من الإعراض عن اهل البيت، ولقد عاش الإمام السجاد عليه السلام وقائع كربلاء وشهد قتل الإمام الحسين عليه السلام ظلماً وتعدياً كما يقول عليه السلام من غير خوف او وجل في مجلس يزيد عندما سمع الإمام الخطيب ينال من علي ومن الحسين عليهما السلام :
أعلى المنابر تعلنون بسبه
وبسيفه نصبت لكم اعوادها( )
ومن يوم عاشوراء تولى السجاد عليه السلام مهام الإمامة ، وكان القتل والحاقه بشهداء الطف ليس ببعيد عنه، فقد ارادوا قتله يوم العاشر من محرم، وكذا في مجلس ابن زياد وعند يزيد وفي مناسبات اخرى عديدة، فتوجه الى الدعاء لا لحفظ نفسه فهو يرجو لقاء ربه ويتمنى في كل وقت ان يزرقه الله الشهادة، ولكن الله عز وجل جعل لكل شيء اجلاً، ومنّ على الأمة بامامته عليه السلام هادياً الى سبل الرشاد بسلاح الدعاء والتقوى في وقت كان بنو امية يتجهون نحو الدنيا وزينتها.
ولعل هناك صلة بين عبادة ونسك الإمام السجاد وبين ثورة اهل المدينة على يزيد فلقد حافظ الإمام عليه السلام على الهوية الإيمانية والسنخية العبادية للإسلام ومعالم التقوى والورع عند المؤمن على نحو مشرق وواضح يحول دون اللبس والغموض.
لقد تركت واقعة كربلاء بصماتها المؤلمة على المجتمعات الإسلامية وخلفت آثاراً بينة على كل ميادين الحياة فيها والى يومنا هذا، وما ادعية الصحيفة السجادية الا مرآة للإحتجاج على هذه المصيبة ولجوء الى الله واتخاذ الدعاء سلاحاً وحرزاً للتوقي من آفات الجور والظلم والإنشغال بالدنيا والمفاسد العرضية التي احدثها التعدي والتجرأ على اهل بيت النبوة ان الصحيفة السجادية بيان عقائدي لمظلومية اهل البيت ودعوة واستغاثة بالمسلمين لرفض الباطل واستنكار مقتل الحسين عليه السلام، انها خطاب للنفوس الإنسانية وصحوة فكرية ومناسبة للصلاح والإصلاح.
وأوجدت أدعية الصحيفة السجادية هاجساً من الخوف للظالمين وتقذف الرعب في قلوبهم فهي من مصاديق اتخاذ الدعاء سلاحاً.
وفي رسالة ابن نما: “ان المختار بعث برأس ابن زياد الى علي بن الحسين فأدخل عليه وهو يتغذى، فقال عليه السلام: دخلت على ابن زياد وهو يتغذى ورأس أبي بين يديه، فقلت: اللهم لا تمتني حتى تريني رأس ابن زياد وانا اتغذى، فالحمد لله الذي أجاب دعوتي”( ).
وعن مجالس الشيخ وابن نما عن المنهال بن عمرو قال: “ولما قطع المختار يدي حرملة بن كاهل ورجليه واحرقه بالنار، قلت: سبحان الله، فقال لي: يا منهال ان التسبيح لحسن، ففيم سبحت، فقلت: ايها الأمير دخلت في سفري هذا منصرفي من مكة على علي بن الحسين عليه السلام فقال: يا منهال ما فعل حرملة بن كاهل الاسدي، قلت: تركته حياً بالكوفة، فرفع يديه جميعاً وقال: اللهم أذقه حر الحديد اللهم أذقه حر الحديد اللهم أذقه حر النار( ).
لقد اتخذ الإمام من الدعاء سلاحاً ضد الفسقة المجرمين الذين قتلوا الحسين عليه السلام فكانت عاقبتهم الخزي العاجل في الدنيا بالاضافة الى خلودهم في النار، ومع عظيم وقع المصيبة وأثرها فان الإمام السجاد عليه السلام لم يتخلف عن منازل الدعاء وظل منقطعاً الى الله بالصلاة والذكر والتسبيح، وفيه حث للمسلمين على الصبر عند المصيبة والاكثار من الاسترجاع.
الصحيفة والإمامة
الإمامة رئاسة عامة في امور الدين والدنيا وتكون لنبي رسول إمام ، قال تعالىوَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، وقال المعتزلة ان الإمامة واجبة عقلاً لأنها لطف وقال الأشاعرة بوجوبها سمعاً.
ولا تصل النوبة الى وجوبها على الله عز وجل فهي حاجة للناس خصوصاً وان كل ممكن محتاج فيتفضل الله ويجعل رئيسا للناس منهم مطاعا يقودهم الى سبل الرشاد وممهدات ومقدمات أداء الفرائض والتقيد باحكام الحلال والحرام.
والإمامة امتداد ومرآة للنبوة وتثبيت لأحكامها ورفع للبس والإرباك وهي آلة سماوية لإرجاع الناس الى طريق الهدى ومنعهم من الزيغ والضلالة فثورة الحسين صرخة الإمامة لنبذ الظلم ومنع التداعي في القيم الإسلامية، فلا يعلم احد النكبات التي تلحق بالبناء العقائدي للإسلام لو تركت الإمارة آنذاك تتمادى في حقوق الله وحقوق الإنسان والنفس لولا ثورة كربلاء وما فتحته من باب للجهاد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وازالة للغشاوة التي تحدثها بعض التأويلات للنصوص ارضاء للسلطان او بتحويل وتوجيه منه.
فجاءت أدعية الصحيفة ضرباً وجزء من وجوه العبادة والتقوى، وصفحة مشرقة لوظائف الإمامة وصيغة ثابتة في كل الأحوال كما انها تحمل صفة الشيوع في مختلف البلدان وعند الأجيال المتلاحقة، وينظر للصحيفة بقراءة من خلال منظار الإمامة والتي تتقوم بالتقوى والريادة في حفظ الشرع ومنع الزيادة او النقصان عنه، لذا ترى ادعية الصحيفة تدعو الى الله والإخلاص في العبادة وفي التنزيلإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ، كما تلاحظ فيها تضرع الإمام عليه السلام عن الخاطئين وقيادتهم نحو منازل الندم والتوبة وتلقينهم صيغ الإستغفار وتشجيعهم على الإنابة والتضرع بلسان العبودية والذل والخشوع لله تعالى.
حديث الصحيفة وسِفر اسنادها
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حَدَّثَنَا(1)
(1)حدثنا : اصطلاح يذكره رجال الحديث عندما يكون الراوي بين جماعة استمعوا للحديث سواء كان املاء من كتاب او عن حفظ وهو من اوثق الطرق واكثرها سلامة.
بينما يقول فيما سمعه وحده “حدثني”.
وفيما قرأ عليه وانبئ به “اخبرني”.
وفيما قرئ بحضرته “اخبرنا”.
ويطلقون أنبانا على الإجازة والمناولة والقراءة والسماع.
ترى من هو القائل “حدثنا” التي تبدأ بها نسخ الصحيفة المتداولة؟
انه على ارجح الأقوال هبة الله بن حماد بن ايوب اللغوي صاحب كتاب معنى الكعب وتلميذ السيد فخار بن معد الموسوي المتوفى سنة 630 للهجرة كما اكد ذلك المحقق الشهيد وكتبه بخط يده على نسخته المعارضة بنسخة ابن السكون ” وقد كتب عليها بخـط هبة الله قرأها على السيد الأجل النقيب الأوحد العالم جلال الدين عماد الإسلام ابو جعفر القاسم بن الحسن بن محمد بن الحسن بن معيه أدام الله تعالى عليه قراءة صحيحة مهذبة ورويتها له عن السيد بهاء الشرف ابي الحسن محمد بن الحسن بن احمد عن رجاله المسمين في باطن هذه الورقة وابحته روايتها عني حسبما وقفته عليه وحددته وكتب هبة الله بن حامد بن ايوب بن علي بن ايوب في شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وستمائة والحمد لله( ).
وذكر ان القائل “حدثنا” في اول السند هو الشيخ علي بن السكون من ثقاة علماء الإمامية، نقل هذا الرأي عن الشيخ البهائي وتابعه عليه جماعة بعضهم.
واسناد نسخة ابن السكون التي هي بخط يده على الوجه الآتي:
اخبرنا ابو علي الحسن بن محمد بن اسماعيل بن اشناس البزاز قراءة عليه فاقر به قال اخبرنا ابو الفضل محمد بن عبد الله بن المطلب الشيباني الى آخر ما في الكتاب.
ذكر بعض القدامى اخباراً عن الصحيفة واجزاء منها ورويت بعض ادعيتها في طيات الكتب والأخبار وذكر ان السيد رضي الدين علي بن طاووس ذكر في كتاب الإقبال سبعة من ادعية الصحيفة وكان متعارفاً بين العلماء الإجازة الخاصة برواية الصحيفة كما ان الكتب تتضمن نصوصاً كاملة لأدعيتها واسانيدها مرسلة وسلسلة رواتها سواء كان ذلك عند الإمامية او الزيدية او الإسماعيلية.
وذكر في خصوص تسميتها بالكاملة وجوه :
الأول : انه توجد عند الزيدية هذه الصحيفة لكنها ليست تامة تنقص عن هذه وتقرب من نصفها.
الثاني : وصفت الصحيفة بالكاملة لكمالها فيما الفت له.
الثالث : لكمال مؤلفها على كل شيء من الجميل الممكن.
والأول اقرب لأن الكاملة تأتي غالباً في مقابل الناقصة .
السَّيِّدُ الاجَلُّ، نَجْمُ الدِّينِ، بَهَاءُ الشَّرَفِ، أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ يَحْيَى الْعَلَوِيٌّ الْحُسَيْنِيٌّ رَحِمَهُ اللَّهُ(2).
(2) السيد:الشريف الفاضل من ساد يسود سيادة،وقد شاع في العرف اطلاق لقب السيد على اولاد الحسن والحسين عليهما السلام لرجوع نسبهما الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،والمعنى اللغوي أعم.
والأجل افعل تفضيل من جل يجل أي عظم وعلا شأنه ، ونجم الدين وبهاء الشرف لقبان فيهما مدح وتفخيم.
وعن الجلال السيوطي ان اول ما حدث التلقيب بالإضافة الى الدين في القرن الرابع وسببه ان الترك لما زاد نفوذهم في الدولة تسموا بشمس الدولة وناصر الدولة الى غير ذلك فتشوقت نفوس بعض العوام الى تلك الأسماء فلم يجدوا اليها سبيلاً فرجعوا الى امر الدين ثم فشا ذلك حتى أنس به الناس وتوطنوا عليه.
لقد اتجه العرب ورغبة في معاني الإجلال والإكرام الى استعمال الكنية بدل التصريح بالإسم وهي ايضاً من السنة والأدب وحسن الخلق.
روي ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال “من حق المؤمن على اخيه ان يسميه باحب اسمائه اليه”( ) ومع عز الإسلام ورسوخ اركان دولته تفشت لغة الألقاب خاصة لاولئك الذين نالوا الشهرة والجاه.
وازدادت هذه الظاهرة عند اتساع رقعة الدولة وسلطانها ودخول الناس معترك الحياة السياسية والدينية ، ومنع بعض علماء المالكية الالقاب المضافة للدين فقال: مما ينبغي التحفظ عنه من البدع الأعلام المخالفة للشرع المضافة للدين لما فيه من تزكية النفس المنهي عنها، وقال بعضهم في الرد عليه بان اللقب ليس تزكية للنفس فقد تكون الإضافة لأدنى ملابسة، وقال المحدثون: اذا اشتهر اللقب جاز وان كان ذماً كالأعرج ونحوه.
ولكن قوله تعالى وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ ينهى عن لقب السوء لاسيما الذي يتضمن ذماً للمؤمن واساءة له، وكم كان فضل الله على الناس بالإسلام عظيماً ففي عصر النزول يأتي النهي عن لقب السوء، ثم يتسابق المسلمون بعدها بالألقاب الشريفة.
والسيد نجم الدين بهاء الشرف المذكور ليس له ذكر في كتب الرجال، ولكن عدم الإحاطة بترجمة بعض رجال اسانيد الصحيفة لا يؤثر سلباً في صحة نسبة الصحيفة الى الإمام السجاد عليه السلام لثبوتها بالإستفاضة وتلاقفها يداً عن يد ، وجيلاً عن جيل، هذا بالإضافة الى ان ذكر هؤلاء المشايخ يأتي لبيان الإتصال في الإسناد الى صاحب الصحيفة والتيمن به.
قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ السَّعِيدُ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَهْرَيَارَ، الْخَازِنُ لِخِزَانَةِ مَوْلانَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الاوَّلِ مِنْ سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ وَ خَمْسِمِائَةٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَ أَنَا أَسْمَعُ( 3 ). قَالَ سَمِعْتُهَا عَنِ الشَّيْخِ الصَّدُوقِ، أَبِي مَنْصُورٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعُكْبَرِيِّ الْمُعَدِّلِ(4).
(3) قال الشيخ منتجب الدين في فهرسته: الشيخ محمد بن احمد بن شهريار الخازن بمشهد الغري على ساكنه السلام فقيه صالح، وهو صهر الشيخ ابي جعفر محمد بن الحسن الطوسي على ابنته وهي ام ولده الشيخ حمزة بن محمد بن احمد، وقوله “قراءة عليه” أي قرأت او قرأه غيرك وانت تسمع في عرض على الشيخ لذلك سميت هذه القراءة بالعرض، وقال بعضهم انه دون السماع في المرتبة.
(4) “سمعتها” أي سمعت الصحيفة السجادية اضمر التصريح باسمها لوضوح القصد وسياق الحديث ومعرفة السامع وتعدى السماع بعلى في قوله (سمعتها على) لأن العرض يأخذ طابع السماع من الشيخ.
والعكبري – بضم العين المهملة وسكون الكاف وفتح الباء نسبة الى بلدة صغيرة على نهر دجلة شمالي بغداد بعشرة فراسخ خرج منها جماعة من العلماء.
والمعدل: اسم مفعول من عدل الشاهد تعديلاً اذا وصفه بسمة العدالة وقيل في تعريفها انها ملكة راسخة عند الإنسان يكون معها ملازماً للتقوى والمروءة ومبتعداً عن الفسوق، وبالنسبة للراوي ان يكون متحرجاً عن الكذب ضابطاً لما يروي وينقل.
والعكبري هذا ذكره ابن السمعاني في كتاب الأنساب فقال هو ابو منصور محمد بن محمد بن احمد بن الحسين بن عبد العزيز العكبري كتب عن جماعة من المحدثين بعكبرى وغيرها.
حدثنا عنه جماعة من الشيوخ ببغداد واصبهان مات سنة اثنتين وسبعين واربعمائة، وابوه ابو نصــر محمد حدث عن احمد بن يوسـف بن خلاد وابي علي بن الصواف وابيه احمد بن الحسين العكبري، ومات بعكبرى في شهر ربيع الأول سنة عشرين واربعمائة وكان صدوقاً، وعمه ابو الحسن عبد الواحد بن احمد بن الحسين بن عبد العزيز العكبري المعدل، روي عنه ابن اخيه ابو منصور، وكان صــدوقاً متشــيعاً ومات في رجب سنة تســع عشـرة واربعمائة بعكبرى.
عَنْ أَبِي الْمُفَضلِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُطَّلِبِ الشَّيْبَانِيِّ (5)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(5)محمد بن عبد الله بن محمد بن عبيد الله بن البهلول بن همام بن بحر بن مطر بن مرة الصغرى ابن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان ابو المفضل، هكذا عنونه النجاشي.
وقال: سافر في طلب الحديث عمره اصله كوفي، وكان في اول امره ثبتاً ثم خلط، ورأيت جل اصحابنا يغمزونه ويضعفونه، له كتب كثيرة منها كتاب مزار امير المؤمنين عليه السلام :
الأول : شرف التوبة.
الثاني : كتاب مزار الحسين عليه السلام.
الثالث : كتاب فضائل عباس بن عبد المطلب .
الرابع : كتاب الدعاء كتاب من روى حديث غدير خم.
الخامس : كتاب من روى عن زيد بن علي بن الحسين .
السادس : كتاب القلم.
السابع : رأيت هذا الشيخ وسمعت منه كثيراً ثم توقفت عنه الا بواسطة بيني وبينه، وعنونه العلامة في الخلاصة في القسم الثاني وهو نوع تضعيف له لأنه يذكر الثقات في القسم الأول منها، وذكر نسبه البهلول.
ويلاحظ اختلاف في الكنية وورد ذكره في بعض الكتب بابي المفضل بدل ابي الفضل ولعل التحقيق والرجوع الى امهات الكتب الروائية والرجالية يظهر ان سهو النساخ وراء ذلك والعلم عند الله.
وقال الشيخ: محمد بن عبد الله بن المطلب الشيباني يكنى ابا الفضل، كثير الرواية حسن الحفظ، ولكن جماعة من اصحابنا ضعفوه، له كتاب الولادات الطيبة الطاهرة، وكتاب الفرائض وغيرهما.
قَالَ حَدَّثَنَا الشَّرِيفُ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ(6).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال: اخبرنا بجميـع كتبه ورواياته عنه جماعة من اصحابنا، وقال ابن الغضــائري عنه: رأيــت كتبــه وفيها الأســانيد مــن دون المتون، والمتون من دون الأسانيد وارى ترك ما ينفرد به وطريق الشيخ اليه صحيح( ).
وذكره ابن داود في رجاله ثلاث مرات في الموثقين ومرتين في المجروحين، وضعف السند لا يضر في مواضيع الصحيفة لقاعدة التسامح بادلة السنن، ولأن منطوق الصحيفة مظهر على صدورها من بيت النبوة والعصمة.
(6) قال النجاشي : جعفر بن محمد بن جعفر بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن ابي طالب ابو عبد الله هو والد ابي قيراط (قراط) وابنه يحيى بن جعفر، روى الحديث، كان وجهاً في الطالبين، متقدماً، وكان ثقة في اصحابنا سمع واكثر، وعمر وعلا اسناده، له كتاب تأريخ العلوي وكتاب الصخرة والبئر.
اخبرنا شيخنا محمد بن محمد رحمه الله، قال: حدثنا محمد بن عمر بن محمد الجعابي قال: حدثنا جعفر بن محمد بكته ومات في ذي القعدة سنة 308 وله نيف وتسعون سنة.
وذكر عنه انه قال: ولد بسر من رأى سنة 224، ونقل ابن داود عن النجاشي انه مات سنة 380 وكذلك ذكر العلامة، وعليه كان له من العمر زهاء 156 سنة.
قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ خَطَّابٍ الزَّيَّاتُ سَنَةَ خَمْسٍ وَ سِتِّينَ وَ مِائَتَيْنِ(7) قَالَ حَدَّثَنِي خَالِي عَلِيُّ بْنُ النُّعْمَانِ الاعْلَمُ(8)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهو بعيد وخلاف المتعارف في متوسط الاعمار، نعم لا مانع منه اذا ورد عليه دليل، ولكنه معارض بما ذكره النجاشي بأن عمره كان نيفاً وتسعين سنة، والنيف: الزيادة، وهو هنا ما بين السنة الى ثلاث، وقيل من الواحدة الى التسعة.
(7) الخطاب للمبالغة يقال : خطب الى القوم اذا طلب ان يتزوج منهم والاسم الخطبة – بالكسر – فهو خاطب، والزيات لقب يطلق على الذي يبيع الزيت الذي يعتصره.
الظاهر انه لم يرد له ذكر في كتب الرجال ولكنه عرف نفسه بانه ابن اخت علي بن النعمان بقوله حدثني خالي، ولما كان اخبار الشيخ محمد بن احمد المتقدم في سنة 16هـ وتحديث عبد الله بن عمر هذا سنة 265.
والعنعنة وقول كل من الرواة الثلاثة حدثنا يؤكد لقاء كل منهم للآخر ويدل على علو الإسناد وقلة الواسطة وهو امر يمتدحه ويميل اليه رجال الحديث وقد كانوا يشدون الرحال الى البلاد النائية طلباً لعلو السند وللإبتعاد عن الخلل والتخلص من الخطأ وقد مر في الصفحة السابقة كيف ان جعفر بن محمد بن جعفر احد رواة الصحيفة عاش وعمر كثيراً وعلا اسناده.
(8) النعمان بالضم : علم منقول وهو من أسماء الدم، والأعلم مشقوق الشفة العليا كما في وصف سهيل بن عمر والعامري القرشي( )، فان كان الشق في الشفة السفلى فهو الفلح وهو افلح، وعلي بن النعمان الأعلم النخعي ابو الحسن: مولاهم، كوفي، روى عن الإمام الرضا عليه السلام واخوه داود، اعلى منه وابنه الحسن بن علي وابنه رويا الحديث.
وكان علي ثقة، وجهاً، ثبتاً صحيحاً واضح الطريقة له كتاب يرويه جماعة اخبرنا علي بن احمد بن محمد قال: حدثنا محمد بن الحسن قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار وعبد الله بن جعفر، وسعد قالوا: حدثنا ابن ابي الخطاب، عن علي بن النعمان، بكتابه.
وقال الشيخ: علي بن النعمان، له كتاب، اخبرنا به جماعة عن ابي المفضل عن ابن بطة، عن احمد بن ابي عبد الله، عن علي بن النعمان وعده في رجاله من اصحاب الرضا عليه السلام روى عن عبد الرحمن بن الكوفي وهو من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام ذكره الشيخ في رجاله ، وروى عنه محمد بن الحسين بن ابي الخطاب كما في كامل الزيارات الباب 23 في قول امير المؤمنين في قتل الحسين عليهما السلام.
روى عن ابن مسكان وروى عنه أحمد بن محمد تفسير علي بن ابراهيم سورة الروم، في تفسير قوله تعالى ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ وطريق الصدوق اليه ابوه، ومحمد بن الحسن عن سعد بن عبد الله عن احمد بن محمد بن عيسى وابراهيم بن هاشم جميعاً عن علي بن النعمان، وقد ورد ذكر لشخص آخر يحمل ايضاً اسم علي بن النعمان الجعفي من أصحاب الصادق عليه السلام.
قَالَ حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ مُتَوَكِّلٍ الثَّقَفِيُّ الْبَلْخِيُّ عَنْ أَبِيهِ مُتَوَكِّلِ بْنِ هَارُونَ (9)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(9 ) الثقفي : نسبة الى ثقيف وهي قبيلة كبيرة ومشهورة في الطائف، والبلخي نسبة الى بلخ وهي مدينة كبيرة فتحها الأحنف بن قيس رئيس قبيلة تميم البصرة في ايام عثمان بن عفان.
قال النجاشي: متوكل بن عمير بن المتوكل روى عن يحيى بن زيد دعاء الصحيفة اخبرنا الحسين بن عبيد الله عن ابي اخي طاهر عن محمد بن مطهر عن ابيه عن عمير بن متوكل عن ابيه متوكل عن يحيى بن زيد بالدعاء.
وهل يتعلق اخبار الحسين للنجاشي بادعية الصحيفة ام بترجمة متوكل، الظاهر هو الأخير مما يدل على التسالم على نقل الصحيفة وتواتر امرها وان القيام بنقلها سبيل للتوثيق والأهمية، وقيل ان جميع اسناد الصحيفة ينتمي الى المتوكل بن هارون، ومنهم من عرفه بالبلخي.
وقال الشيخ: المتوكل بن عمير بن المتوكل: روى عن يحيى بن زيد بن علي عليه السلام دعاء الصحيفة اخبرنا بذلك جماعة عن التلعكبري: عن أبي محمد الحسن، يعرف بابن اخي طاهر، عن محمد بن مطهر عن ابيه عن عمير بن المتوكل، عن ابيه يحيى بن زيد واخبرنا بذلك احمد بن عبدون، عن ابي بكر الدوري عن ابن اخي طاهر ابي محمد عن محمد بن مطهر.
والمذكور في رجال السند والظاهر ان الشخص نفسه ولكنه ذكر في سند الصحيفة باسم جده او الاسم الشائع للإسرة والذي تتخذه لقباً ولو الى حين، فقد تشتهر اسرة باسم جد لهم ثم تتفرع الأسرة ويشتهر كل فرع باسم جد من الأجداد، والرجل ضعيف ولكن ذكره ابن داود في القسم الأول 1234هـ.
والإسناد الذي ذكره الشيخ وكذلك النجاشي ليس فيه ذكر لمتوكل بن عمير وانما جاء كما مذكور اعلاه عن عمير بن متوكل عن ابيه متوكل بن هارون عن يحيى بن زيد واسماء الرجال في الطبقة التي عاصرت الأئمة غالباً ما كانت ترد بالاسم واسم الأب من دون ذكر للجد وهو امر مناسب لما ورد في اسم المتوكل بن هارون بينما يكون اسمه على قولهم متوكل بن عمير بن متوكل وقال بعضهم: ان اعتماد طبقات رجال الحديث في اسناد الصحيفة على رواية عمير بن المتوكل امارة على توثيقه واقرار بصحة روايته وربما لم يهتم المتقدمون من رجال الحديث اهتماماً كثيراً بمسألة الإسناد خاصة وانها ليست من الأبواب الفقهية.
وقد نقل عن المتوكل بن هارون عن يحيى بن زيد وصفه اياه زيداً بغاية الورع والزهد والعبادة وان النور كان يسري في اسارير وجهه وقد اثر السجود في جبهته الى ان قال قلت: كان يصوم دهره، قال: لا، كان يصوم في السنة ثلاثة اشهر ويصوم في الشهر ثلاثة ايام، قلت: وكان يفتي الناس في معالم دينهم قال: ما اذكر ذلك عنه.
قَالَ لَقِيتُ يَحْيَى بْنَ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وَ هُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى خُرَاسَانَ(10).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ترجمة يحيى بن زيد
(10) هو يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب، امه ريطة بنت ابي هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن بن ابي طالب، وعده الشيخ من اصحاب الإمام الصادق عليه السلام، وروى عن ابيه زيد بن علي ان الأئمة اثنا عشر وسماهم باسمائهم وذكر ان امامتهم عهد معهود من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ولما قتل ابوه زيد بن علي سنة 122 للهجرة خرج حتى نزل بالمدائن وروي انه استجار بعبد الملك بن بشر بن مروان، فبعث اليه يوسف بن عمر يتهدده حتى يحضره فقال له عبد الملك بن بشر ما كنت لآوي مثل هذا الرجل وهو عدونا وابن عدونا، فصدقه يوسف بن عمر في ذلك ولما هدأ الطلب عنه سيره الى خراسان فخرج يحيى بن زيد في جماعة من الزيدية الى خراسان فاقاموا بها( )، وذكر انه لما دفن اباه ليلاً خرج صبحاً الى كربلاء ثم اتى المدائن .
ثم اقام عند يزيد بن عمر التميمي ستة اشهر حتى مضى هشام وولي بعده الوليد بن يزيد فكتب الى نضر بن سيار في طلبه فاخذه ببلخ وقيده وحبسه.
ولما ورد الكتاب بحبسه الى الوليد كتب الى نضر بن سيار بان يحذره الفتنة ويخلي سبيله، فاطلق سراحه واعطاه مبلغ الفي درهم وبغلين فخرج حتى نزل الجوزجان فلحق به قوم من اهلها ومن الطالقان زهاء خمسمائة رجل.
فبعث اليه النضر بن سيار سالم بن احوز فاقتتلوا اشد قتال ثلاثة ايام حتى قتل جميع اصحاب يحيى وبقي وحده فأتته نشابة اصابت جبهته فمات منها عصر يوم الجمعة سنة خمس وعشرين ومائة وله ثماني عشرة سنة واحتزوا رأسه وهو ميت.
وبعث به الى الوليد الى المدينة فوضع في حجر أمه ريطة فنظرت اليه وقالت شردتموه عني طويلاً واهديتموه إلي قتيلاً صلوات الله عليه وعلى آبائه بكرة واصيلاً.
ولما سقطت الدولة الأموية وقتل عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس مروان بن محمد بن محمد بعث برأسه حتى وضع في حجر ام يحيى فارتاعت فقيل لها هذا بيحيى بن زيد.
فَسَأَلَنِي عَنْ أَهْلِهِ وَ بَنِي عَمِّهِ بِالْمَدِينَةِ وَ أَحْفَى السُّؤَالَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ(11)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(11) احفى اي بالغ في السؤال وحفي : المستقصي بالسؤال عن الشيء وجعفر بن محمد هو الإمام ابو عبد الله الصادق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب عليه السلام ولقب بالصادق لصدقه في الكلام والحديث وامه ام فروة بنت القاسم بن محمد بن ابي بكر وامها اسماء بنت عبد الرحمن بن ابي بكر ولهذا كان الصادق يقول ولدني ابو بكر مرتين.
ولد بالمدينة المنورة يوم الإثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة 83هـ وقيل ولد سنة 80 للهجرة، اما اوصافه وملامحه فقد ذكر الرواة انه كان ربع القامة، ازهر الوجه، حالك الشعر، جعد، اشم الأنف، انزع، رقيق البشرة، وقيل انه كان معتدل القامة، ولقد ملأت علومه وآثاره الدنيا.
وجمع أصحاب الحديث أربعة آلاف رجل من الرواة الثقات مختلفين كلهم يقول حدثني جعفر بن محمد.
وقد اجمع الفقهاء وكبار العلماء والحكام من معاصريه على الثناء عليه واجلاله وكانوا يأخذون منه ويرجعون اليه في التفسير والحديث وشتى العلوم والآراء والمقالات.
قال الشيخ كمال الدين بن طلحة الشافعي اما مناقبه وصفاته فتكاد تفوت حد الحاصر ويحار في انواعها فهم اليقظ الباصر، وقال مالك: اختلفت اليه زماناً فما كنت اراه الا على ثلاث خصال اما مصل، واما صائم، واما يقرأ القرآن، وما رأيته يحدث الا عن طهارة.
قال الداوردي لم يرو مالك عن جعفر حتى ظهر أمر بني العباس( ).
وقال عمرو بن أبي المقدام: كنت اذا نظرت الى جعفر بن محمد علمت انه من سلالة النبيين( ).
وقال ابو حنيفة ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد لما أقدمه المنصور بعث الي فقال يا أبا حنيفة ان الناس قد افتتنوا بجعفر بن محمد فعين لي من المسائل الشداد، فهيأت له أربعين مسألة، ثم بعث إلي ابو جعفر وهو بالحيرة فاتيته فدخلت عليه وجعفر بن محمد جالس عن يمينه، فلما ابصرت به دخلتني من الهيبة لجعفر بن محمد الصادق ما لم يدخلني لأبي جعفر فسلمت عليه وأومأ اليّ فجلست ثم التفت المنصور الي فقال يا ابا حنيفة : ألق على أبي عبد الله من مسائلك فجعلت القي عليه فيجيبني انتم تقولون كذا، واهل المدينة يقولون كذا، ونحن نقول كذا، فربما تابعهم وربما خالفنا جميعاً، حتى اتيت على الأربعين مسألة، ثم قال ابو حنيفة ألسنا روينا ان اعلم الناس اعلمهم باختلاف الناس( ).
لقد اراد الإمام عليه السلام اقامة الحجة عليهم فهو لم يكتف بحل المسألة وذكرها بل ذكر اقوال الآخرين مما يدل على الإحاطة والتتبع لأحوال الفقهاء وآراءهم كجزء من وظائف الإمامة للحيلولة دون البدعة واحتمال الزلل في الفتوى.
وعاش الإمام الصادق مع جده زين العابدين اثنتي عشرة سنة، واقام بعدها مع ابيه الباقر عليه السلام تسع عشرة سنة.
فَأخْبَرْتُهُ بِخَبَرِهِ وَ خَبَرِهِمْ وَ حُزْنِهِمْ(12) عَلَى أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ(13)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وكانت وفاة الصادق عليه السلام في شوال سنة ثمان واربعين ومائة، وله من العمر خمس وستون سنة، بلحاظ ان ولادته في غرة رجب سنة ثلاث وثمانين للهجرة وقيل غير ذلك ودفن في البقيع مع ابيه وجده.
(12) الخبر- بضم الخاء فالسكون – العلم، والخبر – بالفتح – النبأ، والجمع اخبار، وفي الحديث أن النبي محمداً صلى عليه وآله وسلم بعث عيناً من خزاعة يتخبر له قريش عام الحديبية ( )، أي يتعرف له احوالهم .
ترك يحيى المدينة من قبل ان يقتل أبوه زيد ولقرب عهد المتوكل بالمدينة المنورة وتشرفه بزيارة قبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحضوره عند الإمام الصادق عليه السلام بعد أداء مناسك فريضة حج بيت الله الحرام أخذ المتوكل يعرف يحيى بن زيد أحوال الإمام الصادق واهل بيت النبوة.
ترجمة زيد بن علي
(13) هو زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب وكنيته ابو الحسين اخو الإمام الباقر عليه السلام مدني وتابعي وأمه أم ولد، ذو المناقب الكثيرة والفضائل العديدة ويقال له حليف القرآن وكان تقياً فقيهاً سخياً شجاعاً، وتنتسب اليه الزيدية واتفق علماء الإسلام على ورعه وعلمه، قال الشيخ المفيد في الإرشاد: كان عين اخوته بعد ابي جعفر عليه السلام وافضلهم.
وكان ورعاً عابداً شجاعاً وظهر بالسيف يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويطلب بثارات الحسين عليه السلام.
عن ابي الجارود قال: قدمت المدينة فجعلت كلما سألت عن زيد بن علي قيل لي ذاك حليف القرآن ذاك اسطوانة المسجد من كثرة صلاته، روى عن ابيه زين العابدين وعن اخيه ابي جعفر الباقر وذكره ابن حبان في الثقات ورأى جماعة من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج بالسيف يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر سنة 122 للهجرة.
بالإسناد عن الحسين بن عمر الجعفي قال: حدثني ابي قال: كنت ادمن ( )، الحج فامر على علي بن الحسين عليه السلام فاسلم عليه ففي بعض حججي أطل علينا علي بن الحسين عليه السلام ووجهه مشرق فقال جاءني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ليلتي هذه حتى اخذ بيدي فادخلني الجنة فزوجني حوراء فواقعتها فعلقت فصاح بي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا علي بن الحسين سم المولود منها زيداً.
قال فقمنا من مجلس علي بن الحسين عليه السلام ذلك اليوم وعلي يقص رؤياه حتى ارسل المختار بن أبي عبيد بأم زيد هدية الى علي بن الحسين عليه السلام شراها بثلاثين الفاً، فلما رأينا اشغافه بها تفرقنا من المجلس.
فلما كان من قابل حججت فمررت على علي بن الحسين لأسلم عليه فاخرج زيد على كتفه الأيسر وله ثلاثة اشهر وهو يتلو هذه الآية ويومئ الى زيدهَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا.
وبالإسناد عن أبي حمزة الثمالي قال : كنت أزور علي بن الحسين عليهما السلام في كل سنة مرة ، في وقت الحج ، فأتيته سنة من ذاك ، و إذا على فخذيه صبي إلى أن قال ثم قال : ألاأحدثك بحديث ابني هذا • بينا أنا ليلة ساجد و راكع إذ ذهب بي النوم في بعض حالاتي ، فرأيت كأني في الجنة ، و كأن رسول الله صلى الله عليه و آله و عليا و فاطمة و الحسن و الحسين صلوات الله عليهم ، قد زوجوني جارية من حور العين فواقعتها فاغتسلت عند سدرة المنتهى ، و وليت و بي يهتف ليهنئك زيد ليهنئك زيد ليهنئك زيد ، فاستيقظت فأصبت جنابة ، فقمت فتطهرت للصلاة و صليت صلاة الفجر ، فدق الباب و قيل لي : على الباب رجل يطلبك ، فخرجت فإذا أنا برجل معه جارية ملفوف كمها على يده ، مخمرة بخمار ، فقلت : حاجتك فقال : أردت علي بن الحسين ، قلت : أنا علي بن الحسين ، قال : أنا رسول المختار بن أبي عبيدة الثقفي ، يقرئك السلام و يقول : وقعت هذه الجارية في ناحيتنا ، فاشتريتها بستمائة دينار ، فهذه ستمائة دينار فاستعن بها على دهرك ، و دفع إلي كتابا، فأدخلت الرجل و الجارية و كتبت له جواب كتابه ، و بيت الرجل ، ثم قلت للجارية : ما اسمك • قالت : حوراء ، فهيؤها لي و بت بها عروسا، فعلقت بهذا الغلام فسميته زيداً ( ).
وتلك نعمة على أهل البيت عليهم السلام ان صلتهم مع الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لم تنقطع، وانهم ينالون مرتبة الرؤيا الصادقة والصالحة وكأنها مشاهدة حضورية، كما انها ارشاد وتعليم وافاضة من العالم العلوي، فالسماء تشارك بتحديد اسم ابن الإمام، ثم تأتي رؤيا اخرى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم تظهر حزنه على مقتل زيد مع لوم وتقبيح لمن أقدم على قتله.
وسبب خروجه انه وفد على هشام بن عبد الملك شاكياً من والي المدينة خالد بن عبد الملك بن الحرث بن الحكم، فحبسه هشام على الباب لا يأذن له، وزيد يرفع اليه القصص فيكتب هشام في أسفلها : ارجع الى ارضك.
ثم اذن له هشام وكان المجلس ممتلئاً ليس فيه فسحة لأن هشاماً جمع اهل الشام وامرهم ان يتضايقوا في المجلس حتى لا يتمكن من الوصول الى قربه، فقال له زيد: انه ليس من عباد الله احد فوق ان يوصى بتقوى الله ولا من عباده احد دون ان يوصى بتقوى الله وانا اوصيك بتقوى الله يا امير المؤمنين فاتقه.
فقال له هشام : انت المؤمل نفسك للخلافة الراجي لها، وما انت لها وذاك لا ام لك وانما انت ابن أمة.
فقال زيد : ان لك جواباً.
قال : تكلم.
قال : انه ليس احد اولى بالله من نبي بعثه وهو إسماعيل بن إبراهيم وهو ابن أمة.
فالنبوة اعظم منزلة عند الله ام الخلافة يا هشام؟ وبعد فما يقصر برجل ابوه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ابن علي بن ابي طالب عليه السلام ان يكون ابن أمة.
وبعد كلام قال هشام: خذوا بيد هذا الأحمق المائق، فاخرجوه وهو يقول لم يكره قوم قط حر السيوف الا ذلوا , فحملت كلمته هذه الى هشام فقال: الستم تزعمون ان أهل هذا البيت قد بادوا، ولعمري ما انقرضوا من مثل هذا خلفهم.
واشخص الى المدينة ومعه عدد يسير من الرجال حتى طردوه عن ارض الشام، فلما تركهم عدل الى العراق ودخل الكوفة واجتمع عليه الكثير من أهلها، وبايعوه على الحرب ثم نقضوا بيعته، والعامل عليها وعلى العراق يومئذ يوسف بن عمر الثقفي.
وفي خبر فضيل قال: دخلت على الإمام الصادق عليه السلام بعدما قتل زيد بن علي عليه السلام فادخلت بيتاً جوف بيت ، فقال لي: يا فضيل قتل عمي زيد، قلت: نعم، جعلت فداك.
قال : رحمه الله اما انه كان مؤمناً وكان عارفاً وكان عالماً وكان صــدوقاًً اما انه لو ظفر لوفى، اما انه لو ملك لعرف كيف يضعها.
وفي الكافي رواية مرسلة عن موسى بن بكر بن داب عمن حدثه عن ابي جعفر عليه السلام ان زيداً دخل عليه ومعه كتب من اهل الكوفة يدعونه فيها الى انفسهم ويخبرونه باجتماعهم ويأمرونه بالخروج فقال ابو جعفر عليه السلام: هذه الكتب ابتداء منهم او جواب ما كتبت به اليهم ودعوتهم اليه، فقال: بل ابتداء منهم لمعرفتهم بحقنا وقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولما يجدون في كتاب الله عز وجل من وجوب مودتنا وفرض طاعتنا ولما نحن فيه من الضيق والضنك والبلاء ، يريد قوله تعالىقُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ.
فقال ابو جعفر عليه السلام : ان الطاعة مفروضة من الله عز وجل وسنة امضاها في الأولين وكذلك يجريها في الآخرين والطاعة لواحد منا والمودة للجميع ، وامر الله يجري في اوليائه بحكم موصول وقضاء مفصول وحتم مقضي وقدر مقدور واجل مسمى لوقت معلوم فلا يستخفنك الذين لا يوقنون انهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً فلا تعجل.
فان الله لا يعجل لعجلة العباد ولا تسبقن الله فتعجزك البلية فتصرعك قال: فغضب زيد عند ذلك ثم قال : ليس الإمام منا من جلس في بيته وارخى ستره وثبط عن الجهاد ولكن الإمام منا من منع حوزته وجاهد في سبيل الله حق جهاده ودفع عن رعيته وذب عن حرمه.
قال ابو جعفر: هل تعرف يا اخي من نفسك شيئاً مما نسبتها اليه فتجيء عليه بشاهد من كتاب الله او حجة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم او تضرب به مثلاً.
اتريد يا اخي ان تحيي ملة قوم قد كفروا بآيات الله وعصوا رسوله؟ اعيذك بالله يا اخي ان تكون غداً المصلوب بالكناسة ثم ارفضت عيناه وسالت دموعه ثم قال: الله بيننا وبين من هتك سترنا وجحدنا حقنا وافشى سرنا ونسبنا الى غير جدنا وقال فينا ما لم نقله في انفسنا.
وكان خروج زيد سنة احدى وعشرين ومائة للهجرة النبوية المباركــة وفي رواية جــويرية بن اســماء ســنة 122، وقال ابن ســعد قتـل في صفر سنة 120 للهجــرة( )، وفي بعض المراســيل سنة 121.
ولما عزم زيد على الخروج بمن بقي معه من اصحابه بعد ان تخلى عنه الكثير ممن بايعه اثر كلام ومسائل دارت بينه وبينهم واسباب اخرى عديدة، واعد أصحابه ليلة الأربعاء من مستهل صفر من سنة 122، فبلغ ذلك يوسف بن عمر وكان في الحيرة( )، فكتب الى نائبه على الكوفة وهو الحكم بن الصلت يأمره بجمع الناس كلهم في المسجد الجامع، احترازاً ومنعاً لخروجهم معه خصوصاً مع كثرة من بايعه منهم وليكونوا تحت تصرفه وتأثير اعلامه وبطشه فجمع الناس في يوم الثلاثاء لمسلخ المحرم قبل خروج زيد بيوم واحد.
وخرج زيد ليلة الأربعاء في برد شديد، ورفع اصحابه النيران وجعلوا ينادون يا منصور أمت وهو شعار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتم الاتفاق عليه بينهم للإجتماع وعلامة للخروج فلما طلع الفجر اذا قد اجتمع معه مائتان وثمانية عشر رجلاً فقط، أي ان اكثر اصحابه لم يلتحقوا به.
فجعل زيد يقول سبحان الله اين الناس، فقيل هم في المسجد محصورون، وكانت الشيعة تختلف اليه عند دخوله الكوفة يبايعونه واحصى ديوانه خمسة عشر الف رجل منهم سوى اهل المدائن والبصرة وواسط والموصل وخراسان والري وجرجان والجزيرة.
وقيل خرج زيد لسبعة بقين من المحرم وقبل الموعد المتفق عليه باسبوع وبايعه جمع من الفقهاء كابن شبرمة والأعمش ومسعر بن كدام.
وكتب الحكم الى يوسف يعلمه بخروج زيد بن علي فبعث اليه بسرية الى الكوفة، وركبت الجيوش مع نائب الكوفة وجاء يوسف بن عمر ايضاً في طائفة كبيرة من الناس فالتقى بمن معه جرثومة منهم فيهم خمسمائة فارس، ثم اتى الكناسة فحمل على جمع من اهل الشام فهزمهم، ثم اجتاز بيوسف بن عمر وهو واقف فوق تل وزيد في مائتي فارس، ولو قصد يوسف بن عمر لقتله، ولكن اخذ ذات اليمين وكلما لقي طائفة هزمهم( ).
ولما بايع زيداً شطر من اهل الكوفة وخرج وصفقت الراية على رأسه، قال: الحمد لله الذي اكمل لي دينه، اني كنت استحي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان ارد الحوض عليه ولم امر في امته بمعروف ولا انهى عن منكر، وجاء يوسف بن عمر الثقفي في عشرة آلاف فصف أصحابه صفا بعد صف حتى لا يستطيع احدهم ان يولي عنقه.
وكانت الحرب بينهما سريعة وقصيرة إذ جاء سهم غرب الى زيد فاصاب جبهته اليسرى فثبت في دماغه ثم جيء له بطبيب فانتزع السهم فمات زيد ساعتها، ويقال ان السهم رماه مملوك ليوسف بن عمر الثقفي اسمه راشد وانه اصاب بين عينيه فانزل وكان رأسه في حجر محمد بن مسلم الخياط ثم نزع السهم وكانت نفسه معه، ولما قتل زيد بعثوا برأسه الى المدينة فنصب عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما قيل.
وكان مقتله لليلتين خلتا من صفر وله من العمر اثنتان واربعون سنة، واختلف اصحابه في اخفاء جسده ثم دفنوه واجروا عليه الماء، ولكن جسده اخرج وصلب بكناسة الكوفة، (عن جرير بن حازم انه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام متسانداً الى جذع زيد بن علي وزيد مصلوب وهو يقول للناس هكذا تفعلون بولدي)( ).
ان رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام حق وتذكرة ومناسبة للاعتبار، على فرض صدق الذي رآه في المنام.
وظاهر الاخبار انه صلى اله عليه وآله وسلم رؤي في المنام عند بدايات ولادة زيد، وان اسمه باختيار من الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وانه حزن عليه عند قتله مع لوم وذم لمن قتله، في توكيد سماوي للتجرأ والمعصية في التعدي عليه وقتله.
وقال ابو مخنف: لما قتل زيد خطب يوسف بن عمر اهل الكوفة فتهددهم وتوعدهم وشتمهم وقال لهم فيما قال: والله لقد استأذنت امير المؤمنين في قتل خلق منكم ولو اذن لي لقتلت مقاتلتكم وسبيت ذراريكم، وما صعدت لهذا المنبر الا لأسمعكم ما تكرهون( ).
وما ورد في مدح الأئمة عليهم السلام لزيد، وإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الرؤيا عن ولادته يدل على عظيم منزلة زيد وسلامة نهجه وتعظيمه لشعائر الدين ومصيبة قتله.
وروى الصدوق باسناده الى ابن عبدون قال (لما حمل زيد بن موسى بن جعفر الى المأمون وكان وهب جرمه لأخيه علي بن موسى الرضا عليه السلام وقال له يا ابا الحسن لئن خرج اخوك وفعل ما فعل فقد خرج قبله زيد بن علي فقتل ولولا مكانك مني لقتلته فليس ما اتاه بصغير.
فقال الرضا عليه السلام يا امير المؤمنين لا تقس اخي زيداً الى زيد بن علي فانه كان من علماء آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم غضب لله عز وجل فجاهد اعداءه حتى قتل في سبيله.
ولقد حدثني ابي موسى بن جعفر عليه السلام انه سمع اباه جعفر بن محمد عليه السلام يقول رحم الله عمي زيد انه دعى الى الرضي من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولو ظفر لوفى بما دعى اليه، ولقد استشارني في خروجه فقلت له يا عم ان رضيت ان تكون المقتول المصلوب بالكناسة فشأنك ، فلما ولى قال جعفر بن محمد عليه السلام : ويل لمن سمع واعيته فلم يجبه .
فقال المأمون: يا ابا الحسن اليس قد جاء فيمن ادعى الإمامة بغير حقها ما جاء فقال الرضا عليه السلام : ان زيد بن علي لم يدع ما ليس له بحق، وانه كان اتقى لله من ذاك انه قال : ادعوكم الى الرضا من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وانما جاء فيمن يدعي ان الله نص عليه ثم يدعو الى غير دين الله ويضل عن ســـبيله بغير علم ، وكان زيـــد بن علي والله من خوطــب بهذه الآية وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ .
ولما بلغ خبر مقتل زيد بن علي الإمام الصادق عليه السلام حزن عليه حزناً عظيماً وبكى كثيراً وفرق من ماله في عيال من اصيب معه من اصحابه مبلغ الف دينار.
وكان رسول بسام الصيرفي جاء بكتاب فيه: اما بعد فان زيد بن علي عليه السلام قد خرج يوم الأربعاء غرة صفر ومكث الأربعاء والخميس وقتل يوم الجمعة، وقتل معه فلان وفلان فدخلنا على الصادق عليه السلام فدفعنا اليه الكتاب فقرأ وبكى ثم قال: انا لله وانا اليه راجعون عند الله احتسب عمي انه كان نعم العم، ان عمي كان رجلاً لدنيانا وآخرتنا مضى والله عمي شهيداً كشهداء استشهدوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي والحسن والحسين عليهم السلام.
فَقَالَ لِي قَدْ كَانَ عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ علِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ(14)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نبذة عن حياة الإمام الباقر عليه السلام
(14) هو ابو جعفر محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب وامه ام عبد الله بنت الحسن بن علي بن ابي طالب فهو هاشمي من هاشميين، وروي ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سماه الباقر كما ورد في الرواية عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال يا جابر انك ستعيش حتى تدرك رجلاً من اولادي اسمه اسمي يبقر العلم بقراً فاذا رأيته فاقرأه مني السلام، فلما رأى جابر الإمام محمد الباقر وهو صبي ســأله عن نسـبه واسمه فاخبره فاعتنقه جابر وقال له: جدك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ عليك السلام.
ووردت روايات بذات المعنى والمضمون منها ما ذكره ابن عساكر في تأريخ دمشق الكبير وتاج الدين بن محمد بسنده في غاية الإختصار وفي الوافي بالوفيات، وكذا عن الإمام الصادق عليه السلام في اصول الكافي.
وقد ذكر جميع معاصريه ان الباقر عليه السلام بقر العلوم وتوسع فيها وعرف اصولها وما فيها من اسرار، قال ابن حجر الهيثمي، (ابو جعفر محمد الباقر سمي بذلك من بقر الأرض أي شقها واظهار مخبآتها ومكامنها، فلذلك هو اظهر من مخبآت كنوز المعارف وحقائق الأحكام والحكم واللطائف ما لا يخفى الا على منطمس البصيرة، او فاسد الطوية والسريرة ومن ثم قيل فيه هو باقر العلم وجامعه، وشاهر علمه ورافعه صفا قلبه وزكا علمه وعمله وطهرت نفسه، وشرف خلقه، وعمرت اوقاته بطاعة الله وله من الرسوم في مقامات العارفين ما تكل عنه السن الواصفين، وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف لا تحتملها هذه العجالة) ( ).
وقال محمد بن المنكدر: ما رأيت احداً يفضل علي بن الحسين حتى رأيت ابنه محمد، اردت يوماً ان اعظه فوعظني( )،
وقال ابن كثير: احد اعلام هذه الأمة عملاً وعلماً وسيادة وشرفاً وسمي الباقر لبقره العلوم واستنباطه الحكم وكان ذاكراً خاشعاً صابراً وكان من سـلالة النبوة رفيع النسـب عالي الحســب، وكان
عارفاً بالخطرات كثير البكاء والعــبرات معرضــاً عن الجدال والخصومات( ).
وترك الإمام الباقر عليه السلام( ) مجاميع واحكاماً في التفسير والفقه والكلام.
وصحيح ان الشيعة ينسبون الى الإمام جعفر الصادق عليه السلام فيسمون الجعفرية الا ان النصوص الواردة عن الإمام الباقر عليه السلام اكثر عدداً، مما يدل على سعة علومه وكثرة اصحابه وضبطهم وحرصهم على نشر علوم اهل البيت فقد شهدت مدارس الفقه الإسلامي في ايامه نشاطاً وارتقاء وكان شطر منها عيالاً عليه.
وكان الإمام الباقر متقدماً في العلم والمنزلة على الفقهاء الآخرين والذين حرصوا جميعاً على اكرامه والأخذ منه، ويقول الإمام الرضي كما في جوهرة الكلام:
يا باقر العلم لأهل التقى
وخير من لبس على الأجيل
واعترف ملوك عصره بعظيم قدره وعلو شأنه، قال له هشام بن عبد الملك: يا محمد لا تزال العرب والعجم تسودها قريش ما دام فيهم مثلك.
وكان ابو جعفر المنصور يأخذ الحديث الذي يروي عن الباقر بتسليم ووثوق.
وسئل الإمام عليه السلام عن الحديث يرسله ولا يسنده – أي انه يروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غير ان يذكر الواسطة – فقال: اذا حدثت بالحديث فلم اسنده، فسنده فيه ابي زين العابدين عليه السلام عن ابيه الحسين الشهيد عن ابيه علي بن ابي طالب، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن جبرئيل عن الله عز وجل( ).
دخل عليه الشاعر الكميت فاستأذن عليه وانشده ” من لقلب متيم مستهام” وقال الكميت فلما بلغت الى قولي:
اخلص الله لي هواي فما
اغرق نزعاً ولا تطيش سهامي
قال عليه السلام: لا تقل هكذا ولكن قل “فقد اغرق نزعاً وما تطيش سهامي”
قال: فقلت: يا مولاي انت اشعر مني بهذا المعنى( ).
عاش الإمام الباقر عليه السلام مع جده الحسين عليه السلام اربع سنين ومع ابيه زين العابدين عليه السلام بالإضافة لها تسعاً وثلاثين سنة، اما اولاده فهم جعفر الصادق عليه السلام وكان يكنى به، وعبد الله وامهما ام فروة بنت القاسم بن محمد بن ابي بكر وابراهيم وعبيد الله درجا، امهما ام حكيم بنت اسد بن المغيرة الثقفية، وعلي وزينب لأم ولد وام سلمة لأم ولد وقيل ان زينب وام سلمة اسمان لبنت واحدة.
عن احد اصحاب الإمام الباقر قال: سمع الإمام عصافير يصحن فقال: اتدري ماذا يقلن؟ قلت: لا، قال: يسبحن الله ويسألنه رزقهن يوماً بيوم( ).
وقال جعفر بن محمد: ذهبت بغلة ابي فقال لئن ردها الله علي لأحمدنه بمحامد يرضاها، فما كان باسرع من ان اتي بها بسرجها لم يفقد منها شيء، فقال فركبها فلما استوى عليها وجمع اليه ثيابه، رفع رأسه الى السماء وقال: الحمد لله، لم يزد عليها فقيل له في ذلك، فقال: فهل تركت او ابقيت شيئاً، جعلت الحمد كله لله عز وجل.
انها مدرســة الثنـاء والشــكر لله وبيــان بانه سبحانه يرضى بالقليل ودعوة الى الناس لعدم الإستهانة بالقليل من العبادات وتفويته وعدم اتيانه فالله عز وجل يرضى بالقليل وينميه ويضاعفه.
وكانت وفاة الإمام الباقر عليه السلام في السابع من شهر ذي الحجة سنة اربع عشرة ومائة للهجرة، وكان عمره سبعاً وخمسين سنة، ودفن في البقيع بالمدينة المنورة الى جانب أبيه زين العابدين وعم ابيه الحسن بن علي عليه السلام.
أَشَارَ عَلَى أَبِي بِتَرْكِ الْخُرُوجِ وَ عَرَّفَهُ إِنْ هُوَ خَرَجَ وَ فَارَقَ الْمَدِينَةَ مَا يَكُونُ إِلَيْهِ مَصيرُ أَمْرِهِ(15)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(15) كثيرة هي الروايات التي تذكر نهي الإمام الباقر عليه السلام لأخيه زيد عن الخروج على السلطان منها رواية موسى بنت بكر بن داب عن الإمام الباقر عليه السلام التي مّر ذكرها في الهامش.
كذلك جاء خبر النهي هذا عن لسان زيد برواية ابان عن الأحول محمد بن علي بن النعمان القوية السند التي يروي فيها الأحول حواراً جرى بينه وبين زيد عندما بعث اليه بالكوفة وهو مستخف يدعوه للخروج معه واعتذار محمد بن علي بن النعمان مع احتجاج ومناظرة عقائدية متماسكة منها قول زيد:
اما والله لئن قلت ذلك لقد حدثني صاحبك- أي الإمام الباقر- بالمدينة اني اقتل واصلب بالكناسة وان عنده لصحيفة فيها خبر قتلي وصلبي.
وورد خبر النهي هذا مرة اخرى على لسان الإمام الصادق عليه السلام ففي رواية الحسن بن راشد الذي قال: ذكرت زيد بن علي فنقصته عند ابي عبد الله الصادق عليه السلام فقال: لا تفعل رحم الله عمي زيداً فانه اتى ابي فقال : اني اريد الخروج على هذا الطاغية فقال: لا تفعل فاني اخاف ان تكون المقتول المصلوب بظهر الكوفة…الحديث( ).
وما قاله يحيى اقرار بصحة ما اخبر عنه عمه الباقر عليه السلام واعتراف بما حباه الله من فضله في مراجعة لأحداث الأمس ووقائعه كما انه جعله مقدمة ومدخلاً لإستقراء ما تخفيه له الأيام وليسمعه من
فَهَلْ لَقِيتَ ابْنَ عَمِّي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَهَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكُرُ شَيْئاً مِنْ أَمْرِي(16)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عين صافية وبحر للعلم دائم التدفق والعطاء.
وربما كان في كلام يحيى تشجيعاً لمتوكل بن هارون لقول الحق وعدم التردد في الأخبار عما ينتظر يحيى ان سمع من ذلك شيئاً.
(16) هل : حرف استفهام يراد منه التصديق الإيجابي، ونعم- بفتح النون والعين وقد تكسر العين كما في لغة كنانة- جاءت للاعلام.
وقال الأزهري : انما يجاب به الإستفهام الذي لا جحد فيه، واشتق ابن جني نعم من النعمة، اذ ان (نعم) اشرف الجوابين واسرهما للنفس واجلبهما للحمد و(لا) بضدها.
ولقاه يلقاه لقياً ولقاءً اجتمع به وصادفه، ويذكر على وزن يكتب.
والذكر حضــور المعنــى في النفس وقد يستعمل الذكر بمعنى القول كما في المقام لأن به اشارة وذكراً للمعنى، والأمر هنا الحال وما يجري عليه عندما يسمع يحيى من متوكل اخباره عن لقاء الإمام الصادق عليه السلام اثناء موسم الحج، تشوف الى الإطلاع على تفاصيل ما سيتعرض له وما سيجري عليه من الأحداث وما يؤول اليه حاله ومصيره في ضوء ما استودع من علوم آل محمد.
اراد يحيى ان يستمع الى ما ينطق به الإمام جعفر الصادق عليه السلام مما ورثه عن آبائه في شأنه خاصة وقد جاءت الأيام بصحة ما اخبر به الإمام الباقر عليه السلام زيداً من قتله وصلبه في كناسة الكوفة، ان التوجه الى العلوم الغيبية ظاهرة معروفة عند اولئك الذي يقدمون على المخاطرة والمجازفة وخوض المعارك الكبيرة التي تضع ابعاداً حاسمة ونهايات لواقعهم السياسي والإجتماعي وتعرض حياتهم والمقربين لهم للمهالك.
وقد سجل التاريخ الكثير من الأخبار التي صدقتها الوقائع والأيام، ووقف العلم الحديث مبهوراً ازاءها ولأنه لم يستطع انكارها فقد اتجه صوب التحليل والبحث والإستقصاء، واهتم الناس في هذا الزمان بالباراسايكلوجي لدراسة الظواهر والأمور الخارقة مع تسليم الجميع بان العلم الحضــوري يرقــى على اوهام
البشر ويكون خارج دائرة فهمهم القاصر ويتلقونه بالتسليم والقبول المقرون بالرضا والإعتزاز سواء وافق مصالحهم ورغباتهم او جاء مغايراً ومبايناً لها.
ان تلهف يحيى لمعرفة رأي الإمام الصادق عليه السلام فيه وفي عاقبة فعله وما يؤول اليه امره جاء لمعرفته بنصيحة واخبار الإمام الصادق عليه السلام لأبيه زيد من قبل وتحذيره من الخروج، فقد روى الصدوق باسناده عن الإمام الرضا عن ابيه موسى بن جعــفر انه ســمع اباه جعفر بن محمد عليه السلام يقــول: رحم الله عمـي زيداً…الى ان قال ولقد اسـتشارني في خروجه فقلت له يا عم ان رضيت ان تكون المقتول المصلوب بالكناسة فشأنك.
قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ بِمَ ذَكَرَنِي خَبِّرْنِي(17)، قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا أُحِبُّ أَنْ أَسْتَقْبِلَكَ بِمَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ(18) فَقَالَ أَبِالْمَوْتِ تُخَوِّفُنِي؟(19)هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ(20)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(17) بم : تعني باي شيء، وما: استفهامية حذفت الفها ودلت عليها الفتحة للفرق بينها وبين الخبرية، اجاب متوكل بالإيجاب مؤكداً سماعه للإمام جعفر الصادق عليه السلام وهو يتناول حال يحيى بالكلام ويخصه بالذكر، فاظهر يحيى تلهفاً لسماع نبأ مهم وذي شأن خاص بامره ومرتبط بشخصه باعتباره كنزاً من اسرار آل محمد قد تم الكشف عنه حديثاً لاسيما وان ابتعاده عن المدينة المنورة وتلاحق الأحداث بعد مقتل ابيه حال دون الإتصال المباشر بالإمام الصادق عليه السلام واستقراء رأيه.
(18) جعلت فداك : أي اكون عوضك لأقيك المكاره، واستقبلك أي اواجهك، أعلن المتوكل اشفاقه على يحيى واشار الى ما ينتظره من الضرر والأذى تلميحـاً وخشــي ان يسبب له ذلك حزناً والماً وارباكاً فاراد ان يمنع عنه آثاره ويحجب القلق عنه خاصة وانه حديث عهد بفقد ابيه.
(19) الهمزة للإستفهام وردت هنا للإنكار التوبيخي كاقرار واعلان للعلم بوقوع ما بعده.
وقدم “بالموت” للعناية والتخصيص وبيان الإهتمام بما يليه ويتعلق به ولإنكار التخويف، اظهر يحيى رباطة جأش وابدى استعداده لسماع اقسى واشد الأمور والإحتمالات، وصرح بانه لا يهاب الموت ولا يخشى ساعة نزوله بساحته وانه يريد سماع ما قال الإمام الصادق عليه السلام وان كان مؤلماً.
وربما يقال ان متوكلاً نجح فيما اراد الوصول اليه من خلق الإستعداد النفسي لدى يحيى لتلقي ذلك الخبر الخطير وعرضه على مراحل تبدأ من الإشارة والتلميح ثم ترقى بعد تهيئة المناخ المناسب الى التصريح والتحدث مباشرة بلغة النص والمضمون.
(20) (هات) يا رجل- بكسر التاء – اي اعطني وهو فعل امر (وقال الخليل اصل هات من آتى يؤتى ايتاء فقلبت الألف هاء) ( )
لقد اردف يحيى من غير تردد او وهن قائلاً (هات..) أي اعطنا تلك الجوهرة الثمينة من ذخائر اهل البيت واعلن بصراحة ما سمعته من خبري وعاقبة امري مما وفقت للإطلاع عليه وسماعه من الإمام الصادق عليه السلام.
كما حث متوكل بن هارون على عدم التردد والإبطاء في اعلان الخبر فليس هناك من سبب وحاجز يحول دون تلبية شوقه وحاجته للإحاطة بالخبر وما ينتظره من الوقائع والنتائج الخطيرة.
وقد ورد في الأخبار ان يحيى لا تثنيه الوحدة ولا ترهبه الكثرة، ومن كلامه في بعض مواقفه: عباد الله ان الآجل يحضره الموت، والموت طالب حثيث لا يفوته الهارب ولا يعجزه المقيم.
فَقُلْتُ سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّكَ تُقْتَلُ وَ تُصْلَبُ كَمَا قُتِلَ أَبُوكَ وَ صُلِبَ (21) فتَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَ قَالَ يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ(22)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(21) الصلب هذه القتلة المعروفة يقال صلبه صلباً فهو مصلوب وهو مشتق من اصطلب الرجل اذا جمع العظام واستخرج صليبها وهو الورك لما يسيل من وركه، وما في (كما) مصدرية أي كقتله وصلبه ولقد ذكر المؤرخون ان يحيى وبعد ان قاتل ثلاثة ايام اصيب بنشابة في جبهته وقيل في صدغه رماه رجل من موالي عنزة.
ان رواية متوكل هذه تؤكد اخبار الإمام الصادق عليه السلام عن مقتل يحيى من ضمن احوال آل محمد التي يتوارث معرفتها وعلمها الأئمة عليهم السلام كما اخبر الإمام الصادق عليه السلام محمد بن الحسن ذا النفس الزكية بمصير حركته وعاقبة امره، وهناك اشارة ضمنية الى ذلك بقوله عليه السلام لاصحابه: ولا يزال الزيدية لكم وقاء.
(22) الفاء عاطفة سبببية يستغنى بها عن الرابط، وتغير الوجه عبارة عن ظهور علامات التأثر وامتقاع لونه في انعكاس وامارة على تغير حركة الدم وزيادة سرعته عند تلقي الإنذار المبكر وما تسببه خطورته من فزع وحزن تظهر آثاره على الوجه والسلوك، ولكن يحيى استقبل الخبر مع شدة قسوته برباطة جأش وشجاعة غير مستغربة عند اهل البيت وتوارثهم الرضا بالقضاء والقدر والتسليم للحكم الإلهي قبل نزوله.
وسرعان ما التجأ الى القرآن الكريم ولاذ بآياته واتخذها حصناً ايمانياً ودرعاً واقياً، وقال رسول الله صلى الله عليه واله : القرآن هدى من الضلالة ، وتبيان من العمى ، واستقالة من العثرة ، ونور من الظلمة ، وضياء من الاحزان ، وعصمة من الهلكة ، ووشد من الغواية ، وبيان من الفتن ، وبلاغ من الدنيا إلى الآخرة وفيه كمال دينكم فهذه صفة رسول الله صلى الله عليه واله للقرآن ، وما عدل أحد عن القرآن الا إلى النار( ).
واستشهاد يحيى بالآية مناسب وموفق، والقرآن حجة ولكن من الأمور ما هي محتومة الى جانب الأمور الموقوفة، وقد ورد عن الإمام الباقر عليه السلام ان من الأمور اموراً موقوفة عند الله يقدم منها ما يشاء ويؤخر ما يشاء.
والمحو اذهاب اثر الكتابة، محاه يمحوه محواً وامحاه، وثبت الشيء ثباتاً وثبوتاً دام واستقر ، وقيل ان الناسخ والمنسوخ مما يمحى ويثبت، وكذلك الطاعات والمعاصي، فيمحو الله المعاصي عمن يريد التفضل عليه باسقاط العقاب، ويثبت معاصي من يريد عقابه، وكذلك في الآجال المكتوبة.
وأم الكتاب قيل هو اصل الكتب وهو اللوح المحفوظ عن المحو والتبديل ويحتوي على ما يثبت وما يمحى وبديله.
وعن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن قوله تعالى يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ قال ذلك كل ليلة القدر يرفع ويخفض، ويرزق الله غير الحياة والموت والشقاوة والسعادة فان ذلك لا يزول( ).
وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: هما كتابان كتاب سوى ام الكتب قال ان ذلك الكتاب كتاب يمحو الله فيه ما يشاء ويثبت، وام الكتاب لا يغير منه شيء، وعن الصادق عليه السلام قال: هل يمحى الا ما كان ثابتاً وهل يثبت الا ما لم يكن( ).
لقد توجه يحيى الى الرجاء وعدم القنوط من رحمة الله تعالى وانقطع الى التمسك برأفته عز وجل وعظيم فضله واحسانه واتصال نعمه تعالى وتوالي مننه.
عن زرارة عن ابي جعفر الباقر عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليه السلام يقول: لولا آية في كتاب الله لحدثتكم بما كان وبما يكون الى يوم القيامة، فقلت أي آية،فقاليَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ.
ان رحمة الله عز وجل ليس لها حدود ولا انقطـاع وغير منحصرة او مقيدة وقد امر الله عز وجل بالدعاء ووعد عليه بالإجابة وزرع في النفوس حالة الفزع اليه في الملمات والإلتجاء اليه في المهمات.
ومما يذكر في هذا الباب ما رواه الرضا عليه السلام في مسألة البداء انه قال اخبرني ابي عن آبائه ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ان الله عز وجل اوحى الى نبي من انبيائه ان اخبر فلان الملك اني متوفيه الى كذا وكذا فاتاه ذلك النبي فاخبره فدعا الله الملك وهو على سريره حتى سقط من السرير وقال رب اجلني حتى يشب طفلي واقضي امري.
فاوحى الله الى ذلك النبي ان اتيت الملك فاعلمه اني قد انسيت اجله وزدت في عمره خمس عشرة سنة فقال ذلك النبي يا رب انك تعلم اني لم اكذب قط اوحى الله تعالى اليه انما انت عبد مأمور فابلغه ذلك والله لا يسأل عما يفعل( ).
يَا مُتَوَكِّلُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَيَّدَ هَذَا الامْرَ بِنَا وَ جَعَلَ لَنَا الْعِلْمَ وَ السَّيْفَ فَجُمِعَا لَنَا(23)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ان الله عز وجل واسع كريم لا تستعصي عليه مسألة، والتطلع الى محو البلاء على وجهين :
الأول : قد يأتي البلاء باسباب خارجية قهرية فيسأل العبد الله عز وجل ان يصرفها.
الثاني : ان العبد يقصد بنفسه موارد البلاء بعد النهي والتحذير بالعلم الحضوري.
(23)ايده تأييداً: قواه وعززه والمراد بهذا الأمر دين الإسلام والشريعة المقدسة، والسيف عنوان الفتك والقوة والسلاح، والمراد بقوله “بنا” اي اهل البيت.
أخذ يحيى يمهد لبيان اسباب اصراره على الخروج واختياره طريقاً في الحياة ويذكر أوجه الإعتذار والإختلاف فقال انه واباه واخوته اجتمع عندهم العلم والسيف معاً فهم اهل العلم والشجاعة معاً، وكأنه لا يرضى بحياة القعود والتماس العافية بالصبر واختيار طريق التنسك.
ويبدو من خلال هذه النصوص ان يحيى مستقل في أمره لم يرجع الى الإمام الصادق عليه السلام ويستشيره ولعله يعلم بمنعه عن الخروج، خصوصاً وانه منع أباه زيداً وهو عم الإمام الصادق عليه السلام ، وكانت فرصه في الثورة افضل من يحيى ومع هذا قتل وصلب ، فيكون النهي بالأولوية.
وَ خُصَّ بَنُو عَمِّنَا بِالْعِلْمِ وَحْدَهُ(24)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(24) خصه بالشيء خصوصاً : جعله ينفرد به خلاف عم، والمراد من بني عمنا: الإمام الصادق عليه السلام واخوته وابناؤه وان كان المقصود في الكلام هو الإمام الصادق عليه السلام خاصة لما ورثه عن ابيه.
ولا يمكن الإستدلال بكلام يحيى هذا بانه معتقد بمذهب الزيدية الذي جعلوا الإمامة في أولاد فاطمة وان من كان منهم عالماً زاهداً سخياً شجاعاً خرج بالسيف فهو امام واجب الطاعة، ويجوز ان يكون قصده بيان الوظيفة والعمل، وقد وردت الروايات عن الزيدية تفيد ذات المعنى .
وجاء عن عمار الساباطي قال: “كان سليمان بن خالد خرج مع زيد بن علي حين خرج، قال: فقال له رجل- ونحن وقوف في ناحية وزيد في ناحية : ما تقول في زيد هو خير ام جعفر؟ قال سليمان: قلت والله ليوم من جعفر خير من زيد ايام الدنيا، قال: فحرك رأسه واتى زيداً وقص عليه القصة ،قال: فمضيت نحوه فانتهيت الى زيد وهو يقول : جعفر امامنا في الحلال والحرام( ).
هذا وزيد عم الإمام جعفر الصادق عليه السلام، ولكنه كفقهاء ورجال عصره الآخرين يقر بالمنزلة الرفيعة والمرتبة المتقدمة للإمام الصادق عليه السلام في العلوم الدينية، والتقييد الذي ذكره زيد بان امامته عليه السلام في الحلال والحرام اشارة الى ان خروجه ليس عن امره، او انه لا يرجع اليه فيه، ولكن الحلال والحرام سور كلي منبسط على جميع الأفعال واحكام العبادات والمعاملات لخضوعها انطباقاً الى التقسيم بحسب الأحكام التكليفية الخمسة.
لقد تجسد في كلام يحيى ما كان يعانيه ابوه زيد من امتناع الشيعة عن الخروج معه على السلطان واعراضهم عن نصرته واحتجاجهم بموقف الإمام الصادق عليه السلام وعدم تأييده له، وكم اجتهد زيد في السعي لخروج الملأ منهم معه حتى في زمان ما قبل خروجه الى الشام لمقابلة هشام بن عبد الملك، تلك المقابلة التي قالوا انها سبب خروج زيد ولعلها كانت سبباً مباشراً، وقد تقدم ذكرها، بل وكان هشام على علم بجانب من تلك النشاطات او انه يعرف اجمالاً ذلك الرأي منه لذا قال له هشام حين دخل عليه: بلغني انك تذكر الخلافة وتتمناها…الحديث، وقد مر ايضاً موضوع مكاتبته مع اهل الكوفة وتحذير الإمام الباقر عليه السلام له من عواقب الأمر.
وكان زيد يدعو الناس اليه بحضرة الإمام الصادق عليه السلام: وقبل ان يفد على هشام كما في رواية زرارة ( )، الذي قال: قال لي زيد بن علي، وانا عند ابي عبد الله عليه السلام: ما تقول يا فتى، في رجل من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم استنصرك؟ فقلت: ان كان مفروض الطاعة نصرته، وان كان غير مفروض الطاعة فلي ان افعل ولي ان لا افعل، فلما خرج، قال ابو عبد الله الصادق عليه السلام: اخذته والله من بين يديه ومن خلفه وما تركت له مخرجاً.
الأمر الذي يدل على ان الشيعة رفضوا الخروج مع زيد بسبب اعتقادهم الراسخ بعدم وجوب الخروج وكانوا على صلة بالإمام الصادق عليه السلام الذي كان يشير الى عدم تأييده للخروج وكان يذيع نهي ابيه الإمام الباقر لزيد عن الخروج في مناسبات مختلفة الى جانب تقريره لرد اصحابه السلبي واعراضهم عن دعوة زيد لهم بالخروج.
وهذا القول منا يخالف ما ذهب اليه المؤرخون وسلطت عليه الأضواء وتناقلته الأقلام والركبان في اسباب امتناعهم عن القتال معه بانه امتنع عن سب الشيخين فتخلوا عنه، وسموهم منذ ذلك الحين بالرافضة.
لقد ارادوا من الشيعة ان يخرجوا على السلطان ليكون سبباً لقتلهم والتأليب والتحريض عليهم فلم يفلحوا وقطع عليهم الإمام الصادق عليه السلام ومن قبله الإمام الباقر عليه السلام الطريق وحالا دون تفكيك عرى الإيمان وضياع علوم اهل البيت وحملته فجاءوا بمسألة السب والتبرأ من الشيخين، ولا موضوعية لها في عدم نصرة زيد لأن النهي صدر من الإمام الصادق عليه السلام قبل خروج زيد واثناء خروجه لعدم توفر اسباب نجاح الثورة ومستلزماتها، وان نظام بني أمية لم يحن أجله ووقت سقوطه، وكان آنذاك متماسكاً تتبعه امصار وبلدان عديدة.
وجاء النهي محدوداً ومتعلقاً باصحاب الأئمة وليس مطلقاُ، فلم يقل الإمام بحرمة خروج زيد بل انه مدحه وترحم عليه بعد قتله.
فالثورة في بلدة واحدة هي الكوفة من غير قواعد وتذمر عام يسود المملكة أمر لا يؤدي الى نتائج محمودة، فينبغي الحد الادنى وهو الصبر والمحافظة على المؤمنين وذرياتهم لحين الفرج واجتماع الاسباب للثورة، وهذا الأمر أغاظ أهل الحسد والكيد وارادوا استدراج الشيعة للخروج على السلطان كي يقتلهم ففوت عليهم الإمام عليه السلام الفرصة للقتل الجماعي والا فأن المطاردة الفردية والاضطهاد لبعض المؤمنين كان مستمراً.
ولعل اقبال الكثير من الناس على بيعته في بادئ الأمر يعود الى عدة اسباب واعتقاد انكشف خلافه بعد التحري والتفصي والسؤال ذلك، انهم اعتقدوا فيه الإمامة خاصة وانه كان عابداً فقهياً شجاعاً يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويطلب بثارات الحسين ويدعو للرضا من آل محمد، ومن الاسباب بطش وشدة سطوة السلطان وامكان وصول المدد من الشام ومن النواحي.
ان استجلاء الموقف وتحديد الإختيار وطلب الفتيا واستمراره بينهم منذ مجيء زيد الى الكوفة ودعوته لهم ادى إلى امتناع جماعة منهم عن الخروج معه الا نفراً يسيراً، وكانوا يحاورون زيداً نفسه ويظهرون الحجة امام اصحابه واهل مجلسه.
عن بكار بن ابي بكر الحضرمي، قال: دخل ابو بكر وعلقمة على زيد بن علي وكان علقمة اكبر من ابي فجلس احدهما عن يمينه والآخر عن يساره وكان بلغهما انه قال : ليس الإمام منا من ارخى عليه ستره وانما الإمام من شهر سيفه، فقال له ابو بكر- وكان اجرأهما.
يا ابا الحسين اخبرني عن علي بن ابي طالب عليه السلام اكان اماماً وهو مرخ عليه ستره، او لم يكن اماماً حتى خرج وشهر سيفه.
قال : فسكت فلم يجبه فرد عليه الكلام ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبه بشيء.
فقال له ابو بكر ان كان علي بن ابي طالب اماماً فقد يجوز ان يكون بعده امام مرخ عليه ستره، وان لم يكن اماماً وهو مرخ عليه ستره فانت ما جاء بك ها هنا؟ قال: فطلب اليه علقمة ان يكف عنه.
والرواية تؤكد مخالفة وجوه الشيعة له في رأيه بالخروج ومواجهته بذلك علناً وكأنهم يحثون الناس على عدم الخروج معه لمسائل عقائدية واحكام التقية والصبر وقلة الناصر والاعوان.
لقد عزم زيد على الخروج آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر وبهرت الناس شجاعته وما اظهره من نسك وزهد وسخاء وما اعلنه عن نفسه ومواهبه ثم ما لبثوا ان اتجهوا نحو الإمام عليه السلام واصحاب الرأي فيهم لإستقراء الحقائق واستجلاء الموقف، وقد بادر بعضهم الى الذهاب الى المدينة المنورة مع معاناة السفر وكثرة مشاقه وما يستغرقه من ايام واشهر.
عن داود بن كثير الرقي قال : دخلت على أبي عبد الله عليه السلام المدينة فقال لي: ما الذي أبطأ بك يا داود عنا ؟ فقلت : حاجة عرضت بالكوفة، فقال : من خلفت بها ؟ فقلت : جعلت فداك خلفت بها عمك زيدا، تركته راكبا على فرس متقلدا سيفا ينادي بأعلى صوته سلوني سلوني قبل أن تفقدوني في جوانحي علم جم، قد عرفت الناسخ من المنسوخ والمثاني والقرآن العظيم، وإني العلم بين الله وبينكم ! فقال لي: يا داود لقد ذهبت بك المذاهب ( ).
ان الإختلاف الكبير بين وجوه القوم من جهة وزيد من جهة اخرى ادى الى تزلزل منزلة زيد كقائد لحركة مسلحة وسبب ارتباكاً في الحسابات ونقصاً وتسرباً في الرجال، وقد اضطر زيد لحساسية الموقف وللتأثير السلبي الكبير لهذا الإختلاف على دعوته الى الهجوم العلني على اولئك الذين اخذوا يفقهون الناس بعناوين الحقيقة واسرار الأحداث ومسائلها المتشابكة مع بيان وتحديد سبل النجاة والخلاص من التهلكة والتحذير من الزلل ووعواقبه الوخيمة، ومن ذلك ما جرى بينه وبين ابي صباح الكناني( ).
عن محمد بن مسعود قال: كتب إلي الشاذاني، قال: حدثنا الفضل قال: حدثني علي بن الحكم وغيره، عن ابي الصباح الكناني، قال:
جاءني سدير فقال لي: ان زيداً تبرأ منك، قال فاخذت علي ثيابي، قال: وكان ابو الصباح رجلاً ضارياً، قال – والكلام لأبي الصباح -: فاتيته أي زيد فدخلت عليه وسلمت عليه فقلت له: يا ابا الحسين بلغني انك زعمت ان الأئمة اربعة: ثلاثة مضوا، والرابع هو القائم، قال زيد: هكذا قلت.
قلت لزيد : هل تذكر قولك لي بالمدينة في حياة ابي جعفر، وانت تقول: ان الله تعالى قضى في كتابه انه وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا، وانما الأئمة ولاة الدم، واهل الباب، وهذا ابو جعفر الإمام فان حدث به حدث فان فينا خلفاً.
وقال : كان يسمع مني خطب امير المؤمنين عليه السلام وانا اقول: فلا تعلموهم فهم اعلم منكم.
فقال لي : أما تذكر هذا القول؟ فقلت: بلى، فان منكم من هو كذلك.
قال : ثم خرجت من عنده فتهيأت وهيأت راحلة، ومضيت الى ابي عبد الله عليه السلام ودخلت عليه وقصصت عليه ما جرى بيني وبين زيد.
فقال : ارأيت لو ان الله تعالى ابتلى زيداً فخرج منا سيفان آخران باي شيء يعرف أي السيوف سيف الحق؟ والله ما هو كما قال: ولئن خرج ليقتلن، قال: فرجعت فانتهيت الى القادسية فاستقبلني الخبر بقتله رحمه الله( ).
وتظهر الرواية امتناع الشيعة عن نصرته ، وعدم اتفاقهم مع ما ذهب اليه من القول والإدعاء، وان مبادرة ابي صباح وتعجيله في الذهاب الى المدينة المنورة وعودته السريعة منها بعد ان اخذ الفتوى وخبر العاقبة وكأنه يريد ان يذيع ذلك وينشره بين الناس وهذا كله قبل الظهور العلني لزيد وحدوث تلك المقالة، وحتى قيام سدير الصيرفي بنقل تبرؤ زيد من ابي الصباح له كان موقفاً سياسياً واحتجاجاً ضمنياً وتحريضاً خاصة وان سدير هذا من اصحاب الإمام الصادق عليه السلام والذي ورد عنه ما يدل على انه كان يحبه ويعطف عليه وهو ممدوح وحسن.
وتدل هذه الأسباب والمشاهد على ان رفض اهل الكوفة القتال تحت راية زيد وحجبهم الموافقة على حركته لم يكن وليد ساعته وبسبب امتناعه عن التعرض عن لغة السب أوان خروجه وفيه مندوحة للمسلمين جميعاً.
لقد اراد يحيى ان يضفي رداء الشرعية على حركة ابيه وما ينوي هو القيام به ويظهر للناس ان الخروج وظيفة لهم امتطوا ناصيتها عن جدارة وبصيرة وعلم وهو دعوة ضمنية للناس بمتابعته والإنضمام اليه لأنهم شاركوا الإمام الصادق وابيه عليهما السلام في العلم واستقلوا وانفردوا بالسيف ، ويمكن احتساب كلامه اعترافاً ضمنياً وتقريراً لما اخبر عنه الإمام الصادق عليه السلام مما ينتظره في مستقل ايامه وكأنه اخذ يرى دنو شبح الموت منه وينظر الى كلام الصادق عليه السلام وإخباره بعين الجد والإهتمام.
فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاءَكَ إِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ إِلَى ابْنِ عَمِّكَ جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أَمْيَلَ مِنْهُمْ إِلَيْكَ وَ إِلَى أَبِيكَ(25)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(25) مال اليه اي احبه وانحاز اليه، يقال مال الشي يميل ميلاً، تكلم متوكل بلسان الإحتجاج بدراسة مقارنة من خلال المنزلة المطلقة لكل من الإمام الصادق عليه السلام، ولزيد ويحيى من جهة اخرى بعد ان بدأ يحيى بذلك وقال باهمية ما عنده ورجحان كفته، فأشار الى جعل آراء الناس وانحيازهم في المحبة والولاء اساساً للتقييم وصلاحية المبدأ وبرهاناً على القرب من الواقع وسلامة العقيدة، وفي كلامه تلميح الى ما ينتظر حركته من الفشل واشارة لما يجب ان يتوقعه من خذلان الناس له.
لقد أحسن الكلام في المقام وجاء بما يحمل معان كثيرة ذات مدلولات وحكم ولم يقل ذلك بلغة السؤال والإستفهام بل قاله بلغة الإخبار والخبرة وبيان لواقع الحال وعدم الإنحياز بان الإمام الصادق عليه السلام مع كثرة اتباعه فانه يحرص على التقية ويدعو الى التزام الصمت والسكون وعدم الخروج على السلطان.
وفي الكلام تعريض حيث ينوه له بقلة من يخرج معه في مقابل كثرة جيوش الدولة الأموية.
وما اخبر عنه الإمام الصادق عليه السلام من قتله هو امر ممكن واقعاً وعقلاً وان رجاء التدارك وسعة الأمل تكون في حدود الواقع وضمن قوانين الطبيعة واسبابها إلا أن يشاء الله بلطفه ومن غير أن تصل التوبة للمعجزة قال تعالى يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
فَقَالَ إِنَّ عَمِّي مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ وَ ابْنَهُ جَعْفَراً عَلَيْهِمَا السَّلامُ دَعَوَا النَّاسَ إِلَى الْحَيَاةِ(26) وَ نَحْنُ دَعَوْنَاهُمْ إِلَى الْمَوْتِ(27)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأراد ان يقطع امله من رجحان مبادرة الناس الى الخروج معه باعلانه ذلك فاخبره بان الناس في حبهم وتفضيلهم للإمام الصادق عليه السلام على يحيى يعبرون عن رضاهم وتأييدهم لمبدأ التقية وحكمته وصواب انتهاجه وسلامة ما ينتهي اليه.
(26) لقد سار يحيى على نهج ابيه باجتناب المواجهة الفكرية مع الأئمة ومحاولة ايجاد اوجه التشابه ونقاط الإلتقاء واظهار اقصى درجات التحفظ في المحاورة مع اصحاب الأئمة واجتناب الإحتكاك واثارة الازمات والجدال فاجاب من غير ان ينكر حقيقة تفضيل الناس للإمام الصادق عليه السلام بان مذهب الإمام الباقر عليه السلام وكذلك الصادق عليه الســلام موافـــق لما عند الناس من غـــريزة حــب البقاء وكراهية طباعهم الفطرية للإختيار الذي يكون فيه احتمال الموت عنهم ليس ببعيد.
وقد وردت روايات كثيرة من اهل البيت تصرح وتحث بوضوح على التقية منها (ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام انه قال: كفوا السنتكم والزموا بيوتكم فانه لا يصيبكم امر تحضون به أبدا، ولا يصيب العامة، ولا تزال الزيدية وقاء لكم أبدا( ).
(27) نحن : ضمير يراد به الإثنان والجميع الذين يخبرون عن انفسهم، وهو مبني على الضم بدل الواو التي تدل على الجماعة، والموت مغادرة الروح الجسد وانعدام الحركة فيه الى الأبد وهو ضد الحياة يقال: مات الإنسان يموت موتاً.
اضاف يحيى في بيان وتعليل كونهم مفضولين عند الناس الذين يفضلون عمه الباقر وابنه الصادق عليهما السلام، قائلا: اني ومن قبلي ابي زيد بن علي قد طلبنا ممن يريد اتباعنا من الناس المسارعة الى الموت ومشاركتنا في استقبال الموت مصيراً وغاية.
وفيه إشارة الى بقائه عازماً على اختيار طريق ابيه زيد بالخروج مع علمه بما يصير اليه واصحابه من ملاقاة العدو ذي الدولة والكثرة والقوة والمدد المتصل، ان سبب عدم ميل الناس وحبهم لنا هو نفورهم من الموت وعدم رغبتهم في اختيار الطريق المؤدية اليه.
وهذه النفرة من مصاديق قوله تعالى وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، لصيرورة حب الإنسان للحياة والبقاء ملكة.
فَقُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَ هُمْ أَعْلَمُ أَمْ أَنْتُمْ (28) فَأَطْرَقَ إِلَى الارْضِ مَلِيّاً(29)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(28) قد تخرج الهمزة عن الإستفهام الحقيقي فتكون مثلاً للتقرير وهو حملك المخاطَب على الإقرار والإعتراف بأمر اســتقر ثبوته او نفيه عنده ويجب ان يليه الشيء المقر به، وهي صيغة لا تخرج صاحبها عن التهذيب، ومناسبة المقام ومخاطبة حفيد زين العابدين عليه السلام الذي هجمت عليه الأحداث المؤلمة وهو مقبل على امر عظيم.
وكأن المتوكل بن هارون لم يقتنع بتعليل الحياة والموت مادة وسبباً لتفضيل الناس وترجيحهم جعفر الصادق عليه السلام عليه واراد بيان ومعرفة الأسباب الحقيقية الأكثر واقعية في ذلك الترجيح وتلك التي تتعلق بمنابع القرار واسس الآراء والأسباب الموضوعية له والمرتبطة بدرجة العلم وكونه علة الترجيح ومادة الإتباع وسبب التفضيل، فمن حق الناس ان يتجهوا نحو موطن الإلهام ومصدر الحكمة ومنبع العلم ، قال تعالىقُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى.
(29) اطرق الرجل، سكت متأملاً ولم يتكلم وتعدى بالى لتضمينه معنى نظر، والملي الحين من الزمان من الملاءة وهي البرهة من الدهر.
وقال ابو علي الفارسي وهو صفة استعملت استعمال الأسماء، حينما سمع يحيى سؤال متوكل واستفهامه رمى ببصره الى الأرض في لحظة تفكر لأهمية السؤال وما يترتب على الإجابة عليه من
ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَ قَالَ كُلُّنَا لَهُ عِلْمٌ غَيْرَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ كُلَّ مَا نَعْلَمُ، وَ لا نَعْلَمُ كُلَّ مَا يَعْلَمُونَ(30)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مدلولات ونتائج واسباب ومقاصد السائل من السؤال فهل يسأل للحقيقة او للإنكار التوبيخي او من باب تجاهل العالم او استدراجاً واظهاراً للإعتراف والإقرار، وربما كان اطراق يحيى للتدبر في مضمون الجواب والتوفيق فيه بما يتفق وطريقتهم عند حصول مناسبة المقارنة وتحليل الإتجاهين بصيغ التوفيق واظهار الإعتراف بما عند اهل البيت من العلم الحضوري والتصديق باقوالهم واخبارهم.
(30) استحضر يحيى جواباً ذكياً وجاء بكلام جامع اقر فيه بالواقع وبما يرضي السائل والمستمع مع احتفاظه لنفسه بقدر من العلم يؤطر به حركته ويجعلها ترتكز اليه فقد اعترف بسعة علم الإمام الصادق عليه السلام وما ورثه عن ابيه الباقر عليه السلام من المعارف الإلهية والعلوم النظرية وتفصيلات ابواب الفقه.
وبعد ان اعطى يحيى عنواناً مستقلاً للسيف واعلن انفراده وابيه به، لم يتردد في القول باحاطة الإمام الصادق عليه السلام بما عنده من العلم والفقه، كما اعترف بتخلفه وعجزه عن الإحاطة بما عند الإمام الصادق عليه السلام من علوم سواء ما كان منها هبة او مكتسباً.
وربما اراد الإشارة بان آلة الرياسة لا تحتاج بالضرورة الإحاطة بكل العلوم وتوفر المستلزمات الضرورية الأخرى عنده استناداً الى رأيهم الذي اعلنه زيد بن علي وهو “ليس الإمام منا من جلس في بيته وارخى ستره وثبط عن الجهاد ولكن الإمام منا من منع حوزته وجاهد في سبيل الله حق جهاده ودفع عن رعيته وذبّ عن حرمه”،
ثُمَّ قَالَ لِي أَكَتَبْتَ مِنِ ابْنِ عَمِّي شَيْئاً(31)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولكن الصورة المأساوية والنتائج المفجعة التي انتهت اليها بسرعة حركة زيد وثورته املت على يحيى الإكتفاء بالإشارة الى القواعد الأساسية والمقولات الكلية لمذهبهم.
(31) احس يحيى بأن الحوار اخذ يتجه الى الحساسية والإحراج وخشي ان يرد عليه امر او سؤال او مسألة تثبت واقعاً غير الذي ذكره او انه اراد تغيير دفة الحديث واستثمار مناسبة اللقاء مع عائد من البيت الحرام وموطن الأهل والأحبة وتوظيفه لصالح العلم والأخوة فسارع بمهارة وحنكة الى اخذ المبادرة في الحديث وتولى من جديد ادارته واختيار موضوعه ومنعه من اتخاذ منحى خطيراً بفقده الكثير من الأنصار والأعوان خاصة وان الكثير من اصحاب ابيه تخلوا عنه ساعة الحرج بما تلقوه من فتوى ورأي من المدينة عبر ما نقله بعضهم عن الإمام الصادق عليه السلام فاظهر الشوق والرغبة للإطلاع على ما استجد اعلانه وتدوينه من علوم آل محمد، واظهر صادقاً التعاطف مع الذي يتكلم معه بالحاجة الى الإطلاع على ما يصدر من علوم واحكام عن الإمام الصادق عليه السلام الذي كان في موسم الحج يأذن للناس اذناً عاماً لاســـتقبالهم في خيمة كبيرة يضربها في منى ايام التشريق أي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة، وهذا السؤال والمحاورة مناسبة لحفظ ادعية الصحيفة وتعاهدها.
ويبدو ان يحيى اطمأن الى متوكل ورضي عقله واستحسن منطقه وكلامه واستوثق من محبته للإمام الصادق عليه السلام واجتنابه الكذب عليه او التحريف لأقواله، واراد التأكد من صحة ما اورده من خبر قتله ونسب صدور الخبر الى الصادق عليه السلام: فقال
قُلْتُ نَعَم قَالَ أَرِنِيهِ (32)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سائلاً لمتوكل بود وأدب : هل تمكنت من تدوين بعض العلوم والأحكام عن ابن عمي جعفر الصادق عليه السلام.
(32) اذعن متوكل للطريقة التي غير فيها يحيى مجرى الحديث، ووظيفته الأدب مع اهل بيت النبوة فاجاب بالإيجاب مؤكداً انه استملى من الإمام الصادق عليه السلام بعض العلوم، ويلاحظ هنا ان يحيى بادر الى سؤاله عما كتب عن الإمام الصادق عليه السلام توثيقاً للمسائل وتأكداً من سـلامة النقل في الحديث وعلومه، بينما ابتدأ في موضوع الأخبار عن الأحوال الشخصية بالسؤال عن السماع كما تقدم في قوله “فهل سمعته يذكر شيئاً من امري”.
وحالما سمع يحيى الرد بالإيجاب طلب من متوكل ان يعطيه ما كتبه ودونه من قول الصادق عليه السلام وحديثه واراد الإطلاع عليه بنفسه، مؤكداً بصورة عملية انه يحتاج الى التزود من علوم الإمام الصادق عليه السلام.
فَأَخْرَجْتُ إِلَيْهِ وُجُوهاً مِنَ الْعِلْمِ وَ أَخْرَجْتُ لَهُ دُعَاءً أَمْلاهُ عَلَيَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ(33)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(33) وجوه العلم: ابوابه وجهاته ومسائله المستنبطة مأخوذ من الوجه وهو القصد الذي يتوجه اليه الإنسـان، واملاه: القاه وقذفه في المسامع، يقال: امليت الكتاب املاء كما في قوله تعالى فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً اسرع متوكل في التشرف بخدمة يحيى والإستجابة لطلبه وفتح بعض امتعته واخرج صحفاً فيها مسائل شريفة من العلم دونها واخذها عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام كما اخرج له دعاء كتبه مستقلاً القاه عليه الإمام الصادق بنفسه.
لقد اجمع الفقهاء والمؤرخون واصحاب السير على الإشادة والإعتزاز بفقه جعفر الصادق عليه السلام وانتشاره في الآفاق اذ امتلأت الأمصار بما اذاعه تلامذته من المسائل والأحكام، وتوفرت فرص مناسبة لنشر علوم اهل البيت في ايام حياة الإمام الصادق فقد عاصر اواخر الدولة الأموية وايام ضعفها وبداية تأسيس دولة بني العباس واشتغالها باســباب الإنشــاء والتنظيم الى جانب عزمه على اعداد فقهاء مؤهلين يرجع اليهم الناس في الأمصار.
(روى محمد بن يعقوب بالإســناد عن هشــام بن سالم، عن ابي عبد الله الصادق عليه السلام قال: لما حضرت ابي الوفاة قال: يا جعفــر اوصــيك باصــحابي خيراً، قلت: جعلـت فــداك
وَ حَدَّثَنِي أَنَّ أَبَاهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَيهِمَا السَّلامُ أَمْلاهُ عَلَيْهِ وَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ مِنْ دُعَاءِ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلامُ مِنْ دُعَاءِ الصَّحِيفَةِ الْكَامِلَةِ(34)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والله لأدعنهم والرجل منهم يكون في المصر فلا يسأل احداً( )، أي ان مضمون وصايا اهل البيت عليهم السلام هو العلم ونشره.
(34) الصحيفــة قطعة من جلد او قرطاس كتب فيها، والجمع صحف وصحايف وينسب الى الصحيفة الذي يأخذ العلم من الصحف دون المشايخ ويقال هذا رجل صحفي ويطلق هذا العنوان في هذا الزمان على الذي يعمل في اعداد الصحف والمجلات ووسائل الإعلام والكتابة فيها.
والصحيفة الكاملة هي الصحيفة السجادية الملقبة بانجيل اهل البيت وزبور آل محمد، ووصفت بالكاملة لكمالها وتغطيتها لحاجات الدنيا والآخرة ولكمال مؤلفها.
وربما جاءت تسمية الكاملة لإحتفاظ الإمام الصادق عليه السلام بها كاملة كما تركها الإمام السجاد عليه السلام وان غيره من ابناء الإمام لا يحتفظ الا بجزء منها، ويرد الكامل في مقابل الناقص، وفي كلام يحيى الآتي دليل على ذلك اذ سأل استنساخه واخبر عن وجود جزء من الدعاء الكامل عنده، وقيل انها سميت بالكاملة لوجود صحيفة ناقصة وغير تامة عند الزيدية وقد تقدم ، وهذا التعليل لا يخرج عما ذكرناه من احتفاظ الإمام الصادق عليه السلام بها كاملة.
ورب قائل يقول ان ادعية السجاد كثيرة واكثر عدداً من الذي جاءت به الصحيفة السجادية وهو خمسة وسبعون دعاءً.
قلت : ان ذلك لم يمنع من وصفها بالكمال اذا كانت جامعة لما الفه الإمام السجاد عليه السلام وجعله بين دفتين ولقد وصفت
فَنَظَرَ فِيهِ يَحْيَى حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِ(35)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العشرة بانها كاملــة ولا يلــزم ان توصــف بالنقصان بسبب ان المائة اكثر منها.
ان تدوين الصحيفة الكاملة يؤكد على السبق الى التأليف والكتابة الذي اولاه اهل البيت عناية خاصة تملي على المؤرخين واهل الحديث الرجوع اليهم والتزود من مناهل بيت الوحي والتنزيل.
(35) اتى على آخره، أي انهاه ووصل الى آخر ما فيه، والكلام يظهر حرص يحيى على ما في الدعاء فانشغل بقراءته ومتابعة ما فيه الى ان اكمله وانهى قراءته من غير ان يرفع رأسه.
فللدعاء عند اهل البيت قدسية خاصة ومكانة سامية تتناسب وعظيم منافعه في الدارين.
لقد كانوا يعتنون بالنصوص المتواترة في الدعاء ، ويواظبون على التوجه بها لطلب الحاجات ويأتون بالذي يناسب الوقت او الواقعة او الحاجة منها ، وهم يفتخرون بهذا الميراث ويعدون كل دعاء منها كنزاً وثروة.
لذلك كان نظره وتركيز اهتمامه به امعاناً وتدبراً والتماساً للفائدة.
وَ قَالَ لِي أَ تَأْذَنُ فِي نَسْخِهِ (36) فَقُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَتَسْتَأْذِنُ فِيمَا هُوَ عَنْكُمْ (37)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(36) اذنت لك في الأمر أي اطلقت لك فعله واتيانه، ونسخت الكتاب واستنسخته: نقلته وجئت بما يماثله، قال ابن فارس: وكل شيء خلف شيئاً فقد انتسخه، وكتاب منسوخ أي منقول.
بادر يحيى الى التماس متوكل وسؤاله نقل الدعاء من بين وجوه العلم التي اخرجها له متوكل، الأمر الذي يؤكد اهمية الدعاء وافضلية كتابته والمحافظة عليه والتقرب الى الله تعالى به كما انه خير سبيل لقضاء الحوائج وصرف البلاء.
(عن الصادق عليه السلام عن امير المؤمنين عليه السلام قال: احب الأعمال الى الله عز وجل في الأرض الدعاء)( ).
ولقد تربى يحيى في بيت تردد اركانه اصوات الداعين بكرة واصيلاً ، واتخذ آباؤه الدعاء سلاحاً ، وهو انفذ من السنان الحديد وترســاً آمناً للوقاية من شـرور الدنيا، لذا رغب يحيى في نقل وكتابة هذا الدعــاء بقرطاس لتكـون عنده نســخة مباركة منه.
(37) فيما هو عنكم: أي اخذناه منكم وهو منقول مما عندكم من الكنوز، وقد ورد في نسخة للصحيفة “عندكم” بدل عنكم أي انه موجود اصلاً وبصورة دائمة عندكم ، اجاب متوكل بأدب، وجاء برد مهذب يتضمن الإقرار باخذ العلم من بيت النبوة وهم اهله ومصدر انتشاره.
لقد اكرم الله هذه الأمة بمحمد واهل بيته وجعلهم خزان علمه وركن الإسلام يضيئون الطريق للناس ويأخذون بايديهم الى سبل
فَقَالَ أَمَا لاخْرِجَنَّ إِلَيْكَ صَحِيفَةً مِنَ الدُّعَاءِ الْكَامِلِ(38)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النجاة، بهم عاش العلم وظهر الحق ومات الباطل، عقلوا الدين في فهم وحفظ وحسن اداء في العمل ولم يكتفوا منه بالسماع والرواية بل تعاهدوه بالعمل وحرصوا على نشره وافشائه وتحملوا من اجل تعاهده وديمومته الأذى والعناء.
(قال امير المؤمنين عليه السلام: ان رواة العلم كثير ورعاته قليل).
(38) اللام في لأخرجن لجواب القسم حسب ما ذهب اليه الكوفيون، والقسم محذوف لدلالة الجواب عليه والتقدير والله لأخرجن ويحذف القسم غالباً استغناء عنه بجوابه، والأقوى انها لام الإبتداء تدخل على المبتدأ والفعل المضارع وهي تفيد التوكيد، ان اضفاء صفة القسم عليها لا يخلو في اغلب المواطن من تكلف لاسيما من جهة الأمور الشرعية خاصة عند انعدام القرينة على القسم.
قال ابن يعيش: اعلم ان هذه اللام اكثر اللامات تصرفاً ومعناها التوكيد وهو تحقيق معنى الجملة وازالة الشك.
وقال الكوفيون ان اللام اذا دخلت على الفعل المضارع جعلته خاصاً بالحال دون المستقبل الذي كان محتملاً ايضاً معه وقالوا بانك لا تقول: ان زيداً لسوف يصلي لأن اللام تدل على الحال، وقد خالفهم آخرون وقالوا انها لا تقصره على احد الزمانين بل هو على حالته في الإبهام فيهما وقالوا يجوز ان تقول ان زيداً لسوف يصلي، وسياق الكلام وقرائن المقام تفيد انها للتوكيد والحال.
مِمَّا حَفِظَهُ أَبِي عَنْ أَبِيهِ (39)وَ إِنَّ أَبِي أَوْصَانِي بِصَوْنِهَا(40)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واصطلاح ” الدعاء الكامل” الذي ورد على لسان يحيى ربما يكون اسماً آخر للصحيفة السجادية اطلقه زيد وابناؤه الذين ورثوها عنه و(من) الواردة في الدعاء تفيد التبعيض وليس في المقام ما يشير الى ان الدعاء الكامل كان عنده بجميع ابوابه.
لقد رأى يحيى استجابة متوكل وما جاء به من تحفة ودرة ثمينة ولأنه من بيت السخاء والكرم يعطون ابتداء ويردون الإحسان والهدية باكثر منها.
وتوثيقاً للعلم وسعياً في تعاهد وجوهه وحفظ ابوابه وتشجيع تعاطيه ونشره في الآفاق، سارع يحيى الى الإعلان عن مبادرة في هذا المضمار وقال لمتوكل بانه سينعم عليه بآية في هذا الباب وهي قطعة من قرطاس – وربما جلد – مكتوب فيها شطر من الدعاء الكبير المتكامل المتوارث.
(39) تأتي كلمة حفظ بمعان متقاربة مثل رعى، وفى، حرص، صان، استظهر واستحفظته الشيء: جعلته عنده يحفظه( ).
تضمن كلام يحيى براً بابيه وثناء عليه ولم يشرك نفسه في حفظ الصحيفة أدباً فاشار الى أمانة ابيه زيد وحسن فعله بصيانة الصحيفة وحفظها كوثيقة متوارثة يتدفق منها العطاء والبركة باستمرار.
(40) صنت الشيء صوناً وصيانة أي منعته من الضياع والإبتذال والتعرض للتلف فهو مصون، تحدث يحيى عن وصية ابيه له بوجوب حفظ هذه الصحيفة التي فيها الدعاء ومنعها من الضياع لبيان اهميتها وخطورتها وليظهر مدى التزامه بوصية ابيه وحرصه على امتثال اوامره.
وَ مَنْعِهَا غَيْرَ أَهْلِهَا(41) قَالَ عُمَيْرٌ قَالَ أَبِي فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَقَبَّلْتُ رَأْسَهُ(42)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كما ويتبين من الكلام الدائر موضوع ونوع الموروثات التي يوليها اهل البيت أهمية في التوارث فيما بينهم وهي ابواب العلم ووجوه الحكمة بعيداً عن الأموال ومباهج الدنيا.
(41) المنع : خلاف الإعطاء يقال منع فهو مانع وممنوع، ومن اسمائه تعالى “المانع” وهو من المنع والحرمان أي يمنع من يستحق المنع، فمنعه حكم وحكمة وعدل وجزاء، وعطاؤه جود واحسان ورحمة، كما انه يمنع السوء ان يصل للمؤمن.
ذكر يحيى ان اباه زيد امره بحجب هذه الصحيفة عن اولئك الذين لا يعرفون اهميتها من السفهاء والصبيان وكذلك الذين لا يستعملون ما فيها من ابواب البر والنفع والصلاح كاهل النفاق والفسوق، وفي الكلام تأديب غير مباشر واشارة الى متوكل ان لا يضعها في ايدي غير اهلها، ولا يجعلها تصل الى من لا يستحقها وفيه ايضاً تزكية له واطمئنان الى عقله على فرض صحة الكلام والنقل، لأنه ينقل المدح بنفسه ولم يرد عن غيره انه سمع الإمام عليه السلام يقول هذا لمتوكل.
(42) القبلة على وزن غرفة بمعنى اللثم اي الثمت رأسه من التقبيل رمزاً للشكر وعرفاناً للجميل.
لقد فرح متوكل واستبشر بما انعم عليه يحيى من وضع وصية ابيه بين يديه وكونه اهلاَ للثقة ، وللسعادة التي غمرته بوصول الصحيفة اليه قام متوكل وانحنى على يحيى يلثم رأسه شكراً وامتناناً.
وَ قُلْتُ لَهُ وَ اللَّهِ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنِّي لادِينُ اللَّهَ بِحُبِّكُمْ وَ طَاعَتِكُمْ(43)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(43) في الحديث العلم دين يدان الله به أي طاعة يطاع بها ودان فلان بالإسلام ديناً تعبد به، والطاعة: الإنقياد والإستجابة للأمر.
لقد اظهر متوكل شكره ليحيى بالقول والفعل، فبعد ان توجه صوب يحيى ولثم رأسه مقبلاً، تحدث عن مشاعره تجاه اهل البيت فقال اتقرب الى الله عز وجل واسعى في طاعته بما احمله من الود لكم الى جانب استجابتي لأوامركم ونواهيكم في طاعة ومرضاة الله عز وجل.
ان الود والمحبة لأهل البيت وحفظ النبي في قرابته وعترته أمر جاء القرآن بالحث عليه.
(عن الإمام الصادق عليه السلام قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حجة الوداع وقدم المدينة اتته الأنصار فقالوا يا رسول الله ان الله تعالى قد احسن الينا وشرفنا بك وبنزولك بين ظهرانينا فقد فرح الله صديقنا وكبت عدونا وقد تأتيك وفود فلا تجد ما تعطيهم فيشمت بك العدو فنحب ان تأخذ ثلث اموالنا حتى اذا قدم عليك وقد مكة وجدت ما تعطيهم فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهم شيئاً وكان ينتظر ما يأتيه من ربه فنزل عليه جبرئيل عليه السلام وقال قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ولم يقبل اموالهم( )).
وعن ابن عباس قال: لما نزلت – هذه الآية – قالوا يا رسول الله من هؤلاء الذين امرنا الله بموالاتهم قال علي وفاطمة وولدها( ).
ولقد اعتبر الإمام الحسين بن علي بن ابي طالب عليهما السلام اقتراف الحســنة هي مودة اهــل البيت اذ قال في خطبة له : انا من اهل البيت الذين افترض الله مودتهم على كل مسلم فقال قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا قال فاقتراف الحسنة مودتنا اهل البيت.
اما طاعتهم فلأنهم ابواب علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخزان ما جاء اليه من الوحي.
روي ان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال : من احبني فقد أحب الله ومن اطاعني فقد اطاع الله، فقال المنافقون : لقد قارف الشرك وهو ينهى عنه، ما يريد( ) الا ان نتخذه رباً كما اتخذت النصارى عيسى فنزل قوله تعالى [مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ] ( )( ).
أي أن طاعة النبي في طول طاعة الله وفرع منها لأن النبي لا يأمر أو ينهى إلا بأمر الله عز وجل ، وأن كلام المنافقين مغالطة لا أصل لها.
وَ إِنِّي لارْجُو أَنْ يُسْعِدَنِي فِي حَيَاتِي وَ مَمَاتِي بِوَلايَتِكُمْ (44)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولقد وردت احاديث عديدة في كتب كل المسلمين تحث على محبة اهل البيت والتمسك بنهجهم واتباع سبيلهم ومن ذلك حديث الثقلين المتواتر الذي يمكن اعتباره موسوعة علمية جامعة لأبواب التفسير والفقه والأخلاق والسيرة ومراتب العلم المختلفة.
وجاء الحديث بعدة طرق مختلفة منها ما ذكر في الدر المنثور عن زيد بن ارقم قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اني لكم فرط وانكم واردون علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين، قيل وما الثقلان يا رسول الله؟ قال: الأكبر كتاب الله عز وجل سبب طرفه بيد الله وطرفه بايديكم فتمسكوا به لن تزلوا ولا تضلوا، والأصغر عترتي وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض وسألت لهما ذاك ربي فلا تقدموهما لتهلكوا ولا تعلموهما فانهما اعلم منكم) ( ).
وفي خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام يذكر فيها آل محمد قال: لا يخالفون الحق ولا يختلفون فيه، هم دعائم الإسلام وولائج الإعتصام بهم عاد الحق في نصابه وانزاح الباطل عن مقامه.
(44) سعده الله يسعده فهو مسعود أي مبتهج بما ناله مما تشتهيه النفس وتميل اليه، والسعادة خلاف الشقاوة.
ومن السعادة ما يكون في الدنيا ومنها ما يكون في الآخرة، والدنيوية على اقسام منها ما يتعلق بالبدن كالصحة وحسن الهيئة ونحوها ومنها ما يكون خارجياً كالأولاد والأموال وسعة الجاه، والأخروية منها في عالم البرزخ والحساب، ومنها ما يتعلق بالمقام الاخروي للإنسان وخلوده في جنات النعيم.
والولاية : النصرة والمحبة مصدر وليت، والمراد من الولاية في المقام المودة المؤثرة في مسار الأعمال والمحبة التي تطبع السلوك والإعتقاد بصيغتها وبما يؤدي الى المتابعة والمحاكاة في الأعمال والإمتزاج الروحي، وقد وردت روايات كثيرة في مختلف كتب التفسير تشير الى ان الإمام علي عليه السلام هو الذي امر الله بولايته مع ولايته تعالى وولاية رسوله في قوله تعالى إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وعن عبد الله بن مسعود قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ – ان علياً مولى المؤمنين – وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ )( ).
فَرَمَى صَحِيفَتِيَ الَّتِي دَفَعْتُهَا إِلَيْهِ إِلَى غُلامٍ كَانَ مَعَهُ (45)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(45) رميت الشيء من يدي اي القيته ، والغلام: الطار الشارب، فلان غلام الناس وان كان كهلاً كقولك فلان فتى العسكر وان كان شيخاً.
ويبين الحديث حسن سمت يحيى من وجوه :
الأول : إنه قرأ الدعاء كاملاً .
الثاني : إظهار العناية الفائقة بالحديث المروي عن آبائه .
الثالث : التصديق بأن الحديث من كنوز أهل البيت عليهم السلام ، ولابد أن تكون هناك أمارات يعرفها أهل البيت خاصة بأدعيتهم وأوعيتها .
الرابع : الإستئذان من صاحب الدعاء باستنساخه مع أنه من تركة علوم آل محمد ، لقاعدة اليد ، وتعلق الملكية بالورق والكتابة وهو ظاهر الحديث إذ قال متوكل أن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أملاه عليه ، وفي الحديث مسائل في الإمامة :
الأولى : إن الائمة يملون الأدعية على أصحابهم لوجوه :
الأول : توثيق الأدعية وحفظها .
الثاني : الإنتفاع الأمثل بقراءتها والتقرب إلى الله تعالى بها.
الثالث : التأديب والإرشاد بالإقامة على قراءة الأدعية.
الرابع : التفقه في الدين عند أهل الإيمان وتوارث الأدعية وعلوم الدين من خصائص أهل البيت ، وفي التنزيل وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ، وكأن من شرائط الإمامة تعاهد الآيات وعلوم التنزيل وحفظ الأدعية .
الثانية : إنتشار أدعية أهل البيت في أرجاء الأرض ، وبما يمنع من الإستحواذ عليها .
الثالثة : تعدد نسخ الأدعية كي تكون في مأمن من التلف .
الرابعة : بيان علو مرتبة أهل البيت بتوارثهم وتعاهدهم وحفظهم للأدعية .
الخامسة : تدل الأدعية على إظهار الأئمة العبودية لله عز وجل ، وإنقطاعهم إلى طاعته ، وإنشغالهم عن الدنيا بذكره وتسبيحه .
ومن الدعاء المتوارث ما يكون من عمومات دعاء إبراهيم وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ.
وقد ورد في الثناء على إبراهيم في القرآنإِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ، وفي معنى أواه وجوه :
الأول : الأواه الدّعاء عن الإمام علي عليه السلام وإبن مسعود( )، أي الذي يكثر الدعاء والمسألة من الله .
الثاني : الذي إذ ذكر خطاياه إستغفر منها .
الثالث : الأواه الحفيظ الوجل ، يذنب الذنب سراً ، ثم يتوب منه سراً( ).
الرابع : الذي يواظب على ذكر الله ، وذكر أن رجلاً كان يكثر ذكر الله ويسبح ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إنه أواه .
الخامس : عن إبن عباس ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم دفن
وَ قَالَ اكْتُبْ هَذَا الدُّعَاءَ بِخَطٍّ بَيِّنٍ حَسَنٍ وَ اعْرِضْهُ عَلَيَّ لَعَلِّي أَحْفَظُهُ (46
ميتاً ، فقال : رحمك الله إن كنت لأواها ، يعني : تلاء للقرآن .
السادس : روي عن كعب الأحبار أنه قال كان إبراهيم إذا ذكر النار قال : أوه من النار ( ).
السابع : عن إبن عباس : ان إبراهيم لأواه ، قال فقيه .
الثامن : الأواه الدعاء المستكين إلى الله كهيئة المريض المتأوه من مرضه .
التاسع : عن إبن عباس : الأواه المؤمن التواب .
وتبين الفقرة عناية أهل البيت بالدعاء الموروث ، وفيه دلالة على إدراكهم لمنافعه في الدنيا والآخرة ، قال تعالى إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ.
(46) بان الأمر يبين فهو بين اذا وضح، ولعل: للتمني والترجي، ويقال حفظ القرآن اذا وعاه عن ظهر قلب.
بعد ان القى يحيى الصحيفة الى فتى كان مرافقاً له ، ويقوم بالخدمة بين يديه وطلب منه ان يدون ويستنسخ هذا الدعاء ويكتبه بحروف واضحة ذات جمال ورونق يليق به ويتناسب مع مكانة ومنافع واهمية الدعاء ويساهم في ابراز قدسيته ويزيد من الرغبة والشوق الى قراءته، ويساعد في تيسير حفظه عن ظهر قلب،
ولقد امتاز العرب بقوة الحافظة، ويبين ووجود الترجي في المقام عناية يحيى بأمور تتعلق بما يتخذه في مستقبل ايامه.
فَإِنِّي كُنْتُ أَطْلُبُهُ مِنْ جَعْفَرٍ حَفِظَهُ اللَّهُ فَيَمْنَعُنِيهِ(47). قَالَ مُتَوَكِّلٌ فَنَدِمْتُ عَلَى مَا فَعَلْتُ وَ لَمْ أَدْرِ مَا أَصْنَعُ، وَ لَمْ يَكُنْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ تَقَدَّمَ إِلَيَّ أَلا أَدْفَعَهُ إِلَى أَحَدٍ(48).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(47) منعه الشيء : حجبه عنه ولم يعطه اياه، وجعفر هنا هو الإمام جعفر الصادق عليه السلام، اعلن يحيى عن سعيه في السابق ومحاولاته للحصول على الدعاء بسؤاله المتكرر للإمام الصادق عليه السلام ولكن الإمام يمتنع عن اعطائه الدعاء وتمكينه منه، ذكر يحيى ذلك بلغة الخبر التي تخلو من اللوم وكأنه يشير الى امضائه والاقرار الضمني بمشروعيته ووجود ما يبرره.
ويلاحظ في المقام ان الدعاء كان معروفاً بعنوانه عند يحيى وهل هو من ادعية الصحيفة السجادية ام لا؟ الظاهر هو الأول.
وفي هذا الشطر من الدعاء مسائل :
الأولى : الإمام جعفر الصادق هو حافظ أدعية أهل البيت ، وأنهم يرجعون إليه في الأدعية المتوارثة .
الثانية : كان يحيى يريد إستنساخ الدعاء ، ومع هذا لا يعطيه إياه الإمام الصادق عليه السلام ، ولا بد من سبب أو علة لهذا الإمتناع .
الثالثة : يدل طلب الدعاء من الإمام الصادق عليه السلام على لجوء أهل البيت للإمام الصادق عليه السلام في الأمور الشرعية وذخائر العلم .
الرابعة : تدل رغبة يحيى على نسخ الدعاء على عدم حصوله عليه من غير الإمام الصادق عليه السلام .
وعن أبي ذر في حديث طويل : قلت : يا رسول الله فما كانت صحف موسى .
قال : كانت عبرا كلها وفيها : عجب لمن أيقن بالموت كيف يفرح ، ولمن أيقن بالنار لم يضحك.
ولمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها لم يطمئن إليها ، ولمن يؤمن بالقدر كيف ينصب ، ولمن أيقن بالحساب لم لا يعمل.
قلت : يا رسول الله هل في أيدينا مما أنزل الله عليك شئ مما كان في صحف إبراهيم وموسى.
قال : يا أباذر اقرأ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى.
قلت : يا رسول الله أوصني.
قال : اوصيك بتقوى الله فانه رأس الامر كله.
قلت : زدني قال : عليك بتلاوة القرآن وذكر الله كثيراً فانه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض ، قلت : زدني قال : الصمت فانه مطردة للشياطين وعون لك على أمر دينك( ).
(48) الندم : ضرب من الغم يعتري الإنسان لما صدر منه ويتمنى انه لم يقع يقال ندم على ما فعل فهو نادم، اذا حزن واسف ونظر بعين الكراهية الى ما وقع منه.
لقد ارتبك متوكل أسفاً لقيامه باعطاء الدعاء الى يحيى ، خاصة وان الإمام الصادق عليه السلام كان يمنعه ويحجبه عنه، ولكن حزنه واسفه سرعان ما خفت وطأته اذ استحضر السعة التي هو فيها وابتعاده عن التفريط وظاهر التقصير لإنعدام أي وصية او امر من الإمام الصادق عليه السلام له بحجب الدعاء او منعه عن الآخرين مطلقاً.
وفي هذا الشطر من الحديث مسائل :
الأولى : إكرام الإمام جعفر الصادق عند أصحابه ، وحذرهم من مخالفة أمره .
الثانية : تجلي معاني العمل بالتقية عند أصحاب الإمام الصادق حتى في باب الأدعية ونشرها ، مما يدل على ما لها من القدسية والشأن والأثر .
الثالثة : إعتماد متوكل لأصل الإباحة في المقام ، فما دام الإمام لم يمنعه من إعطائه الدعاء للغير فانه لم يجانب الصواب بدفعه ليحيى ، ولم يلتفت متوكل للأمر إلا بعد أن طلب منه يحيى إستنساخ الدعاء .
وتتجلى مفاهيم الإمامة في المقام بأن الإمام الصادق يعلم لمن يعطي الدعاء ومن يفوض له بعض الأمور ، وكذا في باب الفقه وهو الأهم بأن يبين أحكام الحلال والحرام والمسائل الشرعية لأصحابه الثقات الذين يحفظون الأحاديث.
ثُمَّ دَعَا بِعَيْبَةٍ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا صَحِيفَةً مُقْفَلَةً مَخْتُومَةً(49) فَنَظَرَ إِلَى الْخَاتَمِ وَ قَبَّلَهُ وَ بَكَى، ثُمَّ فَضهُ(50)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(49) العيبة : زنبيل من أدم تجعل فيه الثياب والحوائج الشخصية الصغيرة وهي تشبه الحقيبة، ومقفول: اسم مفعول من اقفله اذا احكم غلقه بوضع القفل عليه.
أمر يحيى باحضار تلك العيبة او الحقيبة وفتحها ليخرج منها وثيقة وقطعة من جلد او قرطاس مكتوب به دعاء أحيط بهالة من التقديس والتعظيم والسرية.
ويدل الخبر على أن أفراد أهل البيت يكتنزون الأدعية والأحاديث لدلالة العيبة والزنبيل على كونه وعاءً للكتب والوثائق ولاهمية أدعية الصحيفة فان يحيى حرص على حملها معه في السفر ولا يستغني عنها مع الأخطار ، وكأنه أراد منها رقية وحرزاً.
(50) المختوم : الممنوع من ان تمسه يد أحد، وختمت الكتاب ختماً أي طبعت عليه.
والخاتم : حلقة ذات فص من غيرها، وما يختم به على الكتاب يسمى مختام.
والخاتم- بفتح التاء – ما يوضع على الطينة، والخاتم- بكسر التاء -الفاعل، وفض الخاتم : كسره، نظر يحيى الى موضع الختم من الصحيفة فلثمه تقبيلاً وجــرت دموعـه على عينيه لما ذكره من أيام أبيه والوقائع الأليمة عند رؤية آثاره ثم قام بكسر الخاتم مقدمة لفتح الصحيفة.
وَ فَتَحَ الْقُفْلَ، ثُمَّ نَشَرَ الصَّحِيفَةَ وَ وَضَعَهَا عَلَى عَيْنِهِ وَ أَمَرَّهَا عَلَى وَجْهِهِ(51) وَقَالَ وَاللَّهِ يَا مُتَوَكِّلُ لَوْ لا مَا ذَكَرْتَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَمِّي إِنَّنِي أُقْتَلُ وَ أُصْلَبُ لَمَا دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ(52).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(51) نشر الكتاب : فتحه وجعل كتابته وكلماته ظاهرة للعيان خلاف طواه، قال تعالى وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ومّر الشيء مروراً أي اجتاز.
بعد ان فتح يحيى ما على الصحيفة من القفل قام بفتح طيات الصحيفة حتى اذا نشرها قربها من وجهه ثم وضعها على عينيه وسرحها على وجهه تبركاً واجلالاً وتيمناً بخط ابيه ، واستحضاراً لذكراه وبراً به بعد موته باظهار التقديس لأعماله والإكرام لآثاره المباركة واعلاناً للإعتزاز بميراثه الذي لم يكن من الذهب او الفضة بل كان دعاء حرص على صيانته وحفظه.
إن إحكام صحيفة الدعاء بقفل خاص دليل على العناية بها وقد يقال إن بقاءها من غير قفل هو الأولى للحاجة إليها بقراءة الدعاء والمسألة إلى الله عز وجل ، والجواب هذا صحيح إنما يتعلق القفل بخط أبيه زيد ، والأرجح أن يحيى يحفظ هذا الدعاء عن ظهر قلب.
(52) لولا ما ذكرت” جملة جاءت جواباً للقسم، ومن في قوله (من قول) بيانية.
بادر يحيى الى اعداد وصيته فيما يتعلق بهذه الصحيفة ذات الأهمية بعد ان وضع ما جاء به متوكل من كلام الإمام الصادق عليه السلام واخباره عما ينتظره من القتل والصلب موضع التصديق لما يعرفه من العلوم التي يحيط بها الإمام الصادق عليه السلام ولقرينة ما آل اليه مصير ابيه بعد اخبار الصادق عليه السلام ايضاً، واعلن يحيى عن نيته التخلي عن الصحيفة ودفعها الى متوكل استمراراً في المحافظة عليها ، وحرصاً عليها من الضياع والتلف.
ويدل تلقي يحيى خبر قتله عن الإمام الصادق عليه السلام بالقبول على إنصياع أهل البيت لإمامته ، وأنها لا تختص بأحكام الحلال والحرام.
وهل يمكن نجاة يحيى من القتل والصلب ، الجواب نعم ، قال : تعالىيَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ.
ترى لماذا لم يتأن يحيى في أمر الصحيفة ، ودفعها الى متوكل؟ لعل السبب هو عزمه واســـتعداده القريب للخــروج، وندرة وجود الثقة الأمين كما وان أصحابه يتعرضون في خروجهم معه لخطر الموت واحتمال الهلاك.
و لَكُنْتُ بِهَا ضَنِيناً(53) وَ لَكِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ حَقٌّ أَخَذَهُ عَنْ آبَائِهِ وَ أَنَّهُ سَيَصِحُّ فَخِفْتُ أَنْ يَقَعَ مِثْلُ هَذَا الْعِلْمِ إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ فَيَكْتُمُوهُ وَ يَدَّخِرُوهُ فِي خَزَائِنِهِمْ لانْفُسِهِمْ(54).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(53) ضن بالشيء يضن ضناً وضنة : بخل به وامسكه حرصاً عليه، اخبر يحيى عن حرصه الدائم على الإمساك بهذه الصحيفة وعدم التفريط بها، وشرح الأسباب القاهرة التي اضطرته لإخراجها من يده ، وهي الأخبار التي جاءت من الحجاز تنبئ بقتله وصلبه.
قال تعالى وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ، أي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يضن أو يكتم مما أنزل الله عليه من الوحي والتنزيل ، بيّن يحيى إعتزازه وافتخاره بصحيفة الدعاء التي عنده لما فيها من الإنقطاع إلى الله.
وتضمن قوله تعالىإِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا، بأن إمامة إبراهيم للناس ، وفي الألف واللام في (الناس) وجوه :
الأول : إرادة أهل زمان إبراهيم .
الثاني : أهل بيت إبراهيم ، قال تعالىرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ.
الثالث : الذين حول إبراهيم .
الرابع : إرادة المؤمنين في زمان إبراهيم.
الخامس : عموم الناس من أهل زمانه .
السادس : أهل زمان إبراهيم وغيرهم ممن بعدهم .
والصحيح هو الخامس والسادس الأخير ، ويمكن تأسيس قاعدة في اللغة أنه لو تردد الأمر في الألف واللام هل هي للجنس الإستغراقي أم العهد ، فالصحيح هو الأول إلا مع القرينة الصارفة إلى العهد ، نعم قد يكون الألف واللام في القرآن أعم فيتضمن في المقام وجوهاً :
الأول : إرادة الجنس والإستغراقي .
الثاني : المقصود العهد .
الثالث : الجامع للجنس والعهد .
الرابع : إرادة معنى آخر غير العهد والجنس الإستغراقي ، كما لو كان فرد متعدد من أحدهما أو منهما معاً ومعاني التبعيض ، وفي المقام يصح أن يقال أن إبراهيم إمام للناس من غير زمانه ، وهو الذي يدل عليه منطوق آيات القرآن قال تعالى قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا.
(54) لقد ورد في احاديث اهل البيت عليهم السلام ما يشير الى علمهم بالواقعات واطلاعهم على حوادث الزمان وان عندهم كتباً توارثوها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها اسماء الذين يتولون الرياسة والسلطنة في هذه الأمة، وقد اشير الى بعض منها كما في خطب امير المؤمنين المذكورة في نهج البلاغة التي اخبر فيها عن حكم معاوية ومروان بن الحكم والحجاج، ولابد ان اسم يحيى غير موجود مع هذه الأسماء، بالإضافة إلى الأخبار الخاصة بهم شخصياً كالقضية في الواقعة.
وعند بداية اللقاء حينما أخبر متوكل يحيى بقول الصادق عليه السلام واخباره عن قتله التجأ يحيى الى القرآن لائذاً مؤملاً وراجياً المحو والتبديل ، قال تعالىوَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ.
ولكنه الان عاد ليستسلم للأمر ويقول ان الخبر سيصح وان القتل والصلب امر واقع ولو على نحو الإحتمال الراجح، وعن المحقق الشريف في شرح المواقف في مبحث تعلق العلم الواحد بمعلومين ان الجفر والجامعة كتابان لعلي عليه السلام قد ذكر فيهما على طريقة علم الحــروف الحــوادث التي تحدث الى انقراض العالم.
وكان الأئمة من اولاده يعرفونهما ويحكمون بهما .
ولكن علوم اهل البيت أرقى وأعم، فهي من ميراث النبـوة، وما الجِفـر والجامعـة الا وجـوهاً من هذا العلم الموروث.
الخوف في المقام : الخشية والظن لإحتمال امر متوقع حصوله مما يرتكز في منشئه على العلم والدراية، والمثل عنوان للصفة، وبنو امية توارثوا الملك الى حين قيام الدولة العباسية سنة 132 للهجرة أي ان حكمهم لم يدم بعد قتلهم لزيد اكثر من عشر سنوات.
ويبدو ان امارات ظهرت للملأ بضعف تماسك الدولةالأموية وضعف الحكام فيها، وشجعت اهل الحل والعقد خصوصاً اهل البيت على الثورة والاستجابة للثوار، واستمر الإمامين الباقرين تلك الفترة وما اعقبها من بداية تأسيس الدولة العباسية في نشر علوم أهل البيت، وصيانة المجتمع من الآفات العقائدية والاخلاقية.
وكتم الشيء يكتمه أي اخفاه، وقد ورد في نسخة ابن ادريس المتوفى سنة 598 للهجرة، للصحيفة السجادية (فيكتمونه).
والإدخار: الإحتفاظ بشيء واعداده لوقت الحاجة والضرورة والخزائن: جمع خزانة – بالكسر – وهي ما يخزن فيها الشيء النفيس محافظة عليه وحجباً له عن الآخرين ولمنع الأيدي من الوصول اليه.
سارع يحيى في بيان الأسباب المستقبلية لإخراج الصحيفة من يده واعطائها لمتوكل، وهي خشيته من وصول هذه العلوم الربانية التي تقضى بها الحوائج وتفتح بها ابواب الإستجابة الى ايدي الحكام من بني امية الذين يستولون على ممتلكات الذي يخرج عليهم، فيمنعونها الناس، وتنقطع عن اهلها موارد الإنتفاع بها سواء كانت عيناً او منفعة او اعتباراً او علماً، وتكون غنيمة لبني امية يحتفظون بها لهم ولإبنائهم ولقضاء حوائجهم.
فَاقْبِضْهَا وَ اكْفِنِيهَا وَ تَرَبَّصْ بِهَا(55)فَإِذَا قَضَى اللَّهُ مِنْ أَمْرِي وَ أَمْرِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ مَا هُوَ قَاضٍ فَهِيَ أَمَانَةٌ لِي عِنْدَكَ(56) حَتَّى تُوصِلَهَا إِلَى ابْنَيْ عَمِّي مُحَمَّدٍ وَ إِبْرَاهِيمَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِمَا السَّلامُ(57)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(55) قبض الشيء : اخذه واستلامه، وكفى الشيء يكفي كفاية: اذا حصل به الإستغناء عن غيره، والتربص المكث والإنتظار.
لقد سأل يحيى متوكل ان يستلم الصحيفة وامره ان يتولى المحافظة عليها ويحرص عليها كما كان يحيى يعتني بها ويحافظ عليها بما قدمه له من البيان والإشارة الى منزلتها عنده واهميتها وتعاهده لها.
وطلب منه ايضاً ان ينتظر ويترقب بها ما تفرزه الأحداث والوقائع من نتائج وما تحمله الأيام مما يتعلق بما يؤول اليه مصيره.
(56) الفاء في (فاذا) للإستئناف وفي (فهي) للترتيب المعنوي.
طلب يحيى من متوكل جعل هذه الصحيفة بمنزلة الأمانة عنده والوديعة لديه اذا جرت الأمور على ما جاء به من الخبر عن قيام بني امية بقتله اذا خرج عليهم.
لقد جعلها نوع وديعة عند متوكل ، والوديعة جائزة من الطرفين ، فللمستودع الإمتناع عن قبول الوديعة .
(57) حتى للغاية بمعنى الى، واعتبارها للتعليل بمعنى كي امر غير ظاهر، ومحمد بن الحسن الملقب بالنفس الزكية وامه هند بنت ابي عبد الله بن زمعة ولد سنة مائة للهجرة واخوه ابراهيم يكبره بثلاث سنوات، وقد تطلعت نفوس بني هاشم لمحمد بن الحسن واعداده للخلافة والقيام ضد الدولة الاموية، وقيل بايع المنصور محمداً بن الحسن في نفر من بني هاشم وبعد قيام الدولة العباسية اختفى محمد وابراهيم، وبعد مجيء المنصور للحكم جاءته العيون بنيتهما – أي محمد بن الحسن واخوه ابراهيم – بالخروج فسعى في طلبهما والبحث عنهما.
واتفق محمد واخوه على الخروج في يوم احد، الأول في المدينة والآخر في البصرة، وتخلف ابراهيم عن موعد الخروج اياماً بسبب مرض الم به (روى الصفار باسناده عن المعلى بن خنيس قال: كنت عند ابي عبد الله – الصادق – عليه السلام اذ اقبل محمد بن عبد الله بن الحسن فسلم، ثم ذهب ورق له ابو عبد الله عليه السلام ودمعت عينه، فقلت له: لقد رأيتك صنعت به ما لم تصنع بغيره، قال: رققت له، لأنه ينسب في امر ليس له لم اجده في كتاب علي في خلفاء هذه الأمة ولا ملوكها، وروي قريب منه عن العيص بن القاسم.
ولما ظهر محمد بالمدينة وادعى الخلافة دعا الإمام الصادق عليه السلام الى بيعته وتكلم معه بغلظة ثم امر بحبسه واصطفى ماله واموال الذين لم يخرجوا معه من قومه، وكان الإمام عليه السلام يعظه وينصحه ويعتذر عن الخروج معه ويخبره بان الأمر لا يتم له وانه سيقتل.
وارسل المنصور جيشاً كبيراً لقتال محمد بن الحسن وجعل قيادته لولي عهده عيسى بن موسى بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب واقتتلا في موضع قريب من المدينة يقال له”احجار الزيت” وتفرق عن محمد اصحابه قبل ان يقتل وقيل هو اذن لهم بذلك عند بدء القتال.
ولما بقي محمد بن الحسن وحده دخل داره وامر بالتنور فسجر ثم القى فيه السجل الذي فيه اسماء من بايعه كي لا يعاقبوا وقيل انه مصداق لتسميته بالنفس الزكية لما روي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: يقتل باحجار الزيت من ولدي نفس زكية، وبعد حرق السجل خرج محمد بن الحسن وقاتل حتى قتل في شهر رمضان لسنة خمس واربعين ومائة للهجرة النبوية المباركة وقيل في الخامس والعشرين من رجب من نفس السنة وهو ابن خمس واربعين سنة.
اما اخوه ابراهيم فقد خرج في البصرة وكان قوياً وذا اطلاع في العلوم وكان خروجه في رمضان في تلك السنة وتلقب بامير المؤمنين وجاءه خبر مقتل اخيه وهو على المنبر فتمثل بقول الشاعر:
ابا المنازل يا خير الفوارس من
يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا
الله يعلم اني لو خشيتهم
واوجس القلب من خوف لهم فزعا
لم يقتلوه ولم اسلم اخي لهم
حتى نموت جميعاً او نعيش معا
وندب له المنصور عيسى بن موسى وامره بالتوجه من المدينة الى قتال ابراهيم، وقد اشير على ابراهيم بالبقاء في البصرة ولكنه استمع الى من قال بالتوجه نحو الكوفة لوجود الأعوان والأنصار فيها وقال له بعض اصحابه انهم يخرجون بوصوله.
والتقى الجيشان بباخمرى وهي قرية قريبة من الكوفة واشتدت الحرب بينهم وانهزم جيش عيسى بن موسى وظهر عليه الإنكسار، ولكن جنوده عادوا وكروا على اصحاب ابراهيم فقتلوا كثيراً منهم.
وجاء سهم غرب( ) فاصاب ابراهيم في فمه واجتمع عليه اصحابه فجاءه العدو واحتز رأسه، وكان قتله في ذي القعدة او ذي الحجة من سنة خمس واربعين ومائة وهو ابن ثمان واربعين سنة، وجيء برأسه فوضع في طست بين يدي المنصور فلما نظر اليه قال: وددت انه فاء الى طاعتي.
وقد وردت الرواية عن الفضـيل بن يسار في محمد واخيه إبراهيم قال : سمعت ابا عبد الله الصادق عليه السلام يقول: ان خرجا قتلا( ).
فَإِنَّهُمَا الْقَائِمَانِ فِي هَذَا الامْرِ بَعْدِي(58). قَالَ الْمُتَوَكِّلُ فَقَبَضْتُ الصَّحِيفَةَ فَلَمَّا قُتِلَ يَحْيَى بْنُ زَيْدٍ صِرْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَقِيتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَدَّثْتُهُ الْحَدِيثَ عَنْ يَحْيَى، فَبَكَى وَ اشْتَدَّ وَجْدُهُ بِهِ(59). وَ قَالَ رَحِمَ اللَّهُ ابْنَ عَمِّي وَ أَلْحَقَهُ بِآبَائِهِ وَ أَجْدَادِهِ(60).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(58) القائم بالأمر: الذي يحفظه ويتعاهده ويحجز عنه الزيغ من اقام العود اذا قومه ومنع منه الميل، وقد جاء في بعض الروايات ما يفيد بان الزيدية كانوا يرجعون الى عبد الله بن الحسن والد محمد وابراهيم.
(59) صرت الى المدينة اي رجعت وعدت اليها، الوجد- بالكسر- الحزن قال متوكل: اني استلمت صحيفة الدعاء من يحيى بعد هذا الكلام المتشعب وبقيت عندي حتى خرج يحيى وكان من امره ما كان من القتل والصلب، فرجعت الى المدينة المنورة وذهبت الى الإمام الصادق عليه السلام واخبرته تفاصيل ما وقع لي مع يحيى.
كان الإمام الصادق عليه السلام يبكي ويتألم لما يصيب اهل البيت من المصائب مع انه كان قد حذر من الخروج ولا يتردد في بيان عواقبه، ويظهرمن الكلام احتمال ورود خبر مقتل يحيى قبل ذلك وانه مسبوق به، وقد مر كيف انهم ارسلوا رأسه ووضعوه في حجر امه، وانه حزن للذكرى وللتفاصيل التي اثارت الأشجان.
(60) الأجداد هم آباء الآباء مع اشتراكهم معهم بالمعنى كعطف الشــيء على مرادفه، وفي التنزيل قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا .
وفي يوسف عليه السلام وابراهيم جد اسحاق واسماعيل عمه، كذلك جاء في يوسف عليه السلام وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ، ويعقوب ابو يوسف واسحاق جده وابراهيم ابو اسحاق.
وفي قوله تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ… روي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: ان الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وان كانوا دونه لتقر بهم عينه، وعن الصادق عليه السلام قال : قصرت الأبناء عن عمل الآباء فالحقوا الأبناء بالآباء لتقر بذلك اعينهم( ).
وَ اللَّهِ يَا مُتَوَكِّلُ مَا مَنَعَنِي مِنْ دَفْعِ الدُّعَاءِ إِلَيْهِ إِلا الَّذِي خَافَهُ عَلَى صَحِيفَةِ أَبِيهِ(61).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(61) في الكلام دفع وهم لمنع الظن والتأويل غير المناسب في امتناع الإمام الصادق عليه السلام عن دفع الصحيفة ليحيى.
فقد كان يحيى اهلاً لقبض الصحيفة ولكن الإمام عليه السلام اخبر عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء عدم استجابته لطلبه وهي ذات الأســباب التي وردت في خشــية يحيـى على صحيفة ابيه زيد من احتمال وصولها الى ايدي بني امية وما يتفرع عنه، وكأن الإمام يشير بذلك الى معرفته لما يؤول اليه مصير يحيى الذي اخبر عنه ولكنه اجتنب مواجهة يحيى بها وكان يكتفي بالإعتذار والإمتناع وقد ورد عن عبد الله بن عيسى عن ابيه عن جده قال: نظر علي بن الحسين عليه السلام الى وِلده وهو يجود بنفســه وهم مجتمعون عنده ثم نظر الى محمد بن علي فقال: يا محمد خذ هذا الصندوق فاذهب به الى بيتك، وقال: اما انه لم يكن فيه دينار ولا درهم ولكن مملوء علماً( ).
وفيه مسائل :
الأولى : بيان ماهية تركة الإمام علي بن الحسين وأنها العلم .
وأخرج البيهقي عن علي بن الحسين ، أن جارية جعلت تسكب عليه الماء يتهيأ للصلاة ، فسقط الإبريق من يدها على وجهه فشجه ، فرفع رأسه إليها فقالت : إن الله يقول وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ، قال :
وَ أَيْنَ الصَّحِيفَةُ فَقُلْتُ: هَا هِيَ، فَفَتَحَهَا وَ قَالَ هَذَا وَ اللَّهِ خَطُّ عَمِّي زَيْدٍ وَ دُعَاءُ جَدِّي عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلامُ (62)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قد عفا الله عنك قالت وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، قال : اذهبي فأنت حرة ( ).
الثانية : صيرورة الأبناء وأهل البيت الحاضرين ساعة وفاة الإمام شوداً على إنتقال ذخائر من العلم للإمام الباقر عليه السلام ، فاذا أظهر بعضها لا ينكر عليه القوم .
الثالثة : عدم مطالبة أبناء الإمام زين العابدين أخاهم الباقر بالحصة من التركة وما في الصندوق.
الرابعة : دعوة الإمام علي بن الحسين أبناءه إلى العناية بالعلم وحفظ وثائقه وتعاهده وتوارثه.
(62) الواو في واين استئنافية، اين: اسم استفهام مبني على الفتح في محل رفع خبر مقدم، وخط الرجل الكتاب اي كتبه.
طلب الإمام الصادق عليه السلام الصحيفة من متوكل واخذ يتأملها وينظر اليها فعرف الخط والكتابة والمضمون وانها من ادعية الإمام السجاد عليه السلام بخط وكتابة زيد بن علي، انها شهادة وتوثيق وبيان لأهمية الدعاء والعناية به.
ثُمَّ قَالَ لابْنِهِ قُمْ يَا إِسْمَاعِيلُ(63)
ترجمة اسماعيل ابن الإمام الصادق
(63) اسماعيل بن جعفر الصادق ويكنى ابا محمد وامه فاطمة بنت الحسين الأثرم، وكان اكبر اولاد الإمام الصادق عليه السلام وكان الإمام يحبه حباً جماً ويظهر اكرامه وعطفه عليه، ومات في سنة 133، أي قبل وفاة ابيه الصادق عليه السلام.
وذهبت فرقة من الشيعة الى القول بإمامته وأنه لم يمت قبل الإمام الصادق عليه السلام ويعرفون بالإسماعيلية وهم طائفتان:
الأولى: قالت انه لم يمت الا ان الإمام الصادق عليه السلام اظهر موته خشية عليه، وهم قلة.
الثانية: اقرت بموته وقالت بامامة ابنه محمد بن اسماعيل وان الإمامة انتقلت منه لإبنه لأن الابن اولى من الأخ.
وقيل ان اخاه محمداً وهو صغير رفع الملاءة وابصر اسماعيل في سريره وقد فتح عينيه فرجع الى ابيه فزعاً وقال عاش اخي عاش اخي، فقال الإمام عليه السلام: ان اولاد الرسول كذا تكون حالهم في الآخرة.
وقد حزن عليه الإمام الصادق عليه السلام حزناً شديداً وتقدم جنازته بغير حذاء ولا رداء وكان يأمر بوضع سريره على الأرض قبل دفنه مرات عديدة، ويكشف عن وجهه في كل مرة لبيان وتحقيق امر وفاته ويطرد الشك ببقائه حياً وللإحتراز لما حصل فيما بعد.
عن سعيد بن عبد الله الأعرج قال: قال ابو عبد الله عليه السلام: لما مات اسماعيل امرت به وهو مسجى ان يكشف عن وجهه، فقبلت جبهته وذقنه ونحره ثم امرت به فغطي ثم قلت: اكشفوا عنه فقبلت ايضاً جبهته وذقنه ونحره، ثم امرتهم فغطوه ثم امرت به فغسل، ثم دخلت عليه وقد كفن فقلت: اكشفوا عن وجهه، فقبلت جبهته وذقنه ونحره وعوذته، ثم قلت: ادرجوه، فقلت باي شيء عوذته، قال عليه السلام: بالقرآن( ).
وقد اشهد الإمام الصادق عليه السلام على موته وعقد محضراً لذلك ايده عامل المنصور.
ولما ورد الى المنصور خبر يفيد بان اسماعيل بن جعفر رئي بالبصرة واقفاً على رجل مقعد فدعا له فشفي وبرأ باذن الله، كتب المنصور الى الإمام الصادق عليه السلام بالإخبار التي تفيد ان اسماعيل في الأحياء، فقام الإمام الصادق عليه السلام بارسال المحضر اليه وعليه شهادة والي المدينة فسكت.
لقد كان اسماعيل جليلاً ويحظى بعطف ابيه ووده واكرامه والروايات التي جاءت بمدحه هي الأرجح، وما ورد في المتن يؤكد ما له من منزلة عند ابيه والثقة التي اولاها اياه اذ استحفظه واسترعاه واوكل اليه مسؤولية حفظ هذه الصحيفة من الدعاء وتعاهدها وصيانتها.
فَأْتِنِي بِالدُّعَاءِ الَّذِي أَمَرْتُكَ بِحِفْظِهِ وَ صَوْنِهِ(64)، فَقَامَ إِسْمَاعِيلُ فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً كَأَنَّهَا الصَّحِيفَةُ الَّتِي دَفَعَهَا إلَيَّ يَحْيَى بْنُ زَيْدٍ فَقَبَّلَهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَ وَضَعَهَا عَلَى عَيْنِهِ وَ قَالَ هَذَا خَطُّ أَبِي وَ إِمْلاءُ جَدِّي عَلَيْهِمَا السَّلامُ بِمَشْهَدٍ مِنِّي(65) فَقُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنْ رَأَيْتَ أَنْ أَعْرِضَهَا مَعَ صَحِيفَةِ زَيْدٍ وَ يَحْيَى فَأَذِنَ لِي فِي ذَلِكَ(66) وَ قَالَ قَدْ رَأَيْتُكَ لِذَلِكَ أَهْلا(67).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(64) في الكلام اخبار عن تعاهد الإمام الصادق عليه السلام وبنيه الأدعية وحفظها ومنع الأيدي من الوصول اليها حتى يحين الوقت والشخص المناسب.
(65) المشهد مصدر ميمي من شهد يشهد بمعنى حضر فهو شاهد، والباء للمصاحبة، بادر اسماعيل ابن الإمام الصادق الى اخراج تلك الصحيفة ودفعها الى ابيه الذي استقبلها بهالة من الإعتزاز مع التبرك بها، اذ وضعها على عينيه وعامة وجه الشريف تيمناً وبراً بابيه لما خلف له من الميراث الكريم.
ثم اعلن متحدثاً في التعريف بالصحيفة انها بخط الإمام الباقر عليه السلام كتبها بيده وهو يتلقى الدعاء ويسمعه من ابيه الإمام علي بن الحسين عليه السلام.
(66)رأى في الأمر رأياً: كان له فيه قرار ونظر.
لقد سأل متوكل مقابلة هذه الصحيفة بالتي اعطاها اياه زيد للمقارنة، فوافق الإمام الصادق عليه السلام على طلبه واذن له باجراء تلك المقابلة، لما فيها من دراسة مقارنة وتوثيق يفيد الإطمئنان وتمام التصديق.
(67) رأيت جاءت هنا بعنوان العلم والظن وهي التي تتعدى الى مفعولين بخلاف الرؤيا البصرية فانها تتعدى الى مفعول واحد بلحاظ أنها من افعال الحواس.
اثنى الإمام الصادق عليه السلام على متوكل واولاه ثقة خاصة ومنزلة كريمة، واراد ان يجازيه على سعيه هذا واهتمامه بموضوع الصحيفة ودعاء اهل البيت فجعله شاهداً وباحثاً في مضمون الصحيفتين على استحقاق عنده وكفاءة، أي ان الأهلية والإستحقاق علة لدفعها له، كما في قول امير المؤمنين عليه السلام: ان ههنا لعلماً جماً- واشار الى صدره – لو اصبت له حملة.
فَنَظَرْتُ وَ إِذَا هُمَا أَمْرٌ وَاحِدٌ وَ لَمْ أَجِدْ حَرْفاً مِنْها يُخَالِفُ مَا فِي الصَّحِيفَةِ الاخْرَى(68) ثُمَّ اسْتَأْذَنْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي دَفْعِ الصَّحِيفَةِ إِلَى ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ(69)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(68) ذكر ان في بعض النسخ القديمة للصحيفة وردت الفاء بدل الواو في (واذا).
ان التطابق بين الدعاءين مع الإختلاف في طريق الإسناد وان كانا في الحقيقة من نور واحد يدل على اهتمام اهل البيت بالدقة في نص الدعاء واهتمامهم بالمحافظة على النص من غير تغيير او نقص وسلامته من التبديل من أسرار توارثه وتعاهده والحيطة من وقوعه في أيدي غيرهم .
فان قلت إنتشرت أدعية الصحيفة السجادية فيما بعد ، والجواب إنه قياس مع الفارق ، فهذا الإنتشار سبب في حفظها وسلامتها وباب الإنتفاع المسلمين منها أي أن الحفظ في أيام الأئمة مقدمة لهذا الإنتشار.
ترجمة عبد الله بن الحسن
(69) عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، ويكنى أبا محمد ويدعى بالمحض لأنه أول من جمع الولادة للحسنيين من آل الحسن وأمه فاطمة بنت الحسين.
وكان من ابرز شيوخ الطالبيين، وقد سعى لأخذ البيعة لإبنه محمد من بني هاشم وغيرهم واراد اخذ البيعة له من الإمام الصادق عليه السلام فابى عليه وقال انها لن تصل اليه.
وكان عبد الله مكرماً أول أيام بني العباس السفاح ، ولم يتعرض له ولأهل بيته بمكروه، قال له عبد الله يوماً: لم ار مائة الف مجتمعة قط، فاجابه ابو العباس السفاح: ستراها الآن ثم امر له بمبلغ مائة الف درهم.
ولعبد الله بن الحسن بعض الأشعار منها قوله:
بيض حرائر ما هممن بريبة
كظباء مكة صيدهن حرام
يحسبن من لين الكلام فواسقاً
ويصدهن عن الخنا الإسلام
ولما جاء ابو منصور للحكم وبلغه عنهم حركة للخروج عليه امر باعتقال عبد الله بن الحسن واخوانه واولادهم وطلب محمد وابراهيم ابني عبد الله المشار اليهما في المتن اعلاه، وهما يعدان العدة للخروج عليه.
ومات عبد الله بن الحسن في سجن المنصور وله من العمر خمس وسبعون سنة في سنة 145 للهجرة وهي نفس السنة التي خرج فيها ولداه محمد وابراهيم.
طلب متوكل بن هارون الإذن والسماح له من الإمام الصادق عليه السلام بتنفيذ وصية يحيى له باعطاء الصحيفة التي كانت عنده امانة لهما بعد ان قتل يحيى.
فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الاماناتِ إِلى أَهْلِها، نَعَمْ فَادْفَعْهَا إِلَيْهِمَا(70)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(70) قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُــرُكُــمْ أَنْ تُــؤَدُّوا الأَمَــانَـاتِ إِلَى أَهْـلِهَــا نزلت يوم فتح مكة وكان سبب النزول سدانة الكعبة المعظمة التي غلقها يومذاك عثمان بن طلحة بن عبد الدار واراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة في الكعبة وطلب المفتاح وتمنع عثمان بكلام غير مقبول فاخذ الإمام علي عليه السلام المفتاح منه عنوة.
ودخل رسول الله البيت وصلى ركعتين، فلما خرج سأله العباس بن عبد المطلب مفتاح الكعبة لتجتمع اليه السدانة مع السقاية.
ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امر الإمام علي عليه السلام باعادة مفتاح الكعبة الى عثمان بن طلحة ويعتذر اليه، واخبره الإمام علي عليه السلام بنزول قرآن بشأنه وتلا عليه هذه الآية، فاعلن عثمان بن طلحة اسلامه ونطق بالشهادتين، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، خذوها يا بني طلحة بامانة الله لا ينزعها منكم الا ظالم.
والآية المباركة عامة وشاملة لكل امانة، فالأمانة عنوان اخلاقي وانساني يرتكز عليه استقرار المجتمع وسلامة نظامه ويكون سبيلاً للتفرغ للعبادة والتوجه اليها بطمأنينة، لقد جاءت الشرائع السماوية جميعها بوجوب اداء الأمانة وصيانتها.
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسمى قبل البعثة
فَلَمَّا نَهَضْتُ لِلِقَائِهِمَا قَالَ لِي مَكَانَكَ. ثُمَّ وَجَّهَ إِلَى مُحَمَّدٍ وَ إِبْرَاهِيمَ فَجَاءَا(71)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النبوية بالأمين، وقال الإمام موسى بن جعفر عليه السلام:حدثني ابي عن ابيه ان علي بن الحسين عليهما السلام قال لأصحابه عليكم باداء الأمانات فلو ان قاتل الحسين بن علي ائتمنني على السيف الذي قتله به لأديته اليه.
و(نعم) للأعلام أي قد اذنت لك بدفعها لهما استنادا الى الآية الكريمة فهي حاكمة في المقام.
(71) مكانك : اي اثبت مكانك، وذهب الزجاج وآخرون الى احستابه ظرفاً منصوباً بفعل متعد تقديره الزم.
وقال غيره انه اسم فعل منقول من الظرف بمعنى اثبت وهو مبني على الفتح لمشابهته معنى الأصل وهو هنا فعل أمر، ووجهه اليه توجيهاً اي ارسله.
لقد منع الإمام الصادق عليه السلام متوكلاً من الذهاب الى محمد ذي النفس الزكية واخيه ابراهيم لتسليمهما الصحيفة التي ائتمنه عليها يحيى وطلب منه ان يبقى جالساً في مكانه، ثم ارسل بطلب محمد واخيه الذين ما ان بلغتهما دعوة الإمام الصادق عليه السلام حتى سارعا الى اجابتها.
وربما يكون في موضوع الإرسال اليهما تسليط للضوء على اهمية الصحيفة ولفت انتباههما الى قدسيتها ووجوب تعظيمها، والإعتناء بها والمحافظة عليها وتوضيح ذلك لإبناء الحسن خاصة وانها من تراث ابناء الحسين، ولكن يحيى اختار واوصى باعطائها لهما.
فَقَالَ هَذَا مِيرَاثُ ابْنِ عَمِّكُمَا يَحْيَى مِنْ أَبِيهِ (72) قَدْ خَصَّكُمْ بِهِ دُونَ إِخْوَتِهِ(73)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(72) الميراث : اسم لما يورث، لقد اطلق الإمام الصادق عليه السلام على الصحيفة صفة الميراث ليضفي عليها قدسية خاصة وليشعرهما بعظيم منزلتها في نفس يحيى وعند اهل البيت.
ولم يقل الإمام الصادق عليه السلام ابن عمي في ذكره ليحيى مع انه ويحيى ابنا عم لحاً أي لاصقاً بالنسب، وانما اظهر حسن ادب في الخطاب ولبيان صلة الرحم التي تجمعهم بتفرعهم من شجرة النبوة واصل الشرف ومنبت العز والكرم، ولأن المقام يتعلق بالموصي والموصى اليه واظهاراً لأهمية الإشتراك بالإتصال نسباً بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم تعاهد وحدة عموم اهل بيت النبوة.
لقد المح الى نوع وجنس ما يتوارثه اهل البيت وانه ليس من الذهب او الفضة، بل هو وثائق مباركة تتعلق بالدعاء والمناجاة والإنقطاع الى الله تعالى، فالذي ورثه يحيى بن زيد وتعاهده وحافظ عليه ارسله اليكما، كما اكد الصادق عليه السلام انتساب الصحيفة لعمه زيد بن علي.
(73) خصه بالشيء : جعله له دون غيره، والأخــوة جمع اخ وهو الذي يلتقي مع اخيه في النسب من جهة الأب والأم او احدهما، وقيل ان الأخوة في النسب ، والأخوان في الصداقة ولكن قوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ يمنع هذا التقسيم من الإرتقاء الى درجة القاعدة.
اشار الإمام الصادق عليه السلام الى حسن ثقة يحيى وامله فيهما وفي اهليتهما لحفظ تلك الصحيفة وكيف انه بالغ في اكرامهما وخصهما بميراثه مع وجود اخوته لأبيه.
وليحيى بن زيد ثلاثة اخوة وهم عيسى والحسين ومحمد ابناء زيد بن علي بن علي بن الحسين.
أما عيسى موتم الأشبال ، ويكنى ابا يحيى وأمه ام ولد نوبية واسمها سكن فانه ولد في المحرم سنة تسع ومائة من الهجرة النبوية المباركة، خرج مع ابراهيم بن عبد الله في البصرة وهو صاحب لوائه وكان شجاعاً وجرح في واقعة باخمرى التي قتل فيها ابراهيم ومعظم اصحابه، واوصى ابراهيم بالأمر له من بعده ولكنه استتر ولم يخرج ومات بالكوفة سنة 196 ايام الهادي العباسي.
اما الحسين فكان صغيراً عندما قتل ابوه زيد، وتولى الإمام الصادق عليه السلام تربيته وتعليمه وزوجه بنت الأرقط، روى عن ابي عبد الله وابي الحسن عليهما السلام وله كتاب رواه حميد عن ابراهيم بن سليمان عنه، وهو ممدوح.
وهل هو ثقة بالمعنى الإصطلاحي في علم الرجال والمشروط به الضبط ام انه حسن الأقوى هو الثاني.
ولقب ذو الدمعة لكثرة بكائه وتوفي سنة 149 للهجرة وقيل قبل ذلك بخمس سنوات، وفي تنقيح المقال قال: وتوفى الحسين هذا سنة اربعين وقيل خمس وثلاثين بعد المائة، وله ست وسبعون سنة.
والظاهر انه من سهو النساخ والا فأن أباه زيداً قتل سنة 122 وعمره اثنتان واربعون سنة، وقد ورد ذكره في اسناد عدة روايات وتبلغ اربعة عشر مورداً، خرج مع محمد النفس الزكية في حربه، وعندما قتل محمد اختفى الحسين، فلما علم انه لم يطلب، ظهر لمن يطمئن له من اهل بيته ثم ظهر ظهوراً تاماً، ولكنه ظل لا يجالس الا من يطمئن له.
اما محمد بن زيد ويكنى ابا جعفر وامه ام ولد وهي سندية فهو اصغر ابناء زيد وفي غاية الفضل وكان عند المنصور مكرماً، وهناك رواية تحكي بلوغه اعلى مراتب الشرف والكرم وكان السبب في خلاص ونجاة محمد بن هشام بن عبد الملك من ايدي بني العباس في مكة في قصة معروفة، واستشهده الإمام الكاظم عليه السلام على امامة الرضا عليه السلام ووكله في حياته مما يدل على انه ثقة وحسن.
ونَحْنُ مُشْتَرِطُونَ عَلَيْكُمَا فِيهِ شَرْطاًفَقَالا رَحِمَكَ اللَّهُ قُلْ فَقَوْلُكَ الْمَقْبُولُ(74) فَقَالَ لا تَخْرُجَا بِهَذِهِ الصَّحِيفَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ قَالا وَ لِمَ ذَاكَ قَالَ إِنَّ ابْنَ عَمِّكُمَا خَافَ عَلَيْهَا أَمْراً أَخَافُهُ أَنَا عَلَيْكُمَا(75).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(74) الشرط : الزام الشيء، والفاء في (فقولك) للسببية، تكلم الإمام الصادق عليه السلام بلغة الجمع لعظيم منزلته ولأنه اقرب في الرحم والصلة من يحيى، ولمسؤوليته في تعاهد علوم آل محمد والمحافظة على الصحيفة ولأن امرها يتعلق باهل البيت جميعاً، فمن حقهم ان يحثوا على الإلتزام بصيانة ميراثهم، فصرح بعزمه على الزامهما بشرط مصاحب لتسليم الصحيفة وان كانت امانة وموصى بها لهما، فما كان من محمد ذي النفس الزكية واخيه ابراهيم الا ان اعربا عن استعدادهما لقبول الشرط والتسليم به اعترافاً بمقام الصادق عليه السلام ومسؤوليته في صيانة وحفظ علوم آل محمد فاظهرا بذلك احتراماً واجلالاً للإمام وكانا اذناً صاغية لما يقول.
(75) حينما طلب الإمام الصادق عليه السلام من محمد وابراهيم ابني عبد الله بن الحسن ان يلتزما ويحرصا على وجوب بقاء الصحيفة التي هي بخط عمه زيد ومن دعاء جده علي بن الحسين عليه السلام في المدينة المنورة وان لاتخرج منها، لجأ محمد واخوه ابراهيم الى استقراء الأسباب الكامنة وراء طلب الإمام هذا وشرطه ضمن إطار قبولهما المسبق به وحرصهما على معرفة جزء من مكنون علم آل محمد الذي ورثه الإمام الصادق عليه السلام من آبائه وللإطلاع على ما يتعلق بامرهما، وفعلاً فقد كان موضوع الصحيفة مدخلاً لحوار فتحت به جوانب من تلك الأسرار والعلوم.
قَالا إِنَّمَا خَافَ عَلَيْهَا حِينَ عَلِمَ أَنَّهُ يُقْتَلُ(76).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لقد شرح لهما الإمام الصادق عليه السلام اسباب دفع يحيى الصحيفة وارسالها اليهما في حياته لتوقعه القتل وخشيته من وقوعها في ايدي بني امية واحتكارها وبركاتها لأنفسهم.
ولم يتردد الإمام عليه السلام في مواجهتهما بالحقيقة بلسان النصيحة ولغة التحذير من ذات النتائج التي اودت بحياة يحيى عند خروجه ومن الوصول الى ما يماثل تطوراتها وعواقبها ولم يغلظ عليهما، مما يدل بالدلالة التضمنية على عدم حرمة خروجهما للجور الذي كان سائداً مع ان الخروج يسبب في كل مرة اضطهاداً واذى من السلطان والولاة لأهل البيت عليهم السلام خصوصاً الإمام منهم.
(76) ذكر محمد واخوه ابراهيم الفرق والإختلاف بينهما من جهة وبين يحيى من جهة اخرى من خلال واقع الحال وطبيعة السعي والعمل، واظهرا – ضمناً – انهما لا ينويان الخروج على السلطان كما انهما لم يعملا في هذا الإتجاه.
وكان وقت هذا الحوار ايام الدولة الأموية وبعد مقتل يحيى بن زيد مباشرة، والمعروف ان يحيى قتل سنة 125 للهجرة ايام الوليد، ولم يخرج محمد واخوه ابراهيم ابنا عبد الله بن الحسن الا ايام ابي جعفر المنصور ثاني خلفاء الدولة العباسية وبعد مرور عشرين سنة على مقتل يحيى بن زيد.
لقد اعربا عن دهشتهما وصرحا بعدم رؤية اية خيوط للصلة في خواتيم الأعمال بينهما وبين يحيى لعدم الإلتقاء في النية والعزيمة والعمل وخلو اوراقهما من احتمال القتل وحصول اسبابه بالخروج على السلطان والذي يستلزم اعواناً وانصاراً وعدة.
فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وَ أَنْتُمَا فَلا تَأْمَنَّا فَوَاللَّهِ إِنِّي لاعْلَمُ أَنَّكُمَا سَتَخْرُجَانِ كَمَا خَرَجَ، وَسَتُقْتَلانِ كَمَا قُتِلَ(77). فَقَامَا وَهُمَا يَقُولانِ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ(78).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(77) اجابهما الإمام محذراً بوجوب عدم الركون الى الأمان من الحدثان وما يأتي به الجديدان لإحتمال تغير الزمان وتقلب الأحوال وتبدل النيات والعزائم.
ثم اقسم الإمام الصادق عليه السلام على امر من علوم الغيب لم تلمس منه الحواس الظاهرة يقيناً او احتمالاً او خيطاً من العلة والمعلول والسبب والنتيجة واشار الى حقيقة ستتجمع عناصــرها وتتهيأ اسـبابها فيســلكان الطــريق الذي انتهجــه يحيــى بن زيد ويتبعان اثره وانهما سيلقيان ذات المصير والنتيجة.
(78) غادر محمد وابراهيم المكان حال سماعهما نبأ القتال والأخبار عنه مصيراً ونتيجة واستقبلاه بعدما سمعا الشرط ووعياه باللجوء الى الله واستحضار ذكره تعالى.
عن جابر بن يزيد الجعفي قال: (سألت الإمام محمد الباقر عليه السلام عن معنى لا حول ولا قوة الا بالله، فقال: معناه لا حول لنا من معصية الله الا بعون الله، ولا قوة لنا على طاعة الله الا بتوفيق الله)، وفي الحديث (لا حول ولا قوة الا بالله كنز من كنوز الجنة) ( )، قيل الحول الحركة، فكأن القائل يقول لا حركة ولا قدرة ولا استطاعة على التصرف الا بمشيئة الله وهو من مصاديقه ومعنى الحولقة أعم.
فَلَمَّا خَرَجَا قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ يَا مُتَوَكِّلُ كَيْفَ قَالَ لَكَ يَحْيَى إِنَّ عَمِّي مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ وَ ابْنَهُ جَعْفَراً دَعَوَا النَّاسَ إِلَى الْحَيَاةِ وَ دَعَوْنَاهُمْ إِلَى الْمَوْتِ(79). قُلْتُ نَعَمْ أَصْلَحَكَ اللَّهُ قَدْ قَالَ لِيَ ابْنُ عَمِّكَ يَحْيَى ذَلِكَ فَقَالَ يَرْحَمُ اللَّهُ يَحْيَى(80).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(79 ) كيف : اسم استفهام مبني على الفتح، غيّر الإمام الصادق عليه السلام موضوع الحديث حال خروج محمد وابراهيم واتجه صوب الإحتجاج والبيان وتوكيد سلامة ما يتخذه من منهج عدم الخروج باستعراض ومناقشة ما قاله يحيى لمتوكل يوم التقى به وبذلك اخرج جانباً من علومه باخباره عن حوار خاص لم يرد الى علم الإمام الصادق عليه السلام الا بفضل وتوفيق من الله عز وجل.
سأل الإمام الصادق عليه السلام متوكلاً وذكره بما قال له يحيى في الفرق بينه هو وابوه من جهة حيث قاما بدعوة الناس الى الحرب والقتل والسعي الى طلب الموت، وبين الإمام الباقر وابنه جعفر الصادق عليهما السلام من جهة اخرى كما قال يحيى انهما يحثان الناس على المحافظة على حياتهم ولزوم طلب السلامة والنجاة بالتزام الصبر وترك الخروج.
(80) قول الإمام الصادق عليه السلام: يرحم الله يحيى يرمز الى الكناية والتعريض بما قال وابتعاد القول عن الإحاطة بجوانب المسألة وعناصر الواقع، وقد يستعمل الدعاء تحنناً عند الإشارة الى خطأ او تقصير عن مقام كريم او بين اعمال كثيرة صالحة الى جانب الآداب الإسلامية في احسن الألفاظ عند ذكر من غاب او فقد من الأعزاء، وقد يأتي الترحم لغة كريمة وبدلاً عن قول القائل: بئس ما قال.
إِنَّ أَبِي حَدَّثَنِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَخَذَتْهُ نَعْسَةٌ وَ هُوَ عَلَى مِنْبَرِهِ(81).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولبيان الإختلاف في الإجتهاد واختيار ذي الأولوية والصواب والمناسب من القول والفعل، وفي حديث النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم: (يرحم الله اخي لوطاً).
(81) النعاس : الوسن واول النوم ومقاربته، والنعسة: الخفقة يقال نعس ينعس نعاساً وهو ناعس ونعسان قال الأزهري: وحقيقة النعاس: السنة من غير نوم، كما قال عدي بن الرقاع:
وسنان اقصده النعاس فرنّقت
في عينه سنة وليس بنائم
والمنبر: معروف وهو ما يرتقى لإلقاء خطبة، ومنبره صلى الله عليه وآله وسلم مصنوع من اعواد من الخشب وله اهمية خاصة عند المسلمين اذ كان موضع جلوس النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند القاء خطبه ومواعظه وتلاوة بعض آيات القرآن فهو احد ألوية الإسلام والمصباح الذي اضاء ما بين الخافقين، وكان المسلمون يتبركون به ويحيطونه بهالة من القدسية.
وسمي المنبر منبراً لإرتفاعه وهو مفعل من نبر الشيء، يقال نبرت الشيء انبره نبراً: رفعته.
وفي الخبر : منبري على حوضي”، وفي معنى الحديث وجوه منها :
الأول : ان منبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكون عند الحوض يوم القيامة.
الثاني : ان الأعمال الصالحة والتزام ما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم من على المنبر تورد صاحبها الحوض.
الثالث : يكون المنبر شاهداً يومها.
فلسفة المنبر النبوي
لقد كان كل فرد السنة النبوية آية إعجازية تقتبس منها الدروس والمواعظ ، وضياءً يبعث على الإيمان والإجتهاد في طاعة الله ، والإقتداء برسول الله في مناهج الصلاح ومنها منبر رسول الله .
والمنبر لغة هو (مَرْقاةُ الخاطب سمي منْبَراً لارتفاعه وعُلُوٌه) ( ).
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من صعود المنبر، وهذا الصعود وتعدده نوع جهاد ، ومدرسة عقائدية وفي هذا الصعود المتكرر للمنبر وجوه محتمله :
الأول : يأتي الإذن الإجمالي للنبي في صعود المنبر ووعظ الناس ، وهو يختار الوقت المناسب .
الثاني : لا يصعد النبي المنبر في كل مرة إلا بوحي وأمر وإذن من الله عز وجل .
الثالث : ليس من وحي في صعود النبي للمنبر ، والقدر المتيقن من قوله تعالىوَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى، وهو الكلام واللفظ ، وليس الفعل ومقدمات الكلام والإرشاد .
الرابع : التفصيل في حال الصعود من جهات :
الأولى : مرة يصعد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر بالوحي.
الثانية : مرة يكون فيها مخيراً ، بين صعود المنبر وعدمه .
الثالثة : صورة يكتفي بها النبي بالكلام والبشارة والإنذار من غير إرتقاء للمنبر .
الرابعة : يصعد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر إبتداء من غير وحي وأمر ، ولكن كلامه على المنبر لا يكون إلا وحياً .
والصحيح هي الأولى أعلاه ، فلا يصعد النبي المنبر إلا بالوحي والأمر من الله ، وفيه مسائل :
الأولى : إنه تشريف وإكرام للنبي والمسلمين .
الثانية : إنه شاهد على عظيم منزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند الله عز وجل.
الثالثة : بيان موضوعية حال إرتقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر ، وإنجذاب المسلمين له .
الرابعة : دعوة المسلمين والناس جميعاً إلى التدبر في كلام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر.
الخامس : تأليف مجلدات ورسائل دكتوراه خاصة بحال صعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر من جهات :
الأولى : أسباب صعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر.
الثانية : حاجة المسلمين لصعود النبي للمنبر.
الثالثة : إصغاء المسلمين لكلام النبي على المنبر .
الرابعة : المنبر وسيلة إعلامية عظيمة يصل صوت النبي من خلالها للمسلمين جميعاً .
الخامسة : المنبر أداء للتبليغ ، وهو من مصاديق قوله تعالىوَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.
السادس : الوحي والتنزيل الذي جاء للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو على المنبر .
السابع : الآيات القرآنية التي تلاها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر مع ذكر المناسبة والموضوع ، والإنتفاع من هذا الباب في علوم التفسير ، وأسباب النزول في شطر منها .
الثامن : شواهد النبوة والإمامة من منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
التاسع : فزع الكفار من المنبر ، وخوف المنافقين من صعود النبي له .
العاشر : تأريخ المنبر النبوي .
الحادي عشر : دعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو على المنبر ، وموضوعه وإنتفاع المسلمين من هذا الدعاء .
الثاني عشر : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المنبر النبوي .
الثالث عشر : الغايات السامية من صعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر .
الرابع عشر : دلالات عدم ترك النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصعود المنبر إلى حين مغادرته إلى الرفيق الأعلى .
الخامس عشر : إخبار الصحابة وأهل البيت عن صعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر.
السادس عشر : تلقي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الاسئلة الخاصة والعامة على المنبر .
السابع عشر : توجيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الاسئلة الخاصة والعامة وهو على المنبر .
الثامن عشر : فضائل ومنافع صعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
التاسع عشر : هل من شرائط وموانع لصعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر.
العشرون : دراسة مقارنة بين خطبة صلاة الجمعة وصعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر ، وبينهما عموم وخصوص من وجه ، فمادة الإلتقاء إرتقاء المنبر وذكر الله .
ومادة الإفتراق من وجوه :
الأول : وجوب خطبة الجمعة .
الثاني : يلحق إصغاء المسلمين للخطبة بذات الصلاة ، لذا صارت صلاة الجمعة ركعتين بدلاً من أربع ركعات التي هي صلاة الظهر .
الثالث : يؤتى بخطبة صلاة الجمعة في وقت مخصوص عند زوال الظهر من يوم الجمعة.
أما صعود المنبر فهو أعم ، ويكون في أي وقت من الليل والنهار ، وفي الحضر والسفر ، وفيه مندوحة في تعظيم شعائر الله.
وبعث المسلمين على الجهاد والتقوى والصلاح ، وإنذار الناس من الكفر والجحود .
الحادي والعشرون : المنبر وآيات السجدة .
الثاني والعشرون : المنبر والسرايا ، وتحريض المسلمين على النفير ، والدفاع عن الإسلام ، وهو من عمومات قوله تعالىوَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ.
الثالث والعشرون : المنبر والغنائم .
الرابع والعشرون : المنبر أمن وأمان .
الخامس والعشرون : المنبر وعلم الغيب .
السادس والعشرون : موضوعية المنبر في الإمامة ، وعدم صعود غير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر في حياته .
السابع والعشرون : المنبر النبوي حجة .
الثامن والعشرون : حرب المنبر النبوي على الشرك .
التاسع والعشرون : أهل البيت في رحاب المنبر النبوي .
الثلاثون : ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للجنة والنار وهو على المنبر.
الحادي والثلاثون : المنبر والصلاة .
الثاني والثلاثون : فلسفة المنبر ، ودلائل الإعجاز فيه .
الثالث والثلاثون : المنبر والزكاة والخمس .
الرابع والثلاثون : المنبر والحج فريضة وندباً ، قال تعالىوَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً.
الخامس والثلاثون : إعتبار موضوعية المنبر النبوي في السنة النبوية.
السادس والثلاثون : أثر المنبر في إسلام فريق من الناس .
السابع والثلاثون : شكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لله وهو على المنبر .
الثامن والثلاثون : معاني العبودية لله التي يظهرها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو على المنبر .
التاسع والثلاثون : بكاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو على المنبر .
الأربعون : المنبر وعلوم القرآن .
الحادي والأربعون : المنبر وإصلاح المسلمين لمراتب التقوى .
الثاني والأربعون : المنبر ونبذ الربا .
الثالث والأربعون : قصص الأنبياء التي ذكرها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو على المنبر .
الرابع والأربعون : آداب ومستحبات المنبر .
الخامس والأربعون : مدرسة المنبر في الإحتجاج وذم المنافقين .
السادس والأربعون : صعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر خارج المدينة ، ويمكن تسميته (المنبر المؤقت).
السابع والأربعون : المنبر والملائكة وذكر النبي لها.
الثامن والأربعون : قراءة قرآنية في المنبر النبوي ، فأول آية نزلت من القرآن هي اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، وإرتقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر من المصاديق العملية لإمتثاله للآية أعلاه.
وأول آية في ترتيب القرآن بعد البسملة هي الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وصعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر مناسبة لشكر الله ، والثناء عليه ، وتأديب للمسلمين بلزوم شكر الله تعالى.
التاسع والأربعون : منبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم آية حسية في حياته وبعد إنتقاله إلى الرفيق الأعلى ، لما فيه من الدلالات ومعاني البركة ووحدة المسلمين .
الخمسون : عناية المسلمين بالخطب والكلام الذي كان يقوله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر، والأخبار التي تتعلق بالمنبر وتناقلهم وتوثيقهم لها .
الحادي والخمسون : المنبر النبوي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الثاني والخمسون : المنبر النبوي والصيام .
الثالث والخمسون : مصاديق قوله تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ، عند صعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر ، ومنها :
الأول : ليس من منع على دخول السلاح المسجد النبوي .
الثاني : إنعدام الفحص والتفتيش ونحوه في باب المسجد .
الثالث : عدم وجود الحاجب والحرسي قرب المنبر ساعة صعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عليه ، وأن كان لا ينفي الحيطة والحذر عند المسلمين ، وحرصهم على الحفاظ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والذب عنه .
الرابع : إمكان وصول أي شخص للجلوس بقرب المنبر ، وعدم حجز الأماكن القريبة لكبار الصحابة .
الرابع والخمسون : المنبر مقدمة ودعوة الإنتفاع الأمثل من المنابر الإعلامية في هذا الزمان الصوتية والمرئية والمكتوبة .
والنبي القائد في ميدان المعركة وبخصوص معركة أحد ورد قوله تعالىوَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، الذي يبعث السرايا في أنحاء المدينة ويقو بتقسيم الغنائم وأموال الزكاة ، وكل هذا من الوحي الذي تفضل الله عز وجل به لتكون سنته ضياء ينير دروب الهداية للمسلمين قال تعالىلَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام حدثني ابي الإمام محمد الباقر عليه السلام عن ابيه الإمام علي بن الحسين عليه السلام عن ابيه الإمام الحسين بن علي عليه السلام عن ابيه امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس على منبره في المسجد النبوي في المدينة المنورة اذ دخله النعاس وهو اول النوم وبداياته… الحديث، وفي مندوبات المدينة المنورة وبعد الفراغ من زيارة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم والدعاء يستحب ان يأتي الحاج والمعتمر والزائر المنبر ويمسحه بيده ويأخذ برمانتيه وهما السفلاوان، وان يمسح عينيه ووجهه به فأنه شفاء للعين، وان يقوم عنده ويحمد الله ويثني عليه ويسأل حاجته، والمنبر الحالي في موضع المنبر الأصلي.
فَرَأَى فِي مَنَامِهِ(82).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(82) الرؤيا في المنام : هي الأحلام وغلب استعمال الرؤيا في المحبوبة منها، وفي الرؤيا اربع لغات: الرؤيا بالهمزة والرويا بالواو من غير همزة وريا على الإدغام وريا بكسر الراء، وقالوا ان الرؤيا مصدر كالبشرى والسقيا الا انه صار اسماً لهذه الصور والرموز في المنام فجرى مجرى الأسماء وخرج من حكم الأعمال وصارت الرؤيا تدل على ما يرى في المنام مع وجود القرينة وسياق الكلام، كما في المقام.
لقد وردت في القرآن سبع من الرؤيا: اثنتان للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وواحدة لإبراهيم عليه السلام احد الرسل الخمسة اولي العزم، وواحدة ليوسف عليه السلام وثلاث لأشخاص معاصرين له وتتعلق به من حيث التعبير وسير الحوادث وعواقب الأمور.
لقد كانت الرؤيا الصالحة ركناً ومقدمة من مقدمات النبوة ومن بداياتها في تأريخ الوحي وما حفظته لنا السنة النبوية الشريفة من سجل وثائقي مبارك، والرؤيا مدرسة عقائدية لها دلالة اخلاقية واجتماعية، ولقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كثير الرؤيا ولا يرى رؤيا الا جاءت مثل فلق الصبح، وكانت رؤيا ابراهيم وحياً وكذلك رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل ان يأتيه جبرئيل بالرسالة من عند الله وفي تفسير قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الرؤيا جزء من ستة واربعين جزءاً من اجزاء النبوة، يمكن ان يقال ان الأشهر الستة الأولى من فترة النبوة ومدتها ثلاث وعشرون سنة هي المقصودة بهذا الجزء بلحاظ نسبتها الى مدة النبوة.
وعن الإمام الباقر عليه السلام قال: الأنبياء على خمسة انواع منهم من يسمع الصوت مثل صوت السلسلة فيعلم ما عني به ومنهم من ينبأ في منامه مثل يوسف ومنهم من يعاين ومنهم من ينكث في قلبه ويوقر في اذنه واول ما بدئ به من النبي صلى الله عليه وآله وسلم الرؤيا الصالحة.
ولما سمع احد المسلمين الإمام وهو يبين الفرق بين الرسول والنبي يقول بان النبي لا يعاين ملكاً انما ينزل عليه الوحي ويرى في منامــه يبادر الى سؤاله مســـتفهماً، ما علمه اذا
رأى في منامه ان هذا حق؟ قال الإمام الباقر مجيباً: يبينه الله حتى يعلم ان ذلك حق، أي ان الله عز وجل يثبته ويرشده بالتوفيق لإدراك ما في مضامين الرؤيا من الحق والصدق وصحة النبوة.
والرؤيا رحمة جعلها الله عند الناس ولطف منه تعالى، وقيل ان الروح الحيواني وهو الجوهر البخاري اذا بقى في الباطن ولم ينشر في الأعضاء والعروق واركان البدن الأخرى يؤدي الى تعطل الحواس الظاهرة وغلبة النوم طلباً للراحة والسكون ونتيجة التحلل والتعب من حركة الحواس ونشاط الأعضاء او بسبب تصاعد الأبخرة الى الدماغ وامتلاء المجاري بالشرب والأكل، فاذا بقيت الروح في الباطن واحست النفس بالفراغ وعدم الإنشغال بوظائف الحواس وتوجيهها وارتفعت عنه الحواجز والموانع تعلقت بالجواهر الملكوتية التي فيها هيئات الأجناس ورموز الموجودات وما هو كائن وما يكون.
وقال بعضهم انها هي المسماة بالكتاب المبين وأم الكتاب، واللوح المحفوظ، وليس هناك دليل يؤكد هذا القول او يثبته، ولا ترقى الرؤيا الى الإسرار الملكوتية، وتختلف في الوظيفة والمقام عن الكتاب المبين وأم الكتاب واللوح المحفوظ والله واسع كريم وان كانت رحمة ولطفاً الهياً، نعم رؤيا الأنبياء وحي.
وقد تكون النفس بمنزلة مرآة ينطبع فيها وينعكس كل ما قابلها من مرآة اخرى عند حدوث الأسباب وزوال الحواجز التي بينهما كاشتغال النفس بحركة الحواس واعمال الفكر فيها، وهذا هو وجـه تفسير شــطر من الرؤى الخبرية او الإنشائية التي قد تكون واضحة وصريحة ولا تحتاج الى تأويل او استعراض لإحتمالات التفسير او احتمال مجيئها رمزاً واشارة لما رسمته المتخيلة وانعكاساً لما دار في خلد الإنسان من فكرة وما انتقشته النفس من مسألة او ان الصور المحفوظة في مخيلة الإنسان تجد فرصة للحركة ساعة النوم والزحف الى مجال الحس المشترك لتشير الى اشتياق النفس الى امر ما او توقعها لمكروه او لأسفها على فوات شيء في اليقظة، وقد اطلق علماء النفس في هذا الزمان على ذلك اصطلاح (العقل الباطن) وجعلوا هذا النشاط من وظيفته.
ولكن هذا النوع من الرؤيا لا يندرج ضمن الرؤيا الصادقة سواء برؤيا البشارة او الإنذار وان التقى معها تفكير الإنسان وحدثته نفسه قبلها بذات الأمور والتوقعات.
ومع ان نفوس الأنبياء ذات صفات قدسية وتتعاهدها الملائكة وتختلف عن نفوس الآخرين من سائر البشر بما تحمله من صفاء ونقاء وتعلق بعالم الأنوار وما ينعكس عليها من افاضاته الا ان رؤاهم تمثل وجهاً من وجوه الوحي وشعبة من شعب النبوة، كما ترى في المتن قوله عليه السلام: اخذته نعسة، أي ان النعسة تأتي قهرياً مقدمة للرؤيا والوحي.
لا غرابة اذن ان يكون في قاموس الوحي ان من الأنبياء من ينتظر ويرجو الوحي اثناء النوم لأن قلبه يكون ساعتها مستعداً لتلقي الأوامر والنواهي.
وقد روي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: لا يبقى بعدي من النبوة الا المبشرات، قالوا: يا رسول الله ما المبشرات؟
رِجَالا يَنْزُونَ عَلَى مِنْبَرِهِ نَزْوَ الْقِرَدَةِ يَرُدُّونَ النَّاسَ عَلَى أَعْقَابِهِمُ الْقَهْقَرَى(83).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال: الرؤيا الصالحة يراها الرجل او ترى له، وفي رواية يراها الرجل الصالح.
ان قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم انا معشر الأنبياء تنام اعيننا ولا تنام قلوبنا.
بيان لحقيقة رسالية وهي ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينتظر الوحي في حالة النوم ايضاً وانه مستعد خلاله لتلقي الأوامر والنواهي وبذلك تتضح حقيقة النعسة والسنة على المنبر ووظيفتها وطبيعتها خاصة وان النبي صلى الله عليه وآله وسلم اعد المنبر للخطبة والتبليغ ويكون ارتقاؤه مواجهة للناس وهدفاً لأبصارهم واسماعهم الأمر الذي يطرد النعاس ويشتته حتى عند استحكام مستلزماته ومجيء اوانه.
(83) يقال : نزا نزواً: اي وثب وطفر، والقرد حيوان معروف واحدته قردة (بكسر القاف) وجمعها قرد كعنب.
ورؤيا القرد في المنام انذار، ويرمز الى الخبث، وفي تأويله في المنام روي ان دانيال قال: القرد الذكر رجل مفسد غدار سحار، وقال الكرماني: القرد انسان يكفر بنعمة الله عليه.
والقهقرى مفعول مطلق والأصل يردونهم رد القهقرى فحذف المصدر وانيب عنه لفظ دال على نوع منه بلحاظ ان القهقري تراجع بعد تقدم، ومشي الى الخلف من غير ان يدير وجهه الى الخلف أي الى جهة المشي، اشارة لما يفعله هؤلاء الرجال من اشغال الناس عن دروب الإيمان.
اخرج ابن جرير عن سهل بن سعد قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني فلان ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك فما استجمع ضاحكاً حتى مات وانزل الله وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ.
عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام وعبد الله بن عمرو ويعلي بن مرة ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أريت بني أمية على منابر الأرض ، وسيتملكونكم ، فتجدونهم أرباب سوء)( )، واهتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لذلك فانزل الله [وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا …]الآية.
ومثلما يطلق عنوان الشجرة على كل ما لـه ساق وجذور من النباتات المعمرة كذلك يطلق على النسب او الاتباع، يقال فلان من شجرة مباركة، أي يرجع في نسبه واصله إلى منبت حسن.
وورد هذا المفهوم لمعنى الشجرة على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أنا وعلي من شجرة واحدة) ( ).
وروي ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما استجمع ضاحكاً بعد تلك الرؤيا حتى مات.
والآية الكريمة وثيقة سماوية تجسد ما للرؤيا من منزلة فى الوحي والمغيبات، ولتصبح عونا وباب تخفيف وسبباً ملكوتياً للاحتراز والصبر والدعاء.
استقر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جلسته على المنبر بعد تلك الرؤيا النبوية، ولكن آثار الهم وعلامات الحزن ارتسمت واضحة على سيماء وجهه الكريم لما فسره من تأويل تلك الرؤيا وخطورة امرها.
فَاسْتَوَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ جَالِساً وَالْحُزْنُ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ(84) فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآية وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَ نُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْياناً كَبِيراً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(84) استوى : استقام واستقر على هيئته الحقيقية بعد مغادرة النعاس له، وجالساً: حال لبيان هيئة الفاعل، والجلوس انتقال من اسفل الى اعلى فيقال لمن هو نائم اجلس بينما يقال لمن هو قائم اقعد، والحزن بضم الحاء وسكون الزاي اشد الهم وقد حزن حزناً من باب تعب فهو حزن وحزين، وقيل انه يتعدى في لغة قريش بالحركة يقال حزنني الأمر يحزنني من باب قتل، والحزن اسف على ما فات.
الروح الأمين
(85) الآية اعلاه هي الستون من سورة بني اسرائيل (الإسراء)، وجبرئيل فيه عدة لغات منها: يقرأ بلا همزة جبريل، وبهمزة جبرئيل، وبهمزة بعد الألف جبرائيل، وبالنون جبرين، وفيه لغات اخــرى تصـــل عند بعضهم الى ثلاث عشرة لغة، وهو اسم مركب من جبر وهو العبد وايل وهو اسم الله تعالى بالسريانية، وقيل انه نزل على ابراهيم خمسين مرة وعلى موسى عليه السلام اربعمائة مرة وعلى عيسى عشر مرات، وعلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم اربعة وعشرين الف مرة.
ويتولى جبرئيل القاء الوحي الى الأنبياء وهو المسمى بروح القدس والروح الأمين، وقد ورد اسمه في ثلاث آيات من القرآن، الكريم تظهر عظيم منزلته وقداسته ووظيفته في انزال القرآن وتأييده للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو المنعــوت- على قول- بقوله تعالى [ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُـــولٍ كَــرِيمٍ *ذِي قُــوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَــرْشِ مَكِــينٍ *مُـطَــاعٍ ثَمـَّ أَمِينٍ ] ( ) وهو في حقيقته جوهر نوراني وكائن ملكوتي عقلي وروحاني وورد عنه انه قال : اقرب الخلق الى الله انا واسرافيل.
واختلف علماء الإسلام في افضلية الملائكة على الأنبياء او العكس فالشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي واكثر الأشــاعرة قالوا بافضــلية الأنبياء على الملائكة لأن الله عز وجل امر الملائكة بالسجود لآدم، وقال المعتزلة بان الملائكة العلوية افضل ولكل ادلته واحتجاجه في مباحث كلامية بيناها في علم التفسير.
واذا نزل جبرئيل من السماء تمثل بصورة تناسب الرسالة والغرض الذي نزل من اجله وخصوصاً المنزل فيه والمنزل اليه، فهو الموكل بافادة العلوم والوحي للذوات المستعدة له ووفق الأمر الإلهي.
وفي محاورة اليهود مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان ابن صوريا قال للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خصلة واحدة ان قلتها آمنت بك واتبعتك أي ملك يأتيك بما ينزل الله عليك؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: جبرئيل، قال ابن صوريا ذاك عدونا بالقتال والشدة والحرب، وميكائيل ينزل باليسر والرخاء، فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك لآمنا بك.
وكان جــبرئيـل عند مجيئــه للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتمثل بصــورة الصحابي دحية الكلبي وكان جميلاً حسن الهيئة.
وبدا له مرتين بصورته الحقيقية وله ستمائة جناح ينتشر منها اللؤلؤ والياقوت، او ان يأتيه بمثال يسمع الصوت ويرى الضوء، وهناك صور اخرى يأتيه بها مذكورة في مباحث البعثة والتفسير.
وغذاء الملك التسبيح ويعيش بنسيم العرش وقيل انه متكون من مادة وعناصر السماء بلحاظ أنه كائناً سماوياً، والملك حي ناطق خاضع بانقياد للإرادة الإلهية ولا يتردد في المضي بطاعته لله عز وجل، لذلك فان ما ينزل به جبرئيل من الوحي حق وصدق اما ان يتلقاه سماعاً في السماء او انه يراه منقوشاً في اللوح المحفوظ في السماء كونه امراً بالنزول والتبليغ.
هذا يبطل ما ذهب اليه نفر من الفلاسفة من ان نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم اذا افاض عليها معنى عقلي او تكونت في حسه وخياله صورة محددة وهيئة مناسبة فيرى الملك ويسمع ما يقول.
بالإضافة الى ان واقع الشرع وحقائق التكوين وعالم النبوة يأبى قولهم هذا لخلوه من الإقرار بوجود مجسم للملك ولما فيه من انكار للإيحاء الخارجي وانحصاره ببيان صورة ذهنية.
وقال شطر كبير من الفلاسفة ان الملائكة ذوات مجردة ليست من الماديات، وقال المسلمون منهم انها جواهر مجردة، اما المتكلمون فقالوا بانها اجسام لطيفة.
والآية : العلامة والدلالة العجيبة، قال النابغة:
توهمت آيات لها فعرفتها
لستة اعوام وذا العام سابع
والآية من القرآن هي طائفة شبه منقطعة عما قبلها وما بعدها من كلام الباري عز وجل وهي ايضاً كل كلام متصل الى انقطاعه وما يحسن السكوت عليه وهي منفردة وبائنة عما جاورها من الآيات في الاسم دون المعنى ودلالة السياق.
وسميت آية لعجز البشر عن التكلم بمثلها ولما فيها من الإعجاز أي ان الآية في الإصطلاح القرآني والإرادة التكوينية اعم واكبر من المعنى اللغوي للفظ وتعرف الآية بتوقيف من الشارع باعتبار ان نظام الآيات علم توقيفي لا اثر للقياس فيه، وعلى طريقة الكوفيين حسب ما ذكره الشاطبي تكون آي القرآن 6236، وقيل غير ذلك خاصة على القول بأن كل بسملة آية.
ان الوحدة الموضوعية في ترتيب الآيات وما تمثله من معنى مستقل واسلوب متفرد يبعد الظن عن احتمال كون هذا الترتيب اجتهاداً من الصحابة او التابعين وان ذهب جماعة اليه او التابعين خاصة، وقد وردت الروايات ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر بوضع الآيات عند نزولها في السور بل ويحدد مكان الآية من السورة، وقد ورد عن زيد بن ثابت قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نؤلف القرآن من الرقاع( ).
وقيل انه اتفق على ان الرؤيا التي يراها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد النبوة نوع من انواع الوحي، ولكن رؤياه صلى الله عليه وآله وسلم أعم من الوحي، وما كانت من اقسام الوحي فان الله عز وجل يجعله يدرك ويعلم انها وحي.
ان التباين في عدد الآيات لا يعني التعدد ولا الإختلاف في القرآن، فالكل متفق على ان ما بين الدفتين قرآن ولكن الإختلاف صغروي فقد يجزأ بعض القراء آية واحدة الى آيتين او العكس، ولكن المدار على ما مرسوم في المصاحف.
الجواب : نعم ولكنه ليس على نحو الإطلاق فاذا كانت الرؤيا من الوحي فان الله عز وجل يبينها له بفضله ولطفه.
ومرة يأتي احد المسلمين في النهار حاملاً هموم واعباء الرؤيا والمنام الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليقول له: يا رسول الله انني ارى في المنام رؤيا تحزنني.
وهنا يرى الباحث والمتتبع لمسؤوليات رسالة السماء وولاية شؤون اهل الأرض التي كان يتولاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انها لم تدفعه الى الأعراض عن مثل هذه المسائل مثلما ابدى بعضهم تحفظاً على مقدار ما دون من احاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعدوه كثيراً لإعتبارات المسؤوليات الجسام.
التفت النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى صاحب الرؤيا بتواضع وسخاء ليفسر للمسلمين جانباً من قوله تعالى [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ] وانه ايضاً يرى في المنام ما يحزنه، انه جواب موضوعي يحمل تشخيصاً وعلاجاً دائماً ثم اردف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليعطيه سلاحاً يتخلص به من ضرر مثل هذه الرؤيا: فاذا رأيت ذلك فاتفل عن يسارك ثلاثاً وقل اللهم اني اسألك خير هذه الرؤيا واعوذ بك من شرها.
وقوله تعالى الَّتِي أَرَيْنَاكَ، الوارد في الآية الكريمة توفيق وتوثيق سماوي مبارك بان الرؤيا من الله عز وجل وذات مدلولات عقائدية واعتبار تأريخي.
قوله تعالى إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ ، الفتنة: المحنة والإبتلاء، وفي قوله تعالى الشجرة الملعونة في القرآن الكريم تقديم وتأخير حسب ما ذكر وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ.
والتقدير والتأخير فن بلاغي، جاء في القرآن الكريم بسياق الحكمة وحسب ما يقتضيه المقام واسباب العناية والإهتمام ووجوه المعنى مما يتطلب الوقوف عند التقديم والتأخير لدراسة اسبابه ومضامينه وما يحمله من طرق المقاصد السامية وعدم الإكتفاء بالإشارة المجردة الى التقديم والتأخير او القول بالعناية والإهتمام به كاصطلاحي بلاغي ولعله في المقام بيان لإمكانية المحو ومدى التأثير.
وتطلق الشجرة على النبات ذي الساق كذلك تستعمل في اصل النسب لبني الإنسان وملتقى واجتماع فروعهم واللعن هو الطرد والإبعاد، لعنه يلعنه فهو لعين وملعون أي بعيد عن رحمة الله ومطرود عنها وممنوع من التقرب اليها، والعرب كما تقول لكل كريه ملعون، والشجرة الملعونة لأن اهلها لعنوا او كرهوا، وقال الأزهـري: الشـجرة الملعونة هي التي كل من ذاقها كرهها ولعنها، وقيل ان العرب تقول لكل طعام ضار: ملعون.
وعن تفسير الرازي قال ابن عباس: الشجرة الملعونة في القرآن المراد بها بنو امية الحكم بن ابي العاص وولده، رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام ان ولد مروان يتداولون منبره فقص رؤيـاه على ابي بكـر وعمـر وقد خلا في بيته معهما.
فلما تفرقوا سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحكم يخبر برؤيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وظهر انه كان يستمع اليهم فنفاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واخرج ابن مردويه عن عائشة انها قالت لمروان بن الحكم سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لأبيك وجدك انكم الشجرة الملعونة في القرآن( ).
وقال ابن كثير (واما الشجرة الملعونة فهي شجرة الزقوم كما اخبرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه رأى الجنة والنار ورأى شجرة الزقوم، أي ليلة الأسراء، فكذبوا بذلك حتى قال ابو جهل عليه لعائن الله هاتوا لنا تمراً وزبداً وجعل يأكل من هذا ويقول تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا( ).
والقول الأول هو الأرجح والمشهور ودليل تتمة الحديث واهمية الموضوع وبلحاظ ما طرأ على التأريخ الإسلامي واحتمال محاولات تحسين وجه الحكم الأموي، ولا مانع من تعدد التأويـل والمصـداق على فرض ثبوت صــحة الســند والصــدور.
قوله تعالى وَنُخَوِّفُهُمْ، أي نبين لهم مخاوف الدنيا وأهوال الآخرة انذاراً وتحذيراً ووعيداً ولكن هذا التخويف لا ينفع في اصلاحهم وهدايتهم بل يزدادون تجاوزاً على الحد وطغياناً وعتواً.
قَالَ يَا جِبْرِيلُ أَ عَلَى عَهْدِي يَكُونُونَ وَ فِي زَمَنِي قَالَ لا، وَ لَكِنْ تَدُورُ رَحَى الاسْلامِ مِنْ مُهَاجَرِكَ فَتَلْبَثُ بِذَلِكَ عَشْراً، ثُمَّ تَدُورُ رَحَى الاسْلامِ عَلَى رَأْسِ خَمْسَةٍ وَ ثَلاثِينَ مِنْ مُهَاجَرِكَ فَتَلْبَثُ بِذَلِكَ خَمْساً(86) ثُمَّ لابدَّ مِنْ رَحَى ضَلالَةٍ هِيَ قَائِمَةٌ عَلَى قُطْبِهَا، ثُمَّ مُلْكُ الْفَرَاعِنَةِ قَالَ وَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَ ما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(86) العهد : الوقت والمدة من الزمان، وفي زمني: اي مدة حياتي وهو من باب عطف الشيء على مرادفه للبيان والتوكيد.
والرحى مؤنثة مقصورة وهي الطاحونة اليدوية الصغيرة التي كان استعمالها شائعاً في البيوت قبل اختراع مكائن الطحن جاء ذكرها هنا من باب الإستعارة وكناية عن الإلتجاء والإشتداد والقتال ونحوه، ولعل التشبيه بالرحى التي تطحن الحب لما فيه من تلف الأرواح او لدوران الأحوال وتصريف الأيام وتقلبات الزمان واستدارة الريح.
وقوله : من مهاجرك، بفتح الجيم، اسم مفعول بمعنى ظرف زمان أي وقت هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى المدينة المنـورة وابتدائها، وقيل كانت هجرته في ربيع الأول وهو ابن ثلاث وخمســين، صارت تلك السنة السنة الأولى للهجرة.
واتخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم السنوات العشرة الأخيرة من عمره المدينة المنورة مقراً لإقامته وسكناه وخلال تلك المدة نزلت السور المدنية من القرآن الكريم.
روي عن الإمام الباقر عليه السلام انه قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة في سنة عشر من الهجرة فكان مقامه بمكة اربعين سنة ثم نزل عليه الوحي في تمام الأربعين وكان بمكة ثلاث عشرة سنة ثم هاجر الى المدينة وهو ابن ثلاث وخمسين سنة.
(87) الفراعنة : جمع فرعون وهم اسم اعجمي وقيل وزنه فعلون ومعناه بلغة القبط التمساح، وهو لقب ملوك مصر القدماء وورد ذكره في مواضع عديدة في القرآن في قصة موسى عليه السلام واسم فرعون هذا الوليد بن مصعب.
واسم فرعون الذي كان معاصراً لإبراهيم الخليل (سنان) وقصة ابراهيم الخليل عليه السلام معه معروفة، اما فرعون الذي كان معاصراً ليوسف عليه السلام فاسمه الريان بن الوليد وقد ذكر في القرآن بصفة الملك، ولعله لما ذكر بانه اسلم كما انه اسند الوزارة ليوسف عليه السلام بعد ان فسر له رؤياه التي عجز عن تأويلها وجوه القوم واعيان البلد ، وورد حكاية عن يوسف في خطابه للملك قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ.
والآيات الواردة في المتن اعلاه من ســورة القـــدر مكية، وقوله تعالى [إِنَّا أَنزَلْنَاهُ] الضمير يعود للقرآن واغنت شهرته عن التصــريح به الى جــانب ورود الإشــارة الصـريحــة له في الآيات القــرآنية الأخــرى كقــوله تعالى إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ .
وروي عن ابن عباس وعن غيره ان القرآن نزل جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ الى السماء الدنيا ثم نزل مفصلاً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ثلاث وعشرين سنة نجوماً حسب الوقائع والأحداث والمناسبات وما يسمى اصطلاحاً باسباب النزول.
وعن الشعبي : المعنى انا ابتدأنا انزاله في ليلة القدر، ووردت الروايات في شرف ليلة القدر وخطرها وفضلها على باقي الليالي وانها في العشر الأواخر من شهر رمضان واكثر الأخبار على انها في الليالي الفرد منها أي احدى وعشرين او ثلاث عشرين او خمس وعشرين او سبع وعشرين او تسع عشرين ورجحت منها ليلة الثالث والعشرين ، قال تعالىشَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
وعظيم الثواب الذي اعده الله للعبادة والتنسك فيها يستحق ان تطلب في اكثر من ليلة محددة، وهي خير من الف شهر باخبار الحق ووعده، والآية بشارة ورحمة وحث على اســـــتثمارها في العبادة والإستغفار.
تَمْلِكُهَا بَنُو أُمَيَّةَ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. قَالَ فَأَطْلَعَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ تَمْلِكُ سُلْطَانَ هَذِهِ الامَّةِ وَ مُلْكَهَا طُولَ هَذِهِ الْمُدَّةِ فَلَوْ طَاوَلَتْهُمُ الْجِبَالُ لَطَالُوا عَلَيْهَا حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ تَعَالَى بِزَوَالِ مُلْكِهِمْ، وَ هُمْ فِي ذَلِكَ يَسْتَشْعِرُونَ عَدَاوَتَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ وَبُغْضَنَا. أَخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِمَا يَلْقَى أَهْلُ بَيْتِ مُحَمَّدٍ وَ أَهْلُ مَوَدَّتِهِمْ وَ شِيعَتُهُمْ مِنْهُمْ فِي أَيَّامِهِمْ وَ مُلْكِهِمْ. قَالَ وَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ [أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ] (88)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والتقوى وقد ذكرت في تفسيرها وجوه منها ما رواه الفخر الرازي في تفسيره وابن كثير وما روي عن الإمام الحسن بن علي عليه السلام.
وليلة القدر من شهر رمضان في كل سنة الى يوم القيامة اما ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث فتلاحى فلان وفلان فرفعت وعسى ان يكون خيراً لكم، فهو رفع مؤقت في تلك السنة.
وقيل تعرف ليلة القدر بالعلامة التي تخصها وهي ان الشمس تطلع صبيحتها بيضاء ولا شعاع لها، وقد ورد ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في ليلة القدر ليلة سمحة طلقاء لا حارة ولا بادرة وتصبح الشمس صبيحتها ضعيفة حمراء ( ).
(88) هذه الآية هي الثامنة والعشـرون من سورة ابراهيم، والهمزة في اولها للتقرير للبيان امـر قد استقر عنده وللإعتراف به ثبوتاً او نفياً، للإطلاع السابق على احوال اهل الكتاب وشيوع قصصهم وسلب النعم منهم لإستبدالهم حال النعم بكفر مستحدث فانزلوا قومهم الذين شايعوهم على الضـــلالة والكفر وجحود النعم دار الهــلاك واوردوهم العذاب الاخروي.
ونعم الله عز وجل يعجز الناس عن عدها واحصائها قال تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا.
ومن النعم ما هو دنيوي ومنها ما هو أخروي ، والأول اما ان ينال عن طريق الكسب والسعي واما يأتي موهبة وبفضل الله وهو ايضاً على اقسام منها ما هو روحاني كالهداية والتوفيق والرشاد، او جسماني كالصحة وسلامة اعضاء البدن والجوارح، او على نحو المنفعة الخارجية مادية كالمال او اعتبارية كالجاه.
وقيل ان الآية نزلت في اهل مكة الذين اسكنهم الله بجوار البيت الحرام وجعلهم سدنته وقوامه، ومن عليهم فجعل خاتم النبيين منهم فلم يؤدوا ما وجب عليهم من الشكر العظيم والإستجابة لدعوة الإسلام وتأييد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته بل صدوا الناس عنه وجابهوه بالأذى فابدل الله ما كانوا يتمتعون به من الرخاء والسعة وحسن العيش بالقحط سنوات عديدة وهجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بين ظهرانيهم، وتعرضهم للهزيمة يوم بدر وقتل نفر من رجالهم واسر آخرين.
وقد ذكر الزمخشري عن عمر بن الخطاب انه قال (هم الأفجران من قريش بنو المغيرة وبنو امية، فاما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، واما بنو امية فمتعوا حتى حين )( ) وقيل هم متنصرة العرب جبلة بن الأبهم واصحابه.
وَ نِعْمَةُ اللَّهِ مُحَمَّدٌ وَ أَهْلُ بَيْتِهِ، حُبُّهُمْ إِيمَانٌ يُدْخِلُ الْجَنَّةَ، وَ بُغْضُهُمْ كُفْرٌ وَ نِفَاقٌ يُدْخِلُ النَّارَ فَأَسَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ذَلِكَ إِلَى عَلِيٍّ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ(89). قَالَ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَا خَرَجَ وَ لا يَخْرُجُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ إِلَى قِيَامِ قَائِمِنَا أَحَدٌ لِيَدْفَعَ ظُلْماً أَوْ يَنْعَشَ حَقّاً إلا اصْطَلَمَتْهُ الْبَلِيَّةُ، وَ كَانَ قِيَامُهُ زِيَادَةً فِي مَكْرُوهِنَا وَشِيعَتِنَاقَالَ الْمُتَوَكِّلُ بْنُ هَارُونَ ثُمَّ أَمْلَى عَلَيَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الادْعِيَةَ وَهِيَ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ بَاباً، سَقَطَ عَنِّي مِنْهَا أَحَدَ عَشَرَ بَاباً، وَحَفِظْتُ مِنْهَا نَيِّفاً وَسِتِّينَ بَاباً(90)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(89) البغض بالضم اسم من ابغضته ابغاضاً أي كرهت الميل اليه، واختارت النفس الإعراض عنه، ضد احببته.
واصل الكفر: التغطية والستر لما فيه من اخفاء الحق وتغطيته، فالكفر هو عدم الإعتقاد بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
والنفاق: اظهار الإسلام واخفاء خلافه في قرارة النفس، وهو اسم وجد مع الإسلام ولم يكن معروفاً بهذا المفهوم قبله وقيل ان اشتقاقه من نفقت الدابة نفوقاً اذا ماتت لأن اختيار طريق النفاق هلاك.
روي عن ابي سعيد الخدري انه قال: انا كنا لنعرف المنافقين نحن معشر الأنصار ببغضهم علي بن ابي طالب( ).
(90) سقط سقوطاً : وقع وذهب عن ذاكرتي وحفظي، والنيف وَ حَدَّثَنَا أَبُو الْمُفَضَّلِ (91)قَالَ وَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ رُوزْبِهَ أَبُو بَكْرٍ الْمَدَائِنِيُّ الْكَاتِبُ نَزِيلُ الرَّحْبَةِ فِي دَارِهِ(92)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بفتح النون ما زاد على العشرة من مقدار وعدد لم يصل الى عشرين ويقال عشــرة ونيف وعشــرون ونيف ولايقال نيف الا بعد عقد.
وقال المبرد : الذي حصلناه من اقاويل حذاق البصريين والكوفيين ان النيف من واحدة الى ثلاث والبضع من اربع الى تسع.
والذي يتضح بعد طرح عدد ما فقد وضاع من متوكل من ابواب الدعاء ان ما واظب على المحافظة عليه وتركه لأبنه عمير من بعده هو اربعة وستون باباً من ابواب الدعاء، ثم انك تجد عدد ادعية الصحيفة لا يتجاوز اربعة وخمسين دعاء أي انه سقطت منها عشرة ابواب اخرى اثناء مراحل الإنتقال، او انها موجودة ومروية بصورة مستقلة ، وقيل أنها خمسة وسبعون دعاءً.
(91) هذا انتقال الى اسناد آخر والقائل (حدثنا) هنا هو ابو منصور محمد بن محمد ابن احمد بن عبد العزيز العبكري الذي ورد ذكره في الإسناد الأول ولبيان العطف على هذا الإسناد جاءت الواو في (وحدثنا).
وابو المفضل هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الشيباني الذي جاء اسمه في الإسناد الأول.
(92) ليس له ذكر في كتب الرجال وحمله بعضهم على احمد بن الحسن البراقي المكنى بابي بكر الكاتب المذكور في رجال الطوسي في باب من لم يرو عن احدهم، وهو بعيد.
قال : حدثني محمد بن احمد بن مسلم المطهري(93) قال حدثني ابي، عن عمير بن متوكل البلخي، عن ابيه متوكل بن هارون، قال لقيت يحيى بن زيد بن علي فذكر الحديث بتمامه الى رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي ذكرها جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام، وفي رواية المطهري ذكر الابواب وهي:(94):
الأول : التحميد لله عز وجل.
الثاني : الصلاة على محمد وآله.
الثالث : الصـلاة على حملة العرش.
الرابع : الصــلاة على مصدقي الرسـل.
الخامس : دعاؤه لنفسه وخاصته.
السادس : دُعَاؤُهُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَ الْمَسَاءِ.
السابع : دُعَاؤُهُ فِي الْمُهِمَّاتِ.
الثامن : دُعَاؤُهُ فِي الاسْتِعَاذَة.
التاسع : دُعَاؤُهُ فِي الاشْتِيَاقِ.
العاشر : دُعَاؤُهُ فِي اللَّجَإِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
الحادي عشر : دُعــَاؤُهُ بِخَوَاتِــمِ الْخَيـْرِ.
الثاني عشر : دُعَــاؤُهُ فِي الاعْتِرَافِ.
الثالث عشر : دُعَاؤُهُ فِي طَلَبِ الْحَوَائِجِ .
الرابع عشر : دُعَاؤُهُ فِي الظُّلامَاتِ.
الخامس عشر : دُعَاؤُهُ عِنْدَ الْمَرَضِ.
السادس عشر : دُعَاؤُهُ فِي الاسْتِقَالَةِ .
السابع عشر : دُعَاؤُهُ عَلَى الشَّيْطَانِ .
الثامن عشر : دُعَاؤُهُ فِي الْمَحْذُورَاتِ .
التاسع عشر : دُعَاؤُهُ فِي الاسْتِسْقَاءِ
العشرون : دُعَاؤُهُ فِي مَكَارِمِ الاخْلاقِ .
الحادي والعشرون : دُعَــاؤُهُ إِذَا حَزَنَهُ أَمْرٌ.
الثاني والعشرون : دُعَــاؤُهُ عِنْدَ الشِّــدَّةِ.
الثالث والعشرون : دُعَــاؤُهُ بِالْعَافِيَةِ .
الرابع والعشرو ن : دُعَاؤُهُ لابَوَيْهِ.
الخامس والعشرون : دُعَاؤُهُ لِوُلْدِهِ
السادس والعشرون : دُعَاؤُهُ لِجِيرَانِهِ وَ أَوْلِيَائِهِ.
السابع والعشرون : دُعَاؤُهُ لاهْلِ الثُّغُورِ
الثامن والعشرون : دُعَاؤُهُ فِي التَّفَزُّعِ.
التاسع والعشرون : دُعَاؤُهُ إِذَا قُتِّرَ عَلَيْهِ الرِّزْقُ .
الثلاثون : دُعَاؤُهُ فِي الْمَعُونَةِ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ.
الحادي والثلاثون : دُعَــــاؤُهُ بِالتَّوْبَةِ.
الثاني والثلاثون : دُعَـــاؤُهُ فِي صَـــلاةِ اللَّيْلِ.
الثالث والثلاثون : دُعَـــــاؤُهُ فِي الاسْتِخَارَةِ.
الرابع والثلاثون : دُعَاؤُهُ إِذَا ابْتُلِيَ أَوْ رَأَى مُبْتَلًى بِفَضِيحَةٍ بِذَنْبٍ.
الخامس والثلاثون : دُعَاؤُهُ فِي الرِّضَا بِالْقَضَاءِ.
السادس والثلاثون : دُعَاؤُهُ عِنْدَ سَمَاعِ الرَّعْـدِ.
السابع والثلاثون : دُعَاؤُهُ فِي الشُّــكْرِ.
الثامن والثلاثون : دُعَاؤُهُ فِي الاعْتِذَارِ .
التاسع والثلاثون : دُعَاؤُهُ فِي طَلَبِ الْعَفْوِ.
الأربعون : دُعَاؤُهُ عِنْدَ ذِكْرِ الْمَوْتِ.
الحادي والأربعون : دُعَاؤُهُ فِي طَلَبِ السَّتْرِ وَ الْــوِقَـــايَةِ.
الثاني والأربعون : دُعَــــــاؤُهُ عِنْــــــدَ خَتْمِهِ الْقُــــرْآنَ.
الثالث والأربعون : دُعَـــــاؤُهُ إِذَا نَظَـــرَ إِلَى الْهِـــــلالِ .
الرابع والأربعون : دُعَاؤُهُ لِدُخُوْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ.
الخامس والأربعون : دُعَاؤُهُ لِوَدَاعِ شَهْرِ رَمَضَانَ.
السادس والأربعون : دُعَاؤُهُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ وَالْجُمُعَةِ.
السابع والأربعون : دُعَاؤُهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ.
الثامن والأربعون : دُعَاؤُهُ فِي يَوْمِ الاضْحَى وَالْجُمُعَةِ.
التاسع والأربعون : دُعَاؤُهُ فِي دَفْعِ كَيْدِ الاعْدَاءِ.
الخمسون : دُعَاؤُهُ فِي الرَّهْبَةِ .
الحادي والخمسون : دُعَاؤُهُ فِي التَّضَرُّعِ وَالاسْــتِكَانَـةِ .
الثاني والخمسون : دُعَــاؤُهُ فِي الالْحَاحِ .
الثالث والخمسون : دُعَــاؤُهُ فِي التَّذَلُّلِ.
الرابع والخمسون : دُعَاؤُهُ فِي اسْتِكْشَافِ الْهُمُومِ(95)
وَ بَاقِي الابْوَابِ بِلَفْظِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَسَنِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ خَطَّابٍ الزَّيَّاتُ قَالَ حَدَّثَنِي خَالِي عَلِيُّ بْنُ النُّعْمَانِ الاعْلَمُ قَالَ حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ مُتَوَكِّلٍ الثَّقَفِيُّ الْبَلْخِيُّ عَنْ أَبِيهِ مُتَوَكِّلِ بْنِ هَارُونَ قَالَ أَمْلَى عَلَيَّ سَيِّدِي الصَّادِقُ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَمْلَى جَدِّي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَلَى أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ السَّلامُ بِمَشْهَدٍ مِنِّي.
(93) ورد في رجال الشيخ الطوسي اسم محمد بن احمد بن مطهر، بغدادي تونسي من غير تعديل او جرح، وقال بعضهم لعله هو الذي ورد اسمه في الإسناد واستبعده آخرون وهو الأرجح.
(94) هناك بابان من الدعاء بنفس رواية المطهري هذه ورد ذكرهما في النسخ القديمة للصحيفة وشرحها وقالوا انهما غير موجودين في نسخ الصحيفة وهما من بين ما سقط عن الذين قاموا برواية الصحيفة واملائها وهما:
1- دعاؤه عند الضرورة. 2- دعاؤه عند اليقظة.
(95) ذكر ان عنوان كل دعاء من قوله وقال في دعائه عليه السلام الى آخر اسم الدعاء الخاص بلفظ الإمام جعفر الصادق عليه السلام ومنقول عنه لقول كل طبقة في الإسناد حدثنا او حدثني وقول متوكل بن هارون، املى علي ابو عبد الله عليه السلام الأدعية.
لقد تعاهد العلماء عبر العقود المتعاقبة من السنين ادعيةالصحيفة السجادية وتلقاها بعضهم عن بعض باعتزاز واجلال وكانوا يعطون اجازة لروايتها.
وسيبقى كل دعاء من ادعيتها التي سيفتتح باولها الجزء الثاني من كتابنا هذا كنزاً من العلم والمعرفة وخزينة من خزائن التقوى والأخلاص في العبودية والإرتقاء في مسالك الرشاد، وصيغة مباركة للرفعة والدنو في مراتب القرب، ووسيلة للتجلي والانكشاف النوري، ونيل المقامات الكريمة والكرامات الجلية، والله ولي التوفيق.
كما صدرت لنا خمسة أجزاء من (بحوث في الصحيفة السجادية) وتتضمن شرحاً لواحد وأربعين دعاءً من أدعية الصحيفة السجادية ، وفي التنزيل ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.
الفهرس
الصفحة الموضوع الصفحة الموضوع
3 تقديم آية الله العظمى السيد السبزواري 87 أداء المناسك
4 المدخل 101 مسند الإمام علي بن الحسين
7 اشراقات مباركة من حياة الإمام زين العابدين عليه السلام 105 الإمام والقرآن
15 تسميته 112 مواعظ الإمام
17 ألقابه 120 في رحاب قلمه الشريف
18 سيد الساجدين 123 التقوى حجاب
18 السجاد 127 رحلة في عالم الدعاء
21 سيد العابدين 129 الدعاء لغة
25 زين العابدين 130 فضل الدعاء
26 ذو الثفنات 137 أدعية الإمام
26 الزكي 139 آداب الدعاء
29 الأمين 154 من منافع الدعاء
31 خاتمه 157 العصمة والإستغفار
32 زواجه وأولاده 163 الصحيفة وواقعة كربلاء
37 الإمام ومماليكه 166 الصحيفة والإمامة
41 شفقة الإمام وصدقاته 168 حديث الصحيفة وسفر اسنادها
47 إعانة الأخوان 180 ترجمة يحيى بن زيد
52 الإمام والناس 184 ترجمة زيد بن علي
55 في البيت ومع العيال 194 نبذة عن حياة الإمام الباقر(ع)
56 مع بني هاشم والصحابة 254 ترجمة اسماعيل ابن الإمام الصادق
60 عبادته 258 ترجمة عبد الله بن الحسن
61 الإجتهاد في العبادة 270 فلسفة المنبر النبوي
77 الصوم وأقسامه 283 الروح الأمين
81 حجه للبيت الحرام 302 الفهرس
رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد
4751 لسنة 2024