بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الذي أســبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنــة وجعل القرآن تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وتفضل على الناس جماعات وأفراداً بموضوع الرؤيا وألبسها رداء الصدق والحق وجعلها حبلاً ممتداً إلى روح العبد لينتفع المؤمن من بشارتها، ويستفيد من إنذاراتها بالتصدي بالدعاء والاستغفار والعمل والصدقة لصرف الرؤيا المكروهة ، ويأخذ بأوامرها ويتجنب الأبواب التي تنهي عنها ولتترك بصماتها في طريق الهداية والإيمان حيث تجسدت أهمية الرؤيا في سورة يوسف والفتح والإسراء والصافات وغيرها .
فكانت طريقاً ليس للمسلمين فحسب بل لأهل الأرض جميعاً في تلمس دروب الهداية بالصيغ الغيبية والأسرار الملكوتية واستثمار الرؤيا , والنظر بجد وعبرة إلى موضوعاتها وما فيها من المضامين وما لها من المقاصد.
نحن بحاجة الى دراسات مستفيضة لفلسفة الرؤيا وفق الكتاب والسنة والعلم والواقع والوجدان تكون ضياءً مباركاً في ترسيخ الإيمان في النفوس وسبباً في هداية وارشاد الآخرين وادراك الجميع بأن الله عز وجل معنا في كل حال في اليقظة والمنام، في الحياة وما بعد الموت.
عن الباقر عليه السلام : قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قول الله لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا قال (هي الرؤيا الحسنة، يراها المؤمن فيبشر بها في دنياه) ( ) وروى قريباً من ذلك عبادة بن الصامت.
ولما كانت السنّة بياناً وتفسيراً للقرآن تجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسأل أصحابه عند الصباح (هل رأى أحد منكم من رؤيا)( ) ثم يبادر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جزء من رسالته وهو المبعوث رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ إلى تعبير ما يُقص عليه من الرؤيا ليضع أصولاً للتعبير , وأحكاماً لتأويل الرؤيا .
وللإنتفاع من تأويل النبي من الرؤيا وموضوعاً لأن هذا التأويل شعبة من الوحي لقوله تعالى وَمَا ينطق عن الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى.
ويؤسس النبي صلى الله عليه وآله وسلم علماً اقتدى به الأئمة عليهم السلام والصحابة , وفقهاء المسلمين واستفاد منه المسلمون الى يومنا هذا وبصورة تفوق كثيراً ما حصل عليه غيرهم في هذا الباب وان كانت الأمم جميعاً تولي الرؤيا والأحلام عناية خاصة، سواء كان هذا اعتقاداً وفطرة أو نتيجة التجارب العملية وأحكام المصلحة والشعور الإنساني بالضعف والحاجة الى الاستعانة بالله عز وجل والتوكل عليه، لقد أصبحت الرؤيا تراثاً غيبياً حاضراً في كل بقعة من بقاع الأرض.
ولا تكاد تمر بضعة أيام على أهل أي بيت من دون أن تجد حديثهم في الصباح رؤيا زارت أحد أفراد الأسرة في المنام، او ينطلق بعضهم الى إمام الجماعة ليسأله عن تأويلها.
وكان بعض المفكرين في الأزمنة القديمة يعتقد ان مستقبل كل إنسان في أحلامه إذا تمكن من تفسيرها كإقرار بأنها عالم غير محدد ينتقل إليه الإنسان ليتحسس آثاره وما يرمز إليه في سير أعماله وشؤونه الشخصية. ولا تجد أي من حضارات الأرض القديمة إلا وقد أولت الأحلام أهمية خاصة اقترنت بالاعتراف والإقرار بأسرار غيبية فيها، بدءاً من الحضارات الشرقية القديمة إلى الحضارة اليونانية حيث كان أفلاطون وسقراط من جملة من اعتقد بالأحلام حتى ان أرسطو سلّم بوجود قوة خارقة للعادة فيها، وتكلموا في ماهيتها وعالجوها بالاستدلال والبرهان.
ولكنهم لم يستطيعوا إخفاء عجزهم عن الوصول إلى نظرة موضوعية للرؤيا والتي لابد وان تحتاج إلى عنصر الإيمان سلاحاً ودليلاً وعيناً وغاية.
فكان الإرباك واضحاً في وجهات نظرهم، وربما نظرت بعض الشعوب إلى الرؤيا في باب العرافة والتنجيم ومضامين الشرك.
فجاء الإسلام ليعلن التقسيم الحقيقي للرؤيا ويوضح الصادقة منها والصالحة وكيفية الانتفاع العام أو الشخصي منها. ولتصبح عندها نظريات الفلاسفة تراثاً في ميدان الدراسات المقارنة لا يستطيع الثبات على قدمين ليس هذا فحسب، بل ان النظرة الإسلامية للرؤيا ومدلولاتها كانت سداً منيعاً أمام العبث الفكري في ميدان التجربة والأبحاث الحديثة ذات الطابع الحسي المجرد.
فكانت الصورة القرآنية للرؤيا أضواءً تكشف وهم وضعف التحليل المادي للرؤيا , وتمنع من انتشار أية نظريات أخرى جديدة للرؤيا أو قواعد عامة للأحلام لا تتفق وتلك الصورة، الأمر الذي يعد جزءاً من اعجاز القرآن وتحديه وتصديه لأفكار الضلالة وان جاءت برداء المختبر أو اسم المدرسة.
وسيبقى ميدان الرؤيا وأسرارها ساحة وجنّة ينتفع فيها الناس جميعاً من القرآن وما أعطاه للرؤيا من منزلة وجوهر وأحكام ودوام الانتفاع بها في الأحلام التي اثبت العلم الحديث ان الإنسان يرى في منامه ومنذ أيام ولادته الأولى وفي كل ليلة، لكنني لا أتفق مع أولئك الذين قالوا بان عُشر عمر الإنسان يقضيه في الرؤيا والأحلام وان الذي يعيش سبعين عاماً تأخذ الأحلام سبع سنوات من عمره فقد يكون رقماً مبالغاً فيه ولا يخلو من إفراط سيما وان للرؤيا خاصية غيبية وهي ان سلسلة من الأحداث وفصولاً متوالية تجري في ثوان معدودة .
ومع هذا تبقى الرؤيا عالماً يحتاج أهل الأرض ان ينهلوا منه ويتزودوا من علومه ويأخذوا منه ، وهو من رشحات عناية القرآن بالرؤيا .
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كثير الرؤيا وما رأى رؤيا إلا وجاءت كفلق الصبح.
في البحار عن الكافي عن أبي الحسن عليه السلام قال: (ان الأحلام لم تكن في ما مضى في أول الخلق وإنما حدثت في ما بعد. فقيل: وما العلة في ذلك .
فقال ان الله عز وجل بعث رسولاً إلى أهل زمانه فدعاهم إلى عبادة الله وطاعته، فقالوا: ان فعلنا ذلك فما لنا .
فما أنت بأكثرنا مالاً ولا أعزّنا عشيرة. فقال: ان اطعتموني أدخلكم الله الجنة وان عصيتموني أدخلكم الله النار. فقالوا: ما الجنة وما النار؟ فوصف لهم ذلك، فقالوا: متى نصير إلى ذلك .
فقال : إذا متم، فقالوا: لقد رأينا موتانا صاروا عظاماً ورفاتاً فازدادوا لـه تكذيباً وبه استخفافاً فأحدث الله عز وجل فيهم الأحلام، فأتوه فأخبروه بما رأوا وأنكروا من ذلك.
فقال: ان الله عزّ ذكره أراد أن يحتج عليكم بهذا، هكذا تكون أرواحكم إذا متم وان بُليت أبدانكم تصير الأرواح إلى عقاب حتى يبعث الأبدان)( ).
وما عند الأمم السابقة ورثه المسلمون لأنهم الذين اثبتوا اهليتهم لتعاهد لواء التوحيد على الارض، فانعم الله عز وجل بالأحلام لتجسيد أحوال الآخرة ولو على نحو الموجبة الجزئية كماً وكيفاً وموضوعاً ومحمولاً.
أي أن الأحلام رحمة وفضل من الله تعالى على الناس وهي أمر وجودي لـه منافعه العقائدية والوجدان الشخصي والتاريخي يشهد بذلك ولله الحجة البالغة.
ولم تكن الغاية من هذا الكتاب تفسير مفردات الأحلام التي تختلف من شخص إلى آخر ، وإنما هي ضوء إيماني مبارك لبيان الجوانب العقائدية والفكرية في الرؤيا وفق منظار قرآني، وكيفية استثمارها في الدعاء والمسألة وتحقيق الأماني وصرف البلاء.
ومع كثرة مشاغل الإفتاء والمرجعية والتدريس اليومي، وإعداد اكبر وأحسن كتاب تفسير في تأريخ الإسلام (معالم الإيمان) والذي صدرت منه والحمد لله مائتان وخمسة وسبعون جزء في سورة البقرة وآل عمران والآية الأولى من سورة النساء ، أتعرض لهذا الموضوع الابتلائي العام لحث المؤمنين على توظيف الدعاء توظيفاً تاماً ونافعاً في الرؤيا بعد أن رأيت عدم التفات لموضوعيته في الدراسات الخاصة بعالم الرؤيا مع قلة المباحث العلمية فيه وان أقر الجميع بما يحتويه من الأسرار والأنباء.
وليكون الدعاء عونا في تثبيت الرؤيا الصالحة وصرف ودفع رؤيا السوء.
ويمكن تأليف مجلد خاص بالرؤيا في الشعر العربي، وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب:
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها
فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا
إذا دخل السجان يوماً لحاجة
عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
ونفرح بالرؤيا فجل حديثنا
إذا نحن أصبحنا الحديث عن الرؤيا
فإن حسنت كانت بطيئاً مجيئها
وإن قبحت لم تنتظر وأتت سعيا( ).
وهذا الكتاب جزء من الشكر لله عز وجل لنعمة الرؤيا على المسلمين والناس جميعاً ومناسبة لدراسة الآيات القرآنية الخاصة بالأحلام والرؤيا مطلقاً وسياحة مباركة في رحاب ساعات النوم وفق منظار قرآني وللتوكيد بأن الشريعة وأحكامها لم ولن تغادرنا حينئذ وأن فضل الله تعالى على كل مسلم ومسلمة متصل ومستوعب لساعات اليقظة والمنام .
وسيأتي في هذا الكتاب باب (آيات الرؤيا وتأويلها) ويتضمن ذكر أكثر من عشرين آية تتعلق بالرؤيا وتفسيرها , وترتب الحكم عليها لبيان موضوعيتها في حياة الأنبياء والناس عامةً ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.
ومدرسة الأحلام ثروة فكرية وعقائدية وتجارة دنيوية وأخروية، الأمر الذي يستلزم توظيفها أحسن توظيف، وعدم التفريط بها , ولا يتم ذلك الا بدراستها ومعرفة سبل تفسيرها، كما انها وسيلة لتخليص النفس من الكدورات الظلمانية وللتحرر من عالم المادة وقيود الحياة اليومية الرتيبة لما جعل الله عز وجل فيها الأمل وأسباب الفطنة واسراراً مكنونة، وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ.
ويتناول العلم الحديث بالبحث والدراسة موضوع الرؤيا والاحلام ويعلن العلماء عن نتائج وحقائق يقول بعضهم بحداثة استنباطها. ولكن الاسلام وقبل اكثر من اربعة عشر قرناً قد توصل الى تلك النتائج ذاتها .
عن عوف بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الرؤيا على ثلاثة منها تخويف من الشيطان ليحزن به ابن آدم، ومنه الامر يحدث به نفسه في اليقظة ، ومنه جزء من ستة واربعين جزء من النبوة( ).
وتتخلف تلك الآراء التي تلبس احياناً ثوباً عصرياً تجريبياً مؤشراً لحالات من الوهن والانحسار ونتيجة لضغط وتأثير عن خزائن علم الرؤيا ، ومنها الرؤيا الصادقة واستجابة الناس لمضمونها.
فترى فرويد نفسه الذي قال بأن الاحلام وسيلة لتحقيق الرغبات المكبوتة يضطر للقول بان اعتقاد القدامى ان الاحلام تنبىء بالمستقبل لا يخلو كل الخلو من الصدق( )، في اقرار انتزاعي منه لكثرة الشواهد المتكررة كل يوم وقيام الحجة وبما لا يمكن اخفاؤه.
وما نذكره هنا من التأويل ليس من باب القطع او الجزم بل هو احتمال أتينا به ليكون مناسبة للدعاء والصدقة، ولتوظيف الرؤيا لزيادة الإيمان والاقرار بأنها بعلم من الله تعالى، والحاجة الى الدعاء لا تنحصر برؤيا الانذار بل تشمل جميع انواع الرؤيا بما في ذلك رؤيا البشارات فهي الاخرى تحتاج الى الدعاء لابرازها في مصداق خارجي فلا ملازمة بين الرؤيا مطلقاً وبين تحققها الا ان يشاء الله.
والرؤيا : مصدر رأى للدلالة على ما يراه الإنسان في نومه ، أما رأى البصرية فمصدرها : الرؤية
وهو الذي يرد في هذا الكتاب ، وتعدد لفظ الرؤيا سبع مرات في القرآن ولم يرد لفظ (الرؤية) في القرآن.
وسمُي مفسر الرؤيا بالمعبر من العبور ، وهو الإنتقال من جهة إلى أخرى ، كما في عبور النهر ، لأن مفسر الرؤيا ينتقل ويعبر من رموزها إلى الواقع ، ويتأكل في أطرافها.
وقد صدر لنا قبل اثنتين وثلاثين سنة كتاب (علم الرؤيا وتعبيرها) والمسجل في دار الكتب والوثائق في بغداد برقم الإيداع 30 لسنة 1993 ويتألف من نحو 160 صفحة .
وجاء هذا الكتاب بجزئين في دراسات قرآنية مستفيضة وشواهد في علم الرؤيا .
ومن آيات علم الرؤيا التي يأتي بيانها ، رؤى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورؤيا إبراهيم ثم رؤيا يوسف عليهما السلام , وقال تعالى لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
حرر في الأول من محرم الحرام 1446هـ
الموافق 7/7/2024
الــرؤيــا لــغـة
في الرؤيا أربع لغات : الرؤيا بالهمزة. والرويا بالواو من غير همزة ، ورّيا على الإدغام وريا بكسر الراء.
والرؤيا مصدر كالبشرى والسقيا، إلا انه صار اسماً لهذه الصور والرموز في المنام فجرى مجرى الأسماء وخرج من حكم الأعمال وصارت الرؤيا تدل على ما يُرى في المنام مع وجود القرينة وسياق الكلام واختلافها عن الرؤية بآلة البصر.
واشتقاق اسمها من الرؤية بيان لاقتراب رؤيا المنام من درجة الواقع كما تذهب العرب بالظن إلى منزلة اليقين. وأرأي الرجل إذا ازدادت رُؤاه وكثرت أحلامه.
وتأتي الأحلام بمعنى الرؤيا ، وهما من المترادف اللفظي لكن يمكن القول استقراءً ان بينهما في الاصطلاح عموماً وخصوصاً من وجه فلقد غلب استعمال الرؤيا في المحبوبة والحلم في المكروهة وأضغاث الأحلام .
وورد لفظ الأحلام في القرآن أربع مــرات، ثلاث منهــا على لســان قوم غير موحــدين , والرابعــة قولـه تعالى أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ، أما على لسـان الأنبياء فلم ترد إلا بلغة الرؤيا وكذلك في قولـه تعالى وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ … مما يحمل على الظن ان اصطلاح الرؤيـا هـو أقـرب إلى لغـة الإيمان لمـا يتضمنـه مـن اعتقاد بموضوعيتها ومحاكاتها لـه وتماسها معه والعـلم عند الله.
والأحلام جمع حُلُم بضمتين وقد يسكن وسطه، وهو في الأصل تصور الإنسان من داخل نفسه. كذلك يسمى العقل حلماً فهو ملاك استقامة التفكر، ويطلق الحلم على زمان وسن البلوغ ، قال تعالى وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ … ومنه الحِلم بكسر الحاء ومعناه الأناءة وهو ضبط النفس والطبع عن الغضب وعن التعجل في العقوبة واجتناب الطيش والابتعاد عن السفه.
و(تعبير الرؤيا) هو الانتقال منها إلى التفسير وما تصير إليه والأخبار عما فيها من موعظة وعبرة، و(التأويل) بيان لما يحتمله اللفظ من المعاني والمضامين او ترجيح احد الاحتمالات دون القطع، وآلته العقل. وبين التفسير والتأويل مطلقاً عموم وخصوص مطلق فالتفسير أعم من التأويل. وقد تكون النسبة بينها بلحاظ معين التساوي.
وتفسير الرؤيا بيانها وكشف المراد منها على نحو التقريب والظن بلحاظ القرائن والامارات، اما تأويلها فهو تدبرها وتقديرها وتحليلها واستنباط المسائل منها وتلمس غاياتها والمقاصد السامية منها فما دامت الرؤيا الصالحة ليست عبثاً فلابد ان لها غايات ، وهي من اللطف الإلهي ، ومصاديق قوله تعالى وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ .
الرؤيا في القرآن
لقد أنعم الله على أهل الأرض جميعاً والمسلمين خاصة إذ أنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ.. فضلاً منه ورحمة لتيسير اختيار الناس لطرق الرشاد والفلاح عبر ما تنيره لهم آياته من دروب الهداية والعلم وما لها من أثر كريم في إغلاق أبواب الحيرة والغفلة والجهالة إذ قال تعالى مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ.. .
وترى المؤمن يفزع إلى القرآن لاستنباط الأحكام الخاصة بالرؤيا وقوانينها وتأويلها كمسألة يدل بقاؤها حية نابضة بالحياة عشرات القرون على منافع فيها وثمار يقتطفها أهل كل زمان وأفراد كل مجتمع.
كما أظهر العلم الحديث بأن الحرمان من رؤية الأحلام عند الفرد يؤدي إلى اضطراب وخلل في حياته الفكرية.
وقد تكون الأحلام موضوعاً علاجياً لم يستثمر بعد لكثير من الأمراض النفسية والعضوية إلى جانب ما يمكن ان يكتشفه العلم مستقبلاً من فوائد الرؤيا وأهمية صحة تعبيرها لتشكل كعناصر مجتمعة ومتفرقة، متداخلة أو متعاقبة وعند مختلف الهيئات والدرجات والقوميات والأديان، حاجات ملحة للوقوف الحتمي عند القرآن وآياته وما فيه من أحسن القصـص التي قال فيها الله تعالى لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ.. والآية دعوة واضحة لأهل العلم لينهلوا من القرآن ويعرضوا دراساتهم وبحوثهم ومنهجيتهم في الرؤيا على القرآن والسنة.
لقد ورد في القرآن عدد من الرؤى. منها أربع في يوسف عليه السلام رؤيا وتعبيراً .
وواحدة وقعت لإبراهيم الخليل أحد الرسل الخمسة أولي العزم.
واثنتان للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهناك آيات أخرى تتعلق بموضوع ودلالات الرؤيا ، وسيأتي التفصيل .
مما يدل على موضوعية الرؤيا في حياة الانبياء وهم سادة الأمم واشرف البشر، والحاجة اليها في تنظيم الحياة وشؤون العبادة، كما تصدى النبي صلى الله عليه وآله وسلم للرؤيا درساً وعبرة ورحمة.
فكانت الرؤيا الصادقة اتصالاً بالوحــي بين اليقظة والمنام خص الله عز وجل به النبي صــلى الله عليه وآله وسلم فلا انقطاع لـه ولا هجر فقال تعالى إِذْ يُرِيكَهُمْ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.
النسبة بين الرؤيا الصادقة ورؤيا الوحي
قال عبد الله بن عمر : ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال رأيت كأن امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة” وهي الجحفة.
فأولت ان وباء بالمدينة نقل اليها ليساهم الأمل بشد عضد المسلمين وتقوية النفوس ولبيان بركات وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم في تخلصهم ونجاتهم من الاوبئة.
وتحتمل رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذه وجهين :
الأول : إنها رؤيا صادقة .
الثاني : إنها شعبة من الوحي .
والمختار هو الثاني ، وبين الوجهين أعلاه عموم وخصوص مطلق ، فالرؤيا الصادقة أعم ، ويراها النبي والأولياء والصالحون وعامة الناس ، أما رؤيا الوحي فيختص بها الأنبياء .
ويمكن تأسيس قاعدة كلية وهي لو دار الأمر في رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هل هي رؤيا وحي أم رؤيا صادقة ، فالصحيح هو الأول.
إنها آية من عند الله إذ شاء ان يدفع عن أهل مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوباء.
جاءت رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مقدمة وبشارة ، ودعوة للمسلمين للإلتفات إلى فضل الله بصرف الوباء والبلاء عنهم ، وعن الناس ببركة حضور النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
ومن الممكن ان يستنبط منها علماء النفس والاطباء الاثر الايجابي والفعال للطب النفسي في علاج الامراض العضوية واساليب منع انتشارها ، والتدارك في جائحة كورونا ونحوها .
مادة الرؤيا في القرآن
ورد لفظ (الرؤيا) ثلاث مرات في القرآن اثنتين في النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وواحدة في إبراهيم ، كما ورد عدة مرات بألفاظ متعددة منها بخصوص يوسف عليه السلام وملك مصر .
ومادة الرؤيا في القرآن على جهات :
الأولى والثانية : وردت مرتين بخصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قوله تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ، وقوله تعالى وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ.
الثالثة : واحدة في إبراهيم عليه السلام قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.
الرابعة : جاءت الرؤيا بلفظ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ في إبراهيم عليه السلام .
الخامسة إلى الثامنة : أربع مرات في قصة يوسف عليه السلام إلى جانب تعدد تأويلها .
التاسعة : لفظ أضغاث أحلام ، وتأويل الأحلام في رؤيا ملك مصر .
العاشرة : وردت بلفظ (أراني) في حديث أحد الغلامين اللذين مع يوسف في السجن .
الحادية عشرة : جاءت الرؤيا وكأنها حال يقظة عند إخبار الساقي رسولاً من الملك إلى يوسف يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ.
الثانية عشرة والثالثة عشرة : لفظ [يُرِيكَهُمُ] ولفظ [أَرَاكَهُمْ] بخصوص معركة بدر ، قال تعالى إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.
الرؤيا ونفخ الروح
هل الرؤيا الصادقة من عمومات قوله تعالى ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ .
الجواب نعم، فهي صلة بين الباري عز وجل وروح العبد، تجعلها في سياحة في أفراد الزمان الطولية الماضي والحاضر والمستقبل، وعالم التصديق والتصور.
وتأتي الرؤيا الصادقة للإنسان مطلقاً المؤمن وغير المؤمن، ويجعل الله عز وجل عند شطر منهم الإعتبار والإتعاظ منها , ويمتاز المسلم باللجوء إلى الله والتوسل بالدعاء لمحو رؤيا الإنذار وجلب المنفعة ، ودفع الضرر.
لقد جعل الله عز وجل نفخ الروح من خصائص الخلافة في الأرض , وصلة متصلة بين الله والعباد رأفة منه تعالى .
منافع تأويل الرؤيا
يسمى تفسير الرؤيا في الإسلام على وجوه :
الأول : تفسير الرؤيا .
الثاني : تعبير الرؤيا .
الثالث : تأويل الرؤيا .
وهو علم له قواعده المستقرأة من الكتاب والسنة والأخبار والوجدان ، ويدل عليه تعدد الآيات التي تخص الرؤيا ، وتشمل الأنبياء في الأزمنة المختلفة : إبراهيم عليه السلام ، ويوسف عليه السلام ، والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وأصحابه .
كما تشمل رؤيا ملك مصر التي صارت وتعبير يوسف النبي لها سبباً في نجاة الناس من الهلاك جوعاً ، وهذا الهلاك أصاب في غابر الأزمان أقواماً وقرى متعددة نتيجة الجفاف والقحط .
ومن منافع تأويل الرؤيا مسائل :
الأولى : التسليم بأن الرؤيا نعمة من عند الله عز وجل .
الثانية : الإنتفاع الأمثل من الرؤيا .
الثالثة : الفصل والتمييز بين الرؤيا الصادقة وأضغاث الأحلام .
الرابعة : التدبر في الرؤيا .
الخامس : بيان عدم السكون التام للإنسان عند النوم ، فهناك فرق بين الموت والنوم ، قال تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.
ومن التفكر الذي تذكره الآية أعلاه التفكر في الرؤيا كموضوع عام ، وأفراد الرؤيا الشخصية ودلالتها .
السادسة : بعث الناس على الدعاء لجلب مصداق رؤيا البشارة ، وصرف أذى رؤيا الإنذار ، والرؤيا المكروهة .
السابعة : بيان رحمة الله عز وجل بالناس بالرؤيا وهي برزخ وصلة بين النوم واليقظة .
قانون الرؤيا طريق هداية
من بديع خلق الإنسان عالم الرؤيا والمنامات ، وكيف يسبح ذهن الإنسان في عالم مثالي يتضمن البشارة والإنذار في أمور الدين والدنيا ، ولا يعلم كثرة عدد الذين آمنوا والذين تابوا وأصلحوا بسبب الرؤيا إلا الله عز وجل .
(وعن أنس قال : أتى رسولَ الله أسقف فذكر أنه رأى في منامه الأُمم كانوا يمنعون على الصراط (……….) حتى أتت أُمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم غرّاً محجلين قال : فقلت : من هؤلاء الأنبياء؟
قالوا : لا.
قلت : مرسلون؟
قالوا : لا .
فقلت : ملائكة؟
قالوا : لا .
فقلت : من هؤلاء؟
قالوا : أُمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم غرّاً محجلين عليهم أثر الطهور، فلما أصبح الأسقف أسلم)( ).
وهل تكون الرؤيا دعوة للسلم ونبذ الخصومة والقتال ، الجواب نعم لبيان أنها مدد لآيات السلم ، وحضّ على التآخي والسلم المجتمعي.
ومن تأويل السلام والتحية في الرؤيا المودة والصلات الحسنة ، ومنها صلة الرحم ، ونبذ الخصومة ، وتأتي الرؤيا بالبشارات ، والإنذار من القتال وسفك الدماء ، ومن أهوال يوم القيامة وعالم الحساب .
رؤيا النبي محمد (ص) وحي
قال تعالى وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا .
والفتنة هي الابتلاء والامتحان والاختبار ، وفي المكروه منه خاصة كثر استعمالها .
وفي الآية دعوة للمؤمنين بالصبر عند الابتلاء وطرد الجزع اثناءه لما احدثته الرؤيا من استعداد نفسي عندهم كوعد ليجزيهم الله عز وجل على صدق الإيمان وثبات الأقدام، عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام وعبد الله بن عمرو ويعلي بن مرة ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (أريت بنى أمية على منابر الأرض وسيملكونكم فتجدونهم أرباب سوء)، واهتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لذلك فانزل الله [ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا … ] الآية.
ومثلما يطلق عنوان الشجرة على كل ما لـه ساق وجذور من النباتات المعمرة كذلك يطلق على النسب او الاتباع، يقال فلان من شجرة مباركة، أي يرجع في نسبه واصله إلى منبت حسن، وورد هذا المفهوم لمعنى الشجرة على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
إذ ورد عن جابر قال (سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي : الناس من شجر شتى وأنا وأنت من شجرة واحدة ، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ حتى بلغ [يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ])( ).
قالت عائشة لمروان بن الحكم سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لأبيك وجدك إنكم الشجرة الملعونة في القرآن…
وروي ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما استجمع ضاحكاً بعد تلك الرؤيا حتى مات.
والآية الكريمة وثيقة سماوية تجسد ما للرؤيا من منزلة فى الوحي والمغيبات ، ولتكون عونا ، وباب تخفيف ، وسبباً ملكوتياً للاحتراز والصبر والدعاء.
أقسام الرؤيا
الرؤيا بركة ورحمة وهي على أقسام :
الأول : أمر .
الثاني : نهي .
الثالث : بشارة .
الرابع : إنذار .
الخامس : إخبار .
السادس : أضغاف أحلام .
السابع : ما يفكر به الإنسان في النهار في ذات يوم الليلة أو قبله .
أو انها أمر جامع لوجهين أو أكثر ، وكل ركن من هذه الاركان الخمسة الأولى للرؤيا يحتاج الى فرز وتعامل خاص من حيث الاستجابة والعمل والدعاء وحتى التحدث بها واخبار الآخرين يتطلب حسن اختيار لمن تعرض عليه الرؤيا في طريق تعبيرها والانتفاع منها بشارة أو حرزاً أو سبيلاً للدعاء وتنبيهاً واستذكاراً واستدلالاً أو غاية.
عن أمير المؤمنين عليه السلام قال الرؤيا الصالحة احدى البشارتين وقد تكون الرؤيا الصالحة شديدة الوقع على النفس، وفيها من عناصر التأديب والردع ما يجعل الرائي ينتبه من نومه فزعاً مرعوباً وقد استوعب تلك الرؤيا رموزاً وتأويلاً في اطار انذار خارجي للكف عن امر أو اجتنابه كما وتأتي امراً بأتيان عمل من اعمال الخير والامر بالمعروف.
و(عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يكفي أحدكم أن يوعظ في منامه)( )، أي ان الرؤيا باب ومدخل إلى عمل الصالحات والتحلي بلباس التقوى , ومقدمة غيبية للمنع والنهي عن المنكر.
ويذكر في قصة دفن السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن المجتبى , وكانت معروفة في مصر بالنسك والزهد والتقوى.
أنه لما ماتت أراد زوجها إسحاق بن الإمام جعفر الصادق حملها إلى المدينة ودفنها في البقيع وأراد أهل مصر ثنيه فأبى، وجمعوا له مالاً كثيراً ليدفنها عندهم وتدخل أمير مصر إذ إستجاروا به ليرده عما أراد فأصر على رأيه.
فلما أصبحوا وجدوه راضياَ بما قالوا، فسألوه فقال رأيت في عالم الرؤيا جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول رد عليهم أموالهم وإدفنها عندهم) ودفنت بدرب السباع سنة ثماني ومائتين ، وكان يوم دفنها مشهوداً وأتى أهل مصر الكرام من البلاد والنواحي يصلون عليها بعد دفنها واوقدت الشموع .
وسمع البكاء في كل دار في مصر، وهم يتوافدون إلى اليوم على قبرها الذي هو مزار يكثر فيها الدعاء والصلاة وطلب الحاجات من الله، قال تعالىفِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، في آية على الأسرار في رؤية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام، وعنايته بذريته واستجابته للمسلمين والمسلمات .
وكأن رؤية رسول الله وموضوعها وتعاهد أهل مصر لإكرام ذريته من مصاديق حديث الثقلين وقوله صلى الله عليه وآله وسلم(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِى أَهْلَ بَيْتِى) ( ).
قانون التلاوة غِذاء
لقد جعل الله عز وجل القرآن غذاءً وزاداً في الدنيا والآخرة ، وبخصوص صيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم صيام الوصال ، وهو من مختصاته كان يقول (إنّى أبيت يطعمني ربّي ويسقيني).
يدلّ عليه حديث السقاء في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ كان في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم سقّاء تبع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أيام وهو يسمعه يقرأ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا فرمى بقربته، فأتاه آت في منامه بقدح من شراب الجنّة فسقاه.
قال أنس : فعاش بعد ذلك نيّفاً وعشرين سنة لم يأكل ولم يشرب على شهوته) ( ).
أي أن هذا السقّاء يأكل ويشرب ، ولكن من غير شهوة وطلب للزاد ، فقد كفاه الله عز وجل هذه المؤونة .
آداب صاحب الرؤيا
مع التباين الحاصل في اقسام الرؤيا وانواعها فان الفوائد التي قد يحصل عليها الانسان او الجماعة من الرؤيا تضغط باتجاه تسلح الفرد بآداب ودرجة من الفهم الموضوعي لمستلزمات حيازة منافعها واقتطاف ما تدلى من ثمارها كفرصة واشعاع مما وراء حدود ادراك النفس الانسانية في حركة وازدحام ساعات اليقظة وعالمها.
ويستحسن لصاحب الرؤيا استحضار الرؤيا حال الفراغ منها مع الانتباه في تدبر رموزها والاكثار من ذكر الله ، والاستعاذة من تلاعب الشيطان بالانسان في اليقظة والمنام، ويفضل ان يجلس من رقوده حينئذ للاشتغال بالدعاء والتضرع فان كانت رؤيا مكروهة سأل الله عز وجل ان يكفيه شرها وكل سوء واذى ويقيه مواطن التهلكة. وان كانت الرؤيا بشارة دعا الله شاكراً ان يتم عليه نعمته، كما يستحب الاكثار من الاستغفار لما فيه من الرزق وابواب التيسير والبركة.
وعلى صاحب الرؤيا ان لا يقصها على حاسد، لأن يعقوب عليه السلام نهى ابنه يوسف عن قص رؤياه على اخوته حذر الكيد والمضاعفات الضارة للتنافس والعداوة ولانحلال الحسد وتوجيهه الى افراد النعمة ومنها ما تنطوي عليه الرؤيا من البشارات ، وفي التنزيل قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
ومن الرؤيا ما يفسد اعلانها غايتها ويبطل نتائجها كفرصة تفوت او باب يغلق أو منافس يعجل بالاستباق في استثمارها لحسابه الخاص .
وقد روي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: لا تقصص رؤياك الا على وادٍ ( ذي مودة ) أو لبيب، كما تقدم في حديث أبي رزين يرفعه , بالاضافة الى عمومات استعينوا على أعمالكم بالكتمان، وان لا يكذب في رؤياه. لتأثير الكذب سلباً على الرأي وفي تأويل الرؤيا.
وقد ترقى رؤيا (السر المكنون) الى درجة الناصح والمرشد الى مفاتيح اعمال نافعة كانت مجهولة عند صاحب الرؤيا. وربما تأتي الرؤيا اداة تحريض وحثاً على نقل الاقدام للبدء بالعمل والسعي المدبر وكأن حجبـاً قد زالت وغشاوة عن العين قد انجلت.
(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الرؤيا تقع على ما تعبر ، ومثل ذلك مثل رجل رفع رجله فهو ينتظر متى يضعها ، فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحا أو عالماً)( ).
ان امر تحقيق الرؤيا بشارة كانت او انذاراً موقوف الى الله تعالى الذي يسمع دعوة الداع اذا دعاه ويجيب المضطر ، ويفرج عن الملهوف ويبسط الرزق لذا يجب الانتفاع من عنصر الدعاء في موضوع الرؤيا تحقيقاً او تغييراً في الازمان المحتملة لحصول رموزها واقعياً وحتى بعد تأويلها وتعبيرها قال تعالى قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ. ..
التعبـير
لقد كان الانبياء سادة التعبير وأصحاب التأويل لما آتاهم الله من رسوخ في العلم وبسطة .
ومقدرة في الاستنباط بالاضافة الى الوحي والكفاءة كعنصر ضروري، والرؤيا مناسبة كريمة تدعو الحاجة لاستثمارها استثماراً نافعاً يمنع ضياعها كفرصة ووسيلة وبركة محسوسة.
فقام ابراهيم ويعقوب ويوسف عليهم السلام بمهمة تأويل الرؤيا، وكانت لهم الريادة فيه في زمان ازداد الاهتمام بالرؤيا عند الخاصة والعامة ومراكز السلطة والرياسة. كما وان السنة الشريفة تحتوي على ابواب متواترة في تعبير الرؤيا وتعزيز اهميتها في المجتمع الاسلامي.
ويذكــر ان الملائكــة شــاركوا بتعبير الرؤيا، عن ابن عباس في قولـه تعالى وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ... ان موسى لما احكم التوراة وعلم ما فيها قال في نفسه لم يبق في الارض احد اعلم مني من غير ان يتكلم مع احد فرأى في منامه كأن الله ارسل الماء حتى غرق ما بين المشرق والمغرب. ورأى قناة على الارض فيها صردة( ) تنقل الماء ثم تدفعه في البحر.
فلما استيقظ موسى عليه السلام هاله ذلك فجاء جبرئيل فقال مالي اراك كئيباً يا موسى فاخبره بالرؤيا. فقال: انك زعمت انك استفرغت العلم كله فلم يبق في الارض من هو اعلم منك وان لله عبداً علمك في علمه كما الذي حملته الصردة بمنقارها فدفعته في البحر.
فقال : يا جبرئيل من هذا العبد فقال: الخضر بن عاميل من ولد الطيب يعني ابراهيم الخليل عليه السلام من أين أطلبه.
قال : اطلبه من وراء هذا البحر، فقال: من يدلني عليه ؟ قال: بعض زادك قالوا: فمن حرصه على رؤياه لم يستخلف في قومه ومضى لوجهه وقال لفتاه يوشع: هل أنت موازري.
قال : نعم، اذهب فاحتمل لنا زادا، فانطلق يوشع فاحتمل أرغفة وسمكة عتيقة مالحة، سارا في البحر حتى خاضا وحلا وطينا ولقيا تعبا ونصبا حتى انتهيا إلى صخرة ناتئة في البحر خلف بحر أرمنية يقال لتلك الصخرة: قلعة الحرس. فأتياها فانطلق موسى ليتوضا فاقتحم مكانا فوجد عينا من عيون الجنة في البحر فتؤضا منها وانصرف ولحيته تقطر ماء وكان عليه السلام حسن اللحية ولم يكن أحد أحسن لحية منه، فنفض موسى لحيته فوقعت منها قطرة على تلك السمكة المالحة، وماء الجنة لا يصيب شيئا ميتا إلا عاش، فعاشت السمكة ووثبت في البحر فسارت، فصار مجراها في البحر سربا ونسي يوشع ذكر السمكة ” فلما جاوزا قال موسى لفتيه آتنا غدائنا ” الآية، فذكر له أمر السمكة فقال له : ذلك الذي نريده فرجعا يقصان أثرهما فأوحى الله إلى الماء فجمد وصار سربا على قامة موسى وفتاه فجرى الحوت أمامهما حتى خرج إلى البر فصار مسيره لهما جادة فسلكاها فناداهما مناد من السماء : أن دعا الجادة فانه طريق الشياطين إلى عرش إبليس، وخذاذات اليمين. فأخذ ذات اليمين حتى انتهيا إلى صخرة عظيمة وعندها مصلى.
فقال موسى :ما أحسن هذا المكان ينبغي أن يكون لذلك العبد الصالح، فلم يلبثا أن جاء الخضر حتى انتهى إلى ذلك المكان والبقعة، فلما قام عليها اهتزت خضرا، قالوا: وإنما سمى الخضر لانه لا يقوم على بقعة بيضاء إلا صارت خضراء، فقال موسى عليه السلام: السلام عليك يا خضر، فقال: وعليك السلام يا موسى، يا نبي بني إسرائيل، فقال: ومن أدراك من أنا .
قال : أدراني الذي دلك على مكاني، فكان من أمرهما ما كان و ما قصه القرآن العظيم)( ).
والتعبير عند المسلمين علم لـه قوانينه الكلية واصولـه العامة في الجملة، وكان للقرآن الموقع الاساسي في بلورة معالمه وتثبيت اسسه وتحديد قواعده حيث يفزع المعبر اولاً الى القرآن لما ثبت من صحة التاويل فيما يرجع اليه وما يستدل بآياته.
اللجوء إلى القرآن لتأويل الرؤيا
الحمد لله الذي جعل القرآن تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، ومنه استنباط تأويل الرؤيا الصادقة من آيات القرآن ممن له علم بآيات التنزيل وأسباب النزول ، ومعاني ودلالات الآية القرآنية.
(محمد بن يوسف القاضي يقول اعتل أبي علة شهورا فأتيته ذات يوم ودعا بي وبإخوتي أبي بكر وأبي عبد الله فقال لنا رأيت في المنام كان قائلا يقول كل لا واشرب لا فإنك تبرأ فقال له أخي أبو بكر إن لا كلمة وليست بجسم ولا ندري ما معنى ذلك وكان بباب الشام رجل يعرف بأبي علي الخياط حسن الدراية بعبارة الرؤيا فجئنا به فقص عليه المنام.
فقال ما أعرف تفسير ذلك ولكني اقرأ في كل ليلة نصف القرآن فاخلوني الليلة حتى أقرأ رسمى من القرآن وافكر في ذلك فلما كان من الغد جاءنا.
فقال مررت البارحة وأنا أقرأ على هذه الآية شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ فنظرت إلى لا وهي شجرة الزيتون اسقوه زيتا وأطعموه زيتونا قال ففعلنا فكان سبب عافيته) ( ).
لذلك اتفق اهل التعبير على ان كلمة (أف) مثلاً في المنام تعني عقوق الوالدين لقولـه تعالى فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ .
ولقد اشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى وجوب الرجوع الى القرآن في تأويل الرؤيا ودراستها ولا غرابة في ذلك لأن فيه تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، عن أمير المؤمنين عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يغترن أحدكم بالرؤيا يراها أو ترى لـه ولكن ليعرض نفسه على كتاب الله عز وجل فان كان عاملاً به فليفرح وان كان غير ذلك فليعلم انها من الشيطان( ).
منافع معنوية للرؤيا
لقد ساهمت الرؤيا في تثبيت أقدام المسلمين وحالت دون الفشل وهو الضعف مع الفزع وكذلك التنازع أي الاختلاف الذي يرقى إلى أحد أشكال الصراع وكأن أحد الطرفين يسعى إلى قلع الآخر من مكانه، ولأن الكبرى الكلية هي حفظ الاسلام وايجاد اسباب منعته وقوته فكانت الرؤيا من بين تلك الاسباب هبة وفضلاً من الله تعالى من غير مجهود وسعي.
والآية تفتح باباً على أهمية العامل النفسي وأثره الفعال في مجرى الأحداث وسير المعارك ذلك العنصر الذي التفت إليه القادة العسكريون في القرن العشرين فأولوه أهمية وانفاقاً ونشاطاً.
وان كان المسلمون ومنذ معارك الدعوة والدفاع الأولى يحسنون توظيفه والانتفاع منه بما أدبهم الله في القرآن ورسوله، فمثلاً لما سألوا أمير المؤمنين عليه السلام عن الخضاب أخبرهم بأن المسلمين كانوا يخضبون أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم كي يراهم العدو وهم بمظهر القوة والشدة أما الآن وقد كثر المسلمون فالأمر بالخيار .
فالرؤيا تشد العزائم وتبعث الأمل او تلقي الاضواء على مواطن الخطر وتنبه الى لزوم الحيطة والحذر.
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستقبل المصلين( ) بعد أن يصلي الصبح ويسألهم : هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا( )، لتنمية ملكة العناية بالرؤيا والتدبر في معانيها ودلالاتها ، ولتعليم المسلمين كيفية تلقي نبأ الرؤيا ، فاذا قال رجل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : أنا رأيت ، قال خير تلقاه وشراً توقاه .
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحدث أصحابه برؤياه ، ويخبرهم عن تأويلها.
(عن أبي أمامة قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد صلاة الصبح فقال: (إني رأيت رؤيا هي حق تعقلونها، أتاني جبريل عليه السلام، فأخذ بيدي، فاستتبعني حتى أتى بي جبلا طويلا وعرا، فقال لي: ارق، فقلت: لا أستطيع .
فقال: سأسهله لك، فجعلت كلما رقت قدمي وضعتها على درجة، حتى استوينا، على سواء الجبل.
فانطلقنا، فإذا نحن برجال ونساء مشققة أشداقهم، فقلت: من هؤلاء، قال: هؤلاء الذين يقولون ما لا يعلمون، ثم انطلقنا، فإذا نحن برجال ونساء ممدودة أعينهم وآذانهم، قلت: ما هؤلاء .
قال: الذي يرون أعينهم ما لا يرون، ويسمعون آذانهم ما لا يسمعون، ثم انطلقنا.
فإذا نحن بنساء معلقات بعراقيبهن، مصوبة رؤوسهن، تنهش أثداءهن الحيات، فقلت: ما هؤلاء .
قال: الذين يمنعن أولادهم من ألبانهن، ثم انطلقنا، فإذا نحن برجال ونساء معلقات بعراقيبهن، مصوبات رؤوسهن، يلحسن من ماء قليل وحمأة قلت: ما هؤلاء .
قال: الذين يصومون ويفطرون قبل تحلة صومهم، ثم انطلقنا فإذا نحن برجال ونساء أقبح شئ منظرا وأقبحه لبوسا، وأنتنه ريحا كأنما ريحهم المراحيض، قلت: ما هؤلاء.
قال: هؤلاء الزانون والزناة، ثم انطلقنا، فإذا نحن بموتى أشد شئ انتفاخا وأنتنه ريحا، قلت: ما هؤلاء .
قال: هؤلاء موتى الكفار، ثم انطلقنا، فإذا نحن نرى دخانا، ونسمع عواء، قلت: ما هذا.
قال: هذه جهنم، فدعها، ثم انطلقنا، فإذا نحن برجال
نيام تحت ظلال الشجرة، قلت: ما هؤلاء .
قال: هؤلاء موتى المسلمين، ثم انطلقنا، فإذا نحن بجوار وغلمان أحسن شئ وجها، وأحسنه لبوسا، وأطيبه ريحا، كأن وجوههم القراطيس، قلت ما هؤلاء .
قال: هؤلاء الصديقون والشهداء والصالحون، ثم انطلقنا، فإذا نحن بثلاثة نفر يشربون خمرا، ويلعبون، فقلت: ما هؤلاء .
فقال: ذاك زيد بن حارثة، وجعفر، وابن رواحة، فملت قبلهم، فقالوا: قدنا لك، قدنا لك، ثم رفعت رأسي، فإذا ثلاثة نفر تحت العرش قلت: ما هؤلاء .
قال: ذاك أبوك إبراهيم، وموسى وعيسى عليهم السلام، وهم ينتظرونك صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)( ).
قانون الرؤيا تذكير بوجوب الإيمان
يبين قوله تعالى لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَجوانب من منافع تعبير الرؤيا لاحتمال ان يعرف الملأ ما هم عليه من ضلالة وجهالة الشرك بقرينة عجزهم الظاهر في تعبير الرؤيا وتأويلها كما انه فرصة سانحة للإصغاء ومناسبة كريمة للاعلان ولو بصورة عرضية لوجوه من المفاهيم والقواعد العامة لعقيدة التوحيد. وليعلموا وجوب عبادة الله تعالى واتباع العالم وليأخذوا مما عنده من العلوم. ولعلهم يخرجون من الحيرة والغفلة فينتبهوا إلى الأحكام التي تستنبط من هذه الرؤيا وتاويلها.
ومن معاني[ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ]وجوه :
الأول : نزاهة وعفة يوسف عليه السلام.
الثاني :ما لحق بك من ظلم وأذى واني لأرجو ان تكون هذه المسألة باباً لخروجك من السجن وفرصة لما سألتني إياه من ذكرك عند الملك.
الثالث : انها ساعة التحدي وامتحان حاسم ومؤثر في طريق النجاة والفوز.
الرابع : مناسبة لبيان العلم وقطف ثماره بإعلاء كلمة التوحيد.
الخامس : لعلهم يعلمون الاسرار الغيبية في الرؤيا.
السادس : الحاجة الى الإيمان ونبذ الشرك.
السابع : يعلمون بقبح فعل امرأة العزيز في مراودة يوسف عليه السلام وصبره وبراءته ، وأن سجنه ظلم محض .
الثامن : لم يرد لفظ [لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ] ( ) في القرآن إلا في الآية أعلاه ، وتخص واو الجماعة الملك وحاشيته ، وأهل مصر ، ومنهم السجناء ، والآية أعم ، إذ تتضمن معنى تعرض بعض الناس للسجن ظلماً ، وتبعث على وجوب إكرام العالم والإنتفاع من علمه ، وعدم وضع العراقيل وما يثبط عمله ، فأحكام الآية متجددة إلى يوم القيامة ، خاصة وأن المدار على عموم المعنى وليس سبب النزول وحده .
بشارة اليهودي بولادة النبي محمد (ص)
(عن عائشة قالت: كان يهودي قد سكن مكة يتجر بها، فلما كانت الليلة التى ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في مجلس قريش: يا معشر قريش هل ولد فيكم الليلة مولود .
فقال القوم: والله ما نعلمه.
فقال الله أكبر، أما إذا أخطأكم فلا بأس، انظروا واحفظوا ما أقول لكم: ولد هذه الليلة نبي هذه الأمة الأخيرة، بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنهن عرف فرس( )، لا يرضع ليلتين، وذلك أن عفريتا من الجن أدخل أصبعه في فمه فمنعه الرضاع.
فتصدع القوم من مجلسهم وهم يتعجبون.
من قوله وحديثه، فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كل إنسان منهم أهله فقالوا: قد والله ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام سموه محمدا.
فالتقى القوم فقالوا: هل سمعتم حديث اليهودي وهل بلغكم مولد هذا الغلام ؟ فانطلقوا حتى جاءوا اليهودي فأخبروه الخبر.
قال فاذهبوا معى حتى أنظر إليه.
فخرجوا به حتى أدخلوه على آمنة فقالوا: أخرجي إلينا ابنك.
فأخرجته وكشفوا له عن ظهره.
فرأى تلك الشامة، فوقع اليهودي مغشيا عليه، فلما أفاق قالوا له: مالك ويلك .
قال : قد ذهبت والله النبوة من بنى إسرائيل، فرحتم بها يا معشر قريش والله ليسطون بكم سطوة يخرج
خبرها من المشرق والمغرب .
وتمر الأيام ويبعث الله عز وجل محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نبياً رسولاً في مكة ويتلقى أكثر رجالات قريش رسالته بالتكذيب وهموا بقتله ، فهاجر إلى المدينة ليجهزوا الجيوش لقتاله فيسقط سبعون منهم قتلى في معركة بدر ، واثنان وعشرون في معركة أحد ، وأربعة في معركة الخندق ، وكانوا هم الغزاة فيها ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يبدأ القتال ، إنما يدعوهم وسط الميدان للتوحيد بندائه (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا)( )، قال تعالى وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
أم النبي محمد (ص) تتحدث عن رؤياها
ذكر أن آمنة بنت وهب أم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كانت (تحدث عن نفسها وتقول أتى لي آت حين مر لي من حمله ستة اشهر فوكزني برجله في المنام وقال يا آمنة إنك حملت بخير العالمين طرا فإذا ولدتيه فسميه محمدا أو النبي شأنك قال وكانت تحدث عن نفسها .
وتقول لقد أخذني ما يأخذ النساء ولم يعلم بي أحد من القوم ذكر ولا أنثى وإني لوحيدة في المنزل وعبد المطلب في طوافه قالت فسمعت وجبة شديدة الواجبة الصرعة وسقوط شئ إلى الأرض كالجدار ، قال تعالى [وَجَبَتْ جُنُوبُهَا] ( ) وأمرا عظيما فهالني ذلك وذلك يوم الاثنين.
ورأيت كأن جناح طير أبيض قد مسح على فؤادي فذهب كل رعب وكل فزع ووجل كنت أجد.
ثم التفتُ فإذا أنا بشربة بيضاء ظننتها لبنا وكنت عطشانة فتناولتها فشربتها فأصابني نور عال ثم رأيت نسوة كالنخل الطوال كأنهن من بنات عبد المطلب يحدقن بي فبينا أنا أعجب وأقول واغوثاه من أين علمن بي واشتد بي الأمر وأنا أسمع الوجبة في كل ساعة أعظم وأهول وإذا أنا بديباج أبيض قد مدّ بين السماء والأرض وإذا قائل يقول :
خذوه عن أعين الناس قالت رأيت رجالا وقفوا في الهواء بأيديهم أباريق فضة وأنا يرشح مني عرق كالجمان( ) أطيب ريحا من المسك الأزفر وأنا أقول ياليت عبد المطلب قد دخل علي.
قالت ورأيت قطعة من الطير قد أقبلت من حيث لا أشعر حتى غطت حجرتي مناقيرها من الزمرد وأجنحتها من اليواقيت فكشف الله لي عن بصيرتي فأبصرت من ساعتي مشارق الأرض ومغاربها ورأيت ثلاث علامات مضروبات علم بالمشرق وعلم بالمغرب وعلم على ظهر الكعبة.
فأخذني المخاض واشتد بي الطلق جدا فكنت كأني مسندة إلى أركان النساء وكثرن علي حتى كأني مع البيت وأنا لا أرى شيئا فولدت محمدا فلما خرج من بطني درت .
فنظرت إليه فاذا هو ساجد وقد رفع أصبعيه كالمتضرع المبتهل ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء تنزل حتى غشيته فغيب عن عيني فسمعت مناديا ينادي يقول طوفوا بمحمد صلى الله عليه و سلم شرق الأرض وغربها وأدخلوه البحار كلها ليعرفوه باسمه ونعته وصورته , ويعلموا أنه سمي الماحي لا يبقي شيء من الشرك إلا محي به.
قالت ثم تخلوا عنه في أسرع وقت فاذا أنا به مدرج في ثوب صوف أبيض اشد بياضا من اللبن وتحته حريرة خضراء وقد قبض محمد ثلاثة مفاتيح من اللؤلؤ الرطب الأبيض وإذا قائل يقول :
قبض محمد مفاتيح النصر .
ومفاتيح الريح.
ومفاتيح النبوة)( ).
البشارة في رؤيا أم النبي محمد (ص)
قال الطبري (224-320)هجرية (حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال يزعمون فيما يتحدث الناس والله أعلم ان آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت تحدث أنها أتيت لما حملت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقيل لها انك قد حملت بسيد هذه الامة فإذا وقع بالارض فقولي :
أعيذه بالواحد من شر كل حاسد ثم سميه محمدا ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت منه قصور بصرى من أرض الشام فلما وضعته أرسلت إلى جده عبد المطلب أنه وقد ولد لك غلام فأته فانظر إليه فأتاه فنظر إليه وحدثته بما رأت حين حملت به وما قيل لها فيه وما أمرت أن تسميه) ( ) ويدل الحديث على أن آمنة أم النبي من الموحدين .
وصار البيت الذي ولد فيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مسجداً.
وظل الخلفاء والولاة والحكام يتعاهدون هذا المسجد ، ويقومون بترميمه إلى أن صار آيلاً إلى السقوط في بدايات القرن العشرين ، فتم تحويله إلى مكتبة مكة العامة .
وقال ابن جبير في رحلته الأولى (579-581) هجرية فمن مشاهدها أي مشاهد مكة (التي عايناها قبة الوحي، وهي في دار خديجة أم المؤمنين، ، وبها كان ابتناء النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وآله وسلم بها، وقبة صغيرة أيضاً في الدار المذكورة فيها كان مولد فاطمة الزهراء ، وفيها أيضاً ولدت سيدي شباب أهل الجنة : الحسن والحسين (عليهم السلام)( ) وهذه المواضع المقدسة المذكورة مغلقة مصونة قد بنيت بناء يليق بمثلها. ومن مشاهدها الكريمة أيضاً مولد النبي، صلى الله عليه وآله وسلم ، والتربة الطاهرة التي هي أول تربة مست جسمه الطاهر.
بني عليها مسجد لم ير أحفل بناء منه، أكثره ذهب منزل به. والموضع المقدس الذي سقط فيه، صلى الله عليه وآله وسلم ، ساعة الولادة السعيدة المباركة التي جعلها الله رحمة للأمة أجمعين محفوف بالفضة.
فيا لها تربة شرفها الله بأن جعلها مسقط أطهر الأجسام ومولد خير الأنام، صلى الله عليه وسلم الله عليه وعلى آله وأهله وأصحابه الكرام وسلم تسليماً.
يفتح هذا الموضع المبارك فيدخله الناس كافة متبركين به في شهر ربيع الأول ويوم الاثنين منه، لأنه كان شهر مولد النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وفي اليوم المذكور ولد،صلى الله عليه وآله ، وتفتح المواضع المقدسة المذكورة كلها. وهو يوم مشهود بمكة دائماً)( ).
وسبب رحلة ابن جبير من غرناطة أن أميرها ابا سعيد بن عبد المؤمن أمير الموحدين استدعاه ليكتب له كتاباً وهو على شرابه المسكر فناوله قدحاً من النبيذ فأبى ابن جبير تناوله من يد الأمير ، ولكن الأمير أقسم عليه يميناً مغلظة ليشربن من النبيذ سبعة أقداح فشربها صاغراً خائفاً على نفسه من السجن أو القتل عندئذ رد له أبو سعيد سبعة أقداح مملوءة بالدنانير الذهبية فتحققت الإستطاعة عند ابن جبير لقوله تعالى [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً] ( ) وأراد أن يكفر عن خطيئته ، فخرج من غرناطة قاصداً الحج يوم الخميس 8 شوال 578 ومعه صديقه أحمد بن حسان لأداء فريضة الحج.
رؤيا ملك اليمن ببعثة النبي محمد (ص)
عن(محمد بن إسحاق: وكان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التبابعة، فرأى رؤيا هالته وفظع بها ، فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا ولا منجما من أهل مملكته إلا جمعه إليه، فقال لهم: إنى قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها، فأخبروني بها وبتأويلها.
فقالوا: اقصصها علينا نخبرك بتأويلها.
فقال : إنى إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم بتأويلها، لانه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها.
فقال له رجل منهم: فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى شق وسطيح، فإنه ليس أحد أعلم منهما، فهما يخبرانه بما سأل عنه) ( ).
لقد كان ربيعة هذا من أضعف ملوك التابعة ، وعندما رأى الرؤيا جمع الكهنة والسحر والمنجمين من أهل مملكته وأخبرهم عن وقوع الرؤيا له ، وأراد منهم ذكر ذات الرؤيا فعجزوا عنه .
والمختار أن الرؤيا سر بين الله والعبد ، لا يطلع عليها أحد من الناس ، إلا أن يكون نبياً يتكلم بالوحي ومعصوماً ، وليس بعلم خاص به كالكهانة ، إلا أن يكون التأويل بمعرفة تأريخ النبوة وبشارات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والفراسه بأنه لم يفزع الملك إلا ما يخص ملكه الذي هو زائل ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
فأخبره الملك بأنه يريد أن يسمع منه ذات الرؤيا .
قال سطيح : نعم أفعل ، أنا أخبرك بالرؤيا التي رأيتها أنت أيها الملك ، ثم قدم عليه شق فكتمه ما قال سطيح فقال شق (رأيت حممة خرجت من ظلمة، فوقعت بين روضة وأكمة، فأكلت منها كل ذات نسمة.
فلما قال له ذلك عرف أنهما قد اتفقا وأن قولهما واحد، إلا أن سطيحا قال ” وقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة) ( ).
والحممة قطعة من النار والتهمة أرض منخفضة ومنه سميت تهامة ، والمراد من كل ذات جمجة أي أكل أكلت كل حي .
فأمضى الملك كلامه ، وأعلن عن صدق إخباره عن رؤياه ثم سأله عن تأويله .
قال سطيح (أَحْلِفُ بِمَا بَيْنَ الْحَرّتَيْنِ مِنْ حَنَشٍ لَتَهْبِطَن أَرْضَكُمْ الْحَبَشُ فَلَتَمْلِكَن مَا بَيْن أَبْيَنَ إلَى جُرَش ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ وَأَبِيك يَا سَطِيحُ إنّ هَذَا لَنَا لَغَائِظٌ مُوجِعٌ فَمَتَى ، هُوَ كَائِنٌ .
أَفِي زَمَانِي هَذَا ، أَمْ بَعْدَهُ .
قَالَ لَا ، بَلْ بَعْدَهُ بِحِينِ أَكْثَرَ مِنْ سِتّينَ أَوْ سَبْعِينَ يَمْضِينَ مِنْ السّنِينَ قَالَ أَفَيَدُومُ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِهِمْ أَمْ يَنْقَطِعُ .
قَالَ لَا ، بَلْ يَنْقَطِعُ لِبِضْعِ وَسَبْعِينَ مِنْ السّنِينَ ثُمّ يُقْتَلُونَ وَيَخْرُجُونَ مِنْهَا هَارِبِينَ قَالَ وَمَنْ يَلِي مِنْ ذَلِكَ مِنْ قَتْلِهِمْ وَإِخْرَاجِهِمْ .
قَالَ يَلِيهِ إرَمُ ( بْنُ ) ذِي يَزَنَ ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ مِنْ عَدَنَ ، فَلَا يَتْرُكُ أَحَدًا مِنْهُمْ بِالْيَمَنِ قَالَ أَفَيَدُوم ذَلِكَ مِنْ سُلْطَانِهِ أَمْ يَنْقَطِعُ .
قَالَ لَا ، بَلْ يَنْقَطِعُ قَالَ وَمَنْ يَقْطَعُهُ .
قَالَ نَبِيّ زَكِيّ ، يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنْ قِبَلِ الْعَلِيّ) ( ).
ثم سأل الملك : وممن هذا النبي الذي يقطع الله به ملك الحبشة ونحوهم على اليمن ، ويكون اليمن تحت حكم النبي .
قال سطيع (رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّضْرِ ، يَكُونُ الْمُلْكُ فِي قَوْمِهِ إلَى آخِرِ الدّهْرِ .
قَالَ وَهَلْ لِلدّهْرِ مِنْ آخِرٍ .
قَالَ نَعَمْ يَوْمٌ يُجْمَعُ فِيهِ الْأَوّلُونَ وَالْآخِرُونَ يَسْعَدُ فِيهِ الْمُحْسِنُونَ وَيَشْقَى فِيهِ الْمُسِيئُونَ قَالَ أَحَقّ مَا تُخْبِرُنِي .
قَالَ نَعَمْ وَالشّفَقُ وَالْغَسَقُ وَالْفَلَقُ إذَا اتّسَقَ إنّ مَا أَنْبَأْتُك بِهِ لَحَقّ) ( ).
بشارات نبوة محمد (ص) في أروقة الملوك
لقد جاءت البشارات برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على لسان الأنبياء السابقين ، والكتب السماوية المنزلة عليهم ، فلا غرابة أن يكون معلوماً عند أتباعهم وعند الكهنة والمنجمين الذين يطلعهم الجن ، ويستقرأون الوقائع التي تقع على الأرض لأن ما يحدث في الأرض يرى في السماء على نحو الإجمال لعظيم قدرة الله في الترابط بين العالم العلوي والعالم السفلي .
ليتهيئ الناس جميعاً لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فمن يتبع الأنبياء ، ويصّدق بالتنزيل يتلقى البشارات من الكتب السماوية السابقة، ومن يأخذ بأخبار الكهنة والسحرة والمنجمين يسمع بالبشارات بالنبوة منهم لأنه إنقلاب في الحياة الإجتماعية نحوالإصلاح والأمن والسلم ، ولتقوم الحجة على الناس .
ويمكن القول بأن إخبار الكهنة ونحوهم عن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فرع البشارات النبوية ، وما ورد في الكتب السماوية السابقة ، وهؤلاء الكهنة يتوارثون ما جاء به الأنبياء من علوم الغيب ليظهروا للناس أنهم يعلمون حوادث المستقبل باجتهادهم وعلمهم ، وما يلقيه عليهم الجن.
ومن أخبار الأنبياء ما فُقدت ولم يتوارثها أهل بيتهم وأنصارهم ، ولكن الكهنة تلاقفوها يداً بيد ليتخذوا منه وسيلة لكسب المال ، وللتقرب إلى الملوك ، والاحتراز لقادم الأيام ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ( ) إذ ينقل الكهنة البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أنه يأتي بتحريم الكيانة والسحر والتنجيم لأنهم يعلمون أنه ليس من سبيل إلى منع ظهور دولته.
فلابد أن تعلو راية الإسلام خاصة وأن الكهنة ليس عندهم جنود أو دول أو أتباع ، إنما يعتمدون على جهدهم الشخصي في جذب الناس لكشف ما يلقون من الأحداث ، وشطر من أقوالهم غير صحيحة لعدم إطلاعهم على أسرار الغيب ، ولأن الله عز وجل يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ.
أخبار النبوة من علم الغيب
لقد أراد الله عز وجل للناس أن يؤمنوا بقانون من الإرادة التكوينية ، وهو أن علم الغيب خاص به تعالى لا يطلع الملائكة والأنبياء والناس إلا بما شاء ، وفيه نفعهم ومصلحتهم ، ومنها أخبار بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه وآله وسلم ، وقد جاءت على لسان الأنبياء .
وورد في التنزيل على لسان عيسى عليه السلام [وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ] ( ) .
ومن معاني الآية أعلاه دعوة أهل الكتاب إلى حسن الصلة مع المسلمين، وحض المسلمين إلى حسن المعاملة مع أهل الكتاب ، لتكون هذه الآية زاجراً عن الإرهاب ، وهو من أسرار البشارة في القرآن بأنها طريق إلى الهداية والصلاح والأمن والسلامة ، قال تعالى َلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ.
ولقد بشّر آدم عليه السلام بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتكون هذه البشارات دعوة نبوية سابقة للتصديق برسالته ، ومانعاً من محاربته.
تصديق قوم بنبوة محمد (ص) وفق الرؤيا
من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الغيرية تجلي مقدمات نبوته بشواهد حسية مثل غور ماء ساوة وإرتجاج إيوان كسرى ليلة ولادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنها الرؤى التي رأها الناس في مكة والمدينة وفي الجادة العامة بما يكون سبباً لدخول الناس الإسلام من السنين الأولى لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من مصاديق يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا.
إلى جانب المعجزة العقلية وهو آيات القرآن والمعجزات الحسية.
من منافع الرؤيا
وربما يقف الباحث متأملاً عند اخبار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاصحابه صبيحة يوم أحد قائلاً: رأيت في سيفي ثلمة ولقد تعرض المسلمون في يوم أحد لخسائر واضرار جسيمة.
وليس لمنافع الرؤيا من حصر ، ولا يحصيها إلا الله عز وجل ومنها تقريب الأمل ، ودفع البلاء ، وهي مناسبة للإجتهاد بالدعاء لتنجز مضامينها في الخير ، وطرد شبح البلاء ، ومنها التقليل من قيمة الخسائر لقولـه صلى الله عليه وآله وسلم في سيفي ثلمة وهذا يعني الضرر النسبي والذي ينحصر بالجزء دون الكل والاصل.
ومن ثم يعود اثر المردود المعنوي والجهادي ايجابياً وكبيراً بعد المعركة بتلقي تلك الخسارة بعزيمة وتحد لوجود ارضية واستعداد نفسي مما يساعد في اجتماع المسلمين وحسن تهيئهم للعدو ومن معاني قولـه تعالى ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ إظهار حال الرضا بما جرى يوم أحد والثقة بالنصر والفرج واتساع رقعة الاسلام عزيزاً.
التمييز في الرؤيا
عن أبي قتادة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : الرؤيا من الله والحلم من الشيطان)( )، مما يعني التفصيل في الحكم وان الرؤيا امر حسن وخير محض والحلم شر واذى ومنه قوله تعالى { أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ }( )، وسمي الانزال والوطئ في المنام بالاحتلام (مجازاً ) ودلالتها أعم ، وهي خالية من الدلالة والموعظة.
وعن (عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه عليه السلام قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن الرجل ينام فيرى الرؤيا فربما كانت حقا، وربما كانت باطلا .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي ما من عبد ينام الاعرج بروحه إلى رب العالمين، فما رأى عند رب العالمين فهو حق، ثم إذا أمر الله العزيز الجبار برد روحه إلى جسده ، فصارت الروح بين السماء والارض، فما رأته فهو أضغاث أحلام)( ).
لبيان أن التباين في صفة ومراتب الرؤيا بفضل ولطف من عند الله عز وجل.
لذا ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال (من رأى أنه في الحرم وكان خائفا أمن)( ).
لبيان لزوم إكرام المسلمين البيت الحرام ، ومنافعه حتى في عالم الرؤيا ، وتجلي المصداق الواقعي لهذه الرؤيا ، قال تعالى أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ.
وفيه بعث لإقتباس الدروس والتدبر في الإعجاز الإلهي بتغشي صبغة الأمن للبيت الحرام .
وقد ورد ذكر هذه الآية والحديث أعلاه في الجزء الثالث والخمسين بعد المائتين من تفسيري للقرآن وهو خاص بقانون (التضاد بين القرآن والإرهاب).
الكذب بادعاء رؤيا مخصوصة
الحلم بضم الحاء او بضمها وضم اللام –رؤيا في المنام , والجمع احلام ويقال حلم يحلم : اذ رأى في المنام، قال ابن سيده : حلم في نومه يحلم واحتلم .
قال بشر بن أبي حازم أحق ما رأيت ام احتلاما ً .
و(عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : من تحلم كاذبا كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين ولن يعقد بينهما .
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح( ).
وعن علي (عليه السلام) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : من كذب في حلمه كلف يوم القيامة عقد شعيرة)( ).
أي انه ادعى رؤيا معينة كذباً , وفيه مسألة وهي ان موضوع الرؤيا ادنى درجة من اليقظة , وقد يقال اذا كان الانسان كذب في حال اليقظة ولا يعاقب مثل هذه العقوبة , فمن باب اولى ان لا يعاقب بها في قصة منام ورؤيا , ولكن العقاب يترتب على الكذب وهو قبيح ذاتاً وأثراً.
ويدل الحديث أعلاه على عظيم منزلة الرؤيا وما يتفرع عنها من أحكام ودلالات وانها صلة بين روح العبد وبين باريها، اما بالنسبة الحلم من الشيطان فانها تختلف موضوعاً وحكماً , وهي ايضاً مناسبة للدعاء والتخلص منها .
حرمة الكذب في الرؤيا( )
الرؤيا عالم خاص فيه من علم الغيب والكشف ، فيرى الإنسان الرؤيا ، ولا يطلع عليها إلا الله عز وجل ، وتحتمل الرؤيا وجوهاً :
الأول : الرؤيا بأمر واذن من عند الله عز وجل.
الثاني : تختص الرؤيا الصادقة بأنها من عند الله عز وجل .
الثالث : الرؤيا من سنخية خلق الإنسان وحاله ، وأثر الأخلاط عنده .
الرابع : التفصيل فشطر من الرؤيا بأذن من الله عز وجل ، وشطر أضغاث أحلام ، وفي التنزيل قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ.
والمختار أن الرؤيا مطلقاً باذن من عند الله عز وجل ، ولا تأتي الرؤيا للعبد إلا بأمر واذن من عند الله بما فيها أضغاث الأحلام .
وحذر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الكذب في الرؤيا من جهات :
الأولى : الكذب على الله في الرؤيا ، لأن الرؤيا حبل لله عز وجل بينه بين روح العبد ، فتأتيه البشارة والإنذار في المقام ، فادعاء الرؤيا أمر ضار ، و(عن عبادة بن الصامت : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) ( ).
ولا تختص حرمة الكذب في الرؤيا بما يرويه الإنسان عن نفسه كذباً ، بل يشمل نسبة الرؤيا لغيره افتراءً ، كما لو قال : إن فلاناً رأى رؤيا كذا وهو لم يرها ، ولم يذكر أنه رأى تلك الرؤيا.
الثانية : الكذب على رسول الله في الرؤيا بأن يدّعي الإنسان أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم , و(عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن من أعظم الفراء من يقول علي ما لم أقل، ومن أرى عينيه في النوم ما لم تريا، ومن ادعى إلى غير أبيه)) ( ).
لبيان الشأن العظيم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى في عالم الرؤيا ولأن رؤيته في المنام رؤيا صادقة لا يقربها الشيطان ولزوم عدم الرؤيا الكاذبة ، ولطرد الغفلة عن الناس .
الثالثة : الكذب بالرؤيا للمزاح والسخرية ونحوها ، أو لتحقيق غايات شخصية، أو لمعرفته بالتأويل العام للرؤيا التي يدعي .
وعن (ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : [ من تحلم كاذبا كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين ولن يعقد بينهما ]) ( ).
ورؤيا الإنسان ليس بحجة ، عدا رؤيا الوحي التي تأتي للأنبياء ، لبيان الأولوية في حرمة الكذب في الواقع والحقيقة ، فاذا كان الكذب في الرؤيا محرماً ومنهياً عنه ، وفيه الإثم والعقوبة يوم القيامة ، فان الكذب في الواقع أشد ضرراً وإثماً وعقوبة ، والتوقي والتنزه عن الإرهاب ينجي الإنسان من الكذب في اليقظة والرؤيا .
فلا يلجأ إليه عند السؤال والمسائلة ، وحتى الإخبار إبتداءً ، وهل يكون الكذب في الرؤيا من عمومات الكذب ، والإنذار منه والذي ورد (عن أبي بكر الصديق قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البر وهما في الجنة ، وإياكم والكذب فإنه يهدي إلى الفجور وهما في النار.
ولا يزال الرجل يصدق حتى يكتب عند الله صديقاً ، ولا يزال يكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) ( ) الجواب نعم .
آيات الرؤيا وتأويلها
وردت الرؤيا وتأويلها في آيات متعددة من القرآن وهي :
الآية الأولى : قوله تعالى إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.
مزاحمة الرؤيا للرؤية البصرية
لقد أخبرت آية البحث عن رؤيا للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم واقعة بدر وقبل بدء القتال بأن رآى النبي صلى الله عليه وآله وسلم جيش المشركين قليلاً.
وهذه الآية أول آية في نظم القرآن تتحدث عن الرؤيا ، لقد كان عدد جيش المشركين تسعمائة وخمسين ، وعدد جيش المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر ، أي أن عدد المشركين في الميدان أكثر من ثلاثة أضعاف عدد المسلمين.
فجاءت الرؤيا للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقِلة عددهم فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بقلة عدد المشركين في الرؤيا.
ومن معانيه بشارة سلب الله لقوتهم وأثرهم في الميدان.
فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بالرؤيا ففرحوا ووطنّوا أنفسهم على ملاقاة المشركين وإن كان عددهم في الواقع كثيراً.
وهذا من الإعجاز من جهة التباين بين العدد في الرؤيا والعدد في الواقع والتصديق بالرؤيا التي هي خلاف الواقع.
الرؤيا في الميدان
الأصل هو التصديق بالواقع والحس بآلة البصر حيث يرى المسلمون كثرة عدد المشركين وأسلحتهم وبآلة السمع لجعجعة الأسلحة وحركة الخيل في الميدان ، والسهام التي يرميها المشركون على خيام المسلمين ، ولكن حضرت الرؤيا يوم بدر معجزة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم .
لبيان قانون منافع الرؤيا في الميدان ، إذ تزاحمت مع الرؤية البصرية ، فغلبت الرؤيا وهو فرد نادر في تأريخ الإنسانية لوجوه :
الأول : هذه الرؤيا من الوحي .
الثاني : حاجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للرؤيا التي تتضمن التخفيف عنهم ، وشحذ الهمم .
الثالث : قانون رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم برزخ دون الفشل والخلاف بين الصحابة ، لذا قال تعالى وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ.
الرابع : رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مقدمة للنصر على المشركين فبعد هذه الرؤيا ببضع ساعات سقط سبعون من المشركين وانهزم الباقون ، وتم أسر سبعين آخرين منهم للدلالة على صدق رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولبيان أن قوله تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ، أعم من أن تنحصر بذات رؤيا دخول المسجد الحرام في عمرة القضاء في السنة السابعة ، إنما هو للدلالة على قانون كل رؤيا وحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تتجلى في الواقع بفضل ولطف من عند الله عز وجل ، ويحتمل قوله تعالى وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وجوهاً :
الأول : ولو أراكهم في الرؤيا كثيراً .
الثاني : ولو أراكهم في الواقع كثيراً لفشلتم كما في قوله تعالى إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.
الثالث : الفرد الجامع للرؤيا والواقع .
والمختار هو الثاني ، لبيان قانون المعجزة العامة في اليقظة أظهر وأقوى من المعجزة عن رؤيا مع الإقرار بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يخبر أصحابه برؤياه حتى إذا كان فيها أذى كما في رؤياه عند التوجه إلى معركة أحد ، وهذا الإخبار يشرك الصحابة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في موضوع ومنافع الرؤيا يوم بدر.
الرؤيا والكذب
الكذب خلاف الصدق. والكذب مذموم شرعاً وعقلاً وعرفاً بمقدار وقوفه نقيضاً للصدق وصفة تخرج صاحبها من الإيمان. ولكل نوع من الكذب اضرار وعواقب خاصة او عامة.
والكذب في الرؤيا تلفيق وزور، وجعل الانسان لرؤيا لم يكن لها نصيب من فكره ونفسه في المنام أمر تترتب عليه عقوبة في الآخرة وتولد النصب والجهد والعناء، الى جانب ما يحتمل لها من اضرار واذى في الواقع الشخصي والجماعي.
و(عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ إِنَّ مِنْ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ أَوْ طَلَبَ بِدَمِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَوْ بَصَّرَ عَيْنَيْهِ فِي النَّوْمِ مَا لَمْ تُبْصِرَا)( ).
عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام (في حديث المناهي قال : نهى رسول الله صلّى الله عليه وآله أن يكذب الرجل في رؤياه متعمّداً ، وقال يكلّفه الله يوم القيامة أن يعقد شعيرة وما هو بعاقدها)( ).
وقال بعضهم ان الكاذب في رؤياه مدعي النبوة كاذباً وفي هذا القول اقحام تعسفي لموضوع خطير تترتب عليه آثار واحكام جسام وهو ادعاء النبوة، وفي مقام الحكم والافتاء يلزم الاحتياط في الدماء ، وموضوع الرؤيا مختلف تماماً خصوصاً مع القاعدة الفقهية الكلية “ادرؤا الحدود بالشبهات”.
ان سعي الفقهاء الاستدلالي ورجال الفكر في الاسلام الى ايجاد ضوابط سليمة واسس لعلم الرؤيا وتاويلها قائمة على الصدق والثقة والتسليم امر حسن وتأديب في الشريعة مقبول.
روي ان رجلاً قال لرجل على عهد أمير المؤمنين عليه السلام: اني احتلمت بأمك، فرفعه الى أمير المؤمنين عليه السلام فاجاب عليه السلام بعد ان سمع المسألة كاملة: في العدل ان شئت اقمته لك في الشمس فاجلد ظله فان الحلم مثل الظل ولكنا سنضربه حتى لا يعود يؤذي المسلمين)، فحصر عليه السلام العقوبة بالعنوان الثانوي وما ترشح عن الرؤيا من ايذاء لأحد المسلمين سواء كانت صادقة او كاذبة، ونعتها بالايذاء من قبل أمير المؤمنين يدل بالدلالة الالتزامية على أنها كذب.
وكان للخليفة العباسي المتوكل مئات الجواري ، منهن محبوبة التي يحبها وقال علي بن الجهم (غاضب المتوكل يوماً محبوبة وهجرها ومنع جواريها جميعاً من كلامها، ثم نازعته نفسه إليها وأراد ذلك، ثم نازعته العزة منها وامتنع من ابتدائها، وامتنعت من ابتدائه دلالاً عليه لمحلها منه. قال علي: فبكرت إليه يوماً .
فقال لي: يا علي، إني رأيت البارحة في نومي كأني صالحت محبوبة. فقلت: أقر الله عينك يا أمير المؤمنين وأنامك على خيرٍ وأيقظك على سرورٍ! أرجو أن يكون هذا الصلح في اليقظة.
فبينا هو يحدثني وأحدثه إذا بوصيفةٍ قد جاءت فأسرت إليه شيئاً، فقال: أتدري ما أسرت إلي هذه .
قلت: لا. قال: حدثتني أنها اجتازت بمحبوبة الساعة وهي في حجرتها تغني، أفلا تعجب من هذا ، أنا مغاضبها وهي متهاونةٌ بذلك، لا تبدؤني بصلحٍ ثم لا ترضى حتى تغني في حجرتها، فقم بنا نسمع ما تغني. ثم قام وتبعته حتى انتهى إلى حجرتها، وإذا هي تغني :
أدور في القصر لا أرى أحداً … أشكو إليه ولا يكلمني
حتى كأني أتيت معصيةً … ليست لها توبةٌ تخلصني
فهل لنا شافعٌ إلى ملكٍ … قد زارني في الكرى وصالحني
حتى إذا ما الصباح لاح لنا … عاد إلى هجره فصارمني
فعجب المتوكل، وأحست بمكانه فأمرت بخدمها فخرجوا وتنحينا، وخرجت إليه فحدثته أنها رأته في منامها فانتبهت وقالت هذه الأبيات وغنت فيها، فحدثها هو أيضاً رؤياه واصطلحا. فلما قتل المتوكل سلاه جميع جواريه غيرها، فإنها لم تزل حزينةً هاجرةً لكل لذةٍ حتى ماتت. ولها فيه ميراث)( ).
والمختار لا أصل لرؤية المتوكل وجاريته في ليلة واحدة رؤيا متشابهة بسبب سخط بينهما وصلة فيها غناء ولهو ونحوه .
قانون الإعجاز العددي في الميدان
وقلة عدد المشركين بأعين المسلمين في الواقع فقوله تعالى وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا.
ثم بينت الآية الكريمة الأضرار العامة للمسلمين لو أراهم الله عدد المشركين في ميدان معركة بدر كثيراً ومنه الفشل أي الخور والجبن ومنه الخصومة والشقاق لقوله تعالى وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ.
ويكون الفشل والتنازع في الميدان سبباً للخسارة والهزيمة ، فصدهما الله عز وجل عن المسلمين.
وهناك قسيم ثالث للرؤيا في الآية وهو
ترى ماذا لو لم يجعل الله عز وجل النبي محمداً وأصحابه يرون عدد المشركين قليلاً ولا كثيراً.
الجواب نظر كثرة المشركين في الواقع فعدم الرؤيا في المقام بجعل المسلمين يرون عدد المشركين كثيراً حسب الواقع ونظر العين.
قال عبد الله بن مسعود (لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي : أتراهم سبعين؟ قال : أراهم مائة ، فأسرنا رجلاً منهم فقلنا له : كم كنتم؟ قال : ألفاً)( ).
[إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ] الله سبحانه أعلم بالنوايا وما يضمره الإنسان في قلبه من المقاصد القريبة والبعيدة ، وقال تعالى بعد هذه الآية وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.
حتى قال بعض المشركين أن محمداً وأصحابه أَكَلَة رأس أي أنهم كالجماعة القليلة التي تجتمع على أكل رأس جزور سرعان ما ننقض عليهم ، وفيه استدراج للمشركين ، وليتم النصر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بفضل ومدد من عند الله عز وجل .
الرؤيا علم
لقد ألبس الاسلام الرؤيا لباس العلم ووضع لـه قواعده وسننه وبيّن منافعه عبر القرآن الذي هو المصدر الأول للتشريع، والسنة التي هي بيان للقرآن والمصدر الثاني للتشريع .
لذا ترى تلك الشعوب والأمم الذي بيّنا أهم فصولـه يتصاغر امام قواعد الرؤيا في الاسلام وهو من دلائل افضلية الاسلام واعجاز القرآن إذ وردت الرؤيا وتأويلها في آيات متعددة من القرآن.
وان الرؤيا التي عند المسلمين في موضوعها ودلالالتها ووظائفها الاخلاقية والاجتماعية والسياسية والدينية والدنيوية منها والاخروية غير التي عند تلك الشعوب وإن كانت رؤاهم هي الأخرى نعمة ورحمة من عند الله عز وجل .
ان عناية المسلمين وعبر التاريخ بالرؤيا وتأويلها والمنزلة الروحية والواقعية عندهم للرؤيا وجوداً وعلماً ترك لشعوب الارض القديمة منها والحديثة رصيداً وكنزاً لا تســتطيع الاسـتغناء عنه.
أي أن ما تطّلع عليه من تجــارب اهل الارض في ميـدان الرؤيا انما هو راجع الى فضل الله خصوصاً ما جاء به الانبياء وتركوه باقياً من بعدهم تتوارثه الشعوب.
فلقد كان الإيمــان والهدى أول ما وجد على ســطح الارض.
وكان آدم ابو البشر نبياً قال تعالى وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا . فكانت الرؤيا عنده بمنزلة الوحي.
وبقيت آثار تلك المنزلة وضياؤها يتوارثه ابناؤه مع امتداد وتعاقب اجيالهم وانتشارهم في الارض التي جعلها الله مستقراً ومقاماً حتى حين ، قال تعالى حكاية عن النبي صالح ينذر قومه ثمود وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ.
الرؤيا في معركة أحد
لقد امتلأت قلوب مشركي قريش بالغيظ والحنق بسبب خسارتهم المفاجئة في معركة بدر ، إذ أنهم أصروا على القتال يوم بدر لعلمهم بقلة عدد المسلمين وأسلحتهم ومؤنهم ، ولم يعلموا بمجئ النصر من عند الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من غير أسباب وعلة مادية ظاهرة ، قال تعالى وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا.
ومنع رؤساء قريش البكاء وأظهار الحزن على قتلى بدر كي لا يشمت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، ودبيب اليأس والقنوط إلى نفوس المشركين ، ولمنع تدبر الناس بنصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووجوه الإعجاز فيه ، ودخول الناس رجالاً ونساءً الإسلام .
وحالما عادت فلول قريش من معركة بدر انشغلوا وشغلوا أهل مكة والقبائل المحيطة بمكة من عامة الحلفاء بالإعداد لمعركة أحد ، حتى زحفوا بثلاثة آلاف رجل في شوال من السنة الثالثة للهجرة ، وصاروا على مشارف المدينة بقصد قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإبادة الجماعية للمهاجرين والأنصار.
فعندما سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقدوم جيوش قريش (خطب الناس وقال في خطبته : إِنِّي رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّ فِي سَيْفِي ثلمَةُ فَأَوَّلْتُهَا مصِيبَةً فِي نَفْسِي ، وَرَأَيْتُ بُقُوراً قَدْ ذُبِحَتْ ، فَأَوَّلْتُهَا قَتْلَى فِي أَصْحَابِي ، وَرَأَيْتُ كَأَنِّي أَدْخَلْتُ يَدِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ ، فَأَوَّلْتُهَا المَدِينَةَ فَأَشِيرُوا عَلَيَّ)( ).
وهل لهذه الرؤيا وتأويلها من قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أثر في خسارة المسلمين في معركة أحد ، الجواب لا ، إنما جاءت الخسارة بترك الرماة مواضعهم التي أقعدهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيها ، عندما رأوا بدايات هزيمة المشركين.
الآية الثانية : قوله تعالى لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ.
ابتدأت الآية بالجار والمجرور (لهم) لبيان اتصالها بالآية السابقة لعائدية الضمير (هم) إلى ما قبله والآية السابقة هي الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ.
لتتضمن آية البحث الثواب العاجل والوعد بالآجل ، ولا يقدر على أي منهما إلا الله عز وجل .
ومن أظهر معاني البشرى في الدنيا الرؤيا الصالحة التي يراها الذي يخشى الله بالغيب ، ويرجو فضله ، ويحرص على أداء الفرائض العبادية في أوقاتها ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَكَانُوا يَتَّقُونَ].
و(عن عبدالله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، قال : الرؤيا الصالحة يبشر بها المؤمن ، وهي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوّة.
فمن رأى ذلك فليخبر بها وادّاً.
ومن رأى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان ليحزنه ، فلينفث عن يساره ثلاثاً وليسكت ولا يخبر بها أحداً)( ).
ومن معاني الرؤيا المكروهة من الشيطان وأضغاث الأحلام ما يوسوس به الشيطان للإنسان في اليقظة والإبتلاء الذي يلاقيه .
والمختار أن الشيطان لا يستطيع النفاذ إلى روح الإنسان اثناء نومه .
والحديث النبوي أعلاه من المتواتر إذ روي عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت ، وعن جابر بن عبد الله بن رباب
و(عن ابن مسعود قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، قال : هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له)( ).
وعن الإمام الباقر عليه السلام عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال (أتى رجل من أهل البادية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أخبرني عن قول الله الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما قوله لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فهي الرؤيا الحسنة ترى للمؤمن فيبشر بها في دنياه ، وأما قوله [وفي الآخرة] فإنها بشارة المؤمن عند الموت ، إن الله قد غفر لك ولمن حملك إلى قبرك)( ).
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال (لن تموت نفس مؤمنة حتى ترى رسول الله صلى الله عليه وآله وعليا عليه السلام يدخلان جميعا على المؤمن.
فيجلس رسول الله صلى الله عليه وآله عند رأسه وعلي عند رجليه ، فيكب عليه رسول الله صلى الله عليه وآله فيقول: يا ولي الله ابشر أنا رسول الله إني خير لك مما تركت من الدنيا .
ثم ينهض رسول الله صلى الله عليه وآله فيقوم علي عليه السلام حتى يكب عليه فيقول : يا ولي الله ابشر أنا علي بن أبي طالب الذي كنت تحب ، أما لانفعنك .
ثم قال : إن هذا في كتاب الله، فقلت: أين جعلني الله فداك ، قال في يونس [الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ] ( ))( ).
وتبين الآية الكريمة قانون مصاحبة البشارة في النشأتين للتقوى ، فالمؤمن الذي يخشى الله بالغيب تأتيه الرؤيا الحسنة ، وبما يبعث السكينة والطمأنينة في نفسه.
وهل تدل الآية على قانون الرؤيا الصالحة للمؤمن بشارة النعيم الأخروي ، الجواب نعم .
قانون الرؤيا رحمة من عند الله
لقد جعل الله الرؤيا وتأويلها باباً من ابواب رحمته، لذا فان اهل التعبير ملزمون باتقان علوم اصول الرؤيا للمساهمة الفعالة في الاهتمام بالرؤيا والسعي للحصول على الصيغة الصحيحة والكاملة لتأويل الاحلام واتباع الاساليب التي ترسخ اعتقاد الناس بالاسراع الى رجال التعبير واساتذته لينهلوا من علومهم وخبرتهم وربما يعزز حالة الامن والإيمان في النفوس.
ويحتم الواجب الشرعي عليهم اجتناب الابتعاد عن التعسف واسباب الاحراج أو اعراض الناس عن الاعلان عن رؤاهم مخافة الظن والاستخفاف والابتلاء ، قال تعالى وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ.
قانون عدم الإنشغال بالرؤيا
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار امتحان واختبار ، والمدار فيها على عالم الأفعال ، ولا يصاحب الإنسان ويدخل معه في قبره إلا عمله صالحاً كان أو سيئاً .
أما الرؤيا فهي رموز تزور الإنسان في منامه للبشارة أو الإنذار ولتقويم وإصلاح الأعمال ، ومنها ما يكون أضغاث أحلام لا عبرة لها .
وقد ذكر الله عز وجل الرؤيا وتأويلها وأثرها في (25) آية ونحوها من مجموع آيات القرآن وهي (6236) آية لبيان أحوال الأنبياء ، وترتب الأثر على الرؤيا الصادقة ، وهل هي من مصاديق قوله تعالى نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ، الجواب نعم .
والأصل هو الإنشغال بأمور الدين والدنيا والواقع ، ولا يقف الفرد والجماعة عند الرؤيا وموضوعها كثيراً ويدل عليه ما ورد عن (ابن عباس كان يحدث ان رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا رسول الله إنى ارى الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل فارى الناس يتكففون منها بايديهم فالمستكثر والمستقل وأرى سببا واصلا من السماء إلى الارض فاراك أخذت به فعلوت ثم أخذ به رجل من بعدك فعلا ثم أخذ به رجل آخر فعلا ثم أخذ به رجل آخر فانقطع به ثم وصل له فعلا ، قال أبو بكر يا رسول الله بأبى انت وامى لتدعني فلاعبرنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اعبر قال أبو بكر اما الظلة فظلة الاسلام .
واما الذى ينطف من السمن والعسل فالقرآن حلاوته ولينه ، واما ما يتكفف الناس من ذلك فالمستكثر من القرآن والمستقل ، واما السبب الواصل من السماء إلى الارض فالحق الذى انت عليه تأخذ به فيعليك الله ثم يأخذ به رجل بعدك فيعلو به ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به (ثم يأخذ به رجل آخر فيعلوبه فينقطع به) ثم يوصل له فيعلو به فأخبرني يا رسول الله بأبى انت وامي أصبت أو اخطأت قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اصبت بعضا واخطأت بعضا قال فو الله لتخبرنى بالذى اخطأت قال لا تقسم)( ).
وحينما أراد أبو بكر معرفة ما أخطأ به ، لم يبين له النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجوه خطئه كيلا تكون هناك عناية زائدة وجدال في الرؤيا الشخصية ، والمنع من هذه العناية من مصاديق عنوان هذا الكتاب فلسفة الرؤيا في الإسلام ، أي من هذه الفلسفة عدم الإنشغال التام بالرؤيا وجعلها موضوع الحديث والأخذ والرد ، إلا إذا كانت ذات صبغة عامة كما تدل عليه رؤيا يوسف عليه السلام ورؤيا ملك مصر .
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لا تُقسم )لعدم ترتب الأثر على عدم وجود يمين المناشدة إنجاح وتلبية القسم .
وقد ذكرت في الجزء الرابع من رسالتي العملية الحجة (يمين المناشدة: وهي المتوجهة الى الغير لحثه على انجاح المقصود ، كما لو قلت لأخيك اسألك بالله ان تصل رحمك، وقد يكون سؤال الترك في المستقبل كما لو قلت له: اسألك بالله ان تترك التدخين، ويسمى السائل هنا الحالف والمقسم اما الذي يسئل فيسمى المحلوف عليه، وهذه اليمين لا تنعقد ولا يترتب على عدم الإمتثال والإلتزام بها اثم او كفارة لا على الحالف في احلافه ولا على المحلوف عليه في عدم انجاح مسؤوله وعليه الإجماع وبعض الأخبار)( ).
رؤيا صفة دار الهجرة
(عن صهيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أريت دار هجرتكم سبخة بين ظهرانى حرتين، فإما أن تكون هجر أو تكون يثرب) ( ).
وقد كانت قريش تؤذي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لتلاوتهم آيات القرآن ، كما في إعتدائهم بالضرب على أبي ذر الغفاري وعبد الله بن مسعود .
وعن (عبد الله بن مسعود قال اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا والله ما سمعت قريش بهذا القرآن يجهر لها به قط فمن رجل يسمعهموه.
فقال عبد الله بن مسعود أنا قالوا إنا نخشاهم عليك إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه فقال دعوني فإن الله سيمنعنى فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى وقريش في أنديتها حتى قام عند المقام ثم قال (بسم الله الرحمن الرحيم – رافعا بها صوته الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ.
ثم استقبلها يقرأ فيها قال وتأملوا وجعلوا يقولون ما يقول ابن أم عبد ثم قالوا إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد.
فقاموا إليه فجعلوا يضربون في وجهه وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه.
فقالوا هذا الذي خشينا عليك قال ما كان أعداء الله أهون على منهم اليوم لئن شئتم لاغادينهم غدا بمثلها قالوا لا حسبك فقد أسمعتهم ما يكرهون) ( ).
لقد كانت تلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للقرآن سبباً لدخول طائفة من الناس الإسلام ، وإنبهار اساطين اللغة ، وأقرارهم بنزوله من عند الله ، ودخول أكابر من القوم الإسلام لسماعهم آيات من القرآن .
رؤيا طفيل الدوسي
(عن ابن إسحاق قال : كان الطفيل بن عمرو الدوسي يُحدث أنه قدم مكة ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل شريفاً شاعراً لبيباً.
فقالوا: يا طفيل، إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل بين أظهرنا، قد عضل بنا وفرّق جماعتنا، وإنما قوله كالسحر، يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبينه وبين زوجه، وإنما نخشى عليك وعلى قومك، فلا تكلمه ولا تسمع منه.
قال: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئاً ولا أكلمه، حتى حشوت أذني كرسفاً، فرقا أن يبلغني من قوله، وأنا أريد أن لا أسمعه.
قال: فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم يصلي عند الكعبة .
قال: فقمت قريباً منه، فأبى الله إلا أن يسمعني قوله، فسمعت كلاماً حسناً .
قال: فقلت في نفسي: واثكل أمي! والله إني لرجل شاعر لبيب ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع هذا الرجل ما يقول! إن كان الذي يأتي به حسناً قبلته، وإن كان قبيحاً تركته.
قال: فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيته، فتبعته، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فقلت: يا محمد، إن قومك قالوا لي كذا وكذا، ثم إن الله أبى إلا أن أسمع قولك، فسمعت قولاً حسناً، فاعرض علي أمرك.
قال: فعرض علي الإسلام، وتلا علي القرآن، وقال: فوالله ما سمعت قولاً قط أحسن منه، ولا أمراً أعدل منه، فأسلمت، وقلت: يا رسول الله، إني امرؤٌ مطاع في قومي، وأنا راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية، تكون لي عوناً عليهم فيما أدعوهم إليه. فقال: ” اللهم، اجعل له آية .
قال فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثينة تطلعني على الحاضر، وقع نور بين عيني مثل المصباح.
فقلت: اللهم، في غير وجهي، فإني أخشى أن يظنوا أنها مثلة لفراقي دينهم.
فتحولت في رأس سوطي، فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق، وأنا أهبط إليهم من الثنية، فلما نزلت أتاني أبي، وكان شيخاً كبيراً، فقلت: إليك عني أبة، فلست منك ولست مني.
قال: ولم، أي بني؟
قلت: إني أسلمت.
قال: أي بني، فديني دينك، فأسلم.
ثم أتتني صاحبتي، فقلت لها مثل ذلك، فأسلمت، وقالت: أيخاف عليّ من ذي الشرى ، – صنم لهم – فقلت: لا، أنا ضامن لذلك.
ثم دعوت دوساً فأبطئوا عن الإسلام، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فقلت: يا رسول الله، إنه قد غلبني على دوس الزنا، فادع الله عليهم.
فقال: اللهم اهد دوساً، ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم.
قال: فرجعت، فلم أزل بأرض قومي دوس أدعوهم إلى الإسلام حتى هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، وقضى بدراً وأحداً والخندق، ثم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمن أسلم معي من قومي، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخيبر، حتى نزلت المدينة بسبعين أو بثمانين بيتاً من دوس، ثم لحقنا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين.
ثم لم أزل مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى فتح الله، عز وجل، عليه مكة، فقلت: يا رسول الله، ابعثني إلى ذي الكفين – صنم عمرو بن حممة – حتى أحرقه.
فخرج إليه طفيل يقول وهو يحرقه، وكان من خشب : الرجز
يا ذا الكفين لست من عبادكا … ميلادنا أقدم من ميلادكا
ثم رجع طفيل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان معه بالمدينة، حتى قبض الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
فلما ارتدت العرب خرج مع المسلمين مجاهداً أهل الردة حتى فرغوا من نجد، وسار مع المسلمين إلى اليمامة .
فقال لأصحابه : إني رأيت رؤيا فاعبروها، إني رأيت رأسي حلق، وأنه خرج من فمي طائر، وأنه لقيتني امرأة فادخلتني في فرجها .
وأرى ابني عمراً يطلبني طلباً حثيثاً، ثم رأيته حبس عني .
قالوا: خيراً،
قال : أما أنا فقد أولتها، أما حلق رأسي فقطعه، وأما الطائر فروحي، وأما المرأة التي أدخلتني في فرجها فالأرض تحفر لي، فأغيّب فيها .
وأما طلب ابني لي ثم حبسه عني فإني أراه سيجهد أن يصيبه ما أصابني، فقتل الطفيل باليمامة شهيداً، وجرح ابنه عمرو بن الطفيل ثم عوفي، وقتل عام اليرموك) ( ).
الآية الثالثة : قوله تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا )( ).
لقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه أنه رأى رؤيا بأنه يدخل وأصحابه المسجد الحرام.
فأعلن التوجه إلى مكة ، وصدّهم المشركون عند الحديبية ، وتم صلح الحديبية ، وعندما رجع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من صلح الحديبية قال بعض الصحابة : لقد حدثتنا بأنا سنطوف بالبيت الحرام ، فقال بلى ، ولم أخبركم انا نأتيه بعامنا هذا ، وفي السنة الثانية وهي السابعة للهجرة تمت عمرة القضاء مصداقاً لرؤيا النبي .
حضور السنة النبوية في تأويل الرؤيا
يحتاج المعبر الى معرفة سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القولية والعملية وامثاله في الاستعارة والكناية كقولـه صلى الله عليه وآله وسلم في النساء: اياك والقوارير.
وعن (أنس بن مالك يقول : كان البراء بن مالك رجلا حسن الصوت ، فكان يرجز لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ، فبينما هو يرجز إذ قارب النساء ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إياك والقوارير)( ).
كره النبي صلى الله عليه وآله وسلم سماع النساء صوته ويكون مادة للإفتتان.
والقوارير جمع قارورة وهي وعاء من زجاج تحفظ فيه السوائل ، وفي بلقيس ملكة اليمن حين قدومها على سليمان ، قال تعالى قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ.
وترمز القارورة للمرأة لضعف خاطرها ، وإنكسارها وسرعة تأثرها.
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال (إن المرأة خلقت من ضلع ، فإن ذهبت تقيمها كسرتها)( ).
ويحتاج المعبر الى معرفة معاني الاسماء والاشخاص لما روي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: (اذا اشكل عليكم الرؤيا فخذوا بالاسماء).
وبيانه ان اسم أحمد محمدة، واسم سالم سلامة، وسعيد سعادة وسهل سهولة، وهكذا، ومن الرؤيــا ما تحمل وجوهاً متعددة يتولى العالم بإصول التعبير اختيار الوجه المناسب وبما يتلائم مع طبيعة صاحبها وظروفه وحالته وما يحيط به. لذلك كان بعض المفسرين يكثر من السؤال عن احوال صاحب الرؤيا وبما يشبه صيغ التحليل النفسي المعاصر ولكنه متقدم عليه زمانا وتأسيسا وخبرة بأكثر من ألف سنة.
وسئل ابن سيرين عن رجل رأى في المنام أنه يستاك ، كلما أخرج السواك رأى عليه دماً . قال : اتق الله ولا تكذب . وقرأ وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ.
للإنذار من النميمة والكلام الذي يؤدي إلى الفتنة والقتل وهو يظن أن ما يفعله عمل صالح ومقدمة للخير .
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يُجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار ، فتندلق به أقتابه ، فيدور بها كما يدور الحمار برحاه ، فيطيف به أهل النار فيقولون : يا فلان ما لك ، ما أصابك ، ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر، فيقول : كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه ، وأنهاكم عن المنكر وآتيه( ).
و(نقل أن رجلا جاء إلى ابن سيرين وقال: رأيت كأن في يدي خاتما أختم به أفواه الرجال وفروج النساء، فقال: إنك مؤذن تؤذن في شهر رمضان قبل الفجر فقال: صدقت.
وجاء آخر فقال : كأني صببت الزيت في الزيتون، فقال: إن كانت تحتك جارية اشتريتها ففتش عن حالها فإنها امك، لان الزيتون أصل الزيت فهو رد إلى الاصل، فنظر فإذا جاريته كانت امه وقد سبيت في صغره.
وقال آخر له : كأني أعلق الدر في أعناق الخنازير، فقال: كأنك تعلم الحكمة غير أهلها، وكان كما قال)( ).
رؤيا النبي بأداء العمرة
ورد في قوله تعالى لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا.
في صحيحة ابن أبي عمير عن الإمام الصادق عليه السلام إنه قال (كان سبب نزول هذه السورة وهذا الفتح العظيم أن الله عزوجل أمر رسول الله صلى الله عليه وآله في النوم أن يدخل المسجد الحرام ويطوف ويحلق مع المحلقين .
فأخبر أصحابه وأمرهم بالخروج، فخرجوا، فلما نزل ذا الحليفة أحرموا بالعمرة وساقوا البدن، وساق رسول الله صلى الله عليه وآله ستة وستين بدنة وأشعرها عند إحرامه، وأحرموا من ذي الحليفة ملبين بالعمرة، وقد ساق من ساق منهم الهدي معرات مجللات .
فلما بلغ قريش ذلك بعثوا خالد بن الوليد في مائتي فارس كمينا ليستقبل رسول الله صلى الله عليه وآله فكان يعارضه على الجبال، فلما كان في بعض الطريق حضرت صلاة الظهر فأذن بلال وصلى رسول الله صلى الله عليه وآله بالناس، فقال خالد بن الوليد: لو كنا حملنا عليهم في الصلاة لاصبناهم، فإنهم لا يقطعون صلاتهم، ولكن يجيئ لهم الآن صلاة اخرى أحب إليهم من ضياء أبصارهم، فإذا دخلوا في الصلاة أغرنا عليهم .
فنزل جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله بصلاة الخوف في قوله وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاَةَ.
الآية فلما كان في اليوم الثاني نزل رسول الله صلى الله عليه وآله الحديبية وهي على طرف الحرم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يستنفر الاعراب في طريقه معه، فلم يتبعه منهم أحد، ويقولون: أيطمع محمد وأصحابه أن يدخلوا الحرم وقد غزتهم قريش في عقر ديارهم فقتلوهم، إنه لا يرجع محمد وأصحابه إلى المدينة أبدا فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وآله الحديبية خرجت قريش يحلفون باللات والعزى لا يدعون محمدا يدخل مكة وفيهم عين تطرف.
فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله أني لم آت لحرب وإنما جئت لاقضي نسكي ، وأنحر بدني ، واخلي بينكم وبين لحماتها : فبعثوا عروة ابن مسعود الثقفي وكان عاقلا لبيبا وهو الذي أنزل الله فيه وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ.
لبيان أن نعمة الفتح المبين بقوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، في الأصل رؤيا للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بدخول المسجد الحرام فكان الفتح هو صلح الحديبية لبيان أن الإسلام دين السلام والأمن.
وهل من الفتح المبين هذا ورشحات رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي وثقها القرآن إلى يوم القيامة أمور :
الأول : توجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وألف وأربعمائة من أصحابه إلى الحديبية .
الثاني : سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في الطريق والإقامة في الحديبية .
الثالث : عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من الحديبية بصلح ووقف للقتال .
الجواب نعم لبيان قانون منافع رؤيا النبي عامة ومتجددة وتبقى عبرة وموعظة.
التأويل بـالـضد
وهو اصطلاح اطلق على تعبير الرؤيا بعكس ما تحمله ظواهر رموزها. فالضحك في الرؤيا يرمز حسب هذا المفهوم الى البكاء وليس لهذا التضاد والاختـلاف ما يرتكز عليه من اسـس نقلية ولكن الضحك مثلاً يمكن ان يكون طريقاً وسبباً الى البكاء لقولـه تعالى فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا .
وربما ذهب بعض الناس الى هذه القاعدة في التعبير تفاؤلاً أو استخفافاً أو جهلاً أو اثر حدوث وقائع يومية على خلاف رؤيا كانت قد سبقتها، وربما اشتركت تلك العوامل فتركت تراثاً واسعاً في (التأويل بالضد) تراها احياناً بين الكثير من الناس وفي مستويات مختلفة. الامر الذي قد يؤدي الى نتائج وخيمة وعواقب غير سليمة بسبب حرمان صاحب الرؤيا من فرصة الانذار والتحذير والزجر.
عاد رجل في نحو الخامسة والاربعين من عمره من المهجر بثروة لا بأس بها وما لبث حتى عقد خطبته على فتاة سمراء .
وقد سمعها مرة تقول لـه بخوف ورهبة سمعت يا موسى وانا في صمت واضح انك مت، فهالني الخبر وخرجت الى شرفة المنزل ابكي واولول واذا بي ارى جمهوراً من الناس يحملون النعش ويندبون بصوت ما زال يرن في أذني. فقال لها: ان الموت في الاحلام يشير الى عكسه. الى حياة جديدة. لكنه وبعد اسبوع واحد توفي بالسكتة القلبية وكانت الفتاة واقفة على شرفة المنزل الذي ذكرته تنظر الى الجمهور الحامل للنعش وهي تبكي.
لبيان حقيقة وهي الركون إلى تأويل رؤيا الإنذار بالضد وأنها بشارة يفوت على الإنسان الدعاء والصدقة لصرف أذى هذه الرؤيا.
وظائف معبر الرؤيا
تعبير الرؤيا مدرسة لها قواعدها وأصولها ومن أهم وظائفها :
الأول : استحضار آيات القرآن ودلالتها في المقام.
الثاني : الصدور عن السنة النبوية القولية والفعلية والتقريرية ومعرفة كيفية إختيار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التأويل الحسن والبشارة في الرؤيا.
الثالث : التفقه في الدين ، فلا تأول الرؤيا بما فيه الحرمة والمنع.
الرابع : المعرفة بضروب كثيرة من الرؤيا وتأويلها للتشابه بين كثير منها وإن اختلف الزمان والمكان وتعاقبت الأحقاب .
الخامس : الفصل والتمييز بين الرؤيا الصادقة وأضغاث الأحلام.
السادس : بعث الرائي على الدعاء والمسألة لتقريب الخير ، وصرف الشر ، ومنعه من اليأس والقنوط .
السابع : التنزه عن الحسد والأخلاق المذمومة.
الثامن : كتمان أسرار الناس .
التاسع : تنمية ملكة الإيمان عند الناس .
العاشر : يجب على المعبر ان يختار افضل وجوه التأويل وأكثرها إشراقاً وغبطة لصاحب الرؤيا.
(روي ان بعض الخلفاء قال لمعبر اني رأيت جميع اسناني سقطت. فقال لـه جميع اقربائك يموتون. فتغير من ذلك واستدعى بعابر غيره قص عليه الرؤيا. فقال لـه ان اصدقت رؤيا أمير المؤمنين فانه يكون اطول عمراًمن اقاربه فأقبل عليه واحسن اليه والمعنى واحد والعبارة متفاوتة( ).
الحادي عشر : ليس للمعبر ان يخرج عن الاطار العام للرؤيا بسبب رغبة او رهبة او سمعة لان عليه ان يحرص على عدم اختلال الموازين والقيم الخاصة بالرؤيا واعتبار النتائج الايجابية والاثر الحسن للتأويل الذي يعقبه الواقع مصدقاً ومؤكداً ومعترفاً ومدخلاً لتعاهد الرؤيا كهبة كريمة متداولة دائمة المنفعة.
الثاني عشر : يحتاج صاحب التعبير الى الأخذ باقوال الانبياء، وخاصة ما ثبت منها عند المسلمين عبر ما ذكره القرآن الكريم وما فسر بالسنة الشريفة وما ورد في الحديث الشريف وقصص الانبياء كقول إبراهيم الخليل عليه السلام يوصي لابنه ان يبدل اسكفة الباب فلما سمع إسماعيل عليه السلام ذلك قال لزوجته انتِ طالق، وكذلك قول لقمان لابنه بدل فراشك بمعنى زوجتك، وقول المسيح لما دخل على امرأة ذات فحشاء يعضها: انما يدخل الطبيب على المريض يعني بالطبيب العالم وبالمريض المذنب والجاهل.
العناية بتفاصيل الرؤيا
يجب ان يكون الاهتمام بالرؤيا بلحاظ انها مرآة للواقع وليس لذاتها فالاهتمام يجب ان يكون على الواقع العملي والأمور الشرعية.
ولقد دأب المفسرون المسلمون على الاستفسار والسؤال من صاحب الرؤيا عن اسمه ومهنته وبلده وغيرها من الأسباب الشخصية كجزء من صيغ التحليل النفسي وبدرجة ارقى واكثر موضوعية وشمولية من طريقة فرويد في تحليل احلامه واحلام مرضاه التي جاءت خالية من الاهتمام اللازم والمناسب بالعوامل الشخصية والبيئية المحيطة مع اقراره بأن للحلم وظيفة وهدفاً.
وقد يرى شخصان ذات الرؤيا ولكن التأويل يختلف خاصة إذا كانت على نحو القضية الشخصية وليس العامة .
فيلاحظ المعبر أحوال كل واحد منهما ، ويأولها بما فيه الخير والنفع والأمل ، وتنمية ملكة الإيمان ، إذ جعل الله عز وجل الرؤيا صلة بينه وبين روح العبد ، وسبيل هداية ورشاد ، واستشراق للغد الأفضل ، قال تعالى قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
التفاؤل بالأسماء
قالوا بالتفاؤل بالاسماء عند الصباح في الذي يلقاه صاحب الرؤيا أول مرة في حالة نسيانه لرؤياه. فان كان الاسم حسناً كأسماء الانبياء والصالحين فالرؤيا حسنة وان كان غير ذلك فعليه الاجتهاد بالدعاء، وهو حسن وفيه رواية، والقدر المتيقن هو عدم وضوح الرؤيا بالتمام فاذا كانت الرؤيا بينة الدلالة وتحمل طابع الانذار فعلى الانسان ان يرتدع، نعم قد تكون رؤية صاحب الاسم الحسن حينئذ بشارة التوبة والانتفاع من الرؤيا.
ومن الرؤيا ما يتفاعل معها فكر الانسان وينتبه من نومه فزعاً أو مذعوراً أو مسروراً وربما تمنى عودة الرؤيا مرة اخرى.
أضغاث الأحلام
الضغث في الأصل هو الحزمة من الحشيش، أو قبضة من قضبان مختلفة يجمعها أصل واحد مثل الاسل والكراث ، قال تعالى وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ...
واضغاث الاحلام هي الرؤيا التي لا يصح تأويلها لاختلاطها والتباسها وتداخل بعضها في بعض فلم يستقم تأويلها ولا يتميز معناها وليس من خير فيها.
لقد ظهرت بعض الآراء الحديثة التي تقول برجوع الاحلام إلى أسباب ذاتية ترتبط بمزاج الانسان وتفكيره في النهار ونحوه، وقد يبتعد اصحابه عن الموضوعية والانصاف باعطائهم النتائج الجزئية وبعض المصاديق صفة القاعدة الكلية ويجعلون خصائص الفرع رداءً للاصل في خروج ذي عجالة عن تراث لم يتراكم مئات وآلاف السنين الا لحكمة سماوية وقيام ادلة اتصاله مع الواقع كبعض من الاسرار التي جعلها الله في الانسان ورافد من واسع رحمته تعالى على اهل الارض.
ان الوثيقة التي يرفعها المسلم باعتزاز هي ما دلّ عليه القرآن من وجود نوع من الرؤيا اسمه (أضغاث الاحلام). كما جاء في سورة يوسف قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ.
وقد جاءت السنة التي هي بيان وتفسير للقرآن موضحة ومؤكدة لذلك. فأسر النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين بأن من الرؤيا ما هو باطل ولا يلتفت اليه. قال صلى الله عليه وآله وسلم: الرؤيا ثلاثة فرؤيا بشرى من الله تعالى، ورؤيا من الشيطان، ورؤيا يحدث بها الانسان نفسه فيراها.
وتمتاز تلك الاضغاث من الاحلام بالتفكك وعدم الانسجام ورداءة الموضوع وصعوبة تكوين فكرة واضحة عنها عندما يستيقظ الانسان ويعجز عن جمع مفرداتها والتوجه بها نحو الواقع والتحليل.
كما وانها تتصف غالباً بسرعة النسيان بحيث يتعذر بقاؤها في الذاكرة الى الصباح.
عن الصادق عليه السلام قال: رأت فاطمة عليها السلام في النوم كأن الحسن والحسين عليهما السلام ذبحا أو قتلا فأحزنها ذلك فأخبرت به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رؤيا، فتمثلت بين يديه. قال: (انت أريت فاطمة هذا البلاء؟ قالت: لا، فقال: يا اضغاث وانت أريت فاطمة هذا البلاء؟ قالت: نعم يا رسول الله. قال: ما أردت بذلك؟ قالت: اردت ان احزنها. فقال صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة: اسمعي ليس هذا بشيء( ).
وللإمام الصادق عليه السلام احتجاج في هذا الشأن مع الطبيب الهندي.
ان الذي لا نرضى به هو نعت الاحلام والرؤى مطلقاً بانها من وادي الاضغاث لانه خلاف الواقع والوجدان ويفّوت على الناس منافع عظيمة ويحول دون استنباط الدروس والعبر.
ومن الأحلام ما ينشأ من غلبة الدم والاكثار من الأغذية الحارة والرطبة كالدسومة والحلواء، وقيل انها تهيج الطبيعة ويتبخر في الدماغ بخار حار رطب.
والذي تزدحم معدته بالطعام ربما يرى في منامه واردات من عالم العقل وقد تكون بديعة المنظر ولكنها خالية من الرموز التي ترتبط بالواقع والصدق. وقالوا من غلبت عليه السوداء رأى الاحداث والسواد والأهوال ، والذي غلبت عليه الصفراء يرى النار والمصابيح والدم المعصفر ، ومن غلب عليه البلغم يرى البياض والمياه والامواج. والعلم عند الله.
الأحلام الكابوسية
وتسمى (الجاثوم) وكأن احداً جاثم على صدر صاحبها فيثقل معه عن الحركة وقد يرافقها ضيق نفس وشعور بالاختناق. ويسمى عند الانكليز NIGHTMARE أي فرس الليل، فيرمز لـه باسم حيوان ينشط ليلاً. وهي قليلة جداً وتقدر نسبتها بواحد من كل ألف من الاحلام أو قريب من ذلك، وتتناسب عكسياً مع تقدم الانسان بالعمر لما تفرزه التجارب من تنظيم في تفكيره وسلوكه وازدياد سيطرته على حواسه وعلاقاته ومعاملاته. وتكاد تنعدم عند أهل الإيمان لسلامة الاختيار ، وقد وضعت عدة نظريات في اسبابها منها :
الأول : نظرية الخوف : لحدوثها بعد سماع قصة مخيفة أو مسرحية ذات رعب وفزع أو مشاهدة جريمة قتل أو معاينة حرب، وقال بعضهم وهو كارل يونغ( ) بأنها تعبير عن حالة من الخوف البدائي في حياة الانسان.
الثاني : نظرية الغيظ : لكبت المشاعر اثناء اليقظة. بسبب اجتماعي أو اخلاقي أو نفسي فتنفجر عند المنام بصورة كابوس.
الثالث : نظرية القلق : وهي التي ترى ان الكوابيس درجة متطورة في احلام القلق واكثرها شدة لما يقترن بها من انفعالات وصعوبة الحركة وضيق النفس وسرعة النبض ونحو ذلك.
الرابع : نظرية الأصول الجنسية : ان الارادة الجنسية المكبوتة في اللاوعي تكمن وراء الكابوس كونها صراعاً عقلياً ذاتياً. واليه ذهب (ايرنست جونز) زميل فرويد سيراً على طريقته في تفسير الاحلام اذ ان فرويد نفسه لم يتناول الاحلام الكابوسية.
ومع ان هذه الدراسات حديثة فانها عاجزة عن ايجاد وصف تام للرؤيا بل وضع اصحابها انفسهم في متاهات ولعل فيه سداً للطريق على الناس للانتفاع من الرؤيا بحصر البحث في رؤيا الاضغاث بل وفي اسبابها المحتملة.
وكأنها أهم ما في الرؤيا بينما أولى الاسلام أهمية للرؤيا ذات المعنى والمضمون سواء كانت بشارة او انذاراً ، وقد يكون موضوع الأضغاث شائعاً في محيطهم وما هو مرتسم في اذهانهم وهم لم ينكروا الرؤيا الصادقة التي هي نعمة على أهل الأرض في كل زمان ومكان تأتي للبر والفاجر ، وبالليل أو النهار ، وعند القيلولة ، لقانون ليس من وقت مخصوص لرحمة الله ، وقانون الرؤيا الصادقة رحمة من عند الله عز وجل فتح أبوابها للناس جميعاً ، قال تعالى مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
الرؤيا مقدمة لصلح الحديبية
بعد غزو عشرة آلاف من المشركين مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شوال من السنة الخامسة للهجرة واضطرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لحفر خندق حول المدينة بمشورة من سلمان الفارسي ومحاصرة المشركين المدينة نحو عشرين ليلة ، ثم انسحبوا بعد أن قتل الإمام علي عليه السلام فارس مضر عمرو بن عبد ود العامري ، وهبوب ريح شديدة عليهم ، قال تعالى وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ.
رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام أنهم يدخلون المسجد الحرام بأمان ومنهم من حلق رأسه ومنهم من قصّره لبيان أدائهم مناسك العمرة.
فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بهذه الرؤيا المباركة ولم يكتمها ، وفيه معجزة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يمر عام على معركة الخندق ليبشر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بالعمرة.
قال لهم (إني قد رأيت أنكم ستدخلون المسجد الحرام محلقين رؤوسكم ومقصرين)( ).
فدعى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهل المدينة ومن حولها إلى التوجه إلى العمرة لبيان إقامته حكماً عاماً على الرؤيا وخرج معه ألف وأربعمائة من الصحابة ليس معهم سلاح إلا سلاح الراكب ، وهي سيوف صغيرة في أغمادها.
حتى إذا وصلوا إلى موضع الحديبية على حدود الحرم ، وتبعد عن مكة نحو (22) كم تصدت خيل ورجال قريش لمنعهم من دخول الحرم ، ثم جرت مفاوضات بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووفد قريش برئاسة سهيل بن عمرو وكاد أن يقع بينهم قتال ، وبعد أخذ ورد تم الصلح كما بيناه في الأجزاء كما بيّناه بالتفصيل في أجزاء من معالم الإيمان في تفسير القرآن منها الجزء (260) والجزء (261).
ومن شروطه أن يرجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ثم يأتون في العام القادم للعمرة وهو الذي حصل وتسمى عمرة القضاء.
(فقالت قريش : نقاضيك على أن تنحر الهدي مكانه وتحلق وترجع ، حتى إذا كان العام المقبل نخلي لك مكة ثلاثة أيام ، ففعل.
فخرجوا إلى عكاظ فأقاموا فيها ثلاثة أيام واشترطوا عليه أن لا يدخلها بسلاح إلا بالسيف ، ولا يخرج بأحد من أهل مكة إن خرج معه ، فنحر الهدي مكانه وحلق ورجع حتى إذا كان في قابل من تلك الأيام دخل مكة ، وجاء بالبدن معه ، وجاء الناس معه.
فدخل المسجد الحرام فأنزل الله عليه لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ))( ).
أي أن الله عز وجل هو الذي جعل رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم تصبح صدقاً وواقعاً.
ليكون من بركات رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجوه :
الأول : التحدي للمشركين.
الثاني : حصول الفتح.
الثالث : العمرة في العام التالي.
ولا يضر به طعن المنافقين بأنهم لم يعتمروا في ذات السنة وهي السادسة للهجرة ، ومع هذا أجابهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه لم يقل بوقوع العمرة في ذات السنة .
ونزل في طريق عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من الحديبية إلى المدينة قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.
وعن عبد الله مسعود قاله (لما أقبلنا من الحُديبية أعرسنا فنمنا، فلم نستيقظ إلا بالشمس قد طلعت، فاستيقظنا ورسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم نائم، قال: فقلنا أيقظوه، فاستيقظ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
فقال : افْعَلُوا كمَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ، فكذلك من نام أو نسي.
قال : وفقدنا ناقة رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فوجدناها قد تعلَّق خطامها بشجرة ، فأتيته بها، فركب فبينا نحن نسير، إذ أتاه الوحي .
قال : وكان إذا أتاه اشتدّ عليه; فلما سري عنه أخبرنا أنه أُنزل عليه إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ))( ).
لبيان معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بركات الرؤيا التي يراها وكيف وقف بعدها القتال بين المسلمين والمشركين حتى تم فتح مكة سلماً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ.
ليتجلى قانون رؤيا النبي تتفرع عنها المعجزات المتجددة.
وهل من ملازمة بين الرؤيا الصادقة وبين وقوع مصداقها في الواقع ، الجواب لا ، لذا لابد من الإجتهاد بالدعاء لتنجز الرؤيا النافعة ورؤيا البشارة ، والدعاء لصرف رؤيا الإنذار.
الرؤيا مقدمة للخروج إلى الحديبية
وقبل خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى الحديبية في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة رأى كأنه ومن معه من المسلمين يدخلون مكة ، قال تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا.
قال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إني قد رأيت انكم ستدخلون المسجد الحرام محلقين رؤوسكم ومقصرين فلما نزلوا بالحديبية ولم يدخل ذلك العام طعن المنافقون في ذلك( )، وغلب الفرح والسرور على المسلمين ساعة الرواية واعلان نبأ الرؤيا ، وانتظروا ساعة تحقيقها لأن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحي وحق لا سبيل للظن بأنها أضغاث.
وكان المسلمون يدركون ان رؤاه رحمة وتخفيف ، وتتضمن البشارة والانذار، لذا اخذوا ينظرون لها كوحي ورتبوا عليها الآثار، وكانت كثرة التدقيق وتقصي تتابع الاحداث تصديقاً تأريخياً راسخاً لرؤيته المباركة، حيث انعم الله على المسلمين بالبشارة والوعد لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا.
وهل يمكن القول بقانون لولا الوحي لما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى الحديبية ، الجواب نعم.
لقد كان إعلان النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخروج إلى الحديبية أمراً مفاجئاً للناس ، فلم تمر إلا سنة على معركة الخندق التي غزا فيها عشرة آلاف من المشركين المدينة يبتغون قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجعل أصحابه من المهاجرين والأنصار بين قتيل وأسير ، وسبي النساء والصبيان ، ووقف تنزيل القرآن.
وإذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو أصحابه للخروج إلى العمرة والدخول على كفار قريش في عقر دارهم ، ولكنه البلد الحرام الذي يأمن فيه الناس جميعاً ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أولى الناس بالأمن فيه بلطف ومشيئة من عند الله عز وجل.
وتخلفت قبائل متعددة حول المدينة عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم خشية إجهاز خيل المشركين عليهم.
ومن مصاديق الوحي في المقام الرؤيا التي رأها لأنها من الوحي.
لبيان قانون المائز بين رؤيا الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والرؤيا الصادقة لعامة الناس بكثرة منافع رؤيا الوحي ، واستمرارها إلى يوم القيامة ، وهو من أسرار توثيقها في القرآن الكريم( ).
رؤيا النبي ليلة معركة أحد
وبين رؤيا الآنبياء وعامة الناس عموم وخصوص مطلق ، إذ يلتقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع الناس في الرؤيا الصالحة ورؤيا البشارة والإنذار ، والرؤيا المكروهة ، وأضغاث الأحلام ، ولكنه ينفرد عنهم برؤيا الوحي ، ويدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن رؤياه هذه وحي ، فيتقيد بالإمتثال لها ، ومنها رؤيا إبراهيم [يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى] ( ).
رؤيا النبي (ص) والغيب
قد تأتي علوم الغيب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرؤيا التي هي شعبة من الوحي ، وهي أعلى مرتبة من الرؤيا الصالحة ، فمثلاً رأى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه يدخل مكة ويطوف بالبيت الحرام ، فأخبر أصحابه ، قال تعالى [لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا] ( ).
وساروا نحو مكة في طريق الحديبية وهم لا يشكون بأن الرؤيا حق وأنها تنجز ويتحقق مصداقها في ذات السنة ونفس الخروج خاصة بعد أن أصبح النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه على مشارف الحرم لا يبعدون عن البيت الحرام إلا نحو (22) كم .
ولكنه تم الصلح وعادوا في ذات السنة ، وعندما وقع في نفوس بعضهم بأنه لم تتحقق الرؤيا ، أجاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بانه لم يقيد إخبار العمرة بذات السنة .
وتم أجراء العقد وبادرت خزاعة بالدخول في عقد وعهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ودخل بنو بكر في عقد وعهد كفار قريش ، فقال عمر (فأتيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقلت : ألست رسول الله؟
قال : بلى.
قلت : ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل .
قال : بلى. قلت : فَلِمَ نعطي الدّنية في ديننا إذاً .
قال : إنّي رسول الله .
ولستُ أعصيه .
وهو ناصري.
قلت : ألستَ تحدّثنا أنّا سنأتي البيت،
فنطوف به.
قال : بلى.
قال : هل أخبرتك أنّا نأتيه العام .
قلت : لا،
قال : فإنّك آتيه ومطوِّف به)( ).
ونزل القرآن بنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر ، قال تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وكانت رؤيا البشارة حاضرة .
ومن معاني الفتح المبين في الآية تحقق عمرة القضاء ونشر ألوية السلم والأمان في ربوع الجزيرة ثم فتح مكة وهو سلام دائم .
وعن عبد الله بن عمر (قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : بينا أنا نائم رأيتني أطوف ، فإذا رجل آدم سبط الشعر بين رجلين ، ينطف رأسه ، قلت : من هذا ، قالوا : عيسى بن مريم ، فذهبت فالتفت فإذا رجل أحمر جسيم جعد الرأس أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية ، قلت : من هذا ، قالوا : الدجال ، أقرب الناس به شبها ابن قطن)( ).
الرؤيا بيان
مع مجئ الرؤيا بهيئة الرموز فقد تتضمن البيان الخالي من الترديد خصوصاً في رؤيا الأنبياء التي هي شعبة من الوحي لتكون رؤيا الوحي على وجوه :
الأول : الرؤيا مدد وعون .
الثاني : قانون رؤيا الوحي تفقه في الدين .
الثالث : التعضيد الروحي للتنزيل .
الرابع : دعوة المسلمين في كل زمان من أيام أبينا آدم وإلى يوم القيامة لتلقي الرؤيا الصادقة بالقبول .
الخامس : قانون الرؤيا باب للتسليم بعلم الغيب .
السادس : رجاء فضل الله في البشارات التي تأتي في المنام.
و(روى جابر بن عبد الله قال : خرج علينا رسول الله يوماً فقال : رَأيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ جِبْرِيلَ عِندَ رَأْسِي وَمِيكآئِيلَ عِندَ رِجْلَيّ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبهِ : أضْرِبْ لَهُ مَثَلاً .
فَقَالَ : اسْمَعْ سَمْعَتْ أُذُنُكَ ، وَاعْقِلْ ، عَقَلَ قَلْبُكَ ، إِنَّمَا مَثَلُكَ وَمَثَلُ أُمَّتِكَ كَمَثَلِ مَلِكٍ أتَّخَذَ دَاراً ثُمَّ بَنَى فِيهَا بَيتاً ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا مَائِدَةً ثُمَّ بَعَثَ رَسُولاً يَدْعُو النَّاسَ إِلَى طَعَامِهِ فَمِنهُم مَّنْ أَجَابَ الرَّسُولَ وَمِنهُم مَّن تَرَكَهُ.
فَاللَّهُ الْمَلِكُ ، وَالدَّارُ الإسْلاَمُ ، وَالْبَيْتُ الْجَنَّةُ ، وََأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ الرَّسُولُ فَمَنْ أَجَابَكَ دَخَلَ فِي الإِسْلاَمِ ، وَمَنْ دَخَلَ فِي الإِسْلاَمِ دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَمَن دَخَلَ الْجَنَّةَ أَكَلَ مِمَّا فيهَا)( )( ).
كأن قردة على المنبر
المنبر لغة هو(مَرْقاةُ الخاطب سمي مِنْبَراً لارتفاعه وعُلُوِّه) ( ).
لقد كان كل فرد من السنة النبوية آية إعجازية تقتبس منها الدروس والمواعظ، وضياءً يبعث على الإيمان والإجتهاد في طاعة الله، والإقتداء برسول الله في مناهج الصلاح ، ومنها منبر رسول الله .
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية بعد الهجرة المنبر النبوي وتفرع ملايين المنابر عنه أمس واليوم وغداً ومنها ومنها منبر الجمعة المتجدد كل اسبوع في مشارق ومغارب الأرض ، في موضوعه ونفعه.
وتضمن الجزء الخامس عشر بعد المائتين من تفسيري للقرآن فصولاً في المنبر النبوي وهي :
الأول : قانون المنبر النبوي سلم ونور
الثاني : مسائل ودراسات في المنبر النبوي.
الثالث : قانون تجليات الإعجاز في المنبر النبوي.
الرابع : قانون المواعظ والمنافع في المنبر النبوي.
وعن ابن عمر (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : رأيت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنهم القردة ، وأنزل الله في ذلك وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ يعني الحكم وولده .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن يعلى بن مرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أريت بني أمية على منابر الأرض ، وسيتملكونكم ، فتجدونهم أرباب سوء واهتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لذلك : فأنزل الله وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ))( ).
قانون الرؤيا سلم وأمن
هل من صلة بين آيات السلم والرؤيا التي يراها النبي سواء يراها بصفة النبوة أم لا ، المختار نعم ، قال تعالى [لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ] ( ) وقد دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مكة بعد سنة من صلح الحديبية بسلام وأمن ، ومن غير إراقة دم ، وهو من الشواهد على دلالة السنة النبوية والوقائع على سلامة آيات السلم من النسخ .
وتبين الآية أعلاه قانوناً وهو رؤية النبي في المنام شعبة من الوحي ، وتتصف بالصدق ، وتنجز مصداقها الواقعي .
قوله تعالى [وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ] ( ).
وفي يوم معركة بدر السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة اصطف الفريقان ، النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من جهة ومشركو قريش من جهة أخرى ، ولم يكن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يريد القتال ولم يثبت ما توارثه العلماء بأنه قصد الإستيلاء على قافلة أبي سفيان التي كانت تتألف من ألف بعير محملة بالبضائع .
وقد بينتُ في أجزاء من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في كتيبة إستطلاع ومرابطة متنقلة ، وعرض للإسلام وأحكامه وإقامة الصلاة خارج المدينة .
ولم يثبت أنه غزا أحداً ، لذا صدرت سبعة وعشرون جزء من تفسيري للقرآن بخصوص قانون (لم يغز النبي محمد (ص) أحدا) وهي الأجزاء :
*الجزء الرابع والستون بعد المائة.
- الجزء الخامس والستون بعد المائة.
- الجزء السادس والستون بعد المائة.
- الجزء الثامن والستون بعد المائة.
- الجزء التاسع والستون بعد المائة.
- الجزء السبعون بعد المائة .
- الجزء الحادي والسبعون بعد المائة .
- الجزء الثاني والسبعون بعد المائة .
- الجزء الرابع والسبعون بعد المائة .
- الجزء السادس والسبعون بعد المائة.
- الجزء السابع والسبعون بعد المائة .
- الجزء الثامن والسبعون بعد المائة .
- الجزء الحادي والثمانون بعد المائة .
- الجزء الثاني والثمانون بعد المائة .
- الجزء الثالث والثمانون بعد المائة.
- الجزء السابع والثمانون بعد المائة .
- الجزء الثالث والتسعون بعد المائة .
- الجزء الرابع والتسعون بعد المائة .
- الجزء السادس والتسعون بعد المائة .
- الجزء الرابع بعد المائتان .
- الجزء الثاني عشر بعد المائتين .
- الجزء السادس عشر بعد المائتين .
- الجزء الواحد والعشرون بعد المائتين .
- الجزء التاسع والعشرون بعد المائتين.
- الجزء التاسع والثلاثون بعد المائتين .
- الجزء السادس والخمسون بعد المائتين .
- الجزء الواحد والستون بعد المائتين .
هل تأتي الرؤيا مع السِنة والنعاس
لقد مطرت السماء عشية يوم بدر فاغتسل المسلمون وسقوا دوابهم ، واشتد الرحل من تحت أقدامهم في الوادي ، ونزل قوله تعالى إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ.
وهل تأتي رؤيا البشارة أو الإنذار بهذا النعاس أم أنه شبه يقظة وليس محلاً للرؤيا .
المختار الأول ، وهو من معاني الأمن الذي تذكره الآية أعلاه ، إذ أن النعاس وهو أول النوم ، ومزيل الهم والتعب ، ولكن صاحبه لايغيب وهل يبطل الوضوء ، الجواب لا ، ما دامت الأذن تسمع متوسط النداء.
(وكان الإمام عليّ والزبير يحرسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء سقاة قريش يسقون الماء ، وأخذهم المسلمون وسألوهم عن أبي سفيان ، فقالوا : ما لنا بأبي سفيان من علم .
فقالا : فمع من أنتم ، فقالوا : مع قريش من أهل مكة . فقالوا : كم هم ، قالوا : لا ندري ، هم كثير فضربوهم.
فقالوا : هم قليل فتركوهم .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تَضْرِبُونَهُمْ إنْ صَدَقُوكُمْ ، وَتَتْرُكُونَهُمْ إنْ كذَبُوكُمْ .
فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : كَم القَوْمُ.
فقالوا : هم كثير فلا ندري كم هم .
فقال : كَمْ يُنْحَرُ لَهُمْ في كُلِّ يَوْمٍ.
فقالوا : في يوم ينحر لهم عشرة جزر ، وفي يوم تسعة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : القَوْمُ ما بَيْنَ تِسْعِمائَةٍ إلى أَلْفٍ وكانت عدتهم تسعمائة وخمسين)( ).
وفي بداية المعركة كان المسلمون ينظرون إلى المشركين بعددهم العقلي وهم نحو ألف أي أكثر من ثلاثة أضعاف المسلمين في الميدان.
فاجتهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالدعاء ونزل قوله تعالى إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ، وليقلل الله عز وجل عدد المشركين في أعين المسلمين تخفيفاَ عنهم , قال تعالى وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ لبيان معجزة حسية جلية من جهات :
الأولى : تقليل عدد المشركين في أعين المسلمين .
الثانية : تقليل عدد المسلمين في أعين المشركين حتى قالوا أن محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أَكَلَة رأس أي أنهم كالأفراد القلائل الذين يجتمعون على أكل رأس بعير أو شاة .
الثالثة : بعد إبتداء المعركة صار المشركون ينظرون إلى المسلمين وكأنهم ضعف عدد المشركين لبعث الرعب والخوف في قلوبهم قال تعالى قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ )( ).
وفي الآية أعلاه (قال مقاتل : ذلك أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم رأى في المنام أن العدو قليل قبل (لقاء) العدو فأخبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بما رأى. فقالوا : رؤيا النبيّ حق ، القوم قليل .
فلما التقوا ببدر قلل الله المشركين في أعين المؤمنين وأصدق رؤيا النبيّ صلى الله عليه آله وسلم .
قال عبد الله بن مسعود : لقد قُللوا في أعيننا يوم بدر حتّى قلت لرجل إلى جنبي : (نراهم سبعين) قال أراهم مائة فأسرنا رجلا فقلنا كم كنتم؟
قال : ألفاً. ويقللكم يا معشر المؤمنين في أعينهم) ( ).
أول عابر للرؤيا
ذكر ان الرؤيا لأول عابر على نحو ما وقع به التعبير. ان خيراً فخير وان شراً فشر ، وربما كان هذا هو السبب بالتفاؤل عند التعبير والمسارعة الى احسن الوجوه تاويلاً في موضوع الرؤيا، والقدر المتيقن عقلاً ووجداناً لا يدخل فيه ما اذا كان التعبير الأول مخالفاً للتأويل الصحيح ، نعم الرؤيا باب لرجاء رحمة الله.
و(عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ : كَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَهَا زَوْجٌ تَاجِرٌ يَخْتَلِفُ فَكَانَتْ تَرَى رُؤْيَا كُلَّمَا غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا ، وَقَلَّمَا يَغِيبُ إِلاَّ تَرَكَهَا حَامِلاً فَتَأْتِى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
فَتَقُولُ : إِنَّ زَوْجِى خَرَجَ تَاجِراً وَتَرَكَنِى حَامِلاً ، فَرَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ أَنَّ سَارِيَةَ بَيْتِى انْكَسَرَتْ وَأَنِّى وَلَدْتُ غُلاَماً أَعْوَرَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : خَيْرٌ ، يَرْجِعُ زَوْجُكِ عَلَيْكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى صَالِحاً ، وَتَلِدِينَ غُلاَماً بَرًّا ، فَكَانَتْ تَرَاهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثاً كُلُّ ذَلِكَ تَأْتِى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَيَقُولُ ذَلِكَ لَهَا ، فَيَرْجِعُ زَوْجُهَا وَتَلِدُ غُلاَماً ، فَجَاءَتْ يَوْماً كَمَا كَانَتْ تَأْتِيهِ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَائِبٌ ، وَقَدْ رَأَتْ تِلْكَ الرُّؤْيَا فَقُلْتُ لَهَا : عَمَّ تَسْأَلِينَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَا أَمَةَ اللَّهِ .
فَقَالَتْ : رُؤْيَا كُنْتُ أُرَاهَا فَآتِى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَسْأَلُهُ عَنْهَا فَيَقُولُ خَيْراً فَيَكُونُ كَمَا قَالَ.
فَقُلْتُ : فَأَخْبِرِينِى مَا هِىَ. قَالَتْ : حَتَّى يَأْتِىَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَعْرِضَهَا عَلَيْهِ كَمَا كُنْتُ أَعْرِضُ. فَوَاللَّهِ مَا تَرَكْتُهَا حَتَّى أَخْبَرَتْنِى فَقُلْتُ : وَاللَّهِ لَئِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكِ لَيَمُوتَنَّ زَوْجُكِ وَتَلِدِينَ غُلاَماً فَاجِراً ، فَقَعَدَتْ تَبْكِى وَقَالَتْ : مَا لِى حِينَ عَرَضْتُ عَلَيْكِ رُؤْيَاىَ.
فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهِىَ تَبْكِى فَقَالَ لَهَا : مَا لَهَا يَا عَائِشَةُ ، فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ وَمَا تَأَوَّلْتُ لَهَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : مَهْ يَا عَائِشَةُ ، إِذَا عَبَرْتُمْ لِلْمُسْلِمِ الرُّؤْيَا فَاعْبُرُوهَا عَلَى خَيْرٍ ، فَإِنَّ الرُّؤْيَا تَكُونُ عَلَى مَا يَعْبُرُهَا صَاحِبُهَا)( ).
وعن اسماعيل بن كثير ان ابا بكر خرج في غزاة فرأت أسماء بنت عميس في منامها وهي تحته كأن ابا بكر مختضب بالحناء راسه ولحيته وعليه ثياب بيض. فجاءت الى عائشة فاخبرتها فبكت عائشة وقالت: ان صدقت رؤياك لقد قتل ابو بكر ان خضابه الدم وان ثيابه اكفانه. فدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي كذلك فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ما ابكاها؟ فقالوا: يا رسول الله ذكرت اسماء رؤيا، واخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بها فقال: ليس ما عبرت عائشة ولكن يرجع ابو بكر صالحاً فليهنأ اسماء بغلام تسميه محمد يجعله الله غيظاً على الكافرين والمنافقين. فكان الغلام محمد بن ابي بكر رحمه الله( ).
ان قولـه صلى الله عليه وآله وسلم: لا يزال المنام طايراً حتى يقص ، فاذا قص وقع) ( )، على فرض صحة صدوره إذ لم يذكر سنده .
يحول دون العزم على نفي تأثير التعبير الاول خاصة اذا كان صحيحاً ولكنه قاصر دلالة عن اثبات انحصار التأويل بالتعبير الاول.
وربما كان الحديث في مضمونه يؤكد وجود فرصة لتأجيل تحقيق الرؤيا واقعياً حتى القيام بتعبيرها ما دام التأخير غير مخل عرفاً، والعفو عند الجهل او الكتمان المقرون بالتوكل على الله وبالدعاء.
وعلى المعبر ان يحترز من الإساءة في التعبير والغلو في التأويل. كي لا يبتعد عن الواقع المناسب والمنطق المقبول الذي يرجح ان يكون محيطاً معقولاً لدائرة مفعول الرؤيا وميدان تعبيرها. لما للتعبير من تأثير على الانسان وقد ينعكس سلباً أو ايجاباً على سلوكه وطريقة عمله.
تأويل الرؤيا دفع للفتنة
قد تأتي على نحو الرموز والإشارات وتستلزم بيانها بالأحسن والأنفع والأصلح ولا يتعجل المعبر بالتأويل الذي يجلب الأذى والشر.
جاء رجل الى الامام الباقر عليه السلام فقال : يا ابن رسول الله عزمت على طلاق امرأتي واني رأيت في المنام كأن كبشين ينتطحان على فرجها. فقال عليه السلام: لا تطلقها وذلك انها لما سمعت بقدومك من السفر عمدت الى الموضع فأخذت شعره بالمقراض.
وبذلك يرفض الامام عليه السلام اعتزام الرجل على فعل قائم على خطأ في التأويل وعلى امر اجنبي عن مدارك الحكم والفتوى. وليدخل البشرى الى بيته وقلوب افراد اسرته بحسن تأويل الرؤيا وصواب التعبير وطرد الظن البعيد عن الواقع اصلاً وفعلاً.
فالرؤيا على اول عابر اذا ما احسن تحليل رموزها واستنباط علومها في الوجه الذي اختاره من الوجوه المحتملة، لذا يلزم التقيد بالحرص على عرض الرؤيا على العالم والمختص ذي الاطلاع والمعرفة والدين.
لماذا يقوم النبي (ص) بتأويل رؤياه
من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رؤيا الوحي ، إذ تأتي رؤياه كفلق الصبح في المطابقة بين الرؤيا وحدوث مصداقها في الواقع ، وحينما يذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم رؤياه فانه يقوم بتأويلها بنفسه ، وفيه وجوه :
الأول : بيان معاني الوحي .
الثاني : منع الإختلاف في تأويل رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : عدم تضييع نعمة رؤيا الوحي .
الرابع : التأكيد على الشأن الرفيع لرؤيا الوحي .
الخامس : الإنتفاع العام الأمثل من رؤيا الوحي .
السادس : تنمية ملكة العناية بالرؤيا الصادقة عند المسلمين .
السابع : فقاهة وفهم المسلمين لرموز الرؤيا.
الثامن : دعوة الناس للجوء للعالم والفقيه في تأويل الرؤيا .
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورآي يوماً (أَنّهُ وَأَصْحَابَهُ فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ فَأُتُوا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابَ فَأَوّلَهُ بِأَنّ لَهُمْ الرّفْعَةَ فِي الدّنْيَا ، وَالْعَاقِبَةَ فِي الْآخِرَةِ وَأَنّ الدّينَ الّذِي قَدْ اخْتَارَهُ اللّهُ لَهُمْ قَدْ أُرْطِبَ وَطَابَ)( ).
لقد كانت الرؤيا التي يراها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي وهو من خصائص النبوة ، ولكن ليس كل رؤيا يراها النبي وحياً فقد تكون رؤيا صالحة وهي مع حسنها أدنى مرتبة من الوحي .
وقد تأتي رؤيا البشارة ، ورؤيا الإنذار ، فيقوم بتأويلها فينتفع منها المسلمون في أجيالهم المتعاقبة ، ليبقى علم الرؤيا ثروة بأيديهم ، وأيدي الناس جميعاً.
لقد بدأت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرؤيا، فلا يرى رؤيا إلا وتأتي كفلق الصبح ، والنسبة بينها وبين الرؤيا الصادقة عموم وخصوص مطلق ، فالرؤيا الصادقة أعم ، ويمكن أن نطلق عليها اسم رؤيا النبوة ، أي أن النبي محمداً يلتقي مع الناس بالرؤيا الصادقة وأضغاث الأحلام ، ولكنه يمتاز عليهم برؤيا النبوة .
وهل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم بهذا المائز ، الجواب نعم ، وهو مقدمة للوحي في اليقظة .
تأكيد الرؤيا البصرية
قال تعالى قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِنزلت الآية أعلاه بخصوص معركة بدر ، إذ كان عدد المشركين (950) رجلاً ، وعدد المسلمين الذين مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم (313) من المهاجرين والأنصار ، فأخبرت الآية عن تقليل عدد المشركين في عيون المسلمين ، ومضاعفة عدد المسلمين في عيون المشركين [رَأْيَ الْعَيْنِ] أي ليس برؤيا أحلام ، لبيان تجلي المعجزة الحسية والغيرية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للأجيال المتعاقبة.
والأصل بالرؤية إذا وردت في القرآن والكلام العربي تحمل على الرؤية البصرية وفي اليقظة كسائر البصريات ، فلماذا ذكرتها آية البحث ، الجواب للتأكيد ومنع التأويل الخاطئ والظن بأنها في المنام ، وبيان بديع قدرة وسلطان الله في حاسة البصر والسمع.
خاصة وأن آية أخرى ذكرت تغشي النعاس للصحابة يومئذ ، قال تعالى إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ.
ولم يرد لفظ (يغشيكم) (النعاس) (ليربط) في القرآن إلا في الآية أعلاه.
فجاء قوله [رَأْيَ الْعَيْنِ] للفصل والتمييز ومنع الخلط بين الرؤية والرؤيا والتخفيف عن العلماء في بيان وتفسير آيات القرآن ، وقد ذكرت في الجزء (257 ) من تفسيري للقرآن و(من إعجاز القرآن عصمة تفسيره من التأويل الخاطئ ).
وعن الإمام علي عليه السلام (ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد ، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي تحت الشجرة حتى أصبح)( )وما أن أصبحوا حتى كانت المثلية البصرية .
لبيان معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نافذة في الأبصار ، وكأن ما يرونه أشبه بعالم الأحلام ، إذ صار التبدل والتغيير خلاف الواقع في أبصار وعيون المسلمين والمشركين في آن واحد ، برؤية المسلمين للمشركين قلة ، ورؤية المشركين للمسلمين كثرة .
وذكرتُ في الجزء (257) من معالم الإيمان في تفسير القرآن أنه كان مع المسلمين فرس واحد ، بينما مع المشركين مائة فرس ، فهل تشمل المعجزة البصرية هذه عدد الخيل بأن يرى المسلمون أن المشركين عندهم أفراس قليلة ، ويرى المشركون أن المسلمين عندهم خيل كثيرة ، المختار نعم ( ).
ومن الإعجاز في المقام عدم تحقق رؤيا واحدة في المنام لجميع أفراد الجيشين لغلبة القضية الشخصية في موضوع الرؤيا ، بينما جاءت معجزة الرؤيا البصرية سوراً جامعاً لأفراد الجيشين مع التضاد بينهما وبين الإيمان والكفر ، ويدل قوله تعالى [يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ]على قانون استجابة الحواس لأمر الله طوعاً وقهراً وأنطباقاَ ، والذي ورد فيه التفصيل في الجزء السابع والخمسين بعد المائتين .
النسبة بين رؤيا الأنبياء وغيرهم من الناس
لقد أمر الله عز وجل المسلمين والمسلمات بالأخذ بما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والعمل بأوامر التنزيل ، وإجتناب نواهيه ، قال تعالى وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
وهل الرؤيا التي يراها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مما أتى به للمسلمين ويجب العمل بها ، الجواب نعم ، بخصوص الرؤيا التي هي شعبة من الوحي .
وبين الرسول والنبي في المقام عموم وخصوص مطلق ، فالرسول يرى رؤيا الوحي في المنام ويرى الملك يوحي إليه ، أما النبي فانه يرى رؤيا الوحي في المنام ، ولكنه لا يرى الملك .
ومن الإعجاز في إصلاح الأنبياء للنبوة أن النبي يفصل ويميز بين رؤيا الوحي ، والرؤيا الصادقة ذات التأويل ورؤيا أضغاث الأحلام.
وبين عامة الناس والأنبياء بخصوص الرؤيا عموم وخصوص مطلق ، إذ يرى كل إنسان رؤيا صادقة ويرى أضغاث أحلام ومنهم الأنبياء ولكن الأنبياء يمتازون بأمور :
الأول : رؤيا الوحي .
الثاني : الفصل والتمييز بين رؤيا الوحي والرؤيا التي من غير الوحي ، وإن كانت رؤيا صادقة ، فليس كل رؤيا صادقة للنبي هي رؤيا وحي ، نعم رؤيا الوحي صادقة ومن اليقين .
وليس من ملازمة بين الرؤيا الصادقة وبين تحقق مصداقها الواقعي ، فقد تكون الرؤيا الصادقة رؤيا إنذار فيدعو الإنسان ويتصدق فيمحو الله عز وجل مصداق الإنذار.
أو تأتي رؤيا الإنذار ثم يمحو الله مصداقها ويحول دون تنجزها بفضل ولطف وإحسان منه تعالى، وهو من عمومات قوله تعالى يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ، فلا يتعلق المحو في المقام على الدعاء والصدقة ونحوها ، إذ قد يتم إبتداء من عند الله عز وجل ، وقد ينسى المؤمن رؤيا الإنذار ، ولا يدعو بخصوصها ، ولكن الله عز وجل لا ينساها ، وهو الذي يتفضل بمحو موضوعها وصرف مصداقها .
الثالث : تضمن رؤيا الوحي الأمر والنهي ، وتقيد النبي بمضامينها كما في رؤيا إبراهيم عليه السلام [قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ] ( ).
تعدد الرؤى بالبشارة ببعثة النبي محمد (ص)
من الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الرؤيا كانت مدداً له في نبوته ، وللناس في التصديق بها .
إذ كانت رؤيا البشارة بنبوته تزور القريب والبعيد ، ومن بديع صنع الله عز وجل في خلق الإنسان موضوعية الرؤيا عند أهل كل زمان ، حتى إذا بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم استحضر الناس تلك الرؤى وبادروا إلى التصديق برسالته ،ومنه من كانت الرؤيا سبباً لإمتناعه عن إيذائه ومحاربته .
(عن عمرو ابن مرة الجهنى قال : خرجت حاجا في جماعة من قومي في الجاهلية فرأيت في المنام وأنا بمكة نورا ساطعا من الكعبة حتى وصل إلى جبال يثرب أشعر جهينة فسمعت صوتا في النور وهو يقول :
انقشعت الظلماء ، وسطع الضياء ، وبعث خاتم الأنبياء
ثم أضاء إضاءة أخرى حتى نظرت إلى قصور الحيرة وأبيض المدائن فسمعت صوتا في النور وهو يقول :
ظهر الإسلام ، وكسرت الأصنام ، ووصلت الأرحام
فانتبهت فزعا وقلت لقومي : والله ليحدثن في هذا الحي من قريش حدث . وأخبرتهم بما رأيت فلما انتهينا إلى بلادنا جاءنا أن رجلا يقال له : أحمد قد بعث فأتيته فأخبرته ما رأيت فقال : يا عمرو بن مرة أنا النبي المرسل إلى العباد كافة أدعوهم إلى الإسلام وآمرهم بحقن الدماء وصلة الأرحام وعبادة الله ورفض الأصنام وحج البيت وصيام شهر رمضان من اثنى عشر شهرا فمن أجاب فله الجنة ومن عصى فله النار فآمن بالله يا عمرو يؤمنك الله من هول جهنم .
قلت : أشهد أن لا آله إلا الله وأنك رسول الله وآمنت بكل ما جئت به بحلال وحرام وأن أرغم ذلك كثيرا من الأقوام . ثم أنشدته أبياتا قلتها حين سمعت به وكان لنا صنم وكان أبي سادنا له فقمت إليه فكسرته ثم لحقت بالنبي صلى الله عليه و سلم وأنا أقول :
شهدت بأن الله حق وإنني . . . لآلهة الأحجار أول تارك
وشمرت عن ساقي الإزار مهاجرا … إليك أجوب الفوز بعد الدكادك
لأصحب خير الناس نفسا ووالدا… رسول مليك الناس فوق الحبائك
فقال النبي صلى الله عليه و سلم : مرحبا بك يا عمرو بن مرة .
فقلت : يا رسول الله بأبي أنت وأمي ابعثني إلى قومي لعل الله أن يمن بي عليهم كما من بك علي . فبعثني عليهم فقال : عليك بالرفق والقول السديد ولا تكن فظا ولا متكبرا ولا حسودا ، فأتيت قومي.
فقلت : يا بني رفاعة يا معاشر جهينة إني رسول رسول الله صلى الله عليه و سلم إليكم أدعوكم إلى الجنة وأحذركم النار وآمركم بحقن الدماء وصلة الأرحام وعبادة الله ورفض الأصنام وحج البيت وصيام شهر رمضان شهر من اثني عشر شهرا فمن أجاب فله الجنة ومن عصى فله النار . يا معشر جهينة إن الله عز و جل جعلكم خيار من أنتم منه وبغض إليكم في جاهليتكم ما حبب إلى غيركم – من أنهم كانوا يجمعون بين الأختين ويخلف الرجل منهم على امرأة أبيه والغزاة في الشهر الحرام فأجيبوا هذا النبي المرسل من بني لؤي بن غالب تنالوا شرف الدنيا وكرامة الآخرة وسارعوا في ذلك يكن لكم فضيلة عند الله .
فأجابوه إلا رجلا واحدا قال : يا عمرو بن مرة – أمر الله عليك – تأمرنا أن نرفض آلهتنا ونفرق جماعتنا ونخالف دين آبائنا إلى ما يدعو إليه هذا القرشي من أهل تهامة ؟ لا ولا حبا ولا كرامة . ثم أنشأ الخبيث يقول :
إن ابن مرة قد أتى بمقالة . . . ليست مقالة من يريد صلاحا
إني لأحسب قوله وفعاله . . . يوما وإن طال الزمان رياحا
أيسفه الأشياخ ممن قد مضى . . . من رام ذاك فلا أصاب فلاحا
فقال عمرو بن مرة : الكاذب مني ومنك أمر الله فمه وأبكم لسانه وأكمه عينيه وأسقط أسنانه . قال عمرو بن مرة : فوالله ما مات حتى سقط فوه وكان لا يجد طعم الطعام وعمي وخرس فخرج عمرو بن مرة ومن تبعه من قومه حتى أتوا النبي صلى الله عليه و سلم فرحب بهم وحباهم وكتب لهم كتابا هذه نسخته :
بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله جل وعز على لسان رسول الله صلى الله عليه و سلم كتاب صادق وحق ناطق لعمرو بن مرة الجهني لجهينة بن زيدان لكم بطون الأرض وسهولها وتلاع الأودية وظهورها ترعون نباته وتشربون صافية على أن تقروا بالخمس وتصلوا صلاة الخمس وفي التيعة والصريمة شاتان إذا اجتمعتا وإن تفرقتا فشاة شاة ليس على أهل المثيرة صدقة وشهد على نبينا ومن حضرنا من المسلمين بكتاب قيس بن شماس فذلك حين يقول عمرو بن مرة الجهني :
ألم تر أن الله أظهر دينه . . . وبين برهان القرآن لعامر
كتاب من الرحمن يجعلنا معا . . . وأخلافنا في كل باد وحاضر
إلى خير من يمشي على الأرض كلها . . . وأفضلها عند اعتكار الضرائر
أطعنا رسول الله لما تقطعت . . . بطون الأعادي بالظباء الخواطر
فنحن قبيل قد بني المجد حولنا . . . إذا اختليت في الحرب هام الأكابر
بنو الحرب نفريها بأيد طويلة . . . وبيض تلألأ في أكف المغاور
ومن حوله الأنصار يحموا أميرهم . . . بسمر العوالي والسيوف البواتر
إذا الحرب دارت عند كل عظيمة… ودارت رحاها بالليوث الهواصر
تبلج منه اللون وازدان وجهه . . . كمثل ضياء البدر بين الزواهر( ).
رؤيا بشارة بعثة النبي (ص)
رؤيا ربيعة بن نصر اللخمي ملك اليمن التي تأولها سطيح وشق ذكر الرواة من أهل العلم ان ربيعة بن نصر رأى رؤيا هالته وفظع بها فلما رآها بعث في أهل مملكته فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا قائضا ولا منجما إلا احضره إليه فلما جمعهم قال لهم اني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فاخبروني بتأويلها قالوا اقصصها علينا لنخبرك بتأويلها قال اني ان اخبرتكم بها لم اطمئن الى خبركم عن تأويلها انه لا يعرف تأويلها الا من يعرفها قبل ان اخبره بها.
فلما قال لهم ذلك قال رجل من القوم ان كان الملك يريد هذا فليبعث الى سطيح وشق فانه ليس أحد اعلم منهما فهما يخبرانك بما سئلت فلما قيل له ذلك بعث اليهما فقدم عليه سطيح قبل شق ولم يكن مثلهما من الكهان.
فلما قدم عليه سطيح دعاه فقال له يا سطيح اني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فاخبرني بها فانك ان اصبتها اصبت تأويلها قال افعل رأيت جمجمة خرجت من ظلمة فرفعت بارض تهامة فاكلت منها كل ذات جمجمة قال له الملك ما اخطأت شيئا يا سطيح فما عندك في تأويلها فقال احلف بما بين الحرمين من حبش ليهبطن ارضكم الحبش فلتملكن ما بين اثنين الى جرش.
قال له الملك وابيك يا سطيح ان هذا لغائظ موجع.
فمتى هو كائن يا سطيح أفي زماني ام بعده قال لا بل بعده بحين اكثر من ستين أو سبعين يمضين من السنين ثم يقبلون بها اجمعون ويخرجون منها هاربين.
قال الملك من ذا الذي يلي ذلك من قبلهم واخراجهم قال يليه ارم ذي يزن يخرج عليهم من عدن فلا يترك منهم احدا باليمن قال افيدوم ذلك من سلطانه أو ينقطع.
قال بل ينقطع قال ومن يقطعه قال نبي زكي يأتيه الوحي من قبل العلي قال وممن هذا النبي قال من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر يكون الملك في قومه الى آخر الدهر قال وهل للدهر يا سطيح من آخر قال نعم يوم يجمع فيه الاولون والاخرون ويسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون قال احق ما تخبرنا يا سطيح قال نعم والشفق والليل إذا اتسق ما انباتك به لحق.
فلما فرغ قدم عليه شق فدعاه فقال له يا شق اني رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فاخبرني عنها فانك ان اصبتها اصبت تأويلها كما قال السطيح وقد كتمه ما قال السطيح لينظر ايتفقان ام يختلفان قال نعم رأيت جمجمة خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة واكمة فاكلت منها كل ذات نسمة قال له الملك ما اخطأت منها فما عندك في تأويلها قال احلف بما بين الحرمين من انسان لينزلن ارضكم الحبشان فليغلبن على كل طفلة البنان وليملكن ما بين اثنين الى نجران فقال له الملك وابيك ان هذا لنا لغائظ موجع فمتى كاين افي زماني ام بعده قال بعده بزمان ثم يستنقذكم منهم عظيم الشان ويذيقهم اشد الهوان .
قال : ومن هذا العظيم الشان قال غلام ليس بدني ولا مدني يخرج من بيت ذي يزن قال فهل يدوم سلطانه أو ينقطع قال بل ينقطع برسول مرسل ياتي بالحق والعدل بين أهل الدين والفضل يكون الملك في قومه يوم الفصل قال وما يوم الفصل قال يسمع منها الاحياء والاموات ويجمع الناس للميقات يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات قال احق ما تقول يا شق قال اي ورب السماء والأرض وما بينهما من رفع وخفض ان ما انباتك لحق ما فيه امض( ).
ويدل هذا الخبر على البشارة بالإسلام والإنذار من التمادي في الجحود، كما يبين وجود من يعرف القواعد الكلية للرؤيا في زمن الكفر والضلالة لإتمام الحجة على الناس.
إحصاء الرؤيا ومنافعها
الرؤيا هي الصور والرموز التي يراها الإنسان في المنام ، واشتق اسمها من الرؤية البصرية ، وقد تأتي بلفظ رأى مع القرينة التي تدل على أنه حلم وليس يقظة ، كما ورد بخصوص ملك مصر وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ.
وتأويل الرؤيا : تدبرها وتقديرها وتحليلها ، واستنباط المسائل منها ، والرؤيا دعوة للدعاء لتقريب وجلب المصلحة ، ودفع المفسدة ، وهي بشارة وإنذار لإصلاح الذات والتوبة .
والحلم بضم الحاء او بضمها وضم اللام –الرؤيا , والجمع أحلام ويقال حلم يحلم : اذ رأى في المنام، قال ابن سيده : حلم في نومه يحلم واحتلم.
و(عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : من تحلم كاذبا كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين ولن يعقد بينهما.
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح وعن (الإمام علي عليه السلام) عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : من كذب في حلمه كلف يوم القيامة عقد شعيرة)( ).
والرؤيا الصادقة من كنوز الدنيا الروحية ، جعلها الله عز وجل بينه وبين كل إنسان من أهل الأرض ، فلابد لكل إنسان أن يرى الرؤيا الصادقة مع التباين بين الناس في الكم والموضوع ووضوح البشارة أو الإنذار ، والإنتفاع منها ، وهي من مصاديق قوله تعالى وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ.
ومن الآيات في المقام التقاء المؤمن وغيره في العناية بعالم الرؤيا ، سواء كانت رؤيا بشارة أو رؤيا مفزعة ، مع المائز للمؤمن وهو اتجاهه إلى الدعاء والمسألة في الرؤيا .
والله عز وجل وحده الذي يحصي رؤى كل إنسان ، ورؤى الناس جميعاً من أيام آدم إلى يوم ينفخ في الصور ، وإحصاء من انتفع من الرؤيا ، ومن لم ينتفع منها ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا.
وفي رؤيا صاحبي يوسف قال تعالى وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.
ذكر أن يوسف عليه السلام (قال لأهل السجن : إني أعبر الأحلام فقال أحد الفتيين لصاحبه : تعالى حتى نجرب هذا العبد العبراني فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئا)( ).
وهو بعيد خاصة وأن علة عرض رؤياهما على يوسف هي إقرارهم بأنه من المحسنين ، مما يدل على أنهما لم يذكرا الرؤيا للإختبار ونحوه .
ومن العسير تأليف الرؤيا المتعددة بالصيغة التي ذكرت في القرآن وتعقبها بتأويل النبي يوسف ، وتحقق مصداق هذا التأويل .
ولو دار الأمر بين هل هي رؤيا صدق أم كذب فالصحيح هو الأول ، وهو من عمومات قوله تعالى في الثناء على القرآن لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.
وفي المقام مسائل :
الأولى : لا يحصي عدد رؤيا كل إنسان إلا الله عز وجل ، فهو وحده الذي يعلم خفايا النفوس .
الثانية : لا يحصي أثر وبركة الرؤيا في إصلاح الأفراد والمجتمعات إلا الله عز وجل .
الثالثة : الرؤيا الصادقة من مصاديق قوله تعالى يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ، فيقبل الإنسان على بشارات الرؤيا ويمتنع عما فيه إنذار.
الرابعة : قانون الرؤيا حجة على الإنسان .
وهل تحضر الرؤيا الصادقة يوم القيامة ، المختار نعم ، لبيان فضل الله عز وجل على الناس ، ولقوله تعالى فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ.
الخامسة : لا يحصي منافع الرؤيا إلا الله عز وجل ، ولا تختص هذه المنافع بالدنيا ، بل تشمل الآخرة أيضاً ، قال تعالى لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.
ولم يرد لفظ (غطاءك) و(فبصرك) في القرآن إلا في الآية أعلاه.
السادسة : دعوة الناس للعناية بالرؤيا الصادقة وتأويلها .
السابعة : البعث على التصدق والدعاء لصرف مصداق رؤيا الإنذار ، فلا يقول الإنسان عند وقوع مصداقها إني علمت بالرؤيا أن هذه المصيبة ستقع بل عليه أن يدعو الله لصرفها.
فمثلاً رأى شخص سقوط أحد أسنانه ، وتم تأويله بموت أخ أو قريب ، فاذا اجتهد في الدعاء لصرف شر هذه الرؤيا ، فان الله عز وجل يمحو أثرها ، ويمد بعمر الذي أخبرت الرؤيا عن موته .
ولو توجه صاحب يوسف عليه السلام الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزاً تأكل الطير منه ، بأنه يصلب وتأكل الطير من رأسه ، فهل يتحقق ذات الصلب ، أم يمحوه الله عنه ، وإذا كان يمحى الأثر المتعقب لهذه الرؤيا لماذا لم يأمره يوسف عليه السلام بالدعاء .
والجواب يتجلى في ذات الآيات باخبار يوسف لهما بأنها من مجتمع مشركين ، قال تعالى مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.
وهذا الشرك من أسباب الإبتلاء ، وحجب الإنتفاع من الرؤيا وتأويلها فأراد يوسف توبتهما ، الجواب نعم ، ولا يعلم كثرة اتخاذ الناس التوبة طريقاً للنجاة في الدنيا والآخرة بسبب رؤيا البشارة أو رؤيا الإنذار إلا الله عز وجل ، ويتجلى قانون الرؤيا مقدمة للتوبة .
الآية الرابعة : قال تعالى [وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا] ( ) لبيان الإمتناع عن الكذب في الرؤيا ، وان الله عز وجل يؤاخذ عليها ، ويلزم العلماء والمؤمنين ببيان قبح الكذب في الرؤيا ، وفضح ما يؤدي إلى الإرهاب والرعب العام ، وخطاب الكراهية الذي لا أصل له.
لقد جعل الله عز وجل الرؤيا بشارة وإنذاراً ومناسبة للدعاء والإتعاظ ، فلا يصح الكذب فيها ، ومن أضرار هذا الكذب صيرورته سبباً لقلة الإتعاظ من الرؤيا .
وعن ابن عباس (في قوله وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قال : هي رؤيا عين ، أريها رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – ليلة أسري به إلى بيت المقدس ، وليست برؤيا منام وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ قال : هي شجرة الزقوم) ( ).
والمشهور والمختار أنها رؤيا منام , ولا مانع من التعدد مع صحة السند ، ولا مانع من التعدد والجمع بين اليقظة والمنام .
الآية الخامسة : قوله تعالى إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ.
الرؤيا دعوة للصبر
لقد جعل الله عز وجل القرآن تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، ومنها قصص الأنبياء ، وموضوعية الرؤيا في حياة الأنبياء وعنايتهم بها ، وقيامهم بتأويلها ، ويوسف هو ابن يعقوب النبي.
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم ، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)( ).
لتكون رؤيا يوسف على وجوه :
الأول : البشارة بعلو منزلة يوسف عليه السلام .
الثاني : دعوة النبي يوسف للصبر والتحمل وانتظار الفرج فيما يلاقيه من الأذى.
الثالث : مواساة يعقوب عليه السلام ، وبعث السكينة في نفسه حال غياب يعقوب عنه عشرين سنة بانتظار تنجز مصداق الرؤيا ، لذا قال لولده يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ.
الرابع : طرد اليأس والقنوط من بيوت الأنبياء ببقاء الأمل بسلامة يوسف كمقدمة لتحقق رؤياه ، قال تعالى لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ.
لقد رآى يوسف وعمره اثنتا عشرة سنة كأن أحد عشر كوكباً خرت من السماء وسجدت له ، كما رآى الشمس والقمر قد سجدا له مع هذه الكواكب فبادر بقصها على أبيه .
لقد علم يعقوب النبي عليه السلام تأويل رؤيا يوسف وأن الأحد عشر كوكباً هم إخوته ، إذ كانوا أحد عشر رجلاً ، والشمس والقمر أبوه وأمه .
وهل كان تأويل يعقوب هذا بالوحي ومنزلة النبوة ، أم أنه بالإجتهاد ، وظهور الرؤيا.
المختار هو الأول ، وإلا كيف يكون سجود الأب والأم للابن ، خاصة وأن الأب نبي ابن نبي ابن نبي رسول من الرسل الخمسة أولي العزم ، فهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام .
الرؤيا في سورة يوسف
أما سورة يوسف التي أوردها الله سبحانه لسرد قصة أحد الأنبياء فقد تجسدت بها مدلولات الرؤيا وأهميتها كميزان يبين مضامين الحكمة وجانباً من الاسرار الخفية والعلوم المكنونة في خلق الانسان.
فيبدأ موضوع الرؤيا فيها من رؤيا يوسف عليه السلام في صغره وقيام أبيه نبي الله يعقوب بمهمة التأويل الأمر الذي يضفي اهتماماً خاصاً بعلم الرؤيا ومادتها وما تحتويه وما ترمز إليه من تعبير وإخبار عن أمر مستقبلي يصير انعطافاً في تأريخ الإنسانية كحلقة بشارة وضوء يساهم في الاهتداء نحو الغايات التي تكون هدفاً روحياً ودنيوياً وأخلاقياً وأخروياً عبر خطوات ثابتة راسخة واثقة مملوءة توكلاً على الله وإيماناً ودلالة على إدراك يوسف عليه السلام لمقام الرؤيا وصدقها.
واختلف في سنّ يوسف عند رؤياه على أقوال :
الأول : ابن سبع سنين .
الثاني : ابن اثنتي عشر سنة .
الثالث : ابن سبع عشرة سنة ، وهذا القول بعيد.
والمختار هو الثاني ، لذكر اللعب في قول إخوته قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ* أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ. ولعدم طول المدة بين القائه في البئر وبين افتتان امرأة العزيز به .
ويحول عنصر النبوة وشرفها دون الالتفات إلى صغر سنّه آنذاك خاصة بعد ثبوت تعلقها في ذاكرته ووجود بصماتها في سلوكه ابتداءً من مسارعته من ساعته إلى أبيه النبي ليقص عليه بلا تردد أو استحياء تلك البشارة إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ .
قيل ان يوسف عليه السلام كان نائماً ورأسه على فخذ يعقوب عليه السلام الذي يتفكر في وجه ابنه ويقول في نفسه أترى هذا الوجه احسن من الشمس والقمر .
فانتبه يوسف عليه السلام عند ذلك فقال: يا أبت ما قدر الشمس والقمر عند صورتي إني رأيتهما يسجدان لي.
وإلى جانب ما تحمله الآية من أمر إلى الأبناء ليبثوا ما يعتريهم وما يحل بساحتهم إلى آبائهم، والأدب في الخطاب، والمحادثة بين الابن وأبيه، فان قولـه تعالى[ إِنِّي رَأَيْتُ ] يبين اعتقاداً واقعياً بالرؤيا في المنام واتصالها بعالم الحقيقة وإشعاراً قرآنياً للزوم الاهتمام بالرؤيا وتأويلها.
ويحمل الكلام على رؤيا المنام لأن الكواكب لا تسجد وبقرينة الآيات الأخرى في السورة، وفي الرؤيا بشارة ليوسف وحسن عاقبة لاخوته لما تبعثه الكواكب من ضوء، ففيها درس ليوسف عليه السلام لكي يعلم اثناء القائهم لـه في غيابت الجب انه سينجو ويكون أعلى شاناً وان التوبة ستصيبهم .
وعن ابن عباس ان يوسف رأى في المنام ليلة الجمعة ليلة القدر أحد عشر كوكباً نزلت من السماء فسجدت لـه ورأى الشمس والقمر نزلا من السماء فسجدا له.
تنزيه يوسف (ع)
ومن إعجاز القرآن تنزيه ساحة الأنبياء ، وبيان عصمتهم والدفاع هذه الخطوط خاصة باليوميات عنهم فالمتبادر أن دخول السجن عقوبة عن معصية ومخالفة للأصول والقواعد العامة ، فنزل القرآن ببيان حقيقة وهي أنه قد يدخل السجن ظلماً البرئ وسجين الرأي والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر .
وأن يوسف أظهر آيات العصمة والتقوى طاعة لله عز وجل ، ودعوة إليه فقال تعالى ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ، وفي سورة يوسف دعوة للحكام والملوك للنظر المتجدد في أحوال السجناء ، وسماع شكواهم بعين الرأفة والتخفيف .
ومن الآيات التي رأوها :
الأولى : الأمانة والنزاهة .
الثانية : عصمة يوسف من الزنا ، وشق المرأة لقميصه من الخلف ، وفي التنزيل قال إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ.
الثالثة : قطع النساء أيديهن لجمال حسن وهيبة يوسف .
الرابعة : مراودة النسوة يوسف عليه السلام وإمتناعه عن المعصية .
الخامسة : ميل الناس لدين يوسف وهو التوحيد لقانون الخصال الحسنة تجذب الناس ، أي أن القوم رأوا الآيات في أهليهم وعامة الناس بالميل إلى دين التوحيد ونبذ مفاهيم الشرك .
السادسة : قيام يوسف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
ومن الإعجاز في المقام بيان عظيم مرتبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ أرادت قريش سجنه ، فتعذر عليها هذا الأمر ، قال تعالى وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
وعن ابن عباس في الآية أعلاه (تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم : إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق – يريدون النبي صلى الله عليه وآله وسلم – وقال بعضهم : بل اقتلوه ، وقال بعضهم : بل أخرجوه.
فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك ، فبات علي عليه السلام على فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى لحق بالغار .
وبات المشركون يحرسون علياً عليه السلام يحسبونه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما أصبحوا ثاروا إليه ، فلما رأوه علياً عليه السلام رد الله مكرهم فقالوا : أين صاحبك هذا؟
قال : لا أدري . . . ! فاقتصوا أثره ، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا في الجبل ، فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا : لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه ، فمكث فيه ثلاث ليال)( ).
وأختاروا قتله في فراشه ، فهاجروا إلى المدينة في ذات الليلة التي اجتمع عشرة من فتيان قريش بباب داره في مكة، للهجوم عليه وقت السحر وبات الإمام علي عليه السلام في فراشه ، ليغادر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبه مكة ويختفيا في غار ثور ، قال تعالى إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
ومن الآيات أن الذين اختارتهم قريش لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قالوا لم نهجم عليه بغتة ، إنما نوقظه كي يرى حرارة السيوف ، وسيل دمه ، فنهظ الإمام علي عليه السلام في وجوههم لينجو من القتل كما وعده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد رأى في المنام كأنه يهاجر من مكة إلى أرض ذات نخل وشجر .
(عن ابن عباس : لما اشتد البلاء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء فقصها على أصحابه فاستبشروا بذلك ورأوا فيها فرجا مما هم فيه من أذى المشركين ثم إنهم مكثوا برهة لا يرون ذلك فقالوا : يا رسول الله متى نهاجر إلى الأرض التي رأيت.
فسكت النبي صلى الله عليه وآله و سلم فأنزل الله تعالى : { وما أدري ما يفعل بي ولا بكم}( ) أي لا أدري أأخرج إلى الموضع الذي رأيته في منامي أم لا ثم قال : إنما هو شيء رأيته في منامي ما أتبع إلا ما يوحى إلي)( ).
لبيان أن الرؤيا للبشارة أو الإنذار، إنما المدار على الوحي والتنزيل .
يوسف بين القرآن والتوراة
سورة يوسف هي السورة الوحيدة في القرآن التي اختصت بقصة نبي من الأنبياء ، ومجموع آياتها (111) آية وعدد كلماتها (1795) كلمة ، وورد اسم (يوسف) سبعاً وعشرين مرة في القرآن.
ومن خصائص آيات القرآن الإعجاز البلاغي ، واستنباط المسائل والأحكام من الآية القرآنية والصلة بين أولها وأوسطها وآخرها ، والصلة بينها وبين آيات القرآن الأخرى .
وقال تعالى نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ، ووردت الآية أعلاه في سورة يوسف لبيان أن ذكرها في القرآن من أحسن القصص في تأريخ التنزيل والإنسانية .
وذكرت قصة يوسف في التوراة على نحو التفصيل الخالي من البلاغة ودلالاتها منها (
41:1 وحدث من بعد سنتين( ) من الزمان ان فرعون راى حلما واذا هو واقف عند النهر .
41:2 وهوذا سبع بقرات طالعة من النهر حسنة المنظر وسمينة اللحم فارتعت في روضة .
41:3 ثم هوذا سبع بقرات اخرى طالعة وراءها من النهر قبيحة المنظر ورقيقة اللحم فوقفت بجانب البقرات الاولى على شاطئ النهر.
41:4 فاكلت البقرات القبيحة المنظر والرقيقة اللحم البقرات السبع الحسنة المنظر والسمينة واستيقظ فرعون .
41:5 ثم نام فحلم ثانية و هوذا سبع سنابل طالعة في ساق واحد سمينة وحسنة .
41:6 ثم هوذا سبع سنابل رقيقة و ملفوحة بالريح الشرقية نابتة وراءها.
41:7 فابتلعت السنابل الرقيقة السنابل السبع السمينة الممتلئة واستيقظ فرعون واذا هو حلم .
41:8 وكان في الصباح ان نفسه انزعجت فارسل ودعا جميع سحرة مصر وجميع حكمائها وقص عليهم فرعون حلمه فلم يكن من يعبره لفرعون.
41:9 ثم كلم رئيس السقاة فرعون قائلا انا اتذكر اليوم خطاياي.
41:10 فرعون سخط على عبديه فجعلني في حبس بيت رئيس الشرط انا ورئيس الخبازين .
41:11 فحلمنا حلما في ليلة واحدة انا وهو حلمنا كل واحد بحسب تعبير حلمه .
41:12 وكان هناك معنا غلام عبراني عبد لرئيس الشرط فقصصنا عليه فعبر لنا حلمينا عبر لكل واحد بحسب حلمه.
41:13 وكما عبر لنا هكذا حدث ردني انا الى مقامي واما هو فعلقه.
41:14 فارسل فرعون ودعا يوسف فاسرعوا به من السجن فحلق وابدل ثيابه ودخل على فرعون .
41:15 فقال فرعون ليوسف حلمت حلما وليس من يعبره وانا سمعت عنك قولا انك تسمع احلاما لتعبرها .
41:16 فاجاب يوسف فرعون قائلا ليس لي الله يجيب بسلامة فرعون.
41:17 فقال فرعون ليوسف اني كنت في حلمي واقفا على شاطئ النهر.
41:18 وهو ذا سبع بقرات طالعة من النهر سمينة اللحم وحسنة الصورة فارتعت في روضة.
41:19 ثم هوذا سبع بقرات اخرى طالعة وراءها مهزولة وقبيحة الصورة جدا ورقيقة اللحم لم انظر في كل ارض مصر مثلها في القباحة .
41:20 فاكلت البقرات الرقيقة والقبيحة البقرات السبع الاولى السمينة.
41:21 فدخلت اجوافها ولم يعلم انها دخلت في اجوافها فكان منظرها قبيحا كما في الاول واستيقظت.
41:22 ثم رايت في حلمي وهوذا سبع سنابل طالعة في ساق واحد ممتلئة وحسنة .
41:23 ثم هوذا سبع سنابل يابسة رقيقة ملفوحة بالريح الشرقية نابتة وراءها .
41:24 فابتلعت السنابل الرقيقة السنابل السبع الحسنة فقلت للسحرة ولم يكن من يخبرني .
41:25 فقال يوسف لفرعون حلم فرعون واحد قد اخبر الله فرعون بما هو صانع .
41:26 البقرات السبع الحسنة هي سبع سنين والسنابل السبع الحسنة هي سبع سنين هو حلم واحد .
41:27 والبقرات السبع الرقيقة القبيحة التي طلعت وراءها هي سبع سنين والسنابل السبع الفارغة الملفوحة بالريح الشرقية تكون سبع سنين جوعا)( ).
أسماء الكواكب التي رآها يوسف (ع)
روى جابر ان يهودياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد اخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فنزل جبريل عليه السلام فأخبره بذلك فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لليهودي: ان أخبرتك هل تسلم؟ قال: نعم .
قال: (حريان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووئاب وذو الكتفين رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدت لـه) فقال اليهودي: أي والله انها لأسمائها (1)،وفي رواية أخرى ، عن جابر جاء بستاني يهودي ، مما يدل على دقة تفاصيل الرؤيا والعناية بتوثيق تفاصيلها ، ولابد انها كمسميات وأسماء لها اعتبار في تفسير الرؤيا وتحقق موضوعها.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: لما رآها يوسف وقصها على أبيه يعقوب قال لـه أبوه: هذا أمر مشتت يجمعه الله من بعد( ).
قال: والشمس أبوه والقمر أمه .
والسجود هنا هو التطامن والانحناء الذي سببه الانقياد والخضوع والمبالغة بالتعظيم .
وكان من عادات الناس في بعض البلدان ومنها بلاد فلسطين وعند تحية التعظيم ونحوه، واستعمل في القرآن بمعنى انقياد كل المخلوقات لإرادة الله سبحانه وتعالى، بما في ذلك سجود الملائكة لآدم عليه السلام، والسجود في الاصطلاح هو وضع الجبهة على الأرض كونه ركناً لفريضة أو نافلة أو تطوعاً في هيئة استسلام وعبادة لله عز وجل.
النجوم والرؤيا
هناك من قال الى جانب الرؤيا التي هي الهام من الله عز وجل بوجود تأثير للنجوم وطبائعها والبيوت واستيلاء السعود عليها أو النحوس واتصال الطالع فاذا كان للزهرة هناك حظ من الحظوظ فان اكثر رؤى ذلك الفرد تكون في النكاح والصلات الاجتماعية ونحوه. واذا كان الحظ للمريخ فأن الرؤيا تكون في الحروب والخصومات والمنازعات.
وان كان الحظ للمشتري تكون الرؤيا في المعاملات والتجارات.
وان كان الحظ لزحل فبحضرة المشايخ والاكابر من الناس. وذكرت لذلك امثلة فاذا كان الاتصال من البرج التاسع والمستولي عليه زحل فان اكثر رؤاه اسفار بعيدة وامور قديمة.
وان كانت الشمس فالهياكل وبيوت العبادات والاعياد والجماعات وما شاكلها.
وان كانت عطارد فتأتي الرؤيا رمزاً للبحث عن العلوم والاسرار.
وان كان القمر ففي الاحاديث والاخبار والروايات.
وعلى هذا الاساس والقياس وسائر الاتصالات في البروج والبيوت تمتزج دلائل طبائع الكواكب بدلائل طبائع البروج فتؤثر في شكل تلك الرؤيا التي هي من موجبات احكام النجوم واوردوا لذلك مثلاً خطيراً، يرد عليه الاشكال دلالة وموضوعاً وان بدى محبوكاً بعناية وذكاء فقد قال احدهم كنت بجزيرة أُوال( ).
وكان بها رجل من المتصلين بحبل الله عالماً بهذا العلم فقصدته زائراً فرأيت قوماً من اهل البلد قد دخلوا عليه وشكوا اليه غمهم بمحبوس لهم قد حبسه أمير البلد في جناية جناها. قالوا: قد طرحنا انفسنا على الوزير والحاجب وخواص الامير فلم ينفعنا ذلك وقد بذلنا لـه الرشوة بحسب طاقتنا فلم يقبل وقد ذكر لنا انه قال لا بد لي من قتله.
فأطرق ذلك الرجل اطراقة ثم رفع رأسه وقال الليلة في آخرها صاحبكم عندكم فامضوا أولاً ولا تشعروا احداً بما القيته اليكم. فخرج القوم من عنده فقلت لـه على طريق الملاعبة: قد اوحي اليك ان الامير الليلة يطلق هذا المحبوس ، قال: سوف ترى.
فقلت : ولا يجوز اطلاقه غداً، فقال ان تأخر اطلاقه الليلة لم يصح اطلاقه الى ستة اشهر وكسر. وانما قد اتفق سعادة لهذا المحبوس ان جاءني هؤلاء القوم في هذا اليوم. واشتغل بحديث آخر وخرجت من عنده.
فلما كان من الغد أتيته زائراً فوجدت الذين كانوا بالامس قد سبقوني الى عنده وهم شاكرون لـه بما بشرهم به من تخلية المحبوس ويسألونه عن علمه بذلك.
فقال لهم: الطالع الذي دخلتم به شهد ان محبوسكم في هذه الليلة يُطلق ولم يكشف لهم عن حقيقة الامر، ورأيت غلاماً شاباً مصفر اللون قد انهكه الحبس والقيد.
فأقبل الشيخ على الشاب فقال لـه: حدث هذا الرجل كيف خلاك الامير البارحة فالتفت اليّ الشاب الذي كان محبوساً.
فقال : اني كنت محبوساً في الطامورة مطروحاً وانا مكبل بالحديد وقد هددني السجان في آخر يوم امس وقال بان الامير قد انفذ بان يحمل اليه قوم قطعوا في البحر الطريق وانه ينتظر اولئك وانه يصلبك في جملتهم.
ذكر لي هذا عند اصفرار الشمس فبكيت طول ليلتي ولم يحملني النوم اصلاً فبينما انا كذلك وقد عبر من الليل النصف الاول اذ سمعت حركة شديدة وباب الطامورة يفتح ففزعت ورفعت رأسي الى السماء مستعيناً بالله تعالى واذا الجماعة من الخدم قد نزلوا وحملني احدهم بحديدي فادخلنا على الامير فاذا به قائم.
فلما رآني قال حطوه برفق واستدعى من فك الحديد عني وسألني ان اجعله في حل مما فعل بي وامر ان اجعل في جملة خدمه واثبت لي رزقاً جارياً مع خاصته وافرج عني وهذا حالي.
وقاموا فخرجوا من عنده فجددت السؤال للشيخ ورغبت اليه ان يعلمني السبب في تخليته اذ لم يقل لهم انه سيخلى الليلة عنه فائدة. فقال: لا يمكنني ان اخبرك في هذا اليوم فان صبرت ثمانية وعشرين يوماً اعلمتك.
فقلت لـه : اني من الصابرين. فلما انقضت الايام جددت السؤال فقال: هؤلاء القوم الذين جاؤا بمسألة المحبوس قوم اخيار يلزمني امرهم ورأيتهم مغمومين بهذا المحبوس فقلت لهم ما قلت. ولما كان في تلك الليلة على ساعتين من الليل تجردت وعملت نيرنج المريخ وقصدت بالنيرنج الامير والمحبوس فأطلقته كما رأيت.
فقلت للشيخ : احب ان تعلمني سبب اطلاقه لـه؟ فقال: السبب في ذلك ان الامير رأى فيما يرى النائم كأن قد دخل عليه رجل اشقر ازرق على رأسه شعر وهو مكشوف الرأس وبيده سيف مجرد يقول ان لم تخل في هذه الساعة فلان ابن فلان – لم يرد في صدر الرواية سؤال العالم لهم عن اسمه – المحبوس عندك وجاءت الليلة قطعت رأسك بهذا السيف ، فكان هذا سبب التخلية لـه فاستطرفت ذلك واستعظمته.
فقال لي اياك ان يسمع منك هذا احد في هذه المدينة ما دمت بها فضمنت لـه ذلك، وقلت: وللمريخ نيرنج يعمل؟ فقال: لزحل لباس سواد وللمشتري بياض ، وللمريخ حمرة ، وللمشتري أصفر ، وللزهرة اخضر ، ولعطارد ملون وللقمر سمكون( ).
ان الترويج لفكرة ما ومحاولة اغراء الآخرين وجذبهم يجب ان لا يكون على حساب العقل والواقع والوجدان أو غيلة للحق وادعاء ما ليس بواقع، والاحلام عالم رحب واسع فيجب ان لا يستغل للاغراض الخاصة والدعوة لمذهب معين.
رؤيا يوسف في التوراة
(37: 5 وحلم يوسف حلما و اخبر اخوته فازدادوا ايضا بغضا له
37: 6 فقال لهم اسمعوا هذا الحلم الذي حلمت
37: 7 فها نحن حازمون حزما في الحقل و اذا حزمتي قامت و انتصبت فاحتاطت حزمكم و سجدت لحزمتي
37: 8 فقال له اخوته العلك تملك علينا ملكا ام تتسلط علينا تسلطا و ازدادوا ايضا بغضا له من اجل احلامه و من اجل كلامه
37: 9 ثم حلم ايضا حلما اخر و قصه على اخوته فقال اني قد حلمت حلما ايضا و اذا الشمس و القمر و احد عشر كوكبا ساجدة لي
37: 10 و قصه على ابيه و على اخوته فانتهره ابوه و قال له ما هذا الحلم الذي حلمت هل نأتي انا و امك و اخوتك لنسجد لك الى الارض
37: 11 فحسده اخوته و اما ابوه فحفظ الامرس)( ).
وقيل ان أخبار يوسف لأبيه برؤياه ما سمعه إلا خالته أم شمعون فأفشته إلى اخوته عندما عادوا من الصحراء فقالت لهم: ويلكم التعب عليكم والأجر ليوسف والاقبال عليه. ولما بلغهم نبأ رؤياه فقالوا: ما رضي ان يسجد لـه اخوته حتى يسجد لـه أبواه. ويؤيد ذلك ان الآية تذهب إلى توكيد معرفة يعقوب لإمكانية تأويل اخوة يوسف لرؤياه فيحسدونه ويبغونه الغوائل لكراهيتهم علو يوسف عليهم.
ثم أعلن يعقوب عليه السلام استبشاره بدوام بقاء كلمة التوحيد وميثاق النبوة في عقبه بقولـه تعالى وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ.
إسماء الكواكب الأحد عشر
وعن جابر بن عبد الله (قال : جاء بستاني يهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ، أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف عليه السلام ساجدة له ، ما أسماؤها .
فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه بشيء . فنزل جبريل عليه السلام فأخبره بأسمائها ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البستاني اليهودي فقال : هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها.
قال نعم . قال : حرثان والطارق والذيال وذو الكفتان وقابس ودثان وهودان والفيلق والمصبح والضروح والفريخ والضياء والنور ، رآها في أفق السماء ساجدة له ، فلما قص يوسف على يعقوب قال : هذا أمر مشتت يجمعه الله من بعد.
فقال اليهودي : أي والله ، أنها لأسماؤها)( ).
وفي هذا الخبر شاهد بأن يوسف رأى كواكب مخصوصة في المنام ، ولم ير إخوته وأبويه فيها .
تحذير يعقوب النبي ليوسف
لقد سارع يعقوب النبي إلى تحذير يوسف من إخبار إخوته برؤياه خشية حسده بالقول والفعل والمكر .
وهل تقيد يوسف بنصيحة وتحذير أبيه النبي أم أنه قص رؤياه على إخوته.
المختار هو الأول للصفة العامة بالنبي من صغره بالتقيد بالأوامر النبوية وإن لم يبلغ هو رتبة النبوة ، ويدل على هذا المعنى أنهم أظهروا حسدهم من يوسف لحب أبيه له ولأخيه وليس للرؤيا ، إذ ورد في التنزيل إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ.
وبعد هذه الرؤيا استأذن أبناء يعقوب أباهم بأن يخرج يوسف عليه السلام معهم إلى الرعى بقولهم أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.
بعد أن مكروا وانفقوا على القائه في غيابت الجب أي في قعر البئر سمي غيابت لأنه يغيب عن أعين الناس ، وإن نادى فلا أحد يسمعه ، ولكن أبى الله إلا نجاته ، قال تعالى وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
و(قال وهب : وكان يوسف رأى وهو ابن سبع سنين ، أن احدى عشرة عصاً طوالا كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدائرة وإذا عصا صغيرة ثبتت عليها حتى اقتلعتها وغلبتها فوصف ذلك لأبيه.
فقال له : إياك أن تذكر هذا لإخوتك ، ثم رأى وهو ابن اثني عشرة سنة أنّ أحد عشر كوكباً والشمس والقمر سجدن له فقصّها على أبيه فقال له لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا فيبغوا لك الغوايل ويحتالوا في إهلاكك ، لأنهم يعلمون تأويلها فيحسدونك [إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ])( ).
ولا دليل على تعدد الرؤيا عند يوسف في المقام والقدر المتيقن هو الرؤيا التي أخبر عنها القرآن .
وكان بين رؤيا يوسف عليه السلام وبين تحقق مصداقها في الواقع نحو أربعين سنة عندما دخل يعقوب وزوجه وإخوة يوسف مصر ، فسجدوا ليوسف سجود تعظيم كعزيز مصر ، وهذا السجود متعارف في زمانهم ، وليس هو سجود طاعة وعبادة كما هو في شريعة الإسلام.
اسم يوسف
وفي اسم يوسف قولان :
الأول : أنه اسم عربي مشتق من الأسف ، والأسف لغة مرتبة أدني من الحزن ، والنسبة بينها عموم وخصوص مطلق ، فكل حزن هو أسف وليس العكس .
الثاني : اسم عبري ومعناه منح وعطاء الله وقيل اسمه بالعبرية (يوزرسيف) .
والمختار أنه اسم عربي لقانون لو دار الأمر في اللفظ القرآني هل هو عربي أم أعجمي فالأصل هو عربي لقوله تعالى إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، ولبيان أن الأسماء العربية موجودة عند الأنبياء السابقين يتوارثونها من أيام أبينا آدم عليه السلام .
و(قال ابن عباس : رأى هذه الرؤيا ليلة الجمعة وكانت ليلة القدر ، فلما قصها على يعقوب أشفق عليه من حسد إخوته فقال : يا بني هذه رؤيا الليل فلا يعول عليها ، فلما خلا به قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ))( ).
تعبير الرؤيا من تأويل الأحاديث
إن الاجتباء والاختيار من الله عز وجل لهم يأتي حيث الابتلاء والتوقير والاكرام بالتوفيق للهداية وسنن التقوى و اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ وادخال تعبير الرؤيا ضمن تأويل الأحاديث يدل على اهميته وموضوعيته كمدرسة علمية عقلية روحية، ويؤكده بالدلالة الالتزامية تأويل يوسف لرؤيا السجينين ورؤيا الملك وما فيهما من الدروس والعبر ووجوه الحكمة .
قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام (لما أمر الملك بحبس يوسف عليه السلام في السجن
ألهمه الله تأويل الرؤيا فكان يعبر لاهل السجن رؤياهم)( ).
والحديث يؤكد المرتبة العالية لعلم التأويل وعظيم منافعه وجلالة خطره ومنزلته في حياة الناس بل وشرفه كعلم وهبي، وان كان ذلك لا يمنع من ان يكون في بعض مصاديقه علماً اكتسابياً مع الاقرار الاتفاقي على التفاوت الكبير بينهما.
ان التحذير الذي صدر من يعقوب النبي ليوسف كحرز ودرع لما تحمله رؤياه من بشارات هو فضل من الله تعالى أخذه المسلمون وانتفعوا منه بحكمة وموعظة. عن الصادق عليه السلام: والدي عليه السلام: والله إني لاصانع بعض ولدي واجلسه على
فخذي وأنكز له المخ وأكسر له السكر وإن الحق لغيره من ولدي، ولكن مخالفة عليه منه ومن غيره، لا يصنعوا به ما فعل بيوسف وإخوته وما أنزل الله سورة إلا أمثالا لكن لا يجد بعضنا بعضا كما حسد يوسف إخوته، وبغوا عليه)( )، وبذا تدخل الرؤيا في مدرسة المثل القرآني التي جعلها الله مناراً للحكمة وسبيلاً للكمالات وسلاحاً بيد المسلم ، ومنهاجاً في اعداد شخصيته وتربيته وحافزاً للصبر والمثابرة والجهاد.
أثر الرؤيا
من الصعوبة بمكان إنكار أثر تلك الرؤيا النسبي في مراحل بطش اخوة يوسف والقائهم يوسف في قعر البئر ذي العمق ليغيب عن الأبصار، لتصبح في الخارج باباً للابتلاء ، قال تعالى لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.
ولتكون منافعها قريبة واضحة كأحد الحوافز في هروب يوسف من الفحشاء، واستعداده لتحمل المسؤوليات الجسام.
وذكر السدي وغيره انه لم يكن بين اكرامهم يوسف وبين اظهار الاذى لـه الا ان غابوا عن ابيهم وتواروا عنه ، فشرعوا يأذونه بالقول من شتم ونحوه، والعقل من ضرب ونحوه ، ثم جاءوا به إلى ذلك الجب الذي اتفقوا على رميه فيه فربطوه بحبل ودلوه فيه فكان إذا لجأ إلى واحد منهم لطمه وشتمه. ثم نزعوا قميصه عنه وهو يقول: لا تفعلوا ردوا عليّ القميص أتوارى به، فيقولون: دع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً يؤنسنك.
نعم تلك الرؤيا لم تكن علة تامة لحسدهم لـه بل الأهم منها اكرام يعقوب النبي لـه، وان كان هذا الاكرام بحق لأن يوسف وارث النبوة، ولكن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
كذلك فان قولـه تعالى وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ لم ينح موضوع الرؤيا جانباً إذا ما علمنا أن رؤيا الأنبياء وحي، والوحي على وجوه كثيرة :
الأول : بمعنى الاستخبار .
الثاني : الإلهام .
الثالث : المناجاة .
الرابع : الإرسال .
الخامس : الخبر .
والتداخل بينها أو بين شطر منها في حالة واحدة جزء من آيات الله وبعض من فضله على نفر من خلقه.
ولعل لتلك الرؤيا وما احتلته في الذهن من أمل وطموح وانتظار واستعداد على صعيد العمل والواقع منافع واثاراً مباركة في هروب يوسف من مراودة امرأة العزيز لـه وفي التنزيل: قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ . ان يوسف عليه السلام يطمع في نيل ما بشر به في الرؤيا بدوام الثبات على الإيمان في عبوديته لله وعلى نحو الاخلاص والانقطاع، ترى هل في الآية ما يؤكد بأن الظلم والعدوان والفواحش أمور تحجب تحقق البشارات وان الباب من مصاديق قولـه تعالى يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ .
الآية السادسة : قوله تعالى قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ، تحذير وإنذار يعقوب النبي لأبنه يوسف من إفشاء رؤياه للدلالة على صدقها وتنجزها بفضل الله عز وجل.
الآية أعلاه من سورة يوسف وهي مكية والسورة الثالثة والخمسون في ترتيب النزول ، ونزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاة عمه أبي طالب وزوجه خديجة ، وكأنها مواساة له ، وتوطئة للأذى الذي يلاقيه وأهل بيته وأصحابه من كفار قريش.
كما تبين نعمة نجاة النبي محمد من السجن الذي أرادته له قريش وكما يسجن الشاعر الذي لا يروق لهم ، كما في قوله تعالى وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ، ومعنى يثبتوك أي يحبسوك ويوثقوك.
حالما استمع يعقوب النبي ليوسف وهو يقص رؤياه بادر إلى تحذيره وإنذاره من قص رؤياه على إخوته لأنهم سيحتالون في البطش به وهلاكه حسداً منهم لدلالة هذه الرؤيا على ارتقائه لمنزلة رفيعة تجعلهم تحت أمرته وسلطانه ، الأمر الذي لا يرضون به .
وتبين هذه الآية أن أبناء يعقوب على درجة من الفقاهة بحيث يدركون ما تدل عليه رموز هذه الرؤيا وتعبير سجود الآيات الكونية بهيئة العاقل ، وهو من مصاديق قوله تعالى ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ.
وكان إخوة يوسف أحد عشر رجلاً من ضمنهم أخوه لأمه وابيه بنيامين.
ترى لماذا قدّم يعقوب عليه السلام التحذير على تأويل الرؤيا على الشكر لله بقوله وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
الجواب لأن هذا التحذير ولزوم كتمان الرؤيا مقدمة لتخفيف مصداقها في الخارج من غير أذى وابتلاء ، وهذا التحذير نوع شكر لله عز وجل .
ويتجلى برّ يعقوب بجميع أبنائه بأن نسب كيد إخوة يوسف في حال وقوعه إلى الشيطان وعداوته للإنسان مما يدل على توارث الأنبياء الوصية بالاحتراز من كيد الشيطان من أيام آدم عليه السلام حينما أغوى إبليس آدم وحواء بالأكل من الشجرة التي نهاهما الله عز وجل عن الإقتراب منها ، قال تعالى فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ.
فذكر يعقوب الإنسان في قوله تعالى إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
والمراد من الإنسان في الآية اسم الجنس الإستغراقي ، أي أنه عدو لكل إنسان ذكراً أو أنثى وفي كل زمان .
ووردت آية أخرى تدل على تبرء الشيطان من الإنسان الذي يتبعه ، قال تعالى وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا.
وهل هو عدو للناس مجتمعين ومتفرقين ، الجواب نعم ، قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
ويقال كاده يكيده كيداً ، إذا أراد الإضرار به باحتيال خفي.
ويصرف الله عز وجل الكيد بالدعاء والتوسل إليه وأداء الفرائض العبادية والصدقة ، قال تعالى في ذم الكافرين إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا.
وهناك مسألتان :
الأولى : عامة وهي هل رؤيا البشارة والإنذار من صرف كيد الأشرار ، المختار نعم .
الثانية : هل رؤيا يوسف عليه السلام وتعبير يعقوب لها من كيد الله عز وجل ، الجواب نعم .
لأن رؤيا يوسف عليه السلام لطف من عند الله ، وهي نعمة بذاتها وبلحاظ أنها مقدمة لمنزلة رفيعة ليوسف ، ونجاة الناس من محّط وجدب سبع سنوات متتالية.
الاحتراز في قص الرؤيا
جاءت الآية الخامسة من سورة يوسف لتضع إطاراً تاريخياً للدائرة التي ينحصر فيها الإعلان عن الرؤيا وبيانها حتى وان كان من التأويل والتعبير قَالَ يَابُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ .
ان لسان الحيطة ولغة التحذير هي مضمون الرد الابتدائي من قبل الأب صاحب النبوة ورائد الحكمة على هذه البشارة، ترى هل يدل ذلك على غياب بعض عناصر الوجوب في حدوث رؤيا البشارات الأمر الذي يحتاج إلى تداركه بالسعي والعمل المناسب والمثمر؟ .
الجواب نعم ، بالإضافة إلى الاحتراز من الحسد سواء على ذات الرؤيا أو على تأويلها في المستقبل .
عداوة الشيطان للإنسان
ترى ما المقصود من لفظ الإنسان في قوله تعالى إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ، الجواب فيه وجوه :
الأول : إرادة عداوة إبليس لآدم حيث وسوس له بالأكل من الشجرة وقال له إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ.
الثاني : المراد جنس الإنسان في كل زمان ، لأن الألف واللام في الإنسان للجنس والعموم الإستغراقي .
الثالث : عداوة الشيطان ليوسف عليه السلام .
للوجه الثاني للألف واللام وهو العهد ، فقد قسمت اللام في علم النحو والبلاغة إلى قسمين :
الأول : الجنس .
الثاني : العهد .
والمختار أن اللام قد تأتي في القرآن جامعة للوجهين أعلاه ، وهو من الموارد التي تتخلف فيه قواعد العلوم عن إعجاز القرآن .
الرابع : عداوة الشيطان لملك وأهل مصر في محاولة لمنع يوسف من تولي الوزارة في مصر ، وإنقاذ أهلها من الموت جوعاً.
الخامس : عداوة الشيطان ليعقوب عليه السلام لإيذائه في الكيد فيما بين أبنائه .
السادس : عداوة الشيطان لإخوة يوسف بابتلائهم بإيذاء يوسف والإضرار به .
السابع : عداوة الشيطان للأنبياء ، قال تعالى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ.
الثامن : عداوة الشيطان لكل إنسان.
ولا تعارض بين هذه الوجوه .
ومن أسماء الشيطان ابليس ، الوسواس ، والخناس ، الرجيم ، الملعون ، المطرود من رحمة الله ، الضال المضل ، قال تعالى وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا.
والرؤيا وتأويلها باب ينفذ منه الشيطان لذا تذكر الرؤيا للمؤمن العارف.
الرؤيا مدرسة عامة
من إعجاز القرآن قانون صيرورة الرؤيا مدرسة في الموعظة والتحذير والتأديب والتعليم من بيت النبوة.
لبيان أن المسلمين ورثة الأنبياء ، و(عن قيس بن كثير قال: قدم رجل من أهل المدينة إلى أبي الدرداء وهو بدمشق فقال : ما أقدمك أيْ أخي.
قال : حديث بلغني أنك تحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال : أما قدمت لتجارة ، قال: لا. قال: أما قدمت لحاجة ، قال: لا .
قال : أما قدمت إلا في طلب هذا الحديث ، قال: نعم.
قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من سلك طريقا يطلب فيه علمًا، سلك الله به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم ، وإنه ليستغفر للعالم مَنْ في السموات والأرض حتى الحيتان في الماء.
وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب.
إن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر)( ).
وهل امتنع يوسف عليه السلام عن قص رؤياه على إخوته ، الجواب نعم ، لطاعته لأبيه يعقوب النبي ، ولشدة التحذير فلم يقف يعقوب عند [فَيَكِيدُوا لَكَ] إنما أكد كيدهم بالمفعول المطلق (كيداً) لبيان شدة هذا الكيد ووضوحه وضرره ، ونسبة الكيد إلى الشيطان.
الآية السابعة : قوله تعالى وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
ومن تأويل الأحاديث الحكمة والعلم وتعبير الرؤيا .
وتدل الآية على أن تأويل يعقوب للرؤيا إنما هو بالوحي ، ثم يتجلى مصداقه بتأويله لرؤيا ملك مصر ، وفي رواية أن يوسف عليه السلام أخبره ابتداءً عن الرؤيا .
ابتدأت الآية بحرف العطف الواو ، وكاف التشبيه ، واسم الإشارة للبعيد (وكذلك) وهو من إعجاز القرآن وعربيته في تعدد الكلمات باللفظ الواحد ، وكل حرف وكلمة لها أكثر من دلالة لبيان قانون علوم القرآن غير متناهية ، والآية الثانية من سورة يوسف هي إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
إذ ابتدأت الآية بحرف العطف لبيان قانون دفع عداوة الشيطان عن يوسف عليه السلام باجتباء واختيار الله عز وجل له .
أما الكاف فلبيان وجوه الشبه بين يوسف عليه السلام وأبائه من الأنبياء ، وذلك للبعيد لإرادة الإكرام من عند الله عز وجل ليوسف ولآبائه ، ومنهم إسماعيل عليه السلام ، فمع أنه عم يعقوب فقد نعته الله بأنه أبوه ، قال تعالى أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
لقد أكد يعقوب ليوسف بأن رؤياه بشرى الإجتباء ، ولم يقطع يعقوب بأن يوسف سينال مرتبة النبوة ولكنه أشار إليها بالتشبيه ، والنسبة بين مرتبة الإجتباء من عند الله والنبوة عموم وخصوص مطلق ، فالإجتباء أعم ، وهو الاصطفاء والاجتباء ، ولكن يعقوب يأمل بنيل يوسف عليه السلام مرتبة النبوة بهذه البشارة ، ووراثة النبوة منه .
لقد اتخذ يعقوب من رؤيا يوسف مدرسة لإستنباط المسائل منها :
الأول : الاجتباء والاختيار والإصطفاء من عند الله عز وجل .
الثاني : الرؤيا من وسائل تعليم الله عز وجل ليوسف عليه السلام تأويل الأحاديث والحكمة ومقدمات النبوة .
الثالث : رؤيا يوسف مقدمة لنيل مرتبة النبوة .
الرابع : بيان حسن عاقبة الرؤيا ونفعها بتمام النعمة على يوسف ، وإنتفاع آل يعقوب منها لتسليم يعقوب بأن المرتبة العظيمة التي سينالها يوسف حسب هذه الرؤيا لينتفع منها آل يعقوب جميعاً .
الخامس : إخبار يعقوب بنيه بالمنزلة الرفيعة لأبيه إسحاق ، وجده إبراهيم عليهما السلام ، كما أنه يقتدي بأبيه إسحاق ، وجده إبراهيم عليهما السلام كما يقتدي أولاده بهما ، ويمتنعوا عن الكيد والمكر بيوسف .
ولم يقصص يوسف رؤياه على إخوته مع أنها خير محض ونفع لهم خشية مكرهم ، ولكنهم علموا بها فحسدوه (وقالوا : ما رضي أن يسجد له إخوته حتى يسجد له أبواه، فبغوه بالعداوة)( ).
(قال ابن زيد : كانوا أنبياء) ( ).
السادس : الثناء على الله عز وجل تعالى الذي إحاط علماً بكل شئ وأنه لحكيم الذي اتقن كل شئ ومن حكمته تفضله برؤيا يوسف .
قانون الاجتباء
الاجتباء هو الاختيار والاصطفاء ومن معانيه في الإصطلاح القرآني أيضاً الإصلاح والصلاح.
فمثلاً بعد تحذير وإنذار يعقوب ليوسف عليهما السلام من إخبار إخوته بالرؤيا ذكر له أن الله عز وجل ينعم عليه باختياره واجتبائه ، ترى لماذا ذكر اسم الإشارة للبعيد (كذلك) الجواب لبيان اجتباء واختيار يعقوب وإسحاق وإبراهيم للنبوة والحكمة .
وهذا الاجتباء والاصطفاء دليل وراثة النبوة ، ففي آدم عليه السلام قال تعالى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى، وقال تعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا.
وقد اجتبى واختار الله عز وجل النبي محمداً للرسالة الخاتمة التي تبقى شريعتها وأحكامها في الأرض إلى يوم القيامة ، ومن الشواهد على وراثة المسلمين للأنبياء وتعاهدهم لمناهجهم اجتباء المسلمين بفضل من عند الله ، إذ قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي.
فكما ورد الاجتباء منزلة للأنبياء فانه جاء برفعة الشأن والعز للمسلمين ، وفيه بشارة تعاهد المسلمين لطاعتهم لله ورسوله وحفظ القرآن وأداء الفرائض العبادية إلى يوم ينفخ في الصور .
وإذا أنعم الله عز وجل على الناس بنعمة فانه أكرم من أن يرفعها.
وقد أنعم على الأنبياء بالاجتباء والاصطفاء ، فبقيت هذه النعمة تتوارثها أجيال المسلمين بدليل قوله تعالى في خطاب وبشارة للمسلمين وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.
لينتفع من هذا الإجتباء المسلمون والناس جميعاً لإستدامة ذكر الله وأداء الصلاة والصيام والفرائض الأخرى وفيه دوام السموات والأرض ، وتوالي الرزق للناس جميعاً وهو من مصاديق الجمع بين قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( )، ووَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ.
ومن الآيات مجئ الآية أعلاه بسورة الحج الذي هو أحد أركان الإسلام لبيان بشارة استدامة أداء المسلمين حج بيت الله الحرام .
لبيان مصاحبة قانون الاجتباء الحياة الدنيا فقد اجتبى الله الأنبياء ، وعندما انقطع الوحي وغادرت النبوة الأرض بانتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى انبسط هذا القانون على أمته لتتوارثه بالتقوى والصدور عن القرآن .
وهو من مصاديق اجتباء واختيار المسلمين بقوله تعالى هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُِ، لما في هذا الاجتباء من الرحمة والتراحم بين المسلمين وجميع الناس ، ونشر مفاهيم السلام بين الناس .
التحذير من كيد الإخوة
عندما سمع يعقوب عليه السلام يوسف عليه السلام يقص رؤياه لم يبدأ بتعبيرها ، إنما ابتدأ بالتحذير والإنذار ، تحذير يوسف من قصّ رؤياه على إخوته وقال له قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
وجاءت الفاء في الآية (فيكيدوا) لبيان سرعة كيد إخوة يوسف له حالما يسمعون الرؤيا لقبح وضرر وسوسة الشيطان ، والنفس الغضبية وآفة الحسد.
وهل يدل هذا التحذير على أن هذه الرؤيا صادقة ومباركة وتدل على الخير الوفير ، الجواب نعم ، لبيان قانون وهو التحذير من تعبير الرؤيا إجمالاً.
كما يدل على تصديق يعقوب عليه السلام ليوسف في رؤياه ، وإنه لم يكذب فيها ، وهو الذي تجلى بقوله تعالى يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ.
لفظ الصدّيق
لم يرد لفظ [أَيُّهَا الصِّدِّيقُ] في القرآن إلا في الآية أعلاه في الثناء على يوسف عليه السلام.
هل من موضوعية لتصديق يعقوب النبي برؤيا يوسف في المقام أم أنه من الإستصحاب القهقري الذي لا نقول به في علم الأصول ، المختار هو الأول .
فتصديق يعقوب النبي عليه السلام يوسف عليه السلام من مصاديق هذه الآية الكريمة ، والخطاب أعلاه.
ومن معاني الاجتباء القرب من الله ، وتوالي فضل الله عز وجل على الذي يجتبيه ، ويجعله يبلغ الغايات الحميدة التي أرادها الله له ، قال تعالى اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ.
وهل رؤيا الوحي والرؤيا الصادقة وتعبيرها من هذا الاجتباء ، الجواب نعم ، ومنه رؤيا يوسف عليه السلام ، وتعبيره لرؤيا الغلامين ، ورؤيا الملك فهو اجتباء وهداية ومقدمة للاجتباء إلى منصب الوزارة في مصر.
إذ تفضل الله عز وجل وأكرم طائفة من الناس بالإجتباء والاختيار ومنه الاجتباء الأسمى للنبوة ، وعدد الأنبياء هو مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً ، وأمر الله المسلمين والناس بالإيمان والتصديق بنبوتهم.
وعداً الأجر العظيم على هذا الإيمان ، قال تعالى وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ.
الآية الثامنة : قوله تعالى وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.
سورة يوسف هي السورة الوحيدة التي تختص بقصة نبي من الأنبياء ، إذ أخرجه إخوته لأبيه معهم إلى المرعى فمكروا به والقوه في قعر البئر ، وهو يستغيث ويتوسل بهم ليخرجوه فأبوا عليهم وأظهروا الشماتة .
وعن السدي في حديث (قال : كان يعقوب عليه السلام نازلاً بالشام ، وكان ليس له هم إلا يوسف وأخوه بنيامين ، فحسده إخوته مما رأوا من حب أبيه له . ورأى يوسف عليه السلام في النوم رؤيا إن أحد عشر كوكباً والشمس والقمر ساجدين له ، فحدث أباه بها فقال له يعقوب عليه السلام : { يا بني ، لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً }( ) فبلغ إخوة يوسف الرؤيا فحسدوه ، فقالوا { ليوسف وأخوه }( ) بنيامين { أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة } – كانوا عشرة – { إن أبانا لفي ضلال مبين } قالوا : في ضلال من أمرنا . { اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوماً صالحين } .
يقول : تتوبون مما صنعتم به . { قال قائل منهم . . . } وهو يهوذا { لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين }( ) فلما أجمعوا أمرهم على ذلك أتوا أباهم فقالوا له { يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف }( ) قال : لن أرسله معكم إني { أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنَّا إذاً لخاسرون }( ) فأرسله معهم فأخرجوه وبه عليه كرامة .
فلما برزوا إلى البرية أظهروا له العداوة فجعل يضربه أحدهم فيستغيث بالآخر فيضربه ، فجعل لا يرى منهم رحيماً ، فضربوه حتى كادوا يقتلونه .
فجعل يصيح ويقول : يا أبتاه ، يا يعقوب ، لو تعلم ما صنع بابنك بنو الإماء .
فلما كادوا يقتلونه قال يهوذا : أليس قد أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه؟ . . . فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه فيه ، فجعلوا يدلونه في البئر ، فيتعلق بشفير البئر ، فربطوا يديه ونزعوا قميصه .
فقال : يا إخوتاه ، ردوا عليّ قميصي أتوارى به في الجب .
فقالوا له : ادع الأحد عشر كوكباً والشمس والقمر يؤنسوك .
قال : فإني لم أر شيئاً . فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت ، فكان في البئر ماء ، فسقط فيه فلم يضره ، ثم أوى إلى صخرة في البئر فقام عليها ، فجعل يبكي فناداه إخوته ، فظن إنها رقة أدركتهم فأجابهم ، فأرادوا أن يرضخوه بصخرة ، فقام يهوذا فمنعهم وقال : قد أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه ، فكان يهوذا يأتيه بالطعام)( ).
ولم يرفع السدي الحديث وإسماعيل السدي (توفي سنة 127) هجرية مولى لقريش من التابعين وأبوه من أصبهان .
وكان السدي عظيم اللحية جداً إذا جلس غطت لحيته صدره ، قال أحمد بن حنبل : ثقة ، وقال يحيى بن معين ضعيف (قيل للشعبي : إن إسماعيل السدي قد أعطي حظا من علم، فقال: إن إسماعيل قد أعطي حظا من الجهل بالقرآن.)( ) .
وقيل السدي أعلم بالقرآن من الشعبي .
دعوة الملك للسجين يوسف (ع)
لقد بادر الملك إلى توجيه الدعوى ليوسف عليه السلام وأمر بإحضاره وبدأ معها بناء شأن وجاه ليوسف عليه السلام في البلاد وعند الملك، وبذلك إخبار عن قيمة العلم ومنه التعبير ومنافعه الاجتماعية والدينية والتربوية والاقتصادية والسياسية أيضاً .
لقد منع يوسف سلطان الملك من الزوال والتصدع، ورعيته من التفرق والفاقة ان فقهوا ما في الرؤيا من انذارات واخذوا بتأويله لها واحسنوا تنفيذ وتطبيق تفاصيل خططه واتبعوا حكمته. وأنى لهم ذلك إذا استمروا بالاستغناء عن يوسف وما أتاه الله من علم.
لقد رد يوسـف عليه السلام رسـول الملك ومبعوثـه حتى يحـترموا طلبه بإعلان ثبوت براءته ونزاهة عرضه إلى جانب أمانته.
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: (لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر لـه حين سئل عن البقرات العجاف والسمان. ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى اشترط ان يخرجوني من السجن.
ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال ارجع إلى ربك( )… ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبثت لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت العذر. ان كان لحليماً ذا أناة)( ).
وقد ورد مضمون هذا الحديث بطرق متعددة عن أهل البيت عليهم السلام، وكذا ورد في الدر المنثور بعدة طرق عن ابن عباس، وقيل: (وهذا النبوي لا يخلو من شيء فان فيه احد المحذورين، اما الطعن في حسن تدبير يوسف عليه السلام وتوصله الى الخروج من السجن وقد أحسن التدبير … وأما الطعن … ]( ).
أقول: ليس في النبوي موضوع للطعن بالنبوة مطلقاً ولكنه يحتاج الى تأويل باستحضار الكبرى الكلية وهي ان ما عند الانبياء هو عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بل هو أكثرهم صبراً، ولكنه صلى الله عليه وآله وسلم أراد البيان للأمة ومخاطبة الناس على قدر عقولهم لاظهار جهاد الانبياء وحلمهم وصبرهم وسعيهم الحثيث لاظهار الحق وعدم بخلهم بما ينفع الناس ولو كانوا بأشد الاحوال، فتراه اثناء تلقيه الاذى والظلم منهم يتقدم لـه باعظم نصيحة تأريخية.
لقد أراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تأديب المسلمين بالتخفيف عن أنفسهم ، وعدم إختيار الطريق الصعب ، والصبر المقرون بالأذى مع مجئ الفرج والرحمة .
الإستجابة لطلب يوسف (ع)
لقد أجيب يوسف إلى مسألته في قوله تعالى ..مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ إكراماً لعلمه وبحثاً عن برهان لاعتماد تأويله في أمر بالغ الأهمية في شؤون المملكة وتصريف أعمالها ليتفق الجميع على صدقه وتأتي الأيام لتعزز وتوثق ذلك.
وقالوا ان الملك لما التقى بيوسف قال لـه: أيها الصديق اني احب ان اسمع رؤياي تلك منك فجاء يوسف بالرؤيا على الهيئة التي رآها الملك واصبح يوسف عليه السلام ذا تمكن في البلاد ووجاهة ومنزلة حصينة ويتولى شؤون وزارة الأرض لقولـه تعالى قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ . الآية التي تبعث الاعتقاد – والعلم عند الله – بأن يوسف هو بشــارة إبراهيم عليه السلام في قولـه تعالى إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ وهذا القول منا مخالف للإجماع المركب عند العلماء بورود قولين مختلفين لهم ودلالته على إنتفاء قول ثالث إذ اختلفوا في الغلام العليم على وجهين :
الأول : إنه إسحاق بن إبراهيم .
الثاني : إنه إسماعيل بن إبراهيم .
والمختار أنه يوسف بن يعقوب بن إسحاق .
وان ذلك كان عوناً لـه بأن رؤيا ذبح ابنه سوف لن تقطع نسله وذريته في الأرض، وان كنت اخالف المفسرين في موضوع البشارة اذ انهم حصروا اقوالهم واختلافهم فيمن يكون هو البشارة اسماعيل او اسحاق والله واسع كريم( ).
والآية وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ بيان لنعم الله على يوسف ومنافع ما علمه سبحانه من تأويل الاحاديث وتعبير الرؤيا، وبشارة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودليل عمل للمسلمين. عن الصادق عليه السلام قال: قد كان يوسف بين أبويه مكرماً حتى صار عبداً حتى بيع بأبخس واوكس الأثمان ثم لم يمنع الله ان بلغ به حتى صار ملكاً.
الآية التاسعة : قوله تعالى قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ.
وهذه الآية إخبار عن علم الأنبياء بالمغيبات بالمقدار والموضوع الذي يأذن به الله عز وجل لكل نبي وبما فيه النفع والمصلحة ودفع المفسدة .
رزق السجناء
قال تعالى قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ.
بيان معجزة ليوسف عليه السلام بالإخبار عما يأتي من الطعام للسجناء ، وتدل تسميته رزقاً على أنه في اليقظة ، ولأصالة الظاهر ، وأن الأصل هو حال الإنسان في اليقظة ، ولقوله تعالى [لاَ يَأْتِيكُمَا]و[قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا] الذي يدل على أنه أمر وجودي وليس عدمياً .
خلافاً لما ذهب إليه مشهور المفسرين بأن المراد ما يأتيكما في الرؤيا.
ما هو وما لونه ، وما مقداره وأوانه ، وهو من علم الغيب تلقاه يوسف بالوحي والإلهام ، لذا قال تعالى [ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي] ( ) لمنع الإفتتان به ، وللإخبار بأنه ليس من الكهنة أو أهل التنجيم ، ولبيان أن هذا الإخبار من علم الغيب ، وفيه استنباط مستحدث وهو عدم جواز إضراب السجناء ، إذا تهيئت لهم وسائل للتعبير وبيان الحاجة أكثر نفعاً من الإضراب لبيان أذاهم والمظلومية الإضافية التي يتعرضون لها .
وقد صدر لي قبل ثلاث وثلاثين سنة كتاب تفسير سورة يوسف والمسجل في دار الكتب والوثائق في بغداد برقم 272 لسنه 1991
قال تعالى وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ولما في هذا الإضراب وشدته من ظلم للنفس وأذى إضافي بشرط تهيئة وسائل للسجناء لبيان مدى الأذى الذي هم فيه مما يخالف الضوابط الإنسانية وأحكام السجون ، والسعي عند الجهات المختصة لحل المشاكل التي يلاقون .
ولم يكن في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سجن ، ولا في أيام أبي بكر .
وقد دعا يوسف عليه السلام لأهل السجن : اللهم أعطف عليهم قلوب الأخيار ، ولا تعم عليهم الأخبار )( ) .
وكتب يوسف عليه السلام على باب السجن عند دعوة الملك له (هذا قبر الأحياء وبيت الأحزان وحرقة الأصدقاء وشماتة الأعداء)( )، وخطاب يوسف في الآية المتقدمة لصاحبي السجن وهما من الكفار .
والرزق ما ينتفع منه من الحلال وأطلق بعضهم معنى الرزق ليشمل الحرام ، وفي الرزق أطراف:
الأول : الرازق وهو الله عز وجل ، ومن صفاته أيضاً الرزاق ، ولا يقال إلا لله عز وجل ، فهو المتصرف في ملكه بالحكمة والفضل على الخلائق ، وهو الذي يرزق الناس والخلائق جميعاً ، وفي التنزيل قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ.
لبيان تفضل الله برزق الناس جميعاً مع تعدد الجهة التي يأتي منها الرزق ، والسعة فيها ، والله عز وجل يرزق النملة في الصخرة في البحر ، وهو سبحانه الذي يجعل الرزق يصل إلى السجناء ويخفف عنهم أحزانهم ، ويدعوهم للإلحاح بالدعاء والمسألة ، لقوله تعالى يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
الثاني : الرزق ، يشمل الطعام والأموال والثمار ، وما هو ملبوس ومطعوم ومشروب ومسكون كالعقار ، وسواء أكان في الدنيا ، أو في الآخرة ، قال تعالى وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )( ) وقال تعالى وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ.
الثالث : المرزوق ، وهم الملائكة والناس والجن والخلائق كلها بما فيها صلاحها واستدامتها ، قال تعالى وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ.
ومن أبهى مصاديق الرزق الهداية والإيمان ، والسلامة من الفتنة والإفتتان وسيادة حال السلم والسلام والأمن في المجتمعات وبين الدول.
وهل في قوله تعالى اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، سؤال للنجاة من دخول السجن ، الجواب نعم .
والآية أعلاه محكمة غير منسوخة ، وهل هي من آيات السلم ، المختار نعم ، لما فيها من الإنقطاع إلى الدعاء وسؤال الهداية والصلاح .
وزمان يوسف عليه السلام متقدم زماناً على زمان موسى عليه السلام بنحو أربعمائة سنة ، فيوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم .
والتأويل ورد بمعاني متعددة قال تعالى في يوسف وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ، والنسبة بين الأحاديث وتأويل الرؤيا عموم وخصوص مطلق ، فالأحاديث أعم.
والرزق بيد الله عز وجل ، وليس من حصر في الإيمان ، والبدن والصحة والولد والمال والطعام والزوجة الصالحة ، وصرف ضروب البلاء ، قال تعالى هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ.
و(عن ابن مسعود : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن روح القدس نفث في روعي : أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)( ).
دخول آل يعقوب مصرَ
بعد سنوات من استلام يوسف مقاليد الوزارة في مصر وقيامه بأعبائها خير قيام ومجيء اخوته خلال ســـنوات المجاعة امرهم في ختامها بإتيانهم بأبيهم معهم وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا.. .
لقد اتخذوا من يوسف قبلة وكان ذلك إقراراً لـه بالأفضلية وإكراماً واقتداءً.
وكان من سنة التعظيم في ذلك الوقت ان يُسجد للمعظم إكباراً واقتداءً. لا سجود عبادة وقيل بل وقع آل يعقوب إلى الأرض ساجدين لله سبحانه شكراً على ما انعم عليهم وعلى يوسف خاصة من منزلة وعلم .
عندها توجه يوسف إلى أبيه ليرجع بذاكرته إلى أيام حداثة يوسف وصباه وليؤكد حرصه في السعي لوقوع وحدوث فصول رؤياه وانه ينتظر هذا اليوم المبارك الذي سبق في علم الله .
وتفسير ما صارت إليه رؤياه بمدد من الله عز وجل فثبتها واحكمها في هيكل الواقع واليقظة. دون ان ينسي ذلك يوسف ربه او يشغله عن الدعاء والصلاة والورع والتقوى. فكانت الرؤيا في سورة يوسف مدرسة ودائرة معارف للعلوم التربوية في التعبير واحكام تأويل الرؤيا بتفصيل وتصديق ذي منافع في الهدى والحكمة والإيمان ونبراساً ودليل عمل وموعظة وسبيل رشاد.
الآية العاشرة : قوله تعالى يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ.
إحسان يوسف في السجن
يتجلى قانون ملازمة الإحسان للأنبياء حتى في أشد حالات البلاء ، وهذا الإحسان من وجوه الدعوة إلى الله عز وجل ، ولا يختص بالأنبياء أو المؤمنين ، ويدل عليه أن الغلامين قالا ليوسف إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ أي وجود محسنين في زمانهم ، والنسبة بين النبوة والإحسان عموم وخصوص مطلق ، فكل نبي محسن وليس العكس .
ويدل قوله تعالى [وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ] ( )، على دخول يوسف عليه السلام إلى السجن ، وقيل سجن يوسف في سجن بوصير في صعيد مصر في الناحية المتجهة إلى مصر .
ولبث في السجن سبع سنين ينزل عليه الوحي فيها ، وكان في السجن أفراد تقطع رجاؤهم ، وملأ قلوبهم اليأس ، واستولى عليهم الحزن ، فكان يوسف يحضم على الصبر ، ويزرع في نفوسهم الأمل ، مع بيانه لكلمة التوحيد ، والدعوة إلى الدعاء فأحبوا يوسف وأكرموه ، ورأوا التطابق بين وجهه وحسن أخلاقه .
وعن (أبي عبد الله عليه السلام في قوله: ” إنا نراك من المحسنين ” ( ) قال:
كان يقوم على المريض ويلتمس المحتاج، ويوسع على المحبوس)( ).
ومن مصاديق قانون مصاحبة البركة للأنبياء تغير حال السجناء نحو الصلاح والتحلي بالصبر ، وقالوا ليوسف (لقد بورك لنا في جوارك ، إنا كنا في غير هذا منذ حبسنا لما تخبرنا من الأجر والكفارة والطهارة ، فمن أنت يا فتى .
قال : أنا يوسف ابن صفي الله يعقوب ابن ذبيح الله إسحق ابن خليل الله إبراهيم ، عليهم الصلاة والسلام ، وكانت عليه محبة .
وقال له عامل السجن : يا فتى ، والله لو استطعت لخليت سبيلك ، ولكن سأحسن جوارك ، وأحسن آثارك ، فكن في أي بيوت السجن شئت)( ).
إذ أن عامل السجن يرغب بصلاح السجناء ، وعدم حدوث الخصومة بينهم ، أو إثارتهم للمشاكل والفتن والعصيان ، وأظهر صاحب السجن والقيم عليه حبه ليوسف بمرأى ومسمع من السجناء ، فقال له يوسف (لا تحبني يرحمك الله ، فلقد أدخلت علي المحبة مضرات : أحبتني عمتي فامتحنت لمحبتها ، وأحبني أبي فامتحنت لمحبته لي ، وأحبتني امرأة العزيز فامتحنت لمحبتها بما ترى)( ).
ويصرف الدعاء والصدقة الحسد والإبتلاء ، قال تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
سبب دخول الغلامين السجن
ظاهر قوله تعالى وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ، أن سجن يوسف عليه السلام سابق لسجنهما ، وهما خباز وساقي ملك مصر الأعظم الريان بن الوليد بن العماليق إذ غضب الملك على خبازه لأنه أراد أن يسمه في الخبز فحبسه ولم يتعجل بقتله ، وحبس معه الساقي وصاحب شرابه لأنه مالأه وتواطئ معه على سم الملك في بداية الأمر .
إذ أراد جماعة من أهل مصر التخلص من الملك ، فدفعوا مالاً لخبازه وساقيه ، وضمنوا لهما أموالاً ، فأجابا إلى ذلك ، وقد نكل الساقي فلم يجعل السم في الشراب .
وعندما قدما الطعام وهمّ الملك بتناول الخبر ناداه الساقي لا تأكل أيها الملك فان الخبز مسموم ، فقال الخباز لا تشرب أيها الملك فان الشراب مسموم (فقال للساقي اشرب فشربه فلم يضره وقال للخباز كل من طعامك فأبى فأطعم من ذلك الطعام دابة فهلكت فأمر الملك بحبسهما مع يوسف)( ).
ولم يرد لفظ [دَخَلَ مَعَهُ] في القرآن إلا في الآية أعلاه ، في دعوة للحكام والأمراء بالتقليل من دخول الناس السجن بوسائط متعددة منها الإصلاح ، والعدل ، والسماحة ، والعفو الخاص والعام قال تعالى وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى، والتراحم ، وعمومات قوله تعالى وَالصُّلْحُ خَيْرٌ.
لقد أخبر يوسف عليه السلام السجناء أنه يُعبر الرؤيا ويجيد تعبيرها ، وكان للرؤيا وتعبيرها شأن عند أهل مصر .
فجاء الفتيان إلى يوسف عليه السلام (فقال أحدهما واسمه بنو ، فيما روي ، إني رأيت حبلة من كرم لها ثلاثة أغصان حسان ، فيها عناقيد عنب حسان ، فكنت أعصرها وأسقي الملك؛ وقال الآخر ، واسمه مجلث ، كنت أرى أني أخرج من مطبخة الملك وعلى رأسي ثلاث سلال فيها خبز ، والطير تأكل من أعلاه)( ).
واختلف في رؤيا الغلامين على وجهين :
الأول : أنهما رأيا رؤياهما حقيقة .
الثاني : لم ير الغلامان شيئاً ، ولكن ارادا تجربة يوسف لأنه أخبر أهل السجن بتأويله للرؤيا .
قال السدي (فلما دخل يوسف عليه السلام السجن قال : إني أعبّر الأحلام قال أحد الفتيين : هلم فَلْنُجَرِّب هذا العبد العبراني ، فتراءيا من غير أن يكونا رأيا شيئاً ، ولكنهما خرصا فعبر لهما يوسف خرصهما فقال الساقي : رأيتني أعصر خمراً . وقال الخباز : رأيتني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه)( ).
والمختار هو الأول لأصالة الظاهر ، ولآن الرؤيا للإنذار ، وهل فيها دعوة لهم للإيمان والدعاء ، الجواب نعم لتأتي مقدمة يوسف عليه السلام لتأويل رؤياهما دعوة صريحة للإيمان قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ .
ولو آمن الخباز واجتهد بالدعاء للنجاة فهل يصرف عنه القتل ، الجواب نعم ، إن شاء الله والإيمان ينجيه من دخول النار ، وكذا الساقي لو آمن لعجل الله عز وجل له الفرج والخروج من السجن ، وقيل [لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ] أي في المنام ، والمختار أنه في اليقظة ، ومن مصاديقه ما ورد في عيسى عليه السلام وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ.
لقد ختم الفتيان الخبر عن رؤياهما بالقول ليوسف إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ويدل هذا القول على أن الرؤيا حقيقة وإيلائهما عناية خاصة برؤياهما ، ومن إحسان يوسف في السجن تسليته حزينهم ، وعيادة مريضهم ، وجمع المال لفقيرهم ، وحضهم على الصبر ، وتحليه بالزهد والتقوى .
وكان السبب أن جماعة من أهل مصر أرادوا المكر بالملك واغتياله فدسّوا إلى هذين، وضمنوا لهما مالا ليسُمّا طعام الملك وشرابه فأجاباهم إلى ذلك، ثمّ إنّ الساقي نكل عنه وقبل الخباز الرشوة فسمّ الطعام.
فلمّا حضر وقته وأحضر الطعام، قال الساقي : أيّها الملك لا تأكل فإنّ الطعام مسموم، فقال الخباز : لا تشرب أيّها الملك فإنّ الشراب مسموم، فقال الملك للساقي : اشرب فشربه فلم يضرّه،
وقال للخباز : كل من طعامك، فأبى، فجرّب ذلك الطعام على دابّة من الدواب فأكلته فهلكت، فأمر الملك بحبسهما.
قانون ملازمة الإحسان للنبي مع تباين الحال
من إعجاز القرآن ورود جملة إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ مرتين في القرآن ، كل منهما خطاب متوجه إلى يوسف عليه السلام ، والثانية في إخوته قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ. لبيان إتصاف يوسف عليه السلام بذات مكارم الأخلاق وهو في السجن .
وكذا عندما أصبح عزيز مصر ومجئ الوفود له من أطراف مصر والشام ، لبيان الملازمة بين النبوة والأخلاق الحميدة ، وقال تعالى في الثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ وقول الغلامين إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ معنا ومع غيرنا من السجناء.
وهل في كلامهما هذا إنكار وإستهجان لدخوله السجن ، الجواب نعم .
وذكرت الآية الخبز وأنه غذاء للناس من قديم الزمان يلتقي في أكله على نحو يومي الغني والفقير ، فلا يستغني عنه الملوك ، ويصل إلى الفقراء بفضل من الله، وتيسير للغلامين ، لتكون الرؤيا مدرسة الأجيال .
لقد ذكر القرآن رؤيا الغلامين على نحو البيان الذي يفقهه كل إنسان بأي لغة يتكلم ، وذكر أن الساقي قال (أيّها العالم إنّي رأيتُ كأنّي غرستُ حبّة من عنب عليها ثلاث عناقيد من عنب فحبستها،
وكان كأس الملك بيدي فعصرتها فيه وسقيت الملك فشربه.
وقال الخبّاز : إنّي رأيتُ كأنّ فوق رأسي ثلاث سِلال فيها الخبز وألوان الأطعمة فإذا سباع الطير تنهش منه)( ).
وهل إختصر تفسير يوسف للرؤيا في السجن برؤيا الغلامين ، المختار لا ، إذ أن يوسف حينما دخل السجن قال أني أعبر الرؤيا ، ومن خصائص السجن السكون ، وعدم إنشغال السجين بأمور الدنيا ، والعمل اليومي ، ويتطلع إلى الفرج فيرى في المنام الرؤيا الصادقة بفضل ورأفة من عند الله ، وهو من مصاديق صيغة العموم بقوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ .
السجن والرؤيا
ولما أخبر الله تعالى عن دخول يوسف السجن بقرينة من دخل معه، ذكر سبحانه رؤيا الغلامين وكانا غلامي ملك مصر وأحدهما صاحب شرابه واسمه بندا، والآخر وهو الخباز واسمه ملحب، وقد زج بهما في السجن بعد ان نمى إلى الملك ان صاحب شرابه يريد ان يسمه وظن ان الآخر ساعده في ذلك ومالأه. قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا .
إن استعمال أرى مبنياً للمجهول يأتي بمدلولات خاصة للرؤيا وإنها أخبار يزحف دنواً نحو الحقيقة لما تحمله رموزه من احتمالات الوقوع والحدوث، وفيه دعوة للعناية بالرؤيا وعدم التفريط بما فيها من الأسرار وعلوم الغيب، وان كانت من الكليات المشككة التي تتفاوت بالمرتبة، فرؤيا الأنبياء وحي.
لقد اضفى السجن وما فيه من فراغ لأعضاء البدن اهتماماً خاصاً بعالم الرؤيا والأخبار وتحسس شؤون الغد. قال الساقي اني أرى في منامي وكأني قد دخلت كرماً فرأيت في الكرم حبلة حسنة فيها ثلاثة قضبان وعلى القضبان عناقيد العنب فأجتنيت العنب فعصرته وناولته الملك. وقال الخباز اني أرى فوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الاطعمة، وإذا سباع الطير تنهش منها. [ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ] يطلق النبأ على الخبر ذي الفائدة والأهمية، لقد أدركا قيمة الرؤيا ووجوب معرفة تحليل رموزها لتفسير ما تصير اليه وما يكون عليه أمرهم.
وادراكهم هذا يصلح ان يكون محمولاً لا موضوعاً، وهو مقدمة غيرية لنجاة يوسف من السجن، وللحاجة والأمل وحال الضيق في السجن موضوعية في الالتفات الى الرؤيا، والاقرار الذاتي باحتمال تلمس طرق النجاة من خلالها، وترى هذا الاقرار حتى عند المشرك في مواطن الحاجة والخطر.
ويدل قولـه تعالى إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ على وجوب توفر الاخلاق الفاضلة عند من يعبر الرؤيا وينظر فيما تؤول إليه بعيداً عن الظلم للنفس والآخرين.
مكارم الأخلاق في السجن
كان يوسف عليه السلام يعود المريض من السجناء ويعزي حزينهم، ويحسن في تعبيره لبعضهم رؤياه، ويخشى الله ويتقه فجاءت سيرته درساً وموعظة لأصحاب السجن.
وعن الصادق عليه السلام: كان يوسع في المجلس ويقرض المحتاج.
وتبين الآية موضوعية وشأن تأويل الرؤيا، فقد جعله الله عز وجل سلاحاً بيد يوسف يوظفه للدعوة الى الله وللنجاة من السجن وإنقاذ أهل مصر ومن حولها من المجاعة بتوليه الوزارة ، وهي وجه من وجوه الدعوة الى الله ، ومناسبة لبثها في عالم أوسع ، وجعلها رحمة ينتفع منها الناس ، وتكون حجة للمؤمن وحجة على الكافر.
لقد أجابهم يوسف عليه السلام بالوعظ والدعوة إلى توحيد الله وعبادته وإخلاص الطاعة عبر البينة وصيغ الإقناع في أسلوب جاء دعوة للاقتداء به في الفتيا ولينهل منه من يتوجه لـه الناس في أمور دينهم وأسرارهم الروحية تعظيماً لشــعائر الله، ثم جعـل يوسف عليه السلام ذلك سبباً رزقه الله من خلاله القدرة على تأويل الرؤيا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ .
لبيان أن تعبير الرؤيا منحصر بأهل الإيمان والتوحيد وقد يكون عند غيرهم ولكن بالواســطة والمحاكــاة والتعلم والاتفاق والصدفة في درك التأويل والغاية.
وهذه الآية وفق مضامين تفسير القرآن بالقرآن بيان لعجز الملأ من الوجهاء عن تأويل رؤيا الملك وتعبيرها، وهي السبب وراء اطمئنان وثقة من نجا من السجن وعمل عند الملك وشهادة لحسن تأويل يوسف عليه السلام لهما.
حضور الموعظة عند تعبير الرؤيا
أن قولـه تعالى يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ . من خير ما قدم لجواب فتيا، وهي درس وموعظة وعلم ومدخل لمصارعة ما رسخ في اذهانهم من الشرك، لان الآية التي بعدها تتضمن في السياق نفسه ذماً لبدع الضلالة والشرك الذي يربك الفكر الإنساني، وفيها دعوة إلى التوحيد والإسلام والخضوع والطاعــة لله سبحانه لا شـريك لـه لينتقـل إلى تعبير رؤيا كل منهما.
ومن اعجاز الآية اتخاذ تأويل الرؤيا مناسبة للهداية والصلاح ، وذاك جزء من الشكر الواجب، فحينما ينعم الله عز وجل على العبد برؤيا تتضمن البشارة او الانذار يدرك انها لا تكون الا بآية منه تعالى، وهذا الادراك يتحقق حتى عند الكافر خصوصاً اذا كان ســجيناً لما يتصف به حينئذ من امكـان انقداحه في الذهن بسبب عدم الانشغال بمتاعب وهموم الحياة اليومية، ولتلمسه في خيال خصب للوجوه المحتملة لنجاته وان كان يدرك ان احتمالها ضعيف، يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ.
قال يوسف للساقي بلغة البشارة ما احسن ما رأيت أما الكرم فهو العمل الذي كنت فيه وأما الحبلة فسلطانك ودائرة عملك وأما حسنها فهو عزك وكرامتك في ذلك العمل.
وأما القضبان الثلاثة على الحبلة فهي ثلاثة أيام تقضيها في السجن لتخرج بعدها عائداً إلى عملك( ).
وأما العنب الذي عصرت وناولت الملك فهو ان يردك إلى عملك ويحسن اليك. وأجرى على الملك صفة رب الغلام لأنه يملكه وتوضيحاً بالسنن المتعارفة عندهم كأسلوب في تأويل الرؤيا وتعبيرها ولوجوه فهم العناصر البيئية لصاحب الرؤيا وعمله وانتمائه الديني وما يحمله من اعتقاد.
ثم التفت نحو الخباز قائلاً: لبأس ما رأيت. لينذره ويجعله يستعد للموت عسى أن يكون من ضمن استعداده التوبة والإسلام. فأضاف شارحاً ومفسراً أما السلال الثلاثة فأنها ثلاثة أيام تبقى في السجن ثم يخرجك الملك فيصلبك .
وتأتي الطيــور لتأكل من رأسـك. ففزع الغلام ولم يستطع إخفاء ارتباكه وما أصابه فقال : ما رأيت شيئاً وكنت ألعب. فقال يوسف تلك الوثيقة السمــاوية التاريخية الخالدة في التنزيل قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ أي فرغ من أمركما والذي تسألان وتطلبان معرفته ومآله، ونبأتكما بما هو نازل بكما.
لبيان أن تأويل يوسف للرؤيا بالوحي بدليل الآيات الأخرى [ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ ].
والذي ألفت النظر إليه هنا هو منزلة المسلمين في العلم والتفقه في الدين حيث رزقهم الله معرفة سبيل التخلص من الإنذارات كنتائج ورموز للواقع عبر طريق الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل والصدق، وأداء الصلوات المفروضة .
قال الصادق عليه السلام: (الدعاء يرد القضاء بعد
ما ابرم إبراما، فأكثر من الدعاء، فانه مفتاح كل رحمة، ونجاح كل حاجة، ولا ينال ما عند الله إلا بالدعاء، وليس باب يكثر قرعه إلا وشك أن يفتح لصاحبه)( ).
تأويل الرؤيا والظن
وسمى يوسف عليه السلام الخروج من السجن نجاة، وجعل تأويل الرؤيا بمنزلة الظن الذي يبقى في درجة هي دون اليقين كمسألة في الاطار الاعجازي للقرآن: وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ولبيان موضوعية التوبة والدعاء في محو مصداق الرؤيا المكروهة .
وقيل (واطلاق الظن على اعتقاده مع تصريحه لهما بأنه من المقضي المقطوع به وتصريحه بأن ربه علمه تأويل الاحاديث لعله من اطلاق الظن على مطلق الاعتقاد ولـه نظائر في القرآن كقولـه تعالى [ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ ] ( ))( ).
ولكن اللفظ القرآني بل الكلام العربي مطلقاً يحمل على ظاهره ولا ينتقل الى المجاز او خلاف الظاهر الا مع القرينة المعتبرة وقد بيناه في مباحث علم الأصول ( )، فنعت تأويله او هذه الحصة منه وهي نجاة احدهما بالظن، وهو درس تأديبي للذين يتصدون لتعبير الرؤيا وتأويلها واحتياط احترازي وادراك واقرار باحتمال وقوع الاحداث بخلاف ظاهر الرؤيا وما اخبرت عنه لعمومات قولـه تعالى يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ، ولموضوعية الدعاء والصدقة وعمل الصالحات بصرف البلاء او بتقديم أوان الرزق الكريم.
فالقرآن يبين لنا قانوناً وهو تأويل الرؤيا لا يرقى الى اليقين ويبقى ، في مراتب الظن وان صدر من نبي لا لسبب قصور في التأويل بل لأن رحمة الله تعالى وفضله أعم من الرؤيا وتأويلها وان كان الأمر مقضياً كما في قولـه تعالى قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ .
فأن باب عفو الله تعالى ورحمته مفتوح دائماً وفي كل لحظة .
ومقتضى القاعدة ان الظن بذاته لا يصلح للحجية او العمل بمقتضاه او التعويل عليه لدرك الواقع، قال تعالى وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا ولكن ورد الدليل باعتبار الظن الخاص والمعتبر طريقاً مجعولاً لـه كاشفية ذاتية وان كانت ناقصة امضاه الشارع فكان تخصيصاً للآية اعلاه.
سؤال يوسف إشعار عن مصيبته
لقد سأل يوسف الفتى الذي ظن نجاته وهو الساقي ان يخبر الملك بمصيبة يوسف وعلمه واحسانه وعفته كسبيل للشكوى وعرض لكفاءاته من اجل الانتفاع العام مما رزقه الله وآتاه من علم، وفيها توظيف للعلم لقضاء الحوائج في الدنيا او على الأقل في رفع الظلم وكشف الغم، وما لبث الملك حتى رأى في المنام أمراً أهاله وأحزنه كما ورد في التنزيل: وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَاي إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ .
رؤيا الساقي ورؤيا الخباز
وقد كانا رأيا حين دخلا السجن رؤيا فأتيا يوسف فقال له الساقي : أيّها العالم إنّي رأيتُ كأنّي غرستُ حبّة من عنب عليها ثلاث عناقيد من عنب فحبستها، وكان كأس الملك بيدي فعصرتها فيه وسقيت الملك فشربه.
وقال الخبّاز : إنّي رأيتُ كأنّ فوق رأسي ثلاث سِلال فيها الخبز وألوان الأطعمة فإذا سباع الطير تنهش منه، فذلك قوله تعالى : {قَالَ أَحَدُهُمَآ} يعني بنو {إِنِّى أَرَانِى} أي رأيتني، {أَعْصِرُ خَمْرًا}( ) يعني عنباً بلغة عمان)( ).
ويدلّ عليه قراءة ابن مسعود أعصرُ عنباً.
قال الأصمعي : أخبرني المعتمر أنّه لقي أعرابياً معه عنب،
فقال : ما معك .
قال : خمر، ومنه يُقال للخلّ العنبي خلُّ خمرة، وهذا على قرب الجوار، قال القتيبي : وقد تكون هي الخمر بعينها كما يُقال : عصرتُ زيتاً وإنّما عصر زيتوناً.
وقال الآخر : وهو مجلِث {إِنِّى أَرَانِى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ} أخبرنا تفسيره وتعبيره وما يؤول إليه أمر هذه الرؤيا
{إِنَّا نَرَ اكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}( ) أي العالِمين الذين أحسنوا،
قال الفرّاء وقال ابن اسحاق : إنّا نراك من المحُسنين إلينا إن فعلت ذلك وفسّرت رؤيانا، كما يُقال : افعل كذا وأنت مُحسن.
وروى سلمة بن نبط عن الضحّاك بن مزاحم في قوله : {إِنَّا نَرَ اكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} ما كان إحسانه؟ قال كان إذا مرض رجل في السجن قام إليه، وإذا ضاق وسع له، وإن احتاج جمع له، وسأل له.
قتادة : بلغنا أنّ إحسانه كان يُداوي مريضهم، ويُعزّي حزينهم، ويجتهد لربّه. وقيل : لمّا انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه قوماً قد انقطع رجاؤهم واشتدّ بلاؤهم وطال حزنهم فجعل يقول : أبشروا واصبروا تؤجروا، وإنّ لهذا لأجراً وثواباً،
فقالوا له : يا فتى بارك الله فيك، ما أحسن وجهك وأحسن خلقك وأحسن حديثك لقد بورك لنا في جوارك بالحبس، إنّا كُنا في غير هذا منذ حبسنا لما تخبرنا به من الأجر والكفارة والطهارة،
فمن أنت يا فتى؟ قال : أنا يوسف بن صفي الله يعقوب بن ذبيح الله إسحاق بن إبراهيم خليل الله، فقال له عامل السجن : يا فتى والله لو استطعت لخلّيت سبيلك، ولكن ما أحسن جوارك وأحسن أخبارك فكنْ في أي بيوت السجن شئت.
فكره يوسف (عليه السلام) أن يعبر لهما ما سألاه لِما عَلِمَ في ذلك من المكروه على أحدهما، فأعرض عن سؤالهما وأخذ في غيره، قال لهما قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ في اليقظة.
هذا قول أكثر المفسّرين، وقال بعضهم : أراد به في اليقظة فقال : {يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} تطعمانه وتأكلانه {إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ} بتفسيره)( ).
والمختار أن المراد من [طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ] ( ) هو في اليقظة وليس في الرؤيا ، لبيان معجزة ليوسف عليه السلام في السجن ،وفيه دعوة للسجناء للإيمان ، وحضَ على سلامته بينهم وهو الغريب عنهم ، لذا كانوا يسمونه وهو في السجن (العبد العبراني ) ليصبح عزيز مصر وينقذ أهلها بالوحي من المجاعة والهلاك ، وجعلهم محتاجين إليه ، لذا أخبرهم بأنه يعبر الرؤيا كواقية له .
ولم ترد كلمة [يَأْتِيكُمَا] في القرآن إلا مرتين وفي الآية أعلاه.
ووردت كلمة [تُرْزَقَانِهِ] و[نَبَّأْتُكُمَا] وكلمة [ذَلِكُمَا] مرة واحدة في القرآن في الآية أعلاه ، وهو من بديع وبلاغة القرآن ، وبهاء استقلال صيغة المقنى في الدعوة النبوية إلى الله عز وجل.
أعلان يوسف (ع) أنه يعبر الرؤيا
ترى لماذا أخبر يوسف السجناء بأنه يعبر الرؤيا فيه وجوه :
الأول : تبين هذه الآيات إتخاذ يوسف عليه السلام تعبير الرؤيا باباً للهداية وصلاح الناس .
الثاني : تذكير السجناء عبادة الله وحده ، قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا.
الثالث : فيه عز وشأن له بين السجناء .
الرابع : إنتفاع الناس من علم يوسف عليه السلام .
الخامس : هذا الإعلان مقدمة لتأويل يوسف عليه السلام لرؤيا الملك ، ودفع المجاعة عن الناس
السادس : سلامة يوسف من الكيد والمكر والقتل في السجن خاصة وأنهم كانوا يسمونه (الغلام العبراني) قبل سجنه وفي السجن ، فقد طلبت امرأة العزيز من زوجها سجن يوسف ، وقالت له (إن هذا الغلام العبراني قد فضحني في الناس وهو يعتذر إليهم ويصف الأمر بحسب اختياره ، وأنا محبوسة محجوبة ، فإما أذنت لي فخرجت إلى الناس فاعتذرت وكذبته ، وإما حبسته كما أنا محبوسة . فحينئذ بدا لهم سجنه .
قال ابن عباس : فأمر به فحمل على حمار ، وضرب بالطبل ونودي عليه في أسواق مصر إن يوسف العبراني أراد سيدته فهذا جزاؤه أن يسجن)( ).
وفي السجن قال أحد الغلامين لصاحبه (فلنجرب هذا الغلام العبراني فتراءيا له فسألاه من غير أن يكونا قد رأيا شيئاً .
قال ابن مسعود ما رأيا شيئاً إنما تحالما ليجربا يوسف .
وقيل بل كانا قد رأيا رؤيا حقيقة فرآهما يوسف وهما مهمومان فسألهما عن شأنهما فذكرا أنهما غلامان للملك وقد حبسهما وقد رأيا رؤيا قد غمتهما فقال يوسف قصا علي ما رأيتما فقصا عليه)( ).
لتمر الأيام وتثبت براءته ، ويتخذه الملك وزيراً ، ويسمى عزيز مصر بدليل تكرار قول [أَيُّهَا الْعَزِيزُ] مرتين في القرآن ، وكل منهما خطاب إلى يوسف من إخوته قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.
والثانية فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ لبيان أن اسم يوسف عليه السلام عند أهل معد عامة (العزيز) وهو من مصاديق قوله تعالى وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ.
لما دخل يوسف عليه السلام السجن قال لأهله : إنّي أعبر الأحلام، ليتخذ تأويل الرؤيا طريقاً لهداية الناس , وللنجاة من السجن ، وكأنه ينتظر رؤيا الغلامين ووصول خبره إلى أسماع الملك وحاشيته ، خاصة وأن أهل مصر كانوا يولون تعبير الرؤيا منزلة وشاناً خاصاً .
فقال أحد الفتيين لصاحبه : هلمّ فلنجرّب هذا العبد العبراني، فتقرّبا له وسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئاً، قال عبدالله بن مسعود : ما رأى صاحبا يوسف شيئاً، إنّما كانا تحالفا أن يُجرّبا علمه.
روى عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أرى عينيه في المنام ما لم تَريا كُلِّف أن يعقد بين شعرتين يوم القيامة، ومن استمع لحديث قوم وهم له كارهون صُبَّ في أُذنه الانك.
وقال قومٌ : كانا رأيا على صحّة وحقيقة، وهو المختار لحمل الكلام القرآني على الحقيقة ، وللتبادر في تلقي آيات رؤيا الغلامين بالتصديق ، وانعدام القرينة الصارفة إلى كذب قولهم سواء القرينة من الكتاب أو السنة.
قال مجاهد : لمّا رأى الفتيان يوسف قالا له : والله لقد أحببناك حين رأيناك فقال لهما يوسف : أنشدكما الله أن لا تحباني؛ فإنّه ما أحبّني أحد قط إلاّ دخل عليَّ من حبّه بلاء.
لقد أحبتني عمّتي فدخل عليّ في حبّها بلاء، ثمّ أحبّني أبي فدخل عليَّ بحبه بلاء ثمّ أحبتني زوجة الملك هذا، فدخل عليّ بحبّها إيّاي بلاء، فلا تحبّاني بارك الله فيكما، قال : فأبيا إلاّ حبّه وأُلفته حيث كان، وجعلا يُعجبهما ما يريان من فهمه وعقله.
قانون تقديم التوحيد وذكر الله على التعبير
تبين هذه الآيات وسيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الرؤيا طريق للهداية والإيمان ، وسبب للموعظة والصلاح ، ودعوة للناس للإقرار بأن الرؤيا الصادقة والرؤيا الصالحة حبل وصلة بين الله عز وجل وبين الناس ، وأنها رزق كريم يصيب البر والفاجر ، لينتفع منها الرائي وغيره .
وحينما سمع يوسف عليه السلام رؤيا الغلامين اعلن عن علمه من تأويل الرؤيا ، وأن هذا العلم من عند الله ، ولا يقدر عليه غيره ، والسبب هو التوحيد والإقرار بأصول الدين ، ووقوف الناس بين يدي الله للحساب ، وأخبر أهل مصر عن توارث آبائه عبادة الله وحده ، ليكون جواب يوسف عليه السلام للغلامين من مصاديق قوله تعالى أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
لبيان قيام يوسف بتعظيم شعائر الله ، وأنه يعمل بما بينّه أبوه يعقوب عند وصيته حال الإحتضار ، قبل هذا البيان والوصية ، ثم توجه يوسف عليه السلام إلى الغلامين بالسؤال عن أيهما أحسن للناس ما هم عليه من عبادة الأوثان أم عبادة الله وحده ، ولأن سورة يوسف نزلت في مكة فهي حجة بالغة على قريش ، وزاجر لهم عن عبادة الأوثان .
قانون القصور في الشكر لله
يحتمل قول يوسف وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ وجوهاً:
الأول : أكثر الناس في مصر آنذاك لا يشكرون .
الثاني : أكثر الناس في زمان يوسف عليه السلام .
الثالث : أكثر الناس في كل زمان لا يشكرون.
الرابع : أكثر الناس في نسبة إحصائية من مجموع أهل الدنيا في أزمنة وأماكن الإيمان والكفر.
المختار هو الأخير ، فحتى إذا صار أهل الأرض مؤمنين شاكرين لله عز وجل في زمان مخصوص فهم بالنسبة لمجموع الأزمنة الأقل ، فأكثر الناس لا يشكرون الله عز وجل على نعمه .
وفيه إشارة بأن القحط والجدب الذي سيحل بأهل مصر إنما هو بسبب الجحود وعبادة الأوثان .
ويتجلى الشكر لله عز وجل بطاعة الله والرسل ، وأداء الفرائض العبادية ، والإكثار من قول (الحمد لله ) عند كل نعمة .
ثم توجه يوسف إلى الغلامين بالذم والتبكيت على عبادتهم الأوثان والطواغيت ، وأنه لا أصل لما يعبدون مع تأكيده بوراثتهم الضلالة عن آبائهم ، وأن الحكم لله عز وجل وحده .
وفيه دعوة للذي يُعبر الرؤيا للناس بتذكيرهم بوجوب التوحيد وعبادة الله عز وجل وحده ، والإلتفات إن كانت الرؤيا تدل على وجوب أداء فريضة عبادية ، أو تقصير فيها ، وهو من عمومات قوله تعالى فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى، لبيان قانون الرؤيا الصادقة وتعبيرها تنبيه وهداية .
ثم توجه يوسف عليه السلام لتعبير رؤيا الغلامين بأن ابتدأ قوله تعالى يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ، لبيان موضوعية الصحبة وإن كانت في حال الشدة والتباين بالحال والإيمان أو الكفر ، وفيه دعوة للمسلمين لحسن صحبة الأخرين وموضوعية المواطنة ، ومحل العمل والوظيفة في الإحسان إلى الأخرين وإن كانوا من مذاهب وملل أخرى .
ثم قام يوسف بتعبير رؤيا الغلامين ، وقال لأحدهما انك ستعاد إلى مكانك في سقاية وشراب الملك ، وقيل المراد من أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا اي عنباً بلغة أهل عمان يسمون العنب خمراً ، ونزل القرآن بلغة قريش.
والمختار أنه يصنع الخمر والنبيذ والعصير للملك .
تعدد الرؤيا في السجن
تظهر الآيات الملازمة بين الرؤى المتعددة ليكون وجود يوسف عليه السلام في السجن رحمة بأهله ، وتخفيف عنهم ، وهل انتفاع السجناء من يوسف من مصاديق قوله تعالى قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ .
المختار نعم ، أي أنه قصد إصلاح النفوس في السجن خير من تكرار مراودة زوجة العزيز له ، قال تعالى وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ.
سبب في معرفة الملك بتأويل رؤياه، أي لو لم يكن يوسف عليه السلام في السجن ويفسر للغلامين رؤياهما لما استطاع رسول الملك ان يصل اليه، وهكذا يبتلى النبي لينتفع الناس، وقد ورد عن أنس قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أوذي أحد مثل ما أوذيت في الله)( ).
فلابد ان النفع بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أعم وأشمل ويدل عليه القرآن، بل هذه الآيات اذ لم توثق قصة يوسف بالحكمة الا بالقرآن وان وردت في التوراة ايضاً.
رؤيا ملك مصر
اصبح ملك مصر وهو الريان بن الوليد من دولة الرعاة العربية الهكسوس من الأسرة السادسة عشرة فأخبر عن رؤياه مخاطباً الرؤساء والوجهاء واشراف القوم ومقدميهم انه رأى سبع بقرات ظهر عليهن النمو السريع والشبع ودلائل الخصب في الأرض وسبع بقرات جفاف كان الهزال وسوء التغذية فيهن يدرك بوضوح فابتلعت ذوات الهزال السمان ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها وسبع غيرهن يابسات فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها.
ومن إعجاز القرآن توثيق هذه الرؤيا ، قال تعالى وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَومن الإعجاز في المقام تكرار لفظ [وَقَالَ الْمَلِكُ] ثلاث مرات في القرآن كلها بخصوص رؤيا ملك مصر ورؤياه .
لقد كان هذا الاعلان من الملك بياناً وثائقياً لكي لا يستخف الناس بالرؤيا ورموزها وان الأمم السابقة مع ما أصابها من الضعف والجهل في باب العقائد لم يعرضوا عن عالم الرؤيا وما فيه من الأسرار مما يدل بالدلالة الإلزامية على إقرارهم بالغيب.
ثم طلب منهم الفتيا وجواباً عن حكم المعنى ومفهومه ليكون حجة عليهم ونهياً وتحذيراً للناس من الإسراف في الاستخفاف بالرؤيا.
والآية حث على الاهتمام بالرؤيا في كل زمان ومكان أو مجتمع حيث أخرج الملك طلبه استفهاماً وأكد حرصه على وجوب الاجتهاد في مدخلية تحليل رموز الرؤيا وعناصرها لمستلزمات ادارة شؤون الحكم والبلاد، ولكن حاشيته ووزراءه اتجهوا صوب صرف الملك عن رؤياه وموضوعها لانها نوع اخبار وصلة بالغيب ودعوة للتفكر بالخلق وأحكام العبودية وحاجة الممكن إلى واجب الوجود في وجوده ابتداءً واستدامة، والطرق التي تؤدي إلى الإيمان كثيرة ومتباينة.
لقد سعوا في إجاباتهم عن مسألة الرؤيا إلى إبقائه ملازماً للوثنية بعيداً عن التدبر الشخصي أو الجماعي في أسرار الخلق ومعالم التكوين وهل يمكن القول انهم خشوا بطشه وفتكه بهم أو اعراضه عنهم لأن الإقرار بالغيب وعالم التدبر الخفي يتعارض مع ادعاء فرعون بالربوبية وان الاستدراك في الآية التالية يؤيده، الأقوى ان هذا بعيد قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ .
أي انها أحلام لا تأويل لها ولا خير فيها دخل بعضها في بعض، ولكن يأبى الله إلا ان يتم نوره، فأردفوا مستدركين مقهورين معترفين بعجزهم عن تدبير وتقدير أو تفسير رؤيا المنام لأنه باب من أبواب العلم يحتاج إلى المزاولة وسعة المعرفة والتجربة وطول الملابسة
فرحة الساقي
تبين آيات الرؤيا منافع وجود قواعد ودروس مخصصة لعلم الرؤيا وتعبيرها كما تظهر الآيات وجوب تقريب الملوك لأهل العلم المتخصصين في فروعه ورجحان كفة صاحب الإيمان حيث استثمرها ساقي الملك فرصة [ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ] ( ).
عندما شاهد الغلام اهتمام الملك وفزعه وحاجته للوقوف على تفسير الرؤيا وفهم معناها وسمع من الوزراء ورؤساء القوم اعلانهم الصريح بافتقارهم لملكة تأويل الرؤيا وفنونها، تذكر يوسف وما آتاه الله من علم. هذا الشاب المنفرد بدين فيه صلاح وإحسان ومسألته إياه اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ .
فطلب من الملك مباشرة أو بالواسطة الإذن بالتصرف والانتقال إلى غير الرؤساء والوجهاء فأذن له .
وضمن واثقاً بيوسف ومصدر الهامه وما استنتجه من تأويل يوسف لرؤياه ورؤيا صاحبه الذي جاء كفلق الصبح فقال ان الأمر خطير وعلى جانب من الأهمية كبير وسأحمل لكم ما يفاجئكم من صواب ووضوح وحكمة. فجاء إلى يوسف وخاطبه باسمه رغم مرور سنوات على النزول في مكان للقــاء غير دائم، وأثنى على يوسف مدحاً وتكريماً يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ ، مما يدل على حصول علم انطباعي عنده وأقرانه على صدق يوسف ونزاهته واستقامته.
لقد كان يوسف عليه السلام صادقاً في دينه وأقواله ولا يتخالجه في أمر الله شك صدّقت الأحداث أقواله وتعبيره وكان مخلصاً في دعوته إلى التوحيد وعبادة الله. وقد تشم نسمة إيمان في كلام الفتى هذا وفيه ذم للشرك ولما عليه القوم بلغة التعريض الى الآن لم تدرس الرؤيا كسلاح عقائدي، اذ لم يكن المؤمنون يومئذ قادرين على القتال وهم في كل زمان لا يطلبونه ، لذا صدرت له ثمانية وعشرون جزء من معالم الإيمان في تفسير القرآن بخصوص لم يغز النبي محمد (ص) أحداً وهي الأجزاء:
(165-166-168-169-170
-171-172-174-176-177
-178-180-181-182-183
-187-193-196-204-212
-216-221-229-239-256
-261).
ولا يستطيعون نشر لواء التوحيد فجاء المدد من الله تعالى برؤيا احتاج الناس الى تأويلها وانفرد النبي يوسف عليه السلام به لتصدقه الايام مما سبب باسلام الكثيرين ومنهم الملك نفسه.
ان الفرصة قد حانت لك ايها الصّديق لاظهار علمك ومبدأ التوحيد فان الأمة ملكاً وأعياناً وأهل البلد محتاجون لما آتاك الله من علم في تأويل الأحاديث وتفسير الرؤيا وهم اليوم اذن صاغية لك ولما تحمله من مبادىء آبائك في الإخلاص في العبودية لله عز وجل.
ولقد أدرك الفتى منذ أيام السجن ان عليه نقل نص الرؤيا فأستحضرها بدقة كاملة ثم قال بلسان رجاء وطمع لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ .
وظاهر الآية ان علة مجيئه حاجة الملك والناس الى تأويلها ، وجعلها موضوعاً ومناسبة لذكر الظلم الذي يتعرض لـه يوسف عليه السلام، فليس من دليل على ان هذا الساقي سيذكر يوسف عليه السلام عند الملك لولا رؤياه، كذلك فانه يأتي الى يوسف عليه السلام قهراً وانطباقاً في تأويل تلك الرؤيا، ولو لم يقل لـه قبلها ” اذكرني عند ربك” لانحصار تأويلها به عليه السلام.
الآية الحادية عشرة : قوله تعالى وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ.
وذكرت الآية بصيغة الظن لقوله تعالى يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ، هو مصداق لقوله تعالى وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، وحتى لو أخبر النبي عن تأويل الرؤيا والمغيبات عامة فقد يمحوه الله ، ومنه مثلاً الدعاء والصدقة عند الرؤيا المكروهة فان الله عز وجل يصرفها وإن تم تأويلها بوقوع مكروه وشر.
وعن (أبي رزين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوّة)( ).
والمراد من كون الرؤيا جزءً من ستة وأربعين جزءً من النبوة أن الأشهر الستة الأولى من نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان يرى فيها الرؤيا ويأتي مصداقها كفلق الصبح.
ومدة البعثة النبوية (23) سنة ، والأشهر الستة الأولى الخاصة بالرؤيا نصف السنة الواحدة لذا فهي جزء من ستة وأربعين جزءً من النبوة.
ولكن هذا التأويل لا يمنع من المعنى الظاهري للحديث ، وأن الرؤيا واقعاً بالعد والإحصاء بذات النسبة من علوم النبوة.
لقد عبّر يوسف رؤيا الغلامين ، وذُكر أنهما قالا : إنما كنا نلعب ، وذكر أن القائل هو الذي سمع بقتله وهلاكه .
فأجاب يوسف عليه السلام قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ويحتمل وجهين :
الأول :انه سيقع تأويله حتماً .
الثاني : إن القضاء هنا أعم من ذات تأويل يوسف ، وأن الأمر لابد أنه سيقع سواء بذات التأويل أو غيره ، خاصة وأنه قال وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا...
والمختار وقوع الرؤيا حقيقة.
لقد أخبر يوسف عن تنجز الأمر بالوحي ، أما الظن في الآية أعلاه [وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ] لبيان قانون عدم الملازمة بين الرؤيا ومصداقها ، فليس الرؤيا بحجة إلا رؤيا الأنبياء وموضوع الرؤيا قابل للمحو بالدعاء والصدقة أو بفضل من الله ابتداء ، بأن يرى الإنسان رؤيا إنذار حتى إذا حان وقوع مصداقها محاه الله عز وجل ، وهو الذي يتجلى ببعض الأمارات والعلامات الظاهرة للحواس ، أو أنه يستبين يوم القيامة ، قال تعالى فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌوفي الآية مسائل :
الأولى : وصف يوسف عليه السلام الملك بأنه رب الغلام أي سيده والمتولي أمره ، (وقال الأعشى:
ربي كريم لا يكدر نعمةً … وإذا تنوشد في المهارق أنشدا)( ).
أي اذا أعطى لا يكدر النعمة بالمنّ، والمراد من المهارق كتب الأنبياءوانشدهم أي أجابهم .
والرب من أمهات الأسماء الحسنى ، ويتلو كل مسلم ومسلمة سبع عشرة مرة في اليوم الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
الثانية : لقد سأل يوسف عليه السلام ساقي الملك أن يذكر للملك الوليد بن الريان ما لاقاه يوسف من الكيد من إخوته والقائه في البئر ، ثم مكر إمرأة العزيز به وبراءته وعفته ، ثم تأويله للرؤيا ، وإنطباقها في الواقع ، وكيف أنه أخبره بعودته إلى عمله عند الملك ، وهذه العودة خلاف العرف خاصة بعد تواطئه مع الخباز في البداية على سم الملك ، ثم بعد أن سجنه ، وما في السجن من أسباب الغيض والحنق على الذي سجنه ، وإن كان ملكاً ، وقوله تعالى فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِأي أنسى الشيطان الساقي ذكر يوسف عليه السلام عند الملك ، فبقي يوسف في السجن سبع سنين هي مجموع مدة سجنه ، والبضع بين الثلاثة والتسعة وهو المشهور .
(عن الحسن البصري قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : رحم الله يوسف لولا كلمته ما لبث في السجن طول ما لبث)( ).
وعن الإمام جعفر الصادق في حديث (ففسر لهما رؤياهما على ما في الكتاب، ثم قال للذي ظن أنه ناج
منهما: اذكرني عند ربك، قال: ولم يفزع يوسف في حاله إلى الله فيدعوه فلذلك قال الله : فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين ” قال: فأوحى الله إلى يوسف في ساعته تلك: يا يوسف من أراك الرؤيا التي رأيتها ؟ قال: أنت يا ربي، قال: فمن حببك إلى أبيك ؟ قال: أنت يا ربي، قال: فمن وجه السيارة إليك.
قال: أنت يا ربي، قال: فمن علمك الدعاء الذي دعوت به حتى جعل لك من الجب فرجا ؟ قال: أنت يا ربي.
قال: فمن جعل لك من كيد المرأة مخرجا ؟ قال: أنت يا ربي، قال: فمن أنطق لسان الصبي بعذرك .
قال أنت يا ربي، قال: فمن صرف عنك كيد امرأة العزيز والنسوة ؟ قال: أنت يا ربي، قال فمن ألهمك تأويل الرؤيا ؟ قال: أنت يا ربي، قال: فكيف استغثت بغيري ولم تستغث بي وتسألني أن اخرجك من السجن، واستغثت وأملك عبدا من عبادي ليذكرك إلى مخلوق من خلقي في قبضتي، ولم تفزع إلي ، البث في السجن بذنبك بضع سنين بإرسالك عبدا إلى عبد)( ).
الثالثة : جواز التعلق بالأسباب ،وقد جعل الله عز وجل الناس بالناس ، وأن كانت الأمور وخواتيمها بيد الله عز وجل ، وهو مُسبب الأسباب ، ولبث يوسف في السجن عدة سنوات لحكمة من الله .
الرابعة : لو خرج من السجن ورأى الملك الرؤيا لما استطاعوا الوصول إلى يوسف ، فالأرجح أنه يغادر إلى الشام حيث أهله ، ولروية أبيه النبي يعقوب ، فصار السجن حرزاً ليوسف وعنواناً ثابتاً ليكون حاضراَ عند طلب الملك له .
الآية الثانية عشرة : قوله تعالى وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ.
لقد رأى ملك مصر رؤيا هالته وأفزعته ، إذ رأى سبع بقرات نحيلات من الهزال والضعف يأكلن سبع بقرات سمان ذوات قوة ، فكيف تأكل الهزيلات ذوات اللحم والشحم والقوة ، ورأى سبع سنبلات يابسات ذهبت خضرتها فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبتها .
ومن فضل الله عز وجل على الناس رؤية الملك نفسه لرؤيا الإنذار هذه وبما يجعله لا يستطيع كتمانها أو إخفائها ، لما تدل عليه رموزها من تعلق المصلحة العامة بها .
والألف واللام في الملك للعهد أي ملك مصر وأطرافها ، ومن إعجاز القرآن أنه لم يسمه فرعون كما في فرعون أيام موسى عليه السلام وآل فرعون وشدة عذابهم لبني إسرائيل ، قال تعالى وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا.
وقيل كان الملك أيام يوسف عليه السلام من العمالقة العرب الهكسوس ، الذين حكموا مصر من 1900 ق.م إلى سنة 1525 ق.م ، وكانت لغتهم قريبة من الآرامية والعربية .
وقول الملك [إِنِّي أَرَى] جعل الرؤيا بمرتبة رأي العين مع وجود قرائن تدل على أنها رؤيا منام مثل أكل سبع بقرات نحيلات سبع بقرات سمان ، وهو مثل القرينة التي تفيد نقل الكلام من الحقيقة إلى المجاز ، كما لو قلت تغدينا عند حاتم الطائي .
لبيان أنكم تغديتم عند رجل كريم ، لأن حاتم الطائي توفى قبل الإسلام ، كما أن الملك ذكر المراد من كلامه رؤيا منام لقوله أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ.
وتكرر العدد (سبع) ثلاث مرات في الآية ، وكذا تكرر في إخبار الساقي ليوسف عليه السلام للدلالة على حرصه على نقل رموز الرؤيا بدقة وأمانة ، وهل جاء بنص مكتوب للرؤيا ، المختار لا ، إنما نقلها شفوياً لبيان وضوحها وشيوعها ، والتثبيت منها.
وتكرار العدد سبعة في البقرات والسنبلات لابد من معنى ورمز يدل عليه هذا الرقم وفيه دعوة لإستقراء هذا التشابه وأنه في مسألة ابتلائية عامة.
لقد جمع الملك وجهاء قومه وأصحاب الحل والعقد ، ووزرائه وذكر لهم رؤياه وسألهم عن معانيها ودلالتها ، وقيد سؤاله بما ورد في خاتمة الآية إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ.
أي أنه لا يريد لغوا أو قولاً من غير علم بتعبير الرؤيا ، لبيان أن الملوك يريدون الكلام الوافي عن علم ومن غير إطالة أو إخلال أو ظن لا أصل له.
الآية الثالثة عشرة : قوله تعالى قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ.
الأضغاث جمع ضغث وهو الحزمة من الشئ كالبقل والكلأ ، أي أن هذه الرؤيا العجيبة ليس لها تأويل .
ثم استدركوا وقالوا بأنهم ليسوا علماء في تعبير الرؤيا ، ليدل بالدلالة التضمنية على شأن رؤيا الملك هذه ، وفيه دعوة للملك بعدم تجاهلها أو إهمالها .
وقال الإمام علي عليه السلام (المعز والبقر إذا دخلت المدينة فإن كانت سمانا فهي سني رخاء وإن كانت عجافا كانت شدادا.
وإن كانت المدينة مدينة بحر وإبان سفر قدمت سفن على عددها وحالها وإلا كانت فتنا مترادفة كأنها وجوه البقر كما في الخبر (يشبه بعضها بعضا).
وفي خبر آخر في الفتن ( كأنها صياصي البقر) يريد لتشابهها إلا أن تكون صفرا كلها فإنها أمراض تدخل على الناس وإن كانت مختلفة الألوان شنيعة القرون وكان الناس ينفرون منها أو كأن النار والدخان يخرج من أفواهها فإنه عسكر أو غارة أو عدو يضرب عليهم وينزل بساحتهم.
وقد تدل البقرة على الزوجة والخادم والغلة والسنة لما يكون فيها من الولد والغلة والنبات)( ).
الآية الرابعة عشرة : قوله تعالى وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ.
لقد تحقق تعبير يوسف عليه السلام لرؤيا الغلامين إذ تم صلب أحدهما وهو الخباز لثبوت دسه السم للملك ، أما الساقي الذي كشف هذا الكيد قبل إقدام الملك على الأكل ، فقد أعاده الملك إلى وظيفته في سقاية وشراب الملك ، من غير أن يخشى نقمته بسبب سجنه .
وقوله تعالى [وَقَالَ الَّذِي نَجَا] أي الساقي إذ نجاه من القتل ومن البقاء في السجن إذ أن الخروج منه نجاة .
فسمع الساقي الملك وهو يروي رؤياه العامة ، وعجز الملأ والوزراء ممن حوله عن تأويلها فتذكر يوسف عليه السلام وصدق تعبيره للرؤيا وكيف أنه سأله أن يذكره عند الملك بهذا التعبير ، وبالظلم الذي وقع عليه من امرأة العزيز ، عندئذ قال الساقي [أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ].
وقوله تعالى [وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ] أي بعد سنتين من خروجه من السجن وهذه الذكرى بسبب رؤيا الملك والحاجة إلى تأويلها ، فسبحان الله مسبب الأسباب والعلل .
لقد جثا الساقي بين يدي الملك ، وقال له في السجن غلام عبراني يقوم بتأويل الرؤيا ويأتي تأويلها في الوقائع كما أخبر عنه ، وسأل الملك ورجال القصر إرساله إلى السجن لأن السجن خارج المدينة ، وتلزم واسطة النقل ويظهر أنه لابد من إذن رسمي للوصول إلى السجن والدخول إلى السجناء ، والحديث معهم ، كما أنه لا يجوز له مغادرة عمله في خدمة الملك إلا باذن.
ومن مصاديق استجابة الساقي ليوسف عليه السلام في طلبه قطعه بأنه سيأتي بتأويل رؤيا الملك بقوله [أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ] وهو من المعجزات الغيرية للنبوة ، وفيه مسائل :
الأولى : بعث الطمأنينة في نفس الملك .
الثانية : رؤيا الملك ليست أضغاث أحلام ، إنما لها تأويل خاص .
الثالثة : التحدي مع الملأ ورجال القصر ، ومن الآيات عدم ترتب الحسد منهم في المقام ، وعدم وضع العراقيل دون ذهاب الساقي إلى يوسف عليه السلام ، فالكل تواقون لسماع ومعرفة تأويل رؤيا الملك ، وهو من الشواهد على إخلاصهم له .
الرابعة : تفقه الساقي في علم الرؤيا ، فمن خصائص السجين معرفة تعبير الرؤيا في الجملة أو العناية بها .
الخامسة : مجئ الرزق الكريم وفتح باب للفرج ليوسف عليه السلام .
السادسة : معرفة الساقي بأن يوسف عليه السلام لا يزال في السجن للعلم بنوع السجن والعقوبة ، واستمرار وبقاء مدته في السجن لقوله تعالى لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ، وتقدير الآية على وجوه :
الأول : فارسلون إلى السجن .
الثاني : فارسلون إلى يوسف الغلام العبراني .
الثالث : فارسلون آتيكم بتعبير رؤيا الملك .
السابعة : أراد الساقي جعل تأويل يوسف لرؤيا الملك مناسبة لتذكير الملك بالظلم الذي لحق بيوسف .
الآية الخامسة عشرة : قوله تعالى يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ.
تدل الآية على وصول الساقي إلى السجن ، ولقائه بيوسف عليه السلام ، وقصّ رؤيا الملك عليه ، وطلبه تأويل الرؤيا بلغة الفتيا ، ولم يرد لفظ (افتنا) في القرآن إلا في آية البحث.
ليكون هناك وجوه في تفسير الرؤيا وهي:
الأول : تعبير الرؤيا .
الثاني : تأويل الرؤيا .
الثالث : تفسير الرؤيا .
الرابع : الإفتاء في الرؤيا .
وفيه دلالة على موضوعية تأويل الرؤيا الصادقة ، وحتى تأويل ونعت رؤيا أضغاث الأحلام له أهمية لبيان عدم ترتب الأثر عليها .
حينما وصل الساقي الى السجن ورأى يوسف عليه السلام خاطبه بالاسم وصفة الثناء [يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ] أي كثير الصدق في قوله وفعله وتأويله الرؤيا .
ولم يرد لفظ (الصدّيق) في القرآن إلا في هذه الآية ، نعم ورد بصيغة الجمع بقوله تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ.
لبيان شمول المؤمنين بصفة الصدّيقين الذين صدّقوا الأنبياء والتنزيل .
لبيان قانون مصاحبة صفة الصدّيقين للحياة الدنيا ففي لكل زمان هناك أمة من الصديقين ، وقانون من خصال الصدّيقين رؤية المنامات الصالحة وحسن تأويلها .
لقد قص الساقي رؤيا الملك على يوسف عليه السلام وقال له لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ، وتكرر لفظ (لعل) مرتين في هذه الآية بينهما كلمة واحدة.
ترى لماذا قال [لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ] الجواب من وجوه :
الأول : رهبة السجن والحجز فيه .
الثاني : الخشية من عدم الخروج من السجن .
الثالث : مخاطر الطريق بين السجن والمدينة .
وقيل كان السجن في الفيوم ، وقول آخر أنه في منطقة (ابي صير) جنوب اهرامات الجيزة ، والقدر المتيقن أنه خارج المدينة ، وبعيد عن العمران .
لقد قصّ الساقي رؤيا الملك بتمامها على يوسف عليه السلام ، ولم يقل لعلي ارجع إلى الملك ، لاحتمال أنه يقوم بتبليغ الملأ والوزراء الذين حول الملك لذا تقدم قوله [فَأَرْسِلُونِ] بصيغة الجمع ، ولم يقل فارسلني .
والمراد من الناس الملك والملأ والناس والكهان والذين شغلتهم رؤيا الملك وغيرهم ممن يلتفت إليها بعد مجئ تأويلها لما فيها من البيان بدلالة هذه الرؤيا على مسألة ابتلائية عامة.
وجوه [لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ]
ثم قال الساقي ليوسف لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ وفيه مسائل :
الأول : لعلهم يعلمون بالظلم الذي وقع على يوسف عليه السلام.
الثاني : لعلهم يعلمون بأنك صدّيق ويعلمون مكانك من العلم والفضيلة.
الثالث : لعلهم يعلمون بمكر امرأة العزيز .
الرابع : لعلهم يعلمون بحاجتهم إليك في تأويل رؤى الملك والوزراء والملأ منهم ، فيكون سبباً لخلاصك من السجن .
وفي أيام الخلافة العباسية كان عدد من المعبرين يجلسون عند باب الخليفة عسى أن يندبهم هو أو وزراؤه أو نساء الخليفة والحريم لتأويل رؤيا فينالون جائزة.
الخامس : لعلهم يعلمون بدين التوحيد ، ووجوب عبادة الله عز وجل وحده.
السادس : لعلهم يعلمون بأنك من أبناء الأنبياء.
السابع : لعلهم يعلمون ضلالتهم بعبادة الأوثان .
لإتخاذ الساقي القياس بأن يوسف عليه السلام لم يعبر له ولصاحبه رؤياهما إلا بعد أن وعظ منه قوله يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ* مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.
وقال القرطبي (ويحتمل أن يريد بالناس الملك وحدة تعظيما له)( ).
وهذا بعيد وخلاف الظاهر ، ولقانون أسسناه في علم التفسير وهو أن لغة الجمع التي يراد منها المنفرد في القرآن خاصة بالله عز وجل وحده ، كما في قوله تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.
وهل من حفظ القرآن ما يكون بالرؤيا ، الجواب نعم .
الثامن : لعلهم يعلمون طول مكثك في السجن من دون ذنب.
التاسع : لعلهم يعلمون أحوال السجناء ، ولزوم الإلتفات إليهم.
وهل اعتنى يوسف عليه السلام بالسجناء وميرتهم عند توليه الوزارة خاصة في سني القحط ، الجواب نعم .
وهل أصدر عنهم عفواً ، المختار نعم .
وهو الذي يدل عليه خطابه [يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ] والذي تكرر مرتين في القرآن بصدورهما من يوسف واحداهما يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ.
وليعملوا في سني الخصب ، ويشاركوا عوائلهم في الصبر في سني الجدب.
العاشر : لعلهم يعلمون صدق رؤيا الملك وأنها رؤيا إنذار عام لأهل مصر ، وليس أضغاث أحلام .
الحادي عشر : لعلهم يعلمون أني صادق باخباري لهم أني سأأتي لهم بتأويله ، لأن الساقي إذا لم يوفق في هذه المسألة يتعرض للمساءلة والسخرية من الملأ والعقوبة ، أي أن الساقي أخبر يوسف عليه السلام بأني عرضت نفسي للأذى بسببك فلا تخيب ظني وأملي فيك .
الثاني عشر : لعلهم يعلمون الحاجة إليك في إدارة الدولة للتباين بين قول الملأ [أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ] وبين تأويل يوسف عليه السلام للرؤيا.
لبيان طمع الساقي بنيل المكانة عند يوسف إن إرتقى في إدارة الدولة ، لأنه صدّيق ، وعالم بالتأويل .
وهل يدل مجئ الساقي إلى يوسف طلباً لتأويل رؤيا الملك على أن رؤياه وصاحبه الخباز كانتا حقيقة وليس كذباً ، المختار نعم ، لبيان أن القرآن يفسر بعضه بعضاً .
الثالث عشر : هل كان لقاء الساقي مع يوسف عليه السلام على انفراد أم بحضور صاحب السجن وغيره ، المختار هو الثاني ليكون من معاني [لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ] أي أهل السجن والسجناء برؤيا الملك وتأويلها ، وحاجة الملك إلى يوسف عليه السلام .
الرابع عشر : لعل أبويك واخوتك يعلمون بأنك حي بشيوع تأويلك للرؤيا ، ورجحان طلب الملك لك .
الخامس عشر : لعلهم يعلمون ما يجب عليهم فعله بعد تأويلك الرؤيا ، لذا قام يوسف بذكر ما يجب عليهم فعله قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ.
وهل أوصى السجناء الساقي ، ثم أوصوا يوسف عليه السلام بالرفق والعفو عنهم إذا طلبه الملك ، المختار نعم ، وهو أمر أدركناه في السجن حيث لا زيارات لنا على مدار السنة .
لقد أصغى يوسف عليه السلام للساقي وهو يقص رؤيا الملك ، وحالما انتهى من حديثه ، قال يوسف : البقرات السمان سنون مخصبة ، والسنون السبع العجاف ، سنون مجدبة ، لا ينزل فيها المطر في الجملة ، ولا تنبت شيئاً لإطعام الناس أو الدواب.
والعجاف : جمع عَجف وهي المهازيل .
وكذا بالنسبة للسنبلات ، فموضوع الرؤيا واحد ، ولكن التعدد في البقر والسنبلات لبيان أن القحط والجدب يعم الأرض ، ويعطل الأسواق ، ويضرب المعاشات ، وتضمن تأويله مضامين وإجابات على قوله تعالى [لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ].
الآية السادسة عشرة : قوله تعالى قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ.
السنبلات جمع قلة للسنبلة من ساق نبات الحبوب وهي أفضل أقوات الناس والدواب .
وهل المراد حصر العناية وكثرة الزراعة والإدخار بالنباتات ذات السنابل ، كالحنطة ، والشعير ، والذرة ، والشوفان ، الجواب لا ، إنما ذكر يوسف عليه السلام الفرد الأهم .
وقال للساقي أخبر الملك والملأ بأن ما يحصدونه يبقونه في سنبله حفظاً له ، وبحراسة وتوفير إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ.
إرادة الإقتصاد في الأكل من ذي السنابل ، والتغذية بما لا يصلح للإدخار مثل الخضروات ، والطماطم ، والبصل ، والبطاطا ، والبطيخ ، والباقلاء ، والفاكهة .
لذا ورد في بني إسرائيل فيما بعد زمان يوسف اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ.
أي أن يوسف عليه السلام قال لهم : كلوا قليلاً من ذوات السنابل واجعلوا غذاءك في السنوات السبع الأولى من النباتات والفواكه الأخرى ، وأن كان هذا التأويل منا في المقام لم يذكر في كتب التفسير .
فهو لم يقل له قللوا من أكلكم في سنوات الخصب ، بل قال لهم اشبعوا فيها فهي نعمة عظمى ، ولكن اجعلوا الخبز ونحوه أقل نوع من أنواع الأغذية التي تأكلون.
وتقدير الآية : إلا قليلاً من مجموع ماتأكلون من أنواع الغذاء ، فالمتعارف أن الخبز هو الوجبة الرئيسية للناس في الطعام ، فأمرهم يوسف بأن يكون طعاماً ثانوياً وليس الوجبة والمادة الأساسية في الطعام.
والظاهر قيام يوسف عليه السلام بسنّ قوانين لشراء القمح والحبوب في سنابلها من الفلاحين في الحقل والبيدر ، فلا تبقى الحبوب في أيدي الناس وفي متناولهم وهو من مصاديق قوله تعالى اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ.
لإرادة التصرف المطلق في الزراعات ، وتعيين المزروع والترغيب بزراعة الحبوب ، وشرائها من الفلاحين بأسعار مجزية لا يجدونها في السوق إذا عرضوها ، ويوفر لهم عناء التسويق والعرض ،وبخس التجار .
فهذه السنوات السبع استثناء بأن يكون الخبز أقل ما يأكل أهل مصر في شبعهم ، وفيه دعوة إلى تقنين أكل الخبز والرز عند الشعوب في قادم الأيام وأنه أنسب لصحة الأبدان ، واجتناب السمنة.
لبيان عمل جميع أهل مصر بقول يوسف عليه السلام ، وهو من أسرار تسميتها فتوى أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ.
الرؤيا تحذير للحكومات
هل في رؤيا الملك وتأويلها والتدبير العام للتوقي منها تحذير وتعليم للدول والحكومات في كل زمات من احتمال سنين جدب تضرب أكثر أجزاء الأرض ، ولزوم الإستعداد لها ، الجواب نعم ، قال تعالى وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
ومن الإعجاز في تأويل الأنبياء ذي الأهمية والشأن بيان ما يجب فعله استقراءً من مضامين الرؤيا ، فلم يقل يوسف عليه السلام ستأتيكم سبع سنوات خصب وأخر مجدبات ، إنما ذكر ما يجب عليهم فعله ، وكأنه ذكر خطة بعيدة الأجل لخمس عشرة سنة ، وفيه ترغيب للدول في هذا الزمان بمثل هذه الخطة.
مع الخطة السنوية التي تتجلى بالإدخار في سني الخصب ، والإقتصاد في سني الجدب , ثم ذكر العام كخطة سنوية في قوله تعالى ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ.
قال لابد من الزراعة بدأب وجدّ في السبع سنوات القادمة والإنتفاع من الماء والمطر وخصوبة الأرض.
فمن عادة الإنسان التفكير بقوت يومه أو سنته ، ويستصحب حال هذه السنة للسنوات التالية ، فجاءت الرؤيا بالإنذار ، وعدم اعتماد الإستصحاب ، وان كان دليلاً عقلائياً ولكن الآيات الكونية وأرزاق الناس أعم منه ، وفي التنزيل أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
وذكرت البقرات لأن لبنها غذاء للناس ، وكذا لحومها ، وهي التي تستعمل لحراثة الأرض.
فحتى لو انتهت سني الجدب السبع ، فليس من بقر وأنعام يأخذون من لبنها ، ولا يحرثون الأرض بها ، فيضطرون لتولي سحب المحراث بأنفسهم وجهدهم ، وفيه مشقة وحرج عليهم ، مع قلة الإنتاج خاصة وأن الهزال يشمل الناس لمن بقي حياً بسبب الجوع والجدب .
فجاء تأويل يوسف عليه السلام دفعاً للمشاق وقلة الإنتاج في عام الإغاثة.
الإنشاء والأمر بصيغة الجملة الخبرية
وورد تأويل يوسف عليه السلام للرؤيا بصيغة الجملة الخبرية تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا، ولكنه يتضمن الإنشاء والأمر لما فيه من جلب المصلحة العامة ، ودفع المضرة عن الناس ، ومنهم آل يعقوب إذ أصابهم القحط والجوع واحتاجوا إلى عزيز مصر ، وتأويله الرؤيا ووزرائه.
ويدل على الإنشاء قوله [دَأَبًا] أي بجد وتتابع .
وتقدير الآية : أزرعوا سبع سنين دأباً .
ولم يعين يوسف نوع الحبوب التي تزرع كالحنطة أو الشعير أو الذرة إنما ترك لهم إختيار نوع المزروع .
نعم عندما تولى الوزارة سنّ قوانين وضوابط لشراء وجمع المحاصيل من الفلاحين ، ودفع ثمن أغلى للمحاصيل التي أكثر نفعاً لترغيب الناس في زراعتها .
ليكون من الإعجاز في المقام أن السجين الغريب المظلوم يأمر دولة عظيمة بأمر فيه بقاء الملك في كرسيه ، واستدامة حياة الناس بطرد شبح المجاعة والهلاك عنهم ، وما يصاحبها من الفساد والسرقة والإقتتال ، وهو من مصاديق قوله تعالى رداً على الملائكة إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
فمن علم الله عز وجل انقاذ الناس واستدامة عمارتهم للأرض ، ومن وسائل هذا الإنقاذ رؤيا ملك مصر وتأويل النبي يوسف عليه السلام لها.
ومجئ هذا التأويل بصيغة الأمر ، ثم عمل وتقييد أهل مصر به لخمس عشرة سنة , لتنكشف الغمة بسنة خصب بوعد ولطف من الله بقوله ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ.
معجزة السنابل
وهل كان حفظ الحبوب بسنابلها للحفاظ على قيمتها الغذائية لسنوات ، ولمنع دبيب التسوس والآفات والتلف عنها أمراً معروفاً عند أهل مصر أم أنه جاء بالوحي رحمة عامة بالناس ، المختار هو الثاني ، ولم يعهد الناس في تلك الأزمنة إدخار الحبوب لأكثر من سنة .
إذ تحيط السنابل بالحبوب بعدد من الأغلفة التي تمنع من تأثر الحبوب بالبيئة ، كما انها تمنع وصول الحشرات إليها وتحافظ على حياة الجنين داخل حبة الحنطة والذي يساوي 4% من وزن الحبة ، ويقبح في أحد زواياها ، ويكاد لا يرى بالعين المجردة .
وتتألف السنبلة الواحدة من عدد من الأزهار وترتبت بهيئة بديعة باعجاز خارق ، ودعوة للناس للتدبر في الخلق ، واستقراء الناس في كل زمان وجوب عبادة الله عز وجل وحده ، قال تعالى وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
لبيان حضور الآيات عند الإنسان مجتمعاً مع غيره ومنفرداً وهي تحضه على الإيمان ، وإجتناب المعصية والإقتتال وسفك الدماء ، واتباع الشيطان.
وإلى جانب الآيات الكونية تتجلى بدائع الخلق في الأشجار والثمار وأوقات قطافها ، ليتفكر الناس في الخلق ، وهو من مصاديق قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
وجاء الخطاب والأمر في الآية أعلاه إلى الناس جميعاً للتدبر في النعم واتخاذها مادة وطريقاً للإيمان ، لذا خاطب يوسف عليه السلام صاحبيه في السجن قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ.
فمن مصاديق الآية أعلاه من سورة البقرة أن الفاكهة والثمار من آيات الله ، ويجب زراعتها وأكلها بالحلال ، وعدم الظلم ، ومن الإعجاز في الآية بشارة الرزق الكريم للناس من خيرات الأرض في كل زمان ، وأن الحلال يسع الناس من غير حاجة إلى الحرام والسرقة والغصب ونحوه.
والثمار وفوائدها على صحة الإنسان وإنشراح الصدر عند أكلها فضل من الله لخلفاء الأرض ، وهي مقدمة للهداية ، ومن مصاديق قوله تعالى اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ.
فآيات الثمار طرية ومجففة تذكير ببديع صنع الله ، وعظيم إحسانه على الناس ، ودعوة لهم للإيمان .
معنى [دَأَبًا]
حال من ضمير [تَزْرَعُونَ] وهو مصدر يقال دأب يدأب دأباً ، إذا داوم على الفعل .
لقد أمر يوسف عليه السلام أهل مصر بالجد في الزراعة سبع سنين متتالية ، وعدم ترك أرض بوراً فانها ستبور قهراً سبع سنين لاحقة .
ولو لم يقيد الزراعة بالدأب لكان المراد ازرعوا على عادتكم كل عام ، بما يجعلكم تنتظرون الموسم اللاحق ، ليكون من معاني الدأب اصلاح التربة للزراعة ، وبذل الوسع فيها والإكثار من زراعة الحنطة ونحوها.
حفظ الضرورات الخمس
ولابد أن يصارح الملك الشعب بهذه الخطة وتأويل رؤياه بما يجعل الأمة تعمل وفق نهج مشترك .
لبيان قانون إمامة الأنبياء للأمم ، فبتأويل رؤيا استطاع يوسف عليه السلام أن يجعل شعب مصر يعملون لغايات حميدة بجد ونشاط .
لقد أراد يوسف عليه السلام والأنبياء في بعثتهم حفظ الضرورات الخمس :
الأولى : ديانة التوحيد .
الثانية : حفظ النفس .
الثالثة : سلامة النسل .
الرابعة : صيانة المال .
الخامسة : موضوعية وشأن العقل .
فان قلت أين حفظ الدين ، الجواب بالرجوع إلى النبي يوسف عليه السلام ، والصدور عن أمره وهو ابن النبي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.
لقد انتقلت النبوة ونفعها إلى أهل مصر لبيان صبغة العالمية للنبوة وبركتها ، حتى بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم فنزل قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ.
وتتجلى المصاديق الواقعية للآية أعلاه في هذه الزمان بشواهد كثيرة ، منها إقامة الصلاة خمس مرات في اليوم في مشارق ومغارب الأرض .
قانون النبوة نصح وإرشاد
لقد اجتهد يوسف عليه السلام في ارشاد الناس إلى مصالحهم ، ولم يمنعه كفرهم من نصحهم ، والعمل على سعادتهم.
وهل تستلزم الزراعة دأباً إصلاح السدود والقناطر وصيانة وتنظيف الأنهار والسواقي ، وتهيئة مقدمات ومستلزمات الزراعة ، وإعانة الدولة للفلاحين ، الجواب نعم.
فلا غرابة أن يسأل يوسف عليه السلام الملك اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ، أي وزارة الأرض والزراعة .
وفيه دلالة هذه الآية على بشارة إخراج النفط والغاز والذهب والمعادن من الأرض في مصر وبلاد العرب بما يجعلها كنوزاً وثروة متصلة.
وليكون من معاني [دَأَبًا] في المقام دخول أهل مصر والنوبة والسودان في أطول إنذار وجهاد وعمل في زمانهم ليس إنذاراً في للحرب والقتال ، وسفك الدماء ، إنما هو جهاد من أجل البقاء ، والعيش بأمان .
ليكون من معاني قصص القرآن ، وقوله تعالى نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ، أن حسنها في إصلاح الأمم للعمل بجد ومثابرة بعيداً عن الفتن والإقتتال ، وهذا العمل مانع من سيادة الأخلاق المذمومة كالسرقة والظلم والتعدي على النفوس والأموال في حال المجاعة .
ومن خواص المجاعة عدم إقامة الحد على السارق إذا كان مضطراً لسرقة ما يأكله ولكنه يضمن المال المسروق .
ومن الآيات في المقام عدم حدوث مجاعة في سنوات الجدب السبع في مصر ، وترشح عنه عدم حدوث السرقات والجرائم ، لينجو الناس بوجوه :
الأول : رؤيا يراها الملك ، وقد أفزعته وهالته .
الثاني : تأويل يوسف النبي لرؤيا الملك بعد أن عجز أركان الحكم والكهنة عن تأويلها.
ولو كان يوسف عليه السلام مع أبيه وإخوته في الشام لما علموا بتأويله الرؤيا ، وما وصلوا إليه ، وكذا لو بقي في بيت العزيز ، وخدمة امرأته من معاني قوله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، أي مدبر الأمور في السموات والأرض .
الثالث : العمل الدؤوب والمتواصل من أهل مصر في الزراعة لسبع سنوات .
الرابع : تعاهد أهل مصر حكومة وشعباً للمدخرات من السنابل ، فهي من أعظم الثروات لأيام القحط والجدب .
الخامس : تولي يوسف عليه السلام الوزارة في مصر لبيان قانون تولي الأمين عند الأزمات والإبتلاء العام ، لذا وصف يوسف عليه السلام نفسه بأنه حَفِيظٌ عَلِيمٌ.
ومن خصائص السنابل صيرورتها علفاً للدواب فلا تأكل البقرات العجاف البقرات السمان ، بل يبقى البقر والغنم والماعز والإبل تعطي للناس اللبن وتتكاثر وينتفع من لحومها للتخفيف والإقتصاد في أكل الحبوب ، لتبقى لسبع سنوات .
حتى إذا انكشفت سني الجدب هناك بقر للحراثة والسقي والحليب وهو أمر لا يلتفت إليه لولا وحي النبوة ، وما يترشح عنها من حسن التدبير ، لبيان أن النبي محمداً يأتي بما فيه استدامة النعم على المسلمين والناس عامة .
وورد (عن أبي البختري رفعه قال : قال رسول صلى الله عليه واله: بارك لنا في الخبز ولا تفرق بيننا وبينه فلولا الخبز ما صلينا ولا صمنا ولا أدينا فرائض ربنا)( ).
والحديث ضعيف سنداً ودلالة ، وأبو البختري وهب بن وهب كما عن الشيخ الطوسي( ) وله كتب وقيل كان كذاباً .
ومن بركة نبوة يوسف عليه السلام انتفاع أهل الشام وغيرهم من الأمصار من مدخرات مصر ، فلم يغلق عزيز مصر حدود مصر ويمنع أهل الشام وأفريقيا من شراء القمح والحبوب منه لسني القحط .
بل كانت أبواب مصر مشرعة للجميع بدليل قول يعقوب لبنيه ادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ.
وتعدد أبواب مصر دعوة للناس لدخولها وطلب وشراء الطعام منها ، وفي قوله تعالى ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، دلالة على حسن خلق أهل مصر ، وعدم طردهم أو اعتدائهم على الغرباء الذين يزاحمونهم في الطعام سني الجدب ، وهو من الشواهد على أسباب الرحمة التي بثها عزيز مصر يوسف عليه السلام .
وقد ذكرت في تفسيري لسورة يوسف أن الآية أعلاه بشارة فتح المسلمين لمصر من غير قتال يذكر ، وإخبار عن الأمن العام للمسلمين في مصر في الأزمنة المتعاقبة .
الآية السابعة عشرة : قوله تعالى ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ.
من تأويل يوسف عليه السلام لرؤيا الملك تعقب سني الخصب سبع سنوات من الجدب تمسك السماء ماءها ، وتتصحر الأرض ، فان قيل أين ماء نهر النيل ، والجواب إنما يأتي ماء النيل من كثرة الأمطار في مناطق المنبع ، فاذا امتنعت الأمطار جفّ النهر .
في دعوة للناس للهداية والإيمان ، والإمتناع عن عبادة الأوثان ، وهي التي أنذر يوسف عليه السلام الناس منها بقوله لصاحبي السجن يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.
وهل في هذه الآيات دعوة إلى تعدد مصادر الكسب والرزق ، وعدم حصرها بالزراعة ، الجواب نعم ، ولكن الزراعة هي الأصل والمرتكز للتجارات والصناعات .
وفي الآية دعوة لأهل هذا الزمان لصناعة الطعام ، وتقنين الماء ، وتنوع الإستهلاك والتدبير فيه ، وعدم القاء كميات كثيرة فائضة من الطعام ، وفيها دعوة للشعوب الفقيرة للصبر والإيمان والدعاء وانتظار رحمة الله ، وفي التنزيل إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
وتستنزف سنوات الجدب هذه ما ادخره أهل مصر من الطعام مدة سبع سنوات الخصب ، فلا يبقى منه إلا القليل ليكون مادة للبذر ونثره في الأرض للزراعة ، بعد سنوات القحط والجدب.
ولولا هذا التأويل النبوي لأكل الناس ما ادخروه في السنة الأولى أو الثانية من سني المجاعة ، ولمات كثير من الناس بالمجاعة .
لقد نفع تأويل يوسف عليه السلام لرؤيا ملك مصر بأن السنوات العجاف لم تأكل البقرات السمان ، بل بقيت البقرات السمان على حالها في سني الجدب ، تعطى السنابل والتبن علفاً لها ، لبيان قانون التأويل الصحيح يبدل موضوع الرؤيا ، وهو من مصاديق رؤيا الإنذار بدفع المكروه عن صاحبها أو عن الناس .
وهل رؤيا الملوك كلها عامة ، الجواب لا ، منها ما هو عام ، ومنها ما هو خاص ، فمن بركات يوسف عليه السلام وتأويله الرؤيا بيانه لحقيقة وهي أن رؤيا الملك كانت عامة للناس ، وليست هي خاصة .
لقد أخبر يوسف عليه السلام الساقي بأنه بعد السنين السبع الخصبة تأتي سبع سنوات شديدة الجدب يأكل الناس فيها ما ادخروه في سنوات الخصب إلا القليل أي لابد من الاقتصاد بالقليل من الحبوب لتكون بذوراً للزراعة.
وقوله تعالى تُحْصِنُونَ، أي تحرزون وتدخرون دعوة لبناء مذاخر وأهراء أي مخازن وأكوام تجمع فيها الحاصلات سواء كانت بدائية أو صناعية لا تصل إليها الأيدي ، ويكون الأخذ منها وفق منهاج وقواعد دقيقة.
وأضاف يوسف الأكل إلى السنين [يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ] على نحو المجاز العقلي والتوسع لإرادة افناء الطعام المدخر كما في قوله تعالى وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ.
وتبين هذه الآيات صحة رؤيا الكافر ، وأن الرؤيا رحمة من الله تصيب البر والفاجر.
ولقد وعظ يوسف عليه السلام الغلامين عندما سألاه تأويل رؤياهما ، أما في رؤيا الملك فقد بادر إلى تأويل الرؤيا .
وهل يحتمل الإستصحاب وأن يوسف عليه السلام وعظ الساقي وأبلغه ان يعظ الملك والملأ ، المختار لا ، لأصالة الظاهر ولأن الساقي جاء برسالة يريد البيان ، واتخاذه مناسبة لتذكير الملك وأهل الحل والعقد في المملكة بشأن ورفعة يوسف عليه السلام والحاجة إليه ، وما لحقه من ظلم .
الرؤيا الصادقة وتعبيرها إصلاح
من خصائص سورة يوسف أنها مدرسة في باب علم الرؤيا من جهات :
الأولى : الرؤى العامة التي يدل ظاهرها على أنها بشارة أو إنذار ، وتحض الناس على العناية بها .
الثانية : تعدد الرؤى في ذات السورة ابتداء من رؤيا يوسف عليه السلام ، وما سببت له من المحن ، ولكنها مقدمة لتنجز فصولها ذات النفع الخاص والعام ، وقيل أن ملك مصر أيام يوسف الريان بن الوليد أسلم على يديه.
الثالثة : تعبير الرؤيا ، فلم يترك الله عز وجل رؤيا فيها إلا وذكر تعبيرها ، وكيف أنه جاء كفلق الصبح لبيان أن الرؤيا مدرسة إصلاح ، وإرشاد ، وتعليم ، وهو من مصاديق أثر الروح على جوارح وجوانح الإنسان ، قال تعالى وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ.
فصحيح أن هذا النفخ في آدم إلا أنه حاضر في حياة كل إنسان إلى يوم القيامة ، يجذبه إلى سبل الإيمان ، ويبعده عن مستنقع الضلالة ومواطن الهلكة بلطف من عند الله عز وجل .
وتأتي الرؤيا من سلطان الروح الخفي ومنه بعث الفرد والجماعة على العناية بالرؤيا الشخصية وتعبيرها ، واستقراء الدروس والعبر منها ، لذا يسمى تأويلها تعبيراً.
الآية الثامنة عشرة : قوله تعالى ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ.
بعد سنوات الجدب يأتي عام تكثر فيه الأمطار والسيول ، وتنبت الغلات الكثيرة بما يفوق حاجة الناس ويعصرون العنب والزيتون والسمسم والقصب في دلالة على كثرة النعم وعدم موت الأشجار في سني الجدب ، وأنها ليست جدباً تاماً ، عديمة الأمطار ، ولكن الكميات النازلة منه قليلة.
وقوله تعالى [يُغَاثُ] لبيان أي ينزل المطر نجاة وانقاذاً لهم ، وفيه دعوة للناس طيلة سنوات الجدب للجوء إلى الله عز وجل والنظر إلى السماء رجاء رحمة الله عز وجل.
وفي انتظار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تحويل القبلة ورد قوله تعالى قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ.
لبيان أن التقوى سبب لتوالي النعم ، والنجاة من سني الجدب المتتابعة.
وهل من صلة بين قوله تعالى [يُغَاثُ النَّاسُ] وبين قوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، الجواب نعم .
لبيان قانون من خلافة الناس في الأرض إنقاذهم من الهلكة سواء بنزول المطر من السماء أو بوقف الحروب أو دفعها ورفع الأوبئة ، وصرف الآفات الأرضية أو السماوية.
وجاء الإنقاذ والإغاثة في المقام بواسطة رؤيا الملك وعناية الناس بها ، وتأويل النبي يوسف لها ، وعمل الناس بأوامره.
لقاء يوسف (ع) بالملك
أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي
بعد التأويل المهيب لرؤيا الملك من قبل يوسف عليه السلام امتنع عن الإستجابة لطلب الملك باحضاره حتى تثبت براءته ، وعفته ، ولحوق الظلم به.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لَقَد عَجبتُ من يوسف وكرمه وصبره ، والله يغفر له حين سُئل عن البقرات العجاف والسمان ، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى اشترط أن يخرجوني ، ولقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حتى أتاه الرسول فقال ارجع إلى ربّك ، ولو كنتُ مكانه ولبث في السجن ما لبثت لأسرعت الإجابة ولبادرتهم الباب ، وما ابتغيت الغفران كان حليماً ذا أناة)( ).
وقال الملك ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي، ليكون نوع مستشار للملك ومن خاصته ، لبيان أن الملك الكافر يختار المؤمن الأمين بطانة.
وقد نزل تحذير المؤمنين من إتخاذ المنافق والكافر بطانة وخاصة ، قال تعالى أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ )( ).
وهل كان أهل السجن يعلمون بامتناع يوسف من الخروج عن السجن حتى تستدعى امرأة العزيز والنسوة اللاتي حضرن عندها عند الملك ، الجواب نعم .
ثم جاء رسول الملك إلى السجن ، وقال ليوسف أجب الملك الآن ، وقد علم براءتك ونزاهة عرضك .
فخرج يوسف عليه السلام ودعا لأهل السجن بدعوة تعرف في كل زمان إذ رفع يديه وقال : اللهم أعطف عليهم قلوب الأخيار ، ولا تعم عليهم الأخبار .
وكتب يوسف على باب السجن (هذا قبر الأحياء وبيت الأحزان وحرقة الأصدقاء وشماتة الأعداء)( ).
ثم اغتسل يوسف عليه السلام وتنظف وتهيئ للقاء ملك مصر والسودان والوزراء والحاشية الذين يحيطون به في عرشه ومجلسه.
وعندما دخل يوسف عليه السلام على الملك قال : اللهم اني اسألك بخيرك من خيره ، وأعوذ بك من شره وشر غيره .
قال وهب (فلمّا وقف بباب الملك قال عليه السلام : حسبي ربي من دُنياي ، وحسبي ربّي من خلقه ، عزّ جاره ، وجلّ ثناؤه ولا إله غيره.
ثمّ دخل الدار ، فلمّا دخل على الملك قال : اللهمّ إنّي أسألك عزّك من خيره ، وأعوذ بك من شرّه وشرّ غيره ، فلمّا نظر إليه الملك سلّم عليه يوسف بالعربية.
فقال له : الملك ، ما هذا اللسان ، قال : لسان عمّي اسماعيل .
ثمّ دعا له بالعبرانية ، فقال له الملك : ما هذا اللسان ، قال : لسان آبائي
قال وهب : وكان الملك يتكلّم بسبعين لساناً ، فكلّما كلّم يوسف بلسان أجابه يوسف بذلك اللسان)( ).
وهذا بعيد أن الملك يتكلم بسبعين لغة ، وبعث الملك الطمأنينة في نفس يوسف إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ.
تأويل يوسف (ع) لرؤيا الملك
حينما سمع يوسف عليه السلام الساقي يروي رؤيا الملك طالباً التأويل أجابه في الحال كما في التنزيل: قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ .
لم يأت يوسف هذه المرة بمقدمات من الوعظ والنصح وجعل جوابه منحصراً بتأويل رؤيا الملك، وهي مدرسة في لغة مخاطبة الملوك.
والزرع هو نثر الحب في الأرض مع التعاهد لـه بالسقي. وضع يوسف عليه السلام خطة عمل الدولة والأفراد بالزراعة المقرونة بالجد والنشاط والتعب وملازمة الأرض في سبعة من الاعوام متتالية ينزعون فيها رداء التراخي والكسل .
وربما كان من أمره نبذ ترك نصف الأرض بوراً في نظرة متقدمة زماناً على الاستثمار العلمي للأرض في هذه الأزمان ودعوة قرآنية لاعتماده تدل على الإعجاز وشمولـه لمواضيع الحياة اليومية بما يقيّض للمسلمين أسباب الحياة الكريمة التي تكون عوناً لهم على العبادة وأداء الفرائض وفعل الصالحات مطلقاً .
وهذا المعنى مصداق لقولنا المستحدث هنا بأن قوله تعالى [لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ] ( ) أعم من أن يختص برؤيا ملك مصر ، ولا يمنع منه صدور الكلام من ساقي الملك .
ويلاحظ في التأويل صيغة الأمر والقطع وخلوه من الظن والاحتمال:
الأولى : بيان أن تأويل يوسف عليه السلام لرؤيا الملك شعبة من الوحي.
الثانية : منع تردد القوم واهمالهم للتأويل لأنها ليست قضية شخصية بل نوعية يتهدد فيها الوجود الانساني.
الثالثة : يأبى الله إلا أن يتعاهد عمارة الناس للأرض ، وهو من مصاديق قوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً .
الرابعة : تأويل رؤيا الملك بداية إنقياد الملأ ليوسف النبي عليه السلام ، ولبيان تعدد الطرق التي ينفذ منها ، ومبادئ النبوة ، ومعالم الإيمان إلى الناس .
الخامسة : تنبيه الناس إلى علوم الغيب ، وما فيها من الإنذار والزجر عن مفاهيم الكفر والضلالة .
السادس : عدم إنحصار وظائف النبوة بالدعوة الى الله بل تتعاهد الوجود الانساني وحفظ النسل كموضوع ومادة للعبادة.
الآية التاسعة عشرة : قوله تعالى وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.
لقد حضر يعقوب النبي وأولاده واحفاده وجميع أهل بيته ، وأجلس يوسف عليه السلام أباه وأمه على سرير ملكه أمام الملأ والناس ، وهو أمر نادر أن يرفع العزيز أحداً ويجلسه معه في سرير ملكه إكراماً وتبجيلاً له .
ولم يجلس له أباه وحده ، بل أجلس أمه معه ، وسجد له أبوه وأمه وإخوته تحية وإجلالاً وهو تأويل في الواقع لرؤيا يوسف عليه السلام في صباه لما رأوا من الشأن العظيم ليوسف عليه السلام وسلطانه في مصر .
فقال يوسف مخاطباً يعقوب النبي يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ، أي رؤياه في صباه بأن الشمس والقمر وأحد عشر كوكباً تسجد له .
وحينما أخبر يوسف أباه يعقوب يومئذ برؤياه نسب الكيد إلى الشيطان وأخبر بأنه عدو للإنسان.
وعندما التقى يوسف بأبيه وأمه وإخوته في مصر نسب الكيد أيضاً إلى الشيطان بقوله وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي.
قانون العمل فرع التأويل
وكجزء من تعبير الرؤيا المسؤول، أمر يوسف عليه السلام بأن لا يدوسوا ما يقطعون بالمنجل ولا يجزّوا الحنطة والشعير والذرة عند أوان الحصاد لتبقى في سنابلها كي لا يقع فيها السوس .
ولتكون فترة امتناعها عن التلف والفساد مدة أطول كما ورد في التنزيل قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ لم ينس استثناء جزء وكمية قليلة منه لمؤونتهم اليومية باقتصاد وتدبير وتقديم موضوع الادخار لقاعدة تقديم الأهم على المهم، لأنه عليه السلام أضاف القلة إلى أكلهم ولم يضفها إلى ما يحصدون إذ أن القلة خلاف الكثرة. ولم تغب عنه حاجتهم إلى الدواب وألبانها ولحومها فنبه إلى ضرورة ادخار العلف لها من قصب البر وسنبله.
ان العمل المتواصل في زراعــة الأرض والتدبير وخزن الطعام في سنوات الخصب والبركة سعي مبارك لطرد شبح المجاعة وأهوا ل الحروب وصعوبة الزمان ومكاره الدهر وشدة العيش وشظفه في أعوام تلي تلك السنين وما فيها من ربح وافر .
تأويل الرؤيا توفير
قال تعالى ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ .
لقد أخبر يوسف عليه السلام عن جدب عام يصيب الأرض ومن عليها حين تمسك السماء بركاتها وتعرض عنهم، ليحذرهم من الاستخفاف والإسراف والظن بإمكان الحصــول على الطعــام من أمــاكن او بلدان أخـــرى. لقد نفعهم يوسف عليه السلام ووفّر عليهم المال والجهد حيث نهاهم عن البذار فيهن ونثر الحَب لأنه لا يرجع بشيء.
وأضاف يوسف عليه السلام بما معناه انكم بمثل هذا النهج والعمل تستطيعون التخلص من أذى المجاعة ومغالبة السنين الشداد القشف القشر بالاحراز لهن والمنع والتبلغ بالقوت، وطمأنهم لإمكانية بقاء نسبة قليلة مما ادخروه ليبذر في زراعة الأرض بعد سنوات الجدب ويبس العيش وليقتاتوا منه حتى موسم الحصاد وفيه بشارة للملك وأهل مصر ، أما الملك فيدل هذا التأويل على بقاء ملكه وعدم الإضطرار للجوء إلى ملك آخر والقبول بشروطه ، وأما أهل مصر فأن هذا التأويل يبعث الأمل في نفوسهم ، ويمنع من تفرقهم في الأمصار ، وليكون هذا التأويل بشارة دخول أهل مصر الإسلام أيام رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
سني يوسف
لقد اقترنت تلك السنين باسم يوسف عليه السلام لما فيها من كرامات ومعجزات له.
وعن عبد الله بن مسعود ان قريشاً ابطأوا عن الإسلام فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: “اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف” فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان ومكة وَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ والمراد تعطيل تجارات قريش ، وإمتناع تجار الشام عن بيعهم بالسلف بعد إنفاق قريش الأموال وإبل التجارة في محاربتهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغزوهم المدينة المنورة في معركة بدر ، وأحد ، والخندق ، وإصابة أرض الطائف ونحوها الجدب ، قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ.
ثم ابلغهم يوسف عليه السلام بمجيء اليسر والرخاء بعد العسر والضيق والشدة ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ لبيان البشارات العامة للنبوة ، وبعث الأمل في نفوس الناس ، ومنعهم من اليأس والقنوط ، قال تعالى يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ.
سينعم الله على الناس ويرحمهم بماء من السماء مبارك ينقذهم فيه ويذهب عنهم معاناة الجوع والحرمان ويعصرون الزيت والسمسم والعنب لما يكون في الثمار وحاصلها من زيادة.
روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: [ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ] يـُمطــرون أما ســمعـت قــولـه تعالى وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا )( ).
وعن ابن عباس يعصرون: يحلبون.
لقد استمع الملك والأعيان إلى مثل هذه الانذارات المنبعثة من وراء قضبان السجن وجدرانه البالية السميكة وهكذا تحدث انعطافات كبيرة في مجرى التأريخ وتُعبّد فيها طرق مستحدثة يبرز معها رجال عظام تبقى آثارهم مع السنين كان للأنبياء منها الموقع الأساسي الذي لا يجارى بفضل من الله.
إصلاحات يوسف (ع)
لقد تولى يوسف عليه السلام بعد زوال الملك وتأويلها وزارة الزراعة والري فأدار أكبر أزمة غذاء في التأريخ بوحي النبوة ، اذ حفر خليج الفيوم وخليج المنهي (بحر يوسف ) من أعلى اشمون إلأى اللاهون وبنى اللاهون.
واقام العمود في وسط الفيوم والقناطر لمعرفة مناسيب الماء وتنظيم جريانه بحكمة واتقان وبقي الناس والى ما بعد الفتح الاسلامي بسنوات يستعملون المقياس الذي وضعه يوسف في منف لمعرفة زيادة النيل ونقصانه.
كذلك كان ضمن مسؤولياته الاشراف المباشر على خزن الحبوب وتسويقها واستلام اثمانها لقولـه تعالى وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ . وغيرها من الآيات.
وتفهم الملك لعواقب الرؤيا واعطائه ليوسف عليه السلام صلاحيات واسعة في التخطيط والادارة والعمل، هداية من رب العالمين.
وكانت تلك الرؤيا فرصة للايمان كي يثب ويظهر على الكفر ومناسبة كريمة لتحسين الاحوال الاجتماعية واصلاح السجون .
وتولي الصالحين شؤون الحكم والمناصــب الرفيعـة لما في ذلك من تأثير على الناس باتجــاه الصلاح والإيمان وستبقى آيات وزارة يوسف عليه السلام بياناً ونموذجاً في التقسيم الوزاري. واعمال وصلاحيات بعض منها استدلالاً وارشاداً.
في تفسير العياشي عن الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام قال لـه رجل اصلحك الله كيف صرت الى ما صرت اليه من المأمون، وكأنه انكر عليه ذلك.
فقال لـه الامام: يا هذا ايهما افضل النبي او الوصي .
فقال: لا، بل النبي.
قال: فايهما افضل مسلم او مشرك؟
قال: لا، بل مسلم.
قال كان ملك مصر مشركاً، وكان يوسف نبياً، وان المأمون مسلم وانا وصي ويوسف سأل الملك يوليه حتى قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ والمأمون اجبرني على ما انا فيه.
الآية العشرون : قوله تعالى رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.
لبيان أن مجموع آيات الرؤيا في سورة يوسف هي ست عشرة آية عدا الآيات التي يتفرع ما فيها من الموضوع والحكم عن هذه الرؤى.
لقد توجه يوسف عليه السلام بالحمد والشكر لله عز وجل على نعمة تأويل الرؤيا والأحاديث ، والنسبة بين الأحاديث والرؤيا في المقام عموم وخصوص مطلق ، فالأحاديث أعم ، ثم سأل يوسف الله عز وجل أن يتوفاه مسلماً.
وفيه درس للمسلمين بأن الموت على الإسلام نعمة عظمى وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ.
كيف علم يعقوب بأن يوسف (ع) حي
هل كان قول يعقوب عليه السلامإِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَنْ تُفَنِّدُونِ، رؤيا منام أم عن علم ودراية، الجواب هم الثاني، وقيل أن ريح الصبا إستأذنت ربها أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل أن يأتيه البشير فإذن لها، لذا أتبعت ريح الصبا الراحة في النفس، وقد ذكرها وأثرها الشعراء وقال أحدهم :
فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت …على نفس مهموم تجلت همومها.
(وعن الإمام علي عليه السلام قال: وجد يعقوب ريح قميص يوسف حين فصلت العير من مصر وهو بفلسطين من مسيرة عشر أميال، وعن عبد الله بن عباس: من مسيرة ثماني ليال)( ).
لقد كان يعقوب عليه السلام نبياً، وجاءت وآية القميص وعودته بصيراً معجزة له وليوسف عليه السلام، وذكر أن القميص نزل به جبرئيل على إبراهيم عندما القي في النار ليكون له أماناً، فأعطاه إسحاق، وأعطاه إسحاق ليعقوب، فأعطاه يعقوب ليوسف عليه السلام فكان كالتميمة السماوية في حفظه وسلامته.
ويروى أن يعقوب رأى ملك الموت (في المنام فسأله : هل قبضت روح يوسف، قال : لا والله ، وهو حيّ.
ويقال : أرسل الله إليه ذئباً فسلّم عليه وكلّمه،
فقال له يعقوب : أكلت ابني وقّرة عيني وثمرة فؤادي.
قال : قد والله علمتَ يا يعقوب أنّ لحوم الأنبياء وأولاد الأنبياء علينا حرام ، فلذلك قال لبنيه يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ))( ).
للسعي والجد في طلب يوسف وأخيه ، وتتبع أخبارهما وجمعهما يعقوب في كلمة واحدة مع التباين الموضوعي والزماني بين فقدهما .
فخبر يوسف أنه قتل منذ عشرين سنة ، أما بنيامين فأمره معلوم وهو محجوز عند الملك مصر ، لبيان أن جمع يعقوب لهما في جملة واحدة من وحي النبوة ومن إعجاز القرآن .
الآية الواحدة والعشرون : قوله تعالى فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.
ويتعلق موضوع الآية في إبراهيم عليه السلام وابنه اسماعيل ، والمشهور أنه إسحاق .
لقد تفضل الله عز وجل وجعل الملائكة تبشر إبراهيم بغلام حليم بعد تقدمه في العمر ، فلما ولد غمرته السعادة ، واعتنى به حتى إذا صار يسعى معه في قضاء حوائجه رآى في المنام أنه يذبحه.
وقيل كان عمره ثلاث عشرة سنة ، واختلف في الغلام هل هو إسحاق أم إسماعيل والمشهور أنه إسحاق.
وروي عن ابن عباس في المقام قولان ، فمرة أنه إسحاق ، وأخرى إسماعيل ، والمختار أنه إسماعيل .
إذ ورد قوله تعالى وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا، وفيه دلالة على عدم أمره بذبح إسحاق ، وكذا قوله تعالى فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ، فلابد أن يتزوج إسحاق ويولد له يعقوب .
وتدل الأخبار بأن الذبح كان في مكة ، وأن قرن الكبش كان معلقاً بالكعبة.
وعن (ابن عباس : فوالذي نفسي بيده لقد كان أول الإسلام وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه من ميزاب الكعبة وقد يبس)( ).
والذي قال بأن الذبح في الشام ولكن الرأس نُقل إلى مكة وهو خلاف أصالة الظاهر والمتبادر.
ويدل هذا الإختلاف على اتحاد مشكاة النبوة ، وأن أبناء إبراهيم طائعون لله وللرسول ، وأن الخلاف والفرقة دبّت فيما بعد بين أبناء يعقوب بالمكر بيوسف من قبل إخوته ، لمحبة أبيه له ولأخيه من أمه وأبيه .
لقد رأى إبراهيم في المنام بأنه يذبح ابنه , وأدرك أن هذه الرؤيا من الوحي وهي كاليقظة ، وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا)( ).
وقوله [فَانظُرْ مَاذَا تَرَى] نوع مشورة ، وطلب الإذن من ابنه هل يرضى بالذبح أم لا .
ولو لم يرض إسماعيل بالذبح فهل يقوم به إبراهيم قهراً لأنه وحي ، أو يصبر ويعاود عليه السؤال قبل إرغامه ، المختار لايهّم بذبحه ولكن إسماعيل تلقى رؤيا أبيه بالقبول والرضا بقضاء الله وقدره ، فقال [افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ] أي أن إسماعيل يعلم بأن هذه الرؤيا أمر من عند الله عز وجل .
وتحتمل هذه الرؤيا وجهين :
الأول : إنها خاصة بابراهيم عليه السلام .
الثاني : تشمل الأنبياء ، فقد يرد أمر لهم بذبح ابنائهم .
المختار هو الأول ، ولا تشمل الأنبياء الآخرين ، ولا المؤمنين وعامة الناس .
فاذا رأها شخص فهي أضغاث أحلام ، مؤمناً كان أو غير مؤمن ، وهو من لطف الله عز وجل بالناس ، أما بالنسبة لإبراهيم فهذه الرؤيا وحي ، لينزل الوحي بعدها بالفداء ، قال تعالى وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وغير النبي لاينزل عليه الوحي لرفع ذبح الابن.
قانون الإنتفاع الأمثل من القرآن
لقد أنزل الله عز وجل القرآن كتاباً مباركاً وهدى ورحمة للعالمين قال تعالى هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ )( ) ليأخذ به المسلمون وينتفعوا به في ليلهم ونهارهم.
فكان التعبير الصحيح والفهم السليم للرؤيا وانذاراتها والاستعاذة والتوجه بالدعاء والتضرع الى الله عز وجل باباً لرحمة الله عسى ان يصرف المكروه عن العبد. وفي رؤيا ابراهيم وبدأ قيامه بالتنفيذ، والعفو الحاصل بذبح الكبش بديلاً وفداءً نفي لليأس والقنوط في السعي لمحو ارتقاء رؤيا الانذارات الى الواقع ، وفي التنزيل فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.
و(عن ابن عباس أنه قال : لما أمر إبراهيم بالمناسك عَرَض له الشيطان عند السعي ، فسابقه فسبقه إبراهيم ، ثم ذهب به جبريل إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات، وثَمّ تَلَّه للجبين، وعلى إسماعيل قميص أبيض، فقال له : يا أبت ، إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غيره ، فاخلعه حتى تكفنني فيه . فعالجه ليخلعه ، فنُوديَ من خلفه أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا، فالتفت إبراهيم فإذا بكبش أبيض أقرن أعين.
قال ابن عباس : لقد رأيتنا نتبع ذلك الضرب من الكباش)( ).
واختلف هل الذبيح هو إسحاق أو إسماعيل ، والمشهور أنه إسحاق ، والمختار أنه إسماعيل .
وسئل الإمام الرضا عليه السلام (عن معنى قول النبي صلى الله عليه واله : أنا ابن الذبيحين ، قال : يعني إسماعيل بن إبراهيم الخليل، وعبد الله بن عبد المطلب أما إسماعيل فهو الغلام الحليم الذي بشر الله به إبراهيم فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ.
ولم يقل له يا أبت افعل ما رأيت ” ستجدني إن شاء الله من الصابرين.
فلما عزم على ذبحه فداه الله بذبح عظيم بكبش أملح يأكل في سواد ، ويشرب في سواد، وينظر في سواد، ويمشي في سواد، ويبول ويبعر في سواد، وكان يرتع قبل ذلك في رياض الجنة أربعين عاما، وماخرج من رحم انثى، وإنما قال الله عزوجل له: كن فكان، ليفتدى به إسماعيل، فكلما يذبح بمنى فهو فدية لاسماعيل إلى يوم القيامة، فهذا أحد الذبيحي)( ).
ان النهاية السعيدة والثواب الذي اعقب رؤيا ابراهيم عليه السلام كنز يحتفظ به المؤمن لمنفعته ومنفعة الناس في كيفية التخلص مما تحمله الرؤيا من انذارات ودعوة لاجتناب الضرر الذي اخبرت عنه رؤيا الانذارات بالدعاء والصدقة واتخاذ الحائطة والله واسع كريم.
ولكن الذي يجب استذكاره وعدم نسيانه هو ان تجاوز مدة الانذار وموعده دون التعرض للاذى الذي ترمز اليه تلك الرؤيا وبلاؤها، انما جاء نتيجة استجابة الدعاء ورحمة الله ومحو البلاء. الذي يكون الشكر قريناً وملازماً لـه ليستبعد به الظن الخاطىء بان تلك كانت اضغاث احلام أو خللاً أو نقصاً في ذات الرؤيا وعناصرها. مع عدم انكار مثل هذه الاحلام عند الانسان.
ورؤيا الانذارات مدرسة علمية وروحية ذات مدلولات لا يصح الاعراض عنها. وربما جاءت الوقائع بما يغاير ما في رموز الرؤيا وتأويلها أو ينتقص منها أو تكون أخف على النفس وقعاً وضرراً أو على اختلاف في الاجل. وليس ذلك راجعاً الى الرؤيا أو تعبيرها اذا كان صادقاً ودقيقاً، بل الى تأثير عوامل الدعاء والصدقة والاحسان وصلة الارحام والعفة واقام الصلاة وايتاء الزكاة، بالاضافة الى فضل الله تعالى الذي يأتي ابتداءً ، وفي التنزيل وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.
ان مبادىء الرؤيا ورموزها امور صادقة وتنبأ عن حدث او حالة. ولا يغير مسارها قول قائل او تأويل غير صحيح كما انه لا يمنع من وجود مناسبة وفرصة للوقاية والحذر والاجتناب، مع بركة القاعدة الكلية التي قلنا بها في علم الرؤيا وهي التسلح بالدعاء وعلى الرائي ان لا يغفل عن اللجوء اليه حتى عند الاطمئنان للتأويل والعلم عند الله.
الآية الثانية والعشرون : قوله تعالى فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ.
ويشمل موضوع الآية علم الرؤيا ، لأن هذا الفعل إرادة ذبح إبراهيم عليه السلام لابنه تأويل لرؤياه بلحاظ أن رؤيا الأنبياء حق .
الآية الثالثة والعشرون : قوله تعالى قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.
رؤيا ذبح إسماعيل
تطل علينا بإشراقة وضياء قرآني آية في سورة الصافات تدعو من يقرأها للوقوف عندها ملياً رغبة وتأملاً وسعياً في اكتشاف ومعرفة بعض كنوزها وعلومها تلك هي فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ .
وذكر ان إبراهيم الخليل عليه السلام سمع في الرؤيا ليلة التروية قائلاً يقول لـه : ان الله يأمرك بذبح ابنك هذا . وجاء في الرواية بأنه لما اصبح روى في ذلك من الصباح إلى الرواح أمن الله هذا الحلم او من الشيطان .
فمن ثم سمي يوم التروية ولما جن الليل رأى مثل تلك الرؤيا فعرف انه من الله فسمي يوم عرفة. ثم رأى مثله في الليلة الثالثة وهمّ بنحره وفداه الله بكبش فسمي اليوم بيوم النحر. وعلى فرض صحة سند الرواية او بناء على قاعدة التسامح بأدلة السنن فان للرؤيا منزلة وشأناً في تاريخ الأديان السماوية الثلاثة والدين الإسلامي منها خاصة. ولا غرابة فان من الأنبياء من ينبئ في منامه.
وقيل انه قال لما بُشر بغلام حليم هو اذن ذبيح الله. فلما ولد ونشأ وبلغ من العمر مبلغاً يسعى فيه لحوائج الحياة أخبره في موضوع رؤياه والحاجة إلى مساعدته في تنفيذها والاستجابة لما فيها من النداء.
قال بعض المفســـرين إنها تـدل على تكـــرر الرؤيـــا كذلك في قولـه تعالى وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى في سورة يوسف.
وتدل على امتثال رؤيا الوحي في الذهن وشدة تعلقها وتلابسها مع تفكير الإنسان ورسوخ الاعتقاد بالرؤيا الصادقة.
وعرض إبراهيم عليه السلام المسألة على ابنه إسماعيل على وجه المشاورة وابداء الرأي وبيان ما يحمله من اعتقاد وكطريق اختياري للنجاة مما نزل من بلاء الله، والاستعانة بالصبر والتسلح بالانقياد والاستسلام.
أراد احاطته بالامر الخطير علماً كي يوطن اسماعيل نفسه بالمراجعة والاستيعاب من اجل اكتساب الثواب والاستجابة لأمرالله قبل نزوله.
والآية سنة في المشاورة مقدمة وآلة وسبيلاً لاستنباط الاحكام من علم الرؤيا وفي المشاورة في تنجيز الفعل قيل: لو شاور آدم الملائكة في أكله من الشجرة لما نسي ولما أستطاع الشيطان أن يزله ساعتها.
استجابة إسماعيل لرؤيا أبيه
قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ… أضفى إسماعيل على الرؤيا طابع الامر الالهي وان الانقياد لـه والخضوع أمر منجز كبعض من أسباب التوكل على الله واستحضار الصبر في الاقدام على طلب مرضاته سبحانه، ومن ثم إعانة والده على إتمام ما أمر به وتنفيذ ما رأى لاثبات الدلالة على كون الانبياء صادقين مصدقين.
وفيه شاهد على حسن تأديب إبراهيم لبنيه وتصديقهم بنبوته ، وهذا القول من إسماعيل مقدمة وإصلاح له لنيل مرتبة النبوة والرسالة ، قال تعالى وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا.
ولم تجمع صفة الرسالة والنبوة في آية واحدة بقوله تعالى [رَسُولًا نَبِيًّا] إلا لإسماعيل , وموسى عليه السلام وهو من الرسل الخمسة أولي العزم ، قال تعالىوَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا.
لبيان تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في إحياء ذكرهما بين الأجيال إلى يوم القيامة .
وتعدد وصف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن بصفة النبوة والرسالة العامة ، قال تعالى قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا.
ويقال سلم لأمرالله واسلم واستسلم بمعنى واحد فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أسلم الاب ابنه ونفسه للاقدام على ذبح قرة عينه واسلم الابن امره أيضاً لله تعالى إخلاصاً وطاعة، اجتمعا على حسن الامتثال والرضا والاستجابة المقرونة بل المتجسدة بالتضحية بالغالي.
في المجمع عن ابن اسحاق ان ابراهيم كان اذا زار اسماعيل وهاجر حمل على البراق فيغدوا من الشام فيقيل بمكة ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشام، حتى اذا بلغ معه السعي رأى في المنام ان يذبحه فقال لـه يابني خذ الحبل والمدية ثم انطلق الى هذا الشعب لنحتطب.
فلما خلا ابراهيم بإبنه في شعب ثبير أخبره بما قد ذكره الله عنه.
فقال : يا أبت أشدد رباطي حتى لا أضطرب وأكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح من دمي شيئأ فتراه امي وتحزن واشحذ شفرتك واسرع مرالسكين على حلقي ليكون اهون عليَّ فان الموت شديد وإقرأ على أمي السلام وان رأيت ان ترد قميصي الى أمي فأفعل عسى ان يكون اسهل لها.
فقال لـه ابراهيم: نعم العون أنت يابني على امر الله. وما لبث ابراهيم حتى صرع ابنه على شقه فوق أحد جنبيه على الارض تواضعاً وتيسيراً لمباشرة التنفيذ بجلد وصبر ينالا رضا الله ويخزيا الشيطان. وروي ان ذلك كان في منى وعن الضحاك: في المنحر الذي ينحر فيه اليوم.
ولما انحنى ابراهيم عليه السلام بالمدية بعد ان ربطه وقبّله وهما يبكيان قلب جبرائيل المدية على قفاها وإجتر الكبش من قبل ثبير وإجتر الغلام من تحته ووضع الكبش ثم وضع السكين على حلقه.
فلم تعمل لان الله عز وجل ضرب صفيحة من نحاس على حلقه فقال لـه: كبني على وجهي فانك اذا نظرت وجهي رحمتني وادركتك رقة تحول بينك وبين أمر الله. ففعل ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين.
ولم يرفع ابن إسحاق الخبر فهو ضعيف رواية ودلالة ودراية.
وروي أقرب من هذا إنه لما إنحنى اليه بالمدية، قلب جبرائيل المدية على قفاها ووضع الكبش مكان الغلام ونودي من ميسرة الخيف بقولـه تعالى وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ .
الفداء عن إسماعيل
عن الفتح بن يزيد الجرجاني عن ابي الحسن عليه السلام قال: يا فتح إن لله إرادتين ومشيئتين إرادة حتم وإرادة عزم ينهى وهو يشاء ذلك ويأمر وهو لا يشاء ذلك؟ ولو لم يشأ لم يأكلا – أي آدم وحواء – ولو أكلا لغلبت شهوتهما مشيئة الله تعالى. وامر ابراهيم بذبح ابنه إسماعيل عليه السلام وشاء ان لا يذبحه ولو لم يشأ ان لا يذبحه لغلبت مشيئة ابراهيم قلت: فرجت عني فرج الله عنك( ).
ليبين المعصوم ذكر رؤيا الذبح إجمالاً ومن غير أن يذكر تفصيلات أن إبراهيم عليه السلام صرع ابنه على شقه وربطه , وقبّله وأنحنى بالمدية عليه ، وإن كان قوله أعلاه [قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا] يدل على عزم وشروع إبراهيم في إمضاء وتنجيز الرؤيا.
واطلق ابراهيم ابنه الذي فدي بوعل( ) اهبط عليه من ثبير. وعن ابن عباس: هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه وكان يرعى في الجنة حتى فدى به اسماعيل.
قانون تصديق الرؤيا الصالحة
إن شكر الله لابراهيم تصديقه الرؤيا اداة حث المسلمين في العمل بما يرزقهم الله من الرؤيا الصالحة والإيمان بها وقبولها بطاعة وخضوع والالتجاء اليه بالدعاء عند رؤيا الانذارات رجاء محو متعلقها وما يحتمل تأويلها من الضرر والأذى والله هو الواسع الكريم الذي بيده مقاليد الامور ولا تستعصي عليه مسألة. وكانت درسأ في الحيلولة دون الاستخفاف بالرؤيا أو التهاون بامرها وترسخت بعض من اجزاء تلك الملحمة خالدة في مناسك الحج، كما روى في التلبية ورمي سبع حصيات وغير ذلك. واصبحت مدخلاً مباركاً لفعلية التشريع وطاعة واجتهاداً من ابراهيم وابنه يعتز بها المسلمون واهل بيت النبوة خاصة.
ابن الذبيحين
روى ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (انا ابن الذبيحين).
وقال لـه اعرابي يوماً : يا ابن الذبيحين بأضافة نذر عبد المطلب لله يوم حفر بئر زمزم لئن سهل الله لـه امرها ليذبحن أحد ولده .
فخرج السهم على عبدالله والد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فمنعه أخواله وقالوا لـه وإتباعاً لسنة ابراهيم: أفِد ابنك بمائة من الابل ففداه بمائة من الابل.
حيث لم تختف الحنيفية ومعالمها بعد لاسيما في الذرية.
وفي باب ان الذبيح هو اسماعيل وليس اسحاق استدل بعضهم بمكة باعتبارها مكاناً للواقعة وان اسماعيل هو الذي بنى البيت مع ابيه والمنحر بمكة وإن قرني الكبش كانا منوطين في الكعبة في ايدي بني اسماعيل إلى ان احترق البيت.
الوحي والرؤيا
لقد حفظت لنا السنة النبوية سجلاً وثائقياً ومساراً استقام ليكون درب هدى يقتدي المسلمون باتخاذه طريقاً ومنهجاً في علم الرؤيا وتعبيرها وابوابها الواسعة. قال تعالى وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
وأول ما بدء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الرؤيا الصالحة وكان كثير الرؤيا ولا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فلق الصبح.
عن الباقر عليه السلام في البصائر في الفرق بين الرسول والنبي والمحدث: واما النبي فأنه يرى في منامه على نحو ما رأى ابراهيم عليه السلام، ونحو ما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أسباب النبوة قبل الوحي.
حتى أتاه جبرائيل من عند الله بالرسالة الى ان قال الباقر عليه السلام: من الأنبياء من جمع لـه النبوة ويرى في منامه بأنه الوحي فيكلمه ويحدثه من غير ان يكون رآه في اليقظة.
لذلك لما سمع احد المسلمين الأمام الباقر عليه السلام يقول بأن النبي لا يعاين ملكاً إنما ينزل عليه الوحي ويرى في منامه.
يبادر الى سؤال الامام مستفهماً ما علمه إذا رأى في منامه إن هذا حق؟ قال الباقر عليه السلام مجيباً: يبينه الله حتى يعلم إن ذلك حق. أي أن الله عز وجل يسدده ويرشده بالتوفيق ليضفي على الرؤيا طابع الصدق مقترناً بالحق والهداية ولتصبح سلاحاً ذا فاعلية وتأثير معنوي وبعضاً مما انتفع به الانبياء والمسلمون في تثبيت اقدامهم ورسوخ الإيمان وحضـور الاطمئنان ســـاعة الفعل والتوفيق والقدرة والقابلية وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ .
الرؤيا الصادقة قبل البعثة
لما بلغ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من العمر سبعاً وثلاثين سنة كان يرى في نومه كأن آتياً يأتيه فيقول: يا رسول الله فينكر ذلك فلما طال عليه الامر كان يوماً بين الجبال يرعى غنماً لأبي طالب فنظر الى شخص يقول: يا رسول الله، فقال: من أنت.
قال : أنا جبرئيل أرسلني الله إليك ليتخذك رسولاً… الخبر.
ويلتقي أغلب المعاصرين مع القدامى في ان للأحلام وظيفة انسانية واصلاحية لما لها من ارتباط مع الماضي وما لها من صلة بالحاضر وانها دليل على عمل المستقبل.
الرؤيا في زواج خديجة
ففي خبر تزويج خديجة ان بني عبد المطلب توجهوا الى دار خويلد وقد عمد أبو طالب الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وألبسه أحسن الثياب وقلده سيفاً واركبه على جواده ودار حولـه عمومته محدقين به، فلقيهم أبو بكر بن أبي قحافة وقال: الى اين تريدون يا أولاد عبد المطلب.
لقد كنت من هذا اليكم في حاجة خطرت ببالي فقال لـه العباس وما هي اذكرها؟ قال رأيت في منامي كأن نجماً قد ظهر في منزل ابي طالب وارتفع في افق السماء وانار واستنار الى ان صار كالقمر الزاهر ثم نزل بين الجدران فتبعته فاذا هو قد دخل بيت خديجة ودخل معها تحت الثياب فما تأويله.
قال لـه أبو طالب: ها نحن لها قاصدون وعلى خطبتها مقبلون( ).
لبيان أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يخبر خديجة في المراحل الاولى للوحي عن بعض من مظاهره وأماراته ووجوهه .
وبالإسناد عن (عبدالله بن ابى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم انه كان من بدء أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم انه رأى في المنام رؤيا فشق ذلك عليه فذكر ذلك لصاحبته خديجة بنت خويلد فقالت له أبشر فان الله لا يصنع بك إلا خيرا فذكر لها أنه رأى ان بطنه أخرج فطهر وغسل ثم أعيد كما كان قالت هذا خير فأبشر ثم استعلن به جبريل فأجلسه على ما شاء الله أن يجلسه عليه وبشره برسالة ربه حتى اطمأن ثم قال اقرأ قال كيف أقرأ قال اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ))( ).
وكانت الاشهر الستة الاولى من فترة النبوة البالغة ثلاثاً وعشرين سنة هي المقصودة بالجزء بما ورد (عن أبي رزين العقيلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الرؤيا جزءٌ من أربعينَ أو ستةٍ وأربعينَ جزءاً من النبوة وهو على رِجْل طائرٍ فإذا حدَّث بها وقعت ، وَأَحْسبُهُ قال : لا تُحدِّثْ بها إلا حبيبا أو لبيبا)( ).
رؤيا أم حبيبة بشارة وإنذار
(عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: قالت أم حبيبة: رأيت في النوم عبيد الله بن جحش زوجي بأسوأ صورة وأشوهه ففزعت، فقلت تغيرت والله حاله، فإذا هو يقول حيث أصبح: يا أم حبيبة إني نظرت في الدين فلم أر دينا خيرا من النصرانية وكنت قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد ثم قد رجعت إلى النصرانية، فقلت: والله ما خير لك.
وأخبرته بالرؤيا التي رأيت له فلم يحفل بها وأكب على الخمر حتى مات فأرى في النوم كأن آتيا يقول يا أم المؤمنين، ففزعت فأولتها أن رسول الله يتزوجني.
قالت أم حبيبة فما هو إلا أن انقضت عدتي فما شعرت إلا برسول النجاشي على بابي يستأذن فإذا جارية له يقال لها أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه فدخلت علي فقالت إن الملك يقول لك إن رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، كتب إلي أن أزوجكه. فقالت: بشرك الله بخير.
لقد كانت رؤيا أم حبيبة بشارة وأملاً ومواساة ، ودعوة من علم الغيب للثبات على الإسلام ، وإنذاراً لزوجها ، وعدم محاكاته إن ارتد ، وفي زواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منها منع من شماتة المشركين بها ، وقد ذكرت خطبة النجاشي أم حبيبة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الجزء السادس والأربعين بعد المائتين من معالم الإيمان في تفسير القرآن .
رؤيا جويرية بشارة خاصة وعامة
وعن عروة بن الزبير (قالت جويرية بنت الحارث: رأيت قبل قدوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بثلاث ليال( ) كأن القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجري .
فكرهت أن أخبر به أحدا من الناس حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فلما سبينا رجوت الرؤيا .
قالت: فأعتقني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتزوجني، والله ما كلمته في قومي حتى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم وما شعرت إلا بجارية من بنات عمي تخبرني الخبر، فحمدت الله تعالى)( ).
لقد عرض عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم الزواج فقبلت ، فقال الصحابة (أصهار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فأرسلوا ما كان في أيديهم من بني المصطلق فلقد أعتق بها مائة أهل بيت من بني المصطلق)( ).
ومن البشارة الخاصة صيرورة جويرية أم المؤمنين قال تعالى النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ، ومن العامة عتق أسرى وسبايا قومها ، ودخولهم الإسلام.
زواج أم حبيبة من النبي محمد (ص)
عن سعيد بن العاص قال قالت أم حبيبة رأيت في النوم عبيد الله بن جحش زوجي بأسوأ صورة وأشوهه ففزعت فقلت تغيرت والله حاله فإذا هو يقول حيث أصبح يا أم حبيبة إني نظرت في الدين فلم أر دينا خيرا من النصرانية وكنت قد دنت بها ثم دخلت في دين محمد ثم قد رجعت إلى النصرانية.
فقلت والله ما خير لك وأخبرته بالرؤيا التي رأيت له فلم يحفل بها وأكب على الخمر حتى مات.
فأرى في النوم كأن آتيا يقول يا أم المؤمنين ففزعت فأولتها أن رسول الله يتزوجني قالت فما هو إلا أن انقضت عدتي.
فما شعرت إلا برسول النجاشي على بابي يستأذن فإذا جارية له يقال لها أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه فدخلت علي.
فقالت إن الملك يقول لك إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتب إلي أن أزوجكه فقالت بشرك الله بخير قالت يقول لك الملك وكلي من يزوجك.
فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته.
وأعطت أبرهة سوارين من فضة وخدمتين كانتا في رجليها وخواتيم فضة كانت في أصابع رجليها سرورا بما بشرتها.
فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن هناك من المسلمين فحضروا.
فخطب النجاشي فقال الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العز الجبار أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم.
أما بعد فإن رسول الله كتب إلي أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله.
وقد أصدقتها أربع مائة دينار ثم سكب الدنانير بين يدي القوم فتكلم خالد بن سعيد فقال الحمد لله أحمده وأستعينه وأستنصره وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
أما بعد فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان.
فبارك الله رسول الله ودفع الدنانير إلى خالد بن سعيد بن العاص فقبضها ثم أرادوا أن يقوموا.
فقال اجلسوا فإن سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا.
قالت أم حبيبة فلما وصل إلي المال أرسلت إلى أبرهة التي بشرتني فقلت لها إني كنت أعطيتك ما أعطيتك يومئذ ولا مال بيدي فهذه خمسون مثقالا فخذيها فاستعيني بها فأبت.
فأخرجت حقا فيه كل ما كنت أعطيتها فردته علي.
وقالت عزم علي الملك أن لا أرزأك شيئا وأنا التي أقوم على ثيابه ودهنه وقد اتبعت دين محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأسلمت لله وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بكل ما عندهن من العطر قالت.
فلما كان الغد جاءتني بعود وورس وعنبر وزباد كثير فقدمت بذلك كله على النبي صلى الله عليه وآله و سلم فكان يراه علي وعندي فلا ينكره.
ثم قالت أبرهة فحاجتي إليك أن تقرئي رسول الله مني السلام وتعلميه أني قد اتبعت دينه قالت ثم لطفت بي وكانت التي جهزتني.
فكانت كلما دخلت علي تقول لا تنسي حاجتي إليك قالت فلما قدمت على رسول الله أخبرته كيف كانت الخطبة وما فعلت بي أبرهة فتبسم رسول الله وأقرأته منها السلام فقال وعليها السلام ورحمة الله وبركاته( ).
عند قبر حاتم الطائي
وقيل بخصوص قبر حاتم الطائي المشهور بالكرم الطائي ذكر المسعودي باسناده (عن منصور بن يزيد الطائي ثم الصامتي قال: رأيت قبر حاتم طي ببقة، وهو أعلى جبل له واد يُقال له الخابل .
وإذا قدْرٌ عظيمة من بقايا قدور حجر مكفأة في ناحية من القبر من القدور التي كان يطعم فيها الناس، وعن يمين قبره أربعِ جوار من حجارة، وعلى يساره أربع جوار من حجارة، كلهن صاحبة شعْر منشور محتجرات على قبره كالنائحات عليه، لم ير مثل بياض أجسامهن وجمال وجوهن، مَثَّلهن الجن على قبره .
ولم يكنَ قبل ذلك، والجواري بالنهار كما وصفنا، فإذا هدأت العيون أرتفعت أصوات الجن بالنياحة عليه، ونحن في منازلنا نسمع ذلك، إلى أن يطلع الفجر فإذا طلع الفجر سكتن وهدأن، وربما مر المار فيراهن فيفتتن بهن فيميل إليهن عجباً بهنَ ، فإذا دنا منهن وجدهن حجارة) ( ).
ولم يرفع الخبر ، ولم يذكر له سنداً ، وقد مات حاتم مشركاً ، والإيمان أعظم وأرفع منزلة من الكرم وإن كان من مكارم الأخلاق .
وعن الإمام علي عليه السلام بخصوص مجئ سبايا طي أن ابنة حاتم الطائي سفانة قالت (يا محمد إن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي أحياء العرب فإني ابنة سيد قومي فإن أبي كان يحمي الذمار ويفك العاني ويشبع الجائع ويكسو العاري ويقري الضيف ويطعم الطعام ، ويفشي السلام ، ولم يرد طالب حاجة قط ، أنا ابنة حاتم طئ.
فقال النبي صلى الله عليه و سلم : يا جارية هذه صفة المؤمن لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق)( ).
رؤيا سودة بنت زمعة زوج النبي (ص)
لقد كانت سودة بنت زمعة تحت السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو العامري وهاجرا الى الحبشة ، وولدت له عبد الرحمن.
وروي عن ابن عباس أنها رأت في المنام كأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقبل يمشي حتى وضع رجله على رقبتها ، فأخبرت زوجها وقصت عليه الرؤيا ، فقال لها لئن صدقت رؤياك لأموتن وليتزوجنك محمد( ).
أي أنه لم يقل ليتزوجك رسول الله ، ثم رأت في المنام ليلة أخرى أن قمراً انقض عليها وهي مضطجعة ، فأخبرت زوجها ، فأدرك أن الأمر قريب وقوعه ، ظاهر تأويله .
فقال لئن صدقت رؤياك لم ألبث إلا يسيراً حتى أموت ، وتتزوجين من بعدي ، فاشتكى السكران من يومه ذلك( )، فلم يلبث إلا قليلاً حتى مات وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتفوز بصفة أم المؤمنين ، قال تعالى النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ.
وتكرار الرؤيا لسودة من المعجزات الغيرية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في علم الغيب لتوافق سودة على الزواج خاصة , وأخوها مالك بن زمعة .
ولما أتمت سودة عدتها ، جاءت خولة بنت حكيم ، وعن سعيد بن المسيب في حديث (فهلكت خديجة قبل الهجرة بثلاث سنين فأتت خولة بنت حكيم بن الأوقص السلمية امرأة عثمان بن مظعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني أراك قد دخلتك خلة لفقد خديجة فقال : أجل أم العيال وربة البيت فقالت ألا أخطب عليك قال بلى أما إنكن يا معشر النساء أرفق بذلك فخطبت عليه سودة بنت زمعة من بني عامر بن لؤي)( ).
لتفوز سودة بمرتبة سامية فتكون من أمهات المؤمنين ، قال تعالى النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ.
والترغيب بالإخبار عن الرؤيا من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ترغيبه للصحابة بالإخبار عن رؤاهم وثقته بصدقهم فيما يخبروه عنه ، وقيامه بتأويل الرؤيا واستقراء المسائل منها .
وهل كان هذا التأويل من الوحي أم أنه إجتهاد من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب هو الأول ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ) .
ولبيان عمومات قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( )، وشمول هذه الرحمة المطلقة لعالم الرؤيا ، وبيان موضوعيته في الواقع اليومي للمسلمين والناس جميعاً ، وفي قصة يوسف في القرآن موعظة وعبرة .
ويستحب إخبار المؤمن واللبيب بالرؤيا مع الإجتهاد بالدعاء لتقريب الأمر الحسن ، وصرف السوء والشر ، فمثلاً قد يرى الإنسان بعض اسنانه فيؤله له بموت أحد أهل بيته ، ولكن يجب في هذه الحالة الدعاء والصدقة ، وتعاهد الفرائض العبادية ، لصرف شر هذه الرؤيا ، وهو من مصاديق قوله تعالى يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ .
وفيه ترغيب للعلماء باعانة عامة المسلمين في تأويل رؤاهم بما فيه تعظيم شعائر الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والدعاء لتنجز رؤيا البشارة ومحو الرؤيا المكروهة وأثرها .
وهل تختص رؤية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمؤمنين والمؤمنات ، الجواب لا ، إذ يراه البر والفاجر ، والمسلم وغير المسلم ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
موضوعية الدعاء في تنجز الرؤيا
واذ ينعم المسلمون اليوم بالاسلام وقوانينه واحكامه وقضائه ودولته ومعهم كتاب سماوي منزل. فأن الرؤيا الصادقة تبقى صفحة من بناء الاسلام مملوءة بالعلم والاسرار والوحي والايحاء والمناجاة والهداية.
وهي طريق للهداية والرفعة والنصر كما ساهمت كهبة إلهية في عز المؤمنين وستبقى عندهم ذخيرة من ذخائر الاسلام رسخ قواعد بنائها في صدورهم وكتبهم وحياتهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسنته القولية والفعلية وعنايته بالرؤيا وتأويلها الى جانب القرآن.
وزاد الله عز وجل عليهم من فضله فاحسوا بالوجدان والتجربة والبرهان عبر اجيالهم المتعاقبة حضور الرؤيا الصادقة وما فيها من البشارة وعموم النفع الا ان استثمار الدعاء في دفع رؤيا الانذار وتقريب واتمام ما فيها من البشارة لم يكن مناسباً، انها تجارة كريمة من غير جهد أو مشقة لما فيها من الدعوة الى الدعاء وقرب الاستجابة.
الرؤيا تثبيت للحكم
لقد بعث الله عز وجل مائة واربعة وعشرين ألف نبي احتلت الرؤيا شطراً مباركاً من اشراقات الوحي التي شرفهم الله عز وجل بها بل وعموم بني آدم بواسطتهم وقد تبرز تلك الرؤيا بفعل يتعلق بالآخرين ويأتي لمصالح عامة وغايات اخلاقية واجتماعية سامية.
وفي قولـه تعالى وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ قيل من تقوية ملك داود عليه السلام ان رجلاً استعدى اليه على رجل فادعى عليه انه أخذ منه بقراً، فأنكر المدعي عليه .
فسأل داود عليه السلام البينة، فلم يقمها، فرأى داود عليه السلام في منامه ان الله عز وجل يأمره ان يقتل المدعي عليه، فتثبت داود وقال: هو المنام .
فاتاه الوحي بعد ذلك ان يقتله فأحضره ثم أعلمه ان الله يأمره بقتله.
فقال المدعي عليه : ان الله ما أخذني بهذا الذنب واني قتلت ابا هذا غيلة .
فقتله داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام وذلك مما عظم الله به هيبته وشدّد ملكه( ).
وللرؤيا حضور وأثر في بعض الوقائع التأريخية، وقد تساهم في تغيير وتحول نحو الحسن او تاتي بالتحذير لتحول دون وقوع مصيبة او فاجعة.
وقد كانت مدرسة الرؤيا في سورة يوسف عليه السلام وما رآه الغلامان في السجن وتأويل يوسف لرؤياهما ثم رؤيا الملك وتأويل يوسف لها تثبيت لملك وسلطان ملك مصر ، ودفع المجاعة عن أهلهما.
قال ابن عبّاس : لمّا اشتدّ البلاء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى رسول الله فيما يرى النائم وهو بمكّة أرضاً ذات سباخ ونخل رُفعت له ، يهاجر إليها ، فقال له أصحابه متى تهاجر إلى الأرض التي أريت؟ فسكت ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ، أأترك في مكاني أم أخرج وإياكم إلى الأرض التي رفعت لي( ).
ترغيب النبي (ص) بذكر الرؤيا
لقد اجتهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتأسيس قوانين وقواعد عامة في حياة المسلمين ، منها في الفرائض العبادية والسنن.
وروى سمرة بن جندب الفزاري (ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان (فيما يقول : هل رأى أحد من رؤيا فيقص عليه من شاء الله أن يقص ، وإنه قال لنا ذات غداة : إنه أتاني الليلة آتيان ، وإنهما ابتعثاني ، وإنهما ، قالا لي : انطلق ، وإني انطلقت معهما حتى أتينا على رجل مضطجع ، وإذا آخر قائم عليه بصخرة وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه ، فيثلغ بها رأسه ، فتدهدهه الصخرة ها هنا ، فيقوم إلى الحجر فيأخذه فما يرجع إليه أحسبه.
قال : حتى يصح رأسه كما كان ، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى ، قال : قلت : سبحان الله ما هذان.
قالا لي : انطلق انطلق ، قال : فانطلقت معهما فأتينا على رجل مستلق لقفاه وإذا آخر عليه بكلوب من حديد ، فإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه ، ومنخره إلى قفاه ، وعينه إلى قفاه ، ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول.
فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح الجانب الأول كما كان ، ثم يعود فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى ، قال : قلت : سبحان الله ، ما هذان.
قالا : انطلق انطلق ، فانطلقت معهما فأتينا على مثل بناء التنور ، قال عوف : أحسب أنه ، قال : فإذا فيه لغط وأصوات ، فاطلعنا فإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا بنهر لهيب من أسفل منهم ، فإذا أتاهم ذلك اللهب تضوضوا ، قال : قلت : ما هؤلاء ، قالا لي : انطلق انطلق ، قال : فانطلقنا على نهر حسبت أنه.
قال : أحمر مثل الدم وإذا في النهر رجل يسبح ، وإذا عند شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة ، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح.
ثم يأتي ذلك الرجل الذي جمع الحجارة ، فيفغر له فاه فيلقمه حجرا ، قال : قلت : ما هؤلاء ، قالا لي : انطلق انطلق.
قال : فانطلقنا ، فأتينا على رجل كريه المرآة كأكره ما أنت راء رجلا مرآه ، فإذا هو عند نار يحشها ويسعى حولها ، قال : قلت لهما : ما هذا ، قالا لي : انطلق انطلق ، فانطلقنا فأتينا على روضة فيها من كل نور الربيع ، وإذا بين ظهري الروضة رجل قائم طويل لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء ، وأرى حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط وأحسنه ، قال : قلت لهما : ما هؤلاء، قالا لي : انطلق انطلق ، فانطلقنا وأتينا دوحة عظيمة لم أر دوحة قط أعظم منها ولا أحسن.
قالا لي : ارق فيها ، قال : فارتقينا فيها ، فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة ، فأتينا باب المدينة ، فاستفتحنا ، ففتح لنا ، فقلنا : ما منها رجال ، شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء ، وشطر كأقبح ما أنت راء ، قال : قالا لهم : اذهبوا فقعوا في ذلك النهر.
فإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض في البياض ، فذهبوا فوقعوا فيه ، ثم رجعوا وقد ذهب ذلك السوء عنهم ، وصاروا في أحسن صورة.
قال : ، قالا : لي هذه جنة عدن ، وهذاك منزلك ، قال : فسما بصري صعدا ، فإذا قصر مثل الربابة البيضاء ، قال : قالا لي : هذاك منزلك ، قال : قلت لهما : بارك الله فيكما ، ذراني أدخله ، قال : ، قالا لي : أما الآن فلا ، وأنت داخله.
قال : فإني رأيت منذ الليلة عجبا ، فما هذا الذي رأيت ، قال : قالا لي : أما إنا سنخبرك : أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر ، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه ، وينام عن الصلاة المكتوبة وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ، وعينه إلى قفاه ، ومنخره إلى قفاه ، فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة فتبلغ الآفاق.
وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور ، فإنهم الزناة والزواني وأما الرجل الذي في النهر ، فيلتقم الحجارة ، فإنه آكل الربا ، وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها فإنه مالك خازن جهنم.
وأما الرجل الطويل الذي في الروضة ، فإنه إبراهيم عليه السلام وأما الولدان الذين حوله ، فكل مولود ولد على الفطرة ، قال : ، فقال بعض المسلمين : يا رسول الله وأولاد المشركين.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وأولاد المشركين وأما القوم الذين شطر منهم حسن ، وشطر منهم قبيح ، فهم قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، فتجاوز الله عنهم( ).
وكان سمرة بن جندب صغيراً أيام النبوة ، وهذا الحديث طويل وهو ليس من حديث الإسراء الذي جرى في حال اليقظة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ أسرى الله عز وجل بالنبي محمد ببدنه وروحه ، قال تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
وقد ذكرت الآية أعلاه النبي محمداً بصفة العبودية لله ، وقال تعالى أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى، بوقوع النهي على البدن وأفعال الصلاة في اليقظة .
وسمرة بن جندب قيل أدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صغره وكان من حلفاء الأنصار ، قدمت به أمه بعد موت أبيه فتزوجها رجل ، كان زياد بن أبيه يستخلف سمرة على البصرة إذا سار إلى الكوفة ، وعلى الكوفة إذا سار إلى البصرة ، ويكون في كل مصر منهما ستة أشهر ، وكان قاسياً كثير القتل ، وشديداً على الخوارج.
توفى سنة ثماني وخمسين للهجرة في البصرة إذ (سقط في قدر مملوءة ماء حاراً كان يتعالج بالقعود عليها من كزاز شديد أصابه فسقط في القدر الحارة فمات فكان ذلك تصديقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم له ولأبي هريرة ولثالث معهما : آخركم موتاً في النار)( ).
قانون رؤيا النبي (ص) حجة
في التنزيل رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
وتأويل الرؤيا الصادقة والإنتفاع منها ، والإجتهاد بالدعاء لمحو المكروهة من الحكمة في الآية أعلاه ، وقد رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رؤى متعددة وأخبر أصحابه بها ، فوقعت كما أخبر منها بخصوص معركة أحد.
إذ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إني رأيت بقراً تنحر ، ورأيت في ذباب سيفي ثلماً ، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة ، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا ، فإن أقاموا بشر مقام ، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها)( ).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكره الخروج من المدينة لبيان أن رؤيا النبي حجة.
وكان عبد الله بن أبى ابن سلول يرى ذات رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالبقاء في المدينة وقال (يا رسول الله، أقم بالمدينة لا تخرج إليهم) ليقاتلوهم في الأزقة ولكن رهطاً من الصحابة ألحوا بالخروج لملاقاة المشركين خاصة ممن فاتهم حضور معركة بدر ، وقالوا نخشى أن يقولوا جبّنا وخفنا .
خيبة المشركين في معركة أحد
لقد زحف مشركو قريش وحلفاؤهم في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة لغزو المدينة ثأراً لقتلاهم السبعين يوم معركة بدر ونصر المسلمين فيها ، ولم يعلموا أن هذا النصر كان من عند الله وبمشيئته التي لا ترد ، قال تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
ونزلت المصيبة بالمسلمين في معركة أحد بسقوط سبعين شهيداً عدا الجرحى من غير أن يخسروها خاصة وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقى في الميدان يدافع إلى أن انسحب المشركون بخزي في نفس يوم المعركة ، قال تعالى لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ.
و(قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَجَمِيعُ مَنْ قَتَلَ اللّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمَ أُحُدٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ رَجُلًا)( ).
ومنهم حملة لواء المشركين الذين أصروا على المبارزة فسقطوا قتلى تباعاً وأكثرهم قُتل بسيف الإمام علي عليه السلام ومنهم طلحة بن أبي طلحة العبدري الذي أدله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه كبش الكتيبة الذي يقتل في المعركة ، ولم يبرز له الإمام علي عليه السلام إلا بعد إلحاح طلحة وتحديه للمسلمين للقتال .
(قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَحَدّثَنِي مَسْلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ الْمَازِنِيّ ، قَالَ لَمّا اشْتَدّ الْقِتَالُ يَوْمَ أُحُدٍ ، جَلَسَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَحْتَ رَايَةِ الْأَنْصَارِ ، وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللّهِ عَلَيْهِ أَنْ قَدّمَ الرّايَة فَتَقَدّمَ عَلِيّ ، فَقَالَ أَنَا أَبُو الْفُصَمِ وَيُقَالُ أَبُو الْقُصَمِ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ – فَنَادَاهُ أَبُو سَعْدِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَهُوَ صَاحِبُ لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ هَلْ لَك يَا أَبَا الْقُصَمِ فِي الْبِرَازِ مِنْ حَاجَةٍ ؟ قَالَ نَعَمْ . فَبَرَزَا بَيْن الصّفّيْنِ فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَضَرَبَهُ عَلِيّ فَصَرَعَهُ ثُمّ انْصَرَفَ عَنْهُ وَلَمْ يُجْهَزْ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ أَفَلَا أُجْهِزْت عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ إنّهُ اسْتَقْبَلَنِي بِعَوْرَتِهِ ، فَعَطَفَتْنِي عَنْهُ الرّحِمُ وَعَرَفْتُ أَنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ قَدْ قَتَلَهُ . وَيُقَالُ إنّ أَبَا سَعْدِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ خَرَجَ بَيْنَ الصّفّيْنِ فَنَادَى (أَنَا قَاصِمٌ) مَنْ يُبَارِزُ بِرَازًا ، فَلَمْ يَخْرَجْ إلَيْهِ أَحَدٌ . فَقَالَ يَا أَصْحَابَ مُحَمّدٍ زَعَمْتُمْ أَنّ قَتْلَاكُمْ فِي الْجَنّةِ وَأَنّ قَتْلَانَا فِي النّارِ كَذَبْتُمْ وَاَللّاتِي لَوْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ حَقّا لَخَرَجَ إلَيّ بَعْضُكُمْ فَخَرَجَ إلَيْهِ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَضَرَبَهُ عَلِيّ فَقَتَلَهُ)( ).
لقد كانت الرؤيا بشارة في معركة أحد ، ومواساة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين .
وكان عدد جيش المشركين ثلاثة آلاف ، وعدد الصحابة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الميدان سبعمائة.
ومع أن عددهم أقل من ربع عدد المشركين ، إلا أنه أفزع المشركين لأنهم يعلمون بخروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل ثلاث سنوات خائفاً متخفياً ليس معه إلا أحد أصحابه والأن معه هذا العدد من الصحابة يتصفون بالإخلاص والإستعداد للتضحية.
ويتلقون قول ورؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتصديق ، وفي التنزيل قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ، وقال تعالى إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
وإذا يقف مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أحد في النصف من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة سبعمائة من المهاجرين والأنصار ، يقاتلون دونه مع تقيدهم بالصلاة والفرائض العبادية ، ونبذهم للشرك الذي عليه رجالات قريش.
وتجلى مصداق الوحي في معركة الخندق ، إذ هجم عشرة آلاف من المشركين على المدينة فبقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، فيها وحفروا خندقاً حولها فعجز المشركون عن دخولها ، ونزل قوله تعالى وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ.
(وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن ابن مسعود أنه كان يقرأ هذا الحرف [وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ] ( ) بعلي بن أبي طالب)( ).
قسما التوفي
قال تعالى [اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى] ( )وذكر أن للإنسان نفساً وروحاً ، وتغادر النفس عند النوم بينما تبقى الروح .
وعن الإمام علي عليه السلام (تخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعها في الجسد فذلك يرى الرؤيا ، فإذا انتبه من النوم عاد الروح إلى جسده بأسرع من لحظة) ( ).
وقيل (إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء الله تعالى فإذا أرادت الرجوع إلى أجسادها أمسك الله تعالى أرواح الأموات عنده وأرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها إلى حين انقضاء مدة آجالها) ( ) ولا دليل على هذا القول .
والله عز جل يتوفى الأنفس قال سبحانه كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ.
وقد صدر الجزء التاسع بعد المائتين من تفسيري للقرآن خاصاً بتفسير هذه الآية الكريمة .
والتوفي على قسمين :
الأول : التوفي الأصغر في النوم ، وفيه تأتي الأحلام ، والرؤى بشارة وإنذاراً .
الثاني : زهوق الروح ومغادرة الإنسان الحياة الدنيا .
وقد جمعت آية واحدة المعنيين بقوله تعالى وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ.
الرؤيا والطب
تدخل الرؤيا في علم أصل إيجاد علم الطب ، فمع تعدد وكثرة الأقوال في بداياته وصعوبة تتبع هذه البدايات لضربها في المقدم ، قالت طائفة بأن الطب فضل من عند الله عز وجل .
وقال ابن أبي أصيبعة (600-1203/668-1270) (قال بعضهم هو إلهام بالرؤيا، واحتجوا بأن جماعة رأوا في الأحلام أدوية استعملوها في اليقظة فشفتهم من أمراض صعبة، وشفت كل من استعملها)( ).
والمختار تعدد وجوه تعلم الناس للطب فمنه ما يكون إلهاماً من عند الله عز وجل وإليه ذهب جالينوس (129-216)م ، ومنه بالرؤيا ، ومنه بالتجربة وباللطف الإلهي في تقريب الناس لأسباب الشفاء ونشرها ، ومنها ما تعلمه الإنسان من الحيوان ، وطريقة تداويها وفراخها ، ولعله من مصاديق قوله تعالى وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، لبيان أن الله عز وجل أوحى إلى الحيوان بما فيه استدامة الحياة وتسخيرها للإنسان .
وهذه الوجوه من مصاديق قوله تعالى وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، فليس من حصر للكيفية والوجوه التي يشفي الله عز وجل بها المرض ، لذا تفضل وأمرنا بالدعاء ، قال تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، وهناك شواهد عديدة للإنتفاع من الرؤيا في باب الشفاء من الأمراض ، يأتي ذكر بعضهما في هذا الكتاب .
وكانت الآية أعلاه من سورة الشعراء من موضوع بحثنا الخارج على فضلاء الحوزة العلمية يوم 5/5/2024 والآية حكاية عن إبراهيم عليه السلام.
وتعقبت هذه الآية قوله تعالى وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، لبيان الصلة بين نوع الأكل والشرب وبين الصحة والمرض ولتنبيه المسلمين ، وبيان فضل الله عز وجل عليهم في تحريم الضار من المطعوم كلحم الحنزير والمشروب كالخمر .
ومن إعجاز الآية مجيئها بالفاء في [فَهُوَ يَشْفِينِ] لإفادة تعقب الشفاء للمرض كما لو قيل جاء زيد فعمر ، أي متعقباً له من غير فترة ، وكما لو قيل تزوج فولد له أي حملت زوجته من ليلة الدخلة .
وتقدير الآية على وجوه :
الأول : وإذا مرضت فهو يشفيني بالمعجزة كنبي .
الثاني : وإذا مرضت فهو يشفيني كرسول من الرسل الخمسة أولي العزم.
الثالث : وإذا مرضت فهو يشفيني كمؤمن .
الرابع : وإذا مرضت فهو يشفيني كأنسان .
والمختار هو الأخير لأن الشفاء فرع رحمة الله ، ومن مصاديق عموم الشفاء ، ما ورد حكاية عن عيسى عليه السلام وأبراء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بأذن اله ، فكان شفاء الأعمى من الولادة وذي المرض الجلدي عام للناس ، وقيده عيسى بأنه بأذن الله لمنع الغلو في شخصه الكريم.
وقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار الرحمة بالناس ، لذا إبتدأ رسم القرآن وكل سورة منه بالبسملة عدا براءة .
وإذا كان شفاء إبراهيم في الحال بالمعجزة فان الله عز وجل إذا أنعم على أهل الأرض فانه أكرم من أن يرفعها ، كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام ، لذا جاءت العلوم الطبية والمختبرية الحديثة بأسباب الشفاء والعمليات الجراحية ، وزيادة متوسط عمر الإنسان.
ومن الأمثلة عليه قوله تعالى فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ فكما كان زكريا يجد عند مريم فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف كرامة من عند الله ، والآن تحقق مصداق هذه المعجزة بالعلم بالزراعة المغطاة ووسائط النقل السريع بين البلدان ، والإرتقاء في الزراعات ونحوها ، وهو من مصاديق قوله تعالى عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.
معجزة قلة عدد المشركين في التصور الذهني
لقد رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام ليلة بدر أن عدد المشركين قليل ، فقص رؤياه على أصحابه فاستبشروا خيراً واحتسبوها أمارة على النصر على المشركين ثم تجلى مصداق الرؤيا في الواقع يوم بدر عند التقاء الجيشين ، قال تعالى وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.
ليزداد الصحابة يقيناً ، ويبذلوا الوسع في الدفاع عن النبوة والتنزيل.
و(عن ابن مسعود قال : لقد قللوا في أعيينا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي : تراهم سبعين ، قال : لا ، بل مائة ، حتى أخذنا رجلاً منهم فسألناه ، قال : كنا ألفاً)( ).
لقد استخف رؤساء جيش المشركين يوم بدر بالمسلمين من جهة قلة عددهم وأسلحتهم ومؤونهم .
و(عن عكرمة في قوله [إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ] إلى قوله {وساءت مصيراً } قال : نزلت في قيس بن الفاكه بن المغيرة ، والحارث بن زمعة بن الأسود ، وقيس بن الوليد بن المغيرة ، وأبي العاص بن منية بن الحجاج ، وعلي بن أمية بن خلف .
قال : لما خرج المشركون من قريش وأتباعهم لمنع أبي سفيان بن حرب وعير قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وأن يطلبوا ما نيل منهم يوم نخلة ، خرجوا معهم بشبان كارهين.
كانوا قد أسلموا واجتمعوا ببدر على غير موعد ، فقتلوا ببدر كفاراً ورجعوا عن الإسلام ، وهم هؤلاء الذين سميناهم)( ).
وفي ابن شهاب وموسى بن عقبة الطويل عن تفاصيل وقائع معركة بدر ورد (فلما حرض أبو جهل قريشا على القتال أمر النساء يعولن عمر فقمن يصحن : واعمراه واعمراه ، تحريضا على القتال فاجتمعت قريش على القتال فقال عتبة لأبي جهل : سيعلم اليوم أي الأمرين أرشد ، وأخذت قريش مصاف هذا القتال وقالوا لعمير بن وهب : اركب فاحذر محمدا وأصحابه.
فقعد عمير على فرسه فأطاف برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم رجع إلى المشركين فقال : حذرتهم بثلثمائة مقاتل زادوا شيئا أو نقصوا شيئا وحذرت سبعين بعيرا ونحو ذلك ولكن أنظروني حتى أنظر هل لهم مدد أو كمين فأطاف حولهم وبعثوا خيلهم معه فأطافوا حولهم ثم رجعوا فقالوا : لا مدد لهم ولا كمين وإنما هم أكلة جزور وقالوا لعمير حرش بين القوم فحمل عمير على الصف بمائة فارس)( ).
وفيه استدراج للمشركين للتجرأ والإبتداء في القتال ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ.
والمراد من (أَكَلَةِ جزور) أي أن عدد المسلمين كجماعة يستجمعون على أكل بعير فيكفيهم .
وفي رواية (قال أبو جهل : ما هم إلا أكَلَة رأس، لو بعثنا إليهم عبيدنا لاخذوهم أخذا باليد)( ).
وبين القولين عموم وخصوص مطلق ، فالمراد من الرأس هو رأس الجزور وحده أي أن عدد الذي يجتمعون عليه أقل ، ولكن عندما التقى الجيشان ، وسقط عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وابنه الوليد بن عتبة قتلى رأى المشركون أن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عددهم كثير فدّب الخوف في نفوسهم وكان من أسباب هزيمتهم في القتال.
الرؤيا الصادقة
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ بِمَثَلِي)( ).
وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي في نوم ولا يقظة ، ولا بأحد من أوصيائي إلى يوم القيامة)( ).
ويمكن القول بقانون وهو كل إنسان تأتيه رؤى صادقة لا يتمثل فيها الشيطان وليست من أضغاث الأحلام ، وكذا فان الصالحين يتمثلون للناس في الرؤيا من غير أن يتلبس بهيئتهم الشيطان ، لتكون هذه الرؤيا بشارةً أو إنذاراً .
ومن الإعجاز فيها أن الذي يرى الرؤيا قد يتلقى فيها خبراً لا يعلم عنه كما في الوصية من الميت بعد وفاته ، أو طلبه حاجة وثواباً ينفعه في الآخرة ، ويكون ذكرى وموعظة وعبرة للأحياء وهو من مصاديق قانون تذكير الناس بعالم ما بعد الموت ، لتكون الرؤيا الصادقة تذكرة وعبرة ، وهو من عمومات قوله تعالى وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ .
و(قال النبي صلى الله عليه واله: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به، أو صدقة تجري له، أو ولد صالح يدعو له)( ).
وعن محمد بن قاسم النوفلي أنه قال للإمام الصادق عليه السلام (المؤمن يرى الرؤيا فتكون كما رآها; وربما رأى الرؤيا، فلا تكون شيئاً فقال: إنّ المؤمن إذا نام، خرجت من روحه حركة ممدودة صاعدة إلى السماء . فكلّما رآه روح المؤمن في ملكوت السماء في موضع التقدير والتدبير، فهو الحقّ ، وكلّما رآه في الأرض، فهو أضغاث أحلام . فقلت له: وتصعد روح المؤمن إلى السماء؟ قال: نعم. قلت: حتّى لا يبقى شيء في بدنه ؟ فقال: لا، لو خرجت كلّها حتّى لا يبقى منها شيء إذاً لمات. قلت: فكيف تخرج .
فقال: أما ترى الشمس في السماء في موضعها وضوؤها وشعاعها في الأرض، فكذلك الروح أصلها في البدن وحركتها ممدودة)( ).
الـسنـة النبوية والتعبير
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يبقَ من المبشرات الا الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى لـه.
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم قال (أصْدقُكم رُؤيَا ، أصدقكُمْ حَديثاً)( ).
لبيان الجزاء العاجل على صدق الحديث ، فالذي يصدق في حديثه ويتجنب الكذب والإفتراء يكرمه الله في الدنيا بالرؤيا الصادقة ذات الدلالات والمعاني وهو من مصاديق قوله تعالى رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولمدة مديدة اذا ما انتهى من صلاة الصبح التفت الى أصحابه قائلاً: هل من مبشرات وذلك لترسيخ أهمية الرؤيا والانتفاع بها وبتأويلها.
كما كانت تلك التربية والتأديب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم طريقة علاجية نفسية من الاسناد الجماعي مثل تلك التي افرزتها التجارب والدراسات من طرق علاج جماعية حديثة مثل (جماعة التلاقي).
وتمضي ايام يسأل فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه صباح كل يوم منها هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا فيقصوا رؤياهم عليه فيعبرها لهم ثم سألهم أياماً فلم يقص عليه أحد منهم رؤيا، فقال كيف ترون وفي أظفاركم الرفغ( ).
وذلك ان أظفارهم قد طالت وتعلق بها درن ووسخ ما يحك من مواضعه في البدن كما ان تقليمها من الفطرة لبيان وجوب توفر عناصر ومقدمات الرؤيا التي تبدو سهلة وضرورية عند اجراء دراسة وعرض لمنافع الرؤيا واشاراتها.
ان سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاصحابه عن رؤاهم مدرسة تأديبية وسنة كريمة وتنبيه على أهمية الرؤيا ولزوم العناية بها وتلمس تأويلها، فقد تكون هي او تأويلها او هما معاً سبباً للهداية والرشاد.
رؤيا النبي من شواهد القرآن
ومن مصاديق وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ، وجوه :
الأول : رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنها شعبة من الوحي.
الثاني : تأويل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لرؤياه والإتعاظ منه.
الثالث : تأويل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لرؤى المسلمين والمسلمات ، لذا كان يحرص على سؤال أصحابه بعد صلاة الصبح هل رأى أحد منهم رؤيا .
وذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إذا صلى الصبح أقبل عليهم بوجهه فقال هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا)( ).
وفي الرؤيا الصادقة وجوه :
الأول : إنها من مصاديق قوله تعالى وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ.
الثاني : إنها نعمة من علم الغيب ، ليكون من معاني قوله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، في باب الرؤيا مسائل :
الأولى : عجز الخلائق عن إحصاء الرؤى التي رآها ويراها الناس.
الثانية : لا يميز ويفصل في إحصاء الرؤى الصادقة عن غيرها إلا الله عز وجل.
الثالثة : ذات عالم الرؤيا نعمة عظيمة تستلزم الشكر من العباد ، ليكون من معاني قوله تعالى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ، الزيادة في رؤيا البشارة والإنذار والهداية الخاصة والعامة للعمل بمضامينها ، والتوقي من شرور الرؤيا.
الثالث : الرؤيا الصادقة آية في بديع خلق الإنسان.
الرابع : بيان بأن حال نوم الإنسان ليس سكوناً تاماً ، إنما فيه البشارة والإنذار.
الخامس : النوم مناسبة للاحتراز والتوبة والسعي والكسب ومنع اليأس والقنوط ، قال تعالى وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ.
رؤيا بشارة ولادة الحسين (ع)
قال تعالى الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ *لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
(عن جابر قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ قال : ما سألني عنها أحد : هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ، وفي الآخرة الجنة)( ).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحياناً يسأل أصحابه بعد صلاة الصبح هل رآى أحد منكم من رؤيا ، ليبادر إلى تأويل الرؤيا في جزء من رسالته وهو المبعوث رحمة للعالمين ، لتنمية ملكة العناية بالرؤيا والإنتفاع من تأويلها بشارة كانت أو إنذاراً لتكون عنايته بالرؤيا تعبيراً وتفسيراً وترجمة لنزول آيات قرآنية خاصة بالرؤيا ابتداء من رؤيا إبراهيم بذبح ابنه لولا صرف الله عز وجل الذبح بفداء بكبش ، قال تعالى وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، أي خروف كبير .
وعدد الرؤى في القرآن سبعة ، كما أفردت لإحصائها باباً في الجزء الثاني من كتابي الموسوم (فلسفة الرؤيا في الإسلام) كما ذكرت آيات عديدة أخرى تتصل بها بخصوص تأويلها وأثرها ونفعها .
ومن آخر ما كتبت في هذا السِفر :
الأول : قانون الرؤيا الصادقة شعبة من الخلافة في الأرض .
الثاني : قانون الرؤيا الصادقة من نفخ الروح في آدم .
وبمناسبة أيام محرم الحرام ومصيبة كربلاء الأليمة اذكر هنا قول أم الفضل بنت الحارث زوجة العباس بن عبد المطلب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قالت : رأيت رؤيا أعظمها أن أذكرها لك ، أي أن الرؤيا هالتها وأفزعتها وخشيت من روايتها للنبي كيلا تحزنه .
فقال : اذكريها ، لبيان عدم إخفاء الرؤيا ذات الإعتبار والإتعاظ ، وللدلالة على دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى عدم التفريط بالرؤيا سواء كانت رؤيا بشارة أو إنذار ، وإن كان ظاهر كلام أم الفضل أنها رؤيا إنذار .
فقالت رأيت كأن بضعة منك قطعت فوضعت في حِجري.
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إن فاطمة حبلى تلد غلاماً أسميه حسيناً وتضعيه في حجرك.
ليكون تحديده لجنس المولود من الوحي ، وهذه النعمة الخاصة ببيت النبوة صارت عامة للناس في هذا الزمان بالإرتقاء الطبي وكشف المختبر والسونار في هذا الزمان ، لأن الله عز وجل إذا أنعم على أهل الأرض بنعمة فانه أكرم من أن يرفعها .
ولبيان البون الشاسع بين خشيتها من الرؤيا وبين تأويل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها وكأنه من تفسير الرؤيا بالضد ليشرق على الأرض نور ولادة الحسين في الثالث من شهر شعبان من السنة الرابعة للهجرة ، وشاء الله أن يشع بريق صبره وجهاده ما بين المشرق والمغرب .
قالت أم الفضل : فولدت فاطمة حسيناً فكان في حجري أربيه .
وهكذا ساهم تأويل الرؤيا في ترسيخ الإيمان وتوكيد صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجمعه وحيازته للعلوم والمعارف والكمالات بقسميها الكسبي والهبة فضلاً من الله ورحمة وحجة ودعوة للايمان.
وقالت أم الفضل (فدخلت به يوما على النبي فوضعته في حجر رسول الله صلى الله عليه واله ثم حانت مني التفاتة، فإذا عينا رسول الله تهرقان بالدموع ، فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما لك ، قال : أتاني جبرئيل فأخبرني أن أمتي تقتل ابني هذا وأتاني بتربة حمراء من تربته)( ).
وقالت أم الفضل (فدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم علي يوماً وحسين معي فأخذه يلاعبه ساعة ثم ذرفت عيناه فقلت ما يبكيك قال هذا جبريل يخبرني أن أمتي تقتل ابني هذا)( ).
عن أم سلمة قالت: بينا رسول الله ذات يوم جالسا والحسين جالس في حجره إذ هملت عيناه بالدموع، فقلت [له] يا رسول الله ما لي أراك تبكي جعلت فداك ؟ قال: جاءني جبرئيل فعزاني بابني الحسين وأخبرني أن طائفة من امتي تقتله، لا أنالها الله شفاعتي
الرؤيا وتسمية محمد
لقد اعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الرؤيا منزلة رفيعة، فلقد كان قولـه وسنته تفسيراً للقرآن وبياناً لأحكامه وآياته وبشاراته قال صلى الله عليه وآله وسلم: انا دعوة ابي ابراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمي.
وذكر ان آمنة بنت وهب بن عبد مناف من بني زهرة (أنها حين وضعته كفأت عليه برمة( ) حتى تتفرغ له قالوا فوجدت البرمة قد انشقت عن نور أضاءت منه لها عن قصور كثيرة من قصور الشام)( ).
ومع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان مبشراً به وباسمه كما اخبر بذلك القرآن وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ. فان اسمه وتحديده من قبل الله عز وجل جاء برؤيا.
عن الباقر عليه السلام قال رأت آمنة في المنام وهي حامل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تسميه أحمد. وعن ابن اسحاق ان تسميه محمدا ( ).
صحيح أن الاسم غير المسمى ولكن عند اختيار الاسم من عند الله أو بالوحي والتحديث ففيه دلالات تؤكد التوافق والتطابق بين الاسم والمسمى ، ففي كل زمان يبقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم محموداً عند الله والناس.
وعن ابن إسحاق أن آمنة بنت وهب (اتيت حين حملت به فقيل لها انك قد حملت بسيد هذه الامة وفيه ثم سميه محمدا)( ).
(وأخرج أبو نعيم عن بريدة وابن عباس قالا رأت آمنة في منامها فقيل لها انك قد حملت بخير البرية وسيد العالمين فإذا ولدتيه فسميه أحمدا ومحمدا وعلقي عليه هذه فانتبهت وعند رأسها صحيفة من ذهب مكتوب عليها أعيذه بالواحد من شر كل حاسد وكل خلق رائد من قائم وقاعد عن السبيل عائد على الفساد جاهد من نافث او عاقد وكل خلق مارد يأخذ بالمراصد في طرق الموارد أنهاهم عنه بالله الأعلى واحوطه منهم باليد العليا والكف الذي لا يرى يد الله فوق أيديهم وحجاب الله دون عاديهم لا يطردوه ولا يضروه في مقعد ولا منام ولا مسير ولا مقام أول الليالي)( ).
ويلاحظ في هذا الدعاء والحرز لغة التوحيد ، وتسمية النبي محمد باسمين (أحمد ومحمد) .
و(ويروى ان عبد المطلب انما سماه محمدا لرؤيا رآها زعموا انه رأى في منامه كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف في السماء وطرف في الارض وطرف في المشرق وطرف في المغرب ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور وإذا اهل المشرق والمغرب يتعلقون بها فقصها فعبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه اهل المشرق والمغرب ويحمده اهل السماء والارض فلذلك سماه محمدا مع ما حدثته به امه)( ).
وكل من اسم محمد ، وأحمد يبعث المسلمين وأهل الكتاب وعامة الناس على الشكر والحمد لله عز وجل .
لذا يتلو كل مسلم مسلمة سبع عشرة مرة في الصلاة اليومية قوله تعالى [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( )، ولم يكن اسم محمد معروفاً عند العرب خاصة وأنهم عبدة أوثان ، وهو صيغة مبالغة من الحمد ، ولكن عندما قربت أيام ولادته ، وتجلت العلامات الكونية والحساب بقرب أوان بعثته ، وما يذكره أهل الكتاب وأصحاب الصومعات خاصة وأن قريشاً يعملون بالتجارة .
ان ما يراه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذو أهمية ومكانة ليس فيها الا الصدق والصلاح والعلم وهذا ما تركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين المسلمين حين قال: “بينما انا نائم اذ اتيت بقدح من لبن فشربت منه حتى أني لأرى الري احسن الحال وكثرة النعمة يخرج من بين اظافري”، فجاء جواب المسلمين دلالة الإيمان في ارتقائه عن جواب الملأ لملك مصر في سورة يوسف. اذ كان المسلمون يستثمرون رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسماع أقواله لاقتطاف الثمار والمنافع التي هي لاَ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ ليأخذوا منه ويتعلموا ويتزودوا ويورثوا ابناءهم والاجيال اللاحقة ومنها أهل هذا الزمان.
قالوا: بما أوّلت ذلك يا رسول الله، ويدل سؤالهم على خلفية الاعتقاد الصادق وعلى بذور ونشأة علم مكتسب.
فأجابهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائلاً: العلم.
ومع ذلك فأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يهمل تلك الاضغاث من الاحلام التي قد يتعرض لها بعض المسلمين فحدد معالمها واشكالها وكيفية اجتناب اضرارها.
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري (قَالَ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ وَهْوَ يَخْطُبُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّ عُنُقِى ضُرِبَتْ وَسَقَطَ رَأْسِى فَاتَّبَعْتُهُ فَأَخَذْتُهُ فَأَعَدْتُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِى مَنَامِهِ فَلاَ يُحَدِّثَنَّ بِهِ النَّاسَ)( ).
فمع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يخطب على المنبر فانه قطع خطبته وأجاب عن رؤيا أحدهم بما فيه تفقه الناس في الرؤيا والإعراض عن الرؤيا المكروهة وأضغاث الأحلام .
وهو جواب لم ترق الى بعض من مستوى تأثيره ونجاحه مدارس التحليل النفسي ، فقد جعل فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسلم طبيب نفسه وبيده علاجها الفعال وقد ادرك مسبقاً ان عليه الاعراض عن ايذاء الشيطان ونزوات الاغواء ومواطن الحيرة، وسهل عليه التغلب على كيد الشيطان بكشف حيله وكيفية قهره وطرده.
تسمية محمد برؤيا عبد المطلب
و(عن ابن عباس قال: لما ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عق عنده جده بكبش وسماه محمدا.
فقيل له: يا أبا الحارث ما حملك على أن تسميه محمدا ولم تسمه باسم آبائه ؟ قال: أردت أن يحمده الله في السماء ويحمده الناس في الأرض)( ).
ولم يسمه عبد المطلب من عنه ، وكان العرب يسمون أبناءهم باسماء الآباء ، والمشاهير الشجعان والكرام من الرجال ، ولكن عبد المطلب (رأى فِي مَنَامِهِ كَأَنّ سِلْسِلَةً مِنْ فِضّةٍ خَرَجَتْ مِنْ ظَهْرِهِ لَهَا طَرَفٌ فِي السّمَاءِ وَطَرَفٌ فِي الْأَرْضِ وَطَرَفٌ فِي الْمَشْرِقِ وَطَرَفٌ فِي الْمَغْرِبِ .
ثُمّ عَادَتْ كَأَنّهَا شَجَرَةٌ عَلَى كُلّ وَرَقَةٍ مِنْهَا نُورٌ وَإِذَا أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ كَأَنّهُمْ يَتَعَلّقُونَ بِهَا ، فَقَصّهَا ،
فَعُبّرَتْ لَهُ بِمَوْلُودِ يَكُونُ مِنْ صُلْبِهِ يَتْبَعُهُ أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَيَحْمَدُهُ أَهْلُ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَلِذَلِكَ سَمّاهُ مُحَمّدًا)( ).
والتفصيل في الجزء السابع والأربعين بعد المائتين من تفسيري للقرآن وهو بعنوان (علم الإحصاء القرآنية غير متناه ).
التأويل النبوي فرع الوحي
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعلم الناس بتأويل الرؤيا وتعبيرها. مثلما كان يوسف عليه السلام ومن قبله يعقوب في رؤيا يوسف وتأويلها، وابراهيم عليه السلام.
ولقد كان هذا العلم الذي آتاه الله رسولـه صلى الله عليه وآله وسلم من بين مستلزمات النهوض بأعباء الرسالة وشؤون الإسلام وبناء دولته.
قصّ النبي (ص) رؤياه على أصحابه
من خصائص النبوة مبادرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث عن الأمور ذات الشأن بخصوص الدين والدنيا ، لتنمية الملكة وتفقه المسلمين في الدين وإرتقائهم في المعارف .
وعن (عبد الرحمن بن سمرة قال خرج النبى عليه السلام على اصحابه فقال : رأيت الليلة عجبا رأيت رجالا يعلقون بألسنتهم فقلت من هؤلاء يا جبريل فقال هؤلاء الذين يرمون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا، وفى الحديث القدسى : من آذى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة)( ).
وفي بعض الايام يبدأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقص رؤياه مع تأويله لها لتكون درساً وبلاغاً وموعظة تتكرر منافعها وفوائدها كل يوم.
عن ابن عباس قال: ذُكر لي ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: بينما انا نائم أريت انه وضع في يدي سواران من ذهب فقطعتهما فكرهتهما، فأذن لي فنفختهما فطارا فأولتهما كذابين يخرجان.
وفي حديث ابي سعيد الخدري: فأولتهما هذين الكذابين صاحب اليمن وصاحب اليمامة.
فأصبحت تلك الرؤيا وما تحمله من انذارات وعناصر الصدق التي تمسك بعنانها واقتران تأويل النبي صلى الله عليه وآله وسلم باعلانها سلاحا وحرزا ذا حدين.
وكانت سداً لمنع الانخداع بهما وبشارة للمسلمين في حتمية القضاء عليهما ودحرهما.
وربما كانت لتلك الرؤيا أهمية خاصة في محاربة الردة ، حين ازداد نشاط مسيلمة الكذاب وهو احدهما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قص وتعبير النبي (ص) لرؤياه
يروي النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين رؤيا رآها مع قيامه بتاويلها وتعبيرها لتكون نبراساً لهم وبشارة وأملاً ومنعاً للخوف والقنوط من التسلل الى نفوسهم كجزء من وظائفه الرسالية، فهو صلى الله عليه وآله إذا سُئل أجاب ، وان لم يُسأل تكلم ابتداءً اذ يؤدبهم ويعلمهم وفق مناسبة الزمان والمكان والموضوع وهو من مصاديق قوله تعالى كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ.
ضحك النبي (ص) من رؤيا أحدهم
و(قيل لمحمد بن سيرين إن فلانا يضحك قال ولم لا يضحك فقد ضحك من هو خير منه حُدثت أن عائشة قالت ضحك النبي صلى الله عليه و سلم من رؤيا قصها عليه رجل ضحكا ما رأيته ضحك من شيء قط أشد منه.
قال محمد بن سيرين وقد علمت ما الرؤيا وما تأويلها رأى كأن رأسه قطع فذهب يتبعه فالرأس النبي صلى الله عليه وآله وسلم والرجل يريد أن يلحق بعمله عمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو لا يدركه)( ).
وعن (أبي مجلز قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني رأيت في المنام أن رأسي قطع، وأني جعلت أنظر إليه، فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال: (بأي عين كنت تنظر إلى رأسك إذا قطع.
فلم يلبث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك إلا قليلا حتى توفي، قال: فأولوا قطع رأسه بموت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونظره باتباع سنته)( ).
و(عن أبي قتادة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الرؤيا على ثلاثة منازل فمنها ما يحدث بها الرجل نفسه فليس ذلك بشئ ومنها ما يكون من الشيطان فإنها لن تضره ومنها رؤيا من الله فإذا رأى أحدكم الشئ يعجبه فليعرضه على ذي رأي ناصح فليتأول خيرا وليقل خيرا فإن رؤيا العبد الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة قال عوف بن مالك والله يا رسول الله لو كانت حصاة من عدد الحصا لكان كثيرا ما يفعل إذا رأى في منامه ما يكره وما يقول)( ).
و(عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اذا حلم أحدكم فلا يخبر أحدا بتلعب الشيطان به في المنام)( ).
موضوعية التأويل الصحيح
ومن الرؤيا ما تحتاج رموزها الى تأويل صحيح لتعطي ثمارها كي لا يكون في خلافه أثر يشبه ضرر الدواء غير المناسب ، نعم يطرده الدعاء بخصوص الرؤيا وسؤال نفعها ودفع شرها . لذلك كان المسلمون يهرعون الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي حقيبة صدورهم قصص رؤاهم.
وعن عبد الله بن سلام قال (رَأَيْتُ رُؤْيَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ ، وَرَأَيْتُ كَأَنِّى فِى رَوْضَةٍ – ذَكَرَ مِنْ سَعَتِهَا وَخُضْرَتِهَا – وَسْطَهَا عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ ، أَسْفَلُهُ فِى الأَرْضِ وَأَعْلاَهُ فِى السَّمَاءِ ، فِى أَعْلاَهُ عُرْوَةٌ فَقِيلَ لَهُ ارْقَهْ . قُلْتُ لاَ أَسْتَطِيعُ . فَأَتَانِى مِنْصَفٌ فَرَفَعَ ثِيَابِى مِنْ خَلْفِى ، فَرَقِيتُ حَتَّى كُنْتُ فِى أَعْلاَهَا ، فَأَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ ، فَقِيلَ لَهُ اسْتَمْسِكْ . فَاسْتَيْقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِى يَدِى ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : تِلْكَ الرَّوْضَةُ الإِسْلاَمُ ، وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الإِسْلاَمِ ، وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ عُرْوَةُ الْوُثْقَى ، فَأَنْتَ عَلَى الإِسْلاَمِ حَتَّى تَمُوتَ)( ).
سؤال النبي (ص) أصحابه عن رؤاهم
ومن الوثائق التاريخية في علم الرؤيا والتي تلح على كل عالم أو باحث في موضوع الرؤيا بوجوب الرجوع إلى الاسلام في جوهر آرائه عن الرؤيا تلك التي وتلك المقدمة ليست تفاؤلاً فحسب بل هي دعاءً ورجاءً ايضاً بضميمة ان الرؤيا الصادقة رحمة من عند الله تعالى.
عن ابن زَمْل الجهني، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا صلى الصبح قال، وهو ثان رجله : سبحان الله وبحمده. أستغفر الله، إن الله كان توابا” سبعين مرة، ثم يقول : سبعين بسبعمائة، لا خير لمن كانت ذنوبه في يوم واحد أكثر من سبعمائة.
ثم يقول ذلك مرتين، ثم يستقبل الناس بوجهه، وكان يعجبه الرؤيا، ثم يقول : هل رأى أحد منكم شيئا.
قال ابن زمل : فقلت : أنا يا رسول الله. فقال : خير تلقاه، وشر توقاه، وخير لنا، وشر على أعدائنا، والحمد لله رب العالمين. اقصص رؤياك”.
فقلت: رأيت جميع الناس على طريق رحب سهل لا حب، والناس على الجادة منطلقين، فبينما هم كذلك، إذ أشفى ذلك الطريق على مرج لم تر عيني مثله، يرف رفيفا يقطر ماؤه، فيه من أنواع الكلأ قال: وكأني بالرعلة الأولى حين أشفوا على المرج كبّروا، ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فلم يظلموه يمينا ولا شمالا. قال: فكأني أنظر إليهم منطلقين.
ثم جاءت الرعلة الثانية وهم أكثر منهم أضعافا، فلما أشفوا على المرج كبّروا، ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فمنهم المرتع، ومنهم الآخذ الضغث. ومضوا على ذلك.
قال: ثم قدم عظم الناس، فلما أشفوا على المرج كبروا .
وقالوا : (هذا خير المنزل) كأني أنظر إليهم يميلون يمينا وشمالا فلما رأيت ذلك، لزمت الطريق حتى آتي أقصى المرج، فإذا أنا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات وأنت في أعلاها درجة، وإذا عن يمينك رجل آدم شثل أقنى، إذا هو تكلم يسمو فيفرع الرجال طولا وإذا عن يسارك رجل ربعة باذ كثير خيلان الوجه، كأنما حمم شعره بالماء، إذا هو تكلم أصغيتم إكراما له. وإذا أمام ذلك رجل شيخ أشبه الناس بك خلقا ووجها، كلكم تؤمونه تريدونه، وإذا أمام ذلك ناقة عجفاء شارف، وإذا أنت يا رسول الله كأنك تبعثها.
قال: فامتقع لون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساعة ثم سري عنه، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “أمّا ما رأيت من الطريق السهل الرحب اللاحب، فذاك ما حملتم عليه من الهدى وأنتم عليه. وأما المرج الذي رأيت، فالدنيا مضيت أنا وأصحابي لم نتعلق منها بشيء، ولم تتعلق منا، ولم نردها ولم تردنا.
ثم جاءت الرعلة الثانية من بعدنا وهم أكثر منا أضعافا، فمنهم المرتع، ومنهم الآخذ الضغث، ونجوا على ذلك. ثم جاء عظم الناس، فمالوا في المرج يمينا وشمالا فإنا لله وإنا إليه راجعون. وأما أنت، فمضيت على طريقة صالحة، فلن تزال عليها حتى تلقاني.
وأما المنبر الذي رأيت فيه سبع درجات وأنا في أعلاها درجة، فالدنيا سبعة آلاف سنة، أنا في آخرها ألفا. وأما الرجل الذي رأيت على يميني الآدم الشثل، فذلك موسى، عليه السلام، إذا تكلم، يعلو الرجال بفضل كلام الله إياه. والذي رأيت عن يساري الباز الربعة الكثير خيلان الوجه، كأنما حمم شعره بالماء، فذلك عيسى ابن مريم، نكرمه لإكرام الله إياه. وأما الشيخ الذي رأيت أشبه الناس بي خلقا ووجها فذاك أبونا إبراهيم، كلنا نؤمه ونقتدي به. وأما الناقة التي رأيت ورأيتني أبعثها، فهي الساعة، علينا تقوم، لا نبي بعدي، ولا أمة بعد أمتي”.
قال: فما سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن رؤيا بعد هذا إلا أن يجيء الرجل، فيحدثه بها متبرعا( ).
وتلزم خاتمة الحديث (إلا أن يجيء الرجل فيحدثه بها متبرعا) الدليل والإحاطة ، فربما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسأل أصحابه عن الرؤيا بعدها ابتداءً ، ولكن لم يعلم به راوي الحديث وهو ابن زمل الجهني.
ابن زمل الجهني هو (عبد الله بن زمل الجهني ) روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقيل له صحبه وهو ظاهر الحديث إلا أن مشهور الرجاليين أنه تابعي أرسل ، وقال ابن حجر (عبد الله بن زمل الجهني تابعي أرسل ولا يكاد يعرف ليس بمعتمد انتهى وقال بن حبان في الثقات يقال له صحبة قلت وقد استوفيت خبره في كتابي في الصحابة) ( ).
أنصات وتأويل النبي (ص) لرؤى أصحابه
أخرج الترمذي وابن ماجة والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله إني رأيت في هذه الليلة فيما يرى النائم كأني أصلي عند شجرة ، وكأني قرأت سورة السجدة ، فسجدت فرأيت الشجرة سجدت بسجودي ، وكأني أسمعها وهي تقول اللهم اكتب لي بها عندك ذكراً ، وضع عني بها وزراً ، واجعلها إليّ عندك ذخراً ، وأعظم بها أجراً ، وتقبل مني كما تقبلت من عبدك داود . قال ابن عباس فقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم السجدة ، فسمعته يقول في سجوده كما أخبر الرجل عن قول الشجرة ( ) .
ليكون فعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الإمضاء للرؤيا والتعبير العملي لها .
وعن ( حَسَنُ بْنُ مُوسَى وَعَفَّانُ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ قَالَ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَجَلَسْتُ إِلَى شِيَخَةٍ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَجَاءَ شَيْخٌ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًا لَهُ فَقَالَ الْقَوْمُ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا فَقَامَ خَلْفَ سَارِيَةٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ الْجَنَّةُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يُدْخِلُهَا مَنْ يَشَاءُ وَإِنِّي رَأَيْتُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ رُؤْيَا رَأَيْتُ كَأَنَّ رَجُلًا أَتَانِي فَقَالَ انْطَلِقْ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَسَلَكَ بِي مَنْهَجًا عَظِيمًا فَعَرَضَتْ لِي طَرِيقٌ عَنْ يَسَارِي .
فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْلُكَهَا فَقَالَ إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِهَا ثُمَّ عَرَضَتْ لِي طَرِيقٌ عَنْ يَمِينِي فَسَلَكْتُهَا حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى جَبَلٍ زَلِقٍ فَأَخَذَ بِيَدِي فَزَجَلَ بِي فَإِذَا أَنَا عَلَى ذُرْوَتِهِ فَلَمْ أَتَقَارَّ وَلَا أَتَمَاسَكْ فَإِذَا عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ فِي ذُرْوَتِهِ حَلْقَةٌ مِنْ ذَهَبٍ فَأَخَذَ بِيَدِي فَزَجَلَ بِي حَتَّى أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ .
فَقَالَ اسْتَمْسِكْ فَقُلْتُ نَعَمْ فَضَرَبَ الْعَمُودَ بِرِجْلِهِ فَاسْتَمْسَكْتُ بِالْعُرْوَةِ فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَقَالَ رَأَيْتَ خَيْرًا أَمَّا الْمَنْهَجُ الْعَظِيمُ فَالْمَحْشَرُ وَأَمَّا الطَّرِيقُ الَّتِي عَرَضَتْ عَنْ يَسَارِكَ فَطَرِيقُ أَهْلِ النَّارِ وَلَسْتَ مِنْ أَهْلِهَا .
وَأَمَّا الطَّرِيقُ الَّتِي عَرَضَتْ عَنْ يَمِينِكَ فَطَرِيقُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَمَّا الْجَبَلُ الزَّلِقُ فَمَنْزِلُ الشُّهَدَاءِ وَأَمَّا الْعُرْوَةُ الَّتِي اسْتَمْسَكْتَ بِهَا فَعُرْوَةُ الْإِسْلَامِ فَاسْتَمْسِكْ بِهَا حَتَّى تَمُوتَ قَالَ فَأَنَا أَرْجُو أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالَ وَإِذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ) ( ).
وعن أنس قال: أتى رسولَ الله أسقف فذكر أنه رأى في منامه الأُمم كانوا يمنعون على الصراط , حتى أتت أُمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم غرّاً محجلين .
قال : فقلت: من هؤلاء الأنبياء .
قالوا: لا، قلت: مرسلون؟ قالوا: لا، فقلت: ملائكة؟ قالوا: لا، فقلت: من هؤلاء؟ قالوا: أُمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم غرّاً محجلين عليهم أثر الطهور، فلما أصبح الأسقف أسلم)( ).
وفيه دعوة للمسلمين إلى إقتباس الدروس والمواعظ من رؤيتهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتدبر فيها بذكره في المنام.
رؤيا الصحابيات
(عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أم العلاء -وهي امرأة من نسائهم-أخبرته -وكانت بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم-قالت: طار لهم في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين عثمانُ بن مظعون. فاشتكى عثمان عندنا فَمرَّضناه، حتى إذا توفي أدْرَجناه في أثوابه، فدخل علينا رسول الله فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، شهادتي عليك، لقد أكرمك الله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “وما يدريك أن الله أكرمه؟”
فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي!
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “أما هو فقد جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي!”
قالت: فقلت: والله لا أزكي أحدا بعده أبدا. وأحزنني ذلك، فنمت فرأيت لعثمان عينا تجري، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته بذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “ذاك عمله)( ).
يقوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتأويل رؤيا الصحابيات ، ومنه تأويله لرؤيا أم الفضل في بشارة ولادة الإمام الحسين عليه السلام.
(عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعجبه الرؤيا الحسنة ، فجاءت امرأة فقالت : يا رسول الله رأيت في المنام كأني أخرجت فأدخلت الجنة ، فسمعت وجبة التجّت لها الجنة ، فإذا أنا بفلان وفلان حتى عدت اثني عشر رجلاً ، وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سرية قبل ذلك ، فجيء بهم عليهم ثياب طلس تشخب أوداجهم فقيل : اذهبوا بهم إلى نهر البيدخ ، فغمسوا فيه ، فخرجوا وجوههم كالقمر ليلة البدر ، وأتوا بكراسي من ذهب فقعدوا عليها ، وجيء بصحفة من ذهب فيها بسرة ، فأكلوا من بسره ما شاؤوا ، فما يقلبونها لوجهة إلا أكلوا من فاكهة ما شاؤوا ، فجاء البشير فقال : يا رسول الله كان كذا وكذا . . . وأصيب فلان وفلان ، حتى عدَّ اثني عشر رجلاً فقال : عليّ بالمرأة فجاءت فقال : قصي رؤياك على هذا فقال الرجل : هو كما قالت أصيب فلان وفلان)( ).
تأويل أسماء بنت عميس للرؤيا
وورد ان اسماء بنت عميس كانت تفسر الرؤيا وقال ابن حجر: وكان عمر يسألها عن تفسير المنام ونقل عنها اشياء من ذلك وغيره( )، واسماء بنت عميس وكانت من قبل زوجة لجعفر الطيار فلما قتل جعفر تزوجها ابو بكر وولدت منه محمداً، وهي معروفة بالصلاح والتقوى وكان اسلامها في مكة قبل دخول دار الأرقم وبايعت ثم هاجرت الى الحبشة مع زوجها جعفر الطيار وولدت له اولاده هناك، وهي اخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمها وبعد وفاة أبي بكر وخروجها من العدة تزوجها الإمام علي عليه السلام ، وولدت له عوناً ويحيى( ).
وخبر تأويل اسماء للرؤيا يدل على مكانة المرأة في التأويل والمنزلة التي تتمتع بها اسماء في مراتب العلم والتأويل، وهو دعوة لقص الرؤيا على المرأة العارفة أماً كانت او زوجة او اختاً او بنتاً.
منزلة الهجرة في سبيل الله
لقد كان المهاجرون والأنصار النواة المباركة لإتساع رفعة الإسلام ، وقد أكرمهم الله عز وجل بذكرهم في القرآن بهذه الصفة من بين أجيال الناس المتعاقبة ، قال تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وجاءت الرؤيا لتبين ضياء من عالم الغيب في علو منزلتهم .
(كان رجلان من بني حي من قضاعة أسلما مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فاستشهد أحدهما وأخر الآخر سنة ، قال طلحة بن عبيد الله : فرأيت المؤخر منهما أدخل الجنة قبل الشهيد ، فتعجبت لذلك فاصبحت ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أليس قد صام بعده رمضان ، وصلى ستة آلاف ركعة ، وكذا وكذا ركعة صلاة سنة) ( ).
وقد بينت مضمون الحديث في الجزء السابع بعد المائتين من تفسيرنا للقرآن (قانون ذكرالله أكبر ).
(فلما هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو، وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا المدينة، فمرض فجزع فأخذ مشاقص فقطع بها براجمه ، فشخبت يداه فما رقأ الدم حتى مات.
فرآه الطفيل بن عمرو في منامه في هيئة حسنة، ورآه مغطيا يديه، فقال له: ما صنع ربك ؟
فقال: غفر لى بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.
قال: فما لى أراك مغطيا يديك .
قال: قيل لي لن يصلح منك ما أفسدت .
قال: فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم وليديه فاغفر)( ).
وهذا من الإعجاز في السنة النبوية بأن يجمع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين تأويل الرؤيا والدعاء لصاحبها ، لأنه من المهاجرين .
والمشاقص جمع مشقص وهو سهم فيه نصل عريض والبراجم مفاصل الأصابع .
وظاهر الحديث أنه لم يقصد الإنتحار وقتل نفسه ، إنما كان في حال جزع ، فتوجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالدعاء له بالمغفرة ، وفي الحديث شاهد على أن المغفرة قد تحجب عن بعض أعضاء البدن ، وفيه دعوة للمؤمنين والمؤمنات بالدعاء لأعضائهم أيضاً خاصة البطن والفرج واليد والرجل .
وموضوع هذا الحديث غير شخص من الأمم السابقة أقدم على قتل نفسه ، كما عن جندب قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع، فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات، فقال الله عز وجل عبدى بادرنى بنفسه فحرمت عليه الجنة) ( ) .
تأويل الرؤيا بتأكيد التوحيد
و(عن طفيل بن سخبرة : أنه رأى فيما يرى النائم كأنه مرّ برهط من اليهود فقال : أنتم نعم القوم لولا أنكم تزعمون أن عزيراً ابن الله فقالوا : وأنتم نعم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد . ثم مرَّ رهط من النصارى فقال : أنتم نعم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله .
قالوا : وأنتم نعم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد . فلما أصبح أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فخطب فقال : إن طفيلاً رأى رؤيا ، وإنكم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم ، فلا تقولوها ولكن قولوا : ما شاء الله وحده لا شريك له)( ).
لقد تلقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رؤيا الصحابي بالقبول ورتب عليها حكماً صحيحاً بما ينفع المسلمين في دينهم ، وفي الإحتجاج ، وهل يدخل الخبر في السنة القولية أم التقريرية ، الجواب هو الأول.
وعن (عامر بن واثلة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا نبوة بعدي إلاّ المبشرات ، قيل : يا رسول الله وما المبشرات ، قال : الرؤيا الصالحة)( ).
لبيان المنافع العظيمة تعبير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للرؤيا في إصلاح المنطق ، وأن الرؤيا عون ومدد من عند الله ، قال تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا.
رؤية الزهراء في المنام
في حياة المؤمنين والمؤمنات وفي مختلف الامصار والازمان شواهد لرؤى يرون فيها الزهراء عليها السلام في المنام وفيها تزف لهم البشارة أو يقرب الأمل والشفاء، وقد يكون فيها إخبار أو حرز، والمعروف ان الشيطان لا يتجسد في المنام بشخص الزهراء عليها السلام وذلك لعمومات آية التطهير وللأخبار الواردة عن المعصومين في المقام ، قال تعالى وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ورؤيا المسلم والمسلمة للزهراء مباركة .
روي ان الخليفة العباسي المهدي رأى في منامه شريكاً القاضي مصروفاً وجهه عنه، فلما انتبه قص رؤياه على الربيع، فقال: ان شريكاً مخالف لك وانه فاطمي محضاً .
قال المهدي: عليّ بشريك، فأتي به، فلما دخل عليه قال: بلغني انك فاطمي .
قال شريك: أعيذك بالله ان تكون غير فاطمي، الا ان تعني فاطمة بنت كسرى، قال: لا، ولكن أعني فاطمة بنت محمد.
قال: فتلعنها؟ قال: لا، معاذ الله.
قال: فما تقول فيمن يلعنها .
قال: عليه لعنة الله، قال: فألعن هذا – يعني الربيع – قال الربيع: لا والله ما العنها يا أمير المؤمنين، قال له شريك: يا ماجن فما ذكرك لسيدة نساء العالمين وابنة سيد المرسلين في مجالس الرجال .
قال المهدي : فما وجه المنام – أي تأويل رؤياه – قال: ان رؤياك ليست برؤيا يوسف عليه السلام، وان الدماء لا تستحل بالأحلام( ).
زهد الزهراء (ع)
سألت الزهراء عليها السلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاتماً فقال : الا أعلمك ما هو خير من الخاتم؟ اذا صليت صـلاة الليل فاطـلبي من الله عز وجل خاتماً تنالين حاجتك، فدعت ربها تعالى فاذا بهاتف يهتف: يا فاطمة الذي طلبت مني تحت المصلى فرفعت المصلى فاذا الخاتم ياقوت لا قيمة له من جهة الكثرة فجعلته في اصبعها وفرحت، فلما نامت من ليلتها رأت في منامها كأنها في الجنة فرأت ثلاث قصور لم تر في الجنة مثلها.
قالت: لمن هذه القصور؟ قالوا: لفاطمة بنت محمد، قالت: فكأنها دخلت قصراً من ذلك ودارت فيه فرأت سريراً قد مال على ثلاث قوائم فقالت عليها السلام: ما لهذا السرير قد مالت على ثلاث؟ قالوا: لأن صاحبته طلبت من الله خاتماً فنزع احـد القوائم وصيغ لها خاتماً وبقي السرير على ثلاث قوائم.
فلما اصبحت دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقصت القصـة.
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : معاشـر آل عبد المطلب ليس لكم الدنيا انما لكم الآخـرة، وميعادكم الجنـة ما تصـنعـون بالدنيا فانها زائلة غرارة.
فامرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان ترد الخاتم تحت المصلى فردت ثم نامت على المصلى فرأت في المنام انها دخلت الجنة فدخلت ذلك القصر ورأت السرير على اربع قوائم فسألت عن حاله فقالوا: ردت الخاتم ورجع السرير الى هيئته( ).
وبذلك تكون الرؤيا مدرسـة تأديبية وعنواناً للتعليم والإرشاد، لتكون الجنة قريبة من المؤمنين ولها وجود في اذهانهم يؤثر ايجابياً في التوجه نحو الصالحات وعدم اللهث وراء زينة ومباهج الدنيا، كما يبين الحديث حضور الرؤيا سلاحاً عند اهل بيت النبوة.
وعن الإمام الحسن العسكري عليه السلام (عن آبائه عليهم السلام أنهم قالوا : كان لفاطمة عليها السلام خاتم فصه عقيق ، فلما حضرتها الوفاة دفعته إلى الحسن عليه السلام، فلما حضرته الوفاة دفعه إلى الحسين عليه السلام.
قال الحسين عليه السلام فاشتهيت أن أنقش عليه شيئا، فرأيت في النوم المسيح عيسى بن مريم على نبينا وآله وعليه السلام، فقلت له: يا روح الله ما أنقش على خاتمي هذا؟ قال: انقش عليه لا إله إلا الله الملك الحق المبين ، فإنه أول التوراة وآخر الانجيل)( ).
رؤياي والزهراء
عندما دفعت الى المطبعة في بغداد عام 1993م أحد أجزاء كتابي الموسـوم (فلسفة الإمامة في الصـحيفة الســجادية) الذي هو محاولـة ظاهـرة لتجســيد امتلاء النفس بحب صفوة الله آل محمد عليهم السلام، عرجت على أرض كـربلاء لزيارة الحسين عليه السلام .
وفي طريق العودة إلى النجف الأشرف بعد صلاة العشــاء أردت النـوم في السيارة قليلاً للتزود بالراحة والتهيئ للتحضير والإعداد لدروس اليوم التالي الحوزوية , إذ كنت أقوم بالتدريس مع طلوع الشمس في أورقة الحوزة العلمية، ولكن ما ان أغمضت عيني طواعية حتى رأيت سـيدتنا فاطمــة الزهـراء عليها السلام وقد ألقي في روعـي بفضل الله تعالى انها الزهراء، ولم تك .
عليها السلام طويلة ولا بالقصيرة ولكنها للقصر أقرب وهي مجللة بالســواد والحجــاب , لا يمكـن ان يرى منها شيء، بما في ذلك الوجه الشريف، الذي حجب بسـتر كثيف واق، وكان الرداء الأســود وردنه يــزيد على حــد أصــابع اليد المباركة، وبقيــت هنيئــة في لحظة مباركة تتضـمن عناوين التشــريف والأمر الفيـاض بلغة الإشـارة من الأعلى.
لقد أّولت الأمر بالمبادرة الى إعداد كتاب عن سيدة نساء العالمين الزهراء البتول خاصة , وان المكتبة الإسلامية تشكو الفقر في هذا الباب.
وصدر لي والحمد لله الجزء الأول والثاني من كتاب ( الزهراء سيدة النساء )
وتحتاج المكتبة الإسلامية إلى دراسات ورسائل عن الزهراء بما يتناسب وعظيم منزلتها في الإسلام , وما لسيرتها من أثر فعال في بناء المجتمعات الإسلامية وإعداد الشخصية المؤمنة مطلقاً وبما يشمل افراد المذكر والمؤنث منها، وما لذلك من خصوصية في الأثر والتأثير تنبعث اشعاعات أنوارها الرسالية من فيض سنن سيرة الزهراء ومعالم شخصيتها التي يتكامل فيها البناء العقائدي والحس الإيماني، وأسأل الله تعالى ان تكون تلك المناسبة فيضاً مباركاً وحرزاً وواقية وبشارة شفاعتها عليها السلام.
رؤيـا الانـبـيــاء
خص الله عز وجل انبياءه بالذكر والاكرام في القرآن كما وردت فيه رؤى بعض الانبياء، وحتى رؤيا ملك مصر التي جاء ذكرها في سورة يوسف استعصى تفكيك رموزها وتعبيرها الى ان رحمهم الله بنبيه المحبوس يوسف عليه السلام. فخصته تعبيراً وآية وحجة عليهم ونجاة لـه من السجن .
وكانت مدخلاً لتقلده الوزارة ودفع شبح الجوع عن آل يعقوب وعن الناس، جاءت بياناً وتوكيداً لعظيم منافع النبوة في الارض وتعدد وجوعه الدعوة الى التوحيد ولها افاضات مباركة في ميدان الاجتماع والتربية والاحوال المعاشية وانها لا تنحصر بالمؤمنين بل تشمل غيرهم رحمة الله تعالى وحجة وعبرة وموعظة لأولي الالباب ، قال تعالى إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ.
ولتصبح تلك الآيات مدرسة تربوية للمسلمين لينهلوا من الرؤيا الدروس والموعظة فلقد تغلغلت في اعماق النفس الانسانية بسبب تزكية القرآن لها وجعلها تذكرة تنفذ في جوهر المجتمعات والهيئات كبعض من حواري الإيمان وحواشيه وربما من مقدماته وأبوابه وهي تسير بصاحبها نحو شاطىء الهدى والإيمان .
ليطل من خلالها على سواحل علم الغيب وتزرع في بصره امكانية الاختصاص برؤية حروف وكلمات المستقبل فكانت نشأتها مع بدايات وجود الانسان على سطح الارض.
وذُكر ان أول رؤيا في الارض كانت لآدم عليه السلام، عن وهب بن منبه قال: اوحى الله تعالى الى آدم انك قد نظرت في خلقي فهل رأيت لك شبهاً؟
قال: لا يارب وقد كرمتني وفضلتني فأجعل لي زوجاً تشبهني اسكن اليها حتى توحدك وتعبدك معي.
فقال الله تعالى نعم: فألقى عليه النعاس فخلق منه حواء على صورته وأراه في منامه ذلك وهي أول رؤيا كانت في الارض فأنتبه وهي جالسة عند رأسه فقال لـه ربه يا آدم ما هذه الجالسة عند رأسك؟
فقال آدم الرؤيا التي اريتني في منامي يا إلهي( ).
لقد جعل الله الرؤيا سلاحاً بيد الانبياء كونها جزءاً من كنوز الغيب وأحد مفاتحه ولانها من الابواب التي تطلع على جانب من اسرار الخليقة وادراك ضعف الانسان وعجزه ومحدودية ارادته وفعله وتفكيره.
وكثيراً من الاعمال تداركها الناس بالرؤيا التي كانت اشارة وحافزاً لفعل الخيرات ومصارعة الدنيا وسلاحاً ماضياً في الابتعاد عن مغرياتها في طريق موحش خال من مزاحمة الذين تفاعلوا مع الدنيا وتعلقوا بسلاسل وقيود زينتها ومباهجها من حب المال والولد والاهل، وشهوة البطن والفرج، ومن صفاتها الذاتية الملازمة وغير المنفكة عنها الهجر والتخلي عن القرين والمصاحب.
في حديث يحيى عليه السلام وزهده وخوفه وخروجه الى الصحراء بعد السماع الواعي للنار واوصافها وحياة اهلها ومعاشهم في حديث (فلما رأته أم يحيى دنت منه فأخذت برأسه فوضعته بين ثدييها وهي تناشده بالله أن ينطلق معها إلى المنزل فانطلق معها حتى أتى المنزل، فقالت له أم يحيى: هل لك أن تخلع مدرعة الشعر وتلبس مدرعة الصوف فإنه ألين ، ففعل ، وطبخ له عدس فأكل واستوفى فنام فذهب به النوم فلم يقم لصلاته ، فنودي في منامه: يا يحيى بن زكريا أردت دارا خيرا من داري وجوارا خيرا من جواري .
فاستيقظ فقام فقال: يا رب أقلني عثرتي، إلهي فوعزتك لا أستظل بظل سوى بيت المقدس، وقال لامه: ناوليني مدرعة الشعر فقد علمت أنكما ستورداني المهالك، فتقدمت أمه فدفعت إليه المدرعة و تعلقت به، فقال لها زكريا: يا أم يحيى دعيه فإن ولدي قد كشف له عن قناع قلبه ولن ينتفع بالعيش، فقام يحيى عليه السلام فلبس مدرعته ووضع البرنس على رأسه ، ثم أتى بيت المقدس فجعل يعبد الله عزوجل مع الاحبار حتى كان من أمره ما كان)( ).
ومما لا شك فيه ان لرؤيا الانبياء فعلاً وأثراً ومنزلة تختلف عن رؤى الناس بمقدار اختلاف الماهية والمنشأ والوظيفة، وعن الإمام الباقر عليه السلام قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه وآله: إنا معاشر الأنبياء تنام عيوننا ولا تنام قلوبنا، ونرى من خلفنا كما نرى بين أيدينا)( ) ، الا انه لا يمنع من مجيئها تأديباً واصلاحاً وانذاراً للمؤمن.
ومن الانبياء من ينتظر الوحي اثناء نومه لأن قلبه يكون ساعتها ايضاً مستعداً لتلقي الاوامر والنواهي.
عن الامام الباقر عليه السلام قال: الانبياء على خمسة انواع منهم من يسمع الصوت مثل صوت السلسلة فيعلم ما عني به ومنهم من ينبأ في منامه مثل يوسف .
ومنهم من يعاين ومنهم من ينكث في قلبه ويوقر في أذنه وأول ما بدء به من يوسف الرؤيا الصالحة.
وقد ورد في كتاب دانيال الاصحاح الثامن 1- 9 في السنة الثالثة من ملك (بيلشاصر) الملك ظهرت لي انا دانيال رؤيا بعد التي ظهرت لي في الابتداء. فرأيت في الرؤيا وكان في رؤياي وانا في (شوشن) القصر الذي في ولاية عيلام.
ورأيت في الرؤيا وانا عند نهر (أولاي) فرفعت عيني واذا بكبش واقف عند النهر ولـه قرنان والقرنان عاليان والواحد أعلى من الآخر والاعلى طالع أخيراً رأيت الكبش ينبطح غرباً وشمالاً وجنوباً فلم يقف حيوان قدامه ولا منفذ من يده وفعل كمرضاته.
وقيل إن رجلا استعدى إلى داود عليه السلام على رجل ، فادعى عليه أنه أخذ منه بقرا فأنكر المدعى عليه ، فسأل داود ، عليه السلام ، المدعي البينة فلم يقمها ، فرأى داود في منامه أن الله ، عز وجل ، يأمره أن يقتل المدعى عليه ، فتثبت داود عليه السلام ، وقال : هو المنام ، فأتاه الوحي بعد ذلك أن يقتله فأحضره ثم أعلمه أن الله يأمره بقتله ، فقال المدعى عليه : إن الله ما أخذني بهذا الذنب وإني قتلت أبا هذا غيلة ، فقتله داود ، على نبينا وعليه الصلاة والسلام ، وذلك مما عظم الله به هيبته وشدد ملكه.
ورد عن الشيخ البهائي قال: قال الشيخ العارف مجد الدين البغدادي: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام فقلت ما تقول في حق ابن سينا؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: “هو رجل اراد ان يصل الى الله بلا وساطتي فحجبته هكذا بيدي، فسقط بالنار”( ).ولكن الخبر ليس بحجة لعدم الوثوق من جهة صدوره , مع الإقرار بأن رؤية النبي وما يخبر عنه حق .
وما نسب الى الشيخ أبي علي بن سينا والمحقق نصير الدين الطوسي من القول بان الدلالة تتبع الإرادة فلم يكن المقصود منه ان الإلفاظ موضوعة للمعاني بما هي مرادة للافظ، والوجدان يقضي بان الألفاظ موضوعة لذات المعاني من غير لحاظ وإعتبار لإرادتها.
إسراء النبي (ص) في التوراة
وبخصوص اسراء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعروجه إلى السماء ورد في التوراة حكاية عن النبي دانيال :
7: 13 كنت ارى في رؤى الليل و اذا مع سحب السماء مثل ابن انسان اتى و جاء الى القديم الايام فقربوه قدامه
7: 14 فاعطي سلطانا و مجدا و ملكوتا لتتعبد له كل الشعوب و الامم و الالسنة سلطانه سلطان ابدي ما لن يزول و ملكوته ما لا ينقرض
7: 15 اما انا دانيال فحزنت روحي في وسط جسمي و افزعتني رؤى راسي
7: 16 فاقتربت الى واحد من الوقوف و طلبت منه الحقيقة في كل هذا فاخبرني و عرفني تفسير الامور( ).
رؤيا أمهات الأنبياء
لقد رأت آمنة أيام الحمل رؤيا مباركة ، وعن أبي أمامة (قال : قلت : يا رسول الله ما كان بدء أمرك .
قال : دعوة إبراهيم ، وبشرى عيسى ، ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت له قصور الشام)( ) .
وقد أخبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن قانون رؤيا أمهات الأنبياء ، أي أنهن يرين رؤيا مباركة تخص المولود ، والنفع العام الذي سيأتي معه ، إذ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إنّي عبدالله في أُمّ الكتاب لخاتم النبييّن وإنّ آدم لمجدل في طينة وسوف أنبئكم بذلك دعوة إبراهيم وبشارة عيسى(عليهما السلام) قومه .
ورؤيا أْمي التي رأت إنّه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام وكذلك ترى أمّهات النبييّن)( ).
لتكون هذه الرؤيا سور الموجبة الكلية ، ومن المقدمات لحفظ النبي والرسول ، وهو حمل ، ولإخبار أمه أنه أمانة عظمى عندها سواء في حمله أو رضاعته ( ).
سلامة النبي (ص) وهو حمل في بطن أمه
في رؤيا آمنة بنت وهب بخروج نور منها دعوة لها للعناية بحملها ، ومواساة بوفاة زوجها ، وإخبار سماوي بأن المولود سيكون له جاه وشأن عظيم يتعدى حدود مكة والجزيرة , والشام هنا كناية عن بلدان العالم .
وفيه نكتة وهي أنه حينما جاء أبرهة وجنوده لهدم البيت الحرام كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حملاً في بطن أمه فان الله عز وجل أراد أن يشد عضدها ويلقي عليها الصبر على الحمل ، والعناية به ، وعدم الجزع أو الخوف من أبرهة وجنوده ، إذ قد يسبب الفزع الشديد للحامل الإسقاط ، ولبيان لطف الله عز وجل بأمه بأن يكون هذا الحمل سبباً لبعث السكينة في نفسها , ونزول سخط وغضب الله بأبرهة وجيشه.
ولو دخل أبرهة وجنوده مكة لاستباحتها ، وبقرت بطون النساء ، فرد الله عز وجل كيد أبرهة وهو الذي توثق من السماء بقوله تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ *فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ.
عددُ الرؤى في القرآن سبعةٌ
لقد جعل الله عز وجل القرآن تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، ومنه قوانين الرؤيا الصادقة ودلالاتها ، واستنباط المسائل من رموزها وما فيها من المشاهدات والإرشادات .
وقد وردت في القرآن سبعة من الرؤى ، كما تكرر لفظ (سبع) ست عشرة مرة في القرآن منها ثماني مرات في قصة رؤيا ملك مصر الأعظم في ست آيات متتالية ، وهي الآيات (43-48) من سورة يوسف ، وتكرر لفظ سبع و(السبع) عدة مرات في خلق السموات ، قال تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
وانفرد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باثنتين منها ، فهو الوحيد الذي خصه الله عز وجل باثنتين منها ، وهذه الرؤى السبعة هي :
الرؤيا الأولى : وردت ضمن قوله تعالى إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، وقد تقدم البيان والتفصيل
الرؤيا الثانية : وردت في قوله تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا.
ومن الإعجاز في المقام إخبار آية البحث عن الرؤيا بالواسطة وبدليل تحقق مصداقها لبيان بديع صنع الله وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وهو دخول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه المسجد الحرام مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ في عمرة القضاء ، [فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا] هو صلح الحديبية ، ونسبه الثعلبي إلى أكثر المفسرين ، وقيل هو فتح خيبر .
ويفسر القرآن بعضه بعضاً ، إذ سمّى الله عز وجل صلح الحديبية فتحاً مبيناً ، بقوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.
وصحيح أن الآية لم تخبر عن ذات الرؤيا وأوانها ، ولكن السنة النبوية دلّت عليها ، إذ أخبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل الخروج إلى الحديبية أنه رأى في المنام أنه وأصحابه يدخلون مكة آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين ، فأخبرهم فلما صدهم المشركون في الحديبية في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة أصابهم الحزن وتساءل عدد منهم ، وتكلم المنافقون بريب.
فنزلت آية البحث بتأكيد تحقق دخولهم المسجد الحرام قادم الأيام بأمان ، وليكون موضوع الآية البشارة لأجيال المسلمين بأداء فريضة الحج بأمان وسلام وانقطاع دابر الشرك في الجزيرة .
الرؤيا الثالثة : وردت في قوله تعالى فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.
ولقد بادر إبراهيم عليه السلام لفعل ما رآى في المنام لبيان مصداق بأن الله عز وجل يجعل النبي يدرك بأن هذه الرؤيا من الوحي ، وليس هي رؤيا صادقة فقط .
ويدل عليه قول إسماعيل له [يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ] فتفضل الله عز وجل بفداء إسماعيل ، قال تعالى وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، لبيان قانون محو رؤيا الإنذار بالدعاء والصدقة والفداء .
الرؤيا الرابعة : جاءت في قوله تعالى إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ.
وهذه الرؤيا من أربع رؤى وردت في سورة يوسف على نحو الخصوص غيرت وتأويلها مجرى تأريخ الإنسانية ، وكانت مقدمة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرؤيا الخامسة والسادسة : وهما رؤيتا الغلامين صاحبي يوسف في السجن ، كما في قوله تعالى وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.
ولولا هذه الآية لا يتوقع المسلم أن من الأنبياء من يدخل السجن مع عامة الناس وأصحاب الجنايات ، فينشر الإحسان واللطف والرحمة ويكون سجنه مقدمة لتوليه الوزارة في مصر ، وهل سجن يوسف مقدمة بعيدة لفتح المسلمين مصر بسلام ، الجواب نعم ، وهو من البشارة في قوله تعالى ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ.
ولا تمنع لغة الخطاب في الآية أعلاه لخصوص آل يعقوب من المعنى الأعم لقانون المدار في تأويل الآية على المعنى الأعم إلا مع الدليل على التخصيص.
الرؤيا السابعة : وهي رؤيا ملك مصر ، قال تعالى وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ.
ليختص يوسف عليه السلام بتأويلها ، وتكون مفتاح النجاة له ولأهل مصر، وشاهداً على بركة النبوة وحاجة الناس إليها ، ولزوم عدم الإستخفاف بالرؤيا سواء كانت رؤيا بشارة أو إنذار ، ذات صفة خاصة أو صبغة عامة .
ولبيان أن فضل الله عز وجل على الناس أعم من الوحي والتنزيل ، فقد يأتي الإخبار من عند الله بالرؤيا للملوك والحكام والرؤساء والملأ من الناس .
لبيان قانون الرؤيا الصادقة من مصاديق قوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ.
رؤيـا الصــالحـين
الصلاح ضد الفساد، ومن الناس من هو صالح في نفسه أو من قوم صلحاء ، ومصلح في اعماله وشؤونه ، قد اصلحه الله ، قال تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ. هؤلاء ينالهم نصيب وافر من الرؤيا الصالحة ، وهم خير مناخ في دراسة ميدانية للرؤيا كعينات نموذجية تعكس الرؤيا وتعبيرها وآثارها ومنزلتها اللائقة عندهم استقبالاً واستسلاماً ورضاً وايماناً.
ورب فرد نقلته الرؤيا الى درجة الصلاح التي هو فيها بعد ان كان يقف على الجانب المغاير او يكاد يشرف على الهاوية، مما يدل على ما للرؤيا من منزلة في سبل الهداية والصلاح.
فلا غرابة ان تتخذ الرؤيا في هذا الزمان أو الازمان اللاحقة آلة للعلاج النفسي وتوجيه الاشخاص لغايات ومقاصد معينة، ويبقى السبق في ذلك للاسلام لا من خلال اعتبارات وحسابات ذات أبعاد محددة، بل لما للرؤيا من دلالات واقعية وظاهرية بوجوهها الثلاث المطابقية والالتزامية والتضمنية.
الرؤيا سبب للإنابة والصلاح
في التأريخ شواهد كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر (ان رجلاً من المترفين ممن قد بسط لـه في دنياه وليس لـه من شغل في نهاره الا تجديد لذاته واصلاح شهواته وأكل اطيب الطعام وشرب ألذ الشراب وكان لا ينام الا على سرير معلق في الهواء وسطه قبة لـه مخافة دبيب يعرض لـه او غبار يصيبه ولم يتزود للآخرة ولم يطلب التفقه في الدين ولم يكن للموت ذاكراً، محتقراً لأمور الناس، مزرياً من دونه معرضاً عن الفقراء، متهاوناً بأمر الدين.
ثم اراد الله ان ينبهه من نوم غفلته ورقدة جهله عبرة لغيره وعظة لمن سواه وبينما هو ليلة نائم على فراشه فوق سريره معانقاً لحبيبته وابواب داره مغلقة وستوره مسبلة وحول سريره شموع تزهر وعلى ابواب داره وخدمة غلمانه مستيقظين اذ رأى فيما يرى النائم كأنه في برية مقفرة وحده وهو عريان جائع عطشان وبدنه مسود وشعره طويل وجسده ملوث وعلى ظهره ثقل واذا هو بأسودين منكرين خلقهما، طويل قامتهما، وعيونهما تبرق، من مناخرهما يخرج الدخان، ومن شدقيهما تلتهب النيران، وبأيديهما حراب حداد وهما يقتربان نحوه ليأخذاه.
فلما رآهما ولى هارباً من بين ايديهما وهما يتبعانه حتى اذا مضى في هربه اذا هو انتهى الى قمته هوى من الجانب الاخر من واد منكساً على رأسه حتى وقع في بئر يخرج منها دخان متعكر يأخذ بالانفاس ولهب يشوي الوجوه والاسودان في اثره لا يفارقانه.
من هول ما رأى وعظم ما عاين وشدة ما لقى، صرخ في منامه صرخة واضطرب اضطراباً شديداً ووقع من سريره الى الارض وانتبه كل من كان في داره ومن حولـه من جيرانه من شدة زعقته وطاش عقل لسانه.
واجتمع حولـه كل من كان في داره من خدمه وغلمانه واقربائه يسألونه ما الذي اصابه .
فلم يطلق جواباً بقية ليلته حتى اذا اصبحوا وجمع لـه المعزمون والراقون وظنوا انه اصابه لمم من الجن او سحر من الاعداء ووسواس من الشيطان فقال لهم ليس بي ما تظنون، ولكن رأيت رؤيا هالتني وافزعتني وادهشتني .
فجمع لـه المعبرون وقص رؤياه عليهم: فقال بعضهم اضغاث احلام وقال بعضهم هذا خلط سوداوي ومزاج غليظ وقال اخر، لا بل فكر رديء وتخيل فاسد ، وقال آخر لا بل هو من الجن .
وتكررت رؤياه وهو مرتعد لا ينام ولا ينام معه اهله ولا خدمه، وجمع لـه الاطباء فوضعت لـه الحمية والاستفراغ والشربة وظنوا انه نافع من هذا العارض ففعل وما نفع شيء وتكررت الرؤيا في الاسبوع الاخر وجمع لـه المنجمون والمعزمون والعارفون وسئلوا عن موجبات احكام النجوم فذكروا ان مثل هذا العرض يعرض للانسان من اجل ان يكون في اصل مولده من استيلاء النحوس على طالعه واحد الاوتاد في تحويل السنين والشهور، فقيل لهم فما الدواء النافع منه والمنجي لـه؟ فقالوا نختار لـه يوماً يكون القمر متصلاً بالسعود وطالعاً جيداً يكون السعد في الاوتاد والنحوس سواقط عنها ويتحول في ذلك الوقت من بلد الى بلد او محلة الى محلة او من دار الى دار.
وشاع امره في الناس وتناقلته الاخبار في البلاد وصار موضع شفقة بعد ان كان بحال غبطة واصبح الذين تمنوا مكانه بالامس خائفين ان يصيبهم مثلما اصابه من البلوى، فبينما جماعة من جيرانه قعود على الطريق في حديثه اذ مر بهم احد الجيران يعرف بالناسك وكان من اهل الدين والعلم والسر فقيل لـه كيف غمك على فلان جارك؟
قال كغم أب مشفق طبيب على ولد عليل، فقيل وكيف ذلك؟ قال لأن عندي تأويل رؤياه ودواء دائه. فقيل لـه ولم لا تقصده وتعرفه ما عندك؟ قال: انه لا يسمع قولي ولا يقبل نصيحتي وازهد الناس في علم رجل جيرانه.
ولكن اخبركم انا وعرفوه انتم ولا تذكروني عنده فاني خائف الا يقبل استصغاراً لما اقول او يعمل من غير يقين فلا ينفعه.
قالوا لـه عرفنا نسمع ما تقول؟ فقال: اما رؤياه البرية المقفرة فهي براءته من الدنيا وتبرأها منه يوم يموت.
واما فقره فهو فقره بعد الموت وشدة الحاجة في الاخرة الى الزاد .
واما عريه فهو عرى من الاعمال الصالحة التي لها ثواب الاخرة واما جوعه وعطشه فهو رغبته وحرصه في طلب شهوات الدنيا .
واما سواد بدنه فهو سواد وجهه عند الله لسوء اعماله.
واما طول شعره فهو شعور طويل في الآخرة ويتمنى الرجعة الى الدنيا ولا سبيل لـه الى ذلك. واما الثقل الذي رأى ظهره فهو ثقل اوزاره وسوء اعماله .
وأما الشخصان المنكران فهو منكر افعاله ونكير اخلاقه وسوء عادته لا يفارقانه وحيثما ذهب يتبعانه، واما الجبل الشاهق فهو جبلته وعادته التي هو عليها ومشقة الشاهق شقاء يناله بعد الموت الا ان يتوب ويرجع الى الله عن اثمه.
واما المسلك الوعر فهو طريق الاخرة التي لا بد من سلوكها بنصب وعناء. واما الوادي فهو وادي جهنم والبئر هي الهاوية التي اليها تصير نفوس الاشرار وارواح الفجار فقولوا لـه ان هو بادر وتدارك وتلافى قبل الموت والا فسيكون مصير نفسه الى هناك بعد الموت. فان الله تعالى اراد بهذه الرؤيا ان يعظه ويذكره وليتوب ويرجع عما هو فيه من الغفلة في أمر الآخرة والحرص على الدنيا.
قالوا لـه: فما دواؤه؟
قال يتوب بنية صادقة ويعزم عزماً صحيحاً ويرجع الى الله ويتوب مما سلف ويتصدق بشطر من فضول ماله على الفقراء والمساكين ويلبس اخشن الثياب ويصوم يومين من كل اسبوع ويمشي الى المساجد خاضعاً ويتفقه في الدين ويستعمل القرابين ويصلي في ظلمة الليل ويستغفر في الاسحار ويسأل الله تعالى ان يكشف ما به وانه تعالى يفعل ذلك ان شاء.
فقام القوم من ساعتهم ودخلوا عليه وعرفوه بحقيقة ما اصابه ومما هو خائف مترقب لـه ثم اخبروه بما قال الناسك فقال لهم: من اين لكم هذا التأويل؟ ومن وصف لكم هذه الرؤيا؟
فقالوا: اخبرنا العالم في الدين الناصح الذي لا نشك فيما قاله.
فقبل قولهم وجمع جماعة من العلماء والفقهاء واهل الدين فاخبرهم بما قيل لـه فقالوا حقاً ما قيل وصواباً ما وصف.
فسألهم عن ذلك في التوبة النصوح كيف يكون وعن فقه الدين وطريق الآخرة وامر المعاد وصفة الجنان وثواب الاخيار واين يكون منقلب الاشرار فوصفوا لـه ما هو مذكور في القرآن وما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقبل ما قالوه وفعل الذي امروه بين شك ويقين وخوف ورجاء.
فلما كان في ذلك الوقت وهو ساجد اذ غلبه النوم فرأى في منامه كأنه في تلك البرية بعينها وقد اخضرت من العشب والكلأ وقد تفتحت ازهار الرياحين وفاح نسيمها فاذا هو على رأس قمة عليها من الماء عين الزلال وكأنه قد اغتسل من مائها فتناثر عن بدنه ذلك الشعر والدرناء وقد البس ثياباً جدداً وتفوح في رأسه الطيب واذا هو بشخصين قائمين امامه كأنهما صورتان من النور تشف ابدانهما عليهما زي الجمال ومحاسن الكمال ورونق الشباب وهما يبتسمان في وجهه كالمستبشرين لـه يشيران اليه بالنظر الى قدام. وهو بفضاء فسيح في رؤيا لطيفة سعيدة فانتبه داهشاً يتمنى ان ينام فيرى تلك الرؤيا ثانياً بعد ان كان كارهاً للنوم مخافة ان يرى رؤياه الاولى فأزداد ايماناً. .القصة ( ).
وسردت القصة على طولها وتفاصيلها خلافاً لمنهجنا في البحث لما فيها من نكت ودروس وعبر في علم الرؤيا ومنافعها في صلاح الافراد والأسر، قال تعالى نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ .
حكمة لقمان
لم يكن نبياً لقمان الحكيم ولا ملكاً وقص الله أمره في القرآن مكانتها واثرها في اعداده فضلاً ولطفاً من الله تعالى، عن الامام جعفر الصادق عليه السلام قال (وان الله تبارك وتعالى امر طوائف من الملائكة حين انتصف النهار وهدأت العيون بالقائلة فنادوا لقمان حيث يسمع ولا يراهم فقالوا يا لقمان هل لك ان يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس فقال لقمان ان امرني ربي بذلك فالسمع والطاعة لأنه ان فعل بي ذلك اعانني عليه وعلمني وعصمني وان هو خيرني قبلت العافية فقالت الملائكة يا لقمان لم قلت ذلك قال لأن الحكم بين الناس بأشد المنازل من الدين واكثر فتنا وبلاء ما يخذل ولا يعان ويغشاه الظلم من كل مكان وصاحبه منه بين امرين ان اصاب فيه الحق فبالحري ان يسلم وان اخطأ اخطأ طريق الجنة ومن يكن في الدنيا ذليلا ضعيفا كان اهون عليه في المعاد من ان يكون فيه حكما سريا شريفا ومن اختار الدنيا على الاخرة يخسرهما كلتاهما تزول هذه ولا يدرك تلك قال فعجبت الملائكة من حكمته واستحسن الرحمن منطقه فلما امسى واخذ مضجعه من الليل انزل الله عليه الحكمة فغشاه بها من قرنه الى قدمه وهو نائم وغطاه بالحكمة غطاء فاستيقظ وهو احكم الناس في زمانه وخرج على الناس فنطق بالحكمة)( ).
وقد أكرم الله عز وجل لقمان بأن خص سورة من القرآن باسمه، وذكره بقوله تعالى وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.
وعن ابن المبارك قال (لما رأى لقمان يعدو خلف قيصر فراسخ فقيل له يا ولي الله تعدو خلف هذا الكافر ؟ قال نعم لعلي أسأله في مؤمن فيجيبني فيه)( ) .
ولم يرفع ابن المبارك الخبر ، ولا دليل على اقتران زمان لقمان بزمان ومكان قيصر .
وقيل (من رأى لقمان يرزقه الله تعالى حكمة وسداداً ورأيا صالحاً)( ) وهذا التأويل ليس مطلقاً فربما تدل الرؤيا على فوات فرصة تعلم الحكمة والفقاهة ، إذا كانت للإنذار.
من أنواع الرؤيا
ومن الرؤيا ما كانت في باب غير متوقع لصاحبها ولوجه بعيد مناله، ومنها ما ترى تحقيقها يتم بسرعة وانقلاب واستحالة.
لما اتي بصفية بنت حيي الى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم شاهد النبي صلى الله عليه واله وسلم اثراً في وجهها لم يزل بعد لم يندمل سألها ما هو.
فاخبرته انها كانت قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع بن ابي الحقيق ان قمراً وقع في حجرها وقصت رؤياها على زوجها.
فقال: ما هذا الا انك تتمنين ملك الحجاز محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولطم وجهها لطمة اخضرت عينها منها وزفت لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهي لم تزل بعد.
وقد تحقق مصداق الرؤيا، وإذا كان القمر يطل على أهل الأرض هلالاً رفيعاً ثم يأخذ بالإتساع إلى أن يصبح بدراً في ليالي البيض ويأخذ بالنقصان التدريجي القهري فيختفي في ليالي المحاق ثم يبدأ دورته من جديد في آية كونية، فإن أنوار نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم تطل على الأرض في الليل والنهار وعلى مدار السنة في آية تشريعية تتضمن الهداية للناس وإرشادهم لسبل الصلاح ومنها إتخاذ الهلال آلة مناسبة للعبادات مثل الحج والصيام قال تعالىفَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.
لقد أنعم الله عز وجل بالرؤيا كبشارة للاقتران الكريم بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهي تدل بالدلالة التضمنية على تحقق النصر للمسلمين وأراد الله عز وجل بها انذاراً لزوجها وقومه، فلو أيقن بها وأسلم لظل على حاله ومنزلته لذا يجب عدم التفريط برؤيا الانذارات.
قانون الرؤيا مدد
ومما اصبح متعارفاً ان الرؤيا كانت وراء إسلام الكثير من الناس. فمنهم من احسن الى فقراء اهل البيت مع كفره فرأى ما ناله من ثواب فبادر لينهل ثواباً واجراً عظيماً بالاسلام .
ومنهم على العكس من ذلك اساء لبعض المؤمنين فرأى ما افزعه فكانت تأديباً وتوجيهاً نحو اعتناق الاسلام وفيها هبة وفضل من الله عليهم .
عن الحسن بن ذكوان وكان رجلاً معمراً قال رأيت علياً عليه السلام في النوم وانا في بلدي فخرجت اليه الى المدينة فاسلمت على يده وسماني الحسن وسمعت منه احاديث كثيرة وشهدت معه مشاهده كلها .
فقلت لـه يوماً من الايام: يا أمير المؤمنين ادع الله لي .
فقال لي يا فارسي انك ستعمر وتحمل الى مدينة يبنيها رجل من بني عمي العباس تسمى في ذلك الوقت بغداد ولا تصل اليها وتموت بموضع يقال لـه المدائن ، فكان كما كان ( ).
وقد تكون الرؤيا سبباً في تغيير نوع العمل او مكان السكن وغير ذلك من امور الحياة والاحوال الشخصية، فقد روي عن الشيخ عبد الصمد والد الشيخ البهائي انه رأى في المنام ان القيامة قد قامت وجاء الامر من الله سبحانه وتعالى برفع ارض البحرين وما فيها الى الجنة، فلما رأى هذه الرؤيا آثر الجوار فيها والموت في ارضها ورجع من مكة المشرفة وجاء البحرين. وتوفي في ثمان خلـون من ربيع الاول من السنة الرابعة والثمانين بعد التسعمائة( ).
أصيب الحسين وعليه دين بضعة وسبعون ألف دينار، فأهتم علي ابن الحسين بدين أبيه حتى إمتنع من الطعام والشراب والنوم في أكثر أيامه ولياليه، فأتاه في المنام فقال: لاتهتم بدين أبيك فقد قضاه الله عنه بمال بجنس، فقال علي: والله ما أعرف في أموال أبي مال يقال له بجنس .
فلما كان من الليلة الثانية رأى مثل ذلك فسأل عنه أهله: كان لأبيك عبد رومي يقال له بجنس أستنبط له عيناً بذي خشب، فسأل عن ذلك فأخبر به، فما مضت بعد ذلك إلا أيام قلائل حتى أرسل الوليد بن عتبة بن أبي سفيان إلى علي بن الحسين يقول له: أنه قد ذكرت لي عين لأبيك بذي خشب، تعرف بجنس، فاذا أحببت بيعها إبتعتها منك، قال علي بن الحسين: خذها بدين الحسين وذكره له، قال قد أخذتها، فأستثنى منها سقى ليلة السبت لسكينة) ( )،(وبإسناد عن أبي جعفر الباقر عليه السلام أن الحسين قتل وعليه دين، وأن علي بن الحسين زين العابدين باع له بثلاث مائة ألف، لقضي دين الحسين عليه السلام وعدات كانت عليه) ( ).
الرؤيا شعبة من خلافة الأرض
لقد أكرم عز وجل الإنسان بمنزلة سامية أبهرت الملائكة إذ قال تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، فتساءل الملائكة عن الخليفة وماهيته وصفته وكيف يكون في الأرض ، وقالوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ.
ولم يحتج الملائكة على خلق الإنسان ، وخلافته في الأرض ، إنما قالوا كيف يكون مع الخليفة من يدنس الأرض وهي ملك لله عز وجل بالفساد وجريان الدم ظلماً وعدواناً فهم سألوا الله عز وجل أن لا يكون فرعون في مواجهة موسى ولا مشركوا العرب في محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فاجابهم الله [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ] ( ).
ومن علم الله عز وجل غرق فرعون عند إصراره على اللحوق بموسى وهارون وبني إسرائيل .
وقتل أبي جهل وعدد من رؤساء قريش في معركة بدر بعد ابتدائهم بالقتال ، وفي معركة أحد نزل قوله تعالى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ( )، وقوله لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ ( ).
ولم تمر ثماني سنوات على هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة حتى تم فتح مكة سلماً من غير قتال ، وهو من مصاديق رد الله عز وجل على الملائكة إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، ومنه عالم الثواب والعقاب في الآخرة لتقوم الملائكة بسوق المؤمنين إلى الجنة ، وسوق الكافرين إلى النار .
ومن خلافة الإنسان في الأرض تلقيه البشارة والإنذار وليس من حصر لوسائل هذا التلقي فهي كونية ، وتنزيلية ، وعقلية ، ونقلية ، ووجدانية ، وتجريبية ومنها روحية مثل رؤيا المنام التي تأتي بالبشارة والإنذار الخاص والعام ولأمور المعاش ، وسبل الإستقامة ، والزجر عن ارتكاب المعاصي والسيئات ، وما فيها من الرموز والأمثلة والترغيب والترهيب لإرشاد أولي الألباب.
وعن محمد بن قيس أن عطاء سأل الإمام أبا جعفر الباقر عليه السلام (ونحن بمكة عن هاروت وماروت فقال ابوجعفر ان الملائكة كانوا ينزلون من السماء إلى الارض في كل يوم وليلة يحفظون اوساط اهل الارض من ولد آدم والجن ويكتبون اعمالهم ويعرجون بها إلى السماء.
قال فضج اهل السماء من معاصي اهل الارض فتوامروا فيما بينهم مما يسمعون ويرون من افترائهم الكذب على الله تبارك وتعالى وجرءتهم عليه ونزهوا الله مما يقول فيه خلقه ويصفون، فقال طائفة من الملائكة (يا ربنا ما تغضب مما يعمل خلقك في ارضك ومما يصفون فيك الكذب ويقولون الزور ويرتكبون المعاصي وقد نهيتهم عنها ثم انت تحلم عنهم وهم في قبضتك وقدرتك وخلال عافيتك.
قال ابوجعفر عليه السلام فاحب الله ان يرى الملائكة القدرة ونافذ امره في جميع خلقه ويعرف الملائكة ما من به عليهم ومما عدله عنهم من صنع خلقه وما طبعهم عليه من الطاعة وعصمهم من الذنوب، قال فاوحى الله إلى الملائكة ان انتخبوا منكم ملكين حتى اهبطهما إلى الارض ثم اجعل فيهما من طبايع المطعم والمشرب والشهوة والحرص والامل مثل ما جعلته في ولد آدم ثم اختبرهما في الطاعة لي، فندبوا إلى ذلك هاروت وماروت وكانا من اشد الملائكة قولا في العيب لولد آدم واستيثار غضب الله عليهم.
قال فاوحى الله اليهما ان اهبطا إلى الارض فقد جعلت فيكما من طبايع الطعام والشراب والشهوة والحرص والامل مثل ما جعلته في ولد آدم.
قال ثم اوحى الله اليهما انظرا ان لا تشركا بي شيئا ولا تقتلا النفس التي حرم الله ولا تزنيا ولا تشربا الخمر.
قال ثم كشط عن السماوات السبع ليريهما قدرته ثم اهبطهما إلى الارض في صورة البشر ولباسهم فهبطا ناحية بابل فوقع لهما بناء مشرق فاقبلا نحوه.
فاذا بحضرته امرأة جميلة حسناء متزينة عطرة مقبلة مسفرة نحوهما، قال فلما نظرا اليها وناطقاها وتأملاها وقعت في قلوبهما موقعا شديدا لموقع الشهوة التي جعلت فيهما.
فرجعا اليها رجوع فتنة وخذلان وراوداها عن نفسهما فقالت لهما ان لي دينا ادين به وليس اقدر في ديني على ان اجيبكما إلى ما تريدان إلا ان تدخلا في ديني الذي ادين به.
فقالا لها وما دينك؟ قالت لي آله من عبده وسجد له كان لي السبيل إلى ان اجيبه إلى كل ما سألني، فقالا لها وما الهك قالت الهي هذا الصنم قال فنظر احدهما إلى صاحبه فقال هاتان خصلتان مما نهانا عنهما الشرك والزنا لانا ان سجدنا لهذا الصنم وعبدناه اشركنا بالله وانما نشرك بالله لنصل إلى الزنا وهو ذا نحن نطلب الزنا وليس نخطأ الا بالشرك فائتمرا بينهما.
فغلبتهما الشهوة التي جعلت فيهما، فقالا لها فانا نجيبك ما سألت.
فقالت فدونكما فاشربا هذا الخمر فانه قربان لكما عنده به تصلان إلى ما تريدان، فائتمرا بينهما فقالا هذه ثلاث خصال مما نهانا ربنا عنها الشرك والزنا وشرب الخمر وانما ندخل في شرب الخمر والشرك حتى نصل إلى الزنا فائتمرا بينهما، فقالا ما اعظم البلية بك قد أجبناك إلى ما سألت.
قالت فدونكما فاشربا من هذا الخمر واعبدا هذا الصنم واسجدا له، فشربا الخمر وعبدا الصنم ثم راوداها من نفسها فلما تهيأت لهما وتهيئا لها دخل عليهما سائل يسأل.
فلما رء اهما ورأياه ذعرا منه فقال لهما انكما لامرءان ذعران فدخلتما بهذه المرأة العطرة الحسناء ، انكما لرجلا سوء وخرج عنهما.
فقالت لهما لا والهي لا تصلان الآن الي وقد اطلع هذا الرجل على حالكما وعرف مكانكما ويخرج الآن ويخبر بخبركما.
ولكن بادرا إلى هذا الرجل فاقتلاه قبل ان يفضحكما ويفضحني ثم دونكما فاقضيا حاجتكما وانتما مطمئنان آمنان.
قال فقاما إلى الرجل فادركاه فقتلاه ثم رجعا اليها فلم يرياها وبدت لهما سوء اتهما ونزع عنهما رياشهما واسقط في ايديهما، قال فاوحى الله اليهما انما اهبطتكما إلى الارض مع خلقي ساعة من النهار فعصيتماني باربع من معاصي كلها قد نهيتكما عنها فلم تراقباني فلم تستحيا مني وقد كنتما اشد من نقم على اهل الارض للمعاصي واستسجز اسفى وغضبى عليهم، ولما جعلت فيكما من طبع خلقي وعصمني اياكما من المعاصي فكيف رأيتما موضع خذلاني فيكما، اختارا عذاب الدنيا او عذاب الآخرة، فقال احدهما لصاحبه نتمتع من شهواتها في الدنيا اذ صرنا اليها إلى ان نصير إلى عذاب الآخرة .
فقال الآخر ان عذاب الدنيا له مدة وانقطاع وعذاب الآخرة قائم لا انقضاء له فلسنا نختار عذاب الآخرة الدائم الشديد على عذاب الدنيا المنقطع الفاني.
قال فاختارا عذاب الدنيا وكانا يعلمان الناس السحر في ارض بابل ثم لما علما الناس السحر رفعا من الارض إلى الهواء فهما معذبان منكسان معلقان في الهواء إلى يوم القيامة)( ).
وق ذكر المجلسي هذا الخبر في بحار الأنوار ، ونقل مثله عن ابن عباس( ).
وعقب على خبر ابن عباس بالقول (واعلم أن هذه الرواية فاسدة مردودة غير مقبولة، لانه ليس في كتاب الله ما يدل عليها)( ).
ثم ذكر الخبر أعلاه عن محمد بن قيس عن الإمام الباقر عليه السلام عن تفسير علي بن إبراهيم ، ومثله في تفسير العياشي ، ومع ورود النص فلابد من توجيه الخبر بأن الله عز وجل نزع عن هاروت وماروت صفة الملوكية ، وتحولا إلى صفات البشر بأجسام كثيفة ، والجمع بين العقل والشهوة ، قال تعالى وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ.
وقيل (لا تعويل عليه لما أن مدارَه روايةُ اليهود مع ما فيه من المخالفة لأدلة العقل والنقلِ ، ولعله من مقولة الأمثال والرموز التي قصد بها إرشادُ اللبيب الأريبِ بالترغيب والترهيب وقيل : هما رجلان سُمِّيا ملكين لصلاحهما)( ).
وهل الرؤيا الصادقة من مصاديق قوله تعالى إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، في رد الله عز وجل على الملائكة ، الجواب نعم ، من وجوه:
الأول : قانون الرؤيا الصادقة تذكير بسلطان الله على النفوس ، وهل الرؤيا من مصاديق وأسباب الرعب الذي قذفه الله في قلوب الذين كفروا ، بقوله تعالى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ، الجواب نعم .
الثاني : كل من البشارة والإنذار نعمة ومن مصاديق قوله تعالى فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ، لذا قد تأتي الرؤيا للكافر لتمنعه وغيره من الضلالة والإصرار على المعصية .
لقد خرج كفار قريش من مكة متوجهين نحو معركة بدر بذريعة إنقاذ قافلة أبي سفيان من تعرض محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، والمختار أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقصد الإستيلاء على القافلة في خروجه من المدينة خاصة وأنه خرج وليس معه سلاح ، إنما كانت كتيبة استطلاع ونشر للدعوة والتبليغ .
وعندما وصل كفار قريش إلى الجحفة وتبعد عن مكة نحو (180) كم نزلوا فيها ، رأى (جُهَيْمُ بْنُ الصّلْتِ ابْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ رُؤْيَا.
فَقَالَ إنّي رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النّائِمُ وَإِنّي لَبَيْنَ النّائِمِ وَالْيَقِظَانِ . إذْ نَظَرْت إلَى رَجُلٍ قَدْ أَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ حَتّى وَقَفَ وَمَعَهُ بَعِيرٌ لَهُ ثُمّ قَالَ قُتِلَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَأَبُو الْحَكَمِ بْنُ هِشَامٍ وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ ، وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ فَعَدّدَ رِجَالًا مِمّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ ، ثُمّ رَأَيْتُهُ ضَرَبَ فِي لَبّةِ بَعِيرِهِ ثُمّ أَرْسَلَهُ فِي الْعَسْكَرِ فَمَا بَقِيَ خِبَاءٌ مِنْ أَخْبِيَةِ الْعَسْكَرِ إلّا أَصَابَهُ نَضْحٌ مِنْ دَمِهِ . قَالَ فَبَلّغْت أَبَا جَهْلٍ فَقَالَ وَهَذَا أَيْضًا نَبِيّ آخَرُ مِنْ بَنِي الْمُطّلِبِ سَيَعْلَمُ غَدًا مَنْ الْمَقْتُولُ إنْ نَحْنُ الْتَقَيْنَا)( ).
وقوله (واني لبين النائم واليقظان) شاهد على صدق الرؤيا وأنها أقرب إلى الواقع القريب ، ولبيان أن الكافر يرى الرؤيا الإنذار العامة .
الثالث : الرؤيا بشارة أو إنذار .
الرابع : قانون الرؤيا موعظة .
الخامس : قانون الرؤيا الصادقة مانع من التمادي في الغي والغرور.
السادس :إدراك الإنسان بأن الرؤيا الصادقة من عند الله وأنها من علوم الغيب .
السابع : قانون الرؤيا الصالحة استدامة لخلافة الإنسان في الأرض باصلاح الناس لعمارتها بالذكر والصلاة والتسبيح والتهليل .
الثامن : قانون الرؤيا الصادقة من حب الله عز وجل للناس ، لما فيها من النفع الخاص والعام .
لقد تحدثت آيات الرؤيا في القرآن عن الحصاد العام في مصر منه تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا، ليكون منافع وحصاد الرؤيا كثيرة ولا يعلمها ويحصيها إلا الله عز وجل من جهة تهذيب النفوس ، وإصلاح المجتمعات .
الرؤيا من نفخ الروح في آدم
لما أخبر الله عز وجل الملائكة إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، فلابد أن هذا الخليفة له خصائص وصفات تؤهله إلى مرتبة الخلافة ، وهذه الصفات كسبية برزق وفضل من عند الله عز وجل .
فلما خلق الله آدم بلحمه وعظامه وأعصابه وعروقه وحواسه وجعل كل عضو في موضع خاص لا يناسبه غيره وهو من مصاديق لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، فنفخ الله عز وجل فيه من روحه لتدب الحياة فيه ، ويكون ذا عقل وتدبير وأهلية للتعلم والكسب والتحصيل .
ومع تعلق نفخ الروح في آدم عليه السلام فان ذات الآية تدل على توارثه في ذريته إذ انتقلت الآية من صيغة المفرد إلى خطاب الناس جميعاً ، بقوله تعالى ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ.
لتكون الرؤيا الصادقة من خصائص روح الإنسان وزيارتها له عند سكون الأعضاء والإسترخاء العقلي والحركات الإرادية .
ليشمل لفظ [الْأَفْئِدَةَ] العقل والحواس الباطنة وتلقي الرؤيا والتفكر فيها ، والتدبر في معانيها وما ترمز إليه ، ويخاطب الله عز وجل الأرواح بالرؤيا ، لتبرز على الألسنة وتكون مسألة ابتلائية عامة ، أو بشارة تزيد في آمال الفرد والجماعة .
كما في رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة ، ورؤيا ملك مصر التي نزل بها القرآن لبيان كيف أن الرؤيا زائداً تعبيرها الصحيح سبيل لنجاة الأمم من المجاعة ، والممالك من الزوال والإنهيار.
ولتكون الرؤيا سبباً لقهر الطبيعة ، ومنع غلبة إعراضها وجفائها عن الناس ، وهو من مصاديق إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، بانقاذ الخلفاء في الأرض من سني الجدب برؤيا تجمع بين البشارة والإنذار.
وتبعث على العمل الدؤوب لخمس عشرة سنة متتالية ، ومن معاني خاتمة آية النفخ أعلاه قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ، على نعمة الرؤيا الصادقة منها.
ومن قلة الشكر هنا عدم الملازمة بين الرؤيا والإنتفاع منها ، فقد يضيع الفرد والجماعة فرصة ورموز الرؤيا ، وهل تنقطع نعمة الرؤيا عن الذي يضيّعها ، الجواب لا ، وهو من فضل الله عز وجل على الناس ، وأسرار كنوز نفخ الروح في آدم من عند الله عز وجل .
وتدعو الروح الجسد والحواس للإنتفاع الأمثل من الرؤيا ومضامينها وغاياتها السامية وهي من عمومات قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ.
قانون محو الكبائر بالتقوى
وعن مالك بن دينار قال : بينما أنا أطوف بالبيت الحرام إذ أعجبني كثرة الحجاج والمعتمرين، فقلت: ليت شعري من المقبول منهم فأهنئه، ومن المردود منهم فأعزيه. فلما كان الليل رأيت في منامي قائلاً، يقول: مالك بن دينار يسأل عن الحاج والمعتمرين؟ قد غفر الله لهم أجمعين، الصغير والكبير، الذكر والأنثى، الأسود والأحمر، إلا رجلاً واحداً فإن الله تعالى عليه غضبان، وقد رد الله حجه، وضرب به في وجهه.
قال مالك: فنمت بليلة لا يعملها إلا الله عز وجل وخشيت أن أكون ذلك الرجل، فلما كانت الليلة الثانية، رأيت في منامي مثل ذلك، غير أنه قيل لي: ولست أنت ذلك الرجل، بل هو من خراسان من مدينة بلخ، يقال له: محمد بن هارون البلخي.
فلما أصبحت أتيت قبائل خراسان، فقلت: أخيكم محمد بن هارون؟ قالوا: بخ بخ، تسأل عن رجل ليس بخراسان أعبد ولا أزهد منه ولا أقرأ منه.
فعجبت من جميل ثناء الناس عليه وما رأيت في منامي.
فقلت: أرشدوني إليه. قالوا: أنه منذ أربعين سنة يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يأوي إلا الخراب، ونظنه في خرائب مكة.
فجعلت أجول في الخرابات، فإذا هو قائم خلف جدار، وإذا يده اليمنى معلقة في عنقه وقد شدها بقيدين عظيمين إلى قدميه، وهو راكع وساجد. فلما أحس بهمس قدمي، قال: من تكون .
قلت: مالك بن دينار، قال: يا مالك ما جاء بك إليَّ.
إن كنت رأيت رؤيا فاقصصها علي.
قال: أستحي أن أقولها.
قال: بل قل.
فقصصتها عليه، فبكى طويلاً، وقال: كنت رجل أكثر شرب المسكر، فشربت يوماً عند خدن لي حتى ثملت وزال عقلي، فأتيت منزلي فدخلت، فإذا بأمي توقد تنوراً لنا، فلما رأتني أتمايل بسكري، أقبلت تطعمني، وتقول: هذا آخر يوم من شعبان وأول ليلة من رمضان، يصبح الناس صواماً، وتصبح سكران ، أما تستحي من الله .
فرفعت يدي فلكزتها. فقالت: تعست. فغضبت لقولها وحملتها بسكري ورميت بها في التنور فلما رأتني امرأتي، أدخلتني بيتاً وأغلقت علي.
فلما كان آخر الليل ذهب سكري، دعوت زوجتي لفتح الباب، فأجابتني بجواب فيه جفاء، فقلت: ويحك ما هذا الجفاء؟
قالت: تستأهل ألا أرحمك. قلت: لم؟
قالت: قتلت أمك، رميت بها في التنور فاحترقت.
فخرجت إلى التنور فإذا هي كالرغيف المحروق. فخرجت وتصدقت بمالي، وأعتقت عبيدي، وأنا مذ أربعين سنة أصوم النهار وأقوم الليل، وأحج كل سنة، ويرى لي كل سنة عابد مثلك هذه الرؤيا.
فنفضت يدي في وجهه، وقلت: يا مشؤوم، كدت تحرق الأرض وما عليها بنارك، وغبت عنه بحيث أسمع حسه ولا أرى شخصه فرفع يديه إلى السماء، وقال: يا فارج الهم وكاشف الغم، يجيب دعوة المضطرين، أعوذ برضاك من سخطك، وبما فاتك من عقوبتك، ولاتقطع رجائي، وتخيب دعائي.
فذهبت إلى منزلي ونمت، فرأيت في المنام قائلاً يقول: يا مالك لا تقنط الناس من رحمة الله. إن الله اطلع من الملأ الأعلى إلى محمد بن هارون فاستجاب دعوته، وأقال عثرته، أعد إليه وقل له: أن الله يجمع الخلائق يوم القيامة، ويقتص للجماء من القرناء، ويجمع بينك وبين والدتك، فيحكم لها عليك، ويذيقك النار، ثم يهبك لأمك)( ).
قانون التسبيح ذخيرة
قال علي بن نصر الجهضمي: رأيت الخليل بن أحمد في النوم فقلت في النوم لا أرى أحدا أعقل من الخليل فقلت ما صنع الله بك .
فقال رأيت ما كنا عليه لم يكن شي ء و لم يجد شيئا أفضل من سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم)، وفيه مسائل:
الأولى : هذه الرؤيا على فرض وقوعها موعظة وعبرة.
الثانية : علم النحو مقدمة لعلم التفسير والتأويل، وباب لحفظ آيات القرآن رسماً وتلاوة.
الثالثة : في علم النحو ضبط للغة القرآن، قال تعالىإِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
وصحيح أنه ليس من شيء أفضل من التسبيح والتهليل والثناء على الله عز وجل ومن خصائص علم النحو أنه يتضمن معاني التسبيح والتهليل.
الرؤيا وأوان وفاة سلمان الفارسي
قال الأصبغ بن نباته : كنت مع سلمان الفارسي رحمة الله عليه وهو أمير المدائن ، فأتيته يوماً وقد مرض مرضه الذي مات فيه . . فلم أزل أعوده في مرضه حتى اشتد به الأمر ، فالتفت إلي وقال :
يا أصبغ ، عهدي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : يا سلمان ، سيكلمك ميت إذا دنت وفاتك .
وبينما هو في مرضه إذ دخل عليه سعد بن أبي وقاص يعوده ، فبكى سلمان ، فقال له سعد : ما يبكيك يا أبا عبد الله ؟
توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو عنك راضٍ ، وترد عليه الحوض .
فقال سلمان : أما اني لا أبكي جزعاً من الموت ، ولا حرصاً على الدنيا ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهد إلينا فقال : ليكن بلغة أحدكم مثل زاد الراكب ، وحولي هذه الأساود .
وإنما حوله إجانة ، وجفنة ، ومطهرة .
واشتد به المرض ، فمر على المقابر ـ وكأنه أراد أن يستعلم أمره ـ.
فقال : السلام عليكم يا أهل القبور من المؤمنين والمسلمين ، يا أهل الدار هل علمتم أن اليوم جمعة .
وحين عاد إلى مقره استلقى على فراشه ، فغفى ونام ، فأتاه آتٍ فقال : وعليكم السلام يا أبا عبد الله ، تكلمت فسمعنا ، وسلمت فرددنا ، وقلت : هل تعلمون أن اليوم جمعة ، وقد علمنا ما تقول الطير في يوم الجمعة : قدوس . . قدوس . . ربنا الرحمن الملك .
وأفاق سلمان من غفوته ، ثم التفت إلى من حوله قائلاً لهم : أسندوني ، فلما أسندوه رمق السماء بطرفه وقال :
يا من بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ، وهو يجير ولا يجار عليه بك آمنتُ ، ولنبيك إتبعت ، وبكتابك صدقتُ ، وقد أتاني ما وعدتني ، يا من لا يُخلف الميعاد إقبضني إلى رحمتك ، وانزلني دار كرامتك ، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، والتفت إلى من حوله قائلاً :
قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا حضرك أو أخذك الموت ، حضر أقوام يجدون الريح ولا يأكلون الطعام ـ يعني الملائكة ـ
ثم أخرج صرةً من مسك . فقال : هبة أعطانيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . . ثم بلّها ونضحها حوله ، ثم قال لإمرأته : قومي أجيفي الباب .
قالت زوجته : ففعلت ، وجلست هنيئة ، فسمعت هسهسةً ، فصعدت ، فإذا هو قد مات وكأنما هو نائم .
حكاية ابن بطوطة لرؤيا
قال ابن بطوطة : لما وصلنا إلى المدينة كرمها الله على ساكنها أفضل الصلاة وأذكى السلام ، ذكر لي علي بن حجر الأموي وهو من الصلحاء الفقراء من أهل غرناطة (أنه رأى تلك الليلة في النوم قائلاً يقول له: اسمع مني واحفظ عني:
هنيئاً لكم يا زائرين ضريحه … أمنتم به يوم المعاد من الرجس
وصلتم إلى قبر الحبيب بطيبةٍ … فطوبى لمن يضحي بطيبة أو يمسي .
وجاور هذا الرجل بعد صحبه بالمدينة. ثم رحل إلى مدينة دهلي قاعدة بلاد الهند، في سنة ثلاث وأربعين، فنزل في جواري. وذكرت حكاية رؤياه بين يدي ملك الهند، فأمر بإحضاره، فحضر بين يديه، وحكى له ذلك .
فأعجبه واستحسنه، وقال له كلاماً جميلاً بالفارسية، وأمر بإنزاله، وأعطاه ثلاثمائة تنكة من ذهب. ووزن التنكة من دنانير المغرب ديناران ونصف دينار، وأعطاه فرساً محلى بالسرج واللجام، وخلعة، وعين له مرتباً في كل يوم.
وكان هنالك فقيه طيب من أهل غرناطة، ومولده ببجاية، يعرف هنالك بجمال الدين المغربي. فصحبه علي بن حجر المذكور، وواعده على أن يزوجه بنته. وأنزله بدويرة خارج داره، واشترى جارية وغلاماً.
وكان يترك الدنانير في مفرش ثيابه ولا يطمئن بها لأحد. فاتفق الغلام والجارية على أخذ ذلك الذهب. وأخذاه وهربا.
فلما أتى الدار لم يجد لهما أثراً، ولا للذهب. فامتنع عن الطعام والشراب، واشتد به المرض أسفاً على ما جرى عليه، فعرضت قضيته بيد يدي الملك، فأمر أن يخلف له ذلك، وبعث إليه من يعلمه بذاك، فوجدوه قد مات رحمه الله تعالى) ( ).رؤيا ابن بطوطة وهو في مكة
قال ابن بطوطة (رأيت أيام مجاورتي بمكة شرفها الله، وأنا إذ ذاك ساكن منها بالمدرسة المظفرية، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم في النوم، وهو قاعد بمجلس التدريس في المدرسة المذكورة بجانب الشباك الذي تشاهد منه الكعبة الشريفة، والناس يبايعونه، فكنت أرى الشيخ أبا عبد الله المدعو بخليل قد دخل وقعد القرفصاء بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وجعل يده في يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: أبايعك على كذا وكذا، وعدد أشياء منها، وأن لا أرد من بيتي مسكيناً خائباً، وكان ذلك آخر كلامه، فكنت أعجب من قوله، وأقول في نفسي كيف يقول هذا ويقدر عليه، مع كثرة فقراء مكة واليمن والزيالعة والعراق والعجم ومصر والشام.
وكنت أراه حين ذلك لابساً جبة بيضاء قصيرة من ثياب القطن المدعوة بالقفطان. كان يلبسها في بعض الأوقات، فلما صليت الصبح غدوت عليه وأعلمته برؤياي فسر بها وبكى، وقال لي تلك الجبة أهداها بعض الصالحين لجدي، فأنا ألبسها تبركاً. وما رأيته بعد ذلك يرد سائلاً خائباً. وكان يأمر خدامه يخبزون الخبز ويطبخون الطعام ويأتون به إلي بعد صلاة العصر من كل يوم)( ).
الرؤيا سبب لإسلام قوم
وعن أبي أمامة صدي بن عجلان أن رسول الله بعثه إلى باهلة وهم قومه يدعوهم إلى الله عز وجل ويتلو عليهم آيات القرآن ويعرض عليهم شرائع الإسلام ووجوب الصلاة والزكاة والفرائض الأخرى، قال أبو أمامة(فلما رأوني قالوا: مرحبا بالصدي بن عجلان.
وأكرموني وقالوا: بلغنا انك صبوت الى هذ ا الرجل.
فقلت: لا ولكن آمنت بالله ورسوله وبعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اليكم أعرض عليكم شرائع الاسلام.
فبينا نحن كذلك إذ جاءوا بقصعتهم فوضعوها واجتمعوا حولها يأكلونها وقالو ا: هلم يا صدي.
قلت: ويحكم انما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم الا ما ذكيتم كما قال الله تعالى.
قالوا: وما قال .
قلت: نزلت هذه الاية: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) ( )الى قوله: (وان تستقسموا بالازلام)، فجعلت أدعوهم الى الاسلام فكذبوني وزبروني وأنا جائع ظمآن قد نزل بي جهد شديد.
فقلت لهم: ويحكم ايتوني بشربة من ماء فاني شديد العطش.
قالوا: لا ، ولكن ندعك تموت عطشا.
قال: فاغتممت وضربت برأسي في العمامة ونمت في حر شديد، فأتاني أت في منامي بقدح فيه شراب من لبن لم ير الناس ألذ منه فشربته حتى فرغت من شرابي ورويت وعظم بطني.
فقال القوم: أتاكم رجل من أشرافكم وسراتكم فرددتموه فاذهبوا إليه وأطعموه من الطعام والشراب ما يشتهي.
فأ توني بالطعام والشراب فقلت: لا حاجة لي في طعامكم ولا شرابكم، فان الله تعالى أطعمني وسقاني، فانظروا الى الحال التي أنا عليها.
فأريتهم بطني فنظروا فأسلموا عن آخرهم بما جئت به من عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال أبو أمامة: ولا والله ما عطشت ولا عرفت عطشا بعد تيك الشربة)( ).
قوانين هذا الجزء
لقد وردت في هذا الجزء قوانين متعددة لتكون مادة للدراسة والإتعاظ وهي :
الأول : قانون الرؤيا طريق هداية ص 18.
الثاني : قانون التلاوة غِذاء ص22.
الثالث : قانون الرؤيا تذكير بوجوب الإيمان ص 31.
الرابع : قانون علم الغيب خاص بالله تعالى لا يطلع الملائكة والأنبياء والناس منه إلا بما شاء ، وفيه نفعهم ومصلحتهم ص 41.
الخامس : قانون منافع الرؤيا في الميدان ، إذ تزاحمت يوم بدر مع الرؤية البصرية .ص 49.
السادس : قانون رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم برزخ دون الفشل والخلاف بين الصحابة ، لذا قال تعالى وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ.ص49.
السابع : قانون كل رؤيا للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحي يتجلى مصداقها في الواقع بفضل ولطف من عند الله عز وجل ص 49.
الثامن : قانون المعجزة العامة في اليقظة أظهر وأقوى من المعجزة عن رؤيا مع الإقرار بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يخبر أصحابه برؤياه حتى إذا كان فيها أذى ص 50.
التاسع : قانون الإعجاز العددي في الميدان ص 52.
العاشر : قانون مصاحبة البشارة في النشأتين للتقوى ص 58.
الحادي عشر : قانون الرؤيا الصالحة للمؤمن بشارة النعيم الأخروي ص 59.
الثاني عشر : قانون الرؤيا رحمة من عند الله ص 59.
الثالث عشر : قانون عدم الإنشغال بالرؤيا ص 59.
الرابع عشر : قانون منافع رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عامة ومتجددة ، وتبقى عبرة وموعظة ص 70.
الخامس عشر : قانون ليس من وقت مخصوص لرحمة الله ص 77.
السادس عشر : قانون الرؤيا الصادقة رحمة من عند الله عز وجل فتح أبوابها للناس جميعاً ، قال تعالى مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.ص 77.
السابع عشر : قانون رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تتفرع عنها المعجزات المتجددة ص 80.
الثامن عشر : قانون لولا الوحي والرؤيا لما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى الحديبية ص 81.
التاسع عشر : قانون المائز بين رؤيا الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والرؤيا الصادقة لعامة الناس بكثرة منافع رؤيا الوحي وتجدد مصاديقها الواقعية ، واستمرارها إلى يوم القيامة ، وهو من أسرار توثيقها في القرآن الكريم( ) ص 81.
العشرون : قانون رؤيا الوحي تفقه في الدين ص 84.
الواحد والعشرون : قانون الرؤيا باب للتسليم بعلم الغيب ص 84 .
الثاني والعشرون : قانون المنبر النبوي سلم ونور ص 85.
الثالث والعشرون: قانون تجليات الإعجاز في المنبر النبوي ص 85.
الرابع والعشرون: قانون المواعظ والمنافع في المنبر النبوي.ص 85 .
الخامس والعشرون : قانون الرؤيا سلم وأمن ص 87.
السادس والعشرون : قانون رؤية النبي في المنام شعبة من الوحي ، وتتصف بالصدق ، وتنجز مصداقها الواقعي ص 87.
السابع والعشرون : قانون استجابة الحواس لأمر الله طوعاً وقهراً وانطباقاَ ص 97 .
الثامن والعشرون : قانون الرؤيا حجة على الإنسان وهي من مصاديق قوله تعالى قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ. ص 106.
التاسع والعشرون : قانون الرؤيا مقدمة للتوبة ص 108.
الثلاثون : قانون الخصال الحسنة تجذب الناس ، أي أن القوم رأوا الآيات في أهليهم وعامة الناس بالميل إلى دين التوحيد ، ونبذ مفاهيم الشرك ص 112.
الواحد والثلاثون : قانون لو دار الأمر في اللفظ القرآني هل هو عربي أم أعجمي فالأصل هو عربي لقوله تعالى إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، ص 125.
الثاني والثلاثون : قانون صيرورة الرؤيا مدرسة في الموعظة والتحذير والتأديب والتعلم من بيت النبوة ص 133.
الثالث والثلاثون : قانون علوم القرآن غير متناهية ص 134.
الرابع والثلاثون : قانون دفع عداوة الشيطان عن يوسف عليه السلام باجتباء واختيار الله عز وجل له ص 135.
الخامس والثلاثون : قانون الإجتباء ص 136 .
السادس والثلاثون : قانون التحذير من الحسد لمن يرى رؤيا البشارات ، فقد يحسده الناس على ذات الرؤيا ورجحان تحقق مصداقها . ص 139.
السابع والثلاثون : قانون ملازمة الإحسان للأنبياء حتى في أشد حالات البلاء ص 150.
الثامن والثلاثون : قانون مصاحبة البركة للأنبياء بتغير حال السجناء نحو الصلاح والتحلي بالصبر ص 151.
التاسع والثلاثون: قانون ملازمة الإحسان للنبي مع تباين الحال ص 155.
الأربعون : قانون تأويل الرؤيا لا يرقى إلى اليقين ويبقى في مراتب الظن وان صدر من نبي لا لسبب قصور في التأويل بل لأن رحمة الله تعالى وفضله أعم من الرؤيا وتأويلها ص 162.
الواحد والأربعون : قانون تقديم التوحيد وذكر الله على التعبير ص 168.
الثاني والأربعون : قانون القصور في الشكر لله ص 169.
الثالث والأربعون : قانون الرؤيا الصادقة وتعبيرها تنبيه وهداية ص 170.
الرابع والأربعون : قانون عدم الملازمة بين الرؤيا ومصداقها ص 177.
الخامس والأربعون : قانون مصاحبة صفة الصدّيقين للحياة الدنيا ففي لكل زمان هناك أمة من الصديقين ص 186.
السادس والأربعون : قانون من خصال الصدّيقين رؤية المنامات الصالحة وحسن تأويلها ص 186.
السابع والأربعون : قانون لغة الجمع التي يراد منها المنفرد في القرآن خاصة بالله عز وجل وحده ، كما في قوله تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.ص 188.
الثامن والأربعون : قانون إمامة الأنبياء للأمم ص 195.
التاسع والأربعون : قانون النبوة نصح وإرشاد ص 196.
الخمسون : قانون تولي الأمين عند الأزمات والإبتلاء العام ، لذا وصف يوسف عليه السلام نفسه بأنه حَفِيظٌ عَلِيمٌ. ص 198.
الواحد والخمسون : قانون التأويل الصحيح يبدل موضوع الرؤيا ، وهو من مصاديق رؤيا الإنذار بدفع المكروه عن صاحبها أو عن الناس ص 200.
الثاني والخمسون : قانون من خلافة الناس في الأرض إنقاذهم من الهلكة سواء بنزول المطر من السماء أو بوقف الحروب أو دفعها ورفع الأوبئة ، وصرف الآفات الأرضية أو السماوية. ص 203 .
الثالث والخمسون : قانون العمل فرع التأويل ص 209 .
الرابع والخمسون : قانون الإنتفاع الأمثل من القرآن ص 217.
الخامس والخمسون : قانون تصديق الرؤيا الصالحة ص 225.
السادس والخمسون : قانون رؤيا النبي حجة ص 240.
السابع والخمسون : قانون وهو كل إنسان تأتيه رؤى صادقة لا يتمثل فيها الشيطان وليست من أضغاث الأحلام ص 250 .
الثامن والخمسون : قانون تذكير الناس بعالم ما بعد الموت ، لتكون الرؤيا الصادقة تذكرة وعبرة ، وهو من عمومات قوله تعالى وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ص 250.
السادس والخمسون: قانون رؤيا أمهات الأنبياء ، أي أنهن يرين رؤيا مباركة تخص المولود ، والنفع العام الذي سيأتي معه ص 280.
السابع والخمسون : قانون محو رؤيا الإنذار بالدعاء والصدقة والفداء قال تعالى وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ونسبة الفداء إلى الله تعالى . ص 284 .
الثامن والخمسون : قانون المدار في تأويل الآية على المعنى الأعم إلا مع الدليل على التخصيص.ص 285.
التاسع والخمسون : قانون الرؤيا الصادقة من مصاديق قوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ. ص 286.
الثامن والخمسون : قانون الرؤيا مدد ص 293.
التاسع والخمسون : قانون الرؤيا الصادقة تذكير بسلطان الله على النفوس ص 300.
الستون : قانون الرؤيا موعظة .ص 301.
الواحد والستون : قانون الرؤيا الصادقة مانع من التمادي في الغي والغرور.ص 301 .
الثاني والستون : قانون الرؤيا الصالحة استدامة لخلافة الإنسان في الأرض باصلاح الناس لعمارتها بالذكر والصلاة والتسبيح والتهليل ص301.
الثالث والستون : قانون الرؤيا الصادقة من حب الله عز وجل للناس ، لما فيها من النفع الخاص والعام ص 301.
الرابع والستون : قانون محو الكبائر بالتقوى ص 304.
الخامس والستون : قانون التسبيح ذخيرة ص 306.
الفهرس
الصفحة الموضوع الصفحة الموضوع
3 المقدمة 31 قانون الرؤيا تذكير بوجوب الإيمان
11 الــرؤيــا لــغـة 32 بشارة اليهودي بولادة النبي محمد
12 الرؤيا في القرآن 33 أم النبي محمد (ص) تتحدث عن رؤياها
14 النسبة بين الرؤيا الصادقة ورؤيا الوحي 35 البشارة في رؤيا أم النبي محمد
15 مادة الرؤيا في القرآن 37 رؤيا ملك اليمن ببعثة النبي محمد
16 الرؤيا ونفخ الروح 39 بشارات نبوة محمد (ص) في أروقة الملوك
17 منافع تأويل الرؤيا 40 أخبار النبوة من علم الغيب
18 قانون الرؤيا طريق هداية 41 تصديق قوم بنبوة محمد (ص) وفق الرؤيا
19 رؤيا النبي محمد (ص) وحي 42 من منافع الرؤيا
20 أقسام الرؤيا 43 التمييز في الرؤيا
22 قانون التلاوة غِذاء 44 الكذب بادعاء رؤيا مخصوصة
23 آداب صاحب الرؤيا 45 حرمة الكذب في الرؤيا
25 التعبـير 48 آيات الرؤيا وتأويلها
27 اللجوء إلى القرآن لتأويل الرؤيا 48 الآية الأولى [إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ…
28 منافع معنوية للرؤيا 48 مزاحمة الرؤيا للرؤية البصرية
الفهرس
الصفحة الموضوع الصفحة الموضوع
48 الرؤيا في الميدان 71 وظائف معبر الرؤيا
50 الرؤيا والكذب 72 العناية بتفاصيل الرؤيا
52 قانون الإعجاز العددي في الميدان 73 التفاؤل بالأسماء
54 الرؤيا علم 73 أضغاث الأحلام
55 الرؤيا في معركة أحد 75 الأحلام الكابوسية
56 الآية الثانية [لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ] 77 الرؤيا مقدمة لصلح الحديبية
59 قانون الرؤيا رحمة من عند الله 80 الرؤيا مقدمة للخروج إلى الحديبية
59 قانون عدم الإنشغال بالرؤيا 82 رؤيا النبي ليلة معركة أحد
61 رؤيا صفة دار الهجرة 82 رؤيا النبي (ص) والغيب
62 رؤيا طفيل الدوسي 84 الرؤيا بيان
65 الآية الثالثة : قوله تعالى [لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ…] 85 كأن قردة على المنبر
66 حضور السنة النبوية في تأويل الرؤيا 87 قانون الرؤيا سلم وأمن
68 رؤيا النبي بأداء العمرة 89 هل تأتي الرؤيا مع السِنة والنعاس
70 التأويل بـالـضد 91 أول عابر للرؤيا
الفهرس
الصفحة الموضوع الصفحة الموضوع
93 تأويل الرؤيا دفع للفتنة 121 رؤيا يوسف في التوراة
94 لماذا يقوم النبي (ص) بتأويل رؤياه 122 إسماء الكواكب الأحد عشر
95 تأكيد الرؤيا البصرية 123 تحذير يعقوب النبي ليوسف
97 النسبة بين رؤيا الأنبياء وغيرهم من الناس 125 اسم يوسف
99 تعدد الرؤى بالبشارة ببعثة النبي محمد (ص) 126 تعبير الرؤيا من تأويل الأحاديث
102 رؤيا بشارة بعثة النبي (ص) 127 أثر الرؤيا
104 إحصاء الرؤيا ومنافعها 129 الآية الخامسة [قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ.]
108 الآية الرابعة قوله تعالى [إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا …] 132 عداوة الشيطان للإنسان
109 الرؤيا في سورة يوسف 133 الرؤيا مدرسة عامة
111 تنزيه يوسف (ع) 134 الآية السادسة : قوله تعالى [وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ…]
114 يوسف بين القرآن والتوراة 136 قانون الاجتباء
117 أسماء الكواكب التي رآها يوسف (ع) 138 التحذير من كيد الإخوة
118 النجوم والرؤيا 139 لفظ الصدّيق
121 الاحتراز في قص الرؤيا 140 الآية السابعة : قوله تعالى [وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ
الفهرس
الصفحة الموضوع الصفحة الموضوع
142 دعوة الملك للسجين يوسف 161 تأويل الرؤيا والظن
143 الإستجابة لطلب يوسف 163 سؤال يوسف إشعار عن مصيبته
145 الآية الثامنة [قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ 163 رؤيا الساقي ورؤيا الخباز
145 رزق السجناء 166 أعلان يوسف (ع) أنه يعبر الرؤيا
149 دخول آل يعقوب مصرَ 168 قانون تقديم التوحيد وذكر الله على التعبير
150 الآية التاسعة : قوله تعالى [يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ 169 قانون القصور في الشكر لله
150 إحسان يوسف في السجن 171 تعدد الرؤيا في السجن
152 سبب دخول الغلامين السجن 172 رؤيا ملك مصر
155 قانون ملازمة الإحسان للنبي مع تباين الحال 173 فرحة الساقي
156 السجن والرؤيا 176 الآية العاشرة [وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ
157 مكارم الأخلاق في السجن 180 الآية الحادية عشرة [وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ
158 حضور الموعظة عند تعبير الرؤيا 182 الآية الثانية عشرة [قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ
الفهرس
الصفحة الموضوع الصفحة الموضوع
183 الآية الثالثة عشرة : قوله تعالى [وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا 203 الآية السابعة عشرة [ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ
185 الآية الرابعة عشرة[يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ 204 لقاء يوسف (ع) بالملك
187 وجوه [لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ] 206 تأويل يوسف (ع) لرؤيا الملك
190 الآية الخامسة عشرة[قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا 208 الآية الثامنة عشرة [وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا
192 الرؤيا تحذير للحكومات 209 قانون العمل فرع التأويل
193 الإنشاء والأمر بصيغة الجملة الخبرية 209 تأويل الرؤيا توفير
194 معجزة السنابل 210 سني يوسف
195 معنى [دَأَبًا] 212 إصلاحات يوسف (ع)
195 حفظ الضرورات الخمس 213 الآية التاسعة عشرة : قوله تعالى [رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ
196 قانون النبوة نصح وإرشاد 214 كيف علم يعقوب بأن يوسف حي
199 الآية السادسة عشرة [ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ 215 الآية العشرون : قوله تعالى [فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ
202 الرؤيا الصادقة وتعبيرها إصلاح 217 قانون الإنتفاع الأمثل من القرآن
الفهرس
الصفحة الموضوع الصفحة الموضوع
220 الآية الواحدة والعشرون : قوله تعالى [فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ 235 موضوعية الدعاء في تنجز الرؤيا
220 الآية الثانية والعشرون [قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ 235 الرؤيا تثبيت للحكم
220 رؤيا ذبح إسماعيل 237 ترغيب النبي (ص) بذكر الرؤيا
220 استجابة إسماعيل لرؤيا أبيه 240 قانون رؤيا النبي حجة
224 الفداء عن إسماعيل 241 خيبة المشركين في معركة أحد
225 قانون تصديق الرؤيا الصالحة 244 قسما التوفي
225 ابن الذبيحين 245 الرؤيا والطب
226 الوحي والرؤيا 248 معجزة قلة عدد المشركين في التصور الذهني
227 الرؤيا الصادقة قبل البعثة 250 الرؤيا الصادقة
227 الرؤيا في زواج خديجة 251 الـسنـة النبوية والتعبير
228 رؤيا أم حبيبة بشارة وإنذار 253 رؤيا النبي من شواهد القرآن
229 رؤيا جويرية بشارة خاصة وعامة 254 رؤيا بشارة ولادة الحسين (ع)
230 زواج أم حبيبة من النبي محمد (ص) 257 الرؤيا وتسمية محمد
232 عند قبر حاتم الطائي 260 تسمية محمد برؤيا عبد المطلب
233 رؤيا سودة بنت زمعة زوج النبي (ص) 261 التأويل النبوي فرع الوحي
الفهرس
الصفحة الموضوع الصفحة الموضوع
261 قصّ النبي (ص) رؤياه على أصحابه 283 سلامة النبي (ص) وهو حمل في بطن أمه
262 قص وتعبير النبي (ص) لرؤياه 284 عددُ الرؤى في القرآن سبعةٌ
263 ضحك النبي (ص) من رؤيا أحدهم 288 رؤيـا الصــالحـين
264 موضوعية التأويل الصحيح 288 الرؤيا سبب للإنابة والصلاح
264 سؤال النبي (ص) أصحابه عن رؤاهم 292 حكمة لقمان
267 أنصات وتأويل النبي (ص) لرؤى أصحابه 294 من أنواع الرؤيا
269 رؤيا الصحابيات 295 قانون الرؤيا مدد
270 تأويل أسماء بنت عميس للرؤيا 296 الرؤيا شعبة من خلافة الأرض
271 منزلة الهجرة في سبيل الله 303 الرؤيا من نفخ الروح في آدم
272 تأويل الرؤيا بتأكيد التوحيد 305 قانون محو الكبائر بالتقوى
274 رؤية الزهراء في المنام 307 قانون التسبيح ذخيرة
275 زهد الزهراء (ع) 308 الرؤيا وأوان وفاة سلمان الفارسي
276 رؤياي والزهراء 309 حكاية ابن بطوطة لرؤيا
278 رؤيـا الانـبـيــاء 311 الرؤيا سبب لإسلام قوم
282 إسراء النبي (ص) في التوراة 312 قوانين هذا الجزء
282 رؤيا أمهات الأنبياء 320 الفهرس
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق ببغداد (2732) لسنة 2024