معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 273

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمـــة
الحمد لله الذي جعل نعمه علينا أكثر من أن نحصيها ، إذ تتوالى بأسرع من الإحصاء الشفوي أو التحريري ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
وهل قولنا الحمد لله من هذه النعم ، الجواب نعم .
الحمد لله ملئ السموات والأرض وما بينهما ، وما تحت الثرى حمداً دائماً أبداً متصلاً لاينفد أوله ولا ينقطع آخره .
الحمد لله الذي جعل الحمد له ذكراً وعبادة وباباً للصلاح وسبباً لصرف البلاء وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ]( ).
الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعلها محتاجة إليه في استدامة بقائها في كل لحظة ، وهو الذي يظهر بالإكتشافات العلمية وكيف أن الكواكب سابحة في الفضاء لا يقدر الهواء على ثباتها في مواضعها ، ولا يقدر على دقة سير انظمتها إلا الله عز وجل .
الحمد لله على نفسي وقلبي ورئتي وكبدي وكليتي ودمي وجوارحي ، وأسأله الصحة والعافية والسلامة من الدرن ، والحزن ، وبعد الأجل وهو تعالى [يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( ).
الحمد لله في سري وعلانيتي ، وفي يقظتي ونومي ، وفي ليلي ونهاري .
لقد جعل الله عز وجل النسبة بين الحمد لله والغفلة هي التضاد ، فأسأله تعالى المواظبة على الحمد له سبحانه ، وإعانتي بازالة الموانع دونها .
الحمد لله الذي أكرم المسلمين بنداء [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] الذي ورد تسعاً وثمانين مرة في القرآن ، كلها جاءت في بداية الآيات إلا مرة واحدة ورد هذا النداء في وسط الآية في قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا]( ).
الحمد لله الذي جعل هذا النداء إكراماً متجدداً لأجيال المسلمين ، الحاضر والسابق واللاحق واقترن بالأوامر والنواهي ويمكن تأسيس علم وهو علم الأوامر والنواهي التي وردت في آيات [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
وقد يرد أكثر من أمر ونهي في آية واحدة منها كما في قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ]( )، وفيها أمران ونهي.
وأقل كلمات آيات نداء التشريف قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا]( )، لبيان تقوم الحياة الدنيا بذكر الله .
و[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ]( ).
وابتدأت أطول آية في القرآن وهي آية الدَين بقوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ]( ).
لبيان موضوعية نداء الإيمان في البحث على التقيد والإمتثال في العبادات والمعاملات .
وهذا الجزء الذي بين يديك من كتابي الموسوم (معالم الإيمان في تفسير القرآن) خاص بتفسير الآية الأخيرة من سورة آل عمران [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
فبفضل من الله عز وجل وبعد مرور أكثر من سبع وثلاثين سنة في تأليف هذا السِفر المبارك بجد ودأب واجتهاد تم بلوغ تفسير خاتمة سورة آل عمران في آية علمية من ذخائر القرآن .
وقد صدر لي كتابي الموسوم (تفسير سورة يوسف) بعد توثيقه في دار الكتب والوثائق في بغداد برقم 272 لسنة 1991 والحمد لله ، إلى جانب كتبي الفقهية والأصولية والكلامية ، وفي التنزيل [قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ]( ).
وتبدأ هذه الآية بنداء الإيمان [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] الذي اختصت بتفسيره الأجزاء 135-136-137-138-139-140 من هذا السِفر المبارك.
الحمد لله الذي جعل الشكر على نعمه سبباً لدوامها ، والزيادة فيها ، ونسأله تعالى هذه الزيادة بلطف وفضل وابتداء منه تعالى ، وهو واهب العطايا الذي يعطي بلا سؤال ، وتتوالى نعمه ورزقه بلا أسباب وأن يهدينا للشكر له تعالى في السراء والضراء .
ونسأله تعالى الفوز برضاه والسلامة من سخطه وأسباب هذا السخط قال تعالى [أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ]( ).
سبحان الله الرحيم ، سبحان الله اللطيف ، سبحان الله العظيم الذي [لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ).
سبحان الله عدد ما خلق ويخلق ، وعن ابن عباس (قال كان اسم جويرية بنت الحارث برة فحول النبي صلى الله علي وسلم اسمها فسماها جويرية فمر بها تقرأ وهي في مصلاها تسبح وتذكر الله ثم أنه مرّ بها بعدما ارتفع النهار .
فقال يا جويرية ما زلت في مكانك قالت ما زلت في مكاني منذ تعلم.
قال لقد تكلمت بأربع أعدتهن ثلاث مرات هن أفضل مما قلت سبحان الله عدد خلقه سبحان الله زنة عرشه سبحان الله مداد كلماته والحمد لله كذلك)( ).
لبيان أن الدعاء التوقيفي المتواتر لفظياً فيه أجر عظيم وإن قلّ عدد مرات ذكره.
وعن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة بين يديها نوى أو حصى تسبح به، فقال : أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل.
فقال: سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك)( ).
و(عن النواس بن سمعان الكلابي قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران ، وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال : كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق أو كأنهما حزقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما)( ).
لبيان موضوعية العمل بأحكام وسنن القرآن خاصة الأحكام الواردة في سورة البقرة وسورة آل عمران ، ومنها الآية التي اختص بتفسيرها هذا الجزء وهي الآية المائتان من سورة آل عمران .
(وخرج أيضا عن أبي أمامة الباهلي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم يقول : اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه اقرؤوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان( ) أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة)( ).
من أسماء الله تعالى (المنان) وهو الذي تترى نعمه على عباده ظاهرة وباطنة ومن غير استحقاق .
ومن أسمائه تعالى (الحميد) وهو المحمود على كل حال .
اللهم انك دائم الاحسان كثير العطاء والمحمود على كل حال وفي جميع الأزمان . بديع السماوات والأرض ومعيد الخلق يوم النشور . قال تعالى [كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ]( ) إن الله عز وجل لا تستعصي عليه مسألة وبيده مقاليد الأمور . قال تعالى [إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ]( ).
وآية البحث دعوة للألفة والمحبة وحرب على الكراهية ، وبرزخ دون زعزعة الإستقرار الإجتماعي ومانع من الإرباك الإقتصادي وشلل الأسواق ، فمن خصائص نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأمن المجتمعي ، ونبذ الناس العنف والتعدي .
قال تعالى [وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ]( ).
حرر في الخامس والعشرين من شوال 1447هـ
13/4/2026


قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] الآية 200.
الأعراب واللغة
يا أيها : يا حرف نداء للقريب والبعيد ، وهو أظهر وأكثر حروف النداء استعمالاً في العربية ، وهو في المقام للحاضر والموجود أيام التنزيل ، والذي يولد فيما بعد من المسلمين وإلى يوم القيامة ، وهو من أسرار بقاء القرآن غضاً طرياً سالماً من التحريف والزيادة والنقصان .
أي : اسم مبني على الضم منادى في محل نصب مفعول به لفعل النداء المحذوفة لأن (يا) نابت عنه ، وتقديره (أدعو) (أخص) ونحوه.
وقد تحذف أداء النداء (يا) نفسها عند مناداة القريب كما في قوله تعالى [يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا]( )، والتقدير : يا يوسف .
ها : في (أيها) حرف تنبيه .
و(يا) حرف نداء مبني على السكون لا محل له من الإعراب للقريب والمتوسط والبعيد ، وجاء في آية البحث للمكلف الحاضر أيام التنزيل والذي يولد من المسلمين وإلى يوم القيامة.
الذين : اسم موصول مبني على السكون في محل نصب بدل للاسم (أي) .
آمنوا : فعل ماض مبني على الضم ، والواو : واو الجماعة فاعل .
وقد ورد نداء التشريف هذا[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] تسعاً وثمانين مرة في القرآن ، كلها خطاب إلى أجيال المسلمين والمسلمات الذين نطقوا بالشهادتين .
ترى ما هي النسبة بين قوله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] و[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، فالناس أعم ، وهذان النداءان أكثر النداءات في تأريخ الإنسانية في الأفراد والجهات التي يتوجه لها خطاب ونداء ، وهو من إعجاز القرآن وبقائه غضاً طرياً سالماً من التحريف .
ولا يحصي عدد الذين يتوجه لها هذان النداءان إلا الله عز وجل ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا]( ).
ويشمل المسلمين نداء يا أيها الناس الذي ورد في القرآن عشرين مرة ، وينفردون بتلقي نداء الإكرام والتشريف [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ومنه الوارد في آية البحث .
أصبروا : فعل أمر مبني على حذف حرف النون ، لأنه من الأفعال الخمسة ، وهي كل فعل مضارع اتصلت به ألف الاثنين للغائب والمخاطب ، هما يصبران أنتما تصبران.
ومع ياء المخاطبة للمؤنثة (تصبرين ) لبيان أن نداء التشريف [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا]يشمل المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة ، ويتعلق هذا الشمول بالأحكام التكليفية الواردة في آيات هذا النداء إلا ما دل الدليل على التخصيص ، كما في آية القتال والدفاع قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ]( )، إذ أن القتال ساقط عن النساء إلا أن يقال بأن موضوع الآية أعم ويشمل تهيئة مقدمات الدفاع وتعضيد النساء للمدافعين عن التوحيد والنبوة والتنزيل ، وفي آية البحث ووردت أربعة أوامر مع قلة كلماتها .
وقد تتضمن آية النداء الأمر والنهي في آن واحد كما في قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ]( ) .
وصابروا : الواو حرف عطف واستئناف ، و[وَصَابِرُوا] مثل اصبروا .
ورابطوا : مثل (وصابروا ) .
واتقوا الله : الواو حرف عطف واستئناف ، و(اتقوا) فعل أمر مبني على حذف حرف النون لأنه من الأفعال الخمسة .
الله : لفظ الجلالة مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره .
لعلكم : لعل حرف ترجي ناسخ مشبه بالفعل من أخوات (إن ).
والضمير (كم ) في محل نصب اسم لعل .
تفلحون : فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة .
و(واو الجماعة) ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل ، وجملة [تُفْلِحُونَ] في محل رفع خبر (لعل) .
وجملة [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] لا محل لها من الإعراب لأنها تعليلية .
بحث نحوي
بعد أن صدر الجزء الثاني والسبعون بعد المائتين من تفسيري للقرآن في آية واحدة من القرآن وفيه (184) قانوناً والحمد لله .
يأتي هذا الجزء وهو الثالث والسبعون بعد المائتين بفضل الله في تفسير الآية الأخيرة من سورة آل عمران [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
وتكررت الواو في الآية ثلاث مرات وصابروا ، ورابطوا ، واتقوا الله.
وقال علماء النحو والتفسير أن الواو هنا للعطف ، وأن جملة (صابروا) لا محل لها من الإعراب لأنها معطوفة على جملة جواب النداء .
إذ تقسم الواو في المقام إلى قسمين :
الأول : واو عطف .
الثاني : واو استئناف .
وقد أضفت لهما في علوم القرآن قسيماً ثالثاً وهو قد تأتي الواو وكذا الفاء للعطف والإستئناف مجتمعين ومتفرقين كما في المقام ، وقد تأتي للعطف وحده أو الإستئناف وحده خاصة وأن التقسيم إلى حرف عطف واستئناف من الصناعة النحوية التي وردت متأخرة زماناً عن نزول القرآن بأمر وتوجيه من الإمام علي عليه السلام إلى أبي الأسود الدؤلي .
وربما تجد في تفسير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة وأهل البيت عليهم السلام تفسيراً للجملة القرآنية يتضمن معنى العطف والإستئناف معاً .
والفرق بين حروف العطف وحروف الإستئناف .
صيرورة الجملة التي تأتي بعد العطف متعلقة بالجملة التي تسبقها في المعنى ومرتبطة بها ، أما في الجملة الإستئنافية فانها تأتي مستقلة في المعنى .
وقالوا بأن الإتحاد في حركة الإعراب بينهما في الرفع والنصب والجر شاهد على العطف بخلاف الإستئناف ، وان الجملة المستأنفة تكون مستقلة بالحكم الإعرابي .
والمختار أنه ليس دليلاً على العطف .
ويلحظ العطف أو الإستئناف أو هما معاً في جملة واحدة بالمعنى الأعم ، موضوعاً وحكماً .
وقد يكون الإشتراك والعطف بين الجملتين جهتياً .
والمختار أن (وصابروا) معطوفة على صابروا ، وهي أيضاً جملة مستأنفة للتعدد الموضوعي ، فالمصابرة في العبادات والميدان ونحوه ، وقد ينقطع عن الإستدامة موضوع وزمان المصابرة قال تعالى [وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ]( )، ولكن قوله تعالى (اصبروا) يحتاجه المسلمون مجتمعين ومتفرقين في كل يوم .
وكذا بالنسبة لـ(رابطوا) وموضوعه من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة فالمراد من المرابطة في المساجد فهو أعم .
أما بخصوص المرابطة في الثغور فهو أخص من صابروا ، والنسبة بينهما عموم وخصوص مطلق .
أما (واتقوا الله) فهو سور الموجبة الكلية للأوامر الثلاثة المتقدمة في الآية وهو حاجة للمسلم ذكراً أو أنثى في كل أوان وحال .
فبلحاظ العطف تجتمع الأوامر الأربعة بأجر عظيم ، ويختص كل واحد منها بأجر وثواب .
ومن معاني الإستئناف في المقام أن كل فعل وامتثال لأحد الأوامر فيه أجر وثواب ، وهو سبيل للفلاح الذي اختتمت به سورة آل عمران بقوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
في سياق الآيات
صلة آية البحث والآيات المجاورة السابقة وهي على وجوه:
الوجه الأول : صلة آية البحث بالآية السابقة وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، وفيها مسائل :
المسألة الأولى : المراد من أهل الكتاب
ابتدأت آية البحث بنداء التشريف [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] والمراد أجيال المسلمين إلى يوم القيامة ، أما آية السياق فابتدأت بجملة خبرية تبين سنخية الإيمان عند طائفة من أهل الكتاب في خطاب إلى المسلمين أيضاً لقوله تعالى [وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ]( ).
والمراد من أهل الكتاب هم اليهود والنصارى والمجوس وعامة أتباع الأنبياء الذين سبقوا رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وعملوا بالكتاب الذين أنزل عليهم ، لبيان وجوه :
الأول : قانون قدسية الكتب السماوية المنزلة .
الثاني : قانون حفظ القرآن لمضامين الكتب السابقة.
الثالث : إكرام القرآن لأتباع الأنبياء السابقين .
الرابع : بعث آيات القرآن أهل الكتاب على الإيمان وتعاهد الصلاح.
الخامس : من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) حفظ النبوات والكتب السماوية السابقة برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن وعدم ضياعها ، إنما هناك أمة تنتسب إليها ، ودلالة الإنتساب للكتب السماوية السابقة على العمل بأحكامها ولو على نحو الموجبة الجزئية .
ومن معاني الجمع بين الآيتين تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام :
الأول : المسلمون والمسلمات الذين نطقوا بالشهادتين .
الثاني : أهل الكتاب من اليهود اتباع موسى عليه السلام ، والنصارى اتباع عيسى عليه السلام .
الثالث : الكفار الجاحدون للتوحيد والنبوات ، ومنهم الوثنيون .
ويجمع المسلمين وأهل الكتاب كلمة التوحيد والإيمان بالله رباً وخالقاً .
الإمتناع عن قتال أهل الكتاب
لقد نزلت آيات من القرآن بالإحسان إلى أهل الكتاب ، قال تعالى [مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ]( ).
ووردت الآيات باجتناب قتال الذين لم يقاتلوا المسلمين لإسلامهم ولو كانوا من المشركين ، قال تعالى [لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ]( ).
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله ، ثم قرأ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ( ).
ويبين هذا الحديث امتناع النبي محمد والمسلمين عن قتال أهل الكتاب .
وعن أسامة بن زيد (قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سرية ، فصبحنا الحرقات من جهينة ، فأدركت رجلاً فقال : لا إله إلا الله فطعنته ، فوقع في نفسي من ذلك ، فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : قال لا إله إلا الله وقتلته .
قلت : يا رسول الله إنما قالها فرقاً من السلاح . قال : ألا شققت عن قلبه حتى تعلم قالها أم لا ، فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ)( ).
قال تعالى [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ]( ).
وهل يجوز أكل طعام أهل الكتاب ، المختار نعم ، قال تعالى [الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ]( ).
ويجوز نكاح اليهودية والنصرانية دون المشركة والمجوسية ، قال تعالى [وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ]( ).
وتزوج عثمان بن عفان نائِلة بنت فُرافصة ، وكانت نصرانية فأسلمت تحته ، وأصلها من العرب من بني كلب ، ولدت في الكوفة وكانت شاعرة (اهتداها فبعث بها أبوها إليه مع أخيها ضب، فلما فصلت من السماوة إلى المدينة خرجت من فراق أهلها وبلادها فقالت :
أحقاً تراه اليوم يا ضب انني … مصاحبة نحو المدينة أركبا
أما كان في فتيان حصن بن ضمضم … لك الويل ما يغني الخباء المحجبا
قضى اللّه حقاً أن تموتي غريبة … بيثرب لا تلقين أماً ولا أبا)( ).
لبيان حسرتها بعدم تزويجها من قومها ، وأظهرت حزنها على فراق قومها وانقطاع الصلة مع أبويها .
ومات أبوها على النصرانية ، خطبها معاوية بعد مقتل عثمان مرتين رفضت في المرة الأولى شفوياً ، وفي الثانية كسرت سنين من أسنانها الأمامية عمداً وبعثتهما له ، إشارة أنها فقدت حسنها .
وليس من بني إسرائيل .
وتزوج طلحة بن عبيد الله يهودية ، و(تزوج حذيفة يهودية، فكتب إليه عمر : خَل سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام فأخَلي سبيلها.
فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن)( ).
التقسيم العقائدي
يقسم الناس تقسيمات شتى بحسب اللحاظ والموضوع والحكم منها قوله تعالى [وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا]( )، وأهل الحضر والبداوة ، والسلطان والرعية .
والتقسيم الأظهر هو وفق الإيمان أو عدمه ، لبيان موضوعية الإيمان في الدنيا والآخرة ولأن الإيمان من أعلى مراتب الكمال الإنساني .
ويقسم القرآن الناس إلى أقسام :
الأول : المسلمون ، وهم على شعب :
الأولى : المؤمنون وهم الغالبية : قال تعالى [لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ]( ).
الثانية : الذين نطقوا بالشهادتين وأدوا الفرائض ولم يبلغوا مرتبة الإيمان ، كما في قوله تعالى [قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
الثالثة : المنافقون وهم الأقل وفي تناقص مستمر ، قال تعالى [الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ]( ).
الثاني : أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى ، ويقسم أهل الكتاب إلى شعبتين :
الأولى : المؤمنون بالله والتنزيل والنبوات وهم الذين ذكرتهم الآية السابقة لآية البحث [وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ]( ) والذي صدر بخصوصها الجزء الثاني والسبعون بعد المائتين من تفسيري للقرآن في 321 صفحة وفيه (184) قانوناً والحمد لله .
الثانية : الكفار من أهل الكتاب ، قال تعالى [وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ]( ).
والقيد أعلاه للكفار من أهل الكتاب لبيان أن لفظ الكفار يرد على شعبتين :
الأولى : الكفر المقيد ، ويخص طائفة من أهل الكتاب ويحق لهم البقاء على ملتهم .
و(عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله ، ثم قرأ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ( ).
الثانية : الكفر المطلق ، والذين يخص المشركين الذين كفروا بالربوبية والنبوات والتنزيل ، قال تعالى [وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ]( ).
ويدل على الجمع بين الشعبتين قوله تعالى [لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ]( ) .
الثالث : الذين كفروا بالله والنبوة ، ومنهم عبدة الأصنام من أهل مكة ، فنزلت السور المكية إنذاراً لهم وزجراً للناس عامة عن عبادة الأوثان وعن الصدود عن النبوة وعن التنزيل .

أقسام الكفر
الكفر في اللغة هو الستر والتغطية ، ومنه سمي الزارع كافراً لأنه يستر الحب والبذور بالتراب .
أما في الإصطلاح فهو الجحود والإنكار للحق ومنه تغطية وستر ضروريات الدين والتشكيك بها ، والكفر نقيض الإيمان .
وقد يكون الكفر باللسان ومنه السخرية والإستهزاء بالدين وأحكام الشريعة ، أو عملياً ومنه السجود للصنم .
وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام (الكفر في كتاب الله على خمسة أوجه ، فمنها كفر الجحود، والجحود على وجهين ; والكفر بترك ما أمر الله ; وكفر البراءة ، وكفر النعم.
فأما كفر الجحود فهو الجحود بالربوبية وهو قول من يقول: لارب ولا جنة ولا نار وهو قول صنفين من الزنادقة يقال لهم: الدهرية وهم الذين يقولون [وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ]( ) وهو دين وضعوه لانفسهم بالاستحسان على غير تثبت منهم ولا تحقيق لشئ مما يقولون ، قال الله عز وجل [إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ]( ) أن ذلك كما يقولون.
وقال [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ]( ) يعني بتوحيد الله تعالى فهذا أحد وجوه الكفر.
وأما الوجه الآخر من الجحود على معرفة وهوأن يجحد الجاحد وهو يعلم أنه حق ، قد استقر عنده وقد قال الله عز وجل [وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا]( ).
وقال الله عز وجل [وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ]( ) فهذا تفسير وجهي الجحود.
والوجه الثالث من الكفر كفر النعم وذلك قوله تعالى يحكي قول سليمان عليه السلام [هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ]( ).
وقال [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ]( ).
وقال [فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ]( ).
والوجه الرابع من الكفر ترك ما أمر الله عز وجل به وهو قول الله عزوجل [وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ]( )فكفرهم بترك ما أمر الله عز وجل به ونسبهم إلى الايمان ولم يقبله منهم ولم ينفعهم عنده.
فقال [فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ]( ).
والوجه الخامس من الكفر كفرالبراءة وذلك قوله عز وجل يحكي قول إبراهيم عليه السلام [كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ]( ) يعني تبرأنا منكم ، وقال يذكر إبليس وتبرئته من أوليائه من الانس يوم القيامة [إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ]( ) [وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا]( ) يعني يتبرء بعضكم من بعض)( ).
(الويل) إنذار ووعيد
الويل هو الهلكة والعذاب الشديد .
ورد في القرآن للإنذار ، وفيه دعوة للمسلمين للإستعاذة من الويل بالعصمة من الآثام والمعاصي .
ويتجلى في معاني وموضوع كلمة (فويل) في القرآن ومنها [فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ]( )، وقوله تعالى [فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ]( )، [فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ]( ).
و(عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ويل وادٍ في حهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره)( ).
وورد لفظ (فويل) مرتين في آية واحدة في الذين يحرفون الكتاب بقوله تعالى [فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ]( ).
وفي قوله تعالى [مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا]( ) ورد عن ابن عباس (لمّا نزلت هذه الآية شقّت على المسلمين مشقّة شديدة ، وقالوا : يا رسول الله وأيّنا لم يعمل سوءاً غيرك وكيف الجزاء.
فقال : منه ما يكون في الدنيا فمن يعمل حسنة فله عشر حسنات ،ومن يجازي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقيت له تسع حسنات ،فويل لمن غلب إحداه عشراه .
وأما ما كان جزاءه في الآخرة فإنه يؤخر إلى يوم القيامة فيقابل بين حسناته وسيئاته ، وينظر في الفضل فيعطى الجزاء في الجنة ، فيعطى كل ذي عمل فضله)( ).
معنى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (فويل لمن غلب إحداه عشراه) أي أن فعل الحسنة بعشرة حسنات ، وفعل السيئة بمثلها فاذا فعل سيئة واحدة بقيت عنده تسع حسنات ، أما إذا كثرت سيئاته وقلت السيئات فأنها تأتي على الحسنات القليلة .
وفي الصحيح عن الإمام الباقر عليه السلام قال (إن في بعض ما أنزل الله من كتبه أني أنا الله لا إله إلا أنا، خلقت الخير وخلقت الشر، فطوبى لمن أجريت على يديه الخير ، وويل لمن أجريت على يديه الشر وويل لمن يقول: كيف ذا وكيف ذا)( ).
لبيان أن الانتساب للكتاب لا يعني النجاة من الحساب والعقاب يوم القيامة لقانون وجوب الإيمان بالله والتنزيل المتقدم والمتأخر من الكتب السماوية والخشوع لله عز وجل وعدم التفريط بالآيات ، وهو الذي تدل عليه آية السياق بقوله تعالى [وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ]( ) ( ).
المسألة الثانية : من بشارات النبوة
من معاني ابتداء آية البحث بنداء [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] الشهادة من الله عز وجل للمسلمين بالإيمان بالله ونبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما جاء به من عند الله عز وجل .
لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً في مكة وكان أهلها على الشرك ، وقد نصبوا ثلاثمائة وستين صنماً في المسجد الحرام يتزلفون ويتقربون بها إلى الله عز وجل فلاقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أشد الأذى ، وضرب المشركون حصاراً اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً على بني هاشم لثلاث سنين من السنة السابعة إلى السنة العاشرة للهجرة .
واقترح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على رهط من أصحابه الهجرة إلى الحبشة لسلامة دينهم ، وقال لهم (لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَإِنّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ حَتّى يَجْعَلَ اللّهُ لَكُمْ فَرَجًا)( ).
وكان النجاشي وقومه على دين النصرانية .
لبيان مصداق عملي للصلة بين المسلمين وأهل الكتاب ، وانتفاء النفرة والعداوة بينهم ، وسورة آل عمران وآية البحث جزء من السور المدنية .
وتبين السيرة النبوية حسن الصلات بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل الكتاب من حين كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة قبل الهجرة إلى المدينة ، ومنه بشارة بحيرا الراهب بنبوته عندما رآه في تجارة مع عمه عبد المطلب ، وعمر النبي آنذاك اثنتا عشرة سنة ، وكذا بالنسبة لما ورد في كتب اليهود والنصارى من البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يقف الأمر عند هذه البشارات.
إنما تتضمن آيات القرآن الشواهد التي تدل على وجوه من التشابه بين بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والنبوات السابقة منها الآية السابقة التي أخبرت عن شهادة طائفة من أهل الكتاب بصدق رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
المسألة الثالثة : بين الخبر والإنشاء
جاءت آية السياق بصيغة الجملة الخبرية للبيان ، ومن خصائص الجملة الخبرية في القرآن أنها حق ولا تحتمل إلا الصدق للإخبار عن وجود طائفة من أهل الكتاب يتصفون بأمور حسنة إذ يؤمنون بالله عز وجل إلهاً ورباً وخالقاً ، وأنه الذي بعث الأنبياء وأنزل الكتب السماوية ، ويقرون بصدق نزول القرآن من عند الله للبشارات التي عندهم وللإعجاز الذاتي والغيري لآيات القرآن ، وفي التنزيل حكاية عن عيسى عليه السلام [وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ]( ).
مع بيان صفة النبي لتحليه بصفات الكمال الإنساني وتمام تبليغ الرسالة فيثني عليه الله عز وجل ، ويحمده الناس ، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ]( ).
وهل من عصمة الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته هداية طائفة من أهل الكتاب للتصديق برسالته .
الجواب نعم ، لما في هذا التصديق من الحجة على الذين كفروا .
وبالإسناد عن الصحابي (عياض بن حمار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم فقال في خطبته : إن ربي، عز وجل، أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا .
كل مال نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا.
ثم إن الله عز وجل نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم ، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظان)( ).
فقوله (إلا بقايا من أهل الكتاب) تفسير لآية السياق بأن أمة من أهل الكتاب يتوارثون البشارة برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويتدبرون في آيات القرآن ليدركوا معاني الإعجاز وفيوضات الرحمن فيها.
ومن معاني قوله صلى الله عليه وآله وسلم (بقايا من أهل الكتاب) وجوه :
الأول : لغة التبعيض ، فمن بقايا أهل الكتاب من لا يؤمنون بنزول القرآن .
الثاني : سخط الله عز وجل على الذين يشركون بالله عز وجل .
الثالث : توارث فريق من أهل الكتاب حمل لواء التوحيد .
و(عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاثة يُؤتَوْنَ أجرَهم مرتين ، فذكر منهم : ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي)( ).
وفي أسباب نزول آية السياق ورد (عن أنس قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه : قوموا فصلوا على أخيكم النجاشي ، فقال بعضهم لبعض : يأمرنا أن نصلي على علج من الحبشة ، فأنزل الله تعالى [وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ]( ).
وقال مجاهد وابن جريج وابن زيد: نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم)( ).
وهو الصحيح لأن المدار على عموم معنى الآية وليس سبب النزول وحده بالإضافة إلى صيغة الجمع في الآية ومنه [خَاشِعِينَ لِلَّهِ] وصيغة الجمع ولغة المضارع في قوله تعالى [لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا]( ).
الإستبشار بالبعثة النبوية
لما بعث الله النبي محمداً استبشرت طائفة من أهل الكتاب وأعلنوا تصديقهم برسالته ، ودخل طائفة منهم الإسلام عندما بلغتهم الدعوة سواء من اليهود أو النصارى أو المجوس أو الصابئة ، ولم يسلموا طمعاً في دنيا أو جاه إنما اسلموا في حال فقر وعوز المسلمين وكثرة أعدائهم وشدة محاربتهم لهم ، كما توثق آية ببدر هذه الحال ، إذ قال تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
ومنه ما ورد بخصوص عدي بن حاتم ، وذكر النبي محمد له الموانع التي قد تحول دون دخوله الإسلام إذ أطلعه الله عز وجل عليها ، وكيف أن الله عز وجل سيزيلها .
إذ قال له (لَعَلّك يَا عَدِيّ إنّمَا يَمْنَعُك مِنْ دُخُولٍ فِي هَذَا الدّينِ مَا تَرَى مِنْ حَاجَتِهِمْ فَوَاَللّهِ لَيُوشِكَنّ الْمَالُ أَنْ يَفِيضَ فِيهِمْ حَتّى لَا يُوجَدُ مَنْ يَأْخُدُهُ .
وَلَعَلّك إنّمَا يَمْنَعُك مِنْ دُخُولٍ فِيهِ مَا تَرَى مِنْ كَثْرَةِ عَدُوّهِمْ وَقِلّةِ عَدَدِهِمْ فَوَاَللّهِ لِيُوشِكَنّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْمَرْأَةِ تَخْرَجُ مِنْ الْقَادِسِيّةِ عَلَى بَعِيرِهَا حَتّى تَزُورَ هَذَا الْبَيْتَ لَا تَخَافُ .
وَلَعَلّك إنّمَا يَمْنَعُك مِنْ دُخُولٍ فِيهِ أَنّك تَرَى أَنّ الْمُلْكَ وَالسّلْطَانَ فِي غَيْرِهِمْ وَاَيْمُ اللّهِ لَيُوشِكَنّ أَنّ تَسْمَعَ بِالْقُصُورِ الْبِيضِ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ قَدْ فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ قَالَ فَأَسْلَمْت)( ).
وان هذا التحول إلى أحسن حال يحدث قبل أن يغادر عدي بن حاتم الدنيا لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لِيُوشِكَنّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْمَرْأَةِ تَخْرَجُ مِنْ الْقَادِسِيّةِ عَلَى بَعِيرِهَا حَتّى تَزُورَ هَذَا الْبَيْتَ لَا تَخَافُ .
وَلَعَلّك إنّمَا يَمْنَعُك مِنْ دُخُولٍ فِيهِ أَنّك تَرَى أَنّ الْمُلْكَ وَالسّلْطَانَ فِي غَيْرِهِمْ وَاَيْمُ اللّهِ لَيُوشِكَنّ أَنّ تَسْمَعَ بِالْقُصُورِ الْبِيضِ).
لذلك كان عدي بن حاتم يقول قد مضت اثنتان وبقيت الثالثة فقد رأى عدي الأمن والأمان في الجادة العامة بين الأمصار في خروج المرأة من القادسية على بعيرها لحج البيت الحرام من غير خوف.
وتقع القادسية في أطراف بادية العراق ، قال الإدريسي (ومن القادسية إلى الكوفة أحد وستون فرسخاً) والفرسح 5,5 كم ، أي بين القادسية وبغداد نحو (335)كم.
لتقطع المرأة المؤمنة البادية والصحراء في طريقها لأداء حج بيت الله عز وجل بأمان ببركة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
المسألة الرابعة : الخشوع لله
الخشوع هو التطامن والإخبات والخضوع لله عز وجل والتسليم بعلمه بحالنا ، وعظيم قدرته وسلطانه ، والخشوع في الصلاة حضور القلب عند التلاوة وأفعال الصلاة من غير سياحة القلب بهموم الدنيا ورغائبها ، قال تعالى [قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ]( ).
وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (كان يصلي رافعا بصره إلى السماء حتى نزل قوله [قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ]( ) فألزم بصره موضع سجوده)( ).
والصلاة مدرسة الخشوع ووسيلة تأديب المؤمنين على الخشوع لله عز وجل وتنمية ملكة الخشوع حتى خارج الصلاة .
وهل في الخشوع بذاته أجر وثواب ، الجواب نعم .
وعن الصحابي (معاوية بن الحكم السلمي قال : بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ عطس رجل من القوم ، فقلت يرحمك الله ، فرماني القوم بأبصارهم فقلت : واثكل أُمياه ما شأنكم تنظرون إلي .
فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم ، فلما رأيتهم يصمتونني سكت ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فوالله ما انتهرني ولا ضربني ولا شتمني.
ثم قال : إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن)( ).
ولقد أخبرت آية السياق عن خشوع طائفة من أهل الكتاب في أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى [خَاشِعِينَ لِلَّهِ]( ).
و(عن صهيب قال : مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ، فسلمت عليه فرد علي إشارة.
وأخرج البزار عن أبي سعيد الخدري : أن رجلاً سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فرد النبي صلى الله عليه وسلم إشارة ، فلما سلم قال له النبي صلى الله عليه وسلم : إنا كنا نرد السلام في صلاتنا فنهينا عن ذلك)( ).
قانون الخشوع لله
من بديع صنع الله قانون مصاحبة العبودية والخشوع لكل مخلوق لله عز وجل ، قال تعالى [وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( )، قال تعالى [لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ]( ).
وأصل الخشوع الذل والتطامن ويتجلى الخشوع في لين ورقة وخضوع القلب عمل الإنسان في صوته وبصره وجوارحه ، قال تعالى [وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ]( ).
وهل تدل آية البحث على اتصاف المسلمين بالخشوع لله عز وجل ، الجواب نعم ، من جهات :
الأولى : دلالة نداء الإيمان على بلوغ المسلمين مرتبة الخشوع لله عز وجل لقانون الملازمة بين الإيمان والخشوع والإخبات لله عز وجل .
الثانية : تلقي المسلمين الأوامر الأربعة الواردة في آية البحث بالإمتثال العام .
الثالثة : بيان أمور :
الأول : قانون الصبر من الإيمان .
الثاني : قانون الصبر حاجة للمؤمنين مجتمعين ومتفرقين .
الثالث : قانون الصبر طريق النصر .
الرابع : قانون الصبر في مرضاة الله خشوع له تعالى.
الرابعة : المرابطة في الثغور ، وانتظار وقت الصلاة من الخشوع لله عز وجل ، واستجابة لأوامره ، ويرابط المشركون أيضاً ولكن ليس لهم أجر ، بل يؤثمون لعدائهم للنبوة والتنزيل .
ويدب إلى نفوسهم الجزع والخوف مع كثرة عددهم وعدتهم ، أما المسلمون فان خشوعهم لله عز وجل واقية من الملل والسأم والجزع ، ومن الخشوع لله عز وجل الطمأنينة والسكينة ، قال تعالى [أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ]( ).
و(عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : أول ما يرفع من هذه الأمة الخشوع حتى لا يرى فيه خاشعا)( ).
الخامسة : تعاهد المسلمين لتقوى الله ، والنسبة بين التقوى والخشوع عموم وخصوص مطلق ، فالتقوى أعم .
السادسة : المرابطة في الثغور ، وأداء الصلاة في أوقاتها خشوع وإخبات لله ، وطاعة وخشية منه تعالى .
ومن خصائص الخشوع أنه سبب لتلقي البشارة بالفوز في الدنيا والآخرة ، لذا اختتمت آية البحث بقوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( )، وهي نفسها خاتمة سورة آل عمران والتي تتألف من مائتي آية .
من مصاديق الخشوع
من رشحات الخشوع لله عز وجل وجوه :
الأول : التواضع مع الناس والإحسان إليهم .
الثاني : قانون الخشوع واقية من الشيطان ، فهو لا يقرب الخاشعين لامتلاء قلوبهم بذكر الله ، ورجاء فضله .
الثالث : الخشوع لله باب للفوز بالعفو والمغفرة من عند الله عز وجل ، فلذا اختتمت آية البحث بقوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
و(عن عبادة بن الصامت قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خمس صلوات افترضهن الله على عباده ، فمن أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن ، وأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن ، كان له عهد على الله أن يغفر له ، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد ، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له)( ).
لذا لما سمع عبادة بن الصامت أن أحدهم قال : أن الوتر واجب ، قال : كذب أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : خمس صلوات افترضهن الله على عباده .
إفاضات شهر رمضان
من معاني الآية التعاون بين المسلمين في العبادات وفي طاعة الله وأداء الصلاة جماعة وفي الإمتثال لكل أمر من الأوامر الأربعة الواردة في آية البحث من منازل الإيمان ، ومنها الصيام والإستبشار بدخول شهر رمضان والتكافل والتآزر في أداء فريضة الصيام .
وعن عبد الله (ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان يلقاه جبريل كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ ، يعرض النبي صلى الله عليه وسلم عليه القرآن ، فإذا لقيه جبريل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة .
وأخرج ابن ماجه عن أنس قال (دخل رمضان : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذا الشهر قد حضركم . وفيه ليلة خير من ألف شهر . من حرمها فقد حرم الخير كله . ولا يحرم خيرها إلا محروم)( ).
وأخرج البزار عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لله تبارك وتعالى عتقاء في كل يوم وليلة من رمضان ، وإن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة ( ).
وأخرج الطبراني عن عبادة بن الصامت : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً وحضر رمضان : أتاكم شهر بركة يغشاكم الله فيه ، فتنزل الرحمة وتحط الخطايا ويستجيب فيه الدعاء ، ينظر الله إلى تنافسكم ويباهي بكم ملائكته ، فأروا الله من أنفسكم خيراً ، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله عز وجل .
وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني في الأوسط عن أنس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : هذا رمضان قد جاء تفتح فيه أبواب الجنة ، وتغلق فيه أبواب النار ، وتغل فيه الشياطين ، بعداً لمن أدرك رمضان فلم يغفر له إذا لم يغفر له فيه فمتى)( ).
لقد أراد الله عز وجل للمسلمين التحلي بالصبر في العبادات والمعاملات فان الدنيا دار الصبر والتحمل والرضا بما كتب الله عز وجل .
وابتدأت آية البحث بعد نداء الإيمان بالأمر للمسلمين بالصبر في الأمور العامة والخاصة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تسميته لبعض السور والآيات وتسمية شهر رمضان بشهر الصوم لبيان قانون موضوعية العبادة في تعيين أسماء الأيام والشهور والوقائع .
ومع أن الاسم غير المسمى فان الأسماء التوقيفية للسور والآيات والأيام والأشهر لها دلالة وفيها تأديب وهداية .
ومن إعجاز آية البحث أن كل أمر من الأوامر الأربعة فيها يحض على الصبر ، ويستلزم الصبر ، وورد النص فيها (اصبروا) (صابروا).
لبيان أن هذا الصبر طاعة لله ، قال تعالى [وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ]( ).
المسألة الخامسة : الإيمان بالله
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا ذات بهجة وزينة بالإيمان به تعالى والإقرار بربوبيته ، ويحجب الذين يجحدون ويشركون بالله عن أنفسهم التنعم بها وهو من مصاديق [وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( )، لذا تفضل الله عز وجل برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لانقاذ الناس من براثن الشرك والضلالة ولتزهو الدنيا بالإيمان بالله وأداء الفرائض العبادية ، قال تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ]( ).
وابتدأت كل من آية البحث والسياق بالإيمان بالله ، وتنجزه في الواقع ، أما آية البحث فابتدأت بنداء الإيمان [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] لبيان قانون الإسلام دين الإيمان ، وقانون النطق بالشهادتين حرز في النشأتين ، وأما آية البحث فابتدأت بالإخبار عن إيمان طائفة من أهل الكتاب بالله عز وجل .
ومن أسرار هذا الإبتلاء تنبيه المسلمين إلى وجود أمة مؤمنة من أهل الكتاب ، وأن قيام بعضهم بمؤازرة كفار قريش في حربهم على النبوة والتنزيل ، يجب أن لا يمنع المسلمين من حسن المعاملة والمعاشرة مع أهل الكتاب ، قال تعالى [وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى]( ).
ومن إعجاز آية السياق ذكرها لعلامات مخصوصة لهذه الطائفة تتقوم بالإيمان بالله ، وتتفرع عنه .
ومن بديع صنع الله عز وجل أن كل إنسان يدرك بالفطرة المراد من الإيمان بالله ، فهو أمر بسيط يتقوم بالإعتقاد الجازم بأن الله عز وجل [هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ]( ) والإيمان بربوية الله المطلقة وبالوهيته وبأسمائه وصفاته .
وهذه الفطرة أمر خلق الله عز وجل الناس عليه ، وهو من أسرار نفخ الروح في آدم بقوله تعالى [وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ]( ) وتوارث المسلمين الإيمان من الفطرة ، لذا توجه لهم النداء في أول آية البحث بصفة الإيمان .
لقد خلق الله عز وجل الخلائق ولا يمكنها تعاهد استدامة وجودها إنما الله عز وجل هو الذي يحفظها ، لقانون كل حادث له مُحدث ، قال تعالى [أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ]( ).
ولا يختص بديع الخلق بذات عالم الأكوان بل يشمل التناسق والتآلف ودقة سيرها وامتناعها عن التصادم فيما بينها ، قال تعالى [بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ]( ).
المسألة السادسة : قانون تعقب الثواب للمدح القرآني
تختص آية البحث بخصال حميدة عند المسلمين وبذلهم الوسع في طاعة الله عز وجل ، فمع قلة كلمات الآية فان كل كلمة مدرسة في الجهاد والصبر ومرضاة الله ، لبيان قانون الدنيا مزرعة يومية للآخرة .
أما آية السياق فتضمنت صفات حسنة عند طائفة من أهل الكتاب من اليهود والنصارى .
أي أن المدح للمسلمين بصبغة الإيمان جاء على نحو العموم الإستغراقي ، أما المدح في آية السياق فجاء لطائفة من أهل الكتاب من الملل المتعددة من اليهود والنصارى والمجوس .
لبيان أن القرآن الكتاب السماوي الذي يتضمن الإنصاف والمدح والثناء ، وقانون ترتب الثواب على المدح وأسبابه ، فاذا جاء المدح في القرآن لطائفة أو أهل ملة أو على نوع عمل صالح فأعلم أن الثواب والجزاء الحسن من عند الله ، وهو الذي اختتمت به كل من آية السياق بقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ]( ) وآية البحث بقوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
وفيه وجوه :
الأول : قانون الثناء في القرآن تزكية .
الثاني : المدح من عند الله شاهد على علمه تعالى بما في القلوب كما بالنسبة لحال الإيمان ، وعلمه بما يفعل كل إنسان ، إذ تدل آية السياق على الفصل والتمييز فيما بين أهل الكتاب أنفسهم من جهة الإيمان وعدمه.
الثالث : المدح في القرآن ذم للذين يتخلفون عنه .
وهل قول كل مسلمة ومسلمة سبع عشرة في الصلاة اليومية [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ) من مصاديق شكرهم لله عز وجل على مدحه لهم ، ومن هذا المدح نداء [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] في آية البحث ، الجواب نعم .
ومن فضل الله عز وجل أن شكرهم هذا والمتكرر كل يوم يأتي على نحو الوجوب العيني ليكتب كل واحد منهم عند الله من الشاكرين ، فتستديم النعم ، ومنها هدايتهم للعمل بمضامين آية البحث هذا إلى جانب آيات الحمد لله في القرآن الكثيرة .
ومن الإعجاز في السنة النبوية إكثار النبي محمد بأدعية الحمد لله ليرغّب المسلمين بها ، ويبين لهم قانون الإجتهاد في الشكر لله عز وجل خير محض .
و(عن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول : سمع الله لمن حمده ، اللهم ربنا لك الحمد ، ملء السماء والأرض وملء ما شئت من شيء بعد .
اللهم أهلَ الثناء والمجد أحقّ ما قال العبد ، وكلنا لك عبد ، اللهمّ لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدّ منك الجد)( ).
وكان الإمام جعفر الصادق عليه السلام يدعو عند قراءة (كتاب الله عزوجل : اللهم ربنا لك الحمد أنت المتوحد بالقدرة والسلطان المتين ولك الحمد أنت المتعالي بالعز والكبرياء وفوق السماوات والعرش العظيم ربنا ولك الحمد أنت المكتفي بعلمك)( ).
ومن خصائص آيات (الحمد لله) أنها ترسيخ لقوانين التوحيد في الأرض ، وواقية من الإستكبار .
المسألة السابعة : التنزيل
لقد ذكرت آية السياق الإيمان بالتنزيل مرتين :
الأولى : الإيمان بنزول القرآن من عند الله .
الثانية : الإيمان بنزول التوراة والإنجيل .
وهل الإيمان بالتنزيل من ضرورات الدين ، الجواب نعم .
فقد أبى الله إلا أن يجعل التنزيل حبل صلة بينه وبين خلفاء الأرض وهم الناس الذين سخر لهم ما في السموات والأرض ، لذا أمر الله عز وجل بالتمسك بالقرآن ، قال تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا]( ).
ونزلت آية البحث بأربعة أوامر من الله عز وجل للمسلمين لبيان قانون الإيمان إعتقاد وقول وفعل لا يقبل التفكيك .
ثم أختتمت الآية بالبشارة بالفوز والغلبة والنصر ، وهو من مصاديق قوله تعالى [فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا]( ).

المسألة الثامنة : الكتاب
الكتاب لغة يطلق على كتابة ومكتوب ، والكتاب اسم ، والكتاب مصدر ، كتب الشئ يكتبه كتاباً (والكِتابُ الكتابة: مصدر كتبت. والمُكْتِبُ: المعلم. والكُتَاب: مجمع صبيانه)( ).
قال الحسن البصري (كان الحجَّاج مُكْتِباً بالطائف، يعني معلِّماً)( ).
وقد تفضل الله عز وجل بانزال الكتب على الأنبياء ، وقد ورد لفظ (الكتاب) في القرآن (261) مرة لإرادة القرآن تارة ، والتوراة والإنجيل تارة ، واللوح المحفوظ أخرى .
كما ورد لفظ [أَهْلِ الْكِتَابِ] كما في آية السياق لإرادة اليهود والنصارى والمجوس ، لبيان الرحمة والتخفيف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بأن بعثه الله ، وهناك أمم تنسب إلى كتاب سماوي وتعمل بمضامينه .
ليتدبروا هم وعامة الناس في وجوه الإلتقاء والتشابه بين القرآن والكتب السابقة مع أسباب الترجيح التي يتصف بها القرآن ، قال تعالى [وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ]( ).
وقد تكرر لفظ الكتاب في الآية أعلاه أما لفظ الكتاب الأول فالمراد منه القرآن ، وأما الثاني فالمراد التوراة والإنجيل لدلالة الحصر في قوله تعالى [مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ]( ).
(وحكى الأَصمعي عن أَبي عمرو بن العَلاء أَنه سمع بعضَ العَرَب يقول وذَكَر إِنساناً فقال فلانٌ لَغُوبٌ جاءَتْهُ كتَابي فاحْتَقَرَها فقلتُ له أَتَقُولُ جاءَته كِتابي ؟ فقال نَعَمْ أَليس بصحيفة فقلتُ له ما اللَّغُوبُ ؟ فقال الأَحْمَقُ)( ).
والكتاب الغرض والحكم والقدر ، قال تعالى [ُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى]( ).
وعن الصحابي زيد بن خالد الجهني والذي كان معه لواء جهينة يوم الفتح (أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال أحدهما : يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله.
وقال الآخر وهو أفقههما : أجل يا رسول الله أقضِ بيننا بكتاب الله وائذن لي في أن أتكلم .
فقال : تكلم.
فقال : إن ابني كان عسيفاً على هذا قال مالك : والعسيف الأجير فزنا بامرأته، فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت منه مائة شاة وبجارية .
ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فردَّ عليك، وجلد ابنك مائة وتغريبه عاماً)( ).
والمراد من كتاب الله في الحديث أعلاه أعم من القرآن ، فلم يرد في القرآن حكم النفي والتغريب ، فيشمل الكتاب الوحي .
وقال تعالى [وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ]( )وكتاب الله هنا أي كتب الله عليكم ، وأخذ موثقكم ، وشهد عليكم ، وقيل أن لفظ [كِتَابَ] في الآية أعلاه نصب على الإغراء ، وهو أسلوب بلاغي لحث وتنبيه المخاطَب على إتيان أمر محمود .
الصلة بين بدايتي الآيتين
ابتدأت آية السياق بحرف الإستئناف والتوكيد بخصوص طائفة من أهل الكتاب ذوي خصال حميدة في باب الإيمان ، إذ أخبرت الآية بأنهم يؤمنون بالله ويؤمنون بنزول القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وما يدل عليه هذا الإيمان من التصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه رسول من عند الله يأتيه الوحي والتنزيل ، ويؤمنون بالتوراة والإنجيل بقوله تعالى [وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ]( ) أي أنهم يؤمنون بنزول التوراة على موسى عليه السلام ، والإنجيل على عيسى عليه السلام ويؤمن النصارى بنبوة موسى عليه السلام .
وهل هناك من اليهود من يؤمن بنبوة عيسى أم أن فرق اليهود كلها تقف عند الإيمان برسالة موسى ونزول التوراة ، الجواب هو الأول نعم أكثر اليهود لا يقولون بنبوة عيسى عليه السلام وأنه ليس صاحب شريعة ناسخة لشريعة موسى وأن الإنجيل كتاب جمع أحوال عيسى من مبدئه إلى كماله .
جمعه أربعة من أصحابه الحواريين ، ومنهم من يصدق بعيسى من جهة مواعظه وحكمه وإرشاداته وأنه دعا الناس إلى التوراة ، وأنه من بني إسرائيل من أتباع موسى عليه السلام وأنه ليس بنبي .
ومنهم من قال أنه ليس من بني إسرائيل لأن عقيدتهم بأن المسيح في آخر الزمان يهودي .
ولكن القرآن سماه المسيح وأنه رسول الله ، قال تعالى [إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ]( ).
فاثبت القرآن اسم المسيح لعيسى عليه لاسلام وأنه ابن مريم ، ولد بمعجزة من عند الله [أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ]( ) أي بصيغة الماضي لإبطال القول بأنه سيولد في آخر الزمان ، إذ أنه آخر الأنبياء الذين سبقوا النبي محمداً.
ومع أن موضوع آية السياق هو خصوص طائفة من أهل الكتاب فأن الخطاب متوجه فيها إلى المسلمين بأجيالهم المتعاقبة لقوله تعالى [وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ]( )، أي يؤمنون بما أنزل الله على المسلمين ، والمراد نزول القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكون من معاني [وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ] الثناء على المسلمين من جهات :
الأولى : قانون إكرام الله عز وجل للمسلمين .
الثانية : قانون اتحاد صبغة الإيمان بين المسلمين .
الثالثة : نزول القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فتلقاه المسلمون ، وكأنه أنزل عليهم .
الرابعة : قانون حضور القرآن بين ظهراني المسلمين ، وفي عباداتهم ومعاملاتهم ، ومنه تلاوة كل مسلم ومسلمة القرآن سبع عشرة مرة في اليوم والليلة ، كما وردت آية قرآنية في خطاب للمسلمين [وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ]( ).
وابتدأت آية البحث بنداء التشريف إلى المسلمين والمسلمات مع أوامر تخصهم كل فرد منها يؤتى به على نحو الوجوب العيني أو الكفائي أو الندب.
تقدير نداء الإيمان
ابتدأت آية البحث بنداء الإيمان، وفيه إكرام للمسلمين ، وبعث للعمل بمضامين آية البحث .
ومن وجوه تقدير أول الآية وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا اعملوا بمضامين هذه الآية .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا ذكوراً وإناثاً .
الثالث : البشارة للمسلمين والموعظة للناس جميعاً .
وتقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا ستعملون بمضامين هذه الآية وسيعينكم الله على الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى .
الرابع : يا أيها الناس لقد أكرم الله عز وجل المسلمين بنداء الإيمان .
الخامس : يا أيها الناس لقد أكرم الله عز وجل المسلمين بمخاطبتهم بنداء الإيمان ، واتخاذ هذا النداء مقدمة للتكاليف .
السادس : يا أيها الذين آمنوا لقد أكرمكم الله بأن خصكم بنداء الإيمان.
السابع : يا أيها الذين آمنوا تعاهدوا نداء الإيمان برسمه في القرآن ، وسلامته من التحريف وبالعمل بمضامينه .
الثامن : يا أيها الناس اسعوا للفوز بنداء (يا أيها الذين آمنوا) من عند الله عز وجل بالنطق بالشهادتين .
التاسع : يا أيها الذين آمنوا بالله إلهاً وخالقاً ورباً ، قال تعالى [ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ]( ) .
العاشر : يا أيها الذين آمنوا برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وان القرآن كلام الله الذي أنزله عليه .
الحادي عشر : يا أيها الذين آمنوا بالملائكة والنبيين واليوم الآخر ، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا]( ).
الثاني عشر : نزول نداء [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] عيد للمسلمين يتجدد في تلاوة كل آية من آيات نداء الإيمان .
الثالث عشر : قول [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] مصاحب لوجود الناس إلى يوم القيامة ، ففي كل زمان هناك أمة تستحق تلقي هذا النداء من السماء وتعمل بمضامينه .
الرابع عشر : قانون الدنيا دار الإيمان وتتزين بندائه النازل من عند الله عز وجل .
الخامس عشر : نداء الإيمان يزيد الإيمان ، عذوبة ويبعث في النفوس الشوق للعمل بسنن التقوى.

الوجه الثاني : صلة آية البحث بقوله تعالى [لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ]( )، وفيها مسائل :
المسألة الأولى : طريق الجنة
ذكرت آية السياق الجنة على نحو التعيين وعداً من عند الله عز وجل للمتقين بقوله تعالى [لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ].
ولم تذكر آية البحث الجنة بالاسم ولكنها ذكرت الطريق إليها من جهات:
الأولى : الإيمان بالله والنبوة .
الثانية : الصبر في طاعة الله ، كأداء الصلاة اليومية في أوقاتها .
الثالثة : تحمل الأذى في مرضاة الله ، والإستعداد لملاقاة المشركين في الدفاع عن بيضة الإسلام ، وإن لم يكن قتال مع المشركين فهل من موضوعية للمصابرة ، الجواب نعم .
لبيان عدم اختصاص هذا الأمر بمغالبة الأعداء ، ولمعان السيوف ، فمن المصابرة مواجهة الشدائد والفتن ، ومجاهدة النفس والهوى ، والصبر على المكابرة الطارئة لتكون عوناً يومياَ حاضراً وإدخاراً للفوز بالجنة ، قال تعالى [وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ]( ).
ومن مصاديق قوله تعالى [وَصَابِرُوا] الهمة العالية والسعي لبلوغ المراتب السامية في سبل الخير ، وترك الدعة والكسل والخمول .
وفي المرسل (عن عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام ان النبي صلى الله عليه وآله قال: علامة الصابر في ثلاث، أولها أن لا يكسل، والثانية أن لا يضجر، والثالثة أن لا يشكو من ربه تعالى، لانه إذا كسل فقد ضيع الحق ، وإذا ضجر لم يؤد الشكر وإذا شكى من ربه عز وجل فقد عصاه)( ).
ومن حب الله عز وجل للمسلمين توجه الأمر المتعدد لهم في آية البحث لجني الحسنات ، لذا اختتمت الأوامر فيها بوجوب تقوى الله عز وجل .
وهل صبر يعقوب عليه السلام [فَصَبْرٌ جَمِيلٌ]( ) من مصاديق الصبر أو المصابرة في آية البحث أو ليس منهما ، الجواب إنه منهما مجتمعين ومتفرقين .
المسألة الثانية : النسبة بين التقوى والصبر
التقوى هي الخشية من الله عز وجل ، واتيان ما أمر الله عز وجل به من العبادات وفي المعاملات لوجوه :
الأول : قانون ترشح عمل المؤمن عن التقوى .
الثاني : قانون التقوى حرز وأمن في النشأتين .
الثالث : قانون التقوى فقاهة وسمو ورفعة .
الرابع : قانون التقوى حاجة للفرد والجماعة والأمة .
الخامس : قانون مصاحبة التقوى للمؤمن في العبادات والمعاملات .
السادس : قانون التقوى فوز وفلاح ، فلذا اختتمت آية البحث بقوله تعالى [إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ]( ).
السابع : الصبر في السراء والضراء فرع التقوى ، فالنسبة بينهما هي العموم والخصوص المطلق .
وإن قلت قد ورد قوله تعالى [إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ] في إفادة العطف والغيرية بين التقوى والصبر ، والجواب إنه من عطف الخاص على العام .
ليكون من معاني قوله تعالى [لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ]( ) في آية السياق لكن الذين اتقوا ربهم بالصبر في حال الرخاء والشدة ، وعند ملاقاة المشركين في ميدان القتال ، وقد ورد بخصوص معركة أحد قوله تعالى [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ]( ) .
و(عن الشعبي قال: بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين فشق ذلك عليهم ، فأنزل الله تعالى [أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ]( ).
فبلغ كرز الهزيمة فرجع ولم يأتهم فلم يمددهم الله بالخمسة آلاف، وكانوا قد أمدوا بألف من الملائكة.
وروى عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله (مردفين) قال: متتابعين، أمدهم الله تعالى بألف، ثم بثلاثة، ثم أكملهم بخمسة آلاف.
ذكر سيماء الملائكة يوم بدر وروى ابن سعد عن عباد بن حمزة بن الزبير قال: نزلت الملائكة يوم بدر عليهم عمائم صفر، وكان على الزبير يوم بدر ريطة صفراء قد اعتجر بها.
وروى البيهقي عن ابن عباس قال: كان سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد أرسلوها على ظهورهم، ويوم خيبر عمائم حمرا)( ).
المسألة الثالثة : مرتبة التقوى
لقد أختتمت آية البحث بقوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] والفلاح عنوان عام للمكاسب والمنافع والعطايا من عند الله عز وجل ، ولا يقدر عليها إلا الله عز وجل ، ومنها البشارة بالجنة ، كما ورد في آية السياق [لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ]( ) وهل تدل آية البحث على بلوغ المسلمين مرتبة التقوى ، الجواب نعم من جهات :
الأولى : نداء [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وفيه شهادة من الله عز وجل للمسلمين بالإيمان به تعالى ، والتصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن القرآن كلام الله عز وجل .
ومن معاني هذا التصديق عمل المسلمين بمضامين وأحكام آيات القرآن ، وهو باب واسع مبارك للفلاح والسوق إلى الجنة ، قال تعالى [قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ *وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ]( ).
الثانية : الصبر من مقامات الإيمان ، وليس الصبر مطلقاً ، فقد يكون كافر يتحلى بالصبر في ملاقاة مصاعب الحياة ومشاق العمل ، فيكون الصبر وبالاً عليه وسبباً في زيادة ذنوبه .
فقدمت آية البحث نداء الإيمان ليكون الصبر في ذات الله وطاعة له تعالى ، وفي مرضاته وحباً للقائه .
وفي المرسل عن الحسن البصري (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أفضل الإِيمان الصبر والسماحة .
وأخرج مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إنه من يستعف يعفه الله ، ومن يستغن يغنه الله ، ومن يتصبر يصبره الله ، ولم تعطوا عطاء خيراً وأوسع من الصبر)( ).
الثالثة : المصابرة والمطاولة في التحمل ، والإجتهاد في طاعة الله ، وطرد الجزع والملل والكسل والخمول ، قال تعالى [فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ]( ).
الرابعة : تعاهد أداء الفرائض العبادية ، وأداء الصلاة في أوقاتها ، ورصد الأهلة استعداداً لصيام شهر رمضان ، وأداء للحج ، قال تعالى [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا]( )وإعطاء الأشهر الحرم حقها بأجتناب القتال فيها .
المسألة الرابعة : قانون الفوز بالجنة فلاح
لقد تضمنت آية السياق الوعد الصريح الذي لا يقدر عليه وعلى تنجزه إلا الله عز وجل ،وهو دخول الجنة ، إذ أن الدار الآخرة ملك طلق لله عز وجل ، وفي التنزيل [لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ]( ) ، وفيه وجوه :
الأول : قانون الفلاح مقدمة لدخول الجنة .
الثاني : قانون الفلاح طريق مباركة إلى الجنة .
الثالث : الفلاح هدى وحرز وتوفيق .
الرابع : قانون دخول الجنة تمام الفلاح .
ترى ما هي النسبة بين الفلاح والكمال الإنساني ، المختار أن الفلاح ثمرة الكمال نعم ، لا ينحصر الفلاح به لأن الله عز وجل ذو الفضل العظيم .
وتبين آية السياق قانون الملازمة بين التقوى ودخول الجنة لذا جاءت آية البحث بأفراد مباركة من التقوى لبيان قانون آية (صابروا) طريق إلى الجنة.
وتتجلى مصاديق التقوى في آية البحث من وجوه :
الأول : الصبر من مقامات الإيمان .
الثاني : المصابرة ومجالدة المشركين .
الثالث : انتظار أوقات الصلاة ، والمرابطة في الثغور .
الرابع : الأمر بتقوى الله عز وجل لبيان أن صلة قوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ]( ) بالأوامر الثلاثة السابقة من عطف العام على الخاص .
وكل وجه من هذه الوجوه الأربعة جاء على نحو الوجوب لأصالة الوجوب في الأمر ، فلابد للمسلمين من الصبر والمصابرة والمرابطة والخشية من الله في السر والعلانية .
المسألة الخامسة : وصف الجنة حجة
لقد ذكرت آية السياق الجنة ثواباً من عند الله لخصوص المتقين الذين أطاعوا الله عز وجل في الحياة الدنيا ، لبيان سبل استحقاق دخولها ، وأن هذا الدخول لبث دائم فيها لوجوه :
الأول : قانون الجنة دار الكرامة الأبدية .
الثاني : قانون الجنة دار النعيم الممتنع عن الزوال .
الثالث : قانون عصمة أهل الجنة من الموت أو الفناء .
وهو الذي تدل عليه آية السياق [خَالِدِينَ فِيهَا]( ) ففيها أصناف الملذات ، وهي خالية من المنغصات ، قال تعالى [يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]( ).
وذكرت آية السياق جريان الأنهار من تحت قصور وبساتين الجنة ، لبيان استمرار نعيم الجنة من غير إنقطاع ، وتفرع مصاديق النعم عن جريان الأنهار ، وهو عنوان لرضا الله عز وجل عن عمل أصحاب الجنة في الدنيا ، ويدل الحديث النبوي على أن منزلة رضوان الله عز وجل أعلى من مرتبة الجنة ، وأن أصحابها يفوزون بهذا الرضوان فضلاً ولطفاً من عند الله عز وجل .
وعن (أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة . فيقولون : لبيك يا ربنا وسعديك والخير في يديك .
فيقول : هل رضيتم؟ فيقولون : ربنا ، وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطه أحداً من خلقك .
فيقول : ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ قالوا : يا رب وأي شيء أفضل من ذلك .
قال : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً)( ).
والحديث أعلاه مصداق وتفسير لقوله تعالى [وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ]( ).
وبيان القرآن لخصائص الجنة المباركة حجة للمؤمنين في جهادهم وسعيهم في طاعة الله ، وحجة على الذين كفروا في صدودهم واستكبارهم ، ونزلت آية البحث من وجوه :
الأول : قانون الآية القرآنية مصداق للفوز برضوان الله .
الثاني : قانون هداية الله المسلمين لسبل السعي إلى الجنة .
الثالث : قانون قرب الجنة من المؤمنين الذين يصبرون ويصابرون ويرابطون في طاعة الله .
الرابع : قانون تقوى الله طريق الفلاح والسؤدد.
المسألة السادسة : التباين في سعة الجنات
من خصائص القرآن قانون البيان الإعجازي ، إذ يدل قوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ) في البيان العام والخارق بما لا عين رأت ولا أذن سمعت لأن المبُين أكبر وأعظم من أن تحيط به العقول ، ومنه وصف القرآن للجنة من حيث السعة .
وكيف أنه ذكرها بصيغة الجمع (جنات) كما في آية السياق ، وبصيغة المفرد لإرادة الجنس مع التعدد والتباين إذ ذكرت سعة الجنة في آيتين إحداهما على نحو الإطلاق من غير قيد التشبيه كما في قوله تعالى [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ]( ).
والثانية مع أداة التشبيه الكاف كما في قوله تعالى [سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ]( ).
فهل المعنى في الآيتين واحد ، الجواب بينهما عموم وخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق بينهما ، لبيان تعدد الجنات .

تقسيم الجنات
أقسم الجنات تقسيماً مستحدثاً وهو ان الجنات على قسمين :
الأول : جنة مساحتها مساحة السماوات والأرض ، إذا مدت واتصلت بعضها ببعض ، وهي التي أعدها الله عز وجل للمتقين ، ومنهم الذين ذكرتهم آية البحث بقوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
الثاني : جنة مساحتها تشبه مساحة السموات والأرض لبيان أنها أصغر مساحة من الجنة أعلاه ، بلحاظ أن المشبه دون وأقل من المشبه به ، والأقل هنا بخصوص المساحة والسعة على نحو الحصر .
وبينما ذكرت الآية أعلاه من سورة آل عمران السموات بصيغة الجمع ذكرت الآية أعلاه السماء في هذه الآية بصيغة المفرد ، والمراد منه اسم الجنس لبيان وجوه :
الأول : أعلى الجنات مرتبة وهي جنة الفردوس أوسع وأكبر مساحة من غيرها .
الثاني : الجنات التي أعدّها الله عز وجل أكبر من السموات والأرض ، فمنها ما تكون مساحتها مثل مساحة السموات والأرض ، وأخرى أقل قليلاً وهي تشبه مساحة الجنة الأوسع والأكبر منها.
الثالث : يظهر التباين في المساحة بين الجنتين في بداية الآيتين أعلاه ، فورد السعي إلى الجنة الخالية من التشبيه بقوله تعالى [وَسَارِعُوا] لبيان استيعابها للمتقين أياً كانت كثرتهم وزيادة عددهم فهي أوسع وأكبر من غير تنافس أو تسابق وتزاحم .
بينما ورد في آية التشبيه أعلاه من سورة الحديد قوله تعالى [سَابِقُوا] للتنافس والمسابقة في دخول هذه الجنة كالمسابقات على الجوائرْ ، فالجنة التي في سورة آل عمران أوسع وأكبر لذلك ورد ذكر السموات فيها بصيغة الجمع ومن غير تشبيه [عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ]( ).
وهل في هذا التباين بين صيغة الجمع والمفرد دلالة على المختار المستحدث بأن جنة المتقين أوسع وأن أجيال الناس جميعاً لو سارعوا إليها بالتوبة والعمل الصالح فانها تسعهم من غير تسابق ، الجواب نعم .
ليتجلى قانون موضوعية الحرف القرآني الواحد في بيان الموضوع ووجوه الإلتقاء والإختلاف في معاني كلمات وآيات القرآن ، وهو من الشواهد على سلامة القرآن من التحريف والزيادة والنقصان .
وهل يمكن القول بأن المراد من العرض في عرضها هو العرض الذي خلاف الطول ، الجواب نعم ، وهو المتعارف ، وهو لا يتعارض مع إرادة معنى السعة العامة والذي ورد في كتب اللغة ، يقال (عرض : عَرُضَ الشيء يعرُضُ، فهو عريض. والعَرْضُ مجزوماً: خلاف الطول)( ).
(والعَرْض: خلاف الطُّول. والعُرْض لِما لم تَحُدَّ طولَه)( ).
وقيل (جزيرة العرب – ما بين عدَن أبْيَن الى أطرار الشّام في الطّول وأما في العرض فمن جُدّة وما والاها من شاطئ البحر الى ريف العراق وقيل هي ما بين حفر أبي موسى الى أقصى تِهامة في الطّول ، وأما في العرض فما بين رمْل يَبْرين الى منقطع السّماوة)( ).
وعدد الجنات ثمانية أعلاها جنة الفردوس .
و(عن معاذ قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فأصبحت قريباً منه ونحن نسير .
فقلت : يا نبيّ الله ألا تخبرني بعمل يدخلني الجنّة ، ويباعدني من النار.
قال : يا معاذ لقد سألت عن عظيم ، وإنّه ليسير على من يسّرهُ الله عليه ، تعبد الله لا تشرك به شيئاً ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحجّ البيت.
ثمّ قال : ألاَ أدلُّك على أبواب الخير. الصوم جُنّة من النار والصدقة تطفئ غضب الربّ وصلاة الرجل في جوف الليل ثمّ قرأ [تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ]( ) حتّى بلغ [جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]( ) ثمّ قال : ألا أخبرك بملاك ذلك كلّه .
فقلتُ : بلى يا رسول الله. فأخذ بلسانه. فقال : اكفف ، عليك هذا.
فقلت : يا رسول الله وإنّا لمؤاخذون بما نتكلّم .
فقال : ثكلتك أُمّك يا معاذ وهل يكبّ الناس في النّار على وجوههم أو على مناخرهم إلاّ حصائد ألسنتهم)( ).
ولا يمنع التباين في سعة الجنات من إلتقائها في كثرة النعم في كل منها ، والتشابه بينها (وفي الحديث القدسي أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)( ).
المسألة السابعة : من معاني [نُزُلًا]
لقد أخبرت آية السياق بصيرورة المتقين في الآخرة [نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ]( ) وفيه وعد كريم بضيافة عند الله عز وجل في بحبوحة الجنة مثوى ومقراً دائماً ، ومن معاني [نُزُلًا] في آية السياق إتصاف النعيم الأخروي بأمور :
الأول : قانون إستدامة النعيم الأخروي على نحو التأبيد .
الثاني : نعيم الجنة جسماني وروحاني بذات أجساد أهلها المتقين التي في الدنيا ، لذا قال تعالى [وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ]( ).
الثالث : أحكام آية البحث طريق إلى الجنة .
وقد وردت كلمة [نُزُلًا] ست مرات في القرآن ، خمسة منها في البشارة للمؤمنين بالإقامة والخلود في النعيم ، منها آية السياق ، وقال تعالى [أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]( ).
ووردت مرة واحدة في إنذار الذين كفروا بقوله تعالى [إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا]( ).
وفي نوح عليه السلام إذ أمره الله عز وجل بالدعاء [وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ]( ).
ومن إعجاز القرآن صيرورة هذا الدعاء تركة نبوية كريمة لأجيال المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة ، إذ يدعون به في كل يوم في الصلاة اليومية وخارجها ، لبيان أمور :
الأول : قانون القرآن خزينة أدعية الأنبياء .
الثاني : قانون المسلمون ورثة الأنبياء في أدعيتهم .
الثالث : لم يترك الأنبياء ذهباً أو فضة ، إنما تركوا أدعية ، ليتجلى قانون الأدعية أعظم تركة وإرث .
ومن خصائص آية البحث أن كل أمر من الأوامر الأربعة التي تتضمنها دعوة سماوية ليكون المسلم في ضيافة الرحمن في الآخرة .
والمنُزل : اسم وهو مكان الضيافة والجمع أنزال.
ليكون المنزل في آية السياق صفة للجنات التي تجري تحتها الأنهار ، ويجتهد المسلم لينزل ضيفاً في هذه النزل التي [عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ]( ).
المسألة الثامنة : بشارة خواتيم الآيات
من إعجاز القرآن البشارات في خواتيم الآيات كما في آية السياق بقوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( )وفيه مسائل :
الأولى : خاتمة الآية القرآنية دعوة للتفقه في الدين .
الثانية : خاتمة الآية باعث على العمل الصالح .
الثالثة : بيان عظيم قدرة الله عز وجل ، وأنه الوهاب .
الرابعة : صدق نزول القرآن من الله عز وجل ، وهو الذي أحكم آياته .
الخامسة : استحضار المسلمين لمضامين الآية في الوجود الذهني .
السادسة : ترغيب المسلمين بتلاوة القرآن ، والتدبر في خواتيم آياته سواء الآيات التي أختتمت بالبشارة أو الآيات التي أختتمت بالإنذار .
وتتصف خواتيم آيات القرآن بأنها مدرسة عقائدية ، وكل واحدة منها موعظة عامة بذاتها ، وموعظة بصلتها بالخواتيم الأخرى ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ]( ).

تقسيم خواتيم الآيات
لخاتمة الآية القرآنية موضوعية في دلالتها والعمل بمضامينها وقد تتعلق خاتمة الآية بمضامين آيات سابقة لها أيضاً ، كما في قوله تعالى [طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ * هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ]( ).
وخواتيم آيات القرآن مدرسة كلامية مستقلة تستنبط منها المسائل والأحكام .
ويمكن إحصاء خواتيم الآيات وتقسيمها إلى أقسام :
الأول : الآيات التي تختتم بالبشارة وهي على جهات :
الأولى : البشارة في الدنيا .
الثانية : البشارة في الآخرة .
الثالثة : البشارة في الدنيا والآخرة ، وآية البحث من هذه الجهة لقوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
الثاني : الآيات التي تختتم بالإنذار والوعيد ، ومنها خواتيم عدد من الآيات والسور المكية مثل سورة الزلزلة التي اختتمت بقوله تعالى [وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ]( )، واختتمت سورة الطارق بقوله تعالى [فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا]( ).
الثالث : الآيات التي تختتم بالأحكام أو بالخبر كما في قوله تعالى [بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ]( ).
الرابع : الآيات التي تختتم بالعنوان الجامع للبشارة والإنذار كما في خاتمة الآية السابقة [إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ]( )، فهي بشارة للمؤمنين ، وإنذار ووعيد للكافرين .
الخامس : خاتمة الآيات التي تبين عظيم قدرة الله وسعة سلطانه ومشيئته ، منها قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( )، إذ وردت آيات القدرة المطلقة خمساً وثلاثين مرة في القرآن ، وفي خواتيم الآيات باستثناء قوله تعالى [أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا]( ).
ومنها [إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ]( )، [وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا]( )، وهذه الآية خاتمة سورة الجن.
والمختار أن علم خواتيم الآيات غير علم خواتيم السور وإن التقت في بعض الوجوه كما في خاتمة آية البحث التي هي أيضاً خاتمة لسورة آل عمران .
المسألة التاسعة :
اختتمت آية السياق بقوله تعالى [وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ]( ) الذين أصلحوا دنياهم ودينهم بانتهاج سبل الخير والصلاح .
فاختتمت آية السياق بالوعد الكريم والنفع العام لهم ، وما ادخره الله عز وجل لهم من حين دخولهم عالم البرزخ وإلى يوم القيامة ، وفيه مسائل:
الأولى : النسبة بين المؤمنين والأبرار عموم وخصوص مطلق ، فالمؤمنون أعم ، لذا ورد قوله تعالى [رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ]( ) ( ).
الثانية : لم يرد لفظ [لِلْأَبْرَارِ] في القرآن إلا في آية البحث ، ووردت كلمة [الْأَبْرَارِ] خمس مرات في القرآن وباستثناء الآية أعلاه فقد وردت الآيات الأربعة الأخرى كلها بخصوص الجنة والنعيم الأخروي ، مرة في سورة الإنسان [إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا]( ).
وواحدة في سورة الانفطار [إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ]( ).
ومرتين في سورة المطففين [كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ]( ).
الثالثة : ينال المؤمنون العاملون بمضامين آية البحث مرتبة الأبرار ، فمن خصائص الجمع بين آية البحث وآية السياق البشارة للعاملين بالأوامر الواردة في آية البحث بنيل مرتبة الأبرار واستحقاق الثواب العظيم الذي أعده الله عز وجل لهم .
الرابعة : هل يشترط عمل المسلم بالأوامر الأربعة التي في آية البحث مجتمعة لنيل مرتبة الأبرار أم يكفي العمل بشطر منها ، الجواب الأصل أن واو العطف في المقام تفيد الجمع مع تنجز الموضوع.
والله يهب الكثير بالقليل ، وفي التنزيل [مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا]( ).
ومن خصائص آية البحث بعث المسلمين على الإمتثال بجد وإخلاص لكل أمر من الأوامر الأربعة الواردة فيها .
الصلة بين بدايتي الآيتين
ابتدأت آية البحث بذكر وجود أمة من المتقين والثناء عليهم لترغيب الناس بالإيمان والخشية من عند الله عز وجل وأنه سبحانه يهدي أمة من الناس للتقوى والصلاح .
أما آية البحث فابتدأت بنداء الإيمان ، والتقوى أخص من دخول الإسلام ، وموضوع آية السياق شامل للمتقين من أيام آدم إلى يوم القيامة .
فلا يختص بالمسلمين لبيان قانون حفظ الله لمواثيق الأنبياء ، وقانون ثناء الله على المتقين من الأمم السالفة .
وهل يمكن تقدير آية البحث : يا أيها الذين آمنوا كونوا من المتقين ، الجواب نعم ، ويدل عليه قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
ويصح تقدير أول آية البحث (يا أيها الذين آمنوا بربهم) لأن الإيمان بالله إلهاً وخالقاً ومالكاً ورازقاً [وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ) أصل الإيمان .
والنسبة بين الإيمان والعبادة عموم وخصوص مطلق ، فالإيمان أعم ، ولابد للناس من عبادة الله لقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ]( )، والصلاة إيمان ، والصيام إيمان ، وحج البيت الحرام إيمان لما فيها من قصد القربة إلى الله والإمتثال لأوامره .
الصلة بالآية قبل السابقة
لقد ذكرت آية السياق خصلة حميدة للمؤمنين وهي التقوى بقوله تعالى [لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ]( ) لقانون التقوى سور الموجبة الكلية لعالم القول والعمل ، ولتتعقبها منافع عظيمة في النشأتين ثواباً من عند الله عز وجل.
في بيان التضاد بين المؤمنين وبين الذين كفروا الذين تقدم ذكرهم بقوله تعالى [لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ]( ) ومنه التضاد في باب الإعتقاد والعمل وكيف أن تقلب الذين كفروا في الأمصار متاع قليل سرعان ما ينقطع ، إما بكساد التجارة كما في انقطاع تجارة قريش إلى الشام واليمن ، لتسخيرهم إبل وأموال التجارة في محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في معركة بدر ، وأحد ، والخندق ، أو بلحوق الخزي لهم والكبت في الميدان كما في قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ) ( ).
أو بدخولهم الإسلام ومنه فتح مكة سلماً ، أو بهلاكهم ، قال تعالى [وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ]( ).
لتكون معاني حرف الإستدراك (لكن) في أول آية السياق على وجوه :
الأول : التباين بين حال المؤمنين والذين كفروا .
الثاني : بيان قانون متاع ونعم المؤمنين في الآخرة بالخلود في الجنات .
الثالث : قانون الدنيا مزرعة الآخرة .
الرابع : قانون التقوى في الدنيا ثروة ، وهي ضد المتاع القليل الذي ذكرته الآية التي قبل آية السياق .
الخامس : التباين بين موضوع آية السياق والآية التي قبلها .
ومن فضل الله عز وجل أن تقيد المؤمنين بسنن التقوى وتعاهدهم لأداء الفرائض العبادية سكينة وطمأنينة وغبطة ، فمن خصائص العبادات أنها زينة الحياة الدنيا وتزيدها بهجة تنعكس بسكينة تكون مقدمة ووعاء لأداء العبادات وعمل الصالحات .
بحث أصولي – الأمر-
الأمر لغة على وجوه :
الأول : الشأن والحال ، والجمع أمور ، يقال فلان أموره حسنة .
الثاني : الأمر : النماء والبركة .
الثالث : الأمر : طلب الفعل ورجاء الإمتثال ، ويأتي غالباً على نحو الإستعلاء ، والجمع أوامر .
وقد يجتمع الوجه الأول والثالث أعلاه في لفظ واحد كما في قوله تعالى [أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ]( ) فالخلق إيجاد الشئ من العدم ، أما الأمر فهو التدبير والتصرف والمشيئة ، والأوامر إلى الخلائق .
والمراد من الأمر في الإصطلاح هو الوجه الثالث أعلاه .
ووردت مادة (أمر) في القرآن نحو (248) مرة منها مرة واحدة بصيغة الفعل الماضي في توبيخ إبليس بقوله تعالى [قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ]( ).
وضد الأمر النهي ، وهو اللفظ المستعمل لطلب الترك ، ليكون هذا الترك أمراً وجودياً .
وتتقوم وتثبت الأحكام بالأمر والنهي ، وبهما يكون التمييز بين الحلال والحرام .
والأصل في صيغة الأمر هي (اِفعل) كما في قوله تعالى [وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ]( )، وقوله تعالى [وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا]( ) .
ويأتي بصيغة الفعل المضارع ومعه لام الأمر مثل قوله تعالى [ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ]( ).
ومنه الجملة الخبرية التي يراد منها الأمر والطلب وبداعي البعث على الفعل كما في قوله تعالى [وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ]( ).
وبصيغة الفعل المبني للمجهول كما في قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ]( ).
والمراد من كلمة كُتب : أي وجب وفرض .
ومن الإعجاز في آية البحث ورود أربعة أوامر فيها بصيغة (افعلوا) وكل أمر من كلمة واحدة لبيان بلاغة القرآن ، وأن كلماته من جوامع الكلم فتدل أربعة أوامر في آية البحث على أربعة مدارك فقهية وعقائدية وكلامية حاضرة في حياة المسلمين اليومية من دون أن تستلزم تحصيلاً دراسياً في الجامعات .
لبيان أمور :
الأول : قانون الأحكام الشرعية بسيطة وواضحة .
الثاني : قانون مخاطبة القرآن للناس على مختلف مداركهم .
الثالث : قانون المسلمون من أولي الألباب .
ومن إعجاز القرآن أن لفظ [أُولِي الْأَلْبَابِ] ورد ست عشرة مرة بالنصب ، وبالرفع (اولو) ولم يختص بالمسلمين بل ورد أيضاً عاماً في مخاطبة العقول ، نعم فيها دعوة للتفكر والتدبر ، قال تعالى [إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ]( )، [فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ]( ).
وقد يأتي الفعل (افعل) للطلب والبعث على الفعل من غير استعلاء ، بل أن الإستعلاء فيه متعذر كما في قوله تعالى بخصوص طلب إسماعيل من أبيه إبراهيم [يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ]( )، ولبيان إقرار إسماعيل بأن رؤيا الأنبياء وحي .

الأوامر بصيغة المفرد
تنحل الأوامر في آية البحث بصيغة المفرد إلى :
الأول : يا أيها الذي آمن اصبر .
الثاني : يا أيها الذي آمن صابر .
الثالث : يا أيها الذي آمن رابط .
الرابع : يا أيها الذي آمن اتق الله .
وكذا وجوه أخرى في الخطاب لكل مسلمة مع سقوط المرابطة عن المرأة لأن المرابطة فرع الجهاد بالسلاح ولكن مرابطة المرأة في تعاهد الصلاة بأوقاتها ، وأربعة أخرى في خطاب المسلمات بمضامين آية البحث من جهات:
الأولى : يا أيتها اللاتي آمّن إصبرن .
الثانية : يا أيتها اللاتي آمن صابرن ، وصحيح أن القتال ساقط عن النساء ، ولكن موضوع المصابرة أعم ، وحتى في القتال فان النساء يعضدن الرجال بتربية الأولاد وإدارة أمور البيت وبالدعاء .
وفي معركة أحد خرجت فاطمة عليها السلام وعائشة وصفية عمة النبي وغيرهن إلى المعركة وشاركت بعض النسوة في علاج الجرحى .
و(عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنّهُ سُئِلَ عَنْ جُرْحِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ فَقَالَ وَاَللّهِ إنّي لَأَعْرِفُ مَنْ كَانَ يَغْسِلُ جُرْحَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ .
وَمَنْ كَانَ يَسْكُبُ الْمَاءَ وَبِمَا دُووِيَ كَانَتْ فَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَغْسِلُهُ وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَسْكُبُ الْمَاءَ بِالْمِجَنّ .
فَلَمّا رَأَتْ فَاطِمَةُ أَنّ الْمَاءَ لَا يَزِيدُ الدّمَ إلّا كَثْرَةً أَخَذَتْ قِطْعَةً مِنْ حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهَا فَأَلْصَقَتْهَا فَاسْتَمْسَكَ الدّمُ)( ).
الثالثة : يا أيتها اللاتي آمن رابطن في أداء الصلاة .
الرابعة : يا أيتها اللاتي آمنّ بالله والتنزيل اتقين الله .
وقد ذكر لفظ [اتَّقِينَ] بصيغة الغائب وإفادة المسلمات في الأجيال المتعاقبة بقوله تعالى [لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا]( ).
بحث أصولي – الأمر بصيغة العموم-
من معاني آية البحث صيغة العموم في الأوامر التي تضمنتها فلا يختص قوله تعالى [اصْبِرُوا] بأمر أو زمان أو حالة مخصوصة ، بل ورد بصيغة الإطلاق ، وكذا الأوامر الثلاثة الأخرى في آية البحث [َصَابِرُوا] [رَابِطُوا] [اتَّقُوا اللَّهَ] .
وتتقوم الفرائض العبادية بالصبر ، ففريضة الصيام صبر عن الأكل والشرب وسائر المفطرات طيلة ساعات النهار من أيام شهر رمضان .
والصيام نوع مصابرة ومجاهدة للنفس لتحمل الجوع والعطش ، وقيام المسلمين بتوصية بعضهم بعضاً بلزوم الصيام والأخلاق الحميدة أيام شهر رمضان .
ومن مصاديق المصابرة قوله تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ]( ).
لقد وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة بأنها مرابطة ، إذ ورد عن الإمام علي عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ألا أدلكم على ما يكفر الله به الذنوب والخطايا؟ إسباغ الوضوء على المكاره ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلك الرباط)( ).
فان الصيام من الرباط لوحدة موضوع العبادات في تنقيح المناط وانتظار المسلمين شهر رمضان بين شهور السنة .
وهذا الإنتظار من أسرار إنفراد شهر رمضان بالذكر في القرآن من بين شهور السنة .
والصيام من أظهر مصاديق التقوى والخشية من الله عز وجل في العبادات والمعاملات والواقع اليومي .
وهل آية البحث عون على أداء الصيام ، الجواب نعم ، لذا ابتدأت بنداء الإيمان وهي ذات البداية التي افتتحت بها آية الصيام بقوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]( ).
والنسبة بين كل من [اصْبِرُوا] [وَصَابِرُوا] [ وَرَابِطُوا] وبين الصلاة والصيام عموم وخصوص مطلق لوجوه :
الأول : أداء الصلاة والصيام صبر في طاعة الله ، قال تعالى [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ]( ).
الثاني : بعث آية البحث المسلمين على التعاون والتآزر في أداء الواجبات العبادية ، وهل من معاني قوله تعالى [وَصَابِرُوا] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الجواب نعم ، ويمكن تسميتها المصابرة الذاتية لأنها بين المسلمين في أمور خاصة وعامة ، ولا تختص بالمصابرة في مواجهة المشركين .
الثالث : دلالة آية البحث على قانون المرابطة في الصلاة والصيام والتكاليف العبادية .
الرابع : كل فعل عبادي من مصاديق قوله تعالى في آية البحث [وَاتَّقُوا اللَّهَ].
الخامس : ذات أداء العبادات فلاح ، وهي طريق إلى الفلاح والفوز بالنعيم الأخروي .
وكما ورد الأمر [وَاتَّقُوا اللَّهَ] في آية البحث فانه جاء في آية الصيام بقوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]( ).
وتلتقي خاتمة الآيتين برجاء الفلاح والفوز باللبث الدائم في النعيم الأخروي .
ومن خصائص صيغة العموم في الأمر وجوه :
الأول : توجه الأمر إلى المسلمين على نحو العموم المجموعي والعموم الإستغراقي .
الثاني : إرادة تعاون المسلمين في الإمتثال للأمر الإلهي ، وهذا التعاون من مصاديق قوله تعالى [وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ]( ).
الثالث : إنحلال الأمر العام إلى أفراد شخصية بعدد المسلمين .
فيكون تقدير آية البحث : يا أيها الذي آمن اصبر وصابر ورابط واتق الله لعلك تفلح .

اجتماع الأمر والنهي في الآية الواحدة
آيات الإيمان بخصوص الأمر والنهي على أقسام :
الأول : الآيات التي تتضمن الأمر المتحد .
الثاني : الآيات التي تتضمن الأمر المتعدد [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
الثالث : الآيات التي فيها النهي المتحد كما في قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
الرابع : الآيات التي ورد فيها النهي المتعدد [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا]( )، [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( ).
الخامس : الآيات التي جاء فيها الأمر والنهي معاً [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ]( ).
والأولى إحصاء آيات كل قسم من هذه الأقسام .
وقد صدرت لي والحمد لله ستة أجزاء خاصة بتفسير نداء الإيمان [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وهي الأجزاء 135-136-137-138-139-140.
إعجاز الآية الذاتي
لقد ابتدأت آية البحث بنداء الإيمان [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وفيه وجوه :
الأول : توجه هذا النداء لكل مسلم ومسلمة إلى يوم القيامة .
الثاني : قانون نداء الإيمان تشريف وإكرام .
الثالث : قانون نداء الإيمان عهد وولاء .
الرابع : تذكير المسلمين بفوزهم بأداء الوظائف العبادية .
الخامس : نداء الإيمان من مواريث الأنبياء .
السادس : نداء الإيمان بيان لنيل المسلمين مرتبة (أمة الإجابة) للأوامر والنواهي القرآنية .
السابع : بيان مصداق لقانون مصاحبة النصر للإيمان ، لقوله تعالى [إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ]( ) ولم يرد لفظ (لننصر) في القرآن إلا في الآية أعلاه .
ومن الإعجاز في نداء الإيمان عجز الناس عن إحصاء أفراده ، فعدد نداءات الإيمان في القرآن تسعة وثمانون تتوجه كل يوم منذ أيام التنزيل وإلى يوم القيامة إلى ملايين المسلمين ، وفيه وجوه :
الأول : الله عز وجل وحده هو الذي يحصي أعداد نداء الإيمان الموجهة إلى المسلمين بلحاظ تعدد أفراد الأمة ، وتوالي الأيام ، وهذا التعدد من مصاديق قوله تعالى [كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ]( ).
و(عن أبي الدرداء : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله [كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ]( ) قال : من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين)( ).
وهو من مصاديق قوله تعالى [وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا]( ).
الثاني : قانون استدامة الإيمان في الأرض .
الثالث : قانون المدد والعون والتمكين من الله للمؤمنين ، قال تعالى [وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ]( ).
الرابع : هيمنة القرآن وأحكامه على سنخية عمل المسلمين ، وحضور آياته في المجتمع عند العمل ، لذا تضمنت آية البحث مع قلة كلماتها أربعة أوامر بصيغة الجمع وهي :
الأول : اصبروا .
الثاني : صابروا .
الثالث : رابطوا .
الرابع : اتقوا الله .
ومن الإعجاز الذاتي للآية اختتامها بالبشارة التي تبعث على العمل بمضامينها بقوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
لبيان أن الدنيا دار امتحان ، واختبار وأن مضامين آية البحث سبيل للنجاة فيها .
وكل فرد منها هو صلاح وسلامة من الخزي ومن الهزيمة بلحاظ التحلي بالصبر في حال الأمن والدعة ، والمصابرة والمرابطة في الدفاع عن بيضة الإسلام والنبوة .
وتبين الآية الحاجة إلى تقوى الله في كل قول وعمل وليس في الأمور التي ذكرتها الآية وحدها ، لوجوه :
الأول : قانون التقوى سور مبارك للأعمال .
الثاني : قانون التقوى واقية من الغفلة والخسارة .
الثالث : قانون التقوى طريق الفلاح في الدارين .
لقد اختتمت سورة آل عمران بأربعة أوامر في آية البحث لتكون سوراً للعمل بأحكام ومضامين هذه السورة المباركة ، وفي فضلها (روي عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : من قرأ السورة التي يُذكر فيها آل عمران يوم الجمعة صلى اللّه عليه وملائكتهُ حتى تغيب الشمس.
زرّ بن حُبيش عن أُبي بن كعب قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : من قرأ سورة آل عمران أُعطي بكلَّ آية منها أماناً على جسر جهنَّم.
وعمر قال : سمعتُ رسول اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم يقول : تعلَّموا البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان ، وإنهما يأتيان يوم القيامة في صورة ملكين شفعاء له جزاءً حتى يدخلاه الجنَّة)( ).
وعن (ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم : من قرأ سورة آل عمران يوم الجمعة صلى الله عليه و ملائكته حتى تجب الشمس .
بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم تعلموا سورة البقرة و سورة آل عمران فإنهما الزهراوان و أنهما تظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف)( ).
ويمكن تسمية آية البحث آية (صابروا) ولم يرد هذا اللفظ ، و(رابطوا) إلا في آية البحث.

إعجاز الآية الغيري
من معاني ابتداء آية البحث بنداء الإيمان هداية المسلمين لمسالك الصلاح والرشاد ، ودعوة الناس للإيمان لما فيه من الإكرام لمن يدخل الإسلام ، والشهادة له بالإيمان ، إذ ينحل نداء الإيمان بعدد المسلمين الرجال لكل واحد منهم (يا أيها الذي آمن) ولكل امرأة مسلمة (يا أيتها التي آمنت).
وهل يكون تقدير الآية : يا أيها المؤمن ويا أيتها المؤمنة ، الجواب نعم ، والنسبة بين الذين آمنوا والمؤمنين عموم وخصوص مطلق ، فالمراد من الذين آمنوا الذين دخلوا الإسلام وأدوا الفرائض العبادية ، أما المؤمنون فهم الذين امتلأت قلوبهم بالإيمان والتصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ولبيان أن الإيمان قول وعمل [قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ]( ).
ولا تشمل الآية أعلاه كل الأعراب ، إنما وردت بخصوص طائفة منهم ، امتنوا على النبي باسلامهم إذ قالوا : اسلمنا ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان .
ونزلت الآية في أعراب بني أسد بن خُزيمة ، عن مجاهد( ).
ويدل على التخصيص قوله تعالى [وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
ومن إعجاز الآية تنمية ملكة الصبر عند المسلمين في حال السلم ، والأمور العامة بقوله تعالى [اصْبِرُوا].
وفي حال ملاقاة العدو والإعداد للقاء والمرابطة بقوله تعالى [وَصَابِرُوا] ترى ما هي النسبة بين قوله تعالى [اصْبِرُوا وَصَابِرُوا]( ) في آية البحث وقوله تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ]( )، الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، فآية البحث أعم لتغشي الصبر لأيام المسلمين ومنهاج عملهم ، ومعاملاتهم في حال السلم والحرب ، والرخاء والشدة .
لقد ورد قوله تعالى [تُفْلِحُونَ] في القرآن إحدى عشرة مرة كلها بقوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] وباستثناء واحدة منها في خطاب النبي هود لقومه عاد فالجميع خطابات إلى المسلمين يتعقب الأوامر والنواهي للبعث على العمل في سبيل الله والسعي للفوز في الآخرة .
وورد قوله تعالى [يُفْلِحُونَ] مرتين وبصيغة النفي والذم كما في قوله تعالى [قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ]( ).
ومن إعجاز خاتمة سورة آل عمران اختتامها بالفلاح للمسلمين والمسلمات جزاء لسعيهم في طاعة الله وتحليهم بالصبر في أداء الفرائض وحبس النفس عن المعاصي والسيئات .
ويدل إقتضاء الإيمان بالتنزيل على العمل بأحكامه فلذا جاءت آية البحث بأربعة أوامر ، كل أمر بكلمة واحدة ليعمل بها مليارات المسلمين في الأجيال المتعاقبة وهو من الإعجاز الغيري لآية البحث ، وعدد كلمات القرآن هو (77439) كلمة لبيان إتصاف القرآن بخصوصية كثرة الأوامر والنواهي فيه ، وإحاطتها بعالم أفعال البشر .
الآية سلاح
من خصائص هذه الآية تعدد الأوامر فيها مع قلة كلماتها ، وكل أمر من الأوامر الأربعة التي تتضمنها سلاح يومي لحفظ الإسلام والنبوة وآيات القرآن ، ويستلزم السعي الحثيث بنداء الإيمان تشريفاً وحضاً على الإمتثال لما فيها من الأوامر ، ولقانون الصبر سور وحاجة للأعمال العبادية وفي المعاملات .
وكل إنسان يحتاج الصبر ، ويمتاز المسلمون والمسلمات بنزول الأمر بالصبر لهم من عند الله ، الصبر في طاعة الله ، والصبر عن المعاصي والسيئات .
ومن خصائص القرآن أنه تعليم وتأديب سماوي وهو من مصاديق الحكمة في قوله تعالى [كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ]( ).
وفي الآية وجوه :
الأول : قانون الصبر سلاح لمواجهة الشدائد والمحن .
الثاني : آية البحث تنمية لملكة الصبر .
الثالث : قانون حاجة المسلمين مجتمعين ومتفرقين إلى الصبر لإستدامة الإيمان ، لذا ابتدأت آية البحث بنداء الإكرام .
ترى ما هي النسبة بين قوله تعالى [صَابِرُوا] في آية البحث وبين التواصي بالصبر ، في التواصي بالصبر في سورة العصر [وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ]( ).
المختار أن النسبة بينهما هي العموم والخصوص المطلق ، فقوله تعالى [اصْبِرُوا] أعم ، وهو من سورة آل عمران وهي سورة مدنية ، أما سورة العصر فهي مكية .
ومن معاني [صَابِرُوا] توصية المسلمين بعضهم بعضاً بالصبر ، وهو من مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وهو لا يتعارض مع المعنى المتبادر من الآية بمصابرة الذين كفروا وعدم دبيب الجزع إلى قلوب المسلمين ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ]( ).
ومن أسلحة الإيمان المرابطة في الثغور التي هي دفع للقتال ، وحماية للأوطان والنفوس ، وسبب لأداء الفرائض العبادية .
مفهوم الآية
ابتدأت الآية بنداء الإيمان [يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وبلحاظ المفهوم فيه مسائل:
الأولى : تفضل الله عز وجل بالشهادة للمسلمين والمسلمات بالإيمان .
الثانية : استعداد وتهيئ المسلمين لتلقي الأحكام لقانون الإسلام دين عقيدة وعمل .
الثالثة : قانون تعقب الأوامر والنواهي للنطق بالشهادتين .
الرابعة : قانون من الإرادة التكوينية وهو وجود أمة مؤمنة في كل زمان وإلى يوم القيامة .
الخامسة : من مفاهيم نداء [يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ترغيب الناس بدخول الإسلام ، فصحيح أن المنطوق موجه إلى المسلمين إلا أنه يجذب الناس للإيمان من وجوه :
الأول : الحسن الذاتي للإيمان .
الثاني : قانون الإيمان من الفطرة ، وهو من أسرار نفخ الله من روحه في آدم ، قال تعالى [وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ]( )، وهل هذا النفخ مقدمة وجزء علة لتعليم الله عز وجل آدم الأسماء ودلالته على فتح أبواب العلم للإنسان ، الجواب نعم ، قال تعالى [عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]( ).
الثالث : قانون اللطف الإلهي بتقريب الناس للإيمان بالآيات والبراهين والبلاء والإبتلاء .
الرابع : آيات البشارة والإنذار في التنزيل ، وفي عالم الأكوان ، ليكون ما فيها من البشارة والإنذار من تسخيرها للناس ، قال تعالى [وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ]( ).
السادسة : ترغيب المسلمين بالإتحاد والتآلف والتكافل لدلالة نداء الإيمان على مخاطبتهم كأمة واحدة ، قال تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ).
ويدل الأمر الإلهي [اصْبِرُوا] على لزوم تحمل الأذى والرضا بقسم الله ، والصبر والتحمل في أمور الدين والدنيا ، وعلى النفع العظيم للصبر ، وجني ثماره ولو بعد حين ولقانون الصبر طريق إلى الفلاح لذا اختتمت آية البحث بقوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
ومن مفاهيم قوله تعالى [وَصَابِرُوا] العصمة من الملل والتقاعس في الثبات على الإيمان وفي ملاقاة المشركين ، ويجلب الإمتناع عن المصابرة الضرر العام وهو من أسباب التهلكة لما فيه من إغواء وفتنة المشركين.
وهل تنفع مصابرة المسلمين غيرهم ، الجواب نعم ، لأن هذه المصابرة شاهد على الإيمان ، وسبب لتوبة وإنابة الذين كفروا ، والزجر عن التعدي على ثغور الإسلام .
ومن خصائص الجمع بين الصبر والتقوى الأمن من كيد وبطش الذين كفروا وإن كانوا هم الأكثر في العدة والعدد ، قال تعالى [وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ]( ).
ومنها حضور الملائكة لنصرة المؤمنين حال قدوم المشركين للقتال ، قال تعالى [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ]( ).

الصبر في طاعة الله فلاح
واختتمت آية البحث بقوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ) لبيان فضل الله عز وجل في هداية المسلمين إلى سبل الفلاح ، وأن الله عز وجل لم يترك الناس وشأنهم إنما بعث الأنبياء وأنزل الكتب السماوية لهدايتهم ، وختمها بنزول القرآن وجعله الله عز وجل [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( )، ومنه بيان سبل الفلاح ومنها خمس وردت في آية البحث وهي :
الأول : الإيمان بالله ورسوله والتنزيل بلحاظ أن نعت المسلمين بالذين آمنوا طريق إلى الفلاح ، وتقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا لعلكم تفلحون بالعمل بالأوامر الإلهية واجتناب ما نهى الله عز وجل عنه .
الثاني : قانون الصبر شعبة من الإيمان ، وسبيل نجاة في الآخرة يوم يدخل الملائكة على أهل الجنة من كل باب [سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ]( ).
وهل الصبر من مصاديق خلافة الإنسان في الأرض ، الجواب نعم ، ومن مفاهيم الآية أن من يريد الفلاح فعليه بالصبر في طاعة الله .
الثالث : تؤدي مصابرة المؤمنين إلى خزي وهزيمة الذين كفروا وإن كانت الكثرة والرجحان في الحساب لصالحهم ، كما حدث في معركة بدر ، وأحد ، والخندق ، إذ أظهر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرون والأنصار الصبر والتحمل ليتم بعدها فتح مكة في شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة سلماً ومن غير قتال يعتد به .
وعن (أبي بن كعب قال : لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلا ، ومن المهاجرين ستة ، فمثلوا بهم ، وفيهم حمزة فقالت الأنصار : لئن أصبناهم يوما مثل هذا لنربين( ) عليهم .
فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله عز وجل [وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ]( ) فقال رجل : لا قريش بعد اليوم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كفوا عن القوم غير أربعة)( ).
الرابع : بيان خاتمة آية البحث أن الدنيا دار امتحان واختبار ، وقانون نتيجة الإيمان والصبر والصلاح هي الفلاح .
ليكون من مفاهيم قوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] الخيبة والخسارة للذين كفروا لأنهم يحرمون أنفسهم من النجاح والفلاح ومن السعادة والهناء في الآخرة.
إفاضات الآية
الفيض لغة الغزير والوفرة والتدفق والعطاء الكثير.
والفيض الجريان السهل ، قال تعالى [تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ]( ).
ومنه في مناسك الحج [فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ]( )، [ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ]( ).
وتفضل الله عز وجل وجعل كل آية من القرآن تفيض بالعلوم ، وتأتي بصيغة الأمر والنهي لتكون علماً بذاتها ، وبالإمتثال لأحكامها .
ومع قلة كلمات آية البحث فانها تتضمن ستة خطابات موجهة لكل المسلمين ، نداء ، وأربعة أوامر ، ورجاء لبيان أهلية المسلمين لتحمل أعباء ومسؤوليات الخلافة في الأرض بقوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]( ).
ويتكون كل أمر في البحث من كلمة واحدة لتشمل العقيدة السليمة والعبادات والمعاملات والأخلاق ، وبناء صرح الإيمان وحسن العاقبة .
فمن مصاديق قوله تعالى [يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] أي آمنوا بالله والنبوة واليوم الآخر ، والذي يؤمن بعالم الآخرة يجتهد في طاعة الله عز وجل للفوز بالجنة والنجاة من النار .
فبعد أن قال الله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ]( ) أخبر عن فوز المسلمين بالإمتثال وحسن عبادتهم لله .
فجاءت أوامر آية البحث لتؤكد أن العبادة مناسك وسنن من التقوى يستحضرها المسلم في عالم الفعل .
ومن إفاضات الآية إدراك المسلمين للحاجة العامة للعمل بأحكام آية البحث والمنافع العظيمة لها ، وهو من بركة تلاوة كل مسلم ومسلمة آيات القرآن سبع عشرة مرة كل يوم في الصلاة اليومية الواجبة لوجوه :
الأول : قانون توالي تلاوة آيات القرآن باعث على العمل بآياته .
الثاني : قانون استحضار مضامين آيات القرآن في الوجود الذهني عند القول أو الفعل .
الثالث : قانون آيات القرآن حرز في حال مداهمة البلاء والفتن .
الآية لطف
من أسماء الله عز وجل (اللطيف) والذي ورد سبع مرات في القرآن منها قوله تعالى [أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ]( ).
ومنه علم الله تعالى بلحاظ آية البحث أمور :
الأول : أهلية المسلمين لتلقي خطاب الإكرام من الله تعالى .
الثاني : فوز المسلمين بمرتبة (الذين آمنوا) .
الثالث : صيرورة المسلمين دعاة للناس جميعاً للإيمان والصلاح .
الرابع : ومن اللطف الإلهي بيان آية البحث ما يلزم المسلمين من الواجبات .
الخامس : بعث آية البحث المسلمين على التحلي بالصبر في كل الأحوال ، قال تعالى [أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى]( ).
فلابد من التكاليف العبادية ، وإتخاذ الدنيا داراً لأداء الصلاة والصيام وضروب العبادة الأخرى ، واستحضار رضا الله عز وجل عند الهم بالقول ، أو الإقدام على الفعل .
و(عن سعيد بن جبير قال : سألت ابن عباس عن قول الله [أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى]( ) أشيء قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهل من قبل نفسه ، أم أمره الله به؟ قال : بلى . قاله من قبل نفسه ، ثم أنزله الله)( ).
ولكن هذا القول خلاف الإطلاق في موضوعية الوحي فيما يقول ويفعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى]( ).
ومن إعجاز القرآن أن كل آية من القرآن لطف من عند الله ، وكذا كل أمر ونهي فيه ، ويتجلى اللطف الإلهي في آية البحث من وجوه :
الأول : الثناء على المسلمين بنداء الإيمان .
الثاني : بيان وجوب الصبر على المسلمين ، وقانون بالصبر تنال الرغائب ، وتكون النجاة من الفواجع .
الثالث : لا يعرف المسلمون المصابرة لولا نزول قوله تعالى [وَصَابِرُوا] لتكون لها موضوعية في وحدة المسلمين والتكاليف والتكافل فيما بينهم .
الرابع : من اللطف الإلهي في الآية تأسيس نظام المصابرة في الحياة العامة للمسلمين إلى جانب ما فيها من الثواب العظيم .
الخامس : قوله تعالى [وَصَابِرُوا] فقاهة في الدين ، وبصيرة في الوقائع والأحداث .
السادس : إشارة آية البحث إلى قيام المشركين بالتعدي على المسلمين في ثغورهم ، وكانت معركة أحد والخندق شاهداً على هذا التعدي ، وقيام المشركين بغزو المسلمين وإرادة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإن دأبت وتوارثت كتب السيرة والتفسسير على جعلها غزوتين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أن الواقع الثابت في ذات الكتب بأن المشركين هم الغزاة ، مما يدل على الحاجة إلى المرابطة ، ومن اللطف الإلهي في آية البحث تعاهد المسلمين للمرابطة وعدم التفريط بها .
السابع : تقرب آية المسلمين إلى سنن الطاعة بأمر الله عز وجل بالتقوى والخشية منه تعالى في عالم الأفعال بقوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ].
الثامن : اختتمت الآية ببيان الفضل الإلهي بالأوامر الأربعة الواردة في آية البحث وأنها طريق إلى الفلاح والنجاح ، وهذا الفلاح لطف لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، وهو من مصاديق قوله تعالى [اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ]( ).
اللطف الإلهي
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار امتحان واختبار ، مع المدد والعون من الله عز وجل للعباد باللطف والإحسان للناس جميعاً ، وتقريبهم إلى منازل الهداية والرشاد وهو من مصاديق قوله تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ]( ).
ولو انكشف الغطاء للناس لانقطعوا لعبادته وانشغلوا بالتسبيح والذكر ، ولكنه تعالى أرجأ الكشف العام عن لطفه إلى يوم القيامة ، مع تفضله باظهار مصاديق أكثر من أن تحصى منه في الحياة الدنيا ، منها آية البحث وما فيها من الدعوة للإيمان ، وتعدد الأوامر .
ويمكن تقسيم اللطف الإلهي تقسيماً استقرائياً إلى أقسام :
الأول : اللطف الإلهي العام بالناس جميعاً ، ومنه الرزق الكريم واستدامة الحياة والأمن .
الثاني : اللطف الإلهي بالمسلمين ، ومنه قوله تعالى [يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وهدايتهم إلى سبل الهداية والرشاد .
الثالث : اللطف الإلهي بالمؤمنين الذين يرتدون لباس التقوى ، قال تعالى [وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا]( ).
الرابع : اللطف الإلهي الخاص بكل إنسان على نحو مستقل وهو على شعبتين :
الأولى : ما يشبه لطف آخر رزقه الله لعدد من الناس .
الثانية : اللطف الخاص الذي ينفرد به كل إنسان ، فلم يأت مثله لغيره من الناس .
ولا تستطيع الملائكة ولا الخلائق وإن اجتمعت إحصاء معشار من اللطف الإلهي بالعباد ، والله وحده هو الذي احصاه وعدّه ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا]( ).
و(عن ابن عباس وابن عمر قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة غير واحد ، من أحصاها دخل الجنة)( ).
وفي ذكر عدد الأسماء الحسنى في الحديث أعلاه وجهان :
الأول : الوقوف عند هذه الأسماء التي في القرآن والسنة بلحاظ أنها توقيفية ، ولا تصح الزيادة أو النقيصة فيها .
الثاني : ورد الحديث أعلاه من باب السعة والكثرة في أسماء الله ، وليس الحصر .
والمختار هو الثاني وهو مشهور علماء الإسلام ، ومنها الأسماء المستقرأة من الكتاب والسنة غير المذكورة بالنص .
ويدل على السعة في المقام ما ورد (عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أصابه هم أو حزن فليقل : اللهم إني عبدك ، وابن عبدك ، وابن أمتك ، ناصيتي في يدك ، ماض فيّ حكمك ، عدل فيّ قضاؤك .
أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ، ونور بصري ، وذهاب همي ، وجلاء حزني .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما قالهن مهموم قط إلا أذهب الله همه وأبدله بهمه فرجاً .
قالوا : يا رسول الله أفلا نتعلم هذه الكلمات؟ قال : بلى ، فتعلموهن وعلموهن)( ).
وقال الزجاج أن الله لطيف فهو (المحسن إلى عباده في خفاء وستر من حيث لا يعلمون)( ).
ولكن الله عز وجل لطيف بعباده في الظاهر المحسوس والمعقول ، وكذا في الخفاء من غير أن تصل النوبة إلى الستر وحده .
وكما يختص كل إنسان ببصمة يد وبصمة عين تختلف عن أي إنسان خر ، وأن لله عز وجل نعمة خاصة على كل إنسان ينفرد بها من بين البشر ، ففي المقام أمور :
الأول : من اللطف الإلهي ما هو على نحو القضية الشخصية ، فلله عز وجل مصاديق من اللطف على كل إنسان تختلف في موضوعها وأوانها عن غيره من الناس .
الثاني : اللطف بالمسلمين ، ومنه آية البحث .
الثالث : اللطف العام بكل الخلائق والناس .
كما يمكن تقسيم اللطف الإلهي تقسيماً آخر منه :
الأول : اللطف المستديم .
الثاني : اللطف الطارئ الذي يجلب السعادة ، والذي يصرف البلاء ، ويهون الخطب ، ويبعث الأمل ، ومنه خاتمة آية البحث [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] فهي لطف عام بالمسلمين ، وبشارة ، ووعد كريم .
الثالث : اللطف الذي يأتي بالدعاء ، واللطف الذي يأتي ابتداءً من عند الله ، وفي التنزيل [قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ]( ).
ومن اللطف تقريب المسلمين إلى الفلاح ، وإزاحة الموانع دونه وهدايتهم إلى سبله ، قال تعالى [وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ]( ).
قانون اللطف الخاص
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار البركة والرحمة وتوالي أسباب الرزق واللطف من عنده تعالى .
والمختار أن لله عز وجل على كل إنسان لطفاً خاصاً به لم ينله غيره من البشر مثلما رزقه بصمة خاصة لليد والعين ، ومثلما أنعم عليه بنعمة خاصة.
ومن اللطف دفع الكروب والشدائد ، ومحو المحن ، وتخفيف ومحو وإزاحة المخاوف ومقدماتها ، وهو الذي يتجلى للناس يوم القيامة ، قال تعالى [فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ]( ).
لقد انشغل المتكلمون بقاعدة اللطف التي قال بها المعتزلة ومال إليها بعض علماء الأمامية ، وإنكرها الأشاعرة .
ويعلم الله عز وجل بالسرائر ، وما تخفيه الصدور من النوايا ، فيأتي الله عز وجل بالمقدمات التي تهدي الإنسان للعمل الصالح ، ويزيح الموانع دون السعي إليها ، وفي التنزيل [أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ]( ).
ولا يتعارض اللطف الخاص مع اللطف العام ، إذ ينتفع الإنسان من اللطف العام الذي يأتي للأسرة والجماعة والأمة كما أن اللطف الإلهي مادة للطف العام .
ترى ما هي النسبة بين النعمة من الله واللطف منه تعالى ، المختار أنه إذا اجتمعا افترقا ، وإذا افترقا اجتمعا .
ومن اللطف الإلهي تفضل الله بايصال المصالح للعباد من جهات :
الأولى : من اللطف الإلهي هداية العباد إلى سبل الصلاح وتقريبهم لها.
الثانية : تقريب العمل الصالح والنفع الخاص والعام إلى الإنسان .
وهل يختص هذا التقريب بالمؤمنين ، الجواب لا ، فهو عام يشمل الناس جميعاً ، لذا قد ترى إنسان يتوب فجأة بسبب حادثة أو فعل أو قول ، وهذا التقريب من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً ، وأن تقريب العمل الصالح للمؤمنين هو الأكثر والأيسر ، وهو من الجزاء العاجل على الإيمان .
الثالثة : إعانة الناس في سعيهم ومكاسبهم .
الرابعة : إيصال المصالح للناس من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون .
الخامسة : يأبى الله عز وجل إلا أن يجذب الناس لمعرفته وعظيم قدرته وقربه منهم ، وغلبة مشيئته بلطف من حكمته ، وفي التنزيل [اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ]( ).
وهل آية البحث من اللطف الإلهي ، الجواب نعم ، وهي على وجوه :
الأول : آية البحث من اللطف العام الموجه للمسلمين والمسلمات ، وتقريبهم للعمل بمضامين آية البحث .
الثاني : إنها من اللطف الخاص بكل مسلم لإعانته وسلامته ورشده .
الثالث : آية البحث لطف بالناس جميعاً لما فيها من تثبيت لسنن الإيمان ، ودفع الإقتتال ، ومنع الفساد في الأرض .
ولا يختص اللطف الإلهي ببعث الأنبياء وأنزال الكتب السماوية ونحوه من مصاديق اللطف العام ، فكل آية من القرآن لطف من الله عز وجل ، ولله عز وجل على كل إنسان لطف خاص سواء في العبادات أو المعاملات .
ولبيان قانون مصاحبة اللطف الإلهي للإنسان من حين ولادته وإلى حين مغادرته الحياة الدنيا والذي يدركه يوم القيامة ، قال تعالى [فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ]( ).
ومن أقسام اللطف :
الأول : اللطف العام .
الثاني : اللطف الخاص .
الثالث : اللطف العام الخاص في أن واحد .
الآية بشارة
لقد ابتدأت آية البحث بنداء الإيمان فهل فيه بشارة ، الجواب نعم ، لما فيه من الشهادة للمسلمين بالإيمان .
وقد وعد الله عز وجل المؤمنين بالأجر العظيم ، وهذا النداء باعث للعمل الصالح الذي هو الطريق إلى البشارة التي تذكرها خاتمة آية البحث بقوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ].
قال تعالى [الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ]( ).
لقد ابتدأت أوامر هذه الآية بالصبر العام والخاص ، فيجب أن يتحلى المسلمون كأمة بالصبر ، وأن يتزين الفرد منهم بالصبر لقانون عدم الإنفكاك بين الإيمان والصبر .
وتفتح آية البحث على المسلمين أبواباً من رحمة الله بالصبر سواء بلحاظ كونه استجابة لأمر الله عز وجل أو أنه سجية ثابتة عند المسلمين بفضل ولطف من عند الله ، ومن مصاديق هذا اللطف الأوامر الأربعة التي وردت في آية البحث وكل أمر منها يفيد الصبر سواء بالنص كما في قوله تعالى [اصْبِرُوا] وقوله تعالى [وَصَابِرُوا].
أو بتقوم المرابطة والتقوى بالصبر ، وكل أمر منها بشارة للثواب العظيم.
وتبين آية البحث حب الله عز وجل للمسلمين بهدايتهم إلى سبل الفلاح.
قال تعالى [لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ]( ) ( ).
ويفيد الأمر بالصبر في الآية أعلاه إرادة المصابرة والمرابطة بلحاظ مضامينها ولزوم الحيطة والحذر من المشركين ، فالصبر من عزائم الأمور التي من مصاديق التوفيق والرشاد والفلاح .
ومن إعجاز آية البحث ترتب الثواب العظيم على كل أمر من الأوامر الأربعة التي تتضمنها لتكون سياحة في عالم الأجر ، وبلغة للفلاح.
الآية إنذار
لقد جاءت آية البحث بالأمر بالصبر والمصابرة والمرابطة وتقوى الله ، لبيان حاجة المسلمين لكل أمر منها ، ولزوم حرصهم على التقيد بأحكامها لتدل بالدلالة الإلتزامية على لزوم اجتناب التراخي في العمل العبادي ، أو ترك حال الصالحات ، كما تحذر الآية من تعدي الذين كفروا ، ورصدهم عمال غفلة عند المسلمين ، فنزلت آية البحث بالمرابطة ، لتكون واقية من كيد المشركين ، فقوله تعالى [وَرَابِطُوا] من مصاديق مكر الله في قوله تعالى [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
وهل في آية البحث إنذار ، الجواب نعم ، فهي إنذار للمسلمين من مكر وكيد الذين كفروا ، وإنذار من الركون إليهم أو اتخاذهم بطانة ، قال تعالى [وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا]( )، وهل آية البحث إنذار للذين كفروا ، الجواب نعم ، من جهات :
الأولى : قوله تعالى [اصْبِرُوا] سلاح يومي مصاحب للمسلمين يقيهم الملل والجزع والتسويف .
الثانية : يبعث قوله تعالى [صَابِرُوا] المسلمين على الإقامة على طاعة الله ، والوفاء في تأدية الواجبات ، واليقظة بما يصيب الذين كفروا باليأس .
الثالثة : لقد كان انقطاع الصحابة الأوائل إلى طاعة الله والرسول ، وتعاهد الصلاة في أوقاتها مع بذل الوسع في ساحات الدفاع ، بما يقذف الخوف والرعب في قلوب المشركين فيمتنعون عن غزو بلاد المسلمين .
وصحيح أن المشركين بدأوا معركة بدر ، وغزو المدينة في معركة أحد ، ثم الخندق ، إلا أنه لا يعلم كثرة ما عزفوا عنه من محاولات غزو المدينة ، وخطط اغتيال النبي محمد إلا الله عز وجل الذي [أَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا]( ).
وهل يشمل هذا الإحصاء ما تم محوه والعزوف عنه من محاولات المشركين غزو المدينة بسبب أمر الله عز وجل للمسلمين [وَرَابِطُوا] الجواب نعم .
الصلة بين أول وآخر الآية
من الإعجاز في ابتداء آية البحث بنداء الإيمان أن كل فرد منها مطلوب من مقامات الإيمان ، وإرادة قصد القربة وطاعة الله ، فيخرج من قوله تعالى [اصْبِرُوا] الصبر في المعاصي ، وإرتكاب الذنوب ، ويشمل موضوع الآية الصبر عن المعاصي والذنوب ، وتقدير الآية : إصبروا بما أنتم مؤمنون .
فيكون تقدير آية البحث على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا لعلكم تفلحون .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا إصبروا لعلكم تفلحون .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا صابروا لعلكم تفلحون .
الرابع : يا أيها الذين آمنوا رابطوا لعلكم تفلحون .
الخامس : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله لعلكم تفلحون .
وجاء نداء الإيمان في أول آية البحث لبيان قانون إكرام الله للمسلمين ، ولزوم ترشح حسن الإمتثال شكراً لله عز وجل على هذا الإكرام .
وجاء الأمر الإلهي (اصبروا) بعد نداء الإيمان ليس من فاصل بينهما لبيان قانون الصبر ضرورة وحاجة .
وفي الصبر سكينة وهو مقدمة وسبيل لحسن التدبير ، وفيه الأجر والثواب ، قال تعالى [إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ]( ).
وفي تفسير وبيان الآية أعلاه ورد عن الإمام الحسن عليه السلام (قال : سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن في الجنة شجرة يقال لها شجرة البلوى يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة ، فلا يرفع لهم ديوان ، ولا ينصب لهم ميزان يصب عليهم الأجر صباً ، وقرأ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ( ).
و(عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله إذا أحب عبداً أو أراد أن يصافيه صب عليه البلاء صباً ، ويحثه عليه حثاً ، فإذا دعا قالت الملائكة عليهم السلام : صوت معروف قال جبريل عليه السلام : يا رب عبدك فلان اقض حاجته فيقول الله تعالى : دعه إني أحب أن أسمع صوته .
فإذا قال يا رب . . قال الله تعالى لبيك عبدي وسعديك وعزتي لا تدعوني بشيء إلا استجبت لك ، ولا تسألني شيئاً إلا اعطيتك .
أما أن أعجل لك ما سألت ، وأما أن أدخر لك عندي أفضل منه ، وأما أن أدفع عنك من البلاء أعظم منه .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وتنصب الموازين يوم القيامة ، فيأتون بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين ، ويؤتى بأهل الصيام فيوفون أجورهم بالموازين.
ويؤتى بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين ، ويؤتى بأهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين .
ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ، ويصب عليهم الأجر صباً بغير حساب حتى يتمنى أهل العافية أنهم كانوا في الدنيا تقرض أجسادهم بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل ، وذلك قوله إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ( ).
وهل يحمل الأمر بالصبر في آية البحث على الوجوب أم الندب ، الجواب هو الأول ، لأن الأصل في الأمر الوجوب إلا مع القرينة الصارفة وهي معدومة في المقام .
ومن خصائص الصبر أنه سبب لنزول رحمة وفضل الله ، والمعونة والتأييد ، قال تعالى [وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
ليكون الصبر من منازل الإيمان ، وهل قصد القربة شرط في الصبر ، الجواب أنه شرط بخصوص العبادات ، نعم يستحب في المندوبات لترتب ثواب إضافي عليه .
ثم جاء الأمر (ورابطوا) لبيان وجوب المرابطة على المسلمين في الصلاة وعمارة المساجد ، وفي الثغور ، وحماية الحدود ، وصدّ الذين كفروا ، لصيرورة هذه المرابطة حاجة بعد هجوم المشركين على المدينة في معركة أحد ، حتى صار ثلاثة آلاف مقاتل من مشركي قريش وحلفائهم على بعد خمسة كيلو متر من المسجد النبوي في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة فاضطر النبي محمد للخروج إليهم في ألف من أصحابه ، وانخزل ثلاثمائة منهم برئاسة عبد الله بن أبي سلول في الطريق إلى أحد امتناعاً عن ملاقاة العدو.
(وقالوا: علام نقتل أنفسنا ، وقال لهم عبد الله بن عمرو بن حرام الانصاري : تعالوا قاتلوا قي سبيل الله واتقوا الله ولا تخذلوا نبيكم ، أو ادفعوا عن حريمكم وأنفسكم إن لم تقاتلوا في سبيل الله .
وقيل: معناه أقيموا معنا ، وكثروا سوادنا ، قالوا أي المنافقون : لو نعلم قتالا لاتبعناكم)( ).
تقدير الصبر على المرابطة
ترى لماذا تقدم الصبر على المرابطة في آية البحث ، فيه وجوه :
الأول : الأصل هو وجوب الصبر وملازمة المؤمن له .
الثاني : الإخبار السماوي عن شدة إيذاء المشركين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وآية البحث هي آخر آية من سورة آل عمران وهي مدنية نزلت ومحاولة غزو المشركين لمدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مستمرة ومتتابعة.
الثالث : حال الفقر والفاقة المصاحبة للمسلمين بدايات الدعوة وسني الهجرة الأولى إذ وفد المهاجرون من قريش إلى المدينة وليس من مهنة وفرص للعمل عندهم .
فالمدينة بلد زراعة ، وقريش لم يعتادوا العمل بالحرث والسقي ، وكان أكثرهم يعملون في التجارة ، وأسواق مكة ويدل عليه نزول سورة قريش وتوثيقها لعمل قريش بنعمة التجارة وما فيها من المكاسب ببركة البيت الحرام ، قال تعالى [لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ]( ).
ومن معاني الإيلاف في الآية أخذ هاشم جد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كتاباً من قيصر في الشام للأمان لتجار العرب ثم صار يعرضه على رؤساء القبائل بين الشام ومكة لتنجز هذا الإيلاف والأمان .
ولما مات هاشم في سفرة له إلى غزة من أرض الشام رثاه أخوه لأمه الحارث بن حنش ، الذي كان أخا هاشم وعبد شمس والمطلب لأمهم عاتكة بنت مرة (
إن أخي هاشماً ليس أخا واحد … الله ما هاشم بناقص كاسد
والخير في ثوبه وحفرة اللاحد … الآخذ الإلف والوافد للقاعد
وقال مطرود الخزاعي: الكامل
مات الندى بالشام لما أن ثوى … أودى بغزة هاشم لا يبعد
لا يبعدن رب الفناء نعوده … عود السقيم يجود بين العود
فجفانه رذم لمن ينتابه … والنصر منه باللسان وباليد
فلما مات هاشم خرج المطلب بن عبد مناف إلى اليمن فأخذ من ملوكهم عهدا لمن تجر قبلهم من قريش، ثم أقبل يأخذ الإيلاف ممن مر به من العرب حتى أتى مكة على مثل ما كان هاشم أخذ، وكان المطلب أكبر ولد عبد مناف وكان يسمى الفيض وهلك المطلب بردمان من اليمن وهو راجع من اليمن.
وخرج عبد شمس بن عبد مناف إلى ملك الحبشة فأخذ منه كتاباً وعهداً لمن تجر قبله من قريش، ثم أخذ الإيلاف ممن بينه وبني العرب حتى بلغ مكة.
وهلك عبد شمس بمكة فقبر بالحجون، وكان أكبر من هاشم ، وخرج نوفل بن عبد مناف وكان أصغر ولد عبد مناف وكان لأم وحده وأمه واقدة بنت أبي عدي من بني هوازن بن منصور بن عكرمة بن خفصة بن قيس ابن عيلان.
فخرج إلى العراق فأخذ عهداً من كسرى لتجار قريش، ثم أقبل يأخذ الإيلاف ممن مر به من العرب حتى قدم مكة ثم رجع إلى العراق فمات بسلمان من أرض العراق)( ).
الرابع : لا تتم المصابرة إلا مع الصبر ، ولا تتم المرابطة إلا مع الصبر وهي فرع منه ، لذا فهي من عطف الخاص على العام ، وحتى على معنى الصلاة من المرابطة ، فان الصلاة وأداء العبادات يستلزم الصبر في أدائها ، لذا سمي شهر رمضان شهر الصبر لأن الصائم يصبّر نفسه عن المفطرات وما يفسد الصوم ، ولبيان ثواب الصبر الجنة.
وفي حديث للإمام علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له (أتدري ما إطابة الكلام ، فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: من قال : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
أتدري ما إدامة الصيام ؟ قلت: الله و رسوله أعلم، قال: من صام شهر الصبر شهر رمضان، ولم يفطر منه يوماً)( ).
وبعد الأمر الإلهي للمسلمين بالمرابطة جاء الأمر بالتقوى [وَاتَّقُوا اللَّهَ] وهو واجب عيني وليس واجباً كفائياً ، فكل مسلم ومسلمة يجب عليهما التحلي بالتقوى والخشية من الله عز وجل في القول والعمل ، وجاء قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ] سبع مرات في القرآن .
لبيان قانون ملازمة التقوى للإيمان ، وعدم تخلف المسلمين عن سبل التقوى والصلاح ، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا]( ).
كما ورد بصيغة النداء [يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ]( )، والتقوى سور جامع للأوامر المتقدمة في الآية من الصبر والمصابرة والمرابطة .
بدائع الخاتمة
لقد ابتدأت آية البحث بنداء الإيمان وأختتمت بقوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] رجاء ظفر المسلمين بالسعادة في النشأتين ، والنعيم الأخروي لبيان أن كل فرد من الأوامر التي وردت في آية البحث من مصاديق التقوى ، وطريق إلى الفلاح ، ليكون تقدير آية البحث على وجوه منها :
الأول : النطق بالشهادتين واتيان الفرائض العبادية سبيل للفوز بالفلاح.
الثاني : قانون الصبر من منازل الإيمان فلاح .
الثالث : قانون مصابرة المؤمن للمشركين فلاح .
الرابع : قانون مرابطة المؤمن فلاح .
الخامس : قانون تقوى الله فلاح ، وهل من الفلاح الصحة والعافية أم أن القدر المتيقن منه في عالم الآخرة ، الجواب هو الأول .
السادس : القرآن الكتاب السماوي الذي يهدي إلى الفوز بكل مطلوب محبوب شرعاً ، وهو واقية من كل خوف ، قال تعالى [الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ]( ).
وطوبى اسم علم للجنة ، ولشجرة فيها ، كما في حديث الأصبغ عن الإمام علي عليه السلام قال (سأل عثمان بن عفان رسول الله صلى الله عليه وآله عن تفسير أبجد فقال صلى الله عليه وآله: أما الالف فآلاء الله حرف من أسمائه ، وأما الباء فبهجة الله واما الجيم فجنة الله وجلال الله وجماله ، وأما الدال فدين الله .
وأما هوز فالهاء هاء الهاوية فويل لمن هوى في النار ، وأما الواو فويل لاهل النار واما الزاى فزاوية في النار فنعوذ بالله مما في الزاوية يعنى زوايا جهنم .
وأما حطي فالحاء حطوط الخطايا عن المستغفرين في ليلة القدر وما نزل به جبرئيل مع الملائكة إلى مطلع الفجر واما الطاء فطوبى لهم وحسن مآب وهي شجرة غرسها الله عز وجل ونفخ فيها من روحه .
وان اغصانها لترى من وراء سور الجنة تنبت بالحلي والحلل متدلية على افواههم.
واما الياء فيد الله فوق خلقه سبحانه وتعالى عما يشركون ، وأما كلمن فالكاف كلام الله لا تبديل لكلمات الله ولن تجد من دونه ملتحدا وأما اللام فالمام أهل الجنة بينهم في الزيارة والتحية والسلام وتلاوم اهل النار فيما بينهم وأما الميم فملك الله الذى لا يزول ودوام الله الذى لا يغنى.
واما النون فنون [وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ]( ) فالقلم قلم من نور وكتاب من نور في لوح محفوظ يشهده المقربون وكفى بالله شهيدا .
واما سعفص فالصاد صاع بصاع وفص بفص يعنى الجزاء بالجزاء وكما تدين تدان ان الله لا يريد ظلما للعباد .
واما قرشت يعنى قرشهم فحشرهم ونشرهم إلى يوم القيامة فقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون)( ).
من غايات الآية
في الآية مسائل :
الأولى : إكرام المسلمين على نحو العموم المجموعي الإستغراقي والبدلي ، باختصاصهم بنداء [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] .
الثانية : بقاء نداء الإيمان يتجدد كل يوم في توجهه لأجيال المسلمين والمسلمات ، وهل في هذا التوجه أجر أم لابد من العمل بمضامين آية البحث ، المختار هو الأول لما في نداء الإيمان من الشهادة للمسلمين بالإيمان.
الثالثة : شمول نداء الإيمان للمسلمات ، وكذا الأوامر الإلهية الواردة فيها إلا ما يخص سقوط القتال عن النساء (وروي عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله هل على النساء جهاد ، فقال : نعم ، فقلت: فما ذلك الجهاد ، قال : الحج والعمرة)( ).
لبيان قيام الحج والعمرة مقام القتال بالنسبة للمرأة تخفيفاً عنها ، ولقانون العمرة جهاد في سبيل الله .
الرابعة : إدراك المسلمين لزوم التحلي بالصبر ، وأن فيه قربة إلى الله .
وعن (علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الصبر ثلاثة : صبر عند المصيبة وصبر على الطاعة وصبر عن المعصية .
فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الارض .
ومن صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الارض إلى العرش .
ومن صبر عن المعصية كتب الله له تسعمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الارض إلى منتهى العرش)( ).
الخامسة : المصابرة نوع مفاعلة لبيان قهر المشركين باظهار الصبر ، وقانون مجئ النصر مع الصبر .
ومن الغايات الحميدة لقوله تعالى [وَصَابِرُوا] اتخاذ المسلمين الحيطة والحذر ، وعدم الغفلة عن مكر الذين كفروا ، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا]( ).
السادسة : البشارة من الله بعدم إطالة مدة المصابرة ، لأنه تعالى يرمي الذين كفروا بالخوف والرعب والسأم والإبتلاء في الرزق ، قال تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ]( ).
السابعة : من خصائص القرآن تنظيمه لأمور المسلمين ، وإصلاح أحوالهم ، ومنه أمر الله بدلهم بالمرابطة بقوله تعالى [وَرَابِطُوا] سواء المرابطة في المساجد وأداء الصلاة أو في الثغور .
الثامنة : تدعو آية البحث المسلمين للتعاون في تنجز هذه الأوامر وتعاهدها ، وفيها مجتمعة ومتفرقة صلاحهم واستدامة النعم عليهم ، وإزاحة لمفاهيم الكفر والضلالة .
لقد بدأت المعارك بين المسلمين والمشركين برجحان كفة المشركين في الكثرة في العدد والعدة كما في معركة بدر ، وأحد ، والخندق التي وقعت في شهر شوال من السنة الخامسة للهجرة ، والتي زحف فيها عشرة آلاف من مشركي قريش وحلفائهم لقتل النبي وأصحابه من المهاجرين والأنصار ، بينما كان عدد المسلمين ثلاثة آلاف وأحياناً يبقى مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خلف الخندق ثلاثمائة فقط .
ليأتي صلح الحديبية في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة بعدها بسنة فيكون فتحاً ، قال تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا]( ).
والمختار أن دفاع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في هذه المعارك من الصبر والمصابرة والمرابطة وتقوى الله ، لبيان أمور :
الأول : فضل الله عز وجل المسلمين بقانون تعدد مصاديق الثواب على الفعل العبادي والعمل الصالح المتحد .
الثاني : قانون الإمتثال الحال ، فحالما تنزل الآية القرآنية يتحقق الإمتثال لما فيها من الأوامر والنواهي من قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة وأهل البيت .
الثالث : قانون الأسوة النبوية ، قال تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ]( ).
التاسعة : قانون التقوى والصبر إحسان للنفس والغير لقوله تعالى [إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ]( ).
ومن موضوع الآية أعلاه أن يوسف عليه السلام تحلى بالصبر وتحمل أذى إخوته ، واتصف بالتقوى وامتنع عن إجابة امرأة العزيز بارتكاب الفاحشة ، وأتخذ الصبر في طاعة الله منهاجاً ، وصاحبه الصبر عند دخوله السجن فرزقه الله عز وجل النبوة والوزارة العامة ، وصار سبباً لنجاة أهل مصر من المجاعة .
العاشرة : تبين آية البحث سبل الفلاح والفوز بالدارين بالتقيد بما فيها من الأحكام ، وكل امتثال للأوامر الإلهية الأربعة الواردة في آية البحث ومن منازل الإيمان إثقال لكفة الصالحات في الميزان ، قال تعالى [وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ]( ).
التفسير
قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا]
هذا النداء لطف وفضل من عند الله عز وجل ، وشهادة من عند الله بأن المسلمين يؤمنون بالتوحيد ، ويصدّقون برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه دعوة لكل مسلم ومسلمة للمحافظة على الإيمان الخاص والعام ، وهذا العموم من أسرار مجئ النداء بصيغة الجمع (الذين آمنوا) وهو بداية واستدامة للعمل في طاعة الله عز وجل .
وهذا النداء مدح من الله عز وجل للمسلمين ، وبيان لقانون ترتب الأوامر والنواهي على المدح والثناء ، إذ يستطيع المؤمنون القيام بالتكاليف العبادية ويؤدونها وهم يرجون النجاة من المرهوب ، والظفر وإدراك البغية والثواب [يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ]( ).

قانون نداء الإيمان هداية وصلاح
ابتدأت آية البحث بنداء الإيمان وفيه وجوه :
الأول : الثناء على المسلمين والمسلمات .
الثاني : العون والمدد من عند الله عز وجل للمسلمين في الإمتثال لمضامين آية البحث .
الثالث : إزاحة العوائق التي تحول دون الإمتثال للأوامر الواردة في القرآن .
الرابع : قانون الحاجة للأوامر الإلهية الواردة في القرآن .
الخامس : قانون الإمتثال للأوامر الإلهية في القرآن واجب.
السادس : قانون الأوامر الإلهية في القرآن عهد من عند الله للمسلمين ، وهي من مصاديق قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ]( ) .
السابع : نداء الإيمان ترغيب للناس بدخول الإسلام .
الثامن : البشارة بالأجر والثواب على النطق بالشهادتين وإقامة الفرائض العبادية .
التاسع : بعث المسلمين لتعاهد الإيمان ، والثبات عليه ، ومن مصاديق الثبات على الإيمان الصبر والمصابرة والمرابطة وتقوى الله .
العاشر : قانون الإيمان صراط مستقيم ، وطريق إلى الفلاح في النشاتين .
الحادي عشر : حض المنافقين على التخلص من النفاق ، وعدم الوقوف عند النطق بالشهادتين ، وإخفاء الكفر والشك والريب .
وتقدير نداء الإيمان : يا أيها الذين آمنوا علانية آمنوا سراً وفي الخلاء ، والله عز وجل [يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ]( ) .
الثاني عشر : قانون نداء الإيمان غنى وسكينة وواقية .
الثالث عشر: تنمية ملكة الإيمان عند المسلم ،وجعلها سنخية ثابتة مصاحبة له في اليوم والليلة ، وفي قوله تعالى [أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ]( ).
قيل (المراد منه الكفار يعني : يا أيها الذين آمنوا باللات والعزى والطاغوت آمنوا بالله .
ومعناه : إن كان لابد للإيمان يعني فالإيمان بالله تعالى ورسله والكتب أحق وأولى من الإيمان بما لا يضر ولاينفع ولا ينفق ولا يرزق ولايحيي ولا يميت،والله أعلم)( ).
وإرادة الكفار في الآية أمر بعيد وخلاف ظاهر ودلالة آيات القرآن ، والذي ينقاد للأصنام ويتخذها وسائط تقربه إلى الله لا يصدق عليه أنه مؤمن بها ، لبيان أن القرآن يحصر موضوع الإيمان بالله ورسله وملائكته واليوم الآخر .
موضوعية نداء الإيمان
من خصائص القرآن التداخل الموضوعي بين آياته ودلالة وبيان مضامين آية قرآنية لآية أخرى مع التفصيل والتفسير وما يفيد الزجر عن سوء التأويل لقانون آيات القرآن هدى وسلامة من الضلالة.
ومن خصائص نداء الإيمان [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وجوه :
الأول : بعث المسلمين للعمل بمضامين الآية التي تبدأ بنداء الإيمان .
الثاني : عطف الآية أو الآيات القرآنية على آية نداء الإيمان ، فقد ترد ثلاث أو أربع آيات بعد نداء الإيمان كلها في ذات الخطاب الموجه إلى المسلمين والمسلمات كما في قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا * وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا * وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا * فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا *وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا]( ).
الثالث : دلالة آية النداء في مفهومها فيما يتعلق بغير المنطوق سواء في الموضوع أو الحكم ، والأمر أو النهي .
الرابع : انبساط نداء الإيمان في توجهه إلى أجيال المسلمين المتعاقبة ، لبيان قانون سلامة القرآن من التحريف في أحكامه والعمل بمضامين آياته ، فلا تختص هذه السلامة برسم وكلمات القرآن ، وهو من إعجاز القرآن ومصاديق قوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ]( ).
الخامس : دلالة نداء الإيمان على وجود أمة تعمل بمضامين آيات القرآن في كل زمان .
نداء الإيمان ثناء عام
لقد نزلت تسع وثمانون آية تتضمن نداء الإكرام للمسلمين [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وفيه ثناء على أجيالهم المتعاقبة من وجوه :
الأول : ابتداء الآية بالمدح والشهادة للمسلمين بالإيمان .
الثاني : تضمن آيات نداء الإيمان الأمر والنهي .
الثالث : دلالة إكرام المسلمين في هذه الآيات على استجابتهم للأمر الإلهي ، وسعيهم في العمل بأحكام هذه الآيات .
الرابع : المدد للمسلمين من عند الله للعمل بمضامين هذه الآيات .
الخامس : البشارة بالجزاء الحسن للمسلمين على اختيار الإسلام عقيدة وعملاً عبادياً .
السادس : تغشي المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات بنداء الإيمان ، وبعثهم على العمل الصالح والتقيد بسنن الإيمان ومصاديقه في القول والعمل ، قال تعالى [إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا]( ).
إذ ذكرت الآية أعلاه عشر صفات ثناء للذين يشملهم نداء الإيمان [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وفي الآية إكرام للمرأة المسلمة .
السابع : لقد ابتدأت آيات نداء الإيمان بالثناء على المسلمين قبل ابتدائهم بالعمل بأحكام هذه الآيات ، وهو لطف وفضل من عند الله ، وشهادة لهم من علم الغيب بالتوفيق للقيام بما يرد فيها من الأحكام والسنن .
نداء الإيمان في سور القرآن
عدد سور القرآن هو مائة وأربع عشرة سورة تبدأ بسورة الفاتحة وتنتهي بسورة الناس وفق ترتيب المصحف ، أما من حيث ترتيب النزول فان أول سورة نزلت من القرآن هي سورة العلق ، الآيات الخمسة الأولى منها [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]( ).
وأول سورة نزلت كاملة هي سورة المدثر .
وقيل أول سورة نزلت كاملة هي سورة الفاتحة ، لما ورد من خبر منقطع عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل الكوفي الهمداني وهو من التابعين من أصحاب عبد الله بن مسعود في حديث أن النبي محمداً ذهب إلى ورقة بن نوفل وأخبره قائلاً (إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي يا محمد يا محمد فأنطلق هاربا في الأرض .
فقال : لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول ثم ائتني فأخبرني فلما خلا ناداه يا محمد قل [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ* الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ) حتى بلغ [وَلَا الضَّالِّينَ]( ) قل لا إله إلا الله فأتى ورقة فذكر ذلك له .
فقال له ورقة : أبشر ثم أبشر فأنا أشهد أنك الذي بشر بك ابن مريم وأنك على مثل ناموس موسى وأنك نبي مرسل وأنك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا ولئن أدركني ذلك لأجاهدن معك .
فلما توفي ورقة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني يعني ورقة .
وعن هشام بن عروة عن أبيه قال : ساب أخ لورقة فتناول الرجل ورقة فسبه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأخيه : هل علمت أني رأيت لورقة جنة أو جنتين ، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبه)( ).
ترى لماذا عرض النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بداية الوحي على ورقة بن نوفل ، الجواب من وجوه :
الأول : كان ورقة ممن درس كتب النصارى واليهود ، وتنصر وامتنع عن عبادة الأوثان .
الثاني : إقامة الحجة على قريش ، لتكون شهادة ورقة بن نوفل بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم زاجراً لهم عن إيذائه .
الثالث : دعوة الناس لدخول الإسلام .
وهل من موضوعية لشهادة ورقة في دخول بعض المسلمين الأوائل في الإسلام ، المختار نعم ، وفي التنزيل [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ]( ).
وورد نداء الإيمان في عشرين سورة من سور القرآن وهي كالآتي حسب كثرة المرات التي ورد فيها :
ت اسم السورة عدد المرات الملاحظات
1 سورة المائدة 16 آخر سور القرآن نزولاً
2 سورة البقرة 11 وهي أكثر سور القرآن آيات (286) آية
3 سورة النساء 9
4 سورة آل عمران 7
5 سورة الأحزاب 7 قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا] هي الآية الوحيدة ورد نداء الإيمان في وسطها
6 سورة الأنفال 6
7 سورة التوبة 6
8 سورة الحجرات 5
9 سورة النور 3
10 سورة المجادلة 3
11 سورة الممتحنة 3
12 سورة الصف 3
13 سورة التحريم 2
14 سورة محمد 2
15 سورة الحج 1 أكثر آياتها مكية
16 سورة التغابن 1
17 سورة الحديد 1
18 سورة الحشر 1
19 سورة الجمعة 1
20 سورة المنافقون 1
المجموع 20 سورة 89
نداء الإيمان رحمة عامة
من اللطف الإلهي بالناس تقريبهم إلى منازل الإيمان وإظهار الحسن الذاتي للإيمان وتزيين حسن العاقبة للناس ومنه بعثة الأنبياء وانزال الكتب السماوية ، وإيصال الناس إلى مصالحهم ودفع الأضرار عنهم .
وهل إعجاز القرآن من اللطف الإلهي ، الجواب نعم ، ومنه نداء الإيمان ومضامين آياته ، وفيها ترغيب للناس بالإسلام .
وقد تقدم الكلام بأنه كما ينفرد كل إنسان ببصمة يد وبصمة عين عن باقي البشر فان لله عز وجل على كل إنسان نعمة ونعم خاصة لم تأت لغيره من الناس ، ولطف خاص به .
لذا يمكن تقسيم اللطف في المقام إلى أقسام:
الأول : اللطف لكل الناس بالخلق والرزق الكريم والصحة والأمن وبعثة الأنبياء وعصمتهم ونزول الكتب السماوية بالأوامر والنواهي والوعد والوعيد ، وقد ورد قوله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] عشرين مرة في القرآن .
الثاني : اللطف الخاص لكل أهل ملة أو أمة أو أهل بلدة .
الثالث : اللطف بكل مؤمن على نحو مستقل .
الرابع : صرف البلاء عن الناس ، ابتداء ولطفاً من عند الله ، أو بعملهم الصالحات ، أو بفعل غيرهم .
و(بسند ضعيف عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله ، ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم)( ).
وهل الآية السابقة وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ لطف خاص بطائفة من أهل الكتاب أم أنها شاملة للمسلمين والناس جميعاً ، الجواب هو الأخير سواء بلحاظ منطوق أو مفهوم الآية ، من جهات :
الأول : ذكر خصائص طائفة من الناس العقائدية شاهد على علم الله عز وجل بما في الصدور .
الثاني : ترغيب الناس بالإيمان .
الثالث : بيان الحجة والدليل على بقاء أهل الكتاب على ملتهم ، قال تعالى [لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ]( ).
الرابع : ذم الذين لايؤمنون بالله ، ولا يصدقون بالتنزيل .
الخامس : البشارة بالثواب العظيم لمن يؤمن بالله والنبوة والتنزيل .
إذ اختتمت الآية السابقة بقوله تعالى [أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ]( )، ومن بديع صنع الله عدم انحصار قوانين اللطف الإلهي بأمور مخصوصة ، والمختار أن الناس يعجزون عن إحصاء اللطف الإلهي بهم .
ليكون من معاني تقدير قوله تعالى [وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ]( )، وإن تعدوا نعمة الله في اللطف بكم مجتمعين ومتفرقين لا تحصوها .
ولم يرد لفظ (تعدوا) (تحصوها) في القرآن إلا مرتين في ذات موضوع آية النعمة والآية الأخرى هي [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
ولم يرد لفظ (سألتموه) في القرآن إلا في الآية أعلاه من سورة إبراهيم لبيان أن من ظلم الإنسان لنفسه وكفره بالنعمة عدم الشكر على النعم التي رزقه الله عز وجل ابتداء منه تعالى ، وبالدعاء والمسألة والحاجة.
وتدل خاتمة آية النعمة الأخرى [إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ]( ) على استدامة وتوالي وتجدد النعم واللطف الإلهي على الناس مع ظلمهم وتعديهم وجحودهم.
ويحتمل نداء الإيمان في المقام وجوهاً :
الأول : نداء الإيمان لطف بالمسلمين لأنه يتوجه لكل فرد منهم ذكراً كان أو أنثى .
الثاني : إنه لطف بالمؤمنين خاصة.
الثالث : نداء الإيمان لطف بالناس جميعاً سواء في منطوقه أو مفهومه بذاته وما يبعثه في النفوس من العز والشأن والسعي للعمل بمضامين الآيات التي ورد فيها وآيات القرآن الأخرى .
والمختار هو الأخير ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
نداء الإيمان ترغيب بالإمتثال
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار الإمتثال لأوامره ونواهيه ، وتقريب الناس لهذا الإمتثال ، وبيان مواضيع الإمتثال لهم بلطف من الله تعالى.
وقد اثنى الله عز وجل على نفسه بصيرورة الإنسان بمرتبة عالية من البيان والفهم وتسخير العقل لأمور الدين والدنيا ، قال تعالى [الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ]( ).
وقال تعالى في مدح القرآن [هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ]( ).
لبيان أن نداء الإيمان بيان وهداية وموعظة وسبب ودعوة للإمتثال لأحكام آيات القرآن ، وما فيه الرشاد والصلاح ، ومنه آية [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
فمع قلة كلماتها ففيها أربعة أوامر ، كل كلمة أمر منسبط على أفراد الزمان الطولية من أيام التنزيل وإلى يوم القيامة ، وشامل لكل مسلم ومسلمة ، إذ جاءت الآية بصيغة الجمع وهذه الأوامر هي ، اركعوا ، اسجدوا ، اعبدوا ربكم ، افعلوا الخير .
فلا يحصي عدد الذين يعملون بمضامين آية نداء الإيمان إلا الله عز وجل.
ونزلت آيات قرآنية أخرى لتبين أوقات الصلاة كما في قوله تعالى [أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا]( ).
وجاءت السنة النبوية القولية والفعلية في بيان أحكام وكيفية الصلاة ووجوب تكبيرة الإحرام ، وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (صلوا كما رأيتموني أصلي) ( ).
ومن منافع ابتداء الآية بنداء الإيمان أنه مقدمة لأمر بفعل أو نهي عن قبيح لبيان قانون الإطلاق في الإمتثال للأوامر والنواهي التي في القرآن ، والتي وردت في السنة النبوية لقوله تعالى [وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( )، وقانون الإمتناع عن المنكر أمر وجودي.
ومن خصائص هذا الإبتداء حضّ المسلمين على العمل الصالح ، وبعث النفرة في نفوسهم من المنكر والقبيح .
و(عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول : من خلق السماء ؟ فيقول : الله . فيقول : من خلق الأرض ، فيقول : الله .
فيقول : من خلق الله ؟ فإذا وجد ذلك أحدكم ، فليقل : آمنت بالله ورسوله)( ).
وهل في نداء الإيمان بشارة إزاحة الموانع التي تحول دون عمل المسلمين بأحكام الآية القرآنية ، الجواب نعم ، من وجوه :
الأول : قانون نداء الإيمان حرز من الشك والريب .
الثاني : قانون نداء الإيمان زاجر عن الإفتتان بالدنيا وزينتها .
الثالث : نداء الإيمان دعوة سماوية للعمل بمضامين آياته .
الرابع : تتباهى الملائكة بتقوى وصلاح المؤمنين ، وهو من مصاديق احتجاج الله عز وجل على الملائكة [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ]( )، فمن ثمرات احتجاج الله عز وجل في خاتمة الآية أعلاه دعاء الملائكة للمسلمين ، وكتابة حسناتهم والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا]( ).
وهل في نداء الإيمان ثناء على الذين يمتثلون لأمر الله عز وجل الوارد في آياته ، الجواب نعم ، للشهادة لهم بالإيمان وإتيان العمل العبادي بقصد القربة إلى الله تعالى .
ومن الإيمان طاعة رسول الله ، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ]( ).
نداء الإيمان شهادة
لقد تكرر (نداء الإيمان) في القرآن ، ولا يحصي عدد الذين يتوجه إليهم هذا الخطاب من المسلمين والمسلمات إلا الله عز وجل ، لأنه خطاب متجدد في كل يوم وإلى يوم القيامة وبعدد مواضيع ومسائل وأحكام آيات النداء التسعة والثمانين ، وفيه مسائل :
الأولى : نداء الإيمان إكرام للمسلمين .
الثانية : إعانة المسلمين للإمتثال بما في آيات النداء من الأوامر والنواهي .
الثالثة : نداء الإيمان عنوان الأخوة بين المسلمين برداء الإيمان والصلاح ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ).
و(عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنزل الله آية فيها (يا أيها الذين آمنوا) إلا وعليّ رأسها وأميرها)( ).
الرابعة : قانون شهادة الله عز وجل للمسلمين بالإيمان حرز وأمن ، وفيها الأجر والثواب ، وفي التنزيل [وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا]( ).
الخامسة : موضوعية نداء الإيمان في كل آية من آيات نداء الإيمان بما يبعثه في نفوس المسلمين للعمل بمضامين الآية لذا تجد الأوامر والنواهي في آيات نداء الإيمان.
السادسة : ترتب الثواب على ذات النداء لما فيه من الشهادة من الله.
ليكون ابتداء هذه الآيات بنداء الإيمان ترغيباً للمسلمين للعمل بأحكام هذه الآيات ، وإخباراً عن حب الله للمؤمنين ، وتيسيراً للعمل الصالح ، وفيه دعوة للمسلمين للتآخي والتكافل والتعاون في مرضاة الله عز وجل ، لذا جاء قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
ويمكن تسمية الحياة الدنيا دار الشهادة على الإيمان ، إذ يدل تكرار النداء [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] تسعاً وثمانين مرة في القرآن واستدامته على وجود أمة مؤمنة يتوجه إليها الخطاب في كل زمان ، وفي التنزيل [قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ]( ).
وهل تنحصر شهادة الله عز وجل للمسلمين بالإيمان على نداء الإيمان ، الجواب إنها أعم إذ تشمل :
الأول : حفظ وتعاهد المسلمين لآيات وسور القرآن .
الثاني : عمل المسلمين بأحكام آيات القرآن ومنها آيات نداء الإيمان.
الثالث : تصديق المسلمين بالوحي وما أنزل الله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والنسبة بين الوحي ونزول القرآن عموم وخصوص مطلق فالوحي أعم .
الرابع : إقرار المسلمين بنزول التوراة والإنجيل ، إذ يصدق المسلمون بنزول التوراة على موسى عليه السلام ، والإنجيل على عيسى عليه السلام كما في قوله تعالى [أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا]( ).
ليكون هذا التصديق قانوناً ثابتاً مستديماً في الأرض يمنع من طرو التحريف على تأريخ النبوة ، ومن هذا التصديق قوله تعالى [إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى]( ).
نداء الإيمان دعوة للأمن والسلام
لقد ورد نداء الإيمان [أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] تسعاً وثمانين مرة في القرآن ، وكل نداء له صلة وموضوعية بمضامين الآية التي ورد فيها ، وفيه دعوة للمسلمين لاتيان ما فيها من الأوامر ، واجتناب ما فيها من النواهي ، وفيه أمور :
الأول : قانون نداء الإيمان عهد بين الله عز وجل والمسلمين .
الثاني : قانون نداء الإيمان شاهد على خلافة المسلمين في الأرض .
الثالث : قانون نداء الإيمان طريق الإستقامة ، قال تعالى [فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ]( ).
ترى كيف يكون قوله تعالى [يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] دعوة للأمن والسلام ، الجواب من جهات :
الأولى : قانون الملازمة بين الإيمان والأمن ، لأن المؤمنين لا يعتدون ، وتدل شواهد السنة النبوية على حرص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على دفع القتال مع المشركين ، وإن أصروا على القتال ، دافع هو وأصحابه .
ويدل عليه قوله تعالى [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( ).
فلا يكون قتال المسلمين إلا مع الذين يقاتلونهم ، وبقيد أنه في سبيل الله.
الثانية : دعوة القرآن المسلمين إلى السلام ، قال تعالى [وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا]( ) وهذا الخطاب وإن ورد خاصاً إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنه عام إلى المسلمين موضوعاً وحكماً ، ولم يقف الأمر عند استجابة المسلمين لدعوة السلم .
الثالثة : إتخاذ المسلمين السلم منهاجاً فيما بينهم ومع الناس جميعاً لقوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ]( ).
لتدل الآية أعلاه على قانون الملازمة بين الإيمان والسلم ، وعدم الإنفكاك بينهما ، فحالما ينطق الإنسان بالشهادتين يأتيه الأمر بملازمة السلم ونشر الأمن ، والعصمة من التعدي ، وهو من مصاديق خلافة الإنسان في الأرض وعمارتها بالعبادة والذكر ، وإظهار معاني العفو والتسامح .
آية البحث من آيات الأمن والسلم
قد يتبادر إلى الذهن أن آية البحث تدعو إلى الدفاع والقتال ، ولكن التدبر فيها يدل على أنها تبعث المسلمين والناس إلى السلم والأمن المجتمعي للمسلمين وغيرهم من جهات :
الأولى : ابتداء آية البحث بنداء الإيمان لبيان وجوب تسليم وتقيد المسلمين بما في القرآن من أحكام وسنن ، وطاعة الله ورسوله ، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ]( ).
وفي خاتمة الآية أعلاه دعوة للمسلمين للرجوع إلى السنة النبوية ، ولم يكن تزاحم أو تعارض بين القرآن والسنة النبوية ، نعم وردت السنة للتفسير القولي والفعلي للقرآن ، ومنه موضوع النزول ، وجانب من أسباب النزول.
ولقد جاء القرآن بحرمة سفك الدماء والغيلة والغدر بل إنه حرم الغيبة والنميمة لتأديب المسلمين على اجتناب صغائر الذنوب ، وفيه تنمية لملكة اجتناب كبائرها .
الثانية : أول أمر من الأوامر الأربعة التي تضمنتها آية البحث هو [اصْبِرُوا] لبيان قانون الصبر حاجة للمسلمين في أمور الدين والدنيا ، وفيه النفع العظيم ، لذا ورد قوله تعالى [وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
وفي الآية أعلاه وعد من عند الله بالمدد والإعانة للمسلمين على صبرهم ، وأن فيه تحقيق الرغائب ، والأجر والثواب ، ترى ماذا لو لم يصبر المسلمون ، الجواب من جهات :
الأولى : المعصية لله ورسوله ، وأراد الله عز وجل للمسلمين التنزه عن المعصية ، وأمدهم بأسباب اللطف لدفعهم عنها .
الثانية : ترتب الإثم على المعصية .
الثالثة : الضرر الحال والآجل .
الرابعة : الخسارة والندامة .
الخامسة : الوهن والضعف والتشتت .
لذا فان قوله تعالى [اصْبِرُوا] تثبيت لمبادئ الإيمان ، وأحكام الإسلام ، وحفظ لأداء الوظائف العبادية والتكاليف ، والفوز بالأجر والثواب ، واختتمت آية البحث بقوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ].
و(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الإِيمان نصفان : فنصف في الصبر ، ونصف في الشكر)( ).
الثالثة : الأمر الثاني في آية البحث هو المصابرة بقوله تعالى [وَصَابِرُوا] ولو تنزل الآية لقال الناس أن المصابرة فرع الصبر بل ولا يلتفت أحد إلى هذه الكلمة ، لذا وردت مرة واحدة في القرآن ، ولكن موضوعها متجدد في كل يوم بتعاهد المسلمين للصبر وتحمل الأذى من المشركين وغيرهم .
ومن المصابرة عدم مقابلة الغدر والمكر بمثله ، وعدم حاجة المسلمين إليه ، لذا ورد قوله تعالى [وَرَابِطُوا] بعد المصابرة .
ليذهب الغدر والمكر هباءً ، ويكون حجة على أهله ، وقد سعى المشركون في محاولات اغتيال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة وبعدها فانجاه الله عز وجل ، ولم ينتقم منهم بل أظهر الصبر والحلم بالوحي ، ولا يلبث الذين أرادوا قتله أن يدخلوا الإسلام.
وقد تقدم في الجزء الخامس والثلاثين بعد المائة من هذا السِفر (قانون من يأتي لقتل النبي يدخل الإسلام).
وعن عبد الله بن عباس (قال : كنت ذات يوم رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ألا أعلمك خصالاً ينفعك الله بهن؟ قلت : بلى . قال : عليك بالعلم فإن العلم خليل المؤمن ، والحلم وزيره ، والعقل دليله ، والعمل قيمه ، والرفق أبوه ، واللين أخوه ، والصبر أمير جنوده)( ).
وقد اثنى الله عز وجل على إبراهيم بالحلم إذ قال [إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ]( ).
الرابعة : يدل قوله تعالى [وَرَابِطُوا] على عدم كفاية الصبر في ملاقاة العدو ، فقد يظن أنه غفلة وكسلاً ، فلابد من اقتران الصبر باليقظة وحال الإنذار والنفير الدائم في الثغور الذي لا يختص بأهلها ، بل يأتي المسلمون للثغور من البلدات والقرى ولو على نحو التناوب ليكون هذا النفير أمتاً لهم وإشاعة للسلم ، وزاجراً عن التعدي والقتال ، وسبيلاً إلى الفلاح.
الخامسة : تبعث خاتمة آية البحث المسلمين على الإجتهاد لبلوغ مراتب الفلاح ، وتؤكد قانون نيل الفلاح بطاعة الله والإمتثال لأوامره ، ومنها الأوامر الأربعة التي وردت في آية البحث .
قانون نداء الإيمان إنذار للكافرين
لقد خصّ الله عز وجل المسلمين بنداء الإيمان ، وفيه دعوة لهم لتعاهد آيات القرآن ، والعمل بمضامينها ، وكل آية كنز مدخر يتضمن الثناء عليهم وبعثهم لعمل الصالحات ، وليكون نداء الإيمان مائزاً للمسلمين ، ودرجة رفعة لهم ، وذماً للكافرين وإنذاراً لهم .
وقد تقدم قانون نداء الإيمان تعريض بالكافرين كما في الجزء الخامس والثلاثين بعد المائة من هذا السِفر ، وفيه (ويمكن تأسيس باب علم جديد في تفسير كل آية قرآنية إسمه (الآية تعريض بالكافرين )).
وهل ينفع تعدد نداء الإيمان في القرآن الذين كفروا ، الجواب نعم ، من وجوه :
الأول : فضح قبح الكفر ، وبعث النفرة منه .
الثاني : دبيب الخصومة والشقاق بين الذين كفروا .
الثالث : إدراك الذين كفروا لحرمانهم أنفسهم من تلقي قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وما فيه من الثناء ، قال تعالى [وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( ).
الرابع : قانون ترتب الثواب على عمل المؤمنين الصالحات ، وقانون لحوق الإثم بالكافرين .
الخامس : نداء الإيمان من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
إحصاء الأوامر والنواهي في آيات النداء( )
من الإعجاز في آيات النداء التسعة والثمانين أنها على أقسام :
الأول : آيات تتضمن الأوامر سواء على نحو الوجوب أو الإستحباب.
الثاني : آيات تتضمن النواهي والزجر ، كما في قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ]( ) إذ تتضمن هذه الآية ثلاثة نواهي .
الثالث : آيات تجمع بين الأمر والنهي ، كما في قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ]( )، إذ تتضمن هذه الآية ثلاث أوامر وثلاثة نواهي .
ثم يتم إحصاء مجموع الأوامر والنواهي الواردة في آيات نداء الإيمان ، ويمكن إحصاء الأوامر والنواهي في الآيات المعطوفة على آيات نداء الإيمان.
وهل من موضوعية لهذا الإحصاء ، الجواب نعم .
إذ تبين هذه الأوامر والنواهي أن الدنيا دار الإيمان والصلاح ، وأن الله عز وجل يقرب المسلمين للعمل بأحكام هذه الآيات ، ويدفع ويزجر الموانع التي تحول دونه .
وتختتم آيات نداء الإيمان بالوعد الكريم ، والبعث على الثبات على الإيمان ، فان قلت قد ورد قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ]( ).
والجواب هذا الإنذار هداية للمسلمين ، وإعطاء الأولوية في الصلات العامة للإيمان ، ونبذ الكفر ، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ]( ).
ولبيان إعجاز غيري لهذه الآية الكريمة وهو صرف المسلمين عن ولاية الذين كفروا لقانون التضاد بين الإيمان والكفر ، وقانون الإيمان واقية من الظلم للذات والغير .

إفاضات نداء الإيمان
لقد انقطعت النبوة والوحي بمغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى ولكن أحكامها باقية في الأرض بثبات إلى يوم القيامة بكلام الله الذي بين ظهرانينا ، وآياته التي بين أيدينا إذ جعلها الله عز وجل ضياءً ونوراً ونبراساً وهداية .
وقد ذكرتُ في الجزء التاسع والثلاثين بعد المائة من هذا السِفر (وفي كل يوم تستظهر لآلئ من كنوز القرآن ، وعلوم تنير للمسلمين والناس سبل الرشاد ، وهو من أسرار تعدد لفظ [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] في القرآن).
وينفرد النداء من الله عز وجل للمسلمين بأمور :
الأول : مجئ النداء من الله بأداة النداء (يا) التي تأتي للقريب والبعيد والحاضر والغائب الذي لم يولد بعد ، كما في نداء الإيمان [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] .
الثاني : استقبال نداء الإيمان للمسلم من حين ولادته حتى إذا بلغ سن التكليف توجه له مباشرة من غير واسطة.
ليكون هذا النداء وأحكام آياته التسعة والثمانين صلة بين الله عز وجل وأجيال المسلمين ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ]( ).
الثالث : ترتب الأجر والثواب على ذات النداء لما فيه من الشهادة من الله عز وجل .
وهل من موضوعية لنداء الإيمان في آية البحث ، الجواب نعم من جهات:
الأولى : جمع المسلمين في نداء واحد من الله عز وجل ، لقانون نداء الإيمان سور جامع لأجيال المسلمين .
الثانية : الشهادة من الله عز وجل للمسلمين بالإيمان ، وقانون ترشح العمل العبادي عن الإيمان ، سواء على القول بأن غير المسلمين مكلفون بالفروع أو غير مكلفين .
الثالثة : بعث المسلمين للعمل بأحكام آية البحث .
الرابعة : قانون نداء الإيمان واقية من عند الله ، وترغيب بالعمل بالأوامر الواردة في آية البحث .
الخامسة : نداء الإيمان مادة للأجر والثواب ، لما فيه من الشهادة من الله عز وجل للمسلمين بالإيمان .
السادسة : بيان المنافع العظيمة للعمل بأحكام آية البحث من الصبر والتصابر والمرابطة وتقوى الله ، والأضرار العامة والخاصة عند التخلف عنها.
حروف النداء
حروف النداء سبعة : يا ، أيا ، هيا ، أي ، آ ، (الهمزة : للقريب) (وا) للندبة عند المصيبة والتوجع .
وأصل حروف النداء هذه وأكثرها استعمالاً (يا) لذا يستعمل لنداء القريب والبعيد والذي ورد في نداءات الإيمان ، ومنها آية البحث ، كما ورد في النداء للناس على نحو العموم الإستغراقي [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] الذي ورد في القرآن عشرين مرة ، منها [قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ]( ).
ومن أسرار عموم النداء [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] في آية البحث توجهها إلى عموم المسلمين ومنهم المؤمنون وهم الأكثر ، والمنافقون وذوو التقصير والغواية والبدعة ، لتكون أداة النداء (يا) وموضوعها حجة للمؤمنين وحجة على الكافرين .
وقد تحذف أداة النداء كما في قوله تعالى [قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي]( ) لبيان المناجاة وتسليم موسى عليه السلام بأن الله عز وجل قريب منه ، وهو سبحانه أقرب الينا من حبل الوريد ، ومنه [رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا]( )، [رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا]( )، [رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ]( )، [وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ]( ).
وتستعمل (يا) في النداء للقريب والبعيد ، وفي نداء موسى عليه السلام لفرعون [وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا]( ) أي هالكاً .
أول المسلمين
لقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً بقوله [قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ]( )، وقال تعالى [قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ]( ).
يبين القرآن أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم الأول في الإنقياد التام والأمتثال لأوامر الله عز وجل ، وفيه ترغيب للمسلمين باتباع نهجه وسنته صلى الله عليه وآله وسلم .
وهل في الآية شاهد على تعاقب أجيال المسلمين ، الجواب نعم كما ورد في التنزيل [وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ]( ) من غير تعيين بالأولوية لبيان إتصال توارث سنن الإسلام .
من معاني هذه الآيات وأمرت أن أكون أول المسلمين في دعوتي إلى الله ، وأول المسلمين في زماني ، وأول من يتلقى نداء الإيمان بالإستجابة.
وفي موسى عليه السلام [وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ] من قومي .
وفي السحرة عندما آمنوا [أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ] من قومنا وآل فرعون.
وتكرر مرتين بخصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ] بنزول القرآن من عند الله ، وأول المسلمين من قومي ، والإمام الذي يقتدون به ، قال تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ].
وسئل الإمام محمد الباقر عليه السلام (كيف صار محمد صلى الله عليه وسلم يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث ؟ قال: إن الله لما أخذ من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم، كان محمد صلى الله عليه وسلم أول من قال بلى ، ولذلك صار يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث.
وذكرت الأولوية لنوح مع تقدم زمان آدم وشيث عليه ، وذكر موسى عليه السلام بأنه أول المؤمنين ينفي إرادة الأولوية بالمنزلة والسبق بالكمال الإنساني ، وإن كان لا يتعارض معه للتساوي في عصمة الأنبياء .
وينبسط نداء الإيمان [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] على عدد المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة فلا يحصي مصاديقه من جهة الأفراد إلا الله ، وكذا بالنسبة للعمل بأحكام وسنن الإيمان وهي أكثر كثيراً بلحاظ امتلاء يوم وليلة المسلم بالعمل الصالح ، ومنه أداء الصلاة اليومية .
وهناك مسألة وهي هل يشمل نداء [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب نعم ، فهو الإمام بالإمتثال للأوامر القرآنية ، وهو لا يتعارض مع كون السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع ، وهذا العموم لا يتعارض مع قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ] وقوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا]( ).
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمور :
الأول : السنة النبوية تفسير قولي وعملي لآيات القرآن .
الثاني : النبي محمد الإمام في العمل بأحكام الآية القرآنية .
الثالث : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأسوة والقدوة في الصالحات إلى يوم القيامة ، قال تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ] ( ).
الرابع : اقتداء الصحابة وأهل البيت بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسنته القولية والفعلية .
الخامس : توثيق أجيال المسلمين للسنة النبوية واتخاذها ضياءً ونبراساً.
ويدل عليه قوله تعالى [قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ]( ).
ولا يتعارض هذا القول مع ما أخرجه (أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنزل الله آية فيها (يا أيها الذين آمنوا) إلا وعليّ رأسها وأميرها)( ) لآية المباهلة وحديث المنزلة وحديث الثقلين .
ويدل عليه قوله تعالى [قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ]( ).
موضوعية السنة النبوية في نداء الإيمان
من الإعجاز في القرآن ورود قوله تعالى [اصْبِرُوا] بصيغة الجمع ، وإرادة أجيال المسلمين والمسلمات كما ورد (اصبر) في القرآن تسع عشرة مرة كلها موجهة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باستثناء واحدة في لقمان ووصيته لابنه [يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ]( ).
لبيان سمو مرتبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بانفراده بتلقي الأمر المتعدد من الله عز وجل وتلحق به أجيال المسلمين .
بينما ورد قوله تعالى [اصْبِرُوا] خطاباً للمسلمين في آيتين من القرآن إحداهما آية البحث والأخرى قوله تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
ومن الإعجاز في المقام أن النداء والأمر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاص والمراد منه الحكم العام وشمول المسلمين بالأمر (اصبر) إلا ما دل الدليل على إرادة خصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ]( ).
ومن الخطاب الخاص والمراد العموم [فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ]( )، [فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ]( ).
ويقسم الخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى قسمين :
الأول : الخطاب الخاص والمراد منه خصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يقصد فيه غيره ، ومنه قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ]( ) [يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ]( )، كما في قوله تعالى [قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ]( ).
الثاني : الخطاب الخاص ويلحق به المسلمون ومنه [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا]( ).
وأضيف قسيماً ثالثاً : وهو الخطاب الخاص والمراد منه الخصوص والعموم مجتمعين ومتفرقين ، ومن العموم قوله تعالى [وَاصْبِرْ] في قوله تعالى [وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ]( ).
والمراد منه أيضاً عموم المسلمين ، في قوله تعالى [وَاصْبِرْ] وهذا المعنى قسيم مستحدث في المقام ، لتكون الواو في (واصبر) واو عطف واستئناف في آن واحد .
وليكون من تقدير قوله تعالى في آية البحث [اصْبِرُوا] : اصبروا حتى يحكم الله وهو خير الحاكين .
قانون الشكر على نداء الإيمان
أيام وسنين العمر وعاء ومناسبة للإنسان كي يشكر الله عز وجل على النعم الخاصة والعامة [وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ]( ).
وقد تقدم قول مستحدث في هذا السِفر وهو (أن لله عز وجل على كل إنسان نعم خاصة ينفرد بها من بين الناس ، مثلما ينفرد ببصمة الأصابع ، وبصمة العين ، وفيه دعوة متجددة ليشكر الله عز وجل) .
ومن النعم العظيمة نعمة الإيمان وكيفيتها ابتداء واستدامة ، لذا فان قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وتكراره تسعاً وثمانين مرة في القرآن فضل من عند الله ، وتذكير بنعمة الإيمان ، ودعوة للإمتثال للأوامر والنواهي التي تتفرع عن الإيمان وتصاحبه .
ويتجلى الشكر لله عز وجل من المسلمين على نداء الإيمان بقول : الحمد لله ، الشكر لله .
ويصدق الإيمان والعمل بمضامين آيات نداء الإيمان من الأوامر والنواهي ، ومنها آية البحث التي وردت فيها أربعة أوامر بأربع كلمات [اصْبِرُوا] [وَصَابِرُوا][ وَرَابِطُوا][وَاتَّقُوا اللَّهَ] ولم يرد فيها نهي .
وتحتمل تلاوة المسلم والمسلمة قوله تعالى [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ) في المقام وجوهاً :
الأول : إنها من الشكر لله عز وجل على نداء الإيمان .
الثاني : إنها من الشكر لله عز وجل العام من غير تعيين لموضوع مخصوص.
الثالث : تلاوة المسلم والمسلمة هذه الآية بصيغة القرآنية ، وبقصد الإمتثال للخطاب التكليفي بقراءة القرآن في الصلاة ، وقد تعاهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قراءة سورة الفاتحة في كل فريضة.
وورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج .
وروى رفاعة بن مالك( ) أن رجلاً دخل المسجد وصلى ، فلما فرغ من صلاته وذكر الخبر إلى أن قال الرجل : علمني الصلاة يا رسول الله . فقال صلى الله عليه وسلم : إذا توجهت إلى القبلة فكبر واقرأ بفاتحة الكتاب)( ).
والأصل حمل الأمر على الوجوب خاصة وأنه في مقام التعليم .
المختار هو الأول والثاني ، لبيان شكر المسلمين لله عز وجل ، وهم في حال خشوع وخضوع وطاعة لله عز وجل ، وهو من أبهى مصاديق الشكر.
ملاقاة النبي محمد للأذى الشديد
لقد تحمل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أشد الأذى من قريش بعد البعثة في مكة ، وهو يدعو إلى الله ويعلن نبوته ، وكان يتخذ من أسواق مكة في موسم الحج مناسبة للتبليغ وتلاوة آيات القرآن على الناس خاصة وأنها تقام في شهر ذي القعدة وذي الحجة ، وهما من الأشهر الحرم التي تمتنع فيها العرب عن القتال والتعدي.
وعن أبي الزناد (ربيعة بن عباد، من بني الديل، وكان جاهليًا فأسلم –قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول : يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ، والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه أحولُ ذو غديرتين، يقول: إنه صابئ كاذب. يتبعه حيث ذهب ، فسألت عنه فقالوا: هذا عمه أبو لهب)( ).
(قال أبو الزناد: قلت لربيعة: كنت يومئذ صغيرًا؟ قال: لا والله إني يومئذ لأعقل أني أزفر القربة)( ).
ومعنى أزفر القربة : أي أملؤها ماء وأحملها إلى أهلي للدلالة على بلوغه مرحلة الإدراك والفتوة واشتداد العود.
وكان وفد الحاج ينقلون أخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآيات القرآن وهي أعظم هدية في تأريخ وفد الحاج ، فلم يرجعوا لأهليهم بالأصنام الصغيرة أو المؤن كما كانوا قبل البعثة بل يأتون لهم بتحفة وهي السور المكية التي تتضمن الإنذار والوعيد ، وقرب يوم القيامة وعالم الحساب ، ومنه قوله تعالى [فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا]( ).
فيكون الأمر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر في الآية أعلاه (اصبروا) ولتكون السنة النبوية أسوة وقدوة للمسلمين ، قال تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ]( ) لبيان أمور :
الأول : قانون تلقي النبي الأذى في أداء الرسالة .
الثاني : قانون استدامة قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتبليغ مع شدة الأذى .
الثالث : قانون الأذى الشديد من الكفار ليس برزخاً دون دخول الناس الإسلام .
الرابع : قانون الأجر العظيم على الهجرة ، لذا ورد قبل خمس آيات قوله تعالى [فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ]( ).
ما قبل بيعة العقبة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قيامه بالدعوة إلى الإسلام من حين بداية الوحي ونزول آيات القرآن ، ويدل عليه أول سورة نزلت من القرآن [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]( )، ومن معانيه (اقرأ القرآن على الناس باسم ربك الذي خلق).
ثم نزلت بعدها سورة المدثر وما فيها من البعث على التبليغ العام للرسالة.
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال (سألت جابر بن عبد الله عن ذلك قلت له مثل ما قلت ، قال جابر : لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : جاورت بحراء .
فلما قضيت جواري فنوديت فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئاً ، ونظرت عن شمالي فلم أرَ شيئاً ، ونظرت خلفي فلم أرَ شيئاً .
فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجثثت منه رعباً ، فرجعت فقلت دثروني فدثروني ، فنزلت [يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ]( ) إلى قوله [وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ]( ).
وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاماً فلما أكلوا قال : ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم : ساحر ، وقال بعضهم : ليس بساحر ، وقال بعضهم : كاهن ، وقال بعضهم : ليس بكاهن ، وقال بعضهم : شاعر ، وقال بعضهم ليس بشاعر ، وقال بعضهم : سحر يؤثر .
فاجتمع رأيهم على أنه سحر يؤثر فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فخرج وقنع رأسه وتدثر ، فأنزل الله[يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ]( ) إلى قوله وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ( ).
ويظهر التباين والتعارض الزماني بين الخبرين ، فيدل ظاهر الأول أعلاه على أن سورة المدثر هي أول سورة أُنزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، بينما يدل الخبر الثاني عن ابن عباس على شيوع وانتشار نبوة النبي محمد بين الناس ، وكره رؤساء قريش للأمر ، واجتماعهم للمكر والكيد ، ونعتهم النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بأنه ساحر وكاهن وشاعر ، قال تعالى [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
ليتجلى رجحان القول بأن أول سورة أنزلت على النبي هي الآيات الأولى من سورة العلق [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]( ) وكيف أن جبرئيل ضم النبي محمداً اثناء القائه الوحي لشدته .
لقد أخذت قريش تتمادى في مكرها وإيذائها للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبني هاشم والصحابة الأوائل ، فصار النبي محمد يطوف على القبائل في أماكنها في منى أيام موسم الحج ويدعوهم للإسلام ويتلو عليهم القرآن ، ويسألهم إيواءه وحمايته من قريش ، ولتكون عنده مندوحة في التبليغ ، فتقابله القبائل بالإعتذار أو بالرد القاس أو الإستخفاف خشية من قريش إذ كانت تتصف بأمور :
الأول : سدانة البيت الحرام .
الثاني : ضيافة رؤساء القبائل في مكة .
الثالث : كثرة أموال قريش وتسليفهم العرب الأموال الربوية .
الرابع : ضرب قوافل قريش في أنحاء الجزيرة بين مكة والشام ، وبين مكة واليمن ، كما في قوله تعالى [لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ]( ).
ليستبدلهم الله بالمسلمين يضربون في الأرض من جهات :
الأولى : الدعوة إلى الله ، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ]( ).
الثانية : ضرب المسلمين في الأرض للتجارة والكسب .
الثالثة : إقامة المسلمين الصلاة في الحل والترحال ، قال تعالى [فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
قوله تعالى [اصْبِرُوا]
الصبر لغة هو المنع والحبس فيقال قُتل فلان صبراً أي حُبس حتى قُتل.
وهو في الإصطلاح حبس النفس على طاعة الله ، وإجتناب معاصيه .
ومن ضروب الإبتلاء والإختبار في الدنيا وجوه :
الأول : قانون الملازمة بين الصبر والنجاح .
الثاني : قانون الصبر مناسبة لأداء الفرائض العبادية .
الثالث : قانون الصبر سلاح لسلامة الدين وحسن العاقبة ، والنجاة من الصبر والأذى يوم القيامة الذي ورد في ذم الذين كفروا يومئذ حيث لا ينفعهم الصبر ، قال تعالى [اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ]( ).
لم يلجأ الذين كفروا إلى الصبر ويستعينوا به في الدنيا بما يرضي الله عز وجل ، فلاقوا العذاب في الآخرة بما لا ينفع معه الصبر لشدة الألم .
أما المسلمون فقد أمرهم الله عز وجل بالصبر ، وهل هو مطلق الصبر والتحمل ، الجواب لا ، إنما هو الصبر في طاعة الله ، والإجتهاد في طاعته ، وحبس النفس عن المعاصي بدليل بداية وخاتمة الآية إذ ابتدأت الآية بنداء الإيمان لتقييد الصبر في الآية بخصال حميدة .
وقد تقدم في الجزء الخامس والثلاثين بعد المائة من هذا السِفر : ويمكن تأسيس علم جديد هو الآية القرآنية دعوة للصبر( ).
ومن خصائص الأمر الإلهي للمسلمين (اصبروا) أنه وعد بالمدد والعون والولاية والنصرة من عند الله لقوله تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
وتقدير الآية على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا اصبروا في طاعة الله .
الثاني : واصبروا في طاعة الرسول .
الثالث : واصبروا في التآلف بينكم ونبذ الخصومة والفرقة والتنازع.
(وأخرج ابن سعد عن عباد بن الوليد بن عبادة بن الصامت : أن أسعد بن زرارة أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة فقال : يا أيها الناس هل تدرون علام تبايعون محمداً؟ إنكم تبايعونه على أن تحاربوا العرب والعجم والجن والإِنس كافة .
فقالوا : نحن حرب لمن حارب وسلم لمن سالم . فقال أسعد بن زرارة : يا رسول الله اشترط عليَّ .
فقال : تبايعوني على أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وإني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتقيموا الصلاة ، وتؤتوا الزكاة ، والسمع والطاعة ، ولا تنازعوا الأمر أهله ، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأهليكم .
قالوا : نعم . قال قائل الأنصار : نعم هذا لك يا رسول الله فما لنا؟ قال : الجنة والنصر)( ).
ولقد ورد فعل الأمر (اصبروا) في المناجاة بين رؤساء الكفر للبقاء على ملة الشرك في مواجهة دعوة النبي لهم للإيمان والعرب تقول : امش على هذا الأمر ، أي ابق عليه وتمسك به وقولهم [إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ]( ) تكذيب لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
إذ ادعت قريش بأنه لم يرد في الأخبار خروج نبي في زماننا ، ولم نسمع انباء هذا النبي في كتب النصارى لأنها آخر الملل كما ورد في التنزيل [مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ]( ).
لبيان التباين بين الصبر الذي أمر الله عز وجل به المسلمين ، وهل منه الصبر على أذى الذين كفروا وعلى صبرهم وإقامتهم على الضلالة والشرك ، لأن صبر المشركين هذا ايذاء للنبي محمد وأصحابه ، ومقدمة لتجهيزهم الجيوش لمحاربته .
تجدد الأمر (اصبروا)
يتجدد الأمر الإلهي (اصبروا) الموجه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة والتابعين وأجيال المسلمين وهو أعم من مبحث المرة والتكرار في أصول الفقه ، وفيه وجوه :
الأول : الصبر بصبغة الإيمان طاعة لله عز وجل .
الثاني : قانون الصبر طريق النصر ، و(عن ابن عباس قال : أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة أهداها له كسرى فركبها جهل بن شعر ثم أردفني خلفه وسار بي ملياً ثم احتنا لي وقال لي : يا غلام ، قلت : لبيك يا رسول اللّه.
قال : إحفظ اللّه يحفظك احفظ اللّه تجده أمامك ، تعرَّف إلى اللّه في الرخاء يعرفك في الشدة ،وإذا سألت فأسأل اللّه وإذا استعنت فاستعن باللّه قد مضى القلم بما هو كائن فلو عمل الخلائق أن ينفعوك بما لم يقض الله لك لما قدروا عليه ولو جهدوا أن ينصروك بما لم يكتب اللّه عليك ما قدروا عليه فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل ، فإن لم تستطيع فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً واعلم أن النصر مع الصبر فإن مع الكرب الفرج وإن مع العسر يسرا)( ).
الثالث : قانون الصبر حاجة للمسلمين .
الرابع : الصبر في ذات الله عبادة .
وقد سمي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شهر رمضان بشهر الصبر إذ ورد (عن سلمان الفارسي قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال : يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم شهر مبارك ، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر ، جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوّعاً .
من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه ، وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة ، وشهر المواساة وشهر يزاد في رزق المؤمن.
من فطر فيه صائماً كان له مغفرة لذنوبه ، وعتق رقبته من النار ، وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء .
قلنا : يا رسول الله كلنا نجد ما يفطر الصائم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يعطي الله هذا الثواب من فطر صائماً على مذقة لبن ، أو تمرة ، أو شربة من ماء.
ومن أشبع صائماً سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة ، وهو شهر أوّله وأوسطه مغفرة ، وآخره عتق من النار ، من خفف عن مملوكه فيه غفر له وأعتقه من النار .
فاستكْثروا فيهِ مِنْ أَرْبعَ خِصَالٍ : خَصْلَتَان تُرْضُونَ بِهمَا رَبَّكُمْ ، وَخَصْلَتَانِ لاَ غِنَى بِكُمْ عَنْهُمَا . فَأمَّا الْخَصْلَتَانِ اللَّتَان تُرْضُونَ بِهِما رَبَّكُمْ فَشَهَادَةُ أنْ لاَ إلهَ إلا اللهُ وَتسْتَغْفِرونَهُ.
وَأمَّا اللَّتَانِ لاَ غِنَى بِكُمْ عَنْهُما فَتَسْأَلُونَ الْجنَّةَ وتَعُوذونَ بِهِ مِنَ النَّار)( ).
والصبر الوارد في آية البحث [اصْبِرُوا] أعم فلا يختص بالإمساك والتحمل وإن كان أمراً وجودياً بل يشمل العمل بالقول والفعل في طاعة الله عز وجل .
الأمر بالصبر موعظة
وقوله تعالى [اصْبِرُوا] موعظة ومدرسة من وجوه :
الأول : تأديب المسلمين .
الثاني : بيان ماهية وكيفية الصبر ، وخصائص ومنافع الصبر .
الثالث : تنمية ملكة الصبر عند المسلمين ، وفي التنزيل [إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ]( ).
لبيان الملازمة بين التقوى والصبر ، وحاجة المسلم لهما للفوز بالأجر والثواب ، ومع كثرة مفردات الصبر في القرآن ، فلم يرد لفظ (يصبر) فيه إلا في الآية أعلاه .
من إعجاز آية البحث ابتداؤها بنداء الإيمان للتشريف والشهادة للمسلمين بالهداية ، ودعوتهم لتلقي الأوامر الإلهية في هذه الآية وآيات القرآن الأخرى بالرضا والإمتثال .
وهل يبعث نداء الإيمان المسلمين على التفقه في الدين ، الجواب نعم ، لبيان قانون نداء الإيمان باعث على الفقاهة في الدين ، ومعرفة أحكام الحلال والحرام .
لذا جاء قوله تعالى [اصْبِرُوا] بعد نداء الإيمان من غير فاصلة بينهما لبيان أمور :
الأول : قانون الصبر ركن من أركان الإيمان .
الثاني : الصبر طريق لتثبيت الإيمان في القلوب .
الثالث : قانون الصبر واقية من الوهن والقنوط واليأس .
الرابع : مجئ المدد من الله عز وجل للصابرين ، وفي التنزيل [إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
الخامس : الصبر سبيل لنيل الثواب العظيم ، قال تعالى [وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ]( ).
وفي تنمية ملكة الصبر تحمل للأذى الشديد ، وصرف للضرر ، وهل في تأكيد القرآن على الصبر تنبيه وإنذار من كيد المشركين وتجهيزهم الجيوش لمحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وتوالي المحن والمصائب ، الجواب نعم ، قال تعالى [وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ]( ).
وعن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته ، وأحسن عقباه ، وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه)( ).
والنسبة بين الصبر والإسترجاع عموم وخصوص مطلق فالإسترجاع فرع الصبر ، وقد أفردت في رسالتي العملية (الحجة) باباً للإسترجاع وهو قول [إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ]( ).
لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً برسالة التوحيد ، وقطع عبادة الأوثان ، ليصبر المؤمنون في طاعة الله ، وفي محاربة الكفر ومفاهيم الضلالة.
التفسير بالتقدير
من وجوه تقدير الآية :
الأول : يا أيها الذين آمنوا اصبروا في الرخاء والشدة .
الثاني : اصبروا في طاعة الله .
الثالث : اصبروا عن معصية الله .
الرابع : قانون اصبروا تؤجروا .
الخامس : قانون الصبر طريق النصر والظفر .
السادس : اصبروا عند ملاقاة المشركين .
السابع : اصبروا في الصفح والعفو عن الناس ، قال تعالى [فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ).
الثامن : اصبروا خيراً لكم في عاقبة الأمور ، وفي التنزيل [وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ]( ).
التاسع : اصبروا صبراً جميلاً .
العاشر : قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( )، [وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ]( ).
الحادي عشر : يتجلى قانون من الإرادة التكوينية وهو دخول الصابرين الجنة ، وتلقيهم السلام والتحية من الملائكة .
و(عن عبد الله بن عمرو قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله عزّ وجلّ يدعو يوم القيامة بالجنة ويأتي بزخرفها وزينتها فيقول : أين عبادي الذين قاتلوا في سبيل الله وأوذوا في سبيلي وجاهدوا في سبيلي ادخلوا الجنة ، فيدخلونها بغير حساب ولا عذاب .
فتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون : ربّنا نسبح الليل والنهار ونقدس لك من هؤلاء الذين آثرتهم علينا ،فيقول الله عزّ وجلّ : هؤلاء عبادي الذين أوذوا في سبيلي ، فيدخل عليهم الملائكة يقولون سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ( ).
الثاني عشر : قانون حاجة المؤمن إلى الصبر ، وقانون ملازمة الصبر للإيمان .
الثالث عشر : يا أيها الذين آمنوا اصبروا ليأتيكم المدد والعون من عند الله عز وجل.
الرابع عشر : اصبروا ولا تجزعوا ، لأن أصل الصبر : الحبس ، فمن معاني الصبر في آية البحث حبس النفس عن الجزع والمكروه ، وحبس الجوارح عن التعدي والظلم ، قال تعالى [وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( ).
الخامس عشر : اصبروا في المرابطة في الثغور .
السادس عشر : يا أيها الذين آمنوا رجالاً ونساءً اصبروا [وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ]( ).
السابع عشر : اصبروا فان الله يخفف عنكم الصبر وأسبابه ، ويمحو عنكم بالصبر ضروباً من البلاء والأذى ، قال تعالى [يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( ).
الصبر عون وتخفيف
تضمنت آية البحث الأمر إلى المسلمين بالصبر ، وفي آية أخرى من آيات نداء الإيمان قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
ومن معاني الجمع بين الآيتين وجوه :
الأول : قانون الملازمة بين الإيمان والتحلي بالصبر .
الثاني : الصبر شعبة من الإيمان .
وعن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (قال : إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، يألم المؤمن لأهل الإيمان، كما يألم الجسد لما في الرأس)( ).
وعن الإمام علي عليه السلام قال (الصبر من الإِيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، إذا قطع الرأس نتن باقي الجسد ، ولا إيمان لمن لا صبر له)( ).
الثالث : الصبر نوع طريق للفوز بمرضاة الله عز وجل .
الرابع : الأجر العظيم على الصبر ، قال تعالى [إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ]( ).
ومن معاني الصبر في المقام الصبر في طاعة الله ، وأداء الفرائض العبادية من الصلاة والصيام والحج وغيرها ، والصبر في البلاء سواء الخاص كالمرض ، أو العام كالفتنة ، والصبر وحبس النفس عن المعاصي والسيئات ومنه الشكر لله على نعمة الجاه ، و(عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا كان يوم القيامة دعا الله سبحانه بعبد من عبيده فيوقفه بين يديه فيسائله عن جاهه كما يسائله عن ماله)( ).
ومن معاني [بِغَيْرِ حِسَابٍ] في الآية أعلاه ورد عن الإمام علي عليه السلام أنه قال (كل أجر يكال كيلاً ويوزن وزناً إلا أجر الصابرين فإنه يحثى حثواً)( ).
لقد جعل الله عز وجل الإبتلاء من سنة الحياة الدنيا ، ليكون الصبر سبيل النجاة ، ومفتاح الفلاح فيها ، وكان الأنبياء الأئمة في الصبر ، وقد وثق القرآن شواهد من صبرهم ، وقال الله تعالى [فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ]( ).
ومن معاني اقتران نداء الإيمان بالأمر بالصبر في قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا]( ) بيان المائز بين المؤمن وغيره عند طرو الإبتلاء ، طوعاً وقهراً ، فكلاهما يصبر ولا سبيل إلا التحمل والصبر .
أما المؤمن فيأتيه الثواب غير المحدود على هذا الثواب ، وأما الكافر فانه لا يثاب على صبره ، لأن المؤمن يعلم بأن ما نزل به هو من عند الله ، وهو الذي يكشفه ويصرفه ويثيب عليه .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (عجبا لأمر المؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له : إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن)( ).
والصبر مناسبة للدعاء والتضرع إلى الله والخشوع له تعالى ، وإدراك قانون مقاليد الأمور بيد الله عز وجل وحده ، وهو الذي يصرف البلاء .
الصبر في السنة النبوية
تتجلى معالم مدرسة الصبر في السنة النبوية القولية والفعلية ، ونزلت الأوامر الإلهية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر والتحمل ، قال تعالى [وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ]( ).
لبيان موضوعية قصد القربة في الصبر ، والثواب عليه ، وأن الأذى الذي لاقاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بسبب حمله لواء الرسالة والتبليغ موعظة وإمامة ، قال تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا]( ).
ومن الصبر في السنة النبوية اللجوء إلى الذكر والصلاة في أوقاتها عند مجئ الأذى من المشركين ، قال تعالى [فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ]( ).
لبيان ضرورة الصبر على أذى المشركين وعدم تعارضه مع أداء الفرائض العبادية .
وهل من معاني الآية الأمر للمسلمين بالصبر على أذى الذين كفروا برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أيام النبوة والتابعين وتابعي التابعين إلى يوم القيامة ، الجواب نعم ، خاصة وقد ذكرت الآية السابقة لآية البحث إيمان طائفة من أهل الكتاب من اليهود والنصارى برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والذي فيه عون للمسلمين ، وتخفيف عنهم.
وهل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وما لاقاه في طريق الهجرة من الصبر ، الجواب نعم ، ومن صبر النبي محمد صبره في المجادلة والإحتجاج وإقامة البرهان ، وتبليغ آيات القرآن ، وأداؤه الصلاة وسط مجتمع المشركين .
وقد خفف الله عز وجل عنه بالإجابة بالقرآن والوحي عن الأسئلة ، إذ ورد قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ] خمس عشرة مرة في القرآن ، كلها موجهة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويتفضل الله عز وجل بالإجابة عليها بقوله تعالى [قُلْ] .
وقد يرد لفظ [يَسْأَلُونَكَ] و[قُلْ] مرتين في آية واحدة كما في قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ]( ).
وقد صبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ميادين الدفاع ، ولم يفر من المعركة مع أن عدد وعدة المشركين أضعاف عدد المسلمين في الميدان وأصيب في معركة أحد بالجراحات .
(وَذَكَرَ عُمَرُ مَوْلَى غُفْرَةَ : أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَلّى الظّهْرَ يَوْمَ أُحُدٍ قَاعِدًا مِنْ الْجِرَاحِ الّتِي أَصَابَتْهُ وَصَلّى الْمُسْلِمُونَ خَلْفَهُ قُعُودًا)( ).
الأمر [اصْبِرُوا] في القرآن
وقد ورد الفعل (اصبروا) ست مرات وهي على أقسام :
الأول : جاء مرتين خطاباً إلى المسلمين ، إحداهما آية البحث ، والآية الأخرى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
الثاني : في إنذار شعيب النبي لقومه مدين كما ورد في التنزيل [وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ]( ).
الثالث : دعوة موسى عليه السلام لقومه بالصبر في ملاقاة الأذى الشديد والضرر من فرعون وقومه كما في قوله تعالى [قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ]( ).
الرابع : في ذم الذين كفروا في قوله تعالى [وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ]( )، وموضوع الآية وفق سياق الآيات عام ومنه أن كبار قريش اجتمعوا عند مرض أبي طالب.
(فقالوا : إن من القبيح علينا أن يموت أبو طالب ونؤذي محمداً بعده ، فتقول العرب : تركوه مدة عمه ، فلما مات آذوه ، ولكن لنذهب إلى أبي طالب فلينصفنا منه ، وليربط بيننا وبينه ربطاً .
فنهضوا إليه ، فقالوا يا أبا طالب إن محمداً يسب ويسفه آراءنا وآراء آبائنا ونحن لا نقاره على ذلك ، ولكن افصل بيننا وبينه في حياتك ، بأن يقيم في منزله يعبد ربه الذي زعم ، ويدع آلهتنا ، ولا يعرض لأحد منا بشىء من هذا)( ).
فدعى أبو طالب النبي محمداً ولما حضر قال (يعطوني كلمة تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم الجزية بها العجم قالوا وما هي؟ فإنا نبادر إليها ، قال : لا إله إلا الله ، فنفروا عند ذلك ، وقالوا ما يرضيك منا غير هذا.
قال : والله لو أعطيتموني الأرض ذهباً ومالاً . وفي رواية : لو جعلتم الشمس في يميني والقمر في شمالي ما أرضاني منكم غيرها ، فقاموا عند ذلك ، وبعضهم يقول [أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ]( )، ويرددون هذا المعنى ، وعقبة بن أبي معيط يقول امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ( ).
وفي هذا الحديث إعجاز وبيان بأن شمس الإسلام ستشع على فارس وبلاد الشام وغيرهما .
الخامس : ورد لفظ (أصبروا) في تقريع الذين كفروا والوعيد لهم بالنار بقوله تعالى [اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ]( ).
وفي معركة بدر التي وقعت في السابع عشر في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة ، وبعد انقضاء المعركة أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقتلى المشركين بأن يسحبوا إلى القليب وهي البئر التي جف ماؤها ثم نادى (يا أبا جهل بن هشام، ويا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة -وسمى رءوسهم- : هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا ، فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا .
وقال عمر : يا رسول الله تخاطب قومًا قد جَيفوا .
فقال : والذي نفسي بيده ، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا)( ).
قانون الصبر شكر
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا حلوة خضرة بهيجة ، ودعا الناس للشكر والحمد له تعالى لعظيم النعم وتواليها على الناس ، وهل منها الشهيق والزفير .
الجواب نعم ، إذ أنه لا يتم في كل مرة إلا بإذن من عند الله عز وجل مما يلزم الشكر له تعالى ، وفيه طول العمر ، وزيادة في الأجل ، لقوله تعالى [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ]( ).
ومن الشكر لله عز وجل التحلي بالصبر بقصد القربة إلى الله تعالى ، وفيه شكر لله عز وجل من وجوه :
الأول : الشكر لله على نعمة الهداية .
الثاني : الأجر والثواب على الشكر لله .
الثالث : الشكر لله تفقه في الدين .
الرابع : الشكر لله تيسير في أداء الفرائض العبادية .
الخامس : الصبر فضل وتوفيق من عند الله مما يستلزم معه الشكر له سبحانه ، وفي التنزيل [وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ]( ).
ومن منافع الصبر الثبات في منازل الإيمان ، وقهر النفس على التحمل في طاعة الله ، وانصراف كيد الذين كفروا .
لذا تضمنت آية البحث الأمر بالمرابطة مع الصبر ، والنسبة بينهما العموم والخصوص المطلق ، فالصبر أعم ، والعطف بينهما من عطف الخاص على العام .
ومن وجوه الشكر لله :
الأول : الشكر القولي ومنه قول الحمد لله ، وقد أكرم الله عز وجل المسلمين بقول كل واحد منهم [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ) سبع عشرة مرة في اليوم على نحو الوجوب العيني في الصلاة اليومية .
الثاني : الشكر الفعلي .
الثالث : الفرد الجامع للشكر القولي والفعلي .
ومن مصاديقه العبادية أداء الصلاة ، وما فيها من التلاوة والتكبير والركوع والسجود لذا جاء الأمر بهما في آية من آيات نداء الإيمان بقوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
وقد حجب الكافر عن نفسه نعمة الشكر لله ، قال تعالى [وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ]( ).
ويتنعم الذين كفروا بالأموال والجاه وكثرة الأسفار ، ليكون صبر المؤمن واقية من الإفتتان بهم ، لذا ورد قوله تعالى لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ.
ومن خصائص الصبر المترشح عن الإيمان مجئ الفرج والسعادة بعده ، كما في حديث عدي بن حاتم( ).
فبعد هروب عدي بن حاتم إلى الشام عندما دخلت خيل المسلمين برئاسة الإمام علي عليه السلام إلى آجا وسلمى لهدم صنم الفُلُس في شهر ربيع الثاني من السنة التاسعة للهجرة في مائة وخمسين من الأنصار على مائة بعير وخمسين فرساً .
عاد عدي إلى المدينة بتحريض وترغيب من أخته سفّانة بنت حاتم ، حتى دخل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد النبوي الذي أكرمه وأخذه معه إلى بيته ليرى تواضع النبوة حتى أدرك عدي بالشواهد صدق النبوة إذ قال (وَعَرَفْت أَنّهُ نَبِيّ مُرْسَلٌ يَعْلَمُ مَا يُجْهَلُ ثُمّ قَالَ لَعَلّك يَا عَدِيّ إنّمَا يَمْنَعُك مِنْ دُخُولٍ فِي هَذَا الدّينِ مَا تَرَى مِنْ حَاجَتِهِمْ فَوَاَللّهِ لَيُوشِكَنّ الْمَالُ أَنْ يَفِيضَ فِيهِمْ حَتّى لَا يُوجَدُ مَنْ يَأْخُدُهُ .
وَلَعَلّك إنّمَا يَمْنَعُك مِنْ دُخُولٍ فِيهِ مَا تَرَى مِنْ كَثْرَةِ عَدُوّهِمْ وَقِلّةِ عَدَدِهِمْ فَوَاَللّهِ لِيُوشِكَنّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْمَرْأَةِ تَخْرَجُ مِنْ الْقَادِسِيّةِ عَلَى بَعِيرِهَا حَتّى تَزُورَ هَذَا الْبَيْتَ لَا تَخَافُ .
وَلَعَلّك إنّمَا يَمْنَعُك مِنْ دُخُولٍ فِيهِ أَنّك تَرَى أَنّ الْمُلْكَ وَالسّلْطَانَ فِي غَيْرِهِمْ وَاَيْمُ اللّهِ لَيُوشِكَنّ أَنّ تَسْمَعَ بِالْقُصُورِ الْبِيضِ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ قَدْ فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ قَالَ فَأَسْلَمْت)( ).
علم المناسبة
وردت مائدة (صبر) في نحو مائة موضع .
وبلحاظ الأحكام التكليفية الخمس فان الصبر واجب ، وعليه الإجماع .
ومع أن الله عز وجل قرن الإستعانة به مع وجوب عبادته بقوله تعالى [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ]( )، فانه تعالى أمر المسلمين بالإستعانة بالصبر أيضاً.
ولم ترد الإستعانة في القرآن بغير الله عز وجل إلا بالصبر ، فقد وردت الإستعانة بالصبر والصلاة مرتين ، قال تعالى [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ]( )، وقال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
وهل الإستعانة بالصبر والصلاة من باب الحصر أم من باب المثال في العبادات ، المختار هو الثاني إذ تشمل الإستعانة بالصيام والزكاة والحج والذكروالإستغفار .
وقد أمر موسى عليه السلام قومه بالإستعانة بالله ، وأمرهم معها بالصبر بحصر الإستعانة بالله [قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ]( ).
لتكون استعانة المسلمين بالصبر دليلاً على تفقههم في الدين والفصل بين الإستعانة المطلقة بالله عز وجل الذي بيده مقاليد الأمور ، والإستعانة بالصبر في العمل والسعي في سبيل الله ، وتحمل أذى المشركين .
ومن معاني قوله تعالى [اصْبِرُوا] في آية البحث وجوه :
الأول : الصبر بمعنى حبس النفس في طاعة الله بأداء الفرائض العبادية البدنية والمالية ، والبدنية المالية .
الثاني : الصبر بمعنى تحمل المكروه ومشاق الحياة ، وأذى المشركين .
الثالث : الصبر في ميادين الدفاع ، لتكون آية البحث عوناً للمسلمين في مواجهة الغزاة المشركين في معركة بدر ، ومعركة أحد ، ومعركة الخندق ، ومعركة حنين ، وفي معركة حنين قال تعالى [لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ]( ).
ولابد في التفسير من ذكر الشواهد على امتثال المسلمين للأوامر الإلهية الواردة في القرآن ، ومنها الأوامر الأربعة الواردة في آية البحث .

قانون الإمتثال العام
لقد تضمن القرآن الأوامر التي تفيد الوجوب وتلك التي تفيد الندب والإستحباب ، والنواهي التي تفيد الحرمة ، مثل حرمة الزنا ، والخمر ، والربا ، والإقتراب من الفواحش [مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ]( ).
وبخصوص آية البحث لابد من البيان لمصاديق الإمتثال حسب هذا القانون من جهات :
الأولى : ابتدأت آية البحث بقوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ومن مصاديق إيمان المسلمين إعلانهم التوحيد وتصديقهم برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأدائهم الفرائض العبادية في أوقاتها ، وبالكيفية التي جاء بها القرآن والسنة .
فقد فرض الله عز وجل على المسلمين الصلاة ، قال تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ]( )، ومن إيمان المسلمين إقرارهم باليوم الآخر ، وعالم الحساب والجزاء .
الثانية : جاء بعد نداء الإيمان قوله تعالى [اصْبِرُوا] ليبقى المسلمون أمة صابرة في طاعة الله ، وفي الرخاء والشدة ، وعند المحن والمصائب وملاقاة المشركين .
ترى ما هي النسبة بين قوله تعالى [اصْبِرُوا] وقوله تعالى [اثْبُتُوا] في قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، فالثبات فرع الصبر.
وهل ذكر الله كثيراً الوارد في الآية أعلاه من مصاديق [اصْبِرُوا] الجواب نعم ، فهو صبر عبادة وذكر .
ولا يحصي الشواهد التي تدل على صبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلا الله عز وجل ، وكذا صبر أجيال المسلمين في طاعة الله.
ليتجلى قانون الصبر في طاعة الله نجاة .
لذا أمر الله عز وجل المسلمين به ليصلوا إلى بر الأمان ، ويقيموا الصلاة في بلدانهم من غير خوف من المشركين ، قال تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ]( ).
الثالثة : قانون المصابرة التي يتحلى بها المسلمون ، وصارت عنواناً وخصيصة لهم ، لاقوابها هجمات وغزو المشركين للمدينة .
صبر بني هاشم مدة الحصار
لقد فرضت قريش الحصار الإجتماعي والإقتصادي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبني هاشم وبني المطلب في شعب أبي طالب لثلاث سنين من شهر محرم من السنة السابعة إلى السنة العاشرة للبعثة النبوية بأن لا يبايعوهم ولا يجالسوهم ولا يتزوجوا منهم ، ولا يزوجونهم ، وكتبوا صحيفة بمواد الحصار وعلقوها في سقف الكعبة ، كيلا تصل إليها الأيدي.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الصبر وتحمل الأذى ومنها إنحياز بني هاشم وبني المطلب مؤمنهم وكافرهم إلى الشعب تعضيداً ومواساة ونصرة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باستثناء عمه أبي لهب .
لقد انقطعت عنهم الميرة ، وتحملوا الأذى لفترة محدودة وفيه الأجر والثواب ، أما أبو لهب فقد نزل القرآن في ذمه وتبكيته ليتلو المسلمون هذا الذم كل يوم وإلى يوم القيامة لبيان أن قانون الذي يحارب النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يلحقه الخزي في الدنيا والآخرة .
وحينما منعت قريش التناكح مع بني هاشم هل كانوا يعلمون أن زواج الأقارب إذا استمر يراكم الصفات الوراثية التي تؤدي إلى ضعف النسل ، المختار نعم .
لأنه يدرك بالتجربة والوجدان إلى جانب وجود الطب والأطباء آنذاك ، منهم الطبيب الحارث بن كلدة الثقفي الذي كان حاذقاً في طب الأبدان ، وقيل أمره النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمداواة سعد بن أبي وقاص.
قوله تعالى [وَصَابِرُوا]
ومن معاني الآية تنمية ملكة الصبر ، واستحضارها عند البلاء وعند الشدائد الخاصة والعامة ، و(عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنه من يستعف يعفه الله ، ومن يستغن يغنه الله ، ومن يتصبر يصبره الله ، ولم تعطوا عطاء خيراً وأوسع من الصبر)( ).
ومن منافع الصبر أنه باب للنصر ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإمام في الصبر ، وتحمل الأذى من المشركين ، قال تعالى [وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ]( ).
ولم يرد لفظ (اصبر) (صبرك) في القرآن إلا في الآية أعلاه .
و(عن سهل بن سعد الساعدي . أن رسول الله صلى لله عليه وسلم قال لعبد الله بن عباس : ألا أعلمك كلمات تنتفع بهن؟ قال : بلى يا رسول الله . قال : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده أمامك .
تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، جف القلم بما هو كائن .
فلو جهد العباد أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه.
ولو جهد العباد أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه ، فإن استطعت أن تعمل لله بصدق في اليقين فافعل ، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً .
واعلم أن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسر يسراً)( ).
وبعد الأمر بالصبر جاء قوله تعالى [وَصَابِرُوا] بصيغة العطف بالواو والتي تدل على الغيرية بين الصبر والتصابر ، والنسبة بينهما عموم وخصوص مطلق ، فالصبر أعم ليكون العطف في الآية من عطف الخاص على العام.
ومن معاني صابروا :
الأول : صابروا على أداء الصلوات اليومية .
الثاني : صابروا عند المصيبة .
الثالث : صابروا النفس الأمارة بالسوء ، لقانون جهاد الأهواء .
الرابع : تعاونوا بالصبر ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى]( ).
الخامس : صابروا في ميادين الدفاع عند ملاقاة الذين كفروا .
وعن (داود بن صالح قال : قال لي أبو سلمة( ) بن عبد الرحمن: يا ابن أخي، هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية [اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا]( ) ، قلت : لا ، قال : إنه يا ابن أخي لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يُرَابَطُ فيه ، ولكنه انتظار الصلاة خلف الصلاة)( ).
ولم يرد لفظ (صابروا) في القرآن إلا في آية البحث ، نعم ورد قوله تعالى [وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ]( ).
و(عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنه من يستعف يعفه الله ، ومن يستغن يغنه الله ، ومن يتصبر يصبره الله ، ولم تعطوا عطاء خيراً وأوسع من الصبر)( ).
ومن مصابرة المسلمين للعدو عدم ابتدائه بالقتال أو الغزو والمصابرة أعم من المرابطة ، لذا تشمل المصابر بانتظار الصلاة اليومية وأداءها في أوقاتها.
ومن معاني قوله تعالى [وَصَابِرُوا] التأني بالفعل عند عدم الحاجة إلى السرعة ، وأخذ الحائطة والإحتراز.
وقبل التقاء الجيشين في معركة بدر بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اثنين من الصحابة هما بسبس بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء عينا وكشافة للطريق فأناخا عند ماء بدر وأخذا سناً يستسقيان فيه .
(فسمع عدي وبسبس جاريتين من جواري الحاضر وهما تلازمان على الماء والملزومة تقول لصاحبتها انما تأتى العير غدا أو بعد غد فأعمل لهم ثم اقضيك الذي لك)( ).
أي أنهما يستمران في الإستقاء وإخراج الماء من البئر يتناوبان فيه ، وتقول إحداهما للأخرى غداً أو بعد غد تأتي القافلة فأعمل لهم ، واقضيك الدَين الذي لك ، وأعمل نيابة عنك في دورك .
واتفق أن مجدي بن عمرو الجهني على الماء ، فقال : صدقت ، أي أنها صدقت بمجئ القافلة غداً أو بعد غد .
التفسير بالتقدير
في الآية وجوه :
الأول : صابروا انفسكم في فعل الطاعات ، وسميت العبادات التكاليف لما فيها من الجهد والتكليف والمشقة .
الثاني : صابروا العدو في اللقاء ، قال تعالى [إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ]( ).
الثالث : صابروا بعضكم بعضاً في مسائل العبادات ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ]( ).
الرابع : صابروا لصرف المشركين عن الغزو والقتال ، وعن التابعي (يحيى بن أبي كثير( ) : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تتمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون لعلكم ستبلون بهم وسلوا الله العافية .
فإذا جاءوكم يبرقون ويرجفون ويصيحون بالأرض ، الأرض جلوساً ثم قولوا : اللهم ربنا وربهم نواصينا ونواصيهم بيدك وإنما تقتلهم أنت ، فإذا دنوا منكم فثوروا إليهم واعلموا أن الجنة تحت البارقة)( ).
وقال النابغة في بني حُنّ دهم من بني عذرة (
لقد قلت للنعمان يومَ لقيتُه … يُريد بني حُنٍّ ببُرقةٍ صادرِ
تجنَّبْ بني حُنٍّ فإنَّ لقاءهم … كريهٌ وإنْ لم تلقَ إلاَّ بصابرٍ)( ).
وقال الشاعر
(لأنْتَ مُعْتَادُ -فِي الهَيْجَا-مُصَابَرَةٍ… يَصْلَى بِهَا كُلُّ مَنْ عَادَاكَ نِيرَانَا)( ).
علم المناسبة
لم يرد لفظ (صابروا) في القرآن إلا في آية البحث ، ولكن آيات كثيرة تدل على المراد منه ، وتعضده كما في قوله تعالى [انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ]( )،
[قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ]( ).
[فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ]( ).
بما يبعث المسلمين على أمور مجتمعة وهي :
الأول : الصبر .
الثاني : الحيطة والحذر .
الثالث : مقابلة العدو بالمصابرة وعدم الجزع حتى مع الأذى الشديد ، قال تعالى [وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا]( ).
الرابع : تحقق النصر ونشر السلم والأمن في المجتمعات والجادة العامة.
وصابروا نوع مفاعلة ، تتألف من وجوه :
الأول : الصابرون .
الثاني : موضوع الصبر .
الثالث : الذين يصابر منهم وعنهم وعليهم .
قوله تعالى [وَرَابِطُوا]
الرباط في المقام له معنيان عام وخاص ، أما العام فهو الشد ، ومنه التكافل والتآزر والتعاون بين المسلمين ، بعضهم يشد أزر بعض .
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)( ).
وأما الخاص فهو على قسمين :
الأول : المرابطة في الثغور احترازاً من قيام العدو بالغزو .
الثاني : انتظار أوقات الصلاة في المساجد .
والمرابطة بانتظار أوقات الصلاة ، إذ ورد (عن أبي أيوب قال : وقف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هل لكم إلى ما يمحو الله تعالى به الذنوب ويعظم به الأجر .
فقلنا : نعم يا رسول الله قال : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة . قال : وهو قول الله [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا]( ) فذلكم هو الرباط في المساجد)( ).
و(عن عبد الله بن صالح( ) قال : قال لي سلمة( ) بن عبد الرحمن : يابن أخي هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية [اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا]( ).
قال : قلت : لا. قال : إنه يابن أخي لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه ، ولكنّه انتظار الصلاة خلف الصلاة .
و(عن ابن عباس [وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ…] إلى آخر الآية( ) قال إن الله تعالى قال لهم في سورة البقرة [أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ]( ) فلما مسهم البلاء حيث رابطوا الأحزاب في الخندق [قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ]( ) فتأول المؤمنون ذلك فلم يزدهم إلا إيماناً وتسليماً)( ).
وقال الطبرسي ([يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا]( ) أي صدقوا الله و رسوله [اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا] اختلف في معناه على وجوه أحدها إن المعنى اصبروا على دينكم أي أثبتوا عليه وصابروا الكفار ورابطوهم في سبيل الله عن الحسن وقتادة وابن جريج والضحاك)( ).
ومن معاني (رابطوا) انتظار الفرج وصرف الإبتلاء والفتنة ، ومنها الإمتناع عن السأم والضجر .
ومن إعجاز القرآن عدم انحصار معنى الكلمة فيه بموضوع مؤقت منقطع يأتي بين فترة وأخرى .
فقوله تعالى [وَرَابِطُوا] أعم من المرابطة في الثغور إذ يشمل المرابطة في المساجد وقانون ملازمة الصلاة في أوقاتها ، وصيام شهر رمضان ، وإخراج الزكاة والخمس ، وأداء الحج ، وعدم التسويف في العبادات ، مع أهمية واو العطف في المرابطة في الثغور لقانون المرابطة في الثغور حرز ومقدمة لأداء الفرائض العبادية .
ولو رابط المنافق هل يحتسب له أجر ، الجواب لا ، إلا أن يشاء الله للزوم قصد القربة ، وللقيد في قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (محتسباً) في خبر أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لرباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسباً من غير شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجراً من عبادة مائة سنة صيامها وقيامها.
ورباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسباً من شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجراً من عبادة ألفي سنة صيامها وقيامها ، فإن رده الله الى أهله سالماً لم تكتب له سيئة وتكتب له الحسنات ، ويجري له أجر الرباط إلى يوم القيامة)( ).
الدعاء للمرابط
اللهم أرزق المرابط في سبيلك الصبر وتحمل فراق الأحبة وعدم اشتغال النفس بهم واصرف قلبه عن الحنين الى الاهل والمنازل والدعة وألفة الجماعة , ولا يتهيج تلهفاً للقاء محبوب أو ينفعل بوجدان لذة المحبة المقترن بألم الفراق.
والوحشة : الشعور الملازم للخلوة والانفراد والافتقار الى الأنيس .
قال الإمام علي عليه السلام : قلوب الرجال وحشية)( )، ووحشية أي متباعدة بعضها من بعض غير متواددة .
لذا قام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الأولى للهجرة بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار .
اللهم احفظ المرابط في سبيلك وخلصه من الآثار النفسية والسلبية بسبب حالة العزلة والابتعاد عن الاولاد والانقطاع عن الأحبة من أفراد أسرته وذوي القربى . واصرف قلبه عن الاهتمام بأمرهم كي لا يفتر عن الجهاد أو يتراجع عن المرابطة .
اللهم ارزق المرابط في سبيلك خصلة الشجاعة وجنبه ضعف القلب ، ووفقه للصبر في الاهوال برباطة جأش وعزيمة في القلب بعيداً عن الفزع المذموم .
والسنن : جمع سنة وهي لغة الطريقة ومسار العمل والمقصود في المقام السنة النبوية الشريفة وأحكام الشريعة وسبل العمل السليم وأبواب المعاملات ونحوها . ذلك ان أفراد وحماة الثغور واجهة البلاد الاسلامية ورسل عقائد الدين . فمعرفتهم بأحكام الشريعة وآداب السنة دعوة الى الله وحث للكفار على الدخول في الاسلام واجتناب الاساءة اليه .
اللهم اجعل المرابط في سبيلك يزداد قوة بمعونة وتوفيق منك سبحانك , واهده للتعلم والسمع الواعي والتفقه في الدين والتفسير ومعرفة السنة وعلوم الحديث والدروس النافعة من التأريخ والمعارف التي فيها عبرة وموعظة .
[وَرَابِطُوا] واقية
هل تدل واقعة بدر ، وأحد ، والخندق على لزوم المرابطة ، الجواب نعم ففي كل معركة من هذه المعارك كان المشركون هم الغزاة المعتدون ، لبيان قانون الأوامر القرآنية حاجة للمسلمين والناس ، فان قلت علمنا أن المرابطة حاجة ونفع للمسلمين وفيه الأجر والثواب ، فما هو نفع الناس منها ، الجواب على وجوه :
الأول : قانون المرابطة سبب لإنزجار المشركين عن غزو المدينة .
الثاني : قانون الأمر بالمرابطة برزخ دون غدر وغيلة المشركين .
الثالث : هداية الناس للإسلام ، لقانون المرابطة وسيلة للأمن والسكينة .
الرابع : معرفة الناس بأن مرابطة المسلمين في الثغور أو عند أبواب المدينة هو بأمر من عند الله عز وجل ، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ]( ).
الخامس : إقبال المسلمين على المرابطة من غير ملل أو جزع .
السادس : ترغيب الناس بالإسلام للضبط والإنضباط في العمل بأوامر من عند الله ورسوله .
السابع : تضاؤل الحروب والقتال لما في المرابطة من الحذر واليقظة .
وهل المرابطة من مصاديق قوله تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ]( ).
الجواب نعم ، فهي من مصاديق القوة واليقظة التي يمتنع معها العدو عن الغزو والعدوان .
وجاء الأمر (رابطوا) عاماً إلى المسلمين فهل يشملهم على نحو الوجوب العيني ، الجواب لا ، فهو من الواجب الكفائي الذي إن قام به جماعة سقط عن الآخرين ، وإن تركه الجميع أثموا ، ولحقهم الضرر .
فقد كان للمشركين عيون في المدينة وخارجها يرصدون عمل المسلمين ، والثغرات التي عندهم إن وجدت .
فكانت أخبار آية البحث وما فيها من الأوامر تبعث الرعب في قلوب المشركين .
وكيف أن انقطاع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للصلاة وأداء الفرائض العبادية لم يمنعهم من أخذ الحيطة والحذر وتعاهد أمن المدينة وسلامة ساكنيها من الأوس والخزرج والمهاجرين وقبائل اليهود من بني النضير وبني قريظة وبني قينقاع.
وهناك مسألتان :
الأولى : هل من المرابطة بث العيون ، ورصد العدو على حدود الثغور ، الجواب نعم .
الثانية : من المرابطة إيهام العدو ، والتورية عليه في الثغور .
وهل أداء الصلاة في أوقاتها من المرابطة والوقاية من شرور المشركين ، الجواب نعم ، لما فهيا من بعث الرعب في قلوبهم ، كما أن أداء المسلمين للصلاة نوع دعاء لحصانة ثغور الإسلام ، لذا فان أصل كلمة الصلاة هو الدعاء ، وفي التنزيل [قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ]( ).

التفسير بالتقدير
وهو على وجوه منها :
الأول : ورابطوا حذراً وحيطة .
الثاني : ورابطوا لحفظ الضروريات الخمس : الدين ، النفس ، العقل ، النسل ، المال .
الثالث : ورابطوا فهذه المرابطة عز لكم ، قال تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ]( ).
الرابع : ورابطوا امتثالاً لأمر الله عز وجل .
الخامس : ورابطوا ففي المرابطة دليل على الإمتثال لمضامين آية البحث من جهات :
الأول : المرابطة من منازل الإيمان بقصد القربة إلى الله عز وجل .
الثاني : قانون المرابطة مصابرة .
الثالث : قانون المرابطة من مصاديق التقوى .
الرابع : المرابطة سبيل إلى الفلاح .
السادس : ورابطوا لبعث الخوف والرعب في قلوب المشركين .
السابع : ورابطوا طاعة لله عز وجل .
الثامن : ورابطوا لتعاهد الإسلام والتنزيل في الأرض .
التاسع : ورابطوا لمنع الفساد والظلم والتعدي في الأرض .
العاشر : ورابطوا بصبر ومصابرة .
الحادي عشر : ورابطوا من منازل الإيمان ، وهو من أسرار ابتداء آية البحث بقوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
الثاني عشر : رابطوا لإزاحة الكفر والضلالة .
الثالث عشر : رابطوا لقانون المرابطة حق على المؤمنين .
وثيقة المدينة مرابطة
هل وثيقة المدينة التي عقدها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين والأنصار ومع يهود المدينة في السنة الأولى لهجرته إلى المدينة من عمومات المرابطة والدفاع ، المختار نعم ، لبيان أمور :
الأول : قانون المرابطة واجب كفائي .
الثاني : قانون المرابطة واقية وحرز .
الثالث : دعوة آية البحث النبي محمداً إلى العناية بالمرابطة حول المدينة والحراسة ، وتذكير حكام الإسلام بلزوم المرابطة في الثغور عند إتساع الدولة الإسلامية.
الرابع : منع آية البحث من الإحتجاج على المرابطة .
الخامس : قانون النهي عن الجدال في المرابطة ، وقانون المرابطة حق وواجب.
السادس : وثيقة المدينة حفظ لحقوق المواطنة ، وحرية عقائد التنزيل والتعايش السلمي .
السابع : ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة بأنها مرابطة شاهد على التوسعة في مصاديق المرابطة ، ومنها وثيقة المدينة لقانون وثيقة المدينة برزخ دون الخصومات والفتن داخل المدينة المنورة .
وفي قوله تعالى [أَوِ ادْفَعُوا]( ) ورد عن (ابن عون الانصاري: معناه رابطوا بالقيام على الخيل إن لم تقاتلوا معنا)( ).
لبيان موضوعية تكثير السواد في ملاقاة والحيطة من المشركين ، خاصة مع قلة عدد المسلمين بالقياس لكثرة عدد المشركين في الميدان .
فقد كان عدد المشركين في كل من معركة بدر ، معركة أحد ، معركة الخندق ، أكثر من ثلاثة أضعاف عدد المسلمين ، أما في العدة والخيل فقد كان الفارق أكثر سعة ، فمثلاً كان عند المسلمين يوم بدر فرس واحدة ، وعند جيش المشركين مائة فرس.
ومن معاني(رابطوا) الصبر عند اللقاء والشدائد ، وقد يتداخل الصبر والمصابرة والمرابطة وتقوى الله في موضوع وحادثة واحدة .
فعندما زحف ثلاثة آلاف مقاتل من المشركين على المدينة في معركة أحد ووصلوا إلى مشارفها أراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قتالهم عند دخولهم المدينة ، ولكن جماعة من الصحابة ألحوا عليه بالخروج إليهم وعندما صلى النبي بأصحابه صلاة الجمعة (وعظ الناس وذكرهم، وأمرهم بالجد والجهاد، ثم انصرف من خطبته وصلاته، فدعا بلامته فلبسها، ثم أذن في الناس بالخروج.
فلما رأى ذلك رجال من ذوي الرأى قالوا: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمكث بالمدينة وهو أعلم بالله وما يريد ويأتيه الوحي من السماء.
فقالوا: يا رسول الله امكث كما أمرتنا.
فقال: ما ينبغى لنبى إذا أخذ لامة الحرب وأذن بالخروج إلى العدو أن يرجع حتى يقاتل، وقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج، فعليكم بتقوى الله والصبر عند البأس إذا لقيتم العدو وانظروا ماذا أمركم الله به فافعلوا)( ).
وثيقة المدينة سلم
لقد عقد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وثيقة بين المهاجرين والأنصار ، ومع يهود المدينة وكأنها أول دستور في الإسلام ، وتضمنت الإقرار العام برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومعاهدة اليهود والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدفاع المشترك ، وحرمة يثرب وحق الجوار مع إقرار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اليهود على دينهم ، وهم من أهل الكتاب الذين ذكرتهم الآية السابقة لآية البحث [وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ]( ) .
ورد عن جابر بن عبد الأنصاري (كتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على كل بطن عقولة وقال محمد ابن إسحاق كتب رسول الله صلى الله عليه و سلم كتابا بين المهاجرين والانصار وادع فيه اليهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم واشترط عليهم وشرط لهم.
بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي الامي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس .
المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط .
وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين .
ثم ذكر كل بطن من بطون الانصار وأهل كل دار بني ساعدة وبني جشم وبني النجار وبني عمرو بن عوف وبني النبيت .
إلى أن قال وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء وعقل ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه .
وان المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيسة ظلم أو اثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين وان أيديهم عليه جميعهم ولو كان ولد احدهم.
ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر ولا ينصر كافر على مؤمن وان ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس وانه من تبعنا من يهود فإن له النصر .
والاسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم وإن سلم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم وان كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا وإن المؤمنين يبىء بعضهم بعضا بما نال دماءهم في سبيل الله .
وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه وانه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ولا يحول دونه على مؤمن وانه من اغتبط مؤمنا قتلا عن بينة فانه قود به إلى أن يرضى ولي المقتول .
وان المؤمنين عليه كافة ولا يحل لهم الا قيام عليه وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثنا ولا يؤويه وانه من نصره أو آواه فان عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل .
وانكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده الى الله عز و جل وإلى محمد صلى الله عليه و سلم وان اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين وان يهود بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فانه لا يوتغ( ) إلا نفسه .
وأهل بيته وان ليهود بني النجار وبني الحارث وبني ساعدة وبني جشم وبني الاوس وبني ثعلبة وجفنة وبني الشطنة مثل ما ليهود بني عوف وان بطانة يهود كأنفسهم وانه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد ولا ينحجر على ثار جرح وانه من فتك فبنفسه .
إلا من ظلم وان الله على أثر هذا وان على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وان بينهم النصح والنصيحة والبر دون الاثم وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه وإن النصر للمظلوم .
وإن يثرب حرام جوفها( ) لاهل هذه الصحيفة وان الجار كالنفس غير مضار ولا آثم وانه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها وانه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله .
وان الله على من اتقى ما في هذه الصحيفة وأبره وانه لا تجار قريش ولا من نصرها.
وان بينهم( ) النصر على من دهم يثرب وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فانهم يصالحونه .
وانهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فانه لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم وانه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم وإنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم أو أثم ، وان الله جار لمن بر واتقى) ( ).
وهذه الصحيفة وثيقة ودستور ، وسور للحكم وضبط للنظام ، وسلم مجتمعي ، وزاجر للمشركين من الهجوم على المدينة والتعدي على الحرمات ، وشاهد على الأخوة بين المهاجرين والأنصار ، قال تعالى [وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ]( ) ، وقال تعالى[وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا]( ).
تجدد حكم المرابطة
لقد أكرم الله عز وجل المسلمين بقوله [وَرَابِطُوا] ليبقى هذا الحكم متجدداً على نحو يومي ، فيغادر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى ولكن الأمر الإلهي الموجب يتوجه إلى المسلمين كل يوم ويتلونه في صلواتهم يدعوهم لبذل الوسع في الدفاع عن بيضة الإيمان ، والحراسة في الثغور ، وهو من أسرار تلاوة المسلمين القرآن في الصلاة اليومية على نحو الوجوب العيني لما في هذه التلاوة من البعث على العمل بمضامين آيات القرآن .
و(عن عمران بن الحصين قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل على النساء جهاد .
قال : نعم ، جهادهن الغيرة ، يجاهدن أنفسهن فإنْ صبرن فهنّ مجاهدات ، وإن صبرن فهنّ مرابطات ولهنّ أجران اثنان)( ).
وفي المرابطة نفع للأمة ، ووقاية من التعدي ، وفيها ثواب وأجر عظيم .
و(عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أول من يدخل الجنة من خلق الله تعالى ، فقراء المهاجرين الذين تسد بهم الثغور وتتقى بهم المكاره ، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء .
فيقول الله تعالى لمن يشاء من الملائكة : ائتوهم فحيوهم فتقول الملائكة : ربنا نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك ، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم .
قال الله تعالى : إن هؤلاء عبادي كانوا يعبدونني في الدنيا ولا يشركون بي شيئاً ، وتسد بهم الثغور وتتقى بهم المكاره ، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء ، فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ( ).
لماذا تأخرت المرابطة
ترى لماذا تأخر الأمر بالمرابطة في آية البحث وجاء بعد الصبر والمصابرة ، الجواب من جهات :
الأولى : الحاجة إلى الصبر مستديمة ، وملازمة للفرد والجماعة .
الثانية : تقديم الأمر بالصبر لتنمية ملكة الصبر عند المسلمين لاستحضارها عند الشدائد والمصائب ، وقيام المشركين بالغزو والتعدي ، وفي معركة الأحزاب حينما قدمت جيوش المشركين وأحاطت بالمدينة ، قال تعالى [إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا]( ).
الثالثة : قانون حاجة المرابطين في الثغور إلى الصبر ، أما الصبر في اليوم والليلة فلا يحتاج المرابطة .
الرابعة : في الصبر تخفيف في ذات وكيفية ومدة المرابطة .
الخامسة : تجدد حاجة كل مسلم إلى الصبر كل يوم ، أما المرابطة فهي واجب كفائي ، ومن الكلي المشكك في كثرة أو قلة الذين يقومون به وإذا وظفت الأجهزة التقنية الحديثة في الرصد والمراقبة في الثغور فهل تغني عن المرابطة ، الجواب له كما أن هذه الأجهزة فرع المرابطة ، وكيفية من كيفياتها ، والعناية بها .
والرباط والمرابطة في الإصطلاح ملازمة الثغر في مقابل العدو ، وأصله من ربط الخيل والإقامة في الموضع ، وقد تسمى الخيل نفسها رباطاً ، ومن معاني الرباط المواظبة على الأمر .
(وأصل الرِّباط من مرابطة الخيل، أي ارتباطها بأزاء العدو في بعض الثغور .
والعرب تسمي الخيل إذا رُبطت بالأفنية وعُلِفت: رُبُطاً، واحدها رَبيط، وتجمع الرَّبُطُ رِباطاً، وهو جمع الجمع، قال الله تعالى [وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ]( ).
وقال الفراء في قول الله عز وجل [وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ] قال: يريد الإناث من الخيل.
وقال الليث: الرِّباط مرابطة العدو، وملازمة الثغر، والرجل مُرابِط.
قال: والمُرَابطاتُ: جماعاتُ الخيول الذين رابطُوا.
أبو عبيد عن الأصمعي قال الرابطُ الجأش: الذي يربط نفسه عن الفرار، يكفُّها لجرأته وشجاعته.
ويقال: رَبط الله على قلبه بالصّبر)( ).
والرباط دفاع محض واحتراز وليس هو للغزو أو التعدي أو الإستيلاء على حقوق وأراضي الآخرين ، لذا جاء بعد الآية أعلاه قوله تعالى [وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا]( ).
أقسام المرابطة
يمكن تقسيم المرابطة تقسيماً استقرائياً إلى :
الأول : المرابطة العامة : وهي الكبرى بانتظار الصلاة اليومية وتعاهدها في وقتها ، وهي صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح ، قال تعالى [أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا]( ).
فتكون هذه المرابطة لانتظار شهر رمضان وأداء الصيام ، إذ يبعث القرآن على هذا الإنتظار والترقب بقوله تعالى [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ]( ).
الثاني : المرابطة باليقظة والحيطة والحذر ، والإستعداد للدفاع بالعدد والعدة والتمرين ، لزجر المشركين عن التعدي والغزو ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ]( ).
ويدل على تعدد تقييد وقيود القتال فيه قوله تعالى [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( ).
الثالث : المرابطة الخاصة : وهي التي تكون في الثغور ، والتي ورد فيها المعنى الإصطلاحي والمسلحة ، خشية مباغتة العدو لبلاد المسلمين .
وهل يدل ذكر الصبر والمصابرة ثم المرابطة على إرادة المعنى الخاص منها في آية البحث .
الجواب لا ، لأصالة الإطلاق ودلالة النص والحديث النبوي على إرادة المرابطة للصلاة والتي تحمل على المعنى الأعم بانتظار العبادات والفرائض ، ومنها انتظار وقت الزكاة وإخراج الحق الشرعي ، وانتظار أشهر الحج لأداء مناسك الحج واجباً أو مستحباً ، قال تعالى [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ]( ).
الإنفاق في الرباط
المرابط : اسم فاعل من رابط مرابطة ، وهو الذي يلازم ثغر العدو راصداً ويربط فرسه قباله متسلحاً , وأصل الرباط الملازمة والمواظبة على الأمر وهي مستحبة استحباباً مؤكداً .
وفي الإنفاق في الرباط عطاء خاص وفيه الأجر والثواب .
أما العطاء فقد ورد عن عروة بن الزبير (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اربطوا الخيل فمن ربط فرسا فله جاد مائة وخمسين وسقا)( ).
وربط الفرس هنا لايختص بالثغور إنما هو من عمومات قوله تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ]( ).
وروي أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (فقال : يا رسول الله إني أرجم بالليل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : اربط فرسا عتيقا ، قال فلم يرجم بعد ذلك)( ).
والمراد من (ارجم في الليل) أي يُرمى بالحجارة ، ترميه الجن .
وعن الصحابي عريب المليكي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لن يخبل الشيطان أحداً في داره فرس عتيق. وفي لفظ آخر: الجن لا تخبل أحداً في بيته عتيق من الخيل. ورواه ابن قانع أيضاً في معجمه من حديث عريب المليكي، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى [وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ]( ) قال: الجن .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان لا يخبل أحداً في دارٍ فيها فرس عتيق)( ).
وفي كتيبة تبوك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (وما من امرئ من المسلمين يربط فرساً في سبيل اله فيوفيه بعليفه يلتمس به قوته إلا كتب الله له بكل حبة حسنة)( ).
وأقل الرباط ثلاثة أيام وأكثره أربعون يوماً وان زاد يبقى على عنوانه ولكن يلحق بالجهاد من حيث الثواب .
قراءة في المرابطة
وفيها مسائل :
الأولى : من إعجاز القرآن أن كلمة واحدة منه [وَرَابِطُوا] تؤسس لمنهاج عقائدي ودفاعي يومي إلى يوم القيامة .
الثانية : قوله تعالى [وَرَابِطُوا] استنهاض للمسلمين للعمل والحيطة والحذر .
الثالثة : المرابطة اليومية وهي في انتظار الصلاة بعد الصلاة .
الرابعة : بيان وجوب حماية الوطن والنفوس والعرض والأموال .
الخامسة : قانون المرابطة واقية من الخسارة العامة .
السادسة : ليس في المرابطة وعدوان أو غزو ، او استباحة للأموال الآخرين أو سفك دمائهم ، إنما هي تمنع التعدي وغزو المشركين لبلاد المسلمين .
السابعة : تدل الآية بالدلالة الإلتزامية على وجود أعداء للإسلام ، وأنهم لم يكفوا من التعدي ومحاولات قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا بقيام المسلمين بالدفاع والمرابطة .
الثامنة : قوله تعالى [وَرَابِطُوا] تفسير عملي لقوله تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ]( ) سواء بمعناها العام وهو المسالح في الثغور أو الخاص وهو انتظار الصلاة .
وإذا كان هذا المعنى العام للمرابطة واجباً كفائياً ، فان المعنى الخاص وهو الصلاة واجب عيني على كل مكلف رجلاً أو امرأة .
التاسعة : من إعجاز القرآن عطف الأمر بالتقوى على المرابطة ، للقيام بها من منازل التقوى والخشية من الله ، والإعلان العملي لوجوه :
الأول : قانون المرابطة مانع من الإقتتال .
الثاني : قانون تعاهد المرابطين لسنن التقوى .
الثالث : قانون مصاحبة التقوى للمسلمين في أعمالهم .
العاشرة : الأجر والثواب على المرابطة سواء لإنتظار الصلاة أو المرابطة في الثغور .

المرابطة في الخندق
هل مكث النبي محمد وطائفة من أصحابه خلف الخندق في معركة الأحزاب من المرابطة ، الجواب نعم .
ففي شهر شوال من السنة الخامسة للهجرة الموافق آذار 627م زحف عشرة آلاف من مشركي قريش وحلفائهم من غطفان برئاسة عيينة بن حصين ، وبني مرة برئاسة الحارث بن عوف المري ، وبني أسد برئاسة طليحة بن خويلد ولإرادة جعل أصحاب النبي من المهاجرين والأنصار بين قتيل وأسير وشريد .
وكان أكثر سخط قريش على المهاجرين ، ويرغبون في جلبهم أسرى مقيدين بالحبال إلى مكة للشماتة ، وزجر أهلها عن دخول الإسلام والهجرة ، ولم يكن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد عسكر المدينة وليس عنده من الأصحاب نصف عدد الغزاة المشركين والذين جاءوا بالعدة شاكي السلاح ، ومعهم المؤن الكثيرة .
فاقترح سلمان المحمدي حفر خندق ووضعوا الأحجار بجانب الخندق لرمي العدو خصوصاً الذين يهمون بعبوره بالجهة المكشوفة من المدينة لحمايتها ، ومنع جيوش المشركين من دخولها مع حال الخوف في المدينة واضطراب المسلمين ، وإرجاف المنافقين ، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا]( ).
والآيات أعلاه من سورة الأحزاب التي سميت باسم هذه الواقعة توكيد بأن المشركين هم الغزاة في هذه المعركة ، ومع هذا يذكرها كتاب التفسير والسيرة من ضمن غزوات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
والمختار أنه لم يغز أحداً ، وبهذا العنوان صدرت ثلاثون جزءً من هذا السِفر وهي الأجزاء :
(164-165-166-168-169-
170-171-172-174-176-
177-178-180-181-182-
183-187-193-194-196-
204-212-216-221-229-
239-256-261-266- 271).
وقد عبر عمرو بن عبد ود العامري الخندق مع جماعة من المشركين وأصر على طلب المبارزة بتحد للصحابة ، فتقدم له الإمام علي عليه السلام بعد الإستئذاء المتكرر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وعن عبد الله بن مسعود (أنه كان يقرأ هذا الحرف [وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ]( ) بعلي بن أبي طالب)( ).
وإذ نصر الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بألف من الملائكة يوم بدر بعد اجتهادهم بالدعاء كما في قوله تعالى [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ]( ).
فقد نصر الله عز وجل المسلمين يوم الخندق بنزول الملائكة وقتل فارس مضر عمرو بن عبد ود وبريح الصبا إذ بعث الله عز وجل على جيوش المشركين الذين حاصروا المدينة لنحو عشرين ليلة ريحاً عاصفاً في ليال شديدة البرد ، وتناثرت أبنيتهم وانكفأت قدورهم من شدة الريح .
فنادى أبو سفيان (يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، إنّكُمْ وَاَللّهِ مَا أَصْبَحْتُمْ بِدَارِ مُقَامٍ لَقَدْ هَلَكَ الْكُرَاعُ وَالْخُفّ ، وَأَخْلَفَتْنَا بَنُو قُرَيْظَةَ ، وَبَلَغَنَا عَنْهُمْ الّذِي نَكْرَهُ وَلَقِينَا مِنْ شِدّةِ الرّيحِ مَا تَرَوْنَ مَا تَطْمَئِنّ لَنَا قِدْرٌ وَلَا تَقُومُ لَنَا نَارٌ وَلَا يَسْتَمْسِكُ لَنَا بِنَاءٌ فَارْتَحِلُوا فَإِنّي مُرْتَحِلٌ ثُمّ قَامَ إلَى جَمَلِهِ وَهُوَ مَعْقُولٌ فَجَلَسَ عَلَيْهِ ثُمّ ضَرَبَهُ فَوَثَبَ بِهِ عَلَى ثَلَاثٍ)( ).
وقال حذيفة الذي بعثه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليندس بين صفوفهم ويسمع ما يقولون وما يعزمون على فعله (فَوَ اَللّهِ مَا أَطْلَقَ عِقَالَهُ إلّا وَهُوَ قَائِمٌ وَلَوْلَا عَهْدُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَيّ أَنْ لَا تُحْدِثَ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنِي ، ثُمّ شِئْت ، لَقَتَلْته بِسَهْمِ)( ).
وعدد المسلمين في معركة الخندق ثلاثة آلاف ولكن العدد يتضاءل أحياناً ويصل إلى ثلاثمائة أو أقل خلف الخندق ، لذهاب بعضهم إلى أهليهم ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يأذن لهم ، ومنهم المنافقون.
و(عن حذيفة قال : لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ، ونحن صافون قعود ، وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا ، وقريظة اليهود أسفل نخافهم على ذرارينا ، وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ، ولا أشد ريحاً منها ، أصوات ريحها أمثال الصواعق ، وهي ظلمة ما يرى أحد منا اصبعه.
فجعل المنافقون يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون [إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ]( ) فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له ، يتسللون ونحن ثلثمائة أو نحو ذلك.
إذ استقبلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً رجلاً حتى مر علي ، وما علي جنة من العدو ، ولا من البرد إلا مرط لامرأتي ، ما يجاوز ركبتي ، فأتاني وأنا جاث على ركبتي فقال : من هذا ، قلت : حذيفة فتقاصرت إلى الأرض فقلت : بلى يا رسول الله كراهية أن أقوم.
فقال : قم ، فقمت فقال : إنه كان في القوم خبر ، فأتني بخبر القوم قال : وأنا من أشد الناس فزعاً ، وأشدهم قراً ، فخرجت.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم احفظه من بين يديه ، ومن خلفه ، وعن يمينه ، وعن شماله ، ومن فوقه ، ومن تحته .
قال : فو الله ما خلق الله فزعاً ولا قراً في جوف إلا خرج من جوفي ، فما أجد منه شيئاً ، فلما وليت.
قال : يا حذيفة لا تحدث في القوم شيئاً حتى تأتيني ، فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم ، نظرت في ضوء نار لهم توقد ، واذا برجل أدهم ضخم يقول بيده على النار ، ويمسح خاصرته.
ويقول : الرحيل ، الرحيل ، ثم دخل العسكر فإذا في الناس رجال من بني عامر يقولون : الرحيل ، الرحيل يا آل عامر لا مقام لكم.
وإذا الرحيل في عسكرهم ما يجاوز عسكرهم شبراً فوالله أني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم ، ومن بينهم الريح يضربهم بها.
ثم خرجت نحو النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما انتصفت في الطريق أو نحو ذلك ، إذا أنا بنحو من عشرين فارساً متعممين.
فقالوا : اخبر صاحبك أن الله كفاه القوم ، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يشتمل في شملة يصلي ، وكان إذا حزبه أمر صلى ، فأخبرته خبر القوم أني تركتهم يرتحلون ، فأنزل الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ( ).
وقيل ليس من مرابطة في أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم( ).
ولكن واقعة الخندق شاهد على حدوث المرابطة خلف الخندق ، إلى جانب قيام الصحابة ومن السنين الأولى للهجرة بحراسة المدينة ليلاً ، خشية مداهمة المشركين .
نعم من الرباط انتظار الصلاة اليومية بعد الصلاة كانتظار صلاة العشاء بعد صلاة المغرب ، لبيان قانون تجدد موضوع الآية القرآنية كل يوم.
دعاء الإمام زين العابدين لأهل الثغور
وكان من دعائه عليه السلام لآهل الثغور
اللهم صل على محمد وآله .
الصلاة لغة
هي الدُّعاء. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إِذا دُعِيَ أحدُكم إلى طَعامٍ فليُجِبْ، فإِنْ كان مفطراً فليأكلْ، وإِنْ كانَ صائماً فليصلّ”، أي فليَدْعُ لهم بالخير والبركة ، قال الأعشى :
تقول بِنْتي وقد قرَّبتُ مُرْتَحَلاً…ياربِّ جنِّبْ أبي الأوصابَ والوَجَعَا
عليكِ مثلُ الذي صَلَّيتِ فاغتَمِضِي…نوماً فإنَّ لِجَنْبِ المرءِ مُضْطَجَعا)( ).
وفي الإصطلاح هي التي جاء بها الشرع من تكبيرة الإحرام والركوع والسجود وسائر أركان وواجبات وحدود الصلاة .
وورد قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] تسعاً وثمانين مرة في القرآن كلها في أول الآيات إلا في قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا]( )، والصلاة من الله الرحمة .
و(عن عبدالله بن أبي أوفى قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى بصدقة قال : اللهمَّ صل على آل فلان . فأتاه أبي بصدقته فقال : اللهم صل على آل أبي أوفى)( ).
وروى (كعب بن عجرة قال : لمّا نزلت [إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ] ( ) قلنا : يا رسول الله قد علمنا السلام عليك ، فكيف الصلاة عليك .
قال : قل : اللّهم صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيد وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيد)( ).
و(عن زيد بن أبي خارجة قال : قلت يا رسول الله قد علمنا كيف السلام عليك فكيف نصلي عليك؟ فقال : صلوا عليَّ واجتهدوا ، ثم قولوا : اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد)( )، ومثله ورد عن أبي سعيد الخدري .
و(عن أبي مسعود الأنصاري أنّه قال : أتانا رسول الله صلّى الله عليه ونحن جلوس في مجلس سعد بن عبادة ، فقال له بشير بن سعد : أمرنا الله أنْ نصلّي عليك يا رسول الله ، فكيف نصلّي عليك .
وحصن ثغور المسلمين بعزتك (1) .
العزة لله
فسكت رسول الله صلّى الله عليه حتّى تمنّينا أنّه لم يسأله .
ثمّ قال : قولوا اللّهم صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم ، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنّك حميدٌ مجيد ، والسلام كما قد علمتم)( ).
1- حصن المكان حصانة فهو حصين : أصبح منيعاً ، ويمكن معه حجز العدو ورده عنه.
وفي النبي داود عليه السلام ورد قوله تعالى [وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ]( )، والمراد صناعة دروع الحديد للوقاية من السيف .
ومن أسماء الله تعالى (العزيز) وهو القوي الغالب لكل شيء وليس كمثله شيء .
والعز في الأصل : القوة والغلبة والمنعة التي تنتج الرفعة ومتانة الجانب . وفي التنزيل [مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا]وأيضاً [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] ( ) .
ولا تناقض أو تعارض في القرآن ولكن الله سبحانه يتفضل ويجعل من عزته ما يتغشى المؤمنين فيمشون بنور منه تعالى لاقبالهم على عبادته وانقيادهم لأوامره .

آية البحث عز
هل في آية البحث عز للمسلمين ، الجواب نعم من جهات :
الأول : ابتداء آية البحث بوصف المسلمين بـ(الذين آمنوا) في شهادة من عند الله عز وجل .
الثاني : الصبر في رضوان الله عز وجل عز وغبطة وشأن رفيع بين الناس ، قال تعالى [أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ]( ).
الثالث : من العز الذي يتفضل به الله عز وجل على المسلمين المدد والإعانة على المصابرة ، والمداومة والتناوب فيها .
الرابع : يرابط رهط من المسلمين في الثغور لتعاهد حال العز والأمن لجميع المسلمين في مدنهم وقراهم .
الخامس : قانون ترشح العز عن التحلي بتقوى الله ، قال تعالى [وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا]( ).
السادس : قانون مصاديق العز الإيماني طريق الفلاح .
معنى الثغور
جمع ثغر وهو الطرف والموضع من بلاد المسلمين الذي يحدهم مع الكفار ويلاصق بلادهم ومحل مقابلة العدو.
وانه موضع المخافة من فروج البلدان .
وتسمى الاقامة بالثغر رباطاً ومرابطة ، لحبس النفس في الثغر وملازمته وربط الخيل في مواجهة العدو وارصاده وحفظ بلاد الاسلام من هجوم المشركين . وهي مستحبة وراجحة وقد تكون واجبة كتاباً وسنة .
أما الكتاب فآية البحث قال [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
ومن الإعجاز في المقام أن كلمة واحدة (ورابطوا) من القرآن ترسم منهاجاً يومياً للمسلمين وإلى يوم القيامة في باب الدفاع.
ولم ترد وحدها إنما وردت في الآية التي تتضمن الصبر والمصابرة والخشية من الله ، ومنها قوله تعالى [مِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ]( ).
أما السنة النبوية فاحاديث عديدة منها عن الصحابية أم مبشر بنت البراء الأنصارية (تبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال : خير الناس منزلة رجل على متن فرسه يخيف العدو ويخيفونه).
وقوله (يخيفونه) لبيان المشاق واحتمال الإصابة بالمرابطة فهي ليست نزهة إنما جهاد بالنفس والمال ، نعم ليس فيها غزو أو تعد على الغير .
وأخرج البيهقي عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لأن أحرس ثلاث ليال مرابطاً من وراء بيضة المسلمين أحب إليّ من أن تصيبني ليلة القدر في أحد المسجدين . المدينة أو بيت المقدس .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من مات مرابطاً في سبيل الله آمنه الله من فتنة القبر .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن المرابط في سبيل الله أعظم أجراً من رجل جمع كعبيه رياد شهر صيامه وقيامه .
وأخرج البيهقي عن ابن عابد قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جنازة رجل ، فلما وضع قال عمر بن الخطاب : لا تصلِّ عليه يا رسول الله فإنه رجل فاجر .

وأيد حماتها بقوتك (1).
فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس قال : هل رآه أحد منكم على الإسلام .
فقال رجل : نعم يا رسول الله ، حرس ليلة في سبيل الله . فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحثى عليه التراب وقال : أصحابك يظنون أنك من أهل النار ، وأنا أشهد أنك من أهل الجنة)( ).
ومن معاني المرابطة تعاهد الصلاة اليومية وانتظار حلول وقتها ، و(عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفر به الذنوب؟ قلنا : بلى يا رسول الله . قال : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط)( ).
اللهم اجعل ثغور بلاد المسلمين منيعة قوية ثابتة في عز وغلبة لا تقهر ، حصينة بعزتك وجبروتك وعظمة سلطانك .
التأييد والمدد الإلهي
1- يقال أيدك الله تأييداً : أي قواك وجعل أسباب التوفيق لديك حاضرة .والحماة : جمع حام .
يقال : حمى الشيء حمياً وحمى وحماية ومحمية : منعه ودفع عنه ، قال تعالى في خطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ]( ).
وجاء التأييد بصيغة الجمع لبيان قانون فضل الله عز وجل على المسلمين على نحو الخصوص [وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ]( ).
ومن تأييد الله للمرابطين وجوه :
الأول : التقوية والتثبيت في حال الشدة ، وفي التنزيل [إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا]( ).
الثاني : إعانة المرابطين في أداء الفرائض العبادية .
الثالث : صلاح ذرية وعيال المرابط ، وتيسير أسباب الرزق الكريم .
الرابع : قانون بعث الخوف والملل في قلوب المشركين .
ومن فضل الله عز وجل قانون الإعانة على المأمور ، وقانون الإعانة على المنهي عنه ، فاذا أمر الله عز وجل المسلمين بأمر فانه تعالى يمدهم بأسباب الإمتثال ، وإذا نهاهم عن شئ فانه يجعل الحواجز والموانع دون إتيانه.
وكل من هذين القانونين مصاحب للحياة الدنيا من أيام آدم وإلى يوم القيامة .
الخامس : من المدد الإلهي للمرابطين التخفيف بعدم وقوع قتال وصدام لهم مع غير المسلمين .

الله هو القوي
(القوي) من أسماء الله تعالى وهو الذي يقهر كل شيء ولا يصل اليه العجز مطلقاً .
وقد ورد الاسم (القوي) معرفاً بالألف واللام ثلاث مرات في القرآن ، منها مرتان من أسماء الله عز وجل الحسنى مقروناً بالاسم العزيز في كل منهما ، قال تعالى [إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ]( ).
والثالثة بخصوص موسى عليه السلام [إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ]( ).
ويدل اقترانه بصفة الأمين على إرادة المخلوق فهو أمين لغيره.
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يسمى قبل البعثة (الأمين) وعندما قامت قريش ببناء الكعبة عند تصدعها قبل البعثة النبوية بخمس سنوات ، وعمر النبي يومئذ (35) سنة.
(قال ابن اسحاق: ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة .
ثم بنوها حتى بلغ البناء موضع الركن، فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى ، حتى تحاوروا وتحالفوا، وأعدوا للقتال فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لؤي على الموت ، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة .
فسموا لعقة الدم ، فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا .
فزعم بعض أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم – وكان عامئذ أسن قريش كلها، قال: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضى بينكم فيه، ففعلوا.
فكان أول داخل دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه قالوا: هذا الامين رضينا، هذا محمد.
فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هلموا إلى ثوبا .
فأتى به وأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال : لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ، ثم ارفعوه جميعا.
ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده صلى الله عليه وسلم.
ثم بنى عليه ، وكانت قريش تسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الامين)( ).
ان الذين وطنوا أنفسهم في فروج بلاد المسلمين للمحافظة عليها وصيانتها يكونون دائماً بحاجة الى مدد الهي واعانة سماوية ينهلون من فيضها وتفرض لهم على العدو هيبة ، وتجعلهم قادرين على مواصلة المرابطة بصبر وثبات وعزيمة خاصة وانهم يكونون دروعاً واقية لبلاد المسلمين وذراريهم ومدنهم التي تواصل الحياة اليومية باعتياد .
فجاء الدعاء خاصاً لهم وسؤالاً للإنعام والتفضل الدائم من الله عليهم ، وفي التنزيل [قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ]( ).
وتظهر الفقرة من الدعاء السعي في مرضاة الله والركوب في سبيله مقروناً بالتوكل والاستعانة بالله تعالى وسؤال المدد والتوفيق منه سبحانه لتأييد المسلمين المرابطين في الثغور والمقيمين فيها لحفظها وحمايتها ولتقويتهم وشد عضدهم ان الله قوي عزيز .
واسبغ عطاياهم من جدتك (1)
إسباغ النعم
1- أسبغ الله النعمة : أفاضها وأتمها وجعلها واسعة شاملة وفي الحديث : الحمد الله سابغ النعم .
وخطب الإمام علي عليه السلام (في صلاة الاستسقاء فقال: الحمد لله سابغ النعم، ومفرج الهم، وبارئ النسم الذي جعل السموات المرساة عمادا، والجبال أوتادا، والارض للعباد مهادا، وملائكته على أرجائها وحملة عرشه على أمطائها .
وأقام بعزته أركان العرش، وأشرق بضوئه شعاع الشمس وأطفأ بشعاعه ظلمة العطش .
وفجر الارض عيونا، والقمر نورا، والنجوم بهورا ثم علا فتمكن، وخلق فأتقن…إلى آخر الخطبة)( ).
والعطايا : جمع عطية وهي المنحة والهبة ونحوها من مصاديق العطاء ، وفي التنزيل [وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا]( ) .
جد ربنا أي عظمة الله وجلاله وسلطانه وهيبته في النفوس.
وعن أبي سعيد الخدري (قال : كان رسول الله إذا قام من الليل فاستفتح الصلاة قال : سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله إلا غيرك ، ثم يقول : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم)( ).
ومما لا يخفى ان المرابطين في الثغور يكونون بحاجة دائمة الى المؤونة وتوفير مستلزمات مواصلة الثبات بارادة وعزيمة لذلك جاء الدعاء استغاثة
اللهم صل على محمد وآله وكثر عدتهم واشحذ أسلحتهم (1) .
ولجوءاً الى الله عز وجل في تهيئة أسباب ذلك وتسخيرها بزيادة وفضل من الله تعالى .
اللهم أتمم عليهم نعمك وأفض عليهم إحسانك من خزائن رحمتك الواسعة إنك أنت الغني الكريم ذو الجلال والعظمة والاكرام .
كثرة العدة
1- العدة : ما أعددته وهيأته وتكون اسماً لمقدار ما يعد وتطلق على الجماعة مما هيأ لمواجهة أمر أو فعله . وسواء قلت تلك الجماعة أو كثرت . وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل (مَتَى تَكُونُ الْقِيَامَةُ قَالَ إذَا تَكَامَلَتْ الْعِدَّتَانِ)( ).
ومعناه استيفاء عدة أهل الجنة وعدة أهل النار اذا تكاملت عند الله في رجوعهم اليه ، وفي التنزيل [وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا]( )، وقال تعالى [إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا]( ).
وشحذت السكين أشحذه شحذاً : جعلت حدها رقيقاً حاداً.
والأسلحة : جمع سلاح – بالكسر- وهو آلة الدفاع وما يقاتل به في الحرب والتذكير فيه أغلب من التأنيث ويجمع في التذكير على أسلحة وفي التأنيث على سلاحات ، ولذلك يسمى الثغر أيضاً (مسلحة) بفتح الميم بلحاظ ترتيب أصحاب السلاح فيها .
للدعاء وسؤال الله عز وجل أن تكون أسلحة المرابطين قاطعة فتاكة وفاعلة في وفرة وكثرة وليخيف ذلك مضافاً إلى كثرة عددهم العدو ، ويتمكنون من النيل منه وصده ومنعه عن التعدي على أطراف البلاد وحددوها .
النصر مع القلة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نصر الله عز وجل له مع قلة أصحابه وكثرة جيوش المشركين ، وفي معركة أحد زحف ثلاثة آلاف مقاتل من قريش وحلفائها نحو مدينة رسول الله لقتله وأصحابه حتى أشرفوا على المدينة ووصلوا إلى جبل أحد على بعد (5 كم) من المسجد النبوي ولم يجدوا في طريقهم وزحفهم مسلحة ، ولكن نزل قوله تعالى [إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ]( ).
وتبين الآية أعلاه موضوعية الصبر في الدفاع ، والنصرة من عند الله عز وجل لذا نزلت آية البحث بالأمر للمسلمين بأربعة أوامر على نحو الترتيب :
الأول : الصبر .
الثاني : المصابرة .
الثالث : المرابطة .
الرابع : تقوى الله .
فجاءت المرابطة ثالثة وهل يدل على الجمع والترتيب ، الجواب لا .
وفي معركة الخندق زحفت الأحزاب من مكة وحواليها حتى وصلوا المدينة وليس من مسلحة تعترضهم فحفر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خندقاً حولها بمشورة من سلمان المحمدي ، ودبّ الخوف في المدينة ، وصار المنافقون يتسللون من مواضعهم خلف الخندق [يقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا]( ).
فانكسر المشركون بقتل الإمام علي عليه السلام لفارس مضر عمرو بن عبد ود العامري في منازلة تأريخية نزل بها قرآن ، وعن عبد الله بن مسعود (أنه كان يقرأ هذا الحرف [وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ]( ) بعلي بن أبي طالب)( ).
قانون دعاء النبي (ص) تعضيد للمؤمنين
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إجتهاده بالدعاء في المسائل العامة ، والخاصة للمؤمنين ، وكان الدعاء مصاحباً له إلى حين مغادرته الحياة الدنيا ، لقانون الملازمة بين النبوة والدعاء .
وقال عند احتضاره (اللهم الرفيق الأعلى ، قالها ثلاثا .
وفي الحديث في الدعاء : اللهم أحينا مسلمين وأمتنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مبدلين)( ).
وعندما أحاط عشرة آلاف من المشركين بالمدينة في معركة الأحزاب توجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الدعاء .
و(عن سعيد بن المسيب قال : لما كان يوم الأحزاب حصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بضع عشرة ليلة حتى خلص إلى كل امرىء منهم الكرب ، وحتى قال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم أنك إن تشأ لا تعبد .
فبينما هم على ذلك إذ جاءهم نعيم بن مسعود الأشجعي ، وكان يأمنه الفريقان جميعاً ، فخذل بين الناس ، فانطلق الأحزاب منهزمين من غير قتال ، فذلك قوله وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ( ).
أما بالنسبة لدعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أعلاه فله موضوعية في النصر ، وهو من خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم .
أما هزيمة الأحزاب فكانت بدعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقتل عمرو بن عبد ود العامري .
وفضل الله عز وجل ببعث جنود من الملائكة وريح عاتية قلعت خيام جيوش المشركين وكفأت قدورهم ، وهو مصداق قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا]( ).
و(عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال : كنا عند حذيفة بن اليمان فقال له رجل: لو أدركتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاتلتُ معه وأبليتُ .
فقال له حذيفة: أنت كنتَ تفعل ذلك؟ لقد رَأيتُنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقُرّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا رجل يأتي بخبر القوم، يكون معي يوم القيامة.
فلم يجبه منا أحد، ثم الثانية، ثم الثالثة مثله. ثم قال : يا حذيفة، قم فأتنا بخبر من القوم . فلم أجد بدَّا إذ دعاني باسمي أن أقوم.
فقال : ائتني بخبر القوم ، ولا تَذْعَرْهم عَلَيّ . قال: فمضيت كأنما أمشي في حَمام حتى أتيتهم، فإذا أبو سفيان يَصْلَى ظهره بالنار، فوضعت سهما في كَبِِد قوسي، وأردت أن أرميَه.
واحرس حوزتهم , وامنع حومتهم (1) .
ثم ذكرتُ قولَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تَذْعَرْهم عَلَيَّ ، ولو رَمَيْته لأصبته .
قال : فرجعت كأنما أمشي في حَمّام، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أصابني البرد حين فَرَغتُ وقُررْتُ .
فأخبرتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألبسني من فضل عَبَاءَة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائما حتى الصبح، فلما أن أصبحت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قم يا نومان)( ).
اللهم اجعل أعداد المرابطين كثيرة وفي زيادة مستمرة واجعل أسلحتهم التي يستخدمونها في الحرب والدفاع حادة فعالة وقاطعة ماضية .
الدعاء للحراسة والمنعة
1- يقال حرسه حراسة حفظه ورعاه ومنه الدعاء (اللهم احرسني من حيث أحترس ومن حيث لا أحترس) ( ).
والحوزة : الناحية والجانب وكل ناحية حيز , وحوزة الاسلام حدوده ونواحيه .
وجاءت هذه الفقرة من الدعاء للمسلمين جميعاً رجاء الأمن لحدود الدولة ، وأطرافها .
ومن أسماء الله تعالى (المانع) فهو سبحانه الذي يمنع عن أوليائه وأهل الايمان ويحوطهم ويذب عنهم ، وهو الذي يجعل بلاد الإسلام منيعة .
فأمر في آية البحث بالصبر والمصابرة والمرابطة وتقوى الله ، وكل فرد منها منعة وواقية ، وفي التنزيل [وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ

وألف جمعهم ودبر أمرهم (1).
فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا]( ).
والله تعالى هو الذي يمنع ويحرم من يستحق الحرمان ويحجب عنه فضله إن شاء سبحانه .
والمعنى الاول هو متعلق الدعاء . ويقال : منع الحصن مناعة فهو منيع : أي سلم وأمن وعجز العدو عن اقتحامه .
وحومتهم : موضعهم وأهم مواقعهم .
والفقرة من الدعاء سؤال لواقية من الله تدفع عنهم شر العدو وتحفظ حصونهم , وحجاب لحمايتهم والذب عنهم ، والحفاظ على جماعتهم ومواضع إرصادهم ومستقرهم .
ولما نزل قوله تعالى [وَرَابِطُوا] فان الدعاء عون للمسلمين في تحقيق المرابطة ، والإنتفاع المثل منها .
التآلف بصبغة الإيمان
1- الألفة: الالتيام والاجتماع وهو نقيض الاختلاف ، (وقد روى سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : المؤمن مألفة ، لا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف)( ).
وتدبير الأمر اتيانه عن دراية وفكر ونظر في عواقب الأمور وخواتيمها ، واسناد الأمر الى الله عز وجل تفويضاً وتسليماً ليأتي الفعل على الوجه الكامل ، وفي التنزيل [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ]( ).
وفي خطاب من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]( ).
وكانت المعارك تنشب بين الأوس والخزرج في يثرب (المدينة) بين الفينة والأخرى قبل الهجرة النبوية .
منها حرب سمير ثم واقعة حاطب ، ثم واقعة بعاث التي وقعت قبل قدوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة ببضع سنوات ، وكان موضوعها مناسبة التقاء وفد يثرب بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة إذ جاء وفد من بني الأشهل من الأوس يلتمسون الحلف مع قريش على أبناء عمهم الخزرج .
وعن ابن إسحاق (سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَتَاهُمْ فَجَلَسَ إلَيْهِمْ فَقَالَ لَهُمْ : هَلْ لَكُمْ فِي خَيْرٍ مِمّا جِئْتُمْ لَهُ .
فَقَالُوا لَهُ وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ أَنَا رَسُولُ اللّهِ بَعَثَنِي إلَى الْعِبَادِ أَدْعُوهُمْ إلَى أَنْ يَعْبُدُوا اللّهَ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأَنْزَلَ عَلَيّ الْكِتَابَ . قَالَ ثُمّ ذَكَرَ لَهُمْ الْإِسْلَامَ وَتَلَا عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ .
فَقَالَ إيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ ، وَكَانَ غُلَامًا حَدَثًا : أَيْ قَوْمُ هَذَا وَاَللّهِ خَيْرٌ مِمّا جِئْتُمْ لَهُ .
قَالَ فَيَأْخُذُ أَبُو الْحَيْسَرِ أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ ، حَفْنَةً مِنْ تُرَابِ الْبَطْحَاءِ ، فَضَرَبَ بِهَا وَجْهَ إيَاسِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَقَالَ دَعْنَا مِنْك ، فَلَعَمْرِي لَقَدْ جِئْنَا لِغَيْرِ هَذَا . قَالَ فَصَمَتَ إيَاسٌ .
وَقَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْهُمْ وَانْصَرَفُوا إلَى الْمَدِينَةِ وَكَانَتْ وَقْعَةُ بُعَاثٍ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ . قَالَ ثُمّ لَمْ يَلْبَثْ إيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ أَنْ هَلَكَ . قَالَ مَحْمُودُ بْنُ لَبِيَدٍ : فَأَخْبَرَنِي مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ أَنّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَهُ يُهَلّلُ اللّهَ تَعَالَى وَيُكَبّرُهُ وَيَحْمَدُهُ وَيُسَبّحُهُ حَتّى مَاتَ فَمَا كَانُوا يَشُكّونَ أَنْ قَدْ مَاتَ مُسْلِمًا ، لَقَدْ كَانَ اسْتَشْعَرَ الْإِسْلَامَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ حِينَ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا سَمِع)( ).
لقد ألف الله بالإسلام بين قلوبهم ، وبينهم وبين المهاجرين .
وقد آخى النبي محمد وبين المهاجرين والأنصار في السنة الأولى من الهجرة ، وهو تفسير لقوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ).
وفي الآية أعلاه من سورة الأنفال قال الصحابي عبد الله بن مسعود (نزلت هذه الآية في المتحابين في الله إذا تراءى المتحابان فتصافحا وتضاحكا تحاتت خطاياهما .
فقال له عبدة بن أبي لبابة إن هذا ليسير ، فقال له لا تقل ذلك فإن الله يقول لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ( ).
لبيان أن موضوع الآية أعم ومتجدد في كل يوم وإلى يوم ينفخ في الصور ، فالمدار على عموم معنى الآية القرآنية وليس سبب النزول .
ومن أسرار الجمع بين الأوامر الأربعة في آية البحث التداخل بينها في الموضوع الواحد ، فمثلاً يحتاج المرابط الصبر والمصابرة وتقوى الله .
وتحتاجها الجماعة أكثر ، وهو من ذخائر مجئ الآية بصيغة الجمع في كل من هذه الأوامر .
آية البحث تأديب
تتصف الآية القرآنية بأمور :
الأول : قانون حضور الآية القرآنية في الواقع اليومي للمسلمين ، وهو من منافع تلاوة كل مسلم وسملمة القرآن سبع عشرة مرة في اليوم على نحو الوجوب العيني في القرآن .
الثاني : قانون الآية القرآنية تأديب وإصلاح .
الثالث : تنمي الآية القرآن مفاهيم الأخوة بين المسلمين .
الرابع : قانون نفاذ أحكام الآية القرآنية إلى شغاف القلوب طوعاً وقهراً وانطباقاً .
الخامس : قانون الآية القرآنية سبب للألفة والتآلف ، وهذا التآلف بين المسلمين من رشحات آية البحث لما فيها من البعث على الصبر والمصابرة ونبذ الخلافات القبلية والشخصية بغلبة صبغة الإيمان ، وهو باب للمرابطة ومنع الخلاف والخصومة فيها ، كما أنه من تقوى الله عز وجل ، قال تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
ان الاختلاف والفرقة والتشتت سبيل إلى نفاذ العدو ، ووهن يؤدي الى أضرار مركبة ومضاعفات سلبية على الجماعة ، فنزلت آية البحث بأربعة أوامر تتضمن الوحدة والتكافل بين المسلمين برداء الإيمان ، وهو الذي يدل عليه نداء الإكرام في أول الآية [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].

وواتر بين ميرهم (1) .
وجاء هذا الدعاء لسؤال التقارب الروحي والنفسي بين المرابطين ، واجتماع نشاطهم للدفاع عن الثغور الاسلامية وتضامنهم في مواجهة العدو ، قال تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا]( ).
اللهم وفق حماة الثغور للألفة والمودة والانسجام والتفاهم وحسن التعامل فيما بينهم بلباس وقواعد التقوى لذا قال تعالى في آية البحث [وَاتَّقُوا اللَّهَ]( ).
اللهم واهدهم لاتباع أفضل السبل وما تقتضيه الحكمة والمصلحة مما ترتضيه لهم .
ليكون قانون تأديب وصلاح المسلمين بالقرآن طريقاً إلى فوزهم بالنعيم الأخروي ، وهو الذي ذكرته خاتمة آية البحث [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
وفرة الميرة والمؤن
1- المواترة : المتابعة غير المنقطعة . يقال تواتر القوم أي جاء بعضهم عقب بعض وتراً وتراً من غير فصل .
والفقرة من الدعاء سؤال واستعانة بالله عز وجل ليجعل أرزاق المرابطين في الثغور متصلة لأعانتهم على المصابرة والصمود في وجه العدو ومنع تشتتهم واشتغالهم بالمعاش لما في وفرة الطعام عندهم من قوة بدنية ومعنوية تطرد الوهن وتمنع الإرباك ، والقنوط .
اللهم اجعل طعامهم تباعاً ومتوالياً متصلاً من غير انقطاع .
من بدائع اللغة العربية تعدد الأسماء للشئ الواحد بلحاظ الإختلاف في الجزئيات والكيفية وهو من أسرار نزول القرآن باللغة العربية.
وقال تعالى [وَنَمِيرُ أَهْلَنَا] ( ) ، قال تعالى [إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ]( ).
والميرة الطعام المجلوب من بلد آخر .
وقد تكون الميرة عنواناً للطعام الجيد ، والمير جمعها .
و(القافلة (إذا كَانَتْ فِيها جِمَال قَدْ تخَلَّلَتْها حَمِيرٌ تَحْمِلً المِيرَةَ فَهِيَ العِيرُ
فإذا كَانَتْ تَحْمِلُ أزْوَادَ قَوْم خَرَجُوا لِمُحَارَبَةٍ أو غَارَةٍ فهي القَيْرَوَانُ .
فإذا كَانَتْ رَاجِعَةً فَهِيَ القَافِلَةُ لا غَيْرُ ، فإذا كَانَتْ تَحْمِلُ البَزَّ والطِّيبَ فَهِيَ اللَّطِيمَةُ)( ).
ولم يرد لفظ (القافلة) و(اللطيمة) في القرآن نعم وردت كلمة (العير) مرتين في القرآن بخصوص إخوة يوسف عليه السلام كما في قوله تعالى [وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ]( )، وقوله تعالى [أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ]( ).
وقد صدر لي كتابي الموسوم تفسير سورة يوسف والمسجل بدار الكتب والوثائق في بغداد برقم 272 لسنة 1991 .
و(عن الحسن الصيقل قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام إنا قد روينا عن أبي جعفر عليه السلام في قول يوسف عليه السلام [أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ] فقال: والله ما سرقوا وما كذب، وقال إبراهيم : بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم إن كانوا ينطقون.
فقال: والله ما فعلوا وما كذب. قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: ما عندكم فيها يا صيقل ؟ قلت: ما عندنا فيها إلا التسليم، قال: فقال: إن الله أحب اثنين، وأبغض اثنين، أحب الخطر فيما بين الصفين، وأحب الكذب في الاصلاح، و أبغض الخطر في الطرقات، وأبغض الكذب في غير الاصلاح، إن إبراهيم عليه السلام قال: ” بل فعله كبيرهم ” وهذا إرادة الاصلاح، ودلالة على أنهم لا يعقلون، وقال يوسف عليه السلام إرادة الاصلاح)( ).
ومناداة العير إرادة أصحابها ومنه قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين (يا خيل الله اركبي).
و(قال مجاهد : كان عيرهم حميرا)( ).
وصحيح أنه يمتار على الإبل وعلى الحمير والبغال ، إلا أن الأصل حمل الكلام العربي على الحقيقة وأن المراد من العير الإبل .
وبدليل القرائن منها :
الأولى : قول يوسف عليه السلام [قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ]( ).
الثانية : انفراد الإبل بتحمل العطش والجوع لأيام قد تصل إلى ثمانية أيام ، وتقطع إبل إخوة يوسف مئات الكيلو مترات من أرض فِلسطين إلى بلاد مصر .
الثالثة : كانت سني قحط وجوع ، يصعب على الناس طعامهم .
وتوحد بكفاية مؤنهم (1) . واعضدهم بالنصر . وأعنهم بالصبر (2) .
سؤال الكفاية
1 – التوحد : الانفراد والاستقلال بالامر . وكفاه الأمر كفاية : قام به وأنجز ووفر عليه الجهد والمشقة ، وفي التنزيل [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ]( ) في وعد كريم من الله لحفظ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإعانته لتبليغ رسالته وكف أذى المشركين عنه.
والمؤن : جمع مؤونة وهي القوت والذخيرة والمواد الغذائية ، وتأتي بمعنى التعب والشدة وثقل الحاجة ، وكلفة مستلزمات العمل .
والفقرة من الدعاء سؤال لاستغناء أهل الثغور عن الآخرين واكتفائهم بما ينعم الله عليهم به من فضله من الأسباب ، وفي التنزيل [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ]( ).
اللهم تول باحسانك وفضلك قضاء حوائجهم وتوفير مستلزمات ثباتهم في مواضعهم وأعباء دوام مرابطتهم .
2 – يقال عضده يعضد عضداً وعاضده :أعانه .وعضد الرجل : أنصاره ومن يعينه ويستعين به .
فهو عنوان للقوة والنصرة لذا سمي باسم العضد من الانسان وهو الساعد ما بين المرفق الى الكتف جاء هنا في استعارة تصريحية ، كما ورد في التنزيل [وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا] ( ).
وفي الدعاء (اللهم أنت عضدي)( )، أي أني أتقوى وأستعين بك . وأصل الصبر : الحبس لذلك استعمل عنواناً لحبس النفس عن الجزع والمكروه ونحوه وقد مدح الله الذين تعاهدوا ملكة الصبر قال تعالى [وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ]( ) أي في الشدة والعسر امتثالاً لأمر الله وسعياً في طاعته وتعظيم شعائره.
بين الصبر والمرابطة
من إعجاز آية البحث مجيؤها بوجوب الصبر والمصابرة ليس لأهل الثغور فحسب بل لعموم المسلمين والمسلمات ، قال تعالى [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ]( ).
وقال الإمام علي عليه السلام (الصبر صبران: فالصبر عند المصيبة حسن جميل، وأحسن من ذلك الصبر عند ما حرم الله عليك)( ).
ومن الأول منع النفس من التعلق والتأثر بالمكاره التي تهاجمها .
ومن الثاني حبس النفس عن الانقياد للشهوة والاسترسال في مداخلها .
والصبر سلاح ذو حدين ووسيلة إيمانية مباركة لثبات المرابطين أفراداً وجماعات والتزامهم بأوامر الله والتقيد بأحكام الشريعة وتحمل المشاق الجسمية وآثار العزلة والغربة والابتعاد عن الأهل .
وقد اقترن الصبر في آية المرابطة بالتقوى ورجاء الفلاح ، كما في آية البحث [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ).
أي أقيموا في الثغور بالعدة والخيل وآلة الحرب ووسائله لمغالبة أعداء الله في الصبر وارادة التحمل وقد ورد في الحديث ثواب للمرابط يعدل ثواب الصيام لا لتقاهما في مضامين الصبر في طاعة الله (عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من رابط يوما وليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة)( ).
قانون أداء الصلاة مرابطة
لقد ذكر معنى آخر للمرابطة قوله تعالى [وَرَابِطُوا]( )، وهو : رابطوا الصلوات اليومية أي انتظروها واحدة بعد واحدة ، لأن المرابطة لم تكن أيام التنزيل .
وروي ذلك عن الامام علي عليه السلام وذهب اليه جابر بن عبد الله ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن إذ قال (أقبل عليَّ أبو هريرة يوماً فقال : أتدري يا ابن أخي فيم أنزلت هذه الآية [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا]( ) قلت : لا .
قال : أما إنه لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابطون فيه ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد يصلون الصلاة في مواقيتها ، ثم يذكرون الله فيها فعليهم أنزلت (اصبروا) أي على الصلوات الخمس (وصابروا) أنفسكم وهواكم (ورابطوا) في مساجدكم (واتقوا الله) فيما علمكم (لعلكم تفلحون))( ).
وهو لا يمنع من ارادة العموم لما يفيد الاطلاق في المنطوق والمفهوم ، خاصة وان القرآن يتضمن بيان الأحكام ، وان كان بعض مصاديقها من الوقائع متأخراً عن أوان النزول وقد ورد عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: معناه اصبروا على المصائب ، وصابروا على عدوكم ، ورابطوا عدوكم)( ).
والطف لهم في المكر (1) .
لبيان أن النسبة بين المصابرة والمرابطة عموم وخصوص مطلق ، وأن المصابرة أعم ، فهي تشمل المسلمين عموماً ، ولا تختص بأهل الثغور ، ومن المصابرة عدم الإبتداء بالقتال والغزو .
اللهم أعن حماة الثغور الاسلامية وأشدد أعضادهم وقو معنوياتهم وتفضل عليهم بأسباب النصر ومستلزمات الظفر واظهرهم على عدوهم .
وأيدهم وخفف عنهم المؤونة بما تزرعه في نفوسهم من الصبر والارادة على تحمل المشاق واجتناب الجزع عند ورود المكروه لقانون الصبر في طاعة الله واجب ، وقانون الصبر بقصد القربة وسيلة للفوز بأحسن الجزاء وأعلى المنازل في جنات النعيم ، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
سؤال اللطف من الله
1 – اللطف في المقام : الإحسان والفضل من عند الله ظاهراً كان أو خفياً يأتي للمرابطين بالذات ، أو بالواسطة ، وبابتلاء الذين كفروا .
واللطف من الإنسان حسن الإحتيال وإعمال الفكر ، وتدقيق النظر في التدبير والفعل .
والمكر : ايصال الأمر الى انسان خفية أو من حيث لا يدري ، قال تعالى [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
ان الحيلة وجودة المكر طريق الى التغلب على العدو بالاضافة الى ما يوفره من الجهد والمال وحجم الخسائر ، وفي معركة الخندق قال رسول الله
اللهم صل على محمد وآله وعرفهم ما يجهلون . وعلمهم ما لا يعلمون . وبصرهم ما لا يبصرون (1) .
صلى الله عليه وآله وسلم لنعيم بن مسعود (إنّما أنت فينا رجل واحد ، فخَذِّل عنّا إنْ استطعت فإنّ الحرب خدعة)( ).
وفي التاريخ الإسلامي قصص تجسد التسديد الالهي والتوفيق في انجاح الحيلة .
اللهم وفق حماة الثغور الاسلامية لاتباع الطف الصيغ وأدق الفعاليات في نجاح حيلة نافعة وخفاء عن عيون الاعداء ووقاية من شرهم .
تفقه الصابرين
1- عرفة الأمر : أطلعه عليه وجعله يدرك بالعلم بمتعلقه . والعلم مرادف للمعرفة ويدل على اليقين الخالي من الاحتمال ويفيد التمييز والبصيرة ، قال تعالى [قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ]( ).
وبصره الشيء تبصيراً : جعله يعرفه ويلم بخصائصه.
لقد جعل الله أدراك الانسان محدوداً كجزء من ضعفه التكويني وعجزه عن الإحاطة بما حوله ، وما يداهمه ، وعن دفع المكاره قال تعالى [وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا]( )، لذا جاءت الفقرة من الدعاء للتسلح بالعلم والبصيرة التي يقذفها الله في القلوب وبما يجعل المسلمين يبصرون ما يجب عليهم فعله ويتحلون بالصبر ويتخذونه رداءً ويسعون إلى تنجزه وما يريد العدو صنعه فيحترزون منه .
ومن أسماء الله تعالى (البصير) الذي يرى الاشياء كلها من غير آلة باصرة أو جارحة فهو تعالى عالم بالمدركات يسمع بما يبصر ويبصر بما يسمع.
وقد ورد لفظ (البصير) معرفاً بالألف واللام تسع مرات في القرآن أربعة منها في الثناء على الله عز وجل ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ]( )، وخمسة في الناس بقوله تعالى [هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ]( ).
نعم ورد لفظ (بصيراً) خمس عشرة مرة كلها في الثناء على الله عز وجل إلا اثنتين في يعقوب عليه السلام ، وفي التنزيل حكاية عن يوسف عليه السلام [اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ]( ).
والبصر بالنسبة للانسان : العين وحاسة الرؤية : يقال بصره بصراً -بفتحتين- والبصيرة إشارة إلى رؤية القلب واحاطة الوهم .
و(البَصَرُ، محرَّكةً حِسُّ العَيْنِ، الجمع أبْصارٌ، من القَلْبِ نَظَرُهُ وخاطِرُهُ، وبَصُرَ به، ككَرُمَ وفَرِحَ، بَصَراً وبَصارَةً، ويكسرُ صارَ مُبْصِراً. وأبْصَرَهُ وتَبَصَّرَهُ نَظَرَ هَلْ يُبْصِرُهُ.
وباصَرا : نَظَرا أيُّهُما يُبْصِرُ قَبْلُ. وتَباصَروا: أبْصَرَ بعضُهُمْ بعضاً. والبصيرُ: المُبْصِرُ، ج: بُصَراءُ)( ).
ليعلم خفايا وحركة العدو وما يحيط الثغر من مخافة أو أخطار تحتاج الى المبادرة للتصدي لها ودفعها أو رفعها ، وتهيئة أجهزة الرصد والسلاح والمراقبة المناسبة.
أقسام العلم
العلم لغة : هو معرفة المعلوم بما يتصف به وضده الجهل وهو تصور الشئ على خلاف حقيقته وماهيته .
ويطلق العلم على الإدراك الجازم المطابق للواقع ، والنسبة بين العلم والفقه عموم وخصوص مطلق ، فالعلم أعم ، قال تعالى [عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]( ).
ويقسم العلم الى شطرين :
الأول : ضروري لا يحتاج الى سعي وبحث وله فروع هي اليقينيات والبديهيات والمشاهدات والمجربات والحدسيات والمتواترات وفطرية القياس ولكل منها تعريف وتفسير .
الثاني : من العلم علم نظري يفتقر الى السعي وهو مكتسب لقيام الذهن بجمع وتدبر وترتيب أمور يستحضرها للوصول الى حقيقة أو استحصال أمر وان كان متعلقه بشيء خارجي .
اللهم أنعم على أهل الثغور بالمعرفة والاحاطة بجوانب ومستلزمات وظيفتهم , واستمرار رصد العدو ومعرفة نواياه . والإطلاع على خططه ورؤية حركاته , وليتسلحوا في مواجهته بالعلم والبصيرة والدراية وبحصانة كافية من الخبرة النافعة .

اللهم صل على محمد وآله وسلم وانسهم عند لقائهم العدو ذكر دنياهم الخداعة الغرور (1) .
الدنيا خداعة
1- خدعه خدعاً : ختله وأراد به المكروه من حيث لا يعلم ، وغره غروراً : أطعمه بالباطل وأدى به الى الخطأ ، قال تعالى [لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ]( ).
وفي حديث للإمام علي عليه السلام (احذروا هذه الدنيا الخداعة الغدارة ، التي قد تزينت بحليها، وفتنت بغرورها، وغرت بآمالها، وتشوفت لخطابها( ) فاصبحت كالعروس المجلوة، والعيون إليها ناظرة، والنفوس بها مشغوفة، والقلوب إليها تائقة)( ).
والفقرة من الدعاء سؤال لتوجيه جهدهم الفكري والعملي لليقظة والإحتراز من العدو وعدم استحضار الدنيا وزينتها في خواطرهم وعلى ألسنتهم .
وأن يشاهد ما في صد الكفار عن بلاد الإسلام من منافع تشمل الميادين كافة وتتعدى في اتصالها الى الدار الآخرة في صورة ثواب عظيم ومنازل كريمة في دار النعيم الخالد .
ولبيان أن كثرة الأموال والجاه عند المشركين إنما هو متاع قليل وإلى زوال ، قال تعالى مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ.
ومن كلام لأمير المؤمنين عليه السلام كان كثيرا ما ينادي به أصحابه (تَجَهَّزُوا رَحِمَكُمُ اَللَّهُ فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحِيلِ وَأَقِلُّوا اَلْعُرْجَةَ اَلْعَرْجَةَ عَلَى اَلدُّنْيَا وَاِنْقَلِبُوا بِصَالِحِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ اَلزَّادِ فَإِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَئُوداً وَمَنَازِلَ مَخُوفَةً مَهُولَةً لاَ بُدَّ مِنَ اَلْوُرُودِ عَلَيْهَا وَاَلْوُقُوفِ عِنْدَهَا .
وَاِعْلَمُوا أَنَّ مَلاَحِظَ اَلْمَنِيَّةِ نَحْوَكُمْ دَائِبَةٌ دَانِيَةٌ وَكَأَنَّكُمْ بِمَخَالِبِهَا وَقَدْ نَشِبَتْ فِيكُمْ وَقَدْ دَهَمَتْكُمْ مِنْهَا مُفْظِعَاتُ اَلْأُمُورِ وَمُضْلِعَاتُ مُعْضِلاَتُ اَلْمَحْذُورِ . فَقَطِّعُوا عَلاَئِقَ اَلدُّنْيَا وَاِسْتَظْهِرُوا بِزَادِ اَلتَّقْوَى)( ).
اللهم أزل عن تصورات أذهانهم وامح من سلسلة أحلامهم عن مواجهتهم لأعدائهم صورة الحياة الدنيا وزخارفها الباطلة ورونق سرابها وبهجة زينتها البراقة التي تدعي زيفاً البقاء والدوام وتوهم باستمرار الصحبة وهي تسير في تبدل وانتقال ملتزمة في الواقع بهجران من عليها والاعراض عنهم من غير التفات .
ومن وصية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر (يا أبا ذر كن في الدنيا كأنك غريبا وكعابر سبيل، وعد نفسك في أهل القبور.
يا أبا ذر إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء ، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح .
وخذ من صحتك قبل سقمك ، ومن حياتك قبل موتك ، فإنك لا تدري ما اسمك غدا .
يا أبا ذر إياك أن تدركك الصرعة عند الغرة فلا تمكن من الرجعة ، ولا يحمدك من خلفت بما تركت ، ولا يعذرك من تقدم عليه بما به اشتغلت .
يا أبا ذر ما رأيت كالنار نام هاربها ، ولا مثل الجنة نام طالبها)( ).

وامح عن قلوبهم خطرات المال الفتون (1) .
قانون الزهد بزينة الدنيا
1- المحو : الازالة يقال محوته محواً إذا أزلته .
وانمحى الشيء : ذهب أثره .
والخاطر : ما يمر على القلب من تدبير أو أمر .
والمال معروف وهو اسم لكل ما يقتنى ويملك من الاعيان وهو في الاصل الملك من الذهب والفضة ، وفي التنزيل [أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ]( ) أي بلاء ومحنة واختبار .
وفي نسخة للصحيفة ورد بدل الفتون لفظ (المفتون) بصيغة المفعول . وما في المتن هو الأنسب .
ان ترك التفكير بالمال وطرق جمعه أو أبواب صرفه سبيل الى نسيان ملذات الدنيا ومنع للفكر من التعلق بها والشوق اليها .
لقد ابتدأت آية البحث بنداء الإكرام [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ومن مصاديق الإيمان الشوق إلى الجنة والسعي إليها بالعمل الصالح ، والتنزه عن اللهث وراء المال وجمعه ، لذا اختتمت آية البحث بقوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
وأسمى مراتب الفلاح والنجاح هو السوق إلى الجنة ، قال تعالى [وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ]( ).

واجعل الجنة نصب أعينهم (1) .
ومن معاني قوله تعالى [اصْبِرُوا] أي اصبروا في المكاسب وارضوا بما قسم الله لكم.
اللهم اجعل قلوب أهل الثغور تعرض منصرفة عن الانشغال بحسابات المال وتحصيله وجمعه وتوظيفه واكتنازه , لما في هذا الانشغال الفكري والعملي من ضرر وقد يكون باباً الى الغفلة .
ولقانون تقديم الأهم على المهم لابد من إعطاء الأولوية لتعظيم شعائر الله ، قال تعالى [ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ]( ).
وهل مضامين آية البحث من شعائر الله ، الجواب نعم ، والدعاء سلاح للتوفيق لها وقطف ثمارها بالفلاح .
قال تعالى [قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ]( ).
الجنة غاية
يسعى المؤمنون في طاعة الله ، ويرجون فضله تعالى بالفوز بالإقامة بالجنة ، قال تعالى [فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]( ).
1 – جعلته نصب عينه أي أمام بصره وحذاءه .
والفقرة من الدعاء سؤال لتقريب صورة الجنة ومنازلها ظاهرة أمام أبصار المؤمنين والمرابطين كونها هدفاً منشوداً وغاية مرجوة تستحق الصبر والجهاد ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ]( ).
اللهم اجعل دخول المؤمنين أملاً محسوساً وهدفاً قريباً يسارعون للوصول اليه ويتسابقون لبلوغه ليقتطفوا من ثمار [لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ]( ).
تبدو لهم بفضلك متدلية يانعة تدعوهم للتنافس في سبيل الله والفوز بمقام كريم ومستقر دائم في جنات النعيم ، ومنازل عز وشرف لا يعتري سكانها فناء ولا تغير .
ومن إعجاز آية البحث اختتامها بالإشارة إلى الجنة لقانون تمام الفلاح بالإقامة في النعيم الأخروي ، وقد فتح الله عز وجل باب الدعاء للهداية إلى سبل الجنة .
وكان الإمام الرضا (يقول لاصحابه: عليكم بسلاح الانبياء، فقيل: وما سلاح الانبياء؟ قال: الدعاء)( ).

ولوح منها لأبصارهم . ما أعددت فيها من مساكن الخلد ومنازل الكرامة والحور الحسان (1) .
الفلاح دخول الجنة
1 – يقال لاح النجم وألاح : اذا ظهر وبدا وتلألأ . و(ما) : اسم موصول بمعنى الذي مبني على السكون في محل نصب مفعول به .
والمساكن : جمع مسكن وهو البيت . يقال سكنت في الدار سكناً لما فيه من سكن الراحة والطمأنينة وسكون يرمز الى النعمة لأهل الجنان ، وتكرر مرتين في القرآن الكريم بعنوان (مساكن طيبة) قال تعالى [وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ]( ).
ولم يذكر فيه هذا العنوان (مساكن) ومشتقات السكن بالنسبة لأهل النار .
والخلد والخلود : البقاء ودوامه ، ومن الجنان جنة الخلد أي دار الاقامة.
وقد ذكرت مرة واحدة في القرآن [قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا]( ).
وعن عبد الله بن مسعود (أَنَّهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ يَدْعُو فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَدْعُو فَقَالَ سَلْ تُعْطَهْ وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِيمَانًا لَا يَرْتَدُّ وَنَعِيمًا لَا يَنْفَدُ وَمُرَافَقَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَعْلَى غُرَفِ الْجَنَّةِ جَنَّةِ الْخُلْدِ)( ).
لقد اختتمت آيات من القرآن بقوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ) عشرة منها خطاب من الله عز وجل إلى المسلمين منها قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ) .
لبيان وجوه الإلتقاء بين الآية أعلاه وآية البحث من جهات :
الأولى : ابتداء كل من السورتين بنداء الإيمان .
الثانية : التحلي بالصبر والمصابرة في آية البحث ، ولزوم ذكر الله في الآية أعلاه ، وذكر الله من الصبر .
الثالثة : الثبات في الميدان وهو من مصاديق [رَابِطُوا] في آية البحث .
الرابعة : اختتام كل من الآيتين بقوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ].
المعاد الجسماني
لقد أجمع أهل الديانات على حقيقة المعاد الجسماني ولزوم البعث لما وعد سبحانه من الثواب وأنذر به من العقاب ونزول الآيات بالإخبار عن العالم الآخر وما فيه من النعيم المقيم لأهل التقوى والعذاب الشديد في النار لأهل المعاصي والذنوب ، قال تعالى [وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ]( ).
وكل من مساكن الخلد ومنازل الكرامة من الفلاح المنشود الذي اختتمت به آية البحث .
ومن خصائص آية البحث أنها طريق مستقيم إلى الجنان ، وواقية من عذاب النار .
ويجمع أجزاء البدن الانساني المتفرقة والبعث من جديد بغض النظر عن الاختلاف في المكلف ، وهل هو النفس والروح أو الاجزاء الأصلية من الجسم يوم مفارقة الدنيا .
والمختار ومشهور علماء الإسلام أن البعث يشمل الروح والجسد الذي فارق الإنسان به الدنيا [أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ).
ويسبق البعث عالم البرزخ وهو عالم من حين الوفاة إلى يوم ينفخ في الصور النفخة الأولى ، قال تعالى [وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ]( ).
وقد يقال ان الخلود يتنافى مع ما في طبيعة الأبدان الانسانية من حيث أنها متناهية ومتغيرة باتجاه الفناء والزوال أو الانحلال .
ولكن ذلك كله يتبدد أمام المشيئة المطلقة لله عز وجل الذي لا تستعصي عليه مسألة وبقدرته تعالى يكون بقاء الاجسام ممكناً من دون أن تستغني عن رحمة الله تعالى لحاجتها اليه تعالى لما جعل الله فيها من صفتي الوجود والعدم وقبولها لكل منهما بالإستجابة لمشيئة الله طوعاً وقهراً وانطباقاً .
ومنازل الكرامة : درجات الجنة وقصورها لما تعنيه من العز والشرف والاكرام ووجوه النعيم وأسباب الكمال .
الحور الحسان
والحور : جمع حوراء وهي المرأة البيضاء وأصلها من الحور وهو شدة البياض . ويرد الاسم بمعناه الخاص وهو المرأة التي يكون بياض عينيها شديداً خالصاً مع شدة سواد الحدقة واستدارتها ورقة الجفون .
ويحال في طرفها، وعن ابن أبي عمرو والحور ان تسود العين كلها مثل أعين الظباء والبقر . قال : وليس في بني آدم حور ، وإنما قيل للنساء حور العين لأنهن شبهن بالظباء والبقر( ).
وقال الاصمعي : لا أدري ما الحور في العين .
ان تسمية بعض من نساء الدنيا بالحور العين يأتي في باب الاستعارة . أما الحور العين اللاتي أعد الله لأهل الجنة فهن خلق نوراني متكامل في الحسن والجمال وقد يعجز الانسان عن تصور مجموعة صفات الواحدة منهن ، قال الله تعالى [وَحُورٌ عِينٌ] ( ) [كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ] ( ).
وفي آية البحث ترغيب بالحور العين ، وبعث للإجتهاد بالسعي إلى جنات الخلد .
وذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الحور العين فقالت ام سلمة: بأبي أنت وامي يا رسول الله أما لنا فضل عليهن ، قال : بلى بصلاتكن وصيامكن وعبادتكن لله، بمنزلة الظاهرة على الباطنة)( ).
و(عن جابر بن عبد الله قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر فخرجت سرية ، فأخذوا إنسانا معه غنم يرعاها ، فجاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه النبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يكلم .
فقال له الرجل : إني قد آمنت بك وبما جئت به فكيف بالغنم يا رسول الله ؟ فإنها أمانة وهي للناس الشاة والشاتان وأكثر من ذلك ؟ قال : « احصب وجوهها ترجع إلى أهلها.
فأخذ قبضة من حصباء( ) أو تراب ، فرمى بها وجوهها ، فخرجت تشتد حتى دخلت كل شاة إلى أهلها ، ثم تقدم إلى الصف ، فأصابه به سهم ، فقتله ، ولم يصل لله سجدة قط .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أدخلوه الخباء( ) فأدخل خباء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليه ، ثم خرج ، فقال : لقد حسن إسلام صاحبكم ، لقد دخلت عليه ، وإن عنده لزوجتين له من الحور العين)( ).
لبيان أن الحوراء تأتي لصاحبها حال موته وفي عالم البرزخ ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ]( ).
بتقريب أنهم حالما يُقتلون تعود لهم الحياة وعند الله ، أي أن حياتهم هذه أفضل وأسمى من حياة الدنيا ، وفيه بعث للشوق في النفوس للصبر والمصابرة والمرابطة .
و(عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه و سلم قال أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر والثانية على لون أحسن كوكب دري في السماء إضاءة لكل واحد منهما زوجتان على كل زوجة سبعون حلة يبدو مخ ساقيها من ورائها)( ).
وعن الإمام الصادق عليه السلام (الحور العين خلقن من تربة الجنة النورانية ويرى مخ ساقيها من وراء السبعين حلة)( ).
والأنهار المطردة بأنواع الأشربة . والأشجار المتدلية بصنوف الثمر (1) .
لقد وعد الله أهل الايمان والتقوى والذين يجاهدون في سبيله [جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ]( )، والذين يحمون ثغور البلاد الاسلامية من هؤلاء ومن الذين يطمعون بفضل الله تعالى ورحمته في الآخرة .
لذلك جاءت هذه الفقرة من الدعاء لجعلهم يتحسسون حفيف ما خصص الله لهم في الجنة من قصور وأنهار وأشجار كثيفة وحور عين وزوجات شديدات البياض جميلات الصور بهيات المنظر والهيئة .
أنهار الجنان
1 – الانهار : جمع نهر وهو الماء الكثير المتصل في جريانه بوعائه الأرضي الذي شق له .
والإطراد : التتابع المتصل وهو من علامات الحقيقة في مقابل المجاز.
ويقال الانهار تطرد : أي يجري ماؤها .
والمختار قول مستحدث وهو أن جريان أنهار الجنة على قسمين :
الأول : جريان الماء في الأنهار التي هي أوعية ثابتة .
الثاني : جريان ذات النهر وعاء وماء داخل الجنة الواحدة أو الجنان.
فضلاً من الله عز وجل على أهل الجنان تارة ، واستجابة لسؤالهم ودعائهم الله عز وجل تارة أخرى .
وعن (لقيط بن عامر خرج وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله ، فعلام نطلع من الجنة .
قال : على أنهار عسل مصفى ، وأنهار من خمر ما بها صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وماء غير آسن ، وفاكهة ، لعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله ، وأزواج مطهرة.
قلت : يا رسول الله، أو لنا فيها أزواج مصلحات ، قال : الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم، غير ألا توالد)( ).
وعن حكيم بن معاوية عن أبيه الصحابي معاوية بن حميدة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إن في الجنة بحر الماء ، وبحر العسل ، وبحر اللبن ، وبحر الخمر ، ثم تشقق الأنهار بعده ، ويؤيد هذا الحديث قوله تعالى فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ( ).
والتدلي : الإرسال مع تعلق وانتشار الى الجانب مع ارتباط بالاصل وهو في الاشجار عنوان لكثرة الثمر واختلاف أنواعه , وفي نعيم الجنة قال تعالى [وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ]( ) أي أنها لا تنحصر بموسم مخصوص بل يمكن اقتطافها في كل أيام السنة , وغير ممنوعة لشوك مؤذي أو بعد وانزواء .
وتحل ثمرة جديدة مكان ما يقطع منها .
و(عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه واله قال: إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام لا يقطعها وفي اخرى يسير الراكب في ظلها مائة سنة)( ).
لقد نزل القرآن بتقريب واقع الجنة الى أذهان المؤمنين ولترتسم أمام أعينهم صور تجسد جريان أنهار متنوعة وتختلف في ماهية وطعم ورغبة ونوع السائل والشراب الذي يجري متدافعاً فيها عبر منازل الجنة وقصورها . قال
حتى لا يهم أحد منهم بالادبار . ولا يحدث نفسه عن قرنه بفرار (1) .
تعالى [مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ]( ).
وهل هذا التقريب من مصاديق خاتمة آية البحث [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] الجواب نعم.
وذكرت الآية أعلاه الجنة دار إقامة دائمة للمتقين ، وقد تضمنت آية البحث الأمر للمسلمين رجالاً ونساء بتقوى الله ، بقوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ]( ).
فصحيح أن المرابطة خاصة بالرجال لسقوط القتال عن النساء ، ولكن قوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ] عام يشمل الرجال والنساء من المسلمين لتكون آية البحث طريقاً إلى [الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ]( ).
لزوم الثبات في الثغر
1 – (حتى) مرادفة لكي التعليلية أي لكي لا يهم أحد منهم .. يقال هم بالأمر : قصد في نيته وارادته .
وأدبر ادباراً : ولى وأعرض منهزماً . وحديث النفس : الخواطر التي تراود الانسان .
والقِرن بكسر القاف : الكفؤ في الشجاعة ومن يقدر على استمرار المقابلة بالمثل . والفرار : الهرب والهزيمة.
إن الحوافز والتطلع لجميل الثواب وحسن الجزاء يجعل الانسان يجتهد في العمل ويتفانى من أجل انجازه على الوجه الذي يضمن الوصول الى تلك المنافع , ويتجنب فواتها ويعرض عن فكرة الاعراض عنها .
وعن ابن عمر (قال : لما نزلت هذه الآية [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ]( ) قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : قاتلوا كما قال الله)( ).
و(عن أبي اليسر : أن رسول الله كان يدعو بهؤلاء الكلمات السبع يقول : اللهم إني أعوذ بك من الهرم ، وأعوذ بك من الغم والغرق والحرق ، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت ، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبراً ، وأعوذ بك أن أموت لديغاً)( ).
ويأتي مزيد كلام في الجزء الرابع من كتابي الموسوم (قوانين البرزخ) إن شاء الله .
اللهم اجعلهم يقبلون على مواجهة الاعداء ولقاء الذين مثلهم في العدة ، ونظائرهم في القوة والعدد والعدة الأكثر منهم , ويطردون احتمال الهزيمة ولا تراود أي منهم نية الانهزام لما فيه من الخسارة وضياع لفرصة الفوز بالجنة .

اللهم افلل بذلك عدوهم . واقلم عنهم أظفارهم (1) .
المصابرة درع
1 – فللت الجيش : كسرته وهزمته . وأصل الفل : الكسر وسمي به القوم المنهزمون .
وفي قصيدة كعب بن زهير في مدحه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قصيدة البردة (
إذا يساورُ قرناً لا يحلُّ لهُ … أنْ يتركَ القرنَ إلاَّ وهو مفلولُ)( ).
مفلول : أي مهزوم بانكسار .
(ذلك) ذا : اسم اشارة , والألف فيه أصلية عند البصريين وهي عند الكوفيين زائدة .
وقال الازهري (وهو ثلاثي الاصل حذفت لامه على الاصح لا عينه)( ).
والعدو : الذي يظهر البغضاء ويتجاوز الحد تعدياً ، يقال : عدا يعدو عليه عدواً وعدواناً وهو وصف يشابه الاسم .
و(هم) في عدوهم : ضمير بارز للجمع الغائب متصل بعامله . وعند الكوفيين ان الهاء وحدها هي الضمير , وحكي عن الفارسي انه المجموع .
لبيان أن إظهار المؤمنين المصابرة ، والثبات في المرابطة والثغور باعث للسأم في نفوس المشركين وسبب في تفرقهم.
لبيان أن من إعجاز آية البحث تشتت المشركين ، وعدم بقائهم في الثغور المقابلة لبلاد المسلمين لإدراكهم إنعدام الفائدة من هذا البقاء لعصمة أهل الثغور المسلمين من الغفلة .
و(عن عطاء بن أبي رباح في قوله [وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ]( ) قال : هذه منسوخة بالآية التي في الأنفال الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ( ).
وقد اختلف في الآية أعلاه هل هي عامة في المؤمنين أم خاصة في أهل معركة بدر (فقال أبو سعيد الخدري : إنّما كان ذلك يوم بدر خاصة لم يكن لهم أن ينحازوا ولو انحازوا إلى المشركين ، ولم يكن يومئذ في الأرض مسلم غيرهم ولا للمسلمين فيه غير النبيّ صلى الله عليه وسلم فأمّا بعد ذلك فإنّ المسلمين بعضهم فئة لبعض ممثّلة)( ).
وتدل مضامين آية البحث على صيغة العموم خاصة وأن المصابرة والرباط طريق إلى الفلاح والنعيم .
وتقليم الاظافر : قطع ما طال منها زائداً جاء هنا كناية عن الإضعاف وجعلهم عاجزين عن التحرش والخدش وايذاء المسلمين في ثغورهم . ومن المجاز أن يقال للضعيف مقلوم الظفر لعجزه عن الرد والفعل .
ان توطين النفس من قبل المرابطين على الثبات وارادة التحمل من أجل نيل الغايات النبيلة والأمن العام وسلامة الملة والدين وبلوغ مراتب الجنة ومنازل النعيم الماثلة أمام أعينهم بفضل الله تعالى فيكون مرتكزاً وعلة لانتشار روح الانكسار في قلوب الكفار .
لقد جاءت الفقرة من الدعاء لكي يجعل الله تعالى شجاعة واقدام حماة الثغور وتفانيهم لنيل ما أعد الله للمخلصين من عباده سبباً في وهن وضعف أعدائهم وظهور روح الهزيمة في صفوفهم .
لقد عاش الإمام علي بن الحسين عليه السلام أيام الدولة الأموية ، وحضر واقعة كربلاء وشهادة أبيه الحسين وإخوته ورهط من بني هاشم ، وأصحاب الحسين عليه السلام ، ومع هذا فانه يلح بالدعاء لأهل الثغور أيام بني أمية لثباتهم ، واستجابة لقوله تعالى [وَرَابِطُوا].
وفرق بينهم وبين أسلحتهم . واخلع وثايق أفئدتهم (1) .
ومن إعجاز آية البحث أن كل أمر فيها إلى المسلمين سبب في وهن وضعف الذين كفروا ، إذ يبعث صبر المسلمين الخيبة والحسرة في قلوب الذين كفروا ، أما المصابرة فانها تبعث اليأس والقنوط عندهم ، وأما المرابطة فانها إيذاء حاضر للمشركين وسبب في وقوع الخصومة بينهم .
أما تقوى الله بقوله تعالى في آية البحث [وَاتَّقُوا اللَّهَ] فهي سبيل لهداية الناس ، وزجر للمشركين عن الإقامة على الكفر .
لذا ذكرت آية البحث لزوم التحلي بالصبر والمصابرة وقانون الإحتراز بالمرابطة المقرونة بالتقوى .
الدعاء لوهن المشركين
1 – الوثايق : جمع وثيقة أي ما اعتقدته قلوبهم وركنت اليه مطمئنة بصبغة الثبات والقوة والنجدة والتكافل ، قال تعالى [وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ]( ).
والأفئدة : جمع فؤاد وهو القلب وقيل هو غشاء القلب ويوصف بالرقة لنفاذ القول فيه ولا شيء في بدن الانسان ألطف من الفؤاد ولا أشد تأذياً منه.
وسمي القلب لكثرة تقلبه ، قال تعالى بخصوص حال الصحابة في معركة الخندق [وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ]( )، أي الأرواح ، ومن المعاني المترشحة عن القلب العلم والشجاعة والفهم .
و(عن أم سلمة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر في دعائه أن يقول : اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك . قلت : يا رسول الله وإن القلوب لتتقلب .
قال : نعم . ما من خلق الله من بشر من بني آدم إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله ، فإن شاء الله أقامه ، وإن شاء أزاغه . فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا ، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب.
قلت : يا رسول الله ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي . قال : بلى . قولي اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي ، وأذهب غيظ قلبي ، وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتني)( ).
وسمي الفؤاد لتفؤده وتوقده ، قال تعالى [فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ]( ).
قانون إنجذاب القلوب للإيمان
هل الأوامر الأربعة الواردة في آية البحث سبب لجذب افئدة الناس للمؤمنين ، الجواب نعم .
اللهم اجعل الذين يقابلون الثغور الإسلامية من الاعداء عزلاً من الأسلحة ، عاجزين عن حملها وملازمتها , ويتعذر عليهم استخدامها لبعدها عن متناول أيديهم ، والخوف والهلع يدب في قلوبهم ، قال تعالى [إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ]( ).
ومن إعجاز القرآن أن آياته هداية للناس إلى سبل الإيمان ، والإقرار بالتوحيد ، ومن إعجاز آية البحث في المقام أنها لواء سلم ، والسلم المجتمعي ، ودعوة لدفع أسباب ومقدمات القتال سواء بكيفية عمل المسلمين ، وما يتحلون به من الصبر والمصابرة .
ومن مصاديق قوله تعالى [وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ]( ) أن صبرهم بالمرابطة الذي يبين تآلف وتكافل المسلمين في الدفاع والإحتراز من الكيد ومباغتة الذين كفروا بقيامهم بالهجوم على الثغور الإسلامية ، قال تعالى [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
ومن خصائص خاتمة آية البحث [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ) دعوة الناس للنجاح والفوز بالإيمان ، فهي خطاب لعامة الناس عملوا للظفر والعز بلباس الإيمان والإستقامة .
ومن الفلاح الفوز بالمدد من الملائكة في الأمور العامة والخاصة .
و(عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال : قال أبي : يا بني لقد رأيتنا يوم بدر وان أحدنا ليشير بسيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف)( ).
من مقدمات معركة بدر
من مقدمات معركة بدر أن أبا سفيان رئيس قافلة قريش القادمة من الشام بعث إلى قريش ضمضم بن عمرو يستصرخهم لنجدة القافلة بذريعة أن النبي محمداً وأصحابه عازمون على الإستحواذ على القافلة .
وكانت القافلة تتألف من ألف بعير محملة بالحنطة والشعير والأقمشة والذهب والفضة وليس معها إلا ثلاثون رجلاً عدا العبيد.
وقد اشترك أهل مكة جميعاً بأموال هذه القافلة ، وكأنه مكيدة متقدمة لتحريض الناس على النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
فلم يثبت كتاباً وسنة وتأريخاً أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج للإستيلاء على القافلة إنما كان في سرية استطلاع ودعوة للإسلام حول المدينة ، والصلاة في أفواه القرى ، ومع أن أهلها من الكفار فلم يتعرض النبي محمد لهم أو لأموالهم أو أنعامهم .
وأعلنت قريش النفير في ثلاثة أيام وخرج نحو ألف رجل لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الذين كان عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر.
و(عن ابن عباس قال : إن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير ويقاتلوا عليها نزلوا على الماء يوم بدر فغلبوا المؤمنين عليه ، فأصاب المؤمنين الظمأ فجعلوا يصلون مجنبين ومحدثين.
فألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحزن فقال لهم : أتزعمون أن فيكم النبي صلى الله عليه وسلم وإنكم أولياء الله وقد غلبتم على الماء وأنتم تصلون مجنبين ومحدثين؟ حتى تعاظم ذلك في صدور أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .
فأنزل الله من السماء ماء حتى سال الوادي ، فشرب المؤمنون ، وملأوا الأسقية ، وسقوا الركاب ، واغتسلوا من الجنابة ، فجعل الله في ذلك طهوراً وثبت أقدامهم .
وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة ، فبعث الله المطر عليها فلبدها حتى اشتدت وثبت عليها الأقدام .
وكان مع نفر النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه يومئذ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً ، منهم سبعون ومائتان من الأنصار وسائرهم من المهاجرين ، وسيد المشركين يومئذ عتبة بن ربيعة لكبر سنه)( ).
ولم ينفر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ بجميع المسلمين من وجوه:
الأول : لما استشار النبي محمد أصحابه قبل معركة بدر في قتال المشركين ورد عن محمود بن لبيد أن سعد بن معاذ قال (يَا رَسُولَ اللّهِ إنّا قَدْ خَلَفْنَا مِنْ قَوْمِنَا قَوْمًا مَا نَحْنُ بِأَشَدّ حُبّا لَك مِنْهُمْ. وَلَا أَطْوَعَ لَك مِنْهُمْ لَهُمْ رَغْبَةٌ فِي الْجِهَادِ وَنِيّةٌ .
وَلَوْ ظَنّوا يَا رَسُولَ اللّهِ أَنّك مُلَاقٍ عَدُوّا مَا تَخَلّفُوا، وَلَكِنْ إنّمَا ظَنّوا أَنّهَا الْعِيرُ نَبْنِي لَك عَرِيشًا فَتَكُونُ فِيهِ وَنَعُدّ لَك رَوَاحِلَك، ثُمّ نَلْقَى عَدُوّنَا .
فَإِنْ أَعَزّنَا اللّهُ وَأَظْهَرَنَا عَلَى عَدُوّنَا كَانَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَا، وَإِنْ تَكُنْ الْأُخْرَى جَلَسْت عَلَى رَوَاحِلِك فَلَحِقْت مَنْ وَرَاءَنَا .
فَقَالَ لَهُ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرًا ، وَقَالَ : أَوْ يَقْضِي اللّهُ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ)( ).
الثاني : عندما رجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من معركة بدر منتصراً استقبله رهط من رجالات المدينة من الأنصار واعتذروا عن عدم الخروج لأنهم لم يعلموا بوقوع قتال.
الثالث : علة خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى معركة أحد هي الحاح رهط من شباب الأنصار ممن فاتهم حضور معركة بدر ، إذ أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم قتال المشركين في أزقة المدينة .
(وأبى كثير من الناس إلا الخروج إلى العدو، ولم يتناهوا إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيه، ولو رضوا بالذى أمرهم كان ذلك، ولكن غلب القضاء والقدر.
وعامة من أشار عليه بالخروج شباب لم يشهدوا بدرا، قد علموا الذى سبق لاصحاب بدر من الفضيلة.
فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة وعظ الناس وذكرهم، وأمرهم بالجد والجهاد، ثم انصرف من خطبته وصلاته، فدعا بلامته فلبسها، ثم أذن في الناس بالخروج.
فلما رأى ذلك رجال من ذوى الرأى قالوا: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمكث بالمدينة وهو أعلم بالله وما يريد ويأتيه الوحى من السماء.
فقالوا: يا رسول الله امكث كما أمرتنا.
فقال: ما ينبغى لنبى إذا أخذ لامة الحرب وأذن بالخروج إلى العدو أن يرجع حتى يقاتل، وقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج، فعليكم بتقوى الله والصبر عند البأس إذا لقيتم العدو وانظروا ماذا أمركم الله به فافعلوا)( ).
وهل عزم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على البقاء في المدينة من مصاديق (رابطوا) الجواب نعم.
فالنبي اقترح البقاء في المدينة بالوحي ، ثم خرج بالوحي ، أي أن استجابته لدعوة الشباب بالخروج لقتال المشركين عند جبل أحد من الوحي أيضاً .

وباعد بينهم وبين أزودتهم (1) .
نقص مؤن المشركين
1- الأزودة : جمع زاد وهو طعام المسافر ، وقد وردت كلمة (أزودتكم) عند قدوم عبد القيس إذ أقبل (القوم على النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه ويخبرهم حتى كان بعقب الحديث قال هل معكم من أزودتكم شيء.
قالوا نعم فقاموا سراعا كل رجل منهم إلى ثقله فجاؤوا بصبر التمر في أكفهم فوضعت على نطع بين يديه ، وبين يديه جريدة دون الذراعين وفوق الذراع فكان يختصر بها قلما يفارقها فأومأ بها إلى صبرة من ذلك التمر فقال تسمون هذا التعضوض.
قالوا نعم قال وتسمون هذا الصرفان قالوا نعم وتسمون هذا البرنى قالوا نعم قال هو خير تمركم وأينعه لكم وقال بعض شيوخ الحي وأعظمه بركة وإنما كانت عندنا خصبة نعلفها إبلنا .
وحميرنا فلما رجعنا من وفادتنا تلك عظمت رغبتنا فيها وفسلناها حتى تحولت ثمارنا منها ورأينا البركة فيها)( ).
اللهم اجعل المصدر والجهة التي تمد المشركين بالطعام والزاد بعيدة عنهم , ولا تصل اليهم مؤونتهم إلا بوسائل مواصلات رديئة ومتلكئة كي يحدث الارباك والخلل في وصول الغذاء اليهم والنقص في مقاديره فيضعفوا عن المواجهة ويعجزوا عن الاعتداء على حماة الثغور الاسلامية ولا يهموا في ايذائهم لبيان قانون تعضيد الآية القرآنية بالدعاء .

وحيرهم في سبلهم . وضللهم عن وجههم(1).
حيرة المشركين
1- حار في أمره حيراً وحيرة : لم يدر وجه الصواب وطريق السلام فيه وتعذر عليه ايجاد المخرج مما يحتمل عودته الى حاله .
والسبل : جمع سبيل وهو الطريق ، وقد ورد لفظ (السبل) مرة واحدة في القرآن [وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ]( ).
وضل عنه ضلالاً وضلالة : زل عنه ولم يستطع الاهتداء والوصول اليه.
والوجه : الجهة التي تقصد .
اللهم اجعل المشركين عاجزين عن تلمس جادة الصواب سواء كان ذلك بتشويش أفكارهم ، أو تداخل الطرق وتشابك المسالك عليهم .
ومن منافع الدعاء تقوية ثغر المسلمين وإصابة الذين كفروا بالوهن والإرباك .
فيصبحوا مفتقرين إلى التمييز يتعذر عليهم الوصول الى الجهة والمقصد الذي يريدون .
والوقائع أيام النبوة مليئة بالشواهد التي تظهر فضل الله تعالى في هذا الباب .
وهل منه آية البحث ، الجواب نعم ، فهي تأسيس واستدامة لحال منعة وقوة عند المسلمين ومن غير قتال ، قال تعالى [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ]( ).
فيوم حنين مثلاً حيث انهزم شطر من المسلمين في أول القتال أمام هجوم هوازن وثقيف المباغت ما لبثوا أن عادوا ، ولحقت هزيمة هوازن .
وأراد بعضهم قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فجعل الله دونه حجاباً محسوساً .
وقال شيبة بن عثمان (لما كان عام الفتح دخل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مكة عنوة، وغزا حنينا، قلت أسير مع قريش إلى هوازن، فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمد غرة .
وتذكرت أبي وقتله حمزة، وعمي وقتله علي بن أبي طالب، فقلت: اليوم أدرك ثاري من محمد، وأكون أنا الذي قمت بثار قريش كلها، وأقول: لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدا ما تبعته أبدا، فكنت مرصدا لما خرجت له، لا يزداد الامر في نفسي إلا قوة .
فلما اختلط الناس اقتحم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بغلته، وأصلت السيف، ودنوت منه، أريد ما أريد – وفي رواية فلما انهزم أصحابه جئته من عن يمينه فإذا العباس قائم عليه درع بيضاء، قلت: عمه لن يخذله، فجئته من عن يساره، فإذا بابي سفيان بن الحارث فقلت: ابن عمه لن يخذله، فجئته من خلفه، فلم يبق إلا أن أسوره سورة بالسيف إذ رفع إلي فيما بيني وبينه شواظ من نار كأنه برق.
فخفت أن يتمحشني فوضعت يدي على بصري، خوفا عليه ، ومشيت القهقرى، وعلمت أنه ممنوع.
فالتفت إلي وقال : يا شيب أدن مني ، فدنوت منه، فوضع يده على صدري وقال : اللهم أذهب عنه الشيطان .
فرفعت إليه رأسي وهو أحب إلي من سمعي وبصري وقلبي، ثم قال : يا شيبة قاتل الكفار .
قال : فتقدمت بين يديه أحب والله أن أقيه بنفسي كل شئ، فلما انهزمت هوازن رجع إلى منزله ودخلت عليه .
فقال : الحمد لله الذي أراد بك خيرا مما أردت ، ثم حدثني بما هممت به صلى الله عليه وآله وسلم.
ذكر ارادة النضير بن الحارث الفتك برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما وقع في ذلك من الايات قال محمد بن عمر : حدثنا إبراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري عن أبيه قال: كان النضير من أحلم قريش.
وكان يقول: الحمد لله الذي أكرمنا بالاسلام ومن علينا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ولم نمت على ما مات عليه الاباء، فذكر حديثا طويلا، ثم قال: خرجت مع قوم من قريش، هم على دينهم( ) بعد أبو سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، ونحن نريد إن كانت دبرة على محمد أن نغير عليه فيمن يغير .
فلما تراءت الفئتان ونحن في حيز المشركين حملت هوازن حملة واحدة، ظننا أن المسلمين لا يجبرونها أبدا، ونحن معهم وأنا أريد بمحمد ما أريد.
وعمدت له فإذا هو في وجوه المشركين واقف على بغلة شهباء حولها رجال بيض الوجوه، فاقبلت عامدا إليه، فصاحوا بي: إليك، فارعب فؤادي وأرعدت جوارحي.
قلت: هذا مثل يوم بدر، إن الرجل لعلي حق، وإنه لمعصوم، وأدخل الله تعالى في قلبي الاسلام وغيره عما كنت أهم به .
فما كان حلب ناقة حتى كر اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كرة صادقة، وتنادت الانصار بينها: الكرة بعد الفرة: يا للخزرج، يا للخزرج .
فحطمونا حطاما، فرقوا شملنا، وتشتت أمرنا، وهمة كل رجل نفسه فتنحيت في غبرات الناس حتى هبطت بعض أودية أوطاس فكمنت في خمر شجرة لا يهتدي إلي أحد إلا أن يدله الله – تعالى – علي، فمكثت فيه أياما وما يفارقني الرعب مما رأيت.
ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطائف، فاقام ما أقام، ثم رجع إلى الجعرانة، فقلت: لو صرت إلى الجعرانة، فقاربت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودخلت فيما دخل فيه( ) المسلمون، فما بقي فقد رأيت عبرا .
وقد ضرب الاسلام بجرانه، ولم يبق أحد، ودانت العرب والعجم لمحمد صلى الله عليه وسلم فعز محمد لنا عز، وشرفه لنا شرف، فو الله إني لعلى ما أنا عليه إن شعرت إلا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلقاني بالجعرانة كنة لكنة .
فقال : النضير قلت : لبيك ، فقال : هذا خير لك مما أردت يوم حنين مما حال الله بينك وبينه ، فاقبلت إليه سريعا.
فقال : قد آن لك أن تبصر ما أنت فيه توضع قلت: قد أرى أن لو كان مع الله تعالى إلها غيره لقد أغنى شيئا، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك رسول الله.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم زده ثباتا .
قال النضير : فو الله الذي بعثه بالحق لكأن قلبي حجر ثباتا في الدين وبصيرة في الحق)( ).

واقطع عنهم المدد , وانقص منهم العدد (1) . واملأ أفئدتهم الرعب (2) .
تناقص عدد المشركين
1- المدد : الإعانة وأمددت الجيش : أعنته وقرنته به ، المادة : الزيادة المتصلة . وفي التنزيل [يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ]( ).
وفي بني إسرائيل قال تعالى [وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا]( ).
ان انعدام وصول أعوان وجند اضافيين للعدو يجعل الفزع يدب في صفوفه ويمنعه من المقاومة أو التطاول والتحرش بثغور المسلمين والقائمين على حراستها .
والفقرات من الدعاء هذه سؤال لكف أذى المشركين وخذلانهم ووهن قواهم وإرباكهم ، وفي التنزيل [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ]( ).
اللهم احبس عن العدو الرفد والعدد الاضافي , وامنع وصول جماعة منهم تقوي فرقتهم أو تعان بها وابتليهم بنقص كبير في عدد أفرادهم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعدد أسباب وكيفية التناقص المتصل في أعداد أعدائه ومؤنهم ، ومنه مصاديق قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ).
وهل العمل بمضامين آية البحث سبب للنقص في أعداد المشركين ، الجواب نعم .
2- الرعب : الفزع والخوف ، ان امتلاء قلوب الاعداء بالخوف والفزع حاجز ذاتي يمنعهم من التحرش بالمسالح الاسلامية ويجعلهم منشغلين بأنفسهم ، وفي قوله تعالى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ.
ورد بخصوص معركة أحد (لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين نحو مكة ، انطلق أبو سفيان حتى بلغ بعض الطريق . ثم إنهم ندموا فقالوا : بئسما صنعتم إنكم قتلتموهم حتى لم يبق إلا الشريد ، تركتموهم .
إرجعوا فاستأصلوا . فقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا فلقوا أعرابياً فجعلوا له جعلاً فقالوا له : إن لقيت محمداً فأخبرهم بما قد جمعنا لهم .
فأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم ، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد ، فأنزل الله في ذلك ، فذكر أبا سفيان حين أراد أن يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وما قذف في قلبه من الرعب فقال [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ..الآية)( )( ).
و(عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه عن النبي صلى الله عليه وآله قال : أعطيت خمسا لم يعطهن نبي كان قبلي أرسلت إلى الأبيض والأسود والأحمر، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد أو قال لنبي قبلي ، وأعطيت جوامع الكلم)( ).
واقبض أيديهم عن البسط . واخزم ألسنتهم عن النطق (1) .
أي ان الخوف من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يدب بين أعدائه وهو على مسيرة شهر أي المسافة التي تقطع فيه سيراً , فيهابونه ويفزعون منه.
وهل هو من مصاديق (وصابروا) في آية البحث ، الجواب نعم ، وفيه عون للمسلمين في ملاقاة أذى المشركين بالصبر والمرابطة .
والفقرة من الدعاء سؤال لجعل الاعداء الذين يقابلون الثغور الاسلامية في فزع وخوف دائم , وفي ذلك تخفيف عن حماتها وإعانة لهم .
ليكون التكليف بقوله تعالى [وَرَابِطُوا] سهلاً يسيراً ، وهو من مصاديق قوله تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ]( ).
ضعف وعجز المشركين
1- قبض اليد عن البسط : منعها من القدرة والتصرف والبطش ، وسلب المبادرة والفعل منها (وخزم الشيء يخزمه خزماً : شكّه) ( ).
وقيل : كل شيء ثقبته فقد خزمته .
والنطق : الكلام والتحدث (قال الصادق عليه السلام : أعطي سليمان بن داود عليه السلام مع علمه معرفة المنطق بكل لسان ومعرفة اللغات ومنطق الطير والبهائم والسباع .
فكان إذا شاهد الحروب تكلم بالفارسية وإذا قعد لعماله وجنوده وأهل مملكته تكلم بالرومية، فإذا خلا مع نسائه تكلم بالسريانية والنبطية، وإذا قام في محرابه لمناجاة ربه تكلم بالعربية، وإذا جلس للوفود والخصماء تكلم بالعبرانية)( ).
وشرد بهم من خلفهم . ونكل بهم من وراءهم (1) .
ان قلة الحركة وضعف القدرة والعجز عن إظهار الهمة والعزيمة على اللسان وفي الكلام عامل وهن وإرباك .
اللهم اسلب من العدو القدرة على التصرف وشل أيديهم وامنعهم من الفتك والمبادرة واختم على أفواههم وأوثق ألسنتهم واحجب عنهم الاستعانة بالكلام في تدبير أمورهم أو المشاورة في شؤونهم .
لبيان المائز بين المؤمنين والذين كفروا ، إذ أن سنن التقوى وأسباب التآخي في طاعة الله تحكم عمل المؤمنين بينما تمتلأ قلوب الذين كفروا بالحسرة والخيبة .
ومن الإعجاز تضمن آخر آية من سورة البقرة ثمانية أدعية ، وتضمنت آخر آية من سورة آل عمران وهي آية البحث أربعة أوامر .
بعث الخوف في عامة المشركين
1- التشريد : الطرد في تفريق وتشتيت واضطراب .
ونكل عن الحرب نكولاً : تأخر جبناً وامتنع فزعاً ، ومنه النكول باليمين وهو الامتناع عنها وعدم أدائها .
والنكال : العقوبة والجزاء الرادع . قال تعالى [فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا]( ) أي ان عقوبة قرية أهل السبت التي اعتدى اهلها وشدتها كانت موعظة وعبرة وزاجراً للقرى القريبة في مسكنها أو التالية في زمانها .
وفي فرعون وهلاكه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (كلمتان قالهما فرعون [مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي]( ) وقوله [أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى]( ) قال : كان بينهما أربعون عاماً فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى( ).
لذا جاءت هذه الفقرة من الدعاء سؤالاً لبث الوهن والفزع في قلوب الأعداء وتثبيطهم عن ارسال المؤن أو توجيه المدد وللتخفيف عن المرابطين من أهل الاسلام ، وجعل ثباتهم مستقرأ ومستمراً من غير جهد أو عناء .
وفي عشية معركة بدر التي وقعت في السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة ورد عن الإمام علي عليه السلام (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تلك الليلة ليلة بدر ، ويقول : اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد ، وأصابهم تلك الليلة مطر شديد ، فذلك قوله وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ( ).
ان توالي الآيات في عز المسلمين وتتابع أسباب الضعف والوهن في العدو الذي يواجه المرابطين في الثغور ، يجعل من خلفهم من الأعداء في فزع وذهول .
قال تعالى [فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ]( ) ليكون اللقاء مع المشركين في الميدان زاجراً لغيرهم ، ومانعاً من تعدي الناس على الثغور.

من خصائص النبي محمد (ص)
فعندما أذل الله بواقعة بدر الكبرى أقطاب الكفر ورؤوس الضلالة إذ قُتل منهم سبعون وأُسر سبعون مع أنهم هم المعتدون الذين أصروا على القتال( ) أصيب المنافقون بالحسرة ، واصبح الذين كفروا يدركون صحة نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصدق ما جاء به من عند الله وأوجسوا في أنفسهم وتجنبت طائفة منهم منابذته والمواجهة الصريحة مع المسلمين .
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أموراً :
الأول : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حال دفاع في كل معركة من معارك الإسلام .
الثاني : لم ينهزم أو يغز النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولم يترك ميدان المعركة .
الثالث : لم يخسر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه معركة من معارك الإسلام الأولى بما فيها معركة أحد .
الرابع : موضوعية التقوى في معارك الإسلام ، وفي المرابطة في الصلاة وفي الثغور .
الخامس : قانون دخول رهط من الناس في الإسلام مع كل معركة من معارك الإسلام الأولى .
السادس : تجلي المعجزات الحسية والعقلية في كل من معركة بدر وأحد ، والخندق ، وحنين ، ومن المعجزات الحسية نزول الملائكة لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
كما كانت هذه المعارك ومقدماتها ونتائجها درساً لكثير من القبائل حيث تحقق عندها ضرورة اجتناب ايذاء المسلمين بعد نصرهم وهم فئة قليلة على قريش ذات الجبروت والخيلاء والكثرة في العدة والعدد والأموال وكان هذا
واقطع بخزيهم أطماع من بعدهم (1) .
النصر معجزة وسبباً في إسلام الكثير منهم أيضاً ، وفي التنزيل [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ]( ).
اللهم اجعل الذي يصيب أفراد العدو المواجهين درساً لمن وراءهم ، وسبباً في تفريق وتشتت وتخاذل أصحابهم الذين خلف ظهورهم ليعتبروا به فيقعدون جبناً وعجزاً ، قال تعالى [فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ] ( ).
1- القطع : إبانة بعض أجزاء الشيء وفصلها عنه ، وفي المقام يعني الوقف والمنع من المضي .
وخزي خزياً : ذلّ وهان وانقهر ، وقد يرد الخزي بمعنى الفضيحة والهلاك ، وفي التنزيل [فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ]( ).
وأطماع : جمع طمع وهو الحرص والرجاء الزائد .
أما بعدُ
بعد : تأتي للدلالة على الشيء التالي أو الأخير . وهي نقيض قبل . وفي الخطابة يقال : أما بعد أي بعد حمد الله أو بعد دعائي لكم .
ويأتي بها المتكلم عند الإنتقال من كلام إلى آخر فلا تقع بين كلامين متحدين في المعنى ، وقد تسمى فصل الخطاب ، ويضرب مثل في البيان والفصاحة في رجل من وائل بليغ لسن اسمه سحبان (فَيُقَالُ : أَفْصَحُ مِنْ سَحْبانِ وَائلٍ ومِن شِعْرِه :
لقَدْ عَلِم الحَيُّ اليَمَانُون أَنَّنِي … إِذَا قُلْتُ أَمَّا بَعْدَ أَنِّي خَطِيبُها)( ).
وتستعمل (أما بعد) في الرسائل لأن الرسالة تقوم مقام الخطبة .
وأول من نطق بكلمة (أما بعد) هو نبي الله داود عليه السلام ، وقيل أول من قالها قس بن ساعدة من حكماء العرب ، رآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سوق عكاظ قبل النبوة .
وسئل الإمام محمد الباقر عليه السلام (كيف صار محمد صلى الله عليه وسلم يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث ؟ قال: إن الله لما أخذ من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم، كان محمد صلى الله عليه وسلم أول من قال بلى ، ولذلك صار يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث)( ).
وأول من نطق بكلمة (فما عدا مما بدا) هو الإمام علي عليه السلام ، قبل واقعة الجمل ، إذ أرسل عبد الله بن عباس (إلى طلحة والزبير برسالة يكفهما عن الشروع في القتال، ثم قال له: لا تلقين طلحة فإنك إن تلقه تجده كالثور عاقصاً أنفه يركب الصعب ، ويقول: هو الذلول ، ولكن الق الزبير، فإنه ألين عريكة منه .
وقل له : يقول لك ابن خالك : عرفتني بالحجاز ، وأنكرتني بالعراق ، فما عدا مما بدا وعلي أول من نطق بهذه الكلمة، فأخذ ابن المعلم المذكور هذا الكلام وقال :
منحوه بالجزع السلام وأعرضوا … بالغور عنه، فما عدا مما بدا
هذا البيت من جملة قصيدة طويلة)( ).
و(ذكر أن أول من قال (باسمك اللهم) هو أمية بن أبي الصلت ، ذكره المسعودي)( ).
قانون المرابطة درع
هل في مرابطة المسلمين في الصلاة وفي الثغور خزي للذين كفروا ، الجواب نعم ، أما أداء الصلاة فهو حجة عليهم لتخلفهم عن الواجب العبادي العام المفروض بالإرادة التكوينية ، قال تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ]( ).
وأما مرابطة الثغور فانها تبعث اليأس والقنوط في قلوب الذين كفروا ، كما أن تعاقب الأيام هو ضد للذين كفروا من جهات :
الأولى : توالي نزول آيات القرآن ، وكل آية حجة لما فيها من الإعجاز الذاتي والغيري .
الثانية : توالي دخول الناس في الإسلام ، ومنهم رؤساء في الكفر .
الثالثة : قانون الكفر معاداة للأيام ، قال تعالى [وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ]( ).
الرابعة : شيوع معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية مثل حديث الإسراء ونبع الماء بين أصابعه فيشرب منه عشرات ومئات الصحابة ، وهذا النبع أبلغ في الحجة وخرق العادة من نبعه فجأة من الحجر مع جريانه من الحجر أيضاً معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن إعجاز القرآن ورود كلمة واحدة (ورابطوا) لتثبيت الأمن العام في بلاد المسلمين بمرابطة فرقة منهم في الثغور .
ومن الآيات مجئ الأمر بالمرابطة في آية البحث بعد الأمر بالصبر والمصابرة لبيان اتخاذ المسلمين جميعاً الصبر رداء ومنهاجاً في العمل .
و(عن محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى [اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا]( ) قال اصبروا على دينكم وصابروا لوعدي الذي وعدتكم ورابطوا عدوي واتقوا الله فما بينكم لعلكم تفلحون اذا لقيتموني .
وعن محمد بن كعب في قوله تعالى [لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ]( ) قال علم ما أحل في القرآن مما حرم)( ).
حديث نبع الماء من بين أصابع النبي (ص)
لقد رزق الله عز وجل النبي محمداً المعجزات الحسية والعقلية اكراماً له ولهداية الناس إلى الإيمان سواء أيام البعثة النبوية أو بعدها وإلى يوم القيامة.
ومن خصائصه حديث نبع الماء وتكثير الطعام بين يديه صلى الله عليه وآله وسلم وعلى نحو متعدد ومتكرر .
و(عن ثابت عن أنس قال خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى قباء فأتي من بعض بيوتهم بقدح صغير فأدخل يده فلم يسعه القدح فأدخل أصابعه الأربع ولم يستطع أن يدخل إبهامه .
ثم قال للقوم هلموا إلى الشراب قال أنس بصر عيني ينبع الماء من بين أصابعه فلم يزل القوم يردون القدح حتى رووا منه جميعا.
و(عن أنس بن مالك ، قال : حضرت الصلاة ، فقام من كان قريب الدار إلى أهله ، فتوضأ ، وبقي قوم ، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بمخضب( ) من حجارة فيه ماء ، فصغر المخضب عن أن يملأ فيه كفه ، فضم أصابعه فوضعها في المخضب ، فتوضأ القوم كلهم جميعا ، فقلنا : كم كانوا ؟ قال : ثمانين رجلا)( ).
وهل في هذه المعجزات بعث للمسلمين للعمل بأحكام آية البحث ، الجواب نعم ، لبيان قانون تعضيد المعجزات الحسية لآيات القرآن .
حسرة الذين كفروا
اللهم اجعل ما يصيب الذين كفروا من ذل وهوان وحسرة واضحة علة وسبباً لتبدد واضمحلال طمع وأحلام الذين يأتون من بعدهم في بلاد المسلمين ، ودرساً تأريخياً يتعظ به أبناؤهم ، قال تعالى [فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ]( ).
وهل ينفع الرباط في تثبيط همم الذين كفروا ، الجواب نعم ، فالرباط أمارة حسية ظاهرة ، وشاهد على يقظة المسلمين وعزمهم على الدفاع عن النفوس والأعراض والأموال تسهر طائفة في الثغور ليأمن أهل المدن والقرى بالأمن ويؤدون الصلاة اليومية بطمأنينة ، وهو من منافع قول الله تعالى في آية البحث [وَرَابِطُوا]( ).
اللهم امنع التكائر والنماء المنفصل فيما عند العدو من البهائم والحيوانات مما يركبون منها وما يأكلون , لمنع تسخيرها في غزو بلاد المسلمين.
ولقد أكرم الله عز وجل قريشاً بالتجارة في الشتاء من مكة إلى اليمن ، وفي الصيف إلى الشام ، لتكون مناسبة ووسيلة لتعاهدهم لعبادة الله عز وجل ، وعمارة المسجد الحرام بالتوحيد ، قال تعالى [لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ]( ).
وعندما بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم سخروا آلاف الإبل والأموال الطائلة لمحاربته والقرآن.
وفي طريق المشركين من مكة إلى موضع معركة بدر كانوا ينحرون كل يوم تسعة أو عشرة من الإبل (قال ابن عقبة وزعموا ان اول من نحر لهم حين خرجوا من مكة أبو جهل بن هشام جزائر( ) ثم نحر لهم صفوان بن امية( ) بعسفان تسع جزائر ونحر لهم سهيل بن عمرو بقديد عشر جزائر ومالوا من قديد إلى مناة من نحو البحر فظلوا فيها .
فأقاموا فيها يوما فنحر لهم شيبة بن ربيعة تسع جزائر ثم اصبحوا بالجحفة فنحر لهم عتبة بن ربيعة عشر جزائر ثم اصبحوا بالابواء فنحر لهم مقيس بن عمرو الجمحى تسع جزائر .
ونحر لهم العباس بن عبدالمطلب عشر جزائر .
ونحر لهم الحارث بن عامر بن نوفل تسعا .
ونحر لهم ابوالبخترى على ماء بدر عشر جزائر.
ونحر لهم مقيس الجمحى على ماء بدر تسعا ثم شغلتهم الحرب فأكلوا من أزوادهم.
وقال ابن عائذ كان مسيرهم واقامتهم حتى بلغوا الجحفة عشر ليال)( ).
وهو الذي يؤكده خبر سقاة قريش حينما سألهما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل معركة بدر ، فلما احضرا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سألهما (أَخْبِرَانِي عَنْ قُرَيْشٍ ؟ قَالَا : هُمْ وَاَللّهِ وَرَاءَ هَذَا الْكَثِيبِ الّذِي تَرَى بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى – وَالْكَثِيبُ الْعَقَنْقَلُ – فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَمْ الْقَوْمُ ؟ قَالَا : كَثِيرٌ قَالَ مَا عِدّتُهُمْ .
قَالا : لَا نَدْرِي ؛ قَالَ كَمْ يَنْحَرُونَ كُلّ يَوْمٍ ؟ قَالَا : يَوْمًا تِسْعًا ، وَيَوْمًا عَشْرًا .
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْقَوْمُ فِيمَا بَيْنَ التّسْعِ مِئَةٍ وَالْأَلْفِ.
ثُمّ قَالَ لَهُمَا : فَمَنْ فِيهِمْ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ ؟ قَالَا : عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيّ بْنُ هِشَامٍ وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ، وَنَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ ، وَطُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيّ بْنِ نَوْفَلٍ وَالنّضْرُ بْنِ الْحَارِثِ وَزَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ .
وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ ، وَنُبَيْهُ وَمُنَبّهٌ ابْنَا الْحَجّاجِ ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدّ . فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى النّاسِ فَقَالَ هَذِهِ مَكّةُ قَدْ أَلْقَتْ إلَيْكُمْ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا)( ).
لبيان موضوعية مضامين آية البحث في ميدان معركة بدر ، قال تعالى [كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).

ولا لأرضهم في نبات (1) . اللهم وقو بذلك محال أهل الاسلام ,
دعاء تقوية المسلمين
1- الاذن : بيان الرخصة في الفعل , واذن الله تعالى أمره والاشياء جميعاً مستجيبة لارادته منقادة لمشيئته . والسماء تذكر وتؤنث . ونسبتها لهم في الدعاء يراد منها الجهة المحاذية لهم منها بمعناها المتعارف وقد ترد السماء بمعنى المطركما في الخبر (سطح يبال عليه فتصيبه السماء)( ).
وفي الدعاء أعوذ بك من الذنوب التي تحبس غيث السماء وهي كما جاء في الرواية : جور الحكام وشهادة الزور وكتمان الشهادة ومنع الزكاة والمعاونة على لظلم وقساوة القلب على الفقراء .
والقطر: المطر الواحدة قطرة . والنبات : الزرع وما تخرجه الارض منه حيث ينشأ بمشيئة الله تعالى وتكوينه ، قال تعالى [تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا] ( ).
وفي الحديث ورد عن عبد الله بن مسعود أن قريشاً ابطأوا عن الاسلام فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام ويرى الرجل ما بين السماء والارض كهيئة الدخان .
اللهم امنع عن المشركين المواجهين للثغور الاسلامية الامطار وغيث السماء . واجعل أرضهم تأبى الزرع وهو يعرض عنها في جفاء كي يشتغلوا بأنفسهم عن المرابطين .
والدعاء لتقوية المسلمين من مصاديق قوله تعالى [الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا]( )، ولقوله تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]( ).
وحصن به ديارهم . وثمر به أموالهم (1) .
الدعاء واقية
1- المحال – بفتح الميم – جمع محلة وهو المكان الذي تنزل فيه . يقال : حل بالبلد حلاً وحلولاً .
وبهذا – أي بفتح ميم المحال – جاءت نسخة ابن ادريس بينما جاءت نسخة الصحيفة بكسر ميم المحال الذي يعني الكيد والتدبير والمكر .
وذهب بعض الشراح إلى احتمال كون المراد شدة الفقار واشارة الى القوة والقدرة .
ولكن المعنى الذي تشير اليه نسخة ابن ادريس هو الأنسب في المقام .
وحصنه تحصيناً : جعله منيعاً آمناً .
والديار : جمع كثرة لدار مثل جبل وأجبل وجبال . والدار هو المحل الذي يجمع البناء والعرصة هو من دار يدور لكثرة انتقال الناس وحركتهم فيه وطوافهم حوله . وثمره تثميراً : كثره ونماه .
والمرابطة نوع مفاعلة وتتألف من وجوه :
الأول : المرابطون .
الثاني : ماهية المرابطة .
الثالث : موضوع المرابطة .
الرابع : المرابط منه .
فتعدد الدعاء بصيغة التضاد الدعاء على المشركين برميهم بالفقر والضعف والعجز عن الغزو ، والدعاء للمسلمين بالغنى والأمن العام .
قانون الصلح فتح
لقد رمى الله عز وجل مشركي قريش بقلة عددهم والنقص في مواردهم تخفيفاً عن المسلمين وسبيلاً لمنع انتفاع المشركين من قوتهم وأموال وإبل التجارة لاصلاح أحوالهم فصاروا في حال ضعف ، وكانت مقدمة لرضاهم بصلح الحديبية في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة فنزل قوله تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا]( ).
ونزلت هذه الآية الكريمة في طريق عودة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من صلح الحديبية .
و(عن البراء قال : تعدون أنتم الفتح فتح مكة ، وقد كان فتح مكة فتحاً ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة .
والحديبية بئر ، فنزحناها ، فلم نترك فيها قطرة ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض ، ودعا ثم صبه فيها تركناها غير بعيد ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا .
وأخرج البيهقي عن عروة قال : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية راجعاً ، فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : والله ما هذا بفتح لقد صددنا عن البيت وصدَّ هدينا ، وعكف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ، ورد رجلين من المسلمين خرجا.
فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قول رجال من أصحابه : إنّ هذا ليس بفتح ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بئس الكلام ، هذا أعظم الفتح .
لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألوكم القضية ويرغبون إليكم في الإِياب ، وقد كرهوا منكم ما كرهوا ، وقد أظفركم الله عليهم ، وردكم سالمين غانمين مأجورين ، فهذا أعظم الفتح .
أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد ، وأنا أدعوكم في أخراكم ، أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا.
قال المسلمون : صدق الله ورسوله هو أعظم الفتوح والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه ولأنت أعلم بالله وبالأمور منا . فأنزل الله سورة الفتح)( ).
وعن الشعبي( ) (قال : نزلت في الحديبية ، وأصاب في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة ، أصاب أن بويع بيعة الرضوان فتح الحديبية ، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وبايعوا بيعة الرضوان ، وأطعموا نخيل خيبر ، وبلغ الهدي محله ، وظهرت الروم على فارس ، وفرح المؤمنون بتصديق كتاب الله وظهور أهل الكتاب على المجوس)( ).
ولم يكن صلح الحديبية غزوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن مصاديق الفتح في صلح الحديبية وجوه :
الأول : وقف القتال بين المسلمين والمشركين بهدنة مدة عشر سنوات .
الثاني : دخول جماعات وقبائل في الإسلام لإرتفاع الخوف من قريش ، وحالما تم الصلح دخلت قبيلة خزاعة في حلف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : تفرغ النبي محمد لتبليغ أحكام الشريعة ، وبناء صرح الدولة .
الرابع : تفقه المسلمين في الدين .
الخامس : من معجزات وخصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الداخلين في الإسلام في السنتين بين صلح الحديبية وفتح مكة أكثر من الداخلين فيه طيلة السنوات السابقة للصلح وهي من حين البعثة تسع عشرة سنة.
السادس : فتح خيبر .
السابع : عودة ازدهار التجارة وضرب المسلمين في الأرض وهو من ثمرات مضامين آية البحث بصبر ومصابرة ومرابطة المسلمين وتقواهم لله عز وجل.
اللهم اجعل ما تصيب به العدو من البلاء سبباً في زيادة قوة ومنعة مدن المسلمين حيث تنعم عليهم بتوالي ما حرمت الكفار وبلادهم من النعم كزيادة عدد المسلمين بكثرة التناسل وكثرة الانعام ووفرة الغذاء والخصب الدائم المبارك لتصبح بلاد المسلمين منيعة وفي مأمن , وكثر بذلك عندهم الأموال ولتوظف في مصالحهم وأبواب منفعتهم توظيفاً مثمراً .
لقد تم صلح الحديبية بصبر ومصابرة ومرابطة المسلمين وتقواهم لله عز وجل بلحاظ اجتماع مضامين آية البحث للنفع العام ، وهل صلح الحديبية من الفلاح الذي اختتمت به آية البحث وسورة آل عمران [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ) الجواب نعم.
وهل انقطعت المرابطة بصلح الحديبية ، الجواب لا ، وهو من أسرار قانون بقاء موضوع وحكم الآية القرآنية ما كرّ الجديدان.

وفرغهم عن محاربتهم لعبادتك . وعن منابذتهم للخلوة بك (1).
التفرغ للعبادة
1- الفراغ من الأمر : الخلاص منه والخروج عن دائرة العمل به . وهو خلاف الشغل , يقال فرغ من الشغل يفرغ فروغاً .
وعن الإمام الصادق عليه السلام (قال : إن الله تبارك وتعالى يبغض كثرة النوم وكثرة الفراغ)( ).
وجاءت اللام في (لعبادتك) للتعليل أي ان الاشتعال بالعبادة والنسك معلول علة لفراغ المرابطين من محاربة العدو ، لبيان قانون الدعاء لبسط السلم والأمن ولصرف القتال عن المسلمين .
والمنابذة : المكاشفة , ونابذتهم الحرب جاهرتهم بها وكاشفتهم إياها .
وعن الإمام الصادق عليه السلام (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله عزوجل قد نابذني من أذل عبدي المؤمن)( ).
وخلا به خلوة : تفرد به والخلوة بالله الانقطاع اليه وهجران المصالح الدنيوية والاعراض عن مظاهرها بصرف الفكرة الى محبة الله تعالى , وسلوك سبل طاعته بعشق مرضاته وكراهية الاقتراب من معصيته . كما ان الخلوة بالله من أجل سبل الثبات على التمسك بأركان التقوى والاقبال على التبتل والتسبيح وقراءة القرآن .
وقد قال علي بن الحسين عليهما السلام (لو مات ما بين المشرق والمغرب لما استوحشت بعد أن يكون القرآن معي) ( ).
اللهم خلص المسلمين من الاشتغال بمحاربة الكفار وضروب الصراع معهم , كي يتفرغوا للفقاهة والتقيد بأداء الفرائض في أوقاتها , والاقبال

حتى لا يعبد في بقاع الارض غيرك . ولا تعفر لأحد منهم جبهة دونك (1) .
على الطاعات والحث على الصالحات ويتوجهوا لمناجاتك والانقطاع اليك ، قال تعالى [إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا]( ).
عبادة الله وحده
1- (حتى) تفيد معنى كي التعليلية . والبقاع : جمع بقعة وهي القطعة من الارض التي قد تختلف عن ما بجنبها بخصوصية ما وتجمع أيضاً على بقع.
وعن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام يقول: إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة، وبقاع الارض التي كان يعبد الله عليها) ( ).
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال (ما من مؤمن يموت في أرض غربة يغيب عنه فيها بواكيه إلا بكته بقاع الارض التى كان يعبد الله عليها، وبكته أبوابها، وبكته أبواب السماء التى كان يصعد فيها عمله، وبكى الملكان الموكلان به)( ).
وعفره يعفره تعفيراً : مرغ ودلكه بالتراب , والتعفير : مسح المصلي جبينه بتراب الارض في حال السجود ذلك ان العفر يعني وجه الارض .
والجبهة من الانسان : موضع سجوده وهي مستوى ما بين الحاجبين الى الناصية طولاً , وما بين الجبينين عرضاً .
و(دون) تقصير عن الغاية وتكون ظرفاً ولها معان متعددة منها أنها نقيض فوق وتأتي بمعنى عند وقبل وقدام .
وقد تأتي بمعنى غير وهو المقصود في المقام كما ان الضمير في (منهم) عائد الى الذين يرجو الامام عليه السلام ألا يعبدوا في الارض إلا الله عز وجل , وأن يمتنع الناس عن الخضوع والسجود للأوثان والشركاء الوهميين.
وآية البحث دعوة للتوحيد ونبذ عبادة الأوثان بالجهاد بالأنفس والأموال لتعاهد سنن الإيمان وهو من مصاديق الصبر والتصابر والمرابطة.
و(عن جابر قال : دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ثلثمائة وستون صنماً فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكبت لوجهها وقال جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا( ).
والفقرة من الدعاء سؤال لجعل كلمة الله هي العليا في عموم الارض وان لا يخضع الناس خضوع الذل والعبودية إلا لله الذي فطر السماوات والارض مع اصلاحهم للهداية وتوفير عناء الجهد وجهاد المؤمنين ضد الذين كفروا .
ولكي يتغشى دين التوحيد أرض المعمورة ويشمل جميع عمارها ، وفي التنزيل [قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ]( ).
من أدلة التوحيد
الادلة النقلية على وحدانية الله تعالى كثيرة ويكون كل منها حجة ودليلاً وبرهاناً ، ومنها كل آية قرآنية باعجازها وبلاغتها ودلالتها القطعية بأن الله هو الخالق ، والمالك والمدبر لعالم الأكوان ، وفي التنزيل [أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ]( ).
والله هو الرزاق للخلائق كلها [إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ]( ).
أما من ناحية العقل فقد ثبت أنه تعالى واجب الوجود مستغن عن غيره وان ذلك دليل على وحدانيته وان غيره لا يكون إلا ممكناً محتاجاً .
ومنها دليل التمانع والإتقان ، فلا يصح وجود إلهين لهذه الأكوان لحدوث التعارض في الأمر ، فالذي تتخلف إرادته تكون قدرته ناقصة ، والناقص لا يصلح للإلوهية ، وفي التنزيل [لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ]( ).
والإتقان التكامل والدقة في سير الأفلاك الذي يبهر في كل زمان العلماء شاهد على الوحدانية ، ومنها الآيات في خلق الإنسان ، قال تعالى [لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ]( ).
وقد حرر في علم المنطق أن من المفهوم الكلي ما هو ممتنع الافراد مثل شريك الباري . ولكن ذكر بعضهم اصطلاحاً اسمه (الامكان العام) وبأنه عند الفلاسفة سلب الضرورة عن الطرف المقابل , وانه يشمل الوجوب والامكان الخاص .
ولكن الامكان أمر عدمي والممكن محتاج الى المؤثر وإلى واجب الوجود ولابد من تنزيه مقام الربوبية وبأدب العبودية .
وتسمى كلمة التوحيد كلمة الاخلاص ذلك ان من تمسك بها مقراً معترفاً كان مخلصاً ، وفي الحديث القدسي عن الإمام علي عليه السلام (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول الله تعالى : لا إله إلا الله حصني فمن دخله أمن عذابي)( ).
اللهم اجعلهم يعلنون اعترافهم بكلمة التوحيد . والايمان بك سبحانك إلها ً وخالقاً ورباً لا ند لك ولا شريك . والفقرة من الدعاء تشير بوضوح الى حكم أهل الذمة وعنصر الالتقاء معهم بالتوحيد هو في المقام حاجز يحول دون التعدي .
ان اتخاذ الشريك الذي هو ممكن الحدوث ومخلوق ومحتاج وقابل للنقص والاضمحلال ظلم للنفس وإثم وافتراء ومعصية تستحق أقصى العقوبة وتغلق عن صاحبها باب المغفرة مع سعته وشموله لمختلف الذنوب والسيئات .
ومن يتخذ الشرك سبيلاً ومذهباً قد لا يتردد في محاربة الاسلام وأهل الحق والمخلصين في العبودية لفاطر السموات والارض وربما حاول ايذاء المسلمين بالتحرش بأطراف أراضيهم وأمصارهم وقصد الاستيلاء على بعض منها أو الوصول اليها .
وقد خص الطرف بالذكر لمحاذاته لهم وتعذر وصولهم الى غيره .
والأطراف : جمع طرف كسبب وأسباب والطرف الناحية والجانب .
اللهم اجعل بأس المشركين بينهم بإثارة النزاعات والخصومات والصراع والعداوة بين بعضهم بعضاً فينشغلوا عن أرض الاسلام ومدنه وقراه المحاذية لهم .
والمقارعة : قتال العدو في المعركة ومواجهته في صيغ الحرب وصنوف المجابهة .
والابطال جمع بطل وهو الشجاع القوي . قيل سمي بذلك لأنه لا يعبأ بالحياة وما يصيبه من جراحات أو لبطلان الحياة عند ملاقاته .

وابعث عليهم جنداً من ملائكتك . ببأس من بأسك (1) .
الملائكة جند الله
1- البعث : الارسال . والجند : الأعوان والأنصار والأتباع والعسكر ممن يصلح للمواجهة والقتال .
الملائكة : أجسام نورانية لطيفة وجواهر مجردة ذات علم ومقدرة خارقة في اتيان الفعل الشاق , ووظيفتها الطاعة والامتثال لأمر الله تعالى ويسكنون السماوات وهم دائبون على التسبيح في الليل والنهار ومقبلون على العبادة الشاقة بشغف لما يرون من آيات الله تعالى وعظيم صنعه , ولخشيتهم منه.
وذهب المعتزلة الى القول بأن الملائكة تتحد مع الجن والشياطين في النوع ولكنهم يختلفون في الفعل .
فالملائكة لا يفعلون إلا الخير والشياطين لا يفعلون إلا الشر . بينما يجمع الجن بين الخير والشر في أعمالهم واستشهدوا بأن إبليس من الجن تارة ومن الملائكة تارة أخرى .
ولكن امتناع ابليس عن السجود لآدم عندما أمر الله عز وجل الملائكة به لا يعني بالضرورة انه من الملائكة بل ان الآية الكريمة [فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ* إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ]( ).
يحتمل فيها ان الاستثناء منقطع . خاصة وان القرآن يفسر بعضه بعضاً . قال تعالى [وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ]( ).
والملائكة خلق هائل وكثير في الحديث عن الامام جعفر الصادق عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ما من شئ مما خلق الله اكثر من الملائكة وانه ليهبط في كل يوم او في كل ليلة سبعون الف ملك فيأتون البيت الحرام فيطوفون به…الحديث)( ).
ونشط في عمله ينشط من باب تعب : خف وأسرع فهو نشيط ومنه الدعاء اللهم ارزقني القوة والنشاط (وفي الاساس : رجل نشيط طيب النفس للعمل).
وطيب النفس حالة نفسانية والنشاط يتعلق بأداء العمل وحجمه ومقداره . نعم يمكن ان يقال ان لطيب النفس أثراً ايجابياً فعالاً في الاقبال على العمل وإنجازه بسرعة ومواصلته بدأب .
والفقرة من الدعاء ناظرة الى المستلزمات التي يحتاج اليها المرابط وبما يساعده على النجاح والظفر ، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
اللهم هيىء للمسلمين وسائل نقل صالحة ، وأفض عليهم البركة في الرزق والطعام , وتوفير ما يحتاجون في سعة وطيب نفس ، وإقبال على أداء المهام في سرعة انجاز .
وايده بالنصرة . وعلمه السير والسنن (1) .
1- أيد الله تأييداً : قواه وأعانه . والنصرة : اسم من نصره نصراً أعانه وأمده بالمساعدة .
تفقه المرابط
الفقاهة والتعليم حاجة للمؤمن ، والتعليم : المعرفة والإطلاع والإحاطة بالشيء .
و(عن النبي صلى الله عليه وآله : العلم علمان : علم الاديان وعلم الابدان .
وقال صلى الله عليه وآله من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)( ).
وعن الامام علي عليه السلام قال : رأيت العلم علمين مسموع ومطبوع ولا ينفع المسموع اذا لم يكن المطبوع) ( ) كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع.
والسير جمع سيرة وهي الطريقة مطلقاً . وكانت تطلق أيضاً على الكتائب والسرايا وما فيها من الأحداث والوقائع والعبر ولأن الأحكام أبوابها مأخوذة من سيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم .
وتحتمل آية البحث وجوهاً :
الأول : بعث المسلمين على التفقه في الدين .
الثاني : إرادة فقاهة خصوص المرابطين .
الثالث : ليس من فقاهة في المقام .
والصحيح هو الأول ، وهو من إعجاز الآية القرآنية الغيري لقانون الآية القرآنية آلة سماوية للإصلاح وكل كلمة في آية البحث مدرسة وتعليم في أمور الدين والدنيا .
ومن مات مرابطاً في الثغور مات شهيداً من جهة الأجر والثواب من باب الأولوية لما ورد في حديث (سلمان الفارسي قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزكاة ثلاث مرار وقال : ما تعدون الشهيد فيكم ، قالوا : الذي يقتل في سبيل الله .
قال : إن شهداء أمتي إذاً لقليل ، القتل في سبيل الله شهادة ، والطاعون شهادة ، والنفساء شهادة ، والحرق شهادة ، والغرق شهادة ، والسل شهادة ، والبطن شهادة)( ).
وفي أحاديث أخرى بدل البطن : المبطون ، أي الذي مات بسبب داء في بطنه .
الرياء
الرياء : قصد رؤية الناس من يراه ويلحظ عمله سواء في العبادات أو المعاملات ، والمدار على فقد قصد القربة في عمل المرائي .
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في قوله عز وجل [فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا]( ) قال : الرجل يعمل شيئاً من الثواب لا يطلب به وجه الله انما يطلب تزكية الناس يشتهي أن يسمع به الناس فهذا الذي أشرك بعبادة ربه) ( ).
وخلصت الشيء تخليصاً : خلصته عن غيره وميزته .
والسمعة : الشهرة بين الناس واستماعهم للأمر , وفي وصف المؤمن ورد عن الإمام علي عليه السلام في حديث أنه (يكره الرفعة ويشنأ السمعة)( ) أي يبغض أن يسمع الناس بعمله الذي عمله لله كي يكون خالصاً لوجه الله تعالى ذلك ان من يريد احاطة الناس علماً بعمله فان الله عز وجل يهيىء له أسباب ذلك ليكون هو ثوابه وجزاؤه .
اللهم إبعد عن المرابط في سبيلك العمل للسمعة وانحصار حالة الجد عنده حين رؤية الناس له , واجعله لا يغفل اذا كان في موضع ليس فيه من الناس من يراه ويلحظ عمله .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ان أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر .
قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول الله . قال : الرياء . يقول الله عز وجل يوم القيامة اذا جازى العباد بأعمالهم اذهبوا الى الذين كنتم تراؤن في الدنيا هل تجدون عندهم الجزاء( ).
والأسر : مصدر أسرت الرجل أسراً وأساراً فهو أسير ومأسور والجمع أسرى وأسارى . والاسير : الأخيذ الذي يقع في أيدي المحاربين ويقبضون عليه حياً .
وأصله من الاسار وهو الحبل حيث كانوا يشدونه به ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يؤتى له بالأسير فيدفعه الى بعض المسلمين فيقول أحسن اليه فيكون عنده اليومين والثلاثة فيؤثره على نفسه) ( ).
وكان أسيرهم يومئذ مشركاً . وورد في نسخة ابن ادريس (وبعد أن يديخهم الأسر ) من داخ أي ذل وخضع .
النظام في الاصل : الخيط الذي ينظم به اللؤلؤ والعقد من الجوهر ويقال هو على نظام واحد أي على نهج واحد غير مختلف .
والشهداء : جمع شهيد وهو الذي يقتل في سبيل الله . وقال الجبائي : الشهداء جمع شهيد وهم الذين جعلهم الله شهداء في الآخرة , فهم عدول الآخرة .
والصالحون : جمع صالح وهو الذي استقامت نفسه بحسن عمله وواظب على أعمال البر والفلاح وسبل الهداية .
والفقرة من الدعاء مدح وثناء على الله عز وجل وحسن ظن به تعالى وتطلع للاستجابة وانتظار لها .
وكل أمر من الأوامر الأربعة في آية البحث داعية إلى الصلاح العام ، وتهذيب النفوس ، وهي من مصاديق عمل الصالحات ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ]( ).
قوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ]
قد تقدم الكلام بأن الواو في القرآن قد تأتي للعطف والإستئناف معاً ، مع التباين الجهتي في الموضوع لأن القرآن نزل بجوامع الكلم ولقانون تعدد معاني الكلمة القرآنية الواحدة.
واستشهدت بالواو التي تكررت ثلاث مرات في قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
ترى لماذا جاء الأمر العام [وَاتَّقُوا اللَّهَ] بعد [وَرَابِطُوا] فيه وجوه :
الأول : تقييد كل من الصبر والمصابرة والمرابطة بتقوى الله .
الثاني : قوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ] بعث للعمل بمضامين آية البحث .
الثالث : حاجة المسلمين مجتمعين ومتفرقين لتقوى الله في مسائل آية البحث وغيرها .
الرابع : قانون الملازمة بين الإيمان وتقوى الله ، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ]( ).
الخامس : [وَاتَّقُوا اللَّهَ] الواو حرف عطف واستئناف ، ومن وجوه العطف فيه عطف العام على الخاص والإتحاد في الحكم بين المعطوف والمعطوف عليه ، ويكون تقديره على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ، وقد تكرر في القرآن قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ] سبع مرات .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا اصبروا واتقوا الله .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا صابروا واتقوا الله .
الرابع : يا أيها الذين آمنوا رابطوا واتقوا الله ، ومن معانيه التقيد بسنن التقوى في المرابطة وعدم التعدي ، لأن المرابطة احتراز عام ودفاع محض وفي التنزيل [وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( ).
السادس : بيان قانون ملازمة صبغة التقوى لكل عمل يقوم به المسلم .
السابع : قانون التقوى من مصاديق قصد القربة .
الثامن : حب الله عز وجل للمتقين ، وقد تكرر قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ] مرتين في القرآن .
التاسع : قانون وجود أمة من المتقين في كل زمان إلى يوم ينفخ في الصور لقانون العمل بأحكام القرآن في كل جيل .
وورد قوله تعالى [اتَّقُوا اللَّهَ] خمساً وخمسين مرة في القرآن ، منها واحدة وأربعين مرة بخصوص المسلمين .
وأتى رجل إلى الإمام جعفر الصادق عليه السلام (فقال يا بن رسول الله أوصني، فقال لا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يراك حيث نهاك، فقال له زدني ، فقال لا أجد)( ).
العاشر : استحضار التقوى عند العمل سبيل لإتقانه ومنه التحلي بالصبر والمصابرة والمرابطة بأحسن حال .
ومن معاني تأخر الأمر بتقوى الله عن الأوامر الثلاثة المتقدمة في الصبر والمصابرة والمرابطة وجوه :
الأول : تقوى الله سور الموجبة الكلية الذي يتغشى الأوامر والنواهي .
الثاني : قانون تقوى الله عون ومدد للإمتثال للأوامر الإلهية .
الثالث : قانون بالتقوى تمام الأداء وحسن الإمتثال ، لذا جاء رجاء الفلاح في الدارين بتقوى الله ، لقوله تعالى [فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
التفسير بالتقدير
ويكون تقدير تفسير [وَاتَّقُوا اللَّهَ] على وجوه منها :
الأول : قانون الملازمة بين الإيمان وتقوى الله ، إذ ابتدأت آية البحث بنداء الإيمان فلابد أن تصاحب المسلمين التقوى والخشية من عند الله .
الثاني : إتقوا الله بالقول والعمل .
الثالث : واتقوا الله بالصبر في طاعة الله .
الرابع : قانون الملازمة بين الصبر والتقوى .
فان قلت هل الصبر في الآية مطلق في كل الأمور أم الصبر مقيد بصيغة الإيمان ، الجواب هو الثاني : لإفادة قانون الصبر في أداء العبادات ، وقانون الصبر في إجتناب السيئات ، قال تعالى [وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا]( ) [وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ]( ) [وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ]( ).
ترى لماذا لم تقل هذه الآيات ولا تؤتوا الزنا ، ولا تفعلوا الفواحش ، ولا تأكلوا مال اليتيم ، الجواب لإفادة لزوم ترك المقدمات التي تؤدي إلى هذه الأفعال القبيحة .
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (وإن لكل ملك حمى ، وإن حمى الله محارمه ، ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه)( ).
لبيان تجنب الشبهات ومقدمات الحرام .
والحِمى – بكسر الحاء- المحظور والممنوع .
ويقال : حام حول الحِمى ، أي اقترب من المحظور والمنهي عنه .
وهل من معنى [وَاتَّقُوا اللَّهَ] في آية البحث ترك الأسباب والموانع التي تحول دون الصبر والمصابرة والمرابطة ، الجواب نعم .
العطف والإستئناف
يحتمل الأمر بتقوى الله وجوهاً :
الأول : إنه مستقل عن الأوامر الإلهية الثلاث التي سبقته في آية البحث وأن الواو في [وَاتَّقُوا] للإستئناف .
الثاني : اتصال واجتماع الأمر بالتقوى مع الأوامر التي سبقته وأن الواو للعطف .
الثالث : اتصال الأمر بالتقوى بالأمر بالمرابطة .
الرابع : اتصال وعطف قوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ] على نداء الإيمان .
والمختار صحة هذه الوجوه الأربعة ، وهو من إعجاز القرآن بتعدد المعاني للفظ القرآني الواحد .
وورد قوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ] عشرين مرة في القرآن ، كل واحدة منها خطاب لأجيال المسلمين ، ولزوم التقيد بأحكام الشريعة في العبادات والمعاملات باستثناء واحدة للناس جميعاً وهي قوله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا]( ).
وأخرى بخصوص قوم لوط [وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ]( ).
منها قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
إذ ابتدأت واختتمت الآية أعلاه بمثل آية البحث حيث ابتدأت بنداء الإيمان واختتمت بقوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] مع أنها في المعاملات .
وقد صدرت الأجزاء 94 – 95 – 96 – 97 من هذا السِفر في تفسير هذه الآية الكريمة .
ومن معاني الجمع بين الآيتين وجوب تقوى الله في العبادات والمعاملات ، وقانون ملازمة تقوى الله للمسلم وقانون إحضار الخشية من الله في العبادات والمعاملات والحياة الأسرية ، كما في آية الرضاع ، وآية الطلاق [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا]( ).
قوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]
يحتمل الفلاح في آية البحث بلحاظ العوالم الطولية إلى ثلاثة أقسام :
الأول : الفلاح ونيل المطلوب في الدنيا .
الثاني : الفوز بالإقامة في الجنة ، والخلود في النعيم .
الثالث : إرادة المعنى الأعم الشامل للنجاح والفوز في الدنيا والآخرة .
والمختار هو الأخير ، وهل يحتمل ورود (لعل) في آية البحث أن الفلاح قد يناله المسلم بالعمل بأحكام هذه الآية على نحو الموجبة الجزئية لأن التكاليف أعم منها ولا تختص بها ، فتشمل الصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها ، الجواب لا دليل عليه خاصة وأن آية البحث تضمنت الأمر بالتقوى بقوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ].
نعم من معاني (لعل) بعث المسلمين للإجتهاد في طاعة الله ، ورجاء الفوز والفلاح ودخول الجنة بفضل منه تعالى وليس باستحقاق منا ، وفي التنزيل [وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ]( ).
من الفلاح انتفاع المسلم بعد موته من عمل أهل الدنيا ، و(عن انس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبع يجري اجرهن للعبد بعد موته وهو في قبره : من علم علما او اجرى نهرا او حفر بئرا اوغرس نخلا او بنى مسجدا أو ورث مصحفا او ترك ولدا يستغفر له بعد موته)( ).
التقدير مع آيات السورة
لقد أختتمت آية البحث بقوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] وهو خاتمة سورة آل عمران .
وهل من موضوعية لهذه الخاتمة في آيات هذه السورة ، أم أن القدر المتيقن هو مضامين آية البحث .
المختار هو المعنى الأعم وإرادة المقاصد السامية في آيات سورة آل عمران مما يناسبه تقدير [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] معها ، سواء لمرة واحدة في الآية أم عدة مرات ، مثلاً قوله تعالى [إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ]( ).
ويكون تقدير الآية أعلاه بلحاظ خاتمة السورة على وجوه :
الأول : والرسول يدعوكم في أخراكم لعلكم تفلحون .
الثاني : والرسول يدعوكم فتستجيبون له لعلكم تفلحون .
الثالث : فأثابكم غماً بغم لعلكم تفلحون.
الرابع : لكيلا تحزنوا على ما فاتكم لعلكم تفلحون .
الخامس : ولا ما أصابكم لعلكم تفلحون .
السادس : والله خبير بما تعملون لعلكم تفلحون .
وقد وردت جملة [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] إحدى عشرة مرة في القرآن وهي كالآتي :
الأولى : واحدة في سورة البقرة .
الثانية : اثنتان في سورة آل عمران .
الثالثة : ثلاث مرات في سورة المائدة .
الرابعة : مرة واحدة في سورة الأعراف .
الخامسة : مرة واحدة في سورة الأنفال .
السادسة : مرة واحدة في سورة الحج .
السابعة : مرة واحدة في سورة النور .
الثامنة : مرة واحدة في سورة الجمعة .
حديث جبرئيل عن الساعة
من أركان الإيمان الإقرار والتصديق باليوم الآخر وعالم البعث والحساب في الآخرة ويرجو الناس فضل الله عز وجل يومئذ حيث لا ينفع مال أو جاه ، فالمدار على الإيمان والعمل الصالح ، قال تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ]( ).
(وعن أنس وغيره من الصحابة بأسانيد قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا مع أصحابه إذ جاءه رجل عليه ثياب السفر يتخلل الناس حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله .
فوضع يده على ركبة رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد ما الاسلام ، وساقوا الحديث مثل ما مر إلى قولهم يا رسول الله متى الساعة.
قال : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، وأدبر الرجل فذهب .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: علي بالرجل، فاتبعوه يطلبونه فلم يروا شيئا، فقال رسول الله: ذلك جبرئيل، جاءكم ليعلمكم دينكم)( ).
ويدل جواب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على حال التساوي بين السائل وهو جبرئيل وبينه في العجز عن معرفة أوان النفخ في الصور وقيام الساعة لأنه من علم الغيب الذي اختص الله عز وجل به وليفوز الذين يعملون بمضامين آية البحث بالنجاة يوم القيامة .
و(عن سليم قال: سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام وسأله رجل عن الايمان فقال يا أمير المؤمنين أخبرني عن الايمان، لا أسأل عنه أحدا بعدك.
قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فسأله عن مثل ما سألتني عنه، فقال له مثل مقالتك فأخذ يحثه ثم قال له : افعل آمنت .
ثم أقبل علي عليه السلام على الرجل فقال: أما علمت أن جبرئيل أتى رسول الله صلى الله عليه وآله في صورة آدمي .
فقال له : ما الاسلام، فقال : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وحج البيت، وصيام شهر رمضان والغسل من الجنابة .
قال : فما الايمان ، قال: نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالحياة بعد الموت، وبالقدر كله خيره وشره وحلوه ومره، فلما قام الرجل.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذا جبرئيل جاءكم يعلمكم دينكم.
فكان رسول الله كلما قال له شيئا قال: له: صدقت، قال: فمتى الساعة .
قال : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ، قال : صدقت.
ثم قال علي عليه السلام : بعد ما فرغ من قول جبرئيل صدقت، ألا إن الايمان بني على أربع دعائم: على اليقين، والصبر، والعدل، والجهاد)( ).
وعن (عمر بن الخطاب قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، إذ طلع علينا رجل شديد بيّاض الثياب ، شديد سواد الشعر ، لا يرى عليه أثر السفر ، ولا يعرفه منا أحد ، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسند ركبته إلى ركبته ، ووضع كفيه على فخذيه وقال : يا محمد أخبرني عن الإسلام.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الإسلام أن يشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمداً رسول الله ، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ، وتصوم شهر رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا.
قال : صدقت ، قال : فعجبنا له يسأله ويصدّقه.
قال : فأخبرني عن الإيمان ، قال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره .
قال : فأخبرني عن الإحسان ، قال : أن تعبد الله كأنّك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك .
قال : فأخبرني عن الساعة ، قال : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل.
قال : فأخبرني عن إماراتها ، قال : أن تلد الأَمة ربتها ، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاة الشاة شاهقون في البنيان)( ).
لبيان أن السائل وهو جبرئيل والمسؤول هو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواء في عدم العلم بأوانها لأن علمها عند الله عز وجل وحده.
ومن علامات الساعة أن تلد الأمة ربتها وسيدتها ، أن السيد يطأ أمته فتنجب له أولاداً ذكوراً وإناثاً فيلحقون بأبيهم في الحرية والسيادة ، وتبقى أمهم على الرق لا تعتق .
ومن علاماتها أن الفقراء الذين كانوا في الأعراب لا يملكون شيئاً من الدنيا ويعتاشون على المساعدات يتطاولون في بناء العمارات ذات الطوابق العالية بما يفيد التفاخر والمباهاة بها وبالسيارات الفاخرة والطائرة .
والحديث كناية عن انبساط الدنيا للناس وكثرة الأموال وتداخل المهن والصنائع.

العبادة لغة واصطلاحاً
العبادة لغة : هي الخضوع والإنقياد والتذلل .
أما في الإصطلاح : فهي اسم جامع لإتيان ما أمر الله عز وجل به ، واجتناب ما نهى عنه بلحاظ أن هذا النهي أمر وجودي .
إذ تكون العبادة فعلاً وتركاً لبيان انبساط ونفاذ العبادة لأمور الحياة اليومية والمعاملات وفي القول والفعل.
وقبل أن يباشر المسلم عمله في الدنيا يلزمه أداء صلاة الصبح عند طلوع الفجر ، لبيان مصداق لنداء الإيمان في آية البحث وقوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا]( )، فمن خصائص المؤمن ابتداء يومه بالعبادة الخالصة لوجه الله بقوله تعالى [وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا]( ).
ليشهد ملائكة الليل الصاعدين إلى السماء ، وملائكة النهار النازلين منها صلاة المسلم فيدعون له ، ويحضرون يوم القيامة ، ويذكرون الأيام التي أدى فيها صلاة الصبح في وقتها.
وهل تعلم الملائكة ما يخطر على قلبه اثناء الصلاة من هموم ورغائب الدنيا فيكتبوها ، المختار لا يعلمون خطرات القلب ، والله عز وجل وحده الذي يعلمها ، قال تعالى [وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ]( ).
و(عن أبي ذر أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم.
قال : أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون ؟ إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة.
قالوا يا رسول الله أياتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرا)( ).
والدثور جمع دثر وهو المال الكثير .
لبيان أن موارد الإيمان في عمل الصالحات ليس لأفراده حد ، ولا تختص العبادة بالواجب والمحرم ، بل تشمل اتيان المستحب والمباح ، والشكر لله عز وجل على النعم .
ليكون من معاني تقدير آية البحث بخصوص العبادة وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا اعبدوا الله بالصبر .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا اعبدوا الله بالمصابرة في الشدائد ، والدفاع.
الثالث : يا أيها الذين آمنوا اعبدوا الله بالمرابطة في سبيل الله.
ويمكن تقسيم الرباط إلى قسمين :
الأول : الرباط العام : وهو انتظار الصلاة بعد الصلاة في الصلوات اليومية الخمس وقد تقدم فيه الحديث النبوي وهو يشمل المسلمين جميعاً .
الثاني : الرباط الخاص : وهو الإقامة في الثغور .
لبيان أن من إعجاز الآية القرآنية قانون تعدد وجوه معانيها وتجدد مصاديقها كل يوم ، وكل منهما من مصاديق عبادة الله .
قانون السلام في المدينة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حرصه على نشر السلام في مكة وفي المدينة ليتجلى قانون دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المتصلة للسلام ، وقانون سعي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لنشر الأمن والأمان من حصوله ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اجتهاده في نشر شآبيب السلام ، وشجاعته وحسن توكله على الله أنه كان يدعو الناس إلى الإسلام في مكة في منى وأسواق مكة مع شدة أذى الكفار.
وبعد الهجرة صار يخرج إلى أبواب المدينة ويستقبل الوافدين ويدعوهم للإسلام ويسألهم ، ويبالغ في إكرامهم ، وقد لا يبين لهم هويته الرسالية ليعرفوه بالإستقراء والمناسبة .
ومن الناس من رأى النبي محمداً وهو يدعو الناس للإسلام في أسواق مكة قبل الهجرة ثم رآه في المدينة .
وعن طارق بن شداد المحاربي (قال إني لقائم بسوق ذي المجاز إذ أقبل رجل عليه جبة وهو يقول يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ورجل يتبعه يرميه بالحجارة وهو يقول يا أيها الناس إنه كذاب فقلت من هذا فقالوا هذا غلام من بني هاشم يزعم أنه رسول الله .
قلت من هذا الذي يفعل به هذا قالوا هذا عمه عبد العزى قال فلما أسلم الناس وهاجروا خرجنا من الربذة.
نريد المدينة نمتار من تمرها فلما دنونا من حيطانها ونخلها قلت لو نزلنا فلبسنا ثيابا غير هذه إذا رجل في طمرين( ) فسلم علينا وقال من أين أقبل القوم قلنا من الربذة قال وأين تريدون قلنا نريد هذه المدينة.
قال ما حاجتكم منها قلنا نمتار من تمرها قال ومعنا ظعينة لنا ومعنا جمل أحمر مخطوم .
فقال اتبيعوني جملكم هذا قلنا نعم بكذا وكذا صاعا من تمر قال فما استوضعنا مما قلنا شيئا وأخذ بخطام الجمل وانطلق فلما توارى عنا بحيطان المدينة ونخلها قلنا ما صنعنا والله ما بعنا جملنا ممن يعرف ولا أخذنا له ثمنا.
قال تقول المرأة التي معنا والله لقد رأيت رجلا كأن وجهه شقة القمر ليلة البدر أنا ضامنة لثمن جملكم إذ أقبل الرجل.
فقال أنا رسول الله اليكم هذا تمركم فكلوا واشبعوا واكتالوا واستوفوا.
فاكلنا وشبعنا واكتلنا واستوفينا ثم دخلنا المدينة .
فدخلنا المسجد فاذا هو قائم على المنبر يخطب الناس ، فادركنا من خطبته وهو يقول تصدقوا فإن الصدقة خير لكم اليد العليا خير من اليد السفلى أمك واباك وأختك وأخاك أدناك وأدناك.
إذ أقبل رجل من بني يربوع أو قال رجل من الانصار فقال يا رسول الله لنا في هؤلاء دماء في الجاهلية فقال إن أبا لا يجني على ولد ثلاث مرات)( ).
ليبين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قانوناً في الفقه الجنائي وهو عدم مؤاخذة الابن على جناية الأب ، ليس لأن الجناية في الجاهلية ، إنما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قانون عام وهو تحمل الجاني وزر جنايته ، ولا يتحملها عنه أقرب الناس له وهو الابن للنهي عن الثأر ، والقصاص من غير القاتل وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى].
وفيه بعث للأمن العام ، وقطع لسبب من أسباب الغزو بين القبائل ، وزجر عن قتل غير القاتل .

الصبر في طاعة الله عبادة
قال تعالى [شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
لقد أكرم الله عز وجل شهر رمضان بأن ذكره من بين شهور السنة في القرآن ، ولم يذكر غيره فيه ولابد لهذه الخصوصية من دلالات منها :
الأولى : التشريف الخاص لشهر رمضان .
الثانية : بيان موضوعية أوان نزول القرآن والنفع العظيم في ذكره .
الثالثة : قانون اقتران الصيام الواجب بشهر رمضان ، إذ يجب صيامه على كل مسلم ومسلمة وجوباً عينياً باستثناء المريض والمسافر ، مع قضاء المسافر الصيام ، قال تعالى [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ]( ).
الرابعة : ضبط المسلمين لحساب شهور السنة وتواليها بترقب هلال شهر رمضان وضبطه ، كما ورد في الآية أعلاه [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ].
وقد سمّى جبرئيل والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شهر رمضان بشهر الصبر لما فيه من الصبر على الجوع والعطش وحبس النفس والجوارح عن الملذات .
إذ ورد (عن جعفر بن محمد، عن أبائه عليهم السلام عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لما اسري بي إلى السماء دخلت الجنة فرأيت فيها قصرا من ياقوت أحمر يرى باطنه من ظاهره لضيائه ونوره، وفيه قبتان من در وزبرجد، فقلت: يا جبرئيل لمن هذا القصر.
قال: هو لمن أطاب الكلام، وأدام الصيام، وأطعم الطعام، وتهجد بالليل والناس نيام ، قال علي عليه السلام: فقلت يا رسول الله وفي امتك من يطيق هذا .
فقال: أتدري ما إطابة الكلام ؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، قال : من قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، أتدري ما إدامة الصيام ، قلت: الله و رسوله أعلم، قال:من صام شهر الصبر)( ).
آية البحث عون على الصيام
لقد ابتدأت آية البحث بنداء الإيمان ، ومنه الإيمان بوجوب صيام شهر رمضان طاعة لله عز وجل ، ومن مصاديق قوله تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ]( ) استقبال المسلمين في جميع أمصارهم شهر رمضان بالغبطة والسعادة لبيان أنهم أمة الصبر والتحمل والسعي لإكتناز الصالحات.
والنسبة بين قوله تعالى [اصْبِرُوا] في البحث وبين صيام شهر رمضان هو العموم والخصوص المطلق ، فالصبر أعم ، وشهر رمضان مناسبة لمضاعفة الأجر والثواب على اتيان الصالحات إذ ورد (سعيد بن المسيّب عن سلمان قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال : يا أيّها النّاس قد أظلكّم شهرُ عظيم ، وشهر مبارك، وشهر فيه ليلة خير من ألف شهر ، جعل الله صيامه فريضة ، وقيام ليله تطوّعاً .
من تقرّب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدّى فيه فريضة كان كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه ، وهو شهر الصّبر والصّبر ثوابه الجنّة، وشهر المواساة .
وشهر يزاد فيه رزق المؤمن ، شهرٌ أولّه رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتقٌ من النّار ، من فطّر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النّار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء.
قالوا : يارسول الله ليس كلّنا يجد ما يفطّر الصّائم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي الله هذا الثّواب ، من فطّر صائماً على مذقة لبن أو تمر أو شربة ماء ، ومن أشبع فيه صائماً سقاه الله تعالى من حوضي شربة لا يظمأ حتّى يدخل الجنّة، وكان كمن اعتق رقبة، ومن خففّ عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النّار .
فاستكثروا فيه من أربع خصال : خصلتان ترضون بها ربّكم ، وخصلتان لا غنى عنهما : فأمّا الخصلتان اللتان ترضون بها ربّكم فشهادة أن لا إله إلاّ الله وتستغفرونه ، وأمّا التي لاغنى بكم عنها فتسألون الله عزّ وجلّ وتعوذون به من النّار)( ).
ويبين هذا الحديث عدة قوانين منها :
الأول : مضاعفة ثواب الفريضة كالصلاة في شهر رمضان سبعين ضعفاً.
الثاني : قانون ثواب الصبر الجنة .
الثالث : تسمية شهر رمضان شهر الصبر ، وشهر المواساة .
الرابع : بيان ترشح المنافع العامة من تسمية شهر رمضان في القرآن بقوله تعالى [شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ]( ) .

قانون التخفيف عن الذات
لقد تضمنت آية البحث أربعة أوامر بأربع كلمات ، وورد ذكرها على نحو الإطلاق من غير تقييد في الصبر والتصابر ، والمرابطة ، والتقوى ، ولكن جاء التقييد في آيات منها قوله تعالى [فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ]( )، [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ]( )، وقوله تعالى [وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ]( ).
فمع تعدد الأوامر الإلهية في آية البحث فان شآبيب الرحمة بين ثناياها من جهات :
الأولى : التخفيف في الإمتثال .
الثانية : تيسير أداء الواجبات العبادية .
الثالثة : إزاحة الموانع التي قد تحول دون الإمتثال .
و(عن محببة الباهلي عن أبيه أو عمه أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسلم ، ثم انطلق فأتاه بعد سنة وقد تغيرت حاله وهيئته ، فقال : يا رسول الله وما تعرفني ، قال : ومن أنت .
قال : أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول . قال : فما غيَّرك وقد كنت حسن الهيئة ، قال : ما أكلت طعاماً منذ فارقتك إلا قليل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما عذبت نفسك؟ ثم قال : صم شهر الصبر ويوماً من كل شهر . قال : زدني فإن لي قوة . قال : صم يومين .
قال : زدني . قال : صم ثلاثة أيام . قال : زدني . قال : صم من الحرم واترك ، صم من الحرم واترك ، وقال بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها)( ).
وصيام شهر رمضان من مصاديق قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا]( ) .
إذ أن الصيام على وجوه :
الأول : إنه عبادة ملاكها الصبر بقصد القربة إلى الله تعالى .
الثاني : في الصيام تحرير النفس من الميل إلى اللذات .
الثالث : فيه تقوية للإرادة في طاعة الله .
الرابع : تنمية لملكة حبس النفس عن المعاصي والسيئات .
الخامس : فيه دعوة عامة للتدبر في ماهية الدنيا ، وعظيم النعم التي تفضل الله عز وجل بها على الإنسان .
وبعث الشوق لأيام الفطر في الأشهر الأحد عشر الأخرى من السنة مع الشكر لله عز وجل لذا وردت السنة النبوية القولية والفعلية بقول الحمد لله عند الإبتداء بالأكل أو الشرب وعند الإنتهاء منه وفيه الأجر والثواب .
و(وعن معاذ بن أنس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : مَنْ أَكَلَ طَعَاماً ، فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا الطَّعَامَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ، ومَنْ لَبِسَ ثَوْباً ، فَقَالَ : الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا الثَّوْبَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّر)( ).

الصيام طريق إلى الفلاح الأخروي
في شهر رمضان يتحسس الغني أثر الجوع ، ولزوم إعانة الفقير وإخراج الزكاة والحقوق الشرعية ، وإدراك قانون اقتناء المباح باذن الله وفضله ، وفيه شاهد على صدق إيمان المسلمين والمسلمات ، وتعاهدهم لمقام العبودية والخضوع لله عز وجل والإستجابة لأوامره ونواهيه ، والصيام والصبر فيه من مصاديق قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ]( ).
وهل يذكر الصيام الإنسان بعالم البرزخ يوم القيامة ، الجواب نعم لما فيه من الفقر إلى الله ، والأجر والثواب على الصيام.
و(عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : للجنة ثمانية أبواب ، فيها باب يسمى الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة ، لا يدخل معهم أحد غيرهم يقال : أين الصائمون؟ فيدخلون منه ، فإذا دخل آخرهم أغلق ، فلم يدخل منه أحد.
زاد ابن خزيمة : ومن دخل منه شرب ، ومن شرب لم يظمأ أبداً)( ).
و(قال رسول الله صلى الله عليه وآله : شعبان شهري، وشهر رمضان شهر الله)( ).
ويتعدد الفعل العبادي الذي يؤدي إلى الفلاح ، ومن فضل الله عز وجل ذكر أربعة أمور في آية البحث تؤدي إلى الفلاح ، لبيان قانون الدنيا طريق الفلاح .

آية البحث والصيام
لقد تضمنت آية البحث ستة أمور :
 نداء الإيمان .
 أربعة كلمات كل كلمة أمر عام يتغشى أجيال المسلمين إلى يوم القيامة ، وليس في كتاب سماوي مثل هذا الإعجاز والإيجاز غير المخل ، ولا أمة من الأمم تمتثل في كل زمان وإلى يوم القيامة لأربعة أوامر بأربع كلمات في أحكام العبادات والمعاملات .
 رجاء الفلاح والنجاح في الآخرة ، وتحية الملائكة عليهم في الجنان [سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ]( ).
ومن إعجاز القرآن في نظم وسياق الأوامر فيه ، ابتداء آية البحث بنداء الإيمان ، كما ابتدأت به آية الصيام بقوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]( ).
لبيان موضوعية كل فرد من الأوامر في آية البحث بقصد القربة والعبادة وطاعة الله عز وجل .
ولبيان موضوعيتها في عز الإسلام ، واستدامة بقاء القرآن سالماً من التحريف والزيادة والنقصان .
علم التقدير
فيه وجوه :
الأول: كتب الله عليكم الصيام .
الثاني : فرض عليكم الصيام .
الثالث : فرض على كل مسلم ومسلمة الصيام .
الرابع : كتب الله عليكم الصيام والله غني عن العالمين .
الخامس : كتب الله عليكم الصيام رحمة بكم .
السادس : كتب الله عليكم الصيام لأنه عبادة خالصة لله عز وجل وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ]( ).
السابع : الله عز وجل هو الذي كتب عليكم الصيام رحمة بكم .
الثامن : كتب عليكم الصيام لنيل مراتب الفلاح والنجاح .
التاسع : كتب الله عليكم الصيام لترثوا الأرض بسنن التقوى .
النهي عن اللعن والسب
قال تعالى [لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ]( ).
لقد ذكرت في الجزء الثاني والتسعين من هذا السِفر والذي يتضمن تفسير هذه الآية من سورة آل عمران اثني عشر وجهاً في أسباب نزول هذه الآية ، منها .
لما اصابت الجراحات النبي محمداً يوم أحد إذ كسرت رباعيته من اسنانه وشج في وجهه حتى سال الدم ، فقيل له :
(لَوْ دَعَوْتَ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ : إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا ، وَلَكِنِّي بُعِثْتُ دَاعِياً ، وَرَحْمَةً ، اللَّهُمَّ اهد قَوْمِي ، فإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)( ).
وكان فتح مكة سلماً ودخول أهلها الإسلام من استجابة الله لدعائه.
وقال النبي : كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم ، كما عن أنس( ).
لقد امتنع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن لعن الذين كفروا ساعة قتالهم له وسقوط سبعين قتيلاً من أصحابه منهم عمه حمزة بن عبد المطلب فمن باب الأولوية القطعية اجتناب المسلم لعن أخيه المسلم واللعن مطلقاً ، قال تعالى [وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ]( ).
وفي صحيحة أبي بصير عن الإمام الباقر عليه السلام أن رجلاً من بني تَميم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال أوصني (فقال: لا تغضب، قال: زدني، قال: ارض من الناس بما ترضى لهم به من نفسك، فقال زدني، فقال: لا تسب الناس فتكتسب العداوة منهم…الحديث)( ).
والأصل في النهي هو الحرمة إلا مع القرينة الصارفة إلى الكراهة.
ومن كلام للإمام علي عليه السلام (وقد سمع قوما من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين إني أكره لكم أن تكونوا سبابين .
ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر ، وقلتم مكان سبكم إياهم .
اللهم احقن دماءنا ودماءهم ، وأصلح ذات بيننا وبينهم ، واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به)( )( ).

الرفق بالحيوان
تعددت الأحاديث النبوية بخصوص الرفق بالحيوان منها (عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ ، قَالَ :سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ ، تَغْشَى حِيَاضِي ، قَدْ لُطْتُهَا لإِبِلِي ، فَهَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ إِنْ سَقَيْتُهَا ، قَالَ : نَعَمْ ، فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ حَرَّى أَجْرٌ)( ).
لتدل من باب الأولوية القطعية على لزوم الإحسان والرفق ببني آدم مطلقاً سواء من المسلمين أو أهل الكتاب أو غيرهم , والعناية بالسجين والأسير .
ويدل قانون تأكيد السنة النبوية على الرفق بالحيوان على نبذ الحروب وسفك الدماء , وعلى قانون حرمة الفساد العام والخاص
وفي قوله تعالى [وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ]( ) الحرث الزرع والنباتات والأشجار ، والنسل الذرية من الناس ، والدواب والطيور .
و(عَنْ سَهْلِ ابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ( ) قَالَ : مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ فَقَالَ : اتَّقُوا اللَّهَ فِى هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْمُعْجَمَةِ فَارْكَبُوهَا وَكُلُوهَا صَالِحَةً)( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التوصية بالعناية بالبهائم وأنها من مصاديق تقوى الله وتتعدد الشواهد التي تدل على توصية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالبهائم منها ما ورد عن عبد الله بن جعفر الطيار (أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُخْبِرُ بِهِ أَحَدًا أَبَدًا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ فِي حَاجَتِهِ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ .
فَدَخَلَ يَوْمًا حَائِطًا مِنْ حِيطَانِ الْأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ قَدْ أَتَاهُ فَجَرْجَرَ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ قَالَ بَهْزٌ.
وَعَفَّانُ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرَاتَهُ وَذِفْرَاهُ فَسَكَنَ .
فَقَالَ مَنْ صَاحِبُ الْجَمَلِ فَجَاءَ فَتًى مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ هُوَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ أَمَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَهَا اللَّهُ( ) إِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ)( ).
لبيان أن الرفق بالحيوان من التقوى والخشية من الله التي ذكرتها آية البحث بقوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ].
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مسائل تتجلى في هذا الحديث وهي :
الأولى : قانون تقوى الله حتى في البهائم .
الثانية : تأديب المسلمين على الرفق بالبهائم وفيه الأجر والثواب .
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أَنَّه قال : بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ إذِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ ، فَوَجَدَ بِئْراً فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ، فَخَرَجَ فَإذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ ، يَأْكُلُ الثرى مِنَ العَطَشِ.
فَقَالَ الرَّجُلُ : لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ مِنِّي ، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقَى فَسَقَى الْكَلْبَ .
فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَإنَّ لَنَا في الْبَهَائِمِ أَجْرَاً ، فَقَالَ : في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْر)( ).
ليدل هذا الحديث بالأولوية القطعية على مداراة السجين والأسير والرفق ببني آدم مطلقاً سواء كانوا مسلمين أو أهل كتاب أو غيرهم .
الثالثة : تأكيد السنة النبوية على الرفق بالحيوان دعوة لنبذ الحروب وسفك الدماء .
ليكون أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرفق بالحيوان تنمية لملكة الرأفة ورقة القلوب ، ومن مصاديق النهي عن الفساد ، قال تعالى [وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا]( ).
ويستلزم الإمتناع عن الفساد الصبر ، وهو الذي تضمنته آية البحث .
وهل أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرفق بالحيوان من مصاديق قوله صلى الله عليه وآله وسلم (أدّبني ربّي فأحسن تأديبي)( )، الجواب نعم .
تقدير [وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ]
من مصاديق تقدير الآية وجوه :
الأول : [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] تعود الهاء في (له) للقرآن أي في كل زمان ، والمراد من الذكر في الآية هو القرآن .
وفي خطاب من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ]( ). وقال تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا]( ).
الثاني : [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] أي حافظون للقرآن في رسمه والفاظه وآياته وسوره .
الثالث : [وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] من التحريف والزيادة والنقصان إلى يوم القيامة.
الرابع : [وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] في تفسيره وتأويله ، بعصمته من التأويل الخاطئ وهذه المسألة نذكرها هنا لأول مرة بأن من إعجاز القرآن الغيري عصمته من التأويل المخالف للغايات الحميدة منه ، قال تعالى [لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ]( ).
الخامس : [وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] في عمل المسلمين بأحكامه إلى يوم القيامة.
السادس : [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] بتعاهد المسلمين له في كل زمان ، قال تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ]( ).
السابع : إنا له لحافظون فلا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ، وقد صدر الجزء الخامس والستين بعد المائتين من هذ السِفر في تفسير قوله تعالى [لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ]( ).
الثامن : [ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] من مردة شياطين الإنس والجن .
التاسع : [وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] في المصاحف وفي صدور الذين آمنوا .
العاشر : [وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] بوجوب تلاوة كل مسلم ومسلمة له سبع عشرة مرة يومياً على نحو الوجوب العيني .
الحادي عشر : [وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] في أحكامه وحدوده وفرائضه.
القرآن والعولمة
قال تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ]( ).
القرآن لغة من التلاوة ومن الجمع تقول : قرأت الشئ قرأنا أي جمعت بعضه إلى بعض .
والقرآن اصطلاحاً هو كلام الله المنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإعجاز بسورة منه ، المقرون بالتحدي ، السالم من المعارضة ، المتعبد بتلاوته لوجوب قراءة القرآن على كل مسلم ومسلمة سبع عشرة مرة في الصلاة اليومية أي التي تؤدى كل يوم ، وبحال الصحة والمرض وعلى كل حال ، قال تعالى [الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ]( ).
أما العولمة فهو اصطلاح مستحدث تترابط معه أجزاء العالم عن طريق الأقمار الصناعية ، والفضائيات ، وشبكات التواصل الإجتماعي ، والتجارة والسياسة ونحوها .
ومن خصائص الآية القرآنية أنها غضة طرية في كل زمان وملائمة لكل أحوال الفرد والمجتمع ، ومنها آية البحث وملائمة موضوعها لكل زمان.
والعولمة في المصطلح القرآني مقرونة بالإيمان والصلاح .
ومن مصاديق العولمة في القرآن النداء العام الإستغراقي (يا أيها الناس) الذي ورد في القرآن عشرين مرة ، ومنه [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ]( ).
وهل تنفي هذه الآية نظرية دارون ، الجواب نعم لأن جميع الناس الذين عمروا الأرض إنما خلقهم الله بهيئة البشر ، ومن مصاديق العولمة في القرآن [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) ومنها الأمر من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا]( ).
لبيان أن العولمة في جانب منها نعمة في تبليغ الأحكام الشرعية ، وامتحان في ثبات المؤمنين .
وآية البحث حرز في زمان العولمة من جهات :
الأول : دلالة نداء الإيمان [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] على لزوم تعاهد المسلمين لسنن الهداية والإيمان .
الثاني : قانون الصبر سلاح في زمن العولمة ، كما أنه مادة لتعلم العلوم المستحدثة ، فمن الصبر الإجتهاد في السعي والكسب .
الثالث : تحمل الأذى الذي يترشح عن العولمة .
الرابع : قانون مصاحبة المسلم لسنن التقوى في زمان العولمة حصانة.
قانون دعوة القرآن الناس للإصغاء
ابتدأت آية البحث بالنداء [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] لدعوة المسلمين للإصغاء لما في الآية من الأوامر مع العزم على الإمتثال لها ، ولبيان قانون الإمتثال من منازل الإيمان ، ومنه الصبر في طاعة الله ، والصبر بالعصمة عن المعصية ومواطن الهلكة .
ومن خصائص نداء الإيمان هذا إطلالته كل يوم على كل مسلم ، لذا لا يحصي عدد أفراده الموجهة إلى المسلمين والمسلمات إلا الله عز وجل ، خاصة وأن أعداد المسلمين في تزايد واطراد مع إتساع وانتشار في الأرض ، ويتوجه هذا النداء للمسلم في كل مسألة ابتلائية أو اختيار أو امتحان ، لذا لا يحصي أعداد هذا النداء الموجهة إلى المسلمين والمسلمات إلا الله عز وجل ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا]( ).
وبعد نداء الإيمان جاء الأمر الإلهي (اصبروا) لبيان أمور :
الأول : قانون الحاجة إلى الصبر بصيغة الإيمان .
الثاني : قانون من خصائص المسلمين التحلي بالصبر الإيماني في الرخاء والشدة وفي العبادات والمعاملات .
الثالث : قانون إتخاذ الصبر سلاحاً وواقية وحرزاً.
الرابع : يقرأ كل مسلم ومسلمة سبع عشرة مرة في اليوم قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( )، والصبر هداية ، ونوع طريق إلى مصاديق من الصراط المستقيم ، وذات الصبر صراط مستقيم .
ويتوجه النداء [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] إلى المسلمين جميعاً وفي كل زمان ، ويأتي في بداية الآية لبيان قانون نداء الإيمان مقدمة للعمل بمضامين آيات القرآن ، ومن خصائص القرآن ترغيب المسلمين والناس جميعاً بالإستماع له ، وفي هذا الإستماع أجر وثواب ، وهو مناسبة للتدبر ، وباب لنزول الرحمة لقوله تعالى [وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]( ).
بحث بلاغي
من صيغ البلاغة : الإيجاز والإطناب والمساواة
الأول : الإيجاز هو تأدية المعنى بعبارة مختصرة وناقصة ، ومنه (إنما الأعمال بالنيات) فهذا إيجاز ولكن معناه ظاهر ، وإذا لم يف الإيجاز بالغرض يسمى إخلالاً لتخلفه عن إفادة المعنى .
ومن الإيجاز مجئ كلمة واحدة تفيد الغرض وتبعث على العمل ، كما في قوله تعالى [أَقِمِ الصَّلَاةَ] وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (يا أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه ، واختصر لي اختصاراً ، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية ، فلا تتهوّكوا ولا يغرنكم المتهوّكون)( ).
الثاني : المساواة وهي اللفظ المساوي للمعنى بما يفيد إفهام السامع ، ويكون مساوياً لأوسط الناس ، فلا يلزم تسخير العقل للتدبر في كناية أو رموز ، ولم يصل إلى الإسهاب الممل .
ومن إعجاز القرآن أن نعته أرقى من اسلوب الإيجاز البلاغي فيه في آيات كثيرة منها [وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا]( )، [لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً]( )، وهذا المثلان مستحدثان في المقام .
ودأب علماء النحو والبلاغة والأصول وفي الغالب على الإستدلال بذات الأمثلة التي ذكرها العلماء السابقون ، وصحيح أنه ليس من دأب المحصلين النقاش في المثال ، ولكن استحداث الأمثلة يدل على التحصيل.
ومن خصائص الإيجاز تقليل للكلام من غير إخلال بالمعنى .
وللإيجاز في القرآن معاني إضافية ينفرد بها منها :
الأول : تعدد معاني اللفظ القرآني الواحد .
الثاني : إجتماع الحقيقة والمجاز في اللفظ القرآني الواحد .
الثالث : إفادة العطف والإستئناف في حرف الواو والفاء أحياناً .
الرابع : تجدد معاني اللفظ القرآني مع تبدل الأحوال والأزمنة ، فمن إعجاز القرآن قانون ملائمة اللفظ القرآني لكل زمان .
الخامس : قانون إيجاز القرآن حجة وشاهد على نزوله من عند الله عز وجل .
وأأتي بعلم جديد وهو أن لغة القرآن تتضمن جوامع الكلم وهي مرتبة أسمى وأرقى من الإيجاز البلاغي .
فتحصل عندنا قسيم رابع في البلاغة يختص به القرآن وهو قانون آيات القرآن من جوامع الكلم .
و(عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه عن النبي صلى الله عليه وآله قال : أعطيت خمسا لم يعطهن نبي كان قبلي أرسلت إلى الأبيض والأسود والأحمر، و جعلت لي الأرض طهورا ومسجدا ، ونصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد أو قال لنبي قبلي .
وأعطيت جوامع الكلم. قال عطاء فسألت أبا جعفر، قلت وما جوامع الكلم قال القرآن)( ).
ومن جوامع الكلم في آية البحث ورود اربعة أوامر فيها كل أمر له موضوع مستقل من جهات :
الأولى : اصبروا .
الثانية : صابروا .
الثالثة : رابطوا .
الرابعة : اتقوا الله .
وإنحلال هذا الخطاب على عدد المسلمين مجتمعين ومتفرقين ومع إتيان المسلمين لهذه الأوامر بصبغة الإيمان وقصد القربة إلى الله بدليل ابتداء آية البحث بنداء الإيمان [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] فانهم قد ينالوا معها الفلاح ، لبيان أن الدنيا دار جهاد .
والإيجاز أرفع وأسمى ضروب البلاغة حتى قيل (البلاغة الإيجاز) لما تبعثه من التفكر والبهجة في النفس إذ تفيد ألفاظ قليلة الإبانة للمعنى ، ولا تصاح عن القصد .
وقد أسست علماً جديداً في التفسير هو التفسير بالتقدير لبيان سعة معاني اللفظ القرآني ، منه قوله تعالى [وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ]( ).
الثالث : الإطناب وهو تأدية المعنى بعبارة فيها زيادة عنه مع وجود الفائدة في تلك الزيادة ، وإذا كان الإطناب خالياً من الفائدة يسمى تطويلاً ، وإذا تعيينت الزيادة ضمن الكلام سمي حشواً .
ومن خصائص الإطناب في القرآن ، تعدد معاني اللفظ القرآني ، ونهل الناس منه في كل زمان من غير أن ينقص منه شيئاً ، ومنه قوله تعالى [قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا]( ) كناية عن كبر السن ، والحاجة إلى الولد يعينه على أمور دينه والتبليغ وأمور الدنيا .
بحث أصولي (لا) بين النهي والنفي
لقد بعث الله عز وجل الأنبياء مبشرين ومنذرين وجاءوا بالأوامر والنواهي ، والتي يتضمن القرآن الذي جعله الله [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
(النواهي : جمع ناهية كالسواري جمع سارية والغوادي جمع غادية يعني الآيات الناهية لهم عن المعاصي و يضعف أن يكون الأوامر و النواهي جمع أمر و نهي لأن فعلا لا يجمع على أفاعل و فواعل و إن كان قال ذلك بعض الشواذ من أهل الأدب)( ).
والنُهى جمع نهية ، قال تعالى [إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى]( )، أي أولي العقول لأن العقل ينهى عن المعاصي ويرد بمعنى العقل لأنه ينهى عن فعل .
والنهي طلب الكف على وجه الإستعلاء من العالي إلى الأدنى بصيغة الفعل المضارع المقرون بلا الناهية .
النُهى مصدر مذكر لا يؤنث ، ولا جمع له .
والمنهيات الشرعية هي الأمور التي نهى الشارع عن إتيانها ومنها شرب الخمر والسرقة والزنا والربا .
وهناك فرق بين (لا) الناهية ، و(لا) النافية ، يظهر من سياق ومعنى الجملة ، فاذا كان معنى الجملة طلب الكف عن فعل ، فتفيد النهي مثل قوله تعالى [وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ]( ) .
ومن (لا) النافية قوله تعالى [اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ] [ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ]( ).
وايهما أكثر وروداً في القرآن (لا) الناهية أم (لا) النافية ، وقد وردت (لا) الناهية في القرآن نحو (390) مرة ، منها في سورة آل عمران :
الأولى : [فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ]( ).
الثانية : [وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا]( ).
الثالثة : [وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ]( ).
الرابعة : [وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ]( ).
الخامسة : [وَلَا تَفَرَّقُوا]( ).
السادسة : [وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ]( ).
السابعة : [لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ]( ).
الثامنة : [لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً]( ).
التاسعة : [وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ]( ).
العاشرة : [لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا]( ).
الحادية عشرة : [وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا]( ).
الثانية عشرة : [فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ]( ).
الثالثة عشرة : [وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ]( ).
الرابعة عشرة : [وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ]( ).
الخامسة عشرة : [وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ]( ).
السادسة عشرة : [وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ]( ).
السابعة عشرة : [لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ]( ).
الثامنة عشرة : [لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ]( ).
نعم الأولى إحصاء عدد (لا) الناهية ، و(لا) النافية في القرآن ، مع إحصاء آيات الدعاء ، والدعاء موضوع مستقل ليس من الأمر أو النهي.
و(لا) النافية غير عاملة تدخل على الفعل الماضي مثل [فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى]( )، وعلى المضارع مثل [لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا]( ).
ومادة النهي هي (ن،هـ،ي) وصيغته المشهورة (لا تفعل) وهي عبارة عن طلب العالي على نحو الإستعلاء من الداني ترك الفعل .
أما صيغة النهي فهي متعددة مثل (لاتفعل) أو (إياك أن تفعل).
والنهي لغة المنع وهو ضد الأمر ، أما في الإصطلاح فهو طلب الكف عن فعل على جهة الإلزام على وجه الإستعلاء فخرج الأمر لأنه طلب فعل وهو ضد الكف ، وخرج بتوجه النهي من الأعلى إلى الأدنى ، النهي من الأدنى إلى الأعلى ، ويسمى سؤالاً .
النهي بصيغة الخبر
قد يرد الأمر والنهي بصيغة الخبر ، والأمر بصيغة الخبر مثل [كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ]( ).
والنهي بصيغة الخبر مثل [إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ]( ).
ثم جاءت آية أخرى بصيغة (لا) الناهية في ذات الموضوع [وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ]( ).
وأذكر مسألة مستحدثة هنا وهي هل يمكن مجئ (لا) في القرآن بمعنى النهي والنفي معاً ، الجواب نعم ، ومنه قوله تعالى [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُوْلِي الأَلْبَابِ]( ).
وأن الآية تحرم الرفث والفسوق والجدال في الحج ، كما أنها تنفيه بفضل من الله بأن يصلح المسلمين للتنزه عن هذه الخصال في الحج.
وتقسيم (لا) إلى ناهية وأخرى نافية تقسيم استقرائي ، من العلماء متأخر زماناً عن نزول القرآن .
ومن خصائص آية البحث تضمنها أربعة أوامر ، وخلوها من النهي أو النفي ، وهل فيه أمارة على أن الأوامر في القرآن أكثر من النواهي .
قوانين الجزء 273
وفيه القوانين التالية :
الأول : قانون موضوعية العبادة في تعيين أسماء الأيام والشهور والوقائع .
الثاني : قانون قدسية الكتب السماوية المنزلة .
الثالث : قانون حفظ القرآن لمضامين الكتب السابقة.
الرابع : قانون وجوب الإيمان بالله والتنزيل المتقدم والمتأخر من الكتب السماوية والخشوع لله عز وجل وعدم التفريط بالآيات .
الخامس : قانون الخشوع لله .
السادس : قانون مصاحبة العبودية والخشوع لكل مخلوق لله عز وجل .
السابع : قانون الملازمة بين الإيمان والخشوع والإخبات لله عز وجل .
الثامن : قانون الصبر من الإيمان .
التاسع : قانون الصبر حاجة للمؤمنين مجتمعين ومتفرقين .
العاشر : قانون الصبر طريق النصر .
الحادي عشر : قانون الصبر في مرضاة الله خشوع له تعالى.
الثاني عشر : قانون الخشوع واقية من الشيطان ، فهو لا يقرب الخاشعين لامتلاء قلوبهم بذكر الله ، ورجاء فضله .
الثالث عشر: قانون الإسلام دين الإيمان .
الرابع عشر : قانون النطق بالشهادتين حرز في النشأتين .
الخامس عشر : قانون كل حادث له مُحدث .
السادس عشر : قانون تعقب الثواب للمدح القرآني .
السابع عشر : قانون الدنيا مزرعة يومية للآخرة .
الثامن عشر : قانون ترتب الثواب على المدح وأسبابه ، فاذا جاء المدح في القرآن لطائفة أو أهل ملة أو على نوع عمل صالح ، فأعلم أن الثواب والجزاء الحسن من عند الله .
التاسع عشر : قانون الثناء في القرآن تزكية .
العشرون : قانون الإجتهاد في الشكر لله عز وجل خير محض .
الواحد والعشرون : قانون الإيمان إعتقاد وقول وفعل لا يقبل التفكيك .
الثاني والعشرون : قانون إكرام الله عز وجل للمسلمين .
الثالث والعشرون : قانون اتحاد صبغة الإيمان بين المسلمين .
الرابع والعشرون : قانون حضور القرآن بين ظهراني المسلمين .
الخامس والعشرون : قانون الدنيا دار الإيمان وتتزين بندائه النازل من عند الله عز وجل .
السادس والعشرون : قانون ترشح عمل المؤمن عن التقوى .
السابع والعشرون : قانون التقوى حرز وأمن في النشأتين .
الثامن والعشرون : قانون التقوى فقاهة وسمو ورفعة .
التاسع والعشرون : قانون التقوى حاجة للفرد والجماعة والأمة .
الثلاثون : قانون مصاحبة التقوى للمؤمن في العبادات والمعاملات .
الواحد والثلاثون : قانون التقوى فوز وفلاح ، فلذا اختتمت آية البحث بقوله تعالى [إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ]( ).
الثاني والثلاثون : قانون الفوز بالجنة فلاح .
الثالث والثلاثون : قانون الفلاح مقدمة لدخول الجنة .
الرابع والثلاثون : قانون الفلاح طريق مباركة إلى الجنة .
الخامس والثلاثون : قانون دخول الجنة تمام الفلاح .
السادس والثلاثون : قانون الملازمة بين التقوى ودخول الجنة لذا جاءت آية البحث بأفراد مباركة من التقوى .
السابع والثلاثون : قانون آية (صابروا) طريق إلى الجنة.
الثامن والثلاثون : قانون الجنة دار الكرامة الأبدية .
التاسع والثلاثون : قانون الجنة دار النعيم الممتنع عن الزوال .
الأربعون : قانون عصمة أهل الجنة من الموت أو الفناء .
الواحد والأربعون : قانون الآية القرآنية مصداق للفوز برضوان الله .
الثاني والأربعون : قانون هداية الله المسلمين لسبل السعي إلى الجنة .
الثالث والأربعون : قانون قرب الجنة من المؤمنين الذين يصبرون ويصابرون ويرابطون في طاعة الله .
الرابع والأربعون : قانون تقوى الله طريق الفلاح والسؤدد.
الخامس والأربعون : من خصائص القرآن قانون البيان الإعجازي .
السادس والأربعون : قانون موضوعية الحرف القرآني الواحد في بيان الموضوع ووجوه الإلتقاء والإختلاف في معاني كلمات وآيات القرآن .
السابع والأربعون : قانون إستدامة النعيم الأخروي على نحو التأبيد .
الثامن والأربعون : قانون القرآن خزينة أدعية الأنبياء .
التاسع والأربعون : قانون المسلمون ورثة الأنبياء في أدعيتهم .
الخمسون : قانون الأدعية أعظم تركة وإرث .
الواحد والخمسون : قانون حفظ الله لمواثيق الأنبياء .
الثاني والخمسون : قانون ثناء الله على المتقين من الأمم السالفة .
الثالث والخمسون : قانون التقوى سور الموجبة الكلية لعالم القول والعمل .
الرابع والخمسون : قانون متاع ونعم المؤمنين في الآخرة بالخلود في الجنات .
الخامس والخمسون : قانون الدنيا مزرعة الآخرة .
السادس والخمسون : قانون التقوى في الدنيا ثروة ، وهي ضد المتاع القليل الذي ذكرته الآية التي قبل آية السياق .
السابع والخمسون : قانون الأحكام الشرعية بسيطة وواضحة .
الثامن والخمسون : قانون مخاطبة القرآن للناس على مختلف مداركهم .
التاسع والخمسون : قانون المسلمون من أولي الألباب .
الستون : قانون المرابطة في الصلاة والصيام والتكاليف العبادية .
الواحد والستون : قانون نداء الإيمان تشريف وإكرام .
الثاني والستون : قانون نداء الإيمان عهد وولاء .
الثالث والستون : قانون مصاحبة النصر للإيمان ، لقوله تعالى [إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ]( ).
الرابع والستون : قانون استدامة الإيمان في الأرض .
الخامس والستون : قانون المدد والعون والتمكين من الله للمؤمنين ، قال تعالى [وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ]( ).
السادس والستون : قانون التقوى سور مبارك للأعمال .
السابع والستون : قانون التقوى واقية من الغفلة والخسارة .
الثامن والستون : قانون التقوى طريق الفلاح في الدارين .
التاسع والستون : قانون الصبر سور وحاجة للأعمال العبادية وفي المعاملات .
السبعون : قانون الصبر سلاح لمواجهة الشدائد والمحن .
الواحد والسبعون : قانون حاجة المسلمين مجتمعين ومتفرقين إلى الصبر لإستدامة الإيمان ، لذا ابتدأت آية البحث بنداء الإكرام .
الثاني والسبعون : قانون الإسلام دين عقيدة وعمل .
الثالث السبعون : قانون تعقب الأوامر والنواهي للنطق بالشهادتين .
الرابع والسبعون : قانون من الإرادة التكوينية ، وهو وجود أمة مؤمنة في كل زمان وإلى يوم القيامة .
الخامس والسبعون : قانون الإيمان من الفطرة ، وهو من أسرار نفخ الله من روحه في آدم .
السادس والسبعون : قانون اللطف الإلهي بتقريب الناس للإيمان بالآيات والبراهين والبلاء والإبتلاء .
السابع والسبعون : قانون الصبر طريق إلى الفلاح لذا اختتمت آية البحث بقوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
الثامن والسبعون : قانون الصبر شعبة من الإيمان ، وسبيل نجاة في الآخرة يوم يدخل الملائكة على أهل الجنة من كل باب.
التاسع والسبعون : قانون نتيجة الإيمان والصبر والصلاح هي الفلاح .
الثمانون : قانون توالي تلاوة آيات القرآن باعث على العمل بآياته .
الواحد والثمانون : قانون استحضار مضامين آيات القرآن في الوجود الذهني عند القول أو الفعل .
الثاني والثمانون : قانون آيات القرآن حرز في حال مداهمة البلاء والفتن .
الثالث والثمانون : قانون بالصبر تنال الرغائب ، وتكون النجاة من الفواجع .
الرابع والثمانون : قانون اللطف الخاص .
الخامس والثمانون : قانون عدم الإنفكاك بين الإيمان والصبر .
السادس والثمانون : قانون إكرام الله للمسلمين .
السابع والثمانون : قانون الصبر ضرورة وحاجة .
الثامن والثمانون : قانون ملازمة التقوى للإيمان ، وعدم تخلف المسلمين عن سبل التقوى والصلاح .
التاسع والثمانون : قانون الصبر من منازل الإيمان فلاح .
التسعون : قانون مصابرة المؤمن للمشركين فلاح .
الواحد والتسعون : قانون مرابطة المؤمن فلاح .
الثاني والتسعون : قانون تقوى الله فلاح .
الثالث والتسعون : قانون العمرة جهاد في سبيل الله .
الرابع والتسعون : قانون مجئ النصر مع الصبر .
الخامس والتسعون : قانون تعدد مصاديق الثواب على الفعل العبادي والعمل الصالح المتحد .
السادس والتسعون : قانون الإمتثال الحال ، فحالما تنزل الآية القرآنية يتحقق الإمتثال لما فيها من الأوامر والنواهي من قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة وأهل البيت .
السابع والتسعون : قانون الأسوة النبوية ، قال تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ]( ).
الثامن والتسعون : قانون التقوى والصبر إحسان للنفس والغير لقوله تعالى [إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ]( ).
التاسع والتسعون : قانون ترتب الأوامر والنواهي على المدح والثناء .
المائة : قانون نداء الإيمان هداية وصلاح .
الواحد بعد المائة : قانون الحاجة للأوامر الإلهية الواردة في القرآن .
الثاني بعد المائة : قانون الإمتثال للأوامر الإلهية في القرآن واجب.
الثالث بعد المائة : قانون الأوامر الإلهية في القرآن عهد من عند الله للمسلمين
الرابع بعد المائة : قانون الإيمان صراط مستقيم ، وطريق إلى الفلاح في النشاتين .
الخامس بعد المائة : قانون نداء الإيمان غنى وسكينة وواقية .
السادس بعد المائة : قانون آيات القرآن هدى وسلامة من الضلالة.
السابع بعد المائة : قانون سلامة القرآن من التحريف في أحكامه.
الثامن بعد المائة : قانون عمل المسلمين بمضامين آيات القرآن كل يوم حتى تقوم الساعة .
التاسع بعد المائة : قانون الإطلاق في الإمتثال للأوامر والنواهي التي في القرآن .
العاشر بعد المائة : قانون الإمتناع عن المنكر أمر وجودي.
الحادي عشر بعد المائة : قانون نداء الإيمان حرز من الشك والريب .
الثاني عشر بعد المائة : قانون نداء الإيمان زاجر عن الإفتتان بالدنيا وزينتها .
الثالث عشر بعد المائة : قانون شهادة الله عز وجل للمسلمين بالإيمان حرز وأمن ، وفيها الأجر والثواب.
الرابع عشر بعد المائة : قانون نداء الإيمان عهد بين الله عز وجل والمسلمين .
الخامس عشر بعد المائة : قانون نداء الإيمان شاهد على خلافة المسلمين في الأرض .
السادس عشر بعد المائة : قانون نداء الإيمان طريق الإستقامة ، قال تعالى [فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ]( ).
السابع عشر بعد المائة : قانون الملازمة بين الإيمان والأمن ، لأن المؤمنين لا يعتدون .
الثامن عشر بعد المائة : قانون الملازمة بين الإيمان والسلم ، وعدم الإنفكاك بينهما .
التاسع عشر بعد المائة : قانون الصبر حاجة للمسلمين في أمور الدين والدنيا .
العشرون بعد المائة : قانون نيل الفلاح بطاعة الله والإمتثال لأوامره ، ومنها الأوامر الأربعة التي وردت في آية البحث .
الواحد والعشرون بعد المائة : قانون نداء الإيمان إنذار للكافرين .
الثاني والعشرون بعد المائة : قانون نداء الإيمان تعريض بالكافرين .
الثالث والعشرون بعد المائة : قانون ترتب الثواب على عمل المؤمنين الصالحات .
الرابع والعشرون بعد المائة : قانون لحوق الإثم بالكافرين .
الخامس والعشرون بعد المائة : قانون التضاد بين الإيمان والكفر .
السادس والعشرون بعد المائة : قانون الإيمان واقية من الظلم للذات والغير .
السابع والعشرون بعد المائة : قانون نداء الإيمان سور جامع لأجيال المسلمين .
الثامن والعشرون بعد المائة : قانون ترشح العمل العبادي عن الإيمان .
التاسع والعشرون بعد المائة : قانون نداء الإيمان واقية من عند الله ، وترغيب بالعمل بالأوامر الواردة في آية البحث .
الثلاثون بعد المائة : قانون الشكر على نداء الإيمان .
الواحد والثلاثون بعد المائة : قانون تلقي النبي الأذى في أداء الرسالة .
الثاني والثلاثون بعد المائة : قانون استدامة قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتبليغ مع شدة الأذى .
الثالث والثلاثون بعد المائة : قانون الأذى الشديد من الكفار ليس برزخاً دون دخول الناس الإسلام .
الرابع والثلاثون بعد المائة : قانون الأجر العظيم على الهجرة .
الخامس والثلاثون بعد المائة : قانون الملازمة بين الصبر والنجاح .
السادس والثلاثون بعد المائة : قانون الصبر مناسبة لأداء الفرائض العبادية .
السابع والثلاثون بعد المائة : قانون الصبر سلاح لسلامة الدين وحسن العاقبة.
الثامن والثلاثون بعد المائة : قانون الصبر طريق النصر .
التاسع والثلاثون بعد المائة : قانون الصبر حاجة للمسلمين .
الأربعون بعد المائة : قانون نداء الإيمان باعث على الفقاهة في الدين ، ومعرفة أحكام الحلال والحرام .
الواحد والأربعون بعد المائة : قانون الصبر ركن من أركان الإيمان .
الثاني والأربعون بعد المائة : قانون الصبر واقية من الوهن والقنوط واليأس .
الثالث والأربعون بعد المائة : قانون اصبروا تؤجروا .
الرابع والأربعون بعد المائة : قانون الصبر طريق النصر والظفر .
الخامس والأربعون بعد المائة : قانون من الإرادة التكوينية وهو دخول الصابرين الجنة ، وتلقيهم السلام والتحية من الملائكة .
السادس والأربعون بعد المائة : قانون حاجة المؤمن إلى الصبر .
السابع والأربعون بعد المائة : قانون ملازمة الصبر للإيمان .
الثامن والأربعون بعد المائة : قانون الملازمة بين الإيمان والتحلي بالصبر.
التاسع والأربعون بعد المائة : قانون مقاليد الأمور بيد الله عز وجل وحده ، وهو الذي يصرف البلاء .
الخمسون بعد المائة : قانون الصبر شكر .
الواحد والخمسون بعد المائة : قانون الإمتثال العام .
الثاني والخمسون بعد المائة : قانون الصبر في طاعة الله نجاة .
الثالث والخمسون بعد المائة : قانون المصابرة التي يتحلى بها المسلمون .
الرابع والخمسون بعد المائة : قانون الذي يحارب النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يلحقه الخزي في الدنيا والآخرة .
الخامس والخمسون بعد المائة : قانون جهاد الأهواء .
السادس والخمسون بعد المائة : قانون ملازمة الصلاة في أوقاتها ، وصيام شهر رمضان ، وإخراج الزكاة والخمس ، وأداء الحج ، وعدم التسويف في العبادات ، مع أهمية واو العطف في المرابطة في الثغور .
السابع والخمسون بعد المائة : قانون المرابطة في الثغور حرز ومقدمة لأداء الفرائض العبادية .
الثامن والخمسون بعد المائة : قانون الأوامر القرآنية حاجة للمسلمين والناس .
التاسع والخمسون بعد المائة : قانون المرابطة سبب لإنزجار المشركين عن غزو المدينة .
الستون بعد المائة : قانون الأمر بالمرابطة برزخ دون غدر وغيلة المشركين.
الواحد والستون بعد المائة : قانون المرابطة وسيلة للأمن والسكينة .
الثاني والستون بعد المائة : قانون المرابطة مصابرة .
الثالث والستون بعد المائة : قانون المرابطة من مصاديق التقوى .
الرابع والستون بعد المائة : قانون المرابطة حق على المؤمنين .
الخامس والستون بعد المائة : قانون المرابطة واجب كفائي .
السادس والخمسون بعد المائة : قانون المرابطة واقية وحرز .
السابع والستون بعد المائة : قانون النهي عن الجدال في المرابطة .
الثامن والستون بعد المائة : قانون المرابطة حق وواجب.
التاسع والستون بعد المائة : قانون وثيقة المدينة برزخ دون الخصومات والفتن داخل المدينة المنورة .
السبعون بعد المائة : قانون حاجة المرابطين في الثغور إلى الصبر ، أما الصبر في اليوم والليلة فلا يحتاج المرابطة .
الواحد والسبعون بعد المائة : قانون المرابطة واقية من الخسارة العامة .
الثاني والسبعون بعد المائة : قانون المرابطة مانع من الإقتتال .
الثالث والسبعون بعد المائة : قانون تعاهد المرابطين لسنن التقوى .
الرابع والسبعون بعد المائة : قانون مصاحبة التقوى للمسلمين في أعمالهم .
الخامس والسبعون بعد المائة : قانون تجدد موضوع الآية القرآنية كل يوم.
السادس والسبعون بعد المائة : قانون ترشح العز عن التحلي بتقوى الله.
السابع والسبعون بعد المائة : قانون مصاديق العز الإيماني طريق الفلاح .
الثامن والسبعون بعد المائة : قانون فضل الله عز وجل على المسلمين على نحو الخصوص .
التاسع والسبعون بعد المائة : قانون بعث الخوف والملل في قلوب المشركين .
الثمانون بعد المائة : قانون الإعانة على المأمور .
الواحد والثمانون بعد المائة : قانون الإعانة على المنهي عنه .
الثاني والثمانون بعد المائة : قانون دعاء النبي (ص) تعضيد للمؤمنين .
الثالث والثمانون بعد المائة : قانون الملازمة بين النبوة والدعاء .
الرابع والثمانون بعد المائة : قانون حضور الآية القرآنية في الواقع اليومي للمسلمين .
الخامس والثمانون بعد المائة : قانون الآية القرآنية تأديب وإصلاح .
السادس والثمانون بعد المائة : قانون نفاذ أحكام الآية القرآنية إلى شغاف القلوب طوعاً وقهراً وانطباقاً .
السابع والثمانون بعد المائة : قانون الآية القرآنية سبب للألفة والتآلف .
الثامن والثمانون بعد المائة : قانون تأديب وصلاح المسلمين بالقرآن طريقاً إلى فوزهم بالنعيم الأخروي .
التاسع والثمانون بعد المائة : قانون أداء الصلاة مرابطة .
التسعون بعد المائة : قانون الصبر في طاعة الله واجب .
الواحد والتسعون بعد المائة : قانون الصبر بقصد القربة وسيلة للفوز بأحسن الجزاء وأعلى المنازل في جنات النعيم.
الثاني والتسعون بعد المائة : قانون الزهد بزينة الدنيا .
الثالث والتسعون بعد المائة : قانون تقديم الأهم على المهم ، فلابد من إعطاء الأولوية لتعظيم شعائر الله.
الرابع والتسعون بعد المائة : قانون تمام الفلاح بالإقامة في النعيم الأخروي .
الخامس والتسعون بعد المائة : قانون الإحتراز بالمرابطة المقرونة بالتقوى.
السادس والتسعون بعد المائة : قانون إنجذاب القلوب للإيمان .
السابع والتسعون بعد المائة : قانون تعضيد الآية القرآنية بالدعاء .
الثامن والتسعون بعد المائة : قانون دخول رهط من الناس في الإسلام مع كل معركة من معارك الإسلام الأولى .
التاسع والتسعون بعد المائة : قانون المرابطة درع .
المائتان : قانون الكفر معاداة للأيام ، قال تعالى [وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ]( ).
الواحد بعد المائتان : قانون تعضيد المعجزات الحسية لآيات القرآن .
الثاني بعد المائتان : قانون الصلح فتح .
الثالث بعد المائتين : قانون بقاء موضوع وحكم الآية القرآنية ما كرّ الجديدان.
الرابع بعد المائتين : قانون الدعاء لبسط السلم والأمن ولصرف القتال عن المسلمين .
الخامس بعد المائتين : قانون الآية القرآنية آلة سماوية للإصلاح ، وكل كلمة في آية البحث مدرسة وتعليم في أمور الدين والدنيا.
السادس بعد المائتين : قانون تعدد معاني الكلمة القرآنية الواحدة.
السابع بعد المائتين : قانون الملازمة بين الإيمان وتقوى الله ، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ]( ).
الثامن بعد المائتين : قانون ملازمة صبغة التقوى لكل عمل يقوم به المسلم .
التاسع بعد المائتين : قانون التقوى من مصاديق قصد القربة .
العاشر بعد المائتين : قانون وجود أمة من المتقين في كل زمان إلى يوم ينفخ في الصور .
الحادي عشر بعد المائتين : قانون العمل بأحكام القرآن في كل جيل .
الثاني عشر بعد المائتين : قانون تقوى الله عون ومدد للإمتثال للأوامر الإلهية .
الثالث عشر بعد المائتين : قانون بالتقوى تمام الأداء وحسن الإمتثال .
الرابع عشر بعد المائتين : قانون الملازمة بين الإيمان وتقوى الله .
الخامس عشر بعد المائتين : قانون الملازمة بين الصبر والتقوى .
السادس عشر بعد المائتين : قانون الصبر في أداء العبادات .
السابع عشر بعد المائتين : قانون الصبر في إجتناب السيئات.
الثامن عشر بعد المائتين : قانون ملازمة تقوى الله للمسلم .
التاسع عشر بعد المائتين : قانون إحضار الخشية من الله في العبادات والمعاملات والحياة الأسرية .
العشرون بعد المائتين : قانون السلام في المدينة .
الواحد والعشرون بعد المائتين : قانون دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المتصلة للسلام .
الثاني والعشرون بعد المائتين : قانون سعي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لنشر الأمن والأمان من حصوله.
الثالث والعشرون بعد المائتين : قانون عام وهو تحمل الجاني وزر جنايته ، ولا يتحملها عنه أقرب الناس له وهو الابن للنهي عن الثأر.
الرابع والعشرون بعد المائتين : قانون اقتران الصيام الواجب بشهر رمضان.
الخامس والعشرون بعد المائتين : قانون ثواب الصبر الجنة .
السادس والعشرون بعد المائتين : قانون التخفيف عن الذات .
السابع والعشرون بعد المائتين : قانون اقتناء المباح باذن الله وفضله .
الثامن والعشرون بعد المائتين : قانون الدنيا طريق الفلاح .
التاسع والعشرون بعد المائتين : قانون تأكيد السنة النبوية على الرفق بالحيوان على نبذ الحروب وسفك الدماء .
الثلاثون بعد المائتين : قانون حرمة الفساد العام والخاص .
الواحد والثلاثون بعد المائتين : قانون تقوى الله حتى في البهائم .
الثاني والثلاثون بعد المائتين : قانون الصبر سلاح في زمن العولمة ، كما أنه مادة لتعلم العلوم المستحدثة ، فمن الصبر الإجتهاد في السعي والكسب .
الثالث والثلاثون بعد المائة : قانون مصاحبة المسلم لسنن التقوى في زمان العولمة حصانة.
الرابع والثلاثون بعد المائتين : قانون دعوة القرآن الناس للإصغاء .
الخامس والثلاثون بعد المائتين : قانون الإمتثال من منازل الإيمان .
السادس والثلاثون بعد المائتين : قانون الحاجة إلى الصبر بصيغة الإيمان .
السابع والثلاثون بعد المائتين : قانون من خصائص المسلمين التحلي بالصبر الإيماني في الرخاء والشدة وفي العبادات والمعاملات .
الثامن والثلاثون بعد المائتين : قانون إتخاذ الصبر سلاحاً وواقية وحرزاً.
التاسع والثلاثون بعد المائتين : قانون نداء الإيمان مقدمة للعمل بمضامين آيات القرآن .
الأربعون بعد المائتين : قانون ملائمة اللفظ القرآني لكل زمان .
الواحد والأربعون بعد المائتين : قانون إيجاز القرآن حجة وشاهد على نزوله من عند الله عز وجل .
الثاني والأربعون بعد المائتين : قانون آيات القرآن من جوامع الكلم .
الثالث والأربعون بعد المائتين : من إعجاز الآية القرآنية قانون تعدد وجوه معانيها وتجدد مصاديقها كل يوم .

كلمة العلامة الجليل والبحر الزاخر السيد عبد الستار الحسني البغدادي
بخصوص الجزء السبعين من معالم الإيمان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
صاحب السماحة شيخنا وملاذنا آية الله العظمى، المرجع الديني الكبير، القاموس المحيط لعلوم الفقه والأصول والتفسير الشيخ(الصالح) الطائي، لازال سرادق فضائله وفواضله مضروب الأطناب يفيئ إلى ظلاله القريب والنائي.
سلام الله الأسنى وتحياته الزاكية الحسنى عليكم ورحمته وبركاته.
ثم أما بعد: فقد تلقيت بيد الشكر والإمتنان هديتكم الغالية المترعة بالأعلاق النفيسة الزاهرة والجواهر الثمينة الباهرة المتمثلة بالجزء ( السبعين ) من تفسيركم المبارك الميمون , ولعمري، وماعمري علي بهيّن، لقد وقفت منه على بحر متلاطم ألامواج، مترامي الاثباج( )، متواصل المد، لايحيط به (رسم) ولا(حد) فهو بحق صفوة التفاسير والمربي عليها بالامتياز في زيادة التنقيب والنقير( )، والإستجلاء للنكات العلمية المودعة في كلام (العليم الخبير).
لقد فتح المولى تباركت آلاؤه به عليكم فتوح العارفين وأمدكم بالقوة والتمكين، بما أودعتموه من المطالب الراقية الفائقة، والمقاصد الدقيقة الرائقة، فكم حوى من بحوث علمية وافية وإحتجن من دراسات معرفية صافية:
يَقُوْلُ مَنْ تَقْرَعُ أَسْماعَهُ كَمْ تَرَكَ اَْلأَوَّلُ لِْلآِخِر
وما أحراك أن تنقض قول علامة المعتزلة إذ قال مغتراً بما أودعه في (كشافه) من بعض النكات البلاغية مع ما في بعضها من الكلام وعدم التسليم( ).
إِنَ التفّاِسْيرَ في الدّنيا بِلا عَدَدٍ … وليس فِيها لَعَمْرِيْ مْثلُ (كَشّافي)
فتقول:
إِنَ التفّاِسْيرَ في الدّنيـا بِلا عَدَدٍ … وليس فِيها لَعَمْرِيْ مْثلُ (تَفْسْيرِي)
حوى نفائس أبحـــاث علت صَعَداً…عن أن تحاط بتشـبيه وتنظير
وان هذا التفسير (الفذ) لحقيق أن تكتب عنه الدراسات، ويسعى إلى خدمته أصحاب الكفايات( )، وطالبوا (الشهادات) فيما يصطلح عليه في عصرنا بـ(الدكتوراه) و(الماجستير) فهو معين لا ينضب، ومنهل (عذب فرات) لا تأسن موارده ولا تكدّر شرائعه.
أكرر شكري وإمتناني لسماحة آية الله العظمى الفقيه والمفسر والمرجع الكبير في جميع هذه المعاني راجياً أن يسعني حلمه لقصوري وتقصيري عن إيفاء (فصل القول) حقه وعذري في ذلك إنحراف الصحة وعوائق الأيام ومراجعة بعض ما تحت يدي من بحوث لبعض الأخوة ممن يحسن الظن بي ويستسمن فيّ ذا ورم، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
وكَتَبَ العبدُ الآبق عبدالستار الحسني
النجف الأشرف شهر ربيع المولد/1431هــ

تقريظ تفضل به العلامة المحقق السيد رضا الحكيم “حفظه الله”
معالم الإيمان موسوعة نادرة
معالم الإيمان سر مكنون يروي عظمة القرآن الحكيم ، بعض أجزائه تشع بأنوار التوحيد ، باضواء التسامح والتعايش السلمي .
الإسلام هو دين السلام ، الأجزاء الأخرى تتميز بالتجديد والإبتكار ، لغته تتصف بالمتانة والصفاء ، لا تجد فيها زخارف ولا تزاويق ، خاص في بحار كلمات الوحي الإلهي.
اخرج للأجيال لآلئ جديدة ، معاني غابت عن كثير من المفسرين عن العديد من كتّاب الموسوعات التأريخية .
موسوعة (معالم الإيمان) تجاوزت المائتين والخمسة والستين مجلداً ، كل جزء فيها تجد لوحات نادرة عن الحياة الإجتماعية ، الحياة الجارية في عهد الرسالة ، في العصور بعد عهد الرسالة ، تجد أيضاً خلجان من الأدب الابداعي ، تجد حقول الفلسفة الإسلامية مزدهرة تفوح بعطر الكندي وابن سينا وابن رشد .
في موسوعة معالم الإيمان دراسة معمقة في الآدب النثري ، في الأدب الشعري ، قراءة في مجموعة العلاقات القبيلة والعشائرية ، تركيبها في الجزيرة العربية قبل وبعد الإسلام .
الشيخ صالح الطائي مرجع ديني ، غمامة تهطل بثقافة الإسلام ، واحة خضراء يستراح عندها عشاق التوحيد ، رؤاه تفجرت بفتوحات العقل الإسلامي ، اكتشافاته اللغوية الجديدة .
منعطف للعقول والإفئدة ، تتألق مثل تألق الكواكب والنجوم ، أبعد عن عيوننا خريف التأريخ المضطرب ، في يده اليمنى قلم يزيح عنا ظلمة الخرافات والأباطيل ، في يده اليسرى عصا حطم بها اصنام الماضي والحاضر ، رؤاه المسيجة بالياسمين اضحت تؤكد ان الإسلام دين السلام ، دين الكتاب وحوار الثقافات .
تفسيره (معالم الإيمان) دخل القلوب ، دخل الجامعات الحضارية ، زرع البيوت بالسنديان ، ملأ غرفنا بالأضواء البنفسجية ، ستبقى موسوعة (معالم الإيمان) مدرسة لنا ، كلية لأبنائنا ، مآذن لأحفادنا.
سيبقى الشيخ صالح الطائي يتألق حتى قيام الساعة .

السيد رضا موسى الحكيم
25-3-2025

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn