تخطّي إلى المحتوى

الزهراء سيدة النساء – الجزء الثاني

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الواحد الأحد، الذي أحدث الأشياء من العدم من غير حاجة لها، لتكون كل فرد منها آية واضحة على ربوبيته، واظهر عليها سلطانه وقدرته، وجعل النفس الانسانية حجة على ذاتها في معرفته والاقرار بوحدانيته، لذا ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من عرف نفسه فقد عرف ربه)، وتفضل سبحانه بأنوار الهداية الخمسة أهل الكساء لتجتمع عندهم الفضائل، والاعتقادات اليقينية السليمة، والعصمة، والطهارة.
فكانت الزهراء عليها السلام نعمة دائمة على المسلمين لما لمودتها من الأجر والثواب، ولأنها آية الانسانية الكاملة التي تتجلى فيها أسمى معاني العفة والطهارة والصلاح، وتتحقق بشخصها الكريم التخلية عن الرذائل، فهي الأسوة لأهل الإيمان ذكوراً وإناثاً، والنبراس الذي يهتدي بضيائه أهل المحبة، وبسيرتها المباركة ينجذب الناس الى عالم الجلال والكمال.
وحب الزهراء عليها السلام والاقتداء بها من أهم الثوابت التي أجمع عليها المسلمون، فهي العمود النوري المتفرع عن النبوة، وشخص الزهراء تكويناً ونسباً وسيرة واقية رسالية للتصدي للشرور العرضية للعولمة، وسلاح ضد المفاسد والرذائل الاخلاقية.
ومع ان العرب يتجنبون ذكر النساء في مجالسهم، فأن الأئمة عليهم السلام افتخروا بالزهراء عليها السلام والانتساب بها، وذكرها الصحابة والتابعون والمسلمون عامة باعتزاز في المناسبات والاحوال المختلفة لما تتصف به من الكمالات الانسانية وتفتخر المسلمات جميعاً بما لها من الشأن العظيم.
وفي افاضات سيرة الزهراء عليها السلام وعظيم منزلتها عند المسلمين مدرسة تؤكد اكرام الاسلام للمرأة وحفظ الشريعة لحقوقها، وفيها رد على أولئك الذين يحاولون النيل من الاسلام بخصوص التعامل مع المرأة.
وستبقى الزهراء عليها السلام عنوان الوحدة الاسلامية ومنار العز والإباء والصبر في جنب الله، وهذا الجزء يتناول بعض الدراسات عنها، مع شطر من خطبتها الشريفة وشرحه بتفصيل واستدلال، وفيه عبرة وموعظة وجملة من المعارف الإلهية ودروس للمسلمين واشراقات ملكوتية من سيرة الزهراء عليها السلام ستبقى تركة مباركة من بيت النبوة لكل المسلمات [مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ].

      النجف الأشرف

السادس من ذي القعدة 1418

الإسم المبارك
الإسم لفظ يوضع للدلالة على جوهر او عرض، موضوع او محمول ليكون عنواناً يرمز اليه وبياناً للتمييز والفصل بينه وبين غيره، وآلة للتنويه والاشارة الى المعنى.
واختلف في الإسم هل هو عين المسمى او غيره، والصحيح هو الأخير فالإسم يتبدل بل ويتعدد والمسمى باق على ذاته، والعكس في الحدوث ممكن احياناً، والإسم متأخر في وجوده عن المسمى، والشيء لا يتقدم على نفسه ولا يتأخر.
ويمكن استنباط مسائل كثيرة تتعلق بالإسم وإختياره من قوله تعالى [ يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ] ( ) ومن تلك المسائل اهمية إختيار الإسم والاعتناء الزائد بموضوعه وربما كان لماهيته أثر في حياة وسلوك صاحبه.
هذا بالاضافة الى ما ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من احاديث تحث على صالح الأسماء كما في الحديث: (خير الأسماء ما حُمد وعُبد..)، وتفضله بالتدخل في تبديل أسماء بعض المسلمين لما فيه من مضامين التفاؤل والبركة، فسهل بن سعد بن مالك الأنصاري كان اسمه حَزَناً فغيره النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعمّر كثيراً واختلف في تاريخ وفاته، ذكر انه توفي سنة ثمان وثمانين وهو ابن ست وتسعين سنة، وقيل توفي سنة احدى وتسعين، أي ان بركة تسمية النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت عليه ظاهرة حتى في طول العمر.
وتدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تبديل أسماء بعض النساء ايضاً، مما يدل على اهمية الإسم للمرأة وترتب الأثر على شخصها والمجتمع، فمثلاً كان اسم ميمونة بنت الحارث الهلالية زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بّرة ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سماها بعدما تزوجها ميمونة، وعن جابر بن يزيد الجعفي عن الإمام الباقر عليه السلام: (انها قالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث: اني احب علياً بحبك اياه ونصحه لك، فقال: صدقت، انك امتحن الله قلبك للايمان).
ولقد مال المسلمون ومنذ أيام الفتح الى التماس البركة واليمن والفلاح بمحاكاة اهل بيت النبوة باسمائهم واقتفاء سيرتهم في سعي هادف ومقصود للإقتباس من انوار الرسالة وهدى الإمامة.
انه امر فطري و جزء من العمل بقوله تعالى قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى .
أي ان تسمية الأولاد بأسماء أهل البيت عليهم السلام يعتبر مودة لهم، وفيه وفاءً للنبوة وعهد على اتباع نهجهم، ولهذا ترى أسماء الزهراء تبرز واضحة متقدمة في أذهان الأسرة التي تولد لها بنت وترد على ألسنتهم تيمناً بالزهراء وتفاؤلاً واملاً في حسن سمت وحياة المولودة، وتجديداً لذكرى الزهراء عليها السلام في المجتمعات الأمر الذي ينعكس ايجابياً على الحياة العامة بما يضفيه اسمها من اشعاعات الإيمان ومعالم الزهد والعفة والصبر، فيساهم مباشرة او بالواسطة في تعاهد الأعراف الاسلامية وصيغ مودة أهل بيت النبوة.
وفي خبر السكوني قال: (دخلت على أبي عبد الله – الإمام جعفر الصادق- عليه السلام وانا مغموم مكروب، فقال لي: يا سكوني ما غمك، فقلت: ولدت لي ابن ة، فقال: يا سكوني على الارض ثقلها، وعلى الله رزقها تعيش في غير اجلك، وتأكل من غير رزقك، فسرى والله عني، فقال: ما سميتها، قلت: فاطمة، قال: آه، آه، آه، ثم وضع يده على جبهته الى ان قال، ثم قال: اما اذا سميتها فاطمة فلا تسبّها ولا تلعنها ولا تضربها). ورواه الشيخ باسناده عن محمد بن يعقوب( ).
ويتضمن الحديث دروساً أخلاقية وعقائدية وأدبية منها:
1- اهتمام الإمام الصادق عليه السلام بالأحوال الشخصية لاصحابه توسماً وسؤالاً ومتابعة.
2- تقديم عنصر التوكل على الله عز وجل في النظر الى الامور ومعالجة القضايا.
3- ان الإمام عليه السلام في مقام البيان، واستظهر موضوع الغم الظاهر على وجه السكوني ليكون مدخلاً لتوكيد عظيم النعمة بالمولود وان كان أنثى.
4- استجابة الاصحاب لمضامين قوله وحدوث التبدل التام في وجهات نظرهم بمجرد سماع قول او رأي الإمام لما يتضـمنه من الحكمة، وما يعنيه في مقام الحجة والبيان.
5- حرص الإمام عليه السلام على معرفة اسم المولودة الجديدة، الأمر الذي يدل على أهمية الإسم.
6- شيوع اسم فاطمة وانه جدير بالاثرة والمبادرة لإختياره.
7- استحضار الإمام عليه السلام لذكرى أمه الزهراء عليها السلام وبامارات الحزن حالما سمع اسمها والتسمية به، وفيه درس للمؤمنين لإكرامها عند ذكرها.
8- ما لإسم فاطمة من عظيم الاهمية، والمسؤولية الأخلاقية والادبية لقوله عليه السلام (اما اذا سميتها..).
9- ان الإمام عليه السلام يحث على تسمية البنات بإسم فاطمة عليها الســلام واسمائها الخاصــة بها، فخطـابه وان كان موجهاً الى السكوني الا انه ينحل في تعلقه ليشمل المؤمنين كافة.
10- اكرام البنت التي سميت بإسم فاطمة واجتناب اهانتها او الاساءة اليها اجــلالاً للزهراء عليها السلام. وفي الوســائل باب اسمه: استحباب اكرام البنت التي اسمها فاطمة وترك اهانتها.
لو ان كل مؤمن او كل مسلم عنده بنت اسمها فاطمة فهل يحدث هذا الأمر ارباكاً في المجتمع من جهة تداخل واختلاط الاسماء، او انه يبعث على السأم لما فيه من التكرار والكثرة لإسم واحد؟ الجواب: لا، للإفاضات الإلهية على اهل البيت عليهم السلام ومن احبهم من المسلمين، كما ان انتشار وشيوع اسم فاطمة عليها السلام وأسماء الصالحات من المسلمات يعتبر مرتكزاً للأخلاق الحميدة.
11- يضفي اسم فاطمة على المولودة عزاً وجلالة وفيه دعوة لإحترامها.
12- توكيد الاسلام على إكرام المرأة بل والطفلة الصغيرة، لما يدل عليه الحديث من قابلية الموضوع وهو صلاحية ذات المرأة للإكرام والاحترام، ويمكن اعتبار الإسم بمعنى المحمول او العرض.
وهذا الإكرام لا ينحصر بإسم فاطمة بل يعم أسماء الزهراء عليها السلام جميعاً، اذ ان اسم فاطمة ورد على سبيل الفرد الغالب والشائع ولان الموضوع هو الإقتداء بالزهراء عليها السلام والمحاكاة في اسمها.
انه من فيض أنوار آل محمد عليهم السلام الذين تتغشى بركتهم الأجيال ابتداءاً من الولادة حيث تصاحب المولود ظلال آل محمد وتكون ذكراهم سوراً له، وشفاعتهم أملاً قريباً لما في تلك التسمية من الوفاء لهم والاقرار بفضلهم.
ان إختيار اسم من أسماء الزهراء عليها السلام لا يمكن تجريده من عالم المحسوسات ففيه صلة معها ورجاء لنيل شفاعتها وود وولاء لبضعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل هو سعي مخلص لنيل رضا الله ورسوله لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من سرها فقد سرني..).
وفيه ايضاً مضامين حاضرة وظاهرة من بركة الزهراء عليها السلام في سيادة صلات احترام وود بين أفراد الاسرة المسلمة لم يلتفت علماء النفس بعد الى موضوعها، ومن الأسرار الملكوتية لشخص سيدة النساء ان إختيار اسم من اسمائها مع كثرته وانتشاره له طراوة وجلال خاص يضفي على تلك المولودة الجديدة عزاً وجمالاً ورونقاً يلازمها أيام حياتها، ولا يمكن فصل موضوع التسمية عن سيرة الزهراء عليها السلام المباركة وما تبعثه من انوار تضيء لأجيال المسلمين دروب الهدى، وفيه دعوة لمعرفة جهادها وآدابها عليها السلام واستحضار سيرتها.
انه إعلان يجسد محبة الاسرة المسلمة لفاطمة عليها السلام، ومبادرة كريمة لنيل الثواب الأخروي، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: (يا سلمان حب فاطمة ينفع في مائة موطن، أيسر تلك المواطن الموت والقبر والميزان والحشر والصراط)( ).
فاطمة مهاجرة
لقد هاجر المسلمون الاوائل من مكة الى المدينة المنورة تاركين الوطن والاهل والمال ليصيروا الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويستجيبوا لأمره ويباشروا مناسك الجهاد العلني، وصيغ الدعوة العامة الى الله عز وجل، وبذلك نالوا الشرف المؤبد والعز الدائم.
وكان في المهاجرين نسوة نذرن أنفسهن في سبيل الله، وأعرضن عن الديار، وذكريات الصبا، وزهدن في لذات الدنيا ونزعن رداء نعيمها، ورغد العيش، رجاء مرضاة الله.

لقد اختارت جماعة من المؤمنات طريق الجهاد بالهجرة، وما في مسالكها من المخاطر والأعباء والعواقب، فلو لم يكن فيها الا المصير غير الآمن لربات الحجال لكفاهن عزاً ومجداً.
لقد قامت النسوة بالهجرة في سبيل الله وتحملن الأخطار ابتداءً واستدامة، ومنهن من قطعت اكثر من اربعمائة وخمسين كيلو متراً بين مكة والمدينة، وتحدين الأهل والعشيرة سعياً لمرضاته تعالى وشوقاً للحاق برسوله الكريم.
ان المكتبة الاسلامية تفتقر الى الكتب والدراسات الخاصة بجهاد المرأة المسلمة، وموقعها في الهجرة، والفوائد العقائدية العظيمة في سلوك المرأة الطرق المخيفة المؤدية الى مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبما يضعها في الصدارة في نضال المرأة عالمياً وعبر الأجيال لتستلهم منها الشعوب ومعاشر النساء عموماً مع التباين في الهوية والمذهب والاتجاه الفكري دروس الجهاد والصبر والتضحية في سبيل تحقيق الغايات المبدئية.
وكادت تحدث مواجهة سابقة لاوانها بين المسلمين والمشركين بسبب بعض النسوة المهاجرات ومع هذا فان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يفرط في الذب عنهن وحمايتهن، فمثلاً عندما خرجت سعيدة زوج أبي صيف الراهب من مكة الى المدينة مهاجرة في أيام الهدنة، (سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان يردها اليهم لما كانوا شرطوه ان يرد اليهم من اتاه منهم، فقال: كان الشرط في الرجال دون النساء فانزل الله آية الامتحان)( ).
ولقد كانت الزهراء عليها السلام من المهاجرات اللائي تحملن المشاق وتَحَدَّين قريش وما كانت تبثه من عيون ورصد وجنود لوقف الهجرة والحيلولة دون وصول المسلمين الى مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقاعدة الثورة ومنطلق المد الاسلامي والزحف العقائدي الذي ادركت قريش وحلفاؤها بالحس والوجدان وظهور البينات قرب أوان حدوثه وسرعة اجتماع أسبابه وتهيأة مستلزمات نجاحه، وميل النفوس في عموم الجزيرة الى متابعة اشعاعات النبوة وتلمس طرق الهداية والرشاد بمواثيقها الروحية.
ومن الطبيعي ان يقع الشطر الأكبر من اضطهاد قريش على بيت النبوة واقرب الاشخاص الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم منذ الأيام الاولى للبعثة كما ظهر في السلوك الجمعي العام في حصار شعب مكة.
لقد كانت الزهراء عليها السلام رمز المرأة المسلمة والإسوة للمؤمنات فهي الرأس والمثل السامي لهن لانها بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتي بادرت بشجاعة الى تولي المسؤولية التي كانت تقوم بها أمها خديجة الكبرى في الذب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم واعانته والتخفيف من الآلام والاذى الذي كانت قريش والمشركون يسببونه له كل يوم.
لقد ادركت قريش ما في هجرة الزهراء عليها السلام من شد لعضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجمع لشمله واعانة له على الجهاد، بل ان حضور الزهراء عليها السلام الى المدينة مهاجرة يساهم بصورة فعـالة في تعزيز مواقع الاسلام ويثبت القلوب بما يحدثه من وجود اسلامي راسخ في بيوت المدينة وداخل أسرها، انه تحريك لمجتمع النساء باتجاه قبول الاسلام فكراً وثورة وصحائف عمل يومي.
اذن يمكن ان نتناول هجرة الزهراء عليها السلام بذات البحوث والدراسات التي تعرضنا لها في الجزء الاول عند الحديث عن آية المباهلة للدلالات المشتركة وبصيغ تنقيح المناط ولوحدة الموضوع، خاصة وان تأثير هجرة الزهراء عليها السلام لا ينحصر بنساء المدينة او المسلمات عامة بل يتعدى ليشمل نساء مكة ايضاً، فهو دعوة لهن للاسلام واداة ضغط على رجال قريش للكف عن اهل الإيمان وادراك حقيقة النصر الاسلامي والعجز عن التاثير السلبي على نفوس المسلمين وولائهم للرسالة.
وكان طريق الهجرة مليءً بالفزع والمخاطر، وقد عانت منها الزهراء عليها السلام بصورة خاصة، فقد ورد بأن الحويرث بن نُقَيذ روّع الزهراء عليها السلام اثناء هجرتها مع الفواطم عندما حملهن أمير المؤمنين عليه السلام، وكانت معها فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين عليه السلام وفاطمة بنت الزبير ونخس راحلتها أي غرز مؤخرتها بعصا او نحوها مما جعل الزهراء عليها السلام تقع على الارض، وكان الحويرث هذا من بين ثمانية اشخاص أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقتلهم عند الشروع بدخول مكة وفتحها وان وجدوا تحت استار الكعبة، وقد قتله أمير المؤمنين عليه السلام من بين أربعة منهم قتلوا يومها.
وأخرج ابن أبي عاصم عن جعدة بن هبيرة عن خاله الإمام علي عليه السلام قال: (اهدي الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حلة استبرق، فقال: اجعلها خمراً بين الفواطم، فشققتها اربعة أخمرة، خمار لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخمار لفاطمة بنت أسد، وخمار لفاطمة بنت حمزة، ولم يذكر الرابعة)، والارجح ان الضمير المستتر في (لم يذكر) يعود الى أحد رجال السند، ولكن ابن حجر قال (ولعلها امرأة عقيل)( ) أي فاطمة بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس أخت هند أم معاوية، والتي تزوجها عقيل بن أبي طالب بعد ان أسلمت وبايعت، وهو بعيد على القول بانصراف المعنى الى الهاشميات، ويمكن القول بأن عنوان الفواطم قد يختلف افراده بحسب القرائن، فقصد الحضور يختلف عن النسب مثلاً.
مسند فاطمة
مما يعتبر آية في التكامل العقائدي في الاسلام هو الترتيب والتفصيل الحكيم في منابع واصول الاستنباط واعتماد السنة النبوية الشريفة دليلاً اساسياً في استخراج الحكم الشرعي.
والسنة لغة الطريقة، وحكي عن الازهري انها خصوص الطريقة المحمودة المستقيمة، والأول هو الأنسب، الا ان استعمالها شاع في الحسنة منها، وتطلق في باب العبادات على المستحب في قبال الفريضة التي اوجبها الله.
وهي في الاصطلاح ما سنّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما يصدر عنه، وهي صالحة للتقسيم الى ثلاثة وجوه: السنة القولية، والسنة الفعلية، والسنة التقريرية، وقد تشمل السنة قول المعصوم مطلقاً.
فلا بأس اذن من التخصيص بالسنة النبوية الشريفة التي تعتبر عند جميع المسلمين المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم، بل انها بيان وتفسير وتفصيل وتثبيت لآيات القرآن بما يظهر من أوامر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونواهيه وما ندب اليه، ولذلك يعتمد الفقهاء السنة للاستدلال واستنباط الاحكام، فيقال مثلاً (ويدل على ذلك الكتاب والسنة) أي القرآن الكريم والحديث الشريف، كما تأتي السنة بمعنى ما فرض من خلال سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كالختان.
وكثر الكلام في الحديث النبوي وطرق ضبطه، واستحدث علم جديد ينفرد به المسلمون دون غيرهم من الملل والامم هو علم الرجال، وهو الذي يبحث عن احوال رواة الحديث وسنده ذاتاً ووصفاً، مدحاً او ذماً، عدالة او فسقاً، لمعرفة حجية الحديث وصحته، ووثاقته او ضعفه، واتصال سنده او ارساله، بالاضافة الى علم الدراية الذي يبحث في متن الحديث وسنده، وطرقه، صحيحها وسقيمها، وكيفية تحمله.
ولقد بذل رجال الطبقات الأولى من المحدثين والفقهاء جهوداً مضنية في التدقيق والتمحيص والفحص وتحملوا اعباء السفر المتوالي ومخاطره لتنقيح طرق الاحـاديث وجمعها، بل ان ذلك العلم بدأ منذ الأيام الأولى للاسلام بعناية خاصة من الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم واهل بيته عليهم السلام، وتدخلوا لبيان الاختلاف في الاحاديث، وعلله، وطرق فرز الصحيح من السقيم الداخل فيها.
وفي الخبر: عن ابان بن أبي عياش عن سليم بن قيس الهلالي قال: (قلت لأمير المؤمنين عليه السلام اني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئاً من تفسير القرآن وأحاديث عن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم غير ما في أيدي الناس، وسمعت منك تصديق ما سمعت منهم، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الاحاديث عن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنتم تخالفون فيها وتزعمون ان ذلك كله باطل افترى الناس يكذبون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متعمدين ويفسرون القرآن بآرائهم، قال: فاقبل عليّ، فقال: قد سألت فافهم الجواب، ان في أيدي الناس حقاً وباطلاً، وصدقاً وكذباً، وناسخاً ومنسوخاً، وعاماً وخاصاً، ومحكماً ومتشابهاً وحفظاً ووهماً، وقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على عهده حتى قام خطيباً فقال: يا ايها الناس قد كثرت عليّ الكذابة، فمن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار.
ثم كذب عليه من بعده، وانما اتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس، رجل منافق يظهر الإيمان متصنع بالاسلام، لا يتأثم ولا يتحرج ان يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متعمداً فلو علم الناس انه منافق كذاب لم يقبلوا منه ولم يصدقوه، ولكنهم قالوا هذا قد صحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورآه وسمع منه، وأخذوا عنه وهم لا يعرفون حاله وقد أخبر الله عن المنافقين بما أخبره ووضعهم بما وصفهم، فقال عز وجل وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ.. ، ثم بقوا بعده فتقربوا الى أئمة الضلالة والدعاة الى النار بالزور والكذب والبهتان فولوهم الاعمال وحملوهم على رقاب الناس وأكلوا بهم الدنيا، وانما الناس مع الملوك والدنيا الا من عصم الله فهذا أحد اربعة، ورجل سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً لم يحفظه على وجهه ووهم فيه فلم يتعمد كذباً فهو في يده يقول به ويعمل به ويرويه، ويقول انا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلو علم المسلمون انه وهم لم يقبلوه، ولو علم هو انه وهم لرفضه، ورجل ثالث سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً أمر به ثم نهى عنه وهو لا يعلم، او سمعه ينهى عن شيء ثم أمر به وهو لا يعلم حفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ، فلو علم انه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون اذ سمعوه منه انه منسوخ فرفضوه، وآخر رابع لم يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مبغض للكذب خوفاً من الله وتعظيماً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لم يسر بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به كما سمع لم يزد فيه ولم ينقص منه، وعلم الناسخ والمنسوخ، فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ، فان أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل القرآن ناسخ ومنسوخ وخاص وعام، ومحكم ومتشابه، قد كان يكون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكلام له وجهان، وكلام عام وكلام خاص مثل القرآن، وقال الله عز وجل في كتابه وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا… فيشتبه على من لم يعرف ولم يدرِ ما عنى الله به ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وليس كل اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يسأله عن الشيء فيفهم، وكان منهم من يسأله ولا يستفهمه حتى ان كانوا يحبون ان يجيء الاعرابي والطاريء فيسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى يسمعوا، وقد كنت أدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخلة، وكل ليلة دخلت، فيخليني فيها أدور معه حيثما دار، وقد علم اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري، فربما كان في بيتي يأتيني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اكثر ذلك في بيتي، وكنت اذا دخلت عليه بعض منازله أخلاني واقام عني نساءه فلا يبقى عنده غيري، واذا أتاني للخلوة معــي في منزلي لم تقم عني فاطـمة ولا أحد بنّي، وكنت اذا سألته أجابني واذا سكتّ عنه وفنيت مسائلي ابتدأني، فما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آية من القرآن الا أقرأنيها وأملاها عليّ، فكتبته بخطي وعلمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخــها ومحكمها ومتشابهها، وخاصها وعامها، ودعا الله ان يعطيني فهمها وحفظها فما نسيت آية من كتاب الله ولا علماً املاه عليّ وكتبتــه منذ دعا الله بما دعا، وما ترك شــيئاً علمه الله من حـلال ولاحــرام ولا أمر ولا نــهي كان او يكــون منزل على أحد قبله من طاعة او معصية الا علمنيه وحفظته فلم انس حرفاً واحداً، ثم وضع يده على صدري ودعا الله لي ان يملأ قلبي علماً وفهماً وحــكماً ونــوراً، فقلت يا نبي الله بأبي انت وأمي مـنذ دعوت الله لي بما دعوت لم أنس شــيئاً ولم يفتني شيء لم اكتبه فتــتــخوف عليّ النسيان فيما بعد، فقال: لا، لست اتخوف عليك النسيان والجهل( ).
ويظهر الحديث عظيم مقام الزهراء عليها السلام وما يميزها عن غيرها من النساء بالبقاء والاستماع لحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما يطلع عليه الإمام علي عليه السلام من العلوم وابواب الحكمة والمعرفة ومسائل الحلال والحرام، أي ان الزهراء عليها السلام سمعت الكثير من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم واحكام الدين وكانت مؤهلة لذلك بالعصمة والملكة والمقدرة الشخصية، وان اهل البيت عليهم السلام يتلقون معارف إلهية خاصة لوراثة علوم الإمامة.
فلا غرابة اذن ان تروي كتب الحديث عنها بعض ما سمعته عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل الغرابة في قلة تلك الاحاديث، ولا يكفي موضوع قصر بقائها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمعذرة في المقام، وقيل ليس لفاطمة عليها السلام في الصحيحين مثلاً الا حديثاً واحداً في مسند عائشة، وروى لها الترمذي وابن ماجة وابو داود، وروي لها في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثمانية عشر حديثاً.
قال ابن حجر: روت عن ابيها، روى عنها ابن اها وابوهما وعائشة وأم سلمة، وسلمى أم رافع، وأنس، وأرسلت عنها فاطمة بنت الحسين وغيرها.
وقد أولى اهل البيت اهمية خاصة للاحاديث التي روتها الزهراء عليها الســلام عن النـــبي الاكــرم صلى الله عليه وآله وسلم، وتلقاها رجال الحديث بالعناية والتوثيق وتوارثها العلماء لما فيها من مضامين الصدق والبركة.
وفي الخبر بالاسناد عن زيد بن علي عن آبائه عن فاطمة عليها السلام قالت: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ان في الجمعة لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله عز وجل فيها خيراً الا أعطاه إياه، قالت: فقلت: يا رسول الله اية ساعة هي، قال: اذا تدلى نصف عين الشمس للغروب، قال: فكانت فاطمة تقول لغلامها اصعد على الظراب( ) فان رأيت نصف عين الشمس تدلى للغروب فاعلمني حتى أدعو)( ).
ويلاحظ في الحديث حرص الزهراء عليها السلام على معرفة تلك الساعة لما فيها من الفضيلة ثم مواظبتها بدأب متصل على استثمارها بسلاح الأنبياء، انه تأديب للأمة ودرس في الانتفاع الامثل من كنوز الدعاء واسراره.
لقد كانت الزهراء عليها السلام تحث الأجيال المتعاقبة للامة الاسلامية بالإسوة والمبادرة الى التجسيد العملي المبارك للحديث النبوي الشريف، كما يعكس عملها الالتزام التام بمباديء الدين وسنن النبوة وسبل الارتقاء في عالم الملكوت.
لقد صاحبت الزهراء عليها السلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أيام حياته ابتداءً من السنين الاولى للبعثة النبوية الشريفة ذات الآلام والمحن وما فيها من الآيات والبراهين مع قلة الناصر والراوي ووجود الحاجة الى التوثيق.
ان الصحبة المباركة للزهراء عليها السلام موضوع لم يفرط به اهل البيت، فقد انتفعوا من علمها ونهلوا من خزائن أسرار النبوة التي أخبرها بها النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم او أدركتها بالمعرفة والجهاد والصبر والملازمة المخلصة لشخص أبيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وأخرج ابن السني عن فاطمة عليها السلام: (ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما دنا ولادها أمر امّ سلمة وزينب بنت جحش ان يأتيا فيقرءا عندها آية الكرسي و إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الآية ويعوذها بالمعوذتين)( ).
والحديث مدرسة للمسلمات في مناسبة متجددة في حياة الافراد وهي ساعة الولادة وما يحمل موضوعها من وجوه البر والصلاح والهداية، ودعوة للمسلمين للاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحث النساء الحاضرات ساعة الولادة بقراءة هذه السوّر والآيات، او قراءة القرآن عندها مطلقاً للتيسير الولادة وتخفيف الطلق أي وجع الولادة ولدرء شر الشيطان، وفي الحديث: (ما من بني آدم مولود الا ويمسه الشيطان)، لتبدأ حياة الإنسان بالإبتلاء بالشيطان فيتعرض للمولود لايذائه وكأنه نوع مقدمة للوسوسة لاحقاً فيصيح المولود متألماً.
وجاء في دلائل الإمامة عن الإمام الحسين عن أمه الزهراء عليها السلام انها قالت: (قال لي أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إياك والبخل فانه عاهة لا تكون من كريم، وإياك والبخل فانه شجرة في النار، واغصانها في الدنيا فمن تعلق بغصن من اغصانها ادخله النار).
والبخل: الشح في الشيء وخلافه الجود، وللبخل معنيان، ففي العرف منع السائل وقلة الكرم، وفي الشرع منع الواجب، ومعناه العام منع العطاء والشح بالعلم والنصيحة، واهل البيت عليهم السلام للعصمة وتاديب النبي صلى الله عليه وآله وسلم منزهون عن وجوه البخل والشح مطلقاً، ولقد أجادوا بأرواحهم الطاهرة في سبيل الله وشوقاً للقائه وتثبيتاً لاركان الاسلام في الارض.

وعملاً بأصالة الاطلاق في علم الاصول فان المراد من البخل المنهي عنه في الحديث هو المعنى الاعم الشامل لوجوه الشح والامساك في الميادين المختلفة وعلى كافة مراتبه، اذ انه من الكلي المشكك الذي له مراتب متعددة ومتفاوتة ولكنها تشترك بمعنى وموضوع واحد.
والسيرة الشريفة للزهراء عليها السلام تدل على الالتزام التام بوصايا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وانها بلغت اسمى درجات السخاء ومنازل الكرم، بل ان القرآن الكريم خير شاهد على كرم الزهراء وايثارها اهل الفاقة والحاجة على نفسها حتى في الضروري، وقد تقدم جانب من الكلام في بيان وتفسير قوله تعالى من سورة الدهر يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا الآيات( ).
وفي خبر عن عبد الله بن حســن عن أمــه فاطمة بنت الحسين عن جدتها فاطمة عليها السلام قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اذا دخل المسجد صلى على النبي صلى الله عليه وآله وســلم وقال: اللهم اغــفـر لي ذنوبي، وافتح لي ابواب فضلك).
وفيه اظهار لقدسية المسجد وتأديب للامة بابتداء دخول المسجد بالذكر والصلاة والدعاء، وحرص اهل البيت عليهم السلام على اكرام المساجد.
وفي كشف الغمة عن علي عليه السلام عن فاطمة قالت: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا فاطمة من صلى عليك غفر الله له، والحقه بي حيث كنت من الجنة)، انه نوع اكرام خاص تنفرد به الزهراء، ودعوة للمسلمين بالتوسل بها وبالصلاة عليها لنيل الدرجات العلى.
كما يدل عل تفضـله تعالى بجعل حب فاطـمة عليها السلام طريقاً الى الجنة وبلوغ اعلى مراتبها، وهو مصداق لما ورد في منزلة الزهراء عليها السلام يوم القيامة وقيامها بالشفاعة للمؤمنين والمؤمنات.
وفي الصلاة والدعاء لها اثر تكليفي مركب، ففي الدنيا مغفرة وعفو للذي يصلي عليها، وفي الآخرة الخلود في دار النعيم، وقيام الإمام علي عليه السلام بنقل الحديث توثيق وتوكيد وتثبيت لمضامينه ودليل على تقديس واكرام الإمام عليه السلام للزهراء عليها السلام، كما انها تعرف له عظيم منزلته فحينما دخل عليه السلام وسألها عن الغذاء: (ما عندك يا ابن ة رسول الله، قالت: لا شيء عندنا والذي عظّم حقك).
صلاة فاطمة
من النوافل في الصلاة ما يختص بوقت معين واهمها نافلة شهر رمضان وهي ألف ركعة يؤتى بها استحباباً زيادة على النوافل اليومية المرتبة، وذلك لحرمة شهر رمضان وبركة أيامه ولان الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم كان يكثر من الصلاة في ليالي رمضان، بالاضافة الى النصوص منها رواية محمد بن أبي قرة عن علي بن مهزيار عن الإمام الجواد عليه السلام، وخبر علي بن أبي حمزة عن أبي عبد الله عليه السلام.
وهذه الصلاة موزعة على مجموع ليالي شهر رمضان ووفق ما مبين في الكتب الفقهية( ).
ومن ضمن هذه الصلوات صلاة فاطمة عليها السلام وهي ان يقرأ في الركعة الاولى بعد الفاتحة سورة القدر مائة مرة، وفي الثانية بعد الفاتحة سورة التوحيد مائة مرة، ويؤتى بتسبيحة فاطمة الزهراء بعد التسليم، اما أوانها ففي كل ليلة جمعة من شهر رمضان ركعتين، وتصلى صلاة فاطمة عشية الجمعة الأخيرة عشرين ركعة كل ركعتين بتشهد وتسليم، وبذلك جاءت رواية المفضل بن عمر عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام.
ولابد من وجود علة او حكمة في نسبة هذه الصلاة الى الزهراء عليها السلام وانها من تعليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها، كما في تعليمه لجعفر الطيار الصلاة التي اشتهرت باسمه، وان لها نفعاً وثواباً قدسياً خاصاً.
ولقد ورد ذكر لفاطمة فيما يتعلق باعمال المستحاضة وما يشترط في صحة صومها، فقد ورد في صحيحة علي بن مهزيار قال: (كتبت اليه عليه السلام: امرأة طهرت من حيضها او دم نفاسها في اول يوم من شهر رمضان، ثم استحاضت فصلت وصامت شهر رمضان كله من غير ان تعمل ما تعمله المستحاضة من الغسل لكل صلاتين، هل يجوز صومها وصلاتها أم لا؟ فكتب عليه السلام: تقضي صومها ولا تقضي صلاتها، لان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر فاطمة والمؤمنات من نسائه بذلك).
ونوقش في اضمار الحديث، ولكنه لا يضر مع علي بن مهزيار ووثاقته ومعرفة المستمع للمقصود في قوله كتبت اليه، كما نوقش في ذكر فاطمة وهي طاهرة ولم تر الدم.
وصحيح ان اسم فاطمة يرد وفق الاصطلاح المنطقي علماً للزهراء عليها السلام باعتباره مفرداً يقصد منه معنى واحد بحسب العرف، واصبح دالاً عليها بقيد التشخص والتعين، واحياناً يرد هذا الإسم متواطئاً ومتوافقاً بحيث يصدق انطباقه على مجموعة افراد بالتساوي، وقد يرد مشككاً فينسبق الى الذهن بعض افراده دون البعض الآخر لانه متفاوت الصدق كما في المقام، اذ يتبادر الى الذهن ان المقصود فاطمة الزهراء ولكن القرائن في المقام تشير الى الاحتمالات الثلاثة ويترشح من خلالها ما يلي:
1- ان كانت المقصودة هي الزهراء عليها السلام فان المعنى هو تعليمها لغيرها من المؤمنات لا لنفسها، خاصة وان النساء يبادرن الى أخذ احكام الدين من الزهراء عليها السلام ومنها بالذات ما يتعلق بالدماء الثلاثة حياءً.
2- ان المقصود غيرها كفاطمة بنت أبي حبيش التي كانت دامية (فقد روي انها كانت تستحاض فسألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال ذلك عرق وليست بالحيضة فاذا اقبلت الحيضة فدعي الصلاة واذا ادبرت فاغتسلي وصلّي)( ).
منتهى الفخار
الفخار – بالفتح – هو المباهات بالمكارم والنسب والحسب وما فيهما من المناقب والمجد واتصال العز، والمفاخرة مفاعلة قد تجري بين طرفين او اكثر، ولا يكاد زمان او مكان يخلو منها لقابليتها لملائمة مختلف الاصناف والانواع والاجناس والمهن ونحوها، وكانت ظاهرة عند العرب في الانساب والاحساب.
وفي موضوع الزهراء عليها السلام والتفاخر بها يأخذ الحديث منهجاً جديداً يتميز في بعض وجوهه من جهة المتعلق والمرتكز والمادة والغرض كجزء من تهذيب الاسلام لانماط السلوك وتقويم العادات واصلاح القيم الاجتماعية.
فالفخار بالزهراء يبتنى في الاساس على مقامها ومنزلتها عند الله عز وجل وعند رسـوله صـلى الله عليه وآله وســلم، بالاضــافة الى ما تمتلكه من الكمالات الانسانية، وان الغاية من هذا التفاخر هو عز الاســلام او بيان المقام الشخصــي او الجماعـي في مقــامات الرفعة فيه من خلال الانتساب للزهراء عليها السلام نسباً وشرفاً وولاءً وانتماءً.
قيل للإمام جعفر الصادق عليه السلام: (الناس يقولون: المسلمون كلهم آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: كذبوا وصدقوا، فقيل له: ما معنى ذلك، فقال: كذبوا في ان الامة كافتهم آله، وصدقوا في انهم اذا قاموا بشرائط شريعته آله).
انها دعوة لكل المسلمين للانتماء الى ذروة الشرف، واسمى مراتب الفخر والرفعة، الى بيت النبوة ذي المجد المؤبد الذي أبى الله الا ان يستمر حضوره في الواقع العبادي والسياسي والاجتماعي والأخلاقي، ويتصل باطراد حتى منازل الآخرة.
انه تقسيم جديد للنسب والانتماء يتعدى المفهوم العرفي السائد في المجتمات القبلية والقائم على الانتساب بالولادة، ليشمل بمفهومه اعتبار العقيدة ونوع الاعمال، وفي ذلك بناء مرتكزات فكرية وهياكل اجتماعية جديدة قائمة على حفظ الشريعة واعطائها الاولوية في أسس الانتماء وجهاته وتفرعاته، والانتساب الى فاطمة عليها السلام هو اشرف وأهم موضوع اسلامي في هذا الباب وعندها ينتهي الفخر وعليه اجماع المسلمين وتسالمهم عليه.
عن عبد الله الذي لُقِب بالمحض لان أباه الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام وأمه فاطمة بنت الحسين أي انه يرجع في نسبه من جهتي الأبوين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان يشبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (وقد قيل له: بم صرتم أفضل الناس، قال: لان الناس كلهم يتمنون ان يكونوا منا ولا نتمنى ان نكون من أحد) ولقد اقر بتلك الحقيقة التاريخية والأخلاقية القريب والبعيد حتى اعداء اهل البيت وفي ساعة الغضب والزهو.
فعندما كلم الإمام الحسين عليه السلام معاوية في أمر ابن ه يزيد، ونهاه عن العهد اليه، أبى عليه معاوية، حتى اغضب كل واحد منهما صاحبه، فقال الحسين عليه السلام في غضون كلامه: (أبي خير من أبيه، وأمي خير من أمه، فقال معاوية: يا ابن أخي أما أمك فخير من أمه، فكيف تقاس امرأة من كلب بإبنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) الحديث( ).
وعبد الله بن الزبير مثلاً الذي مكث أربعين جمعة لا يصلي فيها على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذلك اثناء مدة ادعائه الخلافة وقال: (لا يمنعني من ذكره الا ان تشمخ رجال بآنافها)، عرف ببغضه لأمير المؤمنين عليه السلام ومحاولاته للانتقاص منه، خطب يوماً فنال منه كما في رواية سعيد بن جبير، فبلغ ذلك محمد بن علي بن أبي طالب فجاء اليه وهو يخطب فوضع له كرسي فقطع عليه خطبته، وقال: (يا معشر العرب شاهت الوجوه أينتقص علي وأنتم حضور ان علياً كان يد الله على اعداء الله وصاعقة من أمره أرسله على الكافرين والجاحدين لحقه، فقتلهم بكفرهم – الى ان قال – والله ما يشتم علياً الا كافر يسر شتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويخاف ان يبوح به فيكني بشتم علي عليه السلام عنه، اما انه قد تخطت المنية منكم من امتد عمره وسمع قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه لا يحبك الا مؤمن ولا يبغضك الا منافق وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، فعاد ابن الزبير الى خطبته وقال: عذرت بني الفواطم يتكلمون، فما بال ابن أم حنيفة، فقال محمد: يا ابن أم رومان ومالي لا أتكلم، وهل فاتني من الفواطم الا واحدة ولم يفتني فخرها، لانها ام أخوي انا ابن فاطمة بنت عمران بن عائد بن مخزوم جدة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وانا ابن فاطمة بنت أسد بن هاشم كافلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والقائمة مقام أمه…) الحديث( ).
لقد كانت الزهراء عليها السلام الغصن المبارك والفرع النامي لشجرة النبوة الطيبة، قال تعالى أَلَمْ تَرَى كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ .
والزهراء عليها السلام أم الائمة الاطهار، سادة اهل الارض وبواسـطتها ينتســبون بحق الى النبي صــلى الله عليه وآله وسلم، ولقد ترتب على هذا الانتساب أثر كريم في تحديد منهاج حياتهم بتعاهد احكام الشريعة وتثبيت اركان التوحيد ونشـر مباديء الاسلام وألوية الرسالة، وتحملوا في موضوع الانتساب هذا الكثير من البــلاء والاضــطهاد، ولم يترددوا في الاحتجاج واثبات ما يترشح من الانتماء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من التشريف والمنزلة الرفيعة في مجالس الخلفاء والأمراء، وما كان يتغشاها من الازدراء والبغض لأي موضوع تشم منه رائحة المنافسة والافضلية والترجيح عليهم، مع ان الائمة عليهم السلام لم يتخذوا من موضوع الذرية الصالحة باباً مستقلاً لادعاء الأولوية والاهلية للخلافة واستحقاقها.
(سأل هارون الرشيد الإمام موسى بن جعفر عليه السلام: لم جوزتم للخاصة والعامة ان ينسبوكم الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقولوا لكم يا بني رسول الله، وانتم بنو علي، وانما ينسب المرء الى أبيه، وفاطمة عليها السلام هي وعاء، والنبي جدكم من قبل أمكم، فقال عليه السلام، يا أمير المؤمنين لو ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نُشر فخطب كريمتك هل كنت تجيبه، فقال: سبحان الله ولم لا أجيبه، بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك، فقال له: لكنه لا يخطب اليّ ولا أزوجه، قال الرشيد: ولم، قال عليه السلام: لانه ولدني ولم يلدك، فقال: احسنت يا موسى، ثم قال: كيف قلتم انّا ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعقب، وان العقب للذكر لا للانثى، وانتم ولد البنت، ولا يكون لها عقب، فقال له: اسألك بحق القرابة والقبر ومن فيه الا اعفيتني من هذه المسألة، فقال: لا، او تخبرني بحجتكم فيه يا ولد علي وأنت يا موسى يعسوبهم وإمام زمانهم، كذلك انهي الي، ولست اعفيك في كل ما اسألك عنه، تأتيني فيه بحجة من كتاب الله وانتم تدعون معشر ولد علي انه لا يسقط عنكم منه شيء ألف ولا واو، الا وتأويله عندكم واحتججتم بقوله تعالى مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ واستغنيتم عن رأي العلماء وقياسهم، فقال عليه السلام تأذن لي في الجواب، قال: هات، فقال عليه السلام: اعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنْ الصَّالِحِينَ من أبو عيسى يا أمير المؤمنين، فقال: ليس لعيسى أب، فقال عليه السلام: انما ألحقناه بذراري الأنبياء من طــريق مـريم، وكذلك ألحقنا بذراري النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قبل أمنا فاطمة، وازيدك..) الحديث( ).
لقد كان اهـل البيت عليهم السلام يجــتهــدون في اثبات انتســابهم الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويستدلون بآيات القرآن، والقواعد والاحكام الشرعية ولانهم ابن اء الزهراء عليها السلام وبواســطتها ينتمون نســباً الى رســول الله صـــلى الله عليه وآله وسـلم تحمــلوا الحسد والغــيلــة والاضــطهاد، ولكن ذلك لم يمنعهم من دعوة الحق التي قرنــوهــا بالصلاح والتقــوى والأخذ بيــد الناس للمحـــافــظــة على معــالم الدين وسنن ســيد المــرســـلين.
فمثلما كان الانتساب للزهراء عليها السلام بالولادة باب فخر وشرف ويلقي مسؤوليات عقــائدية وأخــلاقية على ابن ائها، فانه سبب للافتتان وجلب البلاء والعناء والضيق عليهم، واختاروا وتحملوا المشــاق بصــدر رحـب وفخار، لما في موضـوع الانتساب الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حق وصدق ومعالم اسلامية واعتبارات عقائدية تملأ نفوسهم بانوار النبوة وتبعث بالبركة والعز في اركان المجتمعات الاسلامية، وهو عنوان ومناســبة كريمة لاســتحضار النبوة وجعلها حية وشاهداً في كل زمان.
وفاء واكرام
روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام انه قال: (حرم الله النساء على علي عليه السلام ما دامت فاطمة حية لانها كانت طاهرة لا تحيض)( ).
انه حكم خاص تعلق بموضوع منفرد وقضية في واقعة ومصداق من مصاديق اكرام فاطمة الزهراء المتصل منذ ولادتها بل وبعد وفاتها لتكون ذروته يوم القيامة.
وورد عن أسماء بنت عميس( ) انها قالت: (قلت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد كنت شهدت فاطمة وقد ولدت بعض ولدها فلم أر لها دماً، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ان فاطمة خلقت حورية في صورة انسية)( ).
لقد كان اكرام علي عليه الســلام للزهراء عليها السلام وجهاً من وجوه استحقاقه واهليته للزواج منها لما جعل الله عنده من اسرار الإمامة، وحاجة الأمة الى دوامها واتصالها بالحســن والحسـين ابن ي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن ذلك الاكرام عدم زواجه من غيرها الى حين وفاتها، وكان يدرك عظيم منزلتها وضـرورة عدم ايذائها وانتــفاء الحــاجة مع وجودها الى امرأة أخرى حتى انه لم ينقل التاريخ انه تسرى في حياتها بامرأة او أمة.
وظل شخص الزهراء عليها السلام يحتل المقام السامي عند أمير المؤمنين عليه السلام حتى بعد وفاتها، مقروناً بقدسية خاصة لا يرقى اليها غيرها، ففي جواب له عليه السلام الى معــاوية كتب: (ومنا خير نساء العالمين ومنكم حمالة الحطب)، فهذا الزواج المبارك لم يتعارض مع عظيم منــزلــة الزهراء عليها السلام وعند الصحابة والمسلمين عند أمير المؤمنين عليه السلام لاستحقاقها لتلك المنزلة بالذات والأصل.
وحينما خرج زيد بن علي في الكوفة على هشام بن عبد الملك في ليلة الاربعاء لسبع بقين من محرم سنة 121 للهجرة وقيل سنة 122، واشتد القتال بينهما وكان معه خمسمائة وجيش اهل الشام اثنا عشر ألفاً، فقام فارس منهم بشتم فاطمة عليها السلام، فبكى زيد حتى اخضلت لحيته وجعل يقول: أما أحد يغضب لفاطمة بنت رسول الله، أما أحد يغضب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أما أحد يغضب لله تعالى، وتحول الذي قام بشتمها من فرسه الى بغلة. قال سعيد: فجئت الى مولى لي فأخذت منه مشملاً واستترت خلف النظارة وجئت الشامي من ورائه وضربت عنقه فسقط بين رجلي بغلته.
ومن الدرايــة والثــابـت تــأريخيــاً ان أمير المؤمنين عليه السلام لم يتزوج غير الزهراء عليها السلام وفي ذلك فخر وعز لكل المسلمين، ولكن وردت رواية تفيد انه اراد الزواج من بنت أبي جهل، (فقد روى ابو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحديث الذي معناه ان علياً عليه السلام خطب ابن ة أبي جهل في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاسخطه، فخطب على المنبر، وقال لاهـا الله لا تجتـمــع ابن ة ولي الله وابنة عدو الله أبي جهل، ان فاطمة بضــعة مني يــؤذيني ما يــؤذيــهــا، فان كان علي يريد ابن ة أبي جهل فليفارق ابن تي وليفعل ما يريد)( ).
وعن أبي جعفر الاسكافي وهو من شيوخ المعتزلة ان معاوية وضع قوماً على رواية أخبار قبيحة في علي عليه السلام تقتضي الطــعــن فيه والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جعلاً يرغب في مثله، فاخـتـلــقـوا ما ارضاه، منهم ابو هــريــرة وعـمـرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومن التابعين عروة بن الزبير( ).
وقال ابو جـعــفـر: (وابو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضــي الرواية، ضربه عمر بالدرة، وقال قد اكثرت من الرواية واحرى بك ان تكون كاذباً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم).
وروى سفيان الثوري عن منصور بن ابراهيم التيمي قال: (كانوا لا يأخذون عن أبي هريرة الا ما كان من ذكر جنة او نار).
وورد الحديث في صحيحي مسلم والبخاري، قال البخاري: (حدثنا ابو اليمان عن شــعيب عن الزهــري عن عـلي بن الحسين عن المسور بن مخرمة قال: ان علياً خطب بنت أبي جهل فسمعت بذلك فاطمة فأتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يزعم قومك انك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح بنت أبي جهل، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسمعته حين تشهد يقول: اما بعد انكــحــت ابا العاص بن الربيع فحدثني وصــدقــني، وان فــاطمــة بضــعــة مني، واني اكره ان يسـوءها والله لا تجتمع بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبنت عدو الله عند رجل واحد، فترك عليُّ الخطبة)( )، وفي رواية الا ان بني المغيرة ارسلوا الى علي ليزوجوه.
وقد ذكر المرتضــى المسألة في كتاب تنــزيــه الأنبـيــاء والائمة وقال انها رواية حســين الكرابـيسي وانه مشهور بالانحراف عن اهل البيت عليهم السلام وعــداوتهم والمناصــبة لهم، فلا تـقبل روايته( ).
ان ضعف سند هذه الروايات وعدم ثبوتها عن طرق اهل البيت عليهم السلام يساعد في نفي الواقعة ونيته عليه السلام الزواج من غيرها في حياتها، وان المسألة سالبة بانتفاء الموضوع، فالأصل هو دلالة الواقع والوجدان والتأريخ على عدم نيته عليه السلام بالزواج من غيرها، هذا بالاضــافة الى ضعفها دلالة، ولو ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأمر في خطبة له لشاع وانتشر بين المسلمين ولورد ذكره عن الصحابة وبعدة طرق، ولذكره الأئمة من أهل البيت عليهم السلام ولتناقله أصحاب الإمام علي بن الحسين عليه السلام.
والا لو ثبت حدوثه لأمكن تأويله بانه بيان لعظيم منزلة الزهراء عليها السلام، واستعداد الإمام علي عليه السلام لاطاعة الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم حتى في اموره الخاصة وانه ظل وفياً للزهراء عليها السلام، وان الحديث ورد لبيان الحجة بضرورة عدم ايذاء الزهراء عليها السلام لانه ايذاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وانه رسالة وانذار للجميع باجتناب سخطها او الاساءة لها، وهو حث على اكرام الزهراء عليها السلام والتخلي عن كل ما يسخطها.
ولو تنزلنا وقلنا بصحة موضوع خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم تلك فان القدر المتيقن من النهي هو عدم اجتماع بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبنت عدو الله عند رجل واحد، وليس مطلقاً من بنات المسلمين، ولكن الإمام علي عليه السلام لم يقدم على الزواج من أي من الصحابيات او بنات الصحابة.
فدك
من المواضيع الاساسية التي ترتبط بشخص الزهراء عليها السلام موضــوع فدك – بفتحتين – وهي في الاصل قرية سكنها اليهود انتظاراً لظهور نبي آخر الزمان في المدينة ليكونوا قريبين منه ومبـادرين الى نصره، فلما بُعث من العرب ولم يبعث من بينهم كفروا وجحدوا وحرفوا وكادوا ونقضوا العهد، وبين فدك وبين المدينة المنورة يومان وقيل ثلاثة وقال ابن سعد: بينهما ست ليال( ) وتبلغ المسافة بينهما نحو خمسمائة كيلو متراً على التعيين الجغرافي والبلدي لفدك في الوقت الحاضر، ولكنه بعيد فالأرجح ان فدكاً قريبة من المدينة ومن خيبر فقد ورد في الأخبار ان (بينها وبين خيبر دون مرحلة) وخيبر تبعد عن المدينة نحو مائة وخمسين كيلو متراً، وقد ذكر انها تبعد عن المدينة اربعة مراحل فيكون بعد فدك عن المدينة نحو مائتي كيلو متر، والأولى تحديد موضوعها وتلمس آثارها وفق القواعد التأريخية والجغرافية.
وقال الزمخشري: ” فدك قرية بها نخيل وزروع، قال:
من شجوة الشق تطوف بالودك ليست من الوادي ولكن من فدك( )
وفدك لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب لان اهلها جاءوا الى النبي صــلى الله عليه وآله وســلم وصالحوه على النصف منها، بعدما سمعوا بفتــح خـيبر في الســنة الســابعة للهجــرة والذي بعث في نفوســهم الفــزع والخــوف والرعب من الاســلام وقــوة المسـلمين.
لذا اجمع المسلمون على ان فدكاً خالصة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي من الانفال.
والانفال لغة هي الزيادة في الفضل، وتأتي بمعنى الغنائم، والانفال خالصـة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لمقام نبوته ورياســته الإلهية العامة، ويدل عليه قوله تعالى [ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ]، هذا بالاضافة الى النصوص المستفيضة منها قول الإمام جعــفــر الصــادق عليه الســـلام في المــوثــق: (الانفال ما كان من ارض لم يكن فيها هـراقة دم، او قوم صولحوا او اعطوا بــأيــديــهــم، وما كان من ارض خــربــة، او بطون اودية فهذا كله من الفيء والانفال)، وفي الصــحــيــح عنه عليه الســلام: (واما الفيء والانـفــال فهو خالص لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم).

وهذا يعني ان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم التصرف المطلق بها ملكاً ومنفعة اكراماً لمقام النبوة ولجهاده في سبيل الله ودعوة للمسلمين لمعرفة خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وليس فدك وحدها من الانفال، وأرض البحرين مثلاً منها ( ).
وبرزت مسألة فدك بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة وأخذت رداءً سياسياً وعقائدياً وأخلاقياً، وابعاداً متعددة الوجوه، ظــلـت تتـجــدد في كل زمان بما يتــعــدى بفارق كبير الواقع المادي والحدود المكانية، والقيمة الاجمالية لارض فدك.
ويتلخص موضوع فدك بان الزهراء عليها السلام قالت ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهبها لها، ولكن ابا بكر انكر ذلك عندما آلت اليه الخلافة.
(قال المرتضي فيما حكاه عن قاضي القضاة: وقد كان الاجمل ان يمنعهم التكرم مما ارتكبوا منها فضلاً عن الدين)( ).
وأبعاد المســألة لم تنحـصــر بالتكرم واصل الملكية وغــلات الارض، فالزهــراء بضــعــة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والشاهد على ما لأهــل البيت عليهم الســلام من الحـقــوق والميراث من النبوة.
لقد مضى الف واربعمائة سنة على مسألة أخذ فدك، ولكنها تتجدد في كل عام، ويتناولها كل جيل بالبحث والاستقصاء والدراسات والبحوث المكتوبة عن فدك لأهمية موضوعها، ومحاولة البحث الشامل والمحيط لجوانبها المتعددة والابواب المتفرعة عنها ومن دون ايذاء فئة من المسلمين.
لقد جعل الله القرآن تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمة وحجة لمن اختصم به وسلاحاً لفك الخصومة وحسم الخلاف من غير اذىً او اساءة، لذا روى عن الإمام علي عليه السلام انه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: اتاني جبرئيل فقال: يا محمد ان امتك مختلفة بعدك، قلت: فاين المخرج يا جبرئيل، قال: كتاب الله به يقصم كل جبار، من اعتصم به نجا، ومن تركه هلك، قول فصل ليس بالهزل).لقد تقدم في الجزء الاول من الكتاب باب بعنوان الزهراء في القرآن تفســير لآية التطهــير(1 ) وما يتعلق بالزهـراء في هذه الآية، فانت ترى في قوله تعالى إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ارادتين تفضل بهما الله عز وجل على اهل البيت وعلى الناس جمـيعــاً من خــلال الجـمـع بين هذه الآية وقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ] ( )ارادة زجر متوجهة الى الرجس وهو الفعل القبيح والاثم بالابتعاد عن آل محمد، فهم في مأمن من مداهمة المنكر ومراودته للنفس بصورة مباشرة او بالواسطة، انها نوع اكرام خاص ينفرد به اولياء الله، فمن العصمة امتناع المعصية، والارادة الثانية متوجهة الى ذات اهل البيت بتطهيرهم وتزكيتهم بالحصانة والملكة النفسية النوعية وتأهيلهم لمقام الإمامة المنزه عن الدنس والسوء، ما كبر منه وما دقّ، وما ظهر او كان خفياً.
لقد اراد الله عز وجل لهم زعامة الأمم برداء التقوى، وليكونوا المثال الاسمى الذي يقتدى، فأنعم عليهم بتلكما النعمتين، واحس المسلمون سواء منهم الذين فازوا بشرف صــحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم او من التابعين وتابعي التابعين الذين عاصروا الائمة عليهم السلام، او الأجيال التي تبعتهم عبر تلـمــس آثار التاريخ والسيرة، احسوا جميعاً بحقيقة مصداق آية التطهير في اهل الكساء، ولذا يمكن القول بان اكرام اهــل البيت عليهم السـلام ونصــرتهم والذب عنهم انما هو اكرام للقـرآن لما فيه من تثبيت عملي للواقع التطبيقي لآية التطهير.
فحينما ادعت الزهراء عليها السلام ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نحلها فدكاً، كانت تلك الدعوى وحدها كافية لاثبات الحجة، فقولها عليها السلام بينة، خاصة وان البينة تفيد اثبات الحكم الظاهري، اما اذا دل دليل على الحكم الواقعي فلا نحتاج الى الحكم الظاهري لعدم وصول النوبة اليه باعتباره حكماً ثانوياً، ثم قالت اتماماً للحجة انها ميراث وانها سهم ذي القربى.
وهذا القول منا ليس على سبيل القطع والجزم فللحاكم الشرعي ان يجتهد ويرى المناسب من الاحكام والعلل الطريقية للوصول الى الحكم وفق الاصول والقواعد.
اننا محتاجون لتنــاول موضوع فدك من غير انفعال او انحياز لهوى او ميــل لاتجاه فكري وولاء مـذهبي، نريد بياناً موضــوعياً يكون درساً وموعظة للأجيال القادمة، ويؤكد روح التسامح في الاسلام والاستعداد لسماع الرأي الآخر، وللانصاف الذي هو نصف الدين خصــوصاً اذا كان الانصاف لأهل البيت عليهم الســـلام، وتحقـيقــاً لمســألة فدك مبنياً في الاســاس على عدم الاســـاءة الى وحــدة المسلمين واحاسيسهم بل وما تعتقد به كل طــائفة منهم ومن غير تفريط بحق اهل البيت، وليس في ذلك تعــارض او تزاحم لان آية المودة حاكــمة في المقام، فكل مسلم يحب اهل البيت ولا يرضى ان تبخس حـقوقهم، ولكن الاختلاف يقع في نــوع تلك الحقوق فيـكــون النزاع في المسألة صغروياً.
وفي مسألة فدك منهجان متغايران في المبنى، يتضمن الاول بيان الظلم الواقع على الزهراء عليها السلام بغصب فدك منها، اما الآخر فانه ينظر للمسألة من خلال موقف اجمالي عام يتبناه ويعتقده وهو عدم الاساءة الى الخليفة أبي بكر، والاعتذار عنه وذكر الحجج لما فعله ازاء الزهراء، وهذا النزاع في المبنى يجب ان لا يحول دون بيان الحقائق واجراء الدراسات والبحوث الهادفة فيما يتعلق بفدك، نعم، على الباحث ان يأخذه بنظر الاعتبار لأهميته مع عدم الاخلال بالحقائق ولغة الانصاف والغايات السامية لتجديد بحث هذا الموضوع واجتناب اثارة الفرقة واستحداث الضغائن وصيغ السباب واساليب الطعن ومما نُهي عنه واجتناب الجرح والإساءة وما يسبب النفرة والإبتعاد عن النفع العلمي وقصد الإصلاح والتدبر بمنظار الإيمان وصدق السريرة.
وابتداءً نقول ان مسألة فدك لا ينظر لها من خلال أخذها من الزهراء عليها السلام بل ان موضــوعها يبدأ من القــرآن ونزول آياته، ولأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يفعل شيئاً الا بأمر من عنده تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى .
وعندما نزل قوله تعالى وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ.. بدأت معه تفاصيل وقائع فدك حيث استدعى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الزهراء عليها السلام واعطاها فدكاً وهي مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب.
وهذا الاقتران وظهور المصداق الخارجي للآية باعطائه صلى الله عليه وآله وسلم فدكاً للزهراء عليهاالسلام يدل على أهمية (فدك) وعلى ان الاعطاء يحمل مضامين الدوام والاستمرار، او انه سيكون باباً للابتلاء والافتتان يعرف من خلاله المسلمون لزوم حب أهل البييت عليهم السلام واجتناب ايذائهم، لذا ترى النتائج العقائدية والسياسية والاجتماعية لموضوع (فدك) أكبر كثيراً مما لها من الغلات، واصبح اكثرها في هذه الأزمنة ارضاً قاحلة، ولعله لانتزاعها من الزهراء بينما ترى موضوعها يتجدد في كل عام ويشمل الاحكام الفقهية ايضاً.
فقد أخرج البزار وابو يعلي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: (لما نزلت هذه الآية [ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ.. ] دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة سلام الله عليها فاعطاها فدكاً).
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: (لما نزلت هذه الآية، قطع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة فدكاً) (1 )، وقد ورد عن ابن طاووس ان ابن الحجام روى حديث فدك من عشرين طريقاً وذلك عند ذكره لهذه الآية الكريمة في تفسيره، لقد كان في هذه الهبة نوع اكرام للزهراء عليها السلام وجزاء كريم لما أنفقته أمها خديجة من مال في سبيل الله وبناء الاسلام في أيامه الاولى.

في رحاب فدك
لقد احتلت فدك موقعاً في نفوس اهل البيت من جهة الاستحقاق والاهمية، وكان لها اعتبار وموضوعية خاصة، كان فيها طرد للعوز والفقر والحاجة عن اهل البيت، ولو تركت بايديهم لكانت آلة مباركة وسبيلاً للنفع العام والصلاح.
ولفدك قيمة معنوية واعتبار سياسي خاص لذلك ورد ان الإمام علي عليه السلام بيّن حدودها ومعالمها في قوله: (حد منها جبل أحد، وحدّ منها عريش مصر، وحدّ منها سيف البحر، وحدّ منها دومة الجندل)، وعن الزمخشري في ربيع الابرار (ان هارون الرشيد كان يقول لموسى بن جعفر: خذ فدكاً، وهو يمتنع، فلما ألح عليه، قال: ما أخذها الا بحدودها، قال هارون: وما حدودها، قال الإمام: الحد الاول عدن، فتغير وجه الرشيد، قال: والحد الثاني، قال: سمرقند، قال: والحد الثالث، قال: افريقيا، فاسود وجهه، قال: والحد الرابع قال: سيف البحر) وسيف البحر – بكسر السين – ساحل البحر.
انه بيان لما يعنيه موضوع فدك وموقعها في التاريخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي، فاما ان الإمام يعني اننا بفدك كنا نصل الى الحكم ونجلس في المقام الذي أخذتموه، او انها كانت عنواناً لحقنا العام في التدبير والملكية، او انها المدخل الى السلطنة وحجبها كمصدر للمال والنفوذ وجمع الأصحاب والأنصار وكان أخذها مقدمة لحجب ولاية الحكم عن أهل البيت عليهم السلام.
وفيه ايضاً اشارة الى الاسباب السياسية الكامنة وراء أخذ فدك من الزهراء عليها السلام وآثاره على اهل البيت، فقد كانت الموارد التي تأتي من فدك كافية لمؤونة اهل البيت عليهم السلام واعانة مواليهم وباباً لاتصال جريان الخير على ايديهم، بل ان امتلاك اهل البيت لفدك يعتبر مدرسة في السخاء والكرم الاسلامي وايثار الآخرين.
فالزهراء عليها السلام التي ملّكها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدكاً والعوالي قبل وفاته بثلاث سنين ونصف، وعينت عمالاً يجمعون العائدات كما حكاه ابن أبي الحديد وابن حجر وغيرهما وكانت توزع ما يصل منها على الفقراء والمساكين، من غير ان تفارق الجلوس على جلد الخروف ولبس إزار فيه عدة رقع، وهي تطوي أياماً من غير طعام الا التسبيح والتهليل.
ولم تكن ارباح فدك السنوية بالقليلة فقد ذكر ان عائداتها تصل الى سبعين ألف دينار، وفي رواية أربعة وعشرين ألف دينار، والدينار مثقال ذهب عيار ثماني عشرة حبة ووزنه 3,6 غراماً وهو ثلاثة ارباع المثقال الصيرفي، ولكن وردت أرقام أقل من ذلك وتتعـلـق بالقيمة اللاحقة لفدك، وفي رواية محمد بن اسحاق: (ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما فرغ من خيبر قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك، فبعثوا الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصالحوه على النصف من فدك، فقــدمــت عليه رســلهم بخيبر او بالطــريق او بعدما أقام بالمدينة فقبل ذلك منهم، وكانت فدك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خالصة له لانه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب).
وعن ابن حزم: (انه صالحهم على النصف فلم يزل الأمر كذلك حتى أخرجهم عمر بن الخطاب واجلاهم بعد ان عوضهم عن النصف الذي كان لهم عوضاً من إبل وغيرها، وقيل ان عمر لما اجلاهم بعث اليهم من يقوم الاموال، فقوموا أرض فدك ونخلها، فدفع اليهم عمر قيمة النصف الذي لهم، وكان مبلغ ذلك خمسين ألف درهم، اعطاهم إياه من مال أتاه من العراق، واجلاهم الى الشام)( ).
ويمكن معرفة الاهمية الاقتصــادية والاجــتماعــية لفدك من خلال سكن اكبر علماء اليهود في الجزيرة فيها وهو ابن صوريا، (فقد روي ان ابن صوريا وجماعة من يهود اهل فدك لما قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى المـدينة ســألوه فقالوا: يا محــمد كيف نومـك، فقد أخـبرنا عن نوم النبي الذي يأتي في آخر الزمان…) الحديث( ).
وفدك ونحوها من الفيء لكنه ليس بالكثير على اهل البيت استحقاقاً وتصرفاً واهلية، قال تعالى مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ… .
والفيء غير الغنيمة وان قال جماعة من العلماء ان الفيءً في هذه الآية هو الغنيمة، والظاهر ان بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً، فكل فيء غنيمة وليس العكس، قوله تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ.
وقال عمر بن الخطاب: (مال بني النضير كان فيءً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة ولذي القربى، قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بني هاشم وبني عبد المطلب)، وقال الشافعي: (ان مال الفيء يأخذ منه قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الفقراء والاغنياء، وانما ذكروا في هذه الآية لانهم منعوا الصدقة).
وعلة فيئه ورجوعه الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم واهل البيــت من بعده ان المســلمين لم يــوجــفوا عليه بخــيل ولا ركاب ولم يستولوا عليه بقتال، قال تعالى: فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ .
وقيل: (جعل ابو بكر وعمر سهمين: سهم رسوله وسهم قرابته من الاغنياء في سبيل الله، وصدقة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ذكره قتادة، والباقي في اهل الحاجة من اطفال المسلمين الذين لا آباء لهم. وابن السبيل المنقطع به من المسافرين في غير معصية الله)( ).
لقد كانت الآية حجة وبرهاناً على عظيم منزلة اهل البيت وضرورة اكرامهم واطلاق أيديهم في التصرف بالاموال التي خصهم الله عز وجل بها لما في ذلك من تعظيم لشعائر الله وتثبيت لدعائم الدين وتعاهد للعترة التي اوصى بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الثقلين وغيره، وفيه بشارة لكثرة عددهم واتساع مسؤولياتهم وزيادة حاجاتهم.
لذا فلا غــرابة ان يكون ذيل الآيــة الكريمة تحذيراً وانذاراً وهو وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُـــولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَــاكُــمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّــقُــوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ، أي ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما أعطاكم من الفيء فخــذوه وارضــوا به، وما منعـكم منه فاجــتنبــوه ولا تأخـذوا ما جعله لأهل البيت خاصة لانه لا يعمل الا بأمره تعالى.
وفي الآية اعجاز آخر يرتبط ايضاً بموضوع الاستحقاق ومخالفته، فلم ينقض زمان طويل على اليوم الذي أخذت به فدك من الزهراء عليها السلام حتى تم توزيعها على الاغنياء ومن غير سابقة محمودة في الاسلام (فقد اقطع عثمان بن عفان فدكاً لمروان بن الحكم، وقد كانت فاطمة عليها السلام طلبتها بعد وفاة ابيها صلوات الله عليه تارة بالميراث وتارة بالنحلة فدفعت عنها)( ).
ويمكن اعتبار مروان بن الحكم آنذاك من الاغنياء وصدق الإسم عليه كما جاء في الآية الكريمة، بما أغدق عثمان عليه بعد ان أعاده من المنفى الذي سيره اليه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقد خرج فيما بعد في معركة الجمل على أمير المؤمنين عليه السلام وهو الإمام المفترض الطاعة باجماع المسلمين.
لقد أمر عثمان بمائة ألف من بيت المال لمروان بعد ان زوجه ابن ته أم ابان، في اليوم الذي أعطى فيه أبا سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال، فجاء زيد بن أرقم وكان بيده بيت المال بالمفاتيح ووضعها بين يدي عثمان وبكى، فقال عثمان: أتبكي ان وصلت رحمي، الى ان قال زيد: لو اعطيت مروان مائة درهم لكان كثيراً، فقال عثمان: إلق المفاتيح يا ابن ارقم، فانا سنجد غيرك) بل ان الاستحواذ على عائدات فدك وحدها مصداق للغنى.
(وقد ورد في بعض الأخبار ان معاوية لما استولى على الحكم اقطع مروان بن الحكم ثلث فدك، واقطع عمر بن عثمان ثلثها الآخر، واقطع يزيد بن معاوية ثلثها الأخير، فما زالوا يتداولونها حتى خلصت لمروان بن الحكم أيام خلافته)( )، ويدل ذلك على اهمية فدك وسعتها وكثرة ما يرد منها، ولا تعارض بين الخبرين، فعلى فرض أخذ مروان لها أيام عثمان، فربما قام معاوية باعادة التقسيم او ان الأيدي تداولتها الى حين قيام معاوية بشرائها او الإستيلاء عليها وتوزيعها من جديد، او انها عادت الى الخلافة الاسلامية أيام الإمام علي عليه السلام والأخير ضعيف كما سيأتي في حسنة ابراهيم الكرخي التالية.
(وقد ذكر ان عمر لما تولى الخلافة دفع فــدكاً الى ورثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبقيت فدك عند آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى ان تولى عثمان بن عفان الخلافة فأقطعها مروان).
والدولة في الآية الكريمة أي التداول والاستئثار بها من قبل اهل الدولة والغلبة، واثار ذلك السلبية واضحة بولادة الطبقات ووقوع التباين بينها وحرمان الفئات الواسعة من المسلمين من الفيء، واتساع رقعة الفقر وانتشار اضراره الاجتماعية والأخلاقية بل والروحية.
بينما يضعه أهل البيت لو بقي في أيديهم حيث مرضاة الله وتوفير مستلزمات الحياة الكريمة للعترة الطاهرة، ولما سأل هارون الرشيد الإمام موسى بن جعفر عليه السلام: (اتقولون بان الخمس لكم، قال: نعم، قال الرشــيد: انه لكثير، فقال الإمام: ان الذي اعطاه لنا علم انه غير كثير)( ) وفي الكلام توكيد وحجة على استحقاق اهل البيت للخمس وتعدد وجوه صرفه وكثرة الموارد التي يوظفونه فيها، وانه من عنده تعالى والله يعلم وانتم لا تعلمون.
ولقد اظهر ابو بكر الحرص على الوفاء بما وعد به النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم وما عليه من دين مما حال دونه الاجل والمغادرة الكريمة الى دار النعيم، (وجاء لأبي بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمي الوالي على البحرين فقال: من كان له على النبي دين او كانت قِبَله عدة فليأتنا، قال جابر: فقلت وعدني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان يعطيني هكذا وهكذا وهكذا، فبسط يده ثلاث مرات فعد في يدي خمسمائة ثم خمسمائة ثم خمسمائة)( ).
(وعن أبي سعيد الخدري انه قال: سمعت منادي أبي بكر ينادي بالمدينة حين قدم عليه مال البحرين: من كانت له عدة عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فليأت، فيأتيه رجال فيعطيهم، فجاء ابو بشير المازني، فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا أبا بشير اذا جاءنا شيء فأتنا، فاعطاه ابو بكر حفنتين او ثلاثاً فوجدها ألفاً واربعمائة درهم)( ).
وتقتضي القواعد والاصول تقديم الزهراء عليها السلام في دعواها، للأولوية، وللقربى ولآية التطهير ولقاعدة اليد ولوجود الشهود، بينما تشير الروايات اعلاه الى الاعطاء على الدعوى ومن غير سؤال شهادة او بينة وهو أمر حسن.
(وقد جاء في الأخبار ان أبا بكر كتب لفاطمة كتاباً بفدك، فخرجــت من عنده ولقيها أحد الصحابة فســألهــا، فأخبر عن موضوع الكتاب فأخــذه منها وخرّقه وشقه وقال ان ما تدعيه فاطمة ينفق على المسلمين).
(وقال ابن أبي الحديد: سألت علي بن الفارقي مدرس المدرسة الغربية فقلت له: أكانت فاطمة صادقة؟ قال: نعم، قلت: فلم لم يدفع اليها أبو بكر فدك وهي عنده صادقة؟ فتبسم ثم قال كلاماً لطيفاً مستحسناً مع ناموسه وحرمته وقلة دعابته، قال: لو اعطاها اليوم فدكاً بمجرد دعواها لجاءت اليه غداً، وادعت لزوجها الخلافة وزحزحته عن مقامه ولم يمكنه الاعتذار والموافقة بشيء، لانه يكون قد سجل على نفسه انها صادقة فيما تدعي كائناً من كان من غير حاجة الى بينة وشهود، وعقب ابن أبي الحديد: وهذا الكلام صحيح وان كان أخرجه مخرج الدعابة والهزل)( ).
ويمكن التأمل في هذا الخبر ومناقشته، فالزهراء عليها السلام لم تكن فقط مدعية لفدك، بل انها كانت بيدها وعمالها فيها، فقاعدة اليد والإستصحاب وظاهر الملكية امور لها الحكومة كان عندها شهود عدول يشهدون بملكيتها لفدك، وموضوع الخلافة مستقل عن هذه المسألة وفيه حجج من القرآن وادلة من السنة، كذلك فان اقرار أبي بكر بصحة ملكية او دعوى فاطمة عليها السلام لفدك لا يعني بالضرورة وجوب تصديقه لها بكل دعوى او قول عقلاً وشرعاً وللتباين الموضوعي خاصة وان البيعة قد تمت له، وما كان يحتاج في فدك الا ان يتركها وما هي عليه.
الإمام علي وفدك
ولم يسلم الإمام علي عليه السلام من القوم بسبب وقوف الزهراء عليها السلام الى جانبه وهي ترفض غمط حقه خاصة ولقد تدخل مباشرة بمسألة فدك واستحقاق الزهراء عليها السلام لها، ولعل ذهابه الى المسجد ومطالبة أبا بكر سبق ذهاب الزهراء عليها السلام الى المسجد، وان الزهراء لم تخرج وتلقي خطبتها الا بعد بذل أمير المؤمنين الوسع في النصح والاحتجاج وتعرضه للأذى.
(فبالاسناد عن الصدوق عن ابيه عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن ابن أبي عمير عمن ذكره عن أبي عبد الله – الإمام الصادق – عليه السلام قال: لما منع ابو بكر فاطمة عليها السلام فدكاً، وأخرج وكيلها جاء أمير المؤمنين عليه السلام الى المسجد وأبو بكر جالس وحوله المهاجرون والأنصار، فقال: يا أبا بكر لم منعت فاطمة عليها السلام ما جعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لها ووكيلها فيه منذ سنين، فقال ابو بكر: هذا فيء للمسلمين فان أتت بشهود عدول والا فلا حق لها فيه، قال: يا ابا بكر تحكم فينا بخلاف ما تحكم في المسلمين، قال: لا، قال: أخبرني لو كان في يد المسلمين شيء فادعيت أنا فيه، ممن كنت تسأل البينة؟ قال: إياك كنت اسأل، قال: فاذا كان في يدي شيء فادعى فيه المسلمون تسألني فيه البينة، قال: فسكت ابو بكر، فقال عمر: هذا فيء للمسلمين ولسنا من خصومتك في شيء، فقال أمير المؤمنين عليه السلام لأبي بكر: يا أبا بكر تقرأ بالقرآن، قال بلى، قال: فأخبرني عن قول الله عز وجل إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا أفينا او في غيرنا نزلت، قال: فيكم.. الحديث( ).
وظلت مســألة فدك تحتل اهــميــة خاصــة عند أمير المؤمــنــين عليه السلام، وفي خطبة له عليه السلام عندما جــاءتــه الخــلافة: (بلى كانت في أيــدينــا فدك من كل ما اظــلـته السماء، فشحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نـفوس قوم آخــرين، ونعم الحكم الله، وما اصنع بفدك وغير فدك، والنفس مظانُها في غير جَدَث)( ).
وهذا بيان وتوكيد تأريخي بان فدك كانت تعود في ملكيتها لاهل البيت، والتخصيص بانها للزهراء عليها السلام معروف عند المستمع وعلى مر الأجيال، وقوله عليه السلام (بأيدينا) اجمال وعام يراد منه الخاص وهو ملكية الزهراء لها وعائديته كأرث له وللحسنين وذريته الزهراء عليه السلام.
(وعن مجمع الزوائد عن عمر قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جئت انا وابو بكر الى علي فقلنا: ما تقول فيما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: نحن أحق الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال فقلت: والذي بخيبر؟ قال: والذي بخيبر، قلت: والذي بفدك؟ قال: والذي بفدك، فقلت: اما والله حتى تحزوا رقابنا بالمناشير فلا).
ويشير الحديث الى عدم وجود احتجاج او انكار لادعاء أمير المؤمنين عليه السلام بالأحقية وميراث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يُرد عليه بحديث (لا نورث) بل اتجه عمر نحو النتائج السياسية المحتملة من التسليم لهذا الاستحقاق، والمكانة والقدرة التي ستكون لاهل البيت عليهم السلام.
وقد يتساءل المرء هل استرجع أمير المؤمنين عليه السلام فدكاً في أيام خــلافتــه، وقد ذكر الشــيخ الصــدوق ثــلاث روايات متقاربة من حيــث العــلــة ووجه الحــكــمــة، منها حسنة ابراهيم الكرخي قال: (ســألت ابا عبــد الله عليه الســلام فقلت له: لأي عــلة ترك علي بن أبي طالب عليه الســـلام فدكــاً لما ولى الناس، فقال: للاقتداء برســـول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما فتح مكــة وقـد باع عقــيــل بن أبي طالب داره، فقيل له يا رســـول الله الا ترجع الى دارك، فقال عليه السلام: وهل ترك عقــيــل لنا داراً، انا اهل بيت لا نسترجع شيئاً يؤخذ منا ظلماً فلذلك لم يسترجع فدكاً لما ولى…)( ).
وفدك في أيام خــلافــة أمير المؤمــنــين عليه السلام تحتمل وجوهاُ:
1- بقاؤها بيد مروان بعد ان اقطعها له عثمان.
2- عودتها الى أهل البيت عليهم السلام.
3- ضمها الى بيت مال المسلمين.
4- عودتها الى أهل البيت ولكن الإمام جعلها في مصالح المسلمين العامة.
ان اقطاع معاوية ثلث فدك لمروان يدل بالدلالة التضمنية على خروجها من يد مروان، وظاهر الحسنة اعلاه انه عليه السلام لم يسترجعها، وهذا القول يحتمل أمرين:
الأول: تركها بيد الآخرين تقية ومنعاً لاستغلال المسألة ضد الخلافة كما في عدم منعه لمن يصلي النافلة جماعة.
الآخر: انفاق غلاتها في المصالح العامة.
وظاهر الحسنة الأمر الأول.
الزهراء والسقيفة
عندما تمت لأبي بكر في سقيفة بني ساعدة البيعة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعمر هو أول من قال لأبي بكر ساعتها ابسط يدك أبايعك، فبسط يده فبايعه وبايعه الناس( ).
كان الإمام علي عليه السلام ونفر من بني هاشم مشغولين بتجهيز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما بلغهم أمر البيعة وكانوا يظنون انه لا يجرأ أحد من الصحابة بالتقدم على أمير المؤمنين واتخاذ قرار الخلافة من دونه لحديث الغدير والقرابة والسابقة في الاسلام والجهاد وغيرها من المؤهلات التي ينفرد بها، فاجتمعوا في بيت فاطمة عليها السلام ومعهم نخبة ممن امتنع عن البيعة وقالوا لا نبايع الا علياً مثل الزبير بن العوام، وكذا جماعة من غير بني هاشم كخالد بن سعيد بن العاص وغيره.
ولم يكن موقف فاطمة عليها السلام سلبياً او انها لم تكترث بما يجري في اهم مسألة اسلامية في ذلك الوقت وهي الخلافة، ولم ينحصر ذكرها في المقام باتخاذ بيتها مقراً لاجتماع الموالين لأمير المؤمنين عليه السلام والمعارضين لبيعة السقيفة، والكيفية التي جرت فيها او بإختيار بيتها استثماراً لمقامه عند المسلمين ومنزلتها فحسب، وان أمير المؤمنين عليه السلام يسكن معها في البيت، بل كانت عليها السلام تتحمل المسؤولية الشرعية في موضوع الخلافة سواء لما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحق علي عليه السلام، او لانها بضعة النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم، او لما تراه من المصلحة.
وقد ورد انه لما بويع ابو بكر بالخلافة، كان الإمام علي عليه السلام يحمل فاطمة عليها السلام على دابة ليلاً في مجالس الأنصار تسألهم النصرة، فكانوا يعتذرون ويقولون يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو ان زوجك وابن عمك سبق الينا قبل أبي بكر ما عدلنا به.
فيقول الإمام علي عليه السلام: افكنت أدع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيته لم ادفنه وأخرج انازع الناس سلطانه، فتقول فاطمة عليها السلام: ما صنع ابو الحسن الا ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم( ).
وحينما جاء عمر ومعه جماعة منهم أسيد بن حضير وسلمة بن ســلامة قال ابو بكر: ان قيس بن شماس من الخزرج كان مع الجماعة الذين دخــلوا بيت فاطــمــة، وروى سعد بن ابراهيم: ان عبد الرحمن بن عــوف كان مع عمر ذلك اليوم، وان محمداً بن ســلمة كان معهــم)( ) جاءوا الى بيت فاطمة عليها السلام الذي ابقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بابه على المســجــد مفــتــوحاً بعد ان غلق كل الابواب التي كانت مطلة عليه باستثناء ابواب ازواجه.
واراد عمر اخراج من في بيت فاطمة وحملهم على البيعة لأبي بكر (فوقفت فاطمة عليها السلام على بابها فقالت: لا عهد لي بقوم حضروا اسوء محضر منكم، تركتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جنازة بين ايدينا وقطعتم أمركم بينكم، لم تستأمرونا ولم تردوا لنا حقاً ( ).
وكان للزهراء عليها السلام ووقوفها وتصديها لهم اثر فعال في صدهم ورجوع اكثرهم لما لمنزلتها عند المسلمين ولعظيم الشبه بالرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فقد ورد مثلاً في موضوع هـيبتها عن أمير المؤمنين عليه السـلام: فلما نظرت الى وجــه فاطمة أخــذتني هيبة عظيمة من جهة كونها اشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الشمائل الحسنة والكلام والاشارة.
ولما أعرض الإمام علي عليه الســلام عن أمر البيعة والكيفية التي تمت بها بقي في بيت فاطمة عليها الســلام فتحــاموا لاخراجه منه قسراً، قال ابن أبي الحديد: (وقامت فاطمة عليها السلام الى باب البيت فاسمعت من جاء يطــلبه فتفــرقــوا، وعلموا انه بمفرده لا يضر شيـئاً فتركوه)( )، بل ان الزهراء عليها السلام هي التي خرجت وتلقت الجماعة، وتصدت لمحاولة احراق دارها، وعانت وتحملت الاذى، وانهم استاذنوا، فقالت فاطمة عليها السلام احرج عليكم ان تدخلوا عليّ بيتي بغير اذن، قيل فرجعوا وثبت قنفذ.
فقد ورد ان علياً والعباس والزبير قعدوا في بيت فاطمة حتى بعث اليهم ابو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة وقال له: (ان أبوا فقاتلهم، فاقبل بقبس من نار على ان يضرم عليهم الدار فلقيته فاطمة، فقالت: يا ابن الخطاب اجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم، او تدخلوا فيما دخلت فيه الامة)( ).
ولغة الخطاب (او تدخلوا) على فرض صحة الخبر سنداً ودلالة تفيد ان فاطمة عليها السلام كانت ركناً في الموضوع وان انحصرت البيعة على الرجال، وانه كان لها رأي في البيعة وتاثير على الرجال وبني هاشم خاصة وإختيارهم موقف الاعراض والامتناع عن البيعة.
وورد عن البلاذري وهو من الثقات عند العامة بالاسناد عن ابن عون ان ابا بكر ارسل الى علي عليه السلام يريده الجبر على البيعة، فلم يبايع، فجاء عمر ومعه قبس، فلقيته فاطمة على الباب، فقالت: يا ابن الخطاب اتراك محرقاً علي داري، قال: نعم وذلك اقوى فيما جاء به ابوك.
وفي رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام: أخذت بيد فاطمة والحسن والحسين ودرت على اهل بدر واهل السابقة، فناشدتهم حقي ودعوتهم الى نصري فما اجابني الا اربعة رهط، سلمان وعمار والمقداد وابو ذر( ).
ولم يكن مثل هذا العمل من الزهراء عليها السلام غريباً او جديداً، فقد عرفت بالجهاد والذب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونصــرته واظهار الغلظة مع الكفار الذين كانوا يؤذونه في مكة، بالاضافة الى إختيارها الهجرة وخروجها في مباهلة وفد نصارى نجران وغير ذلك من المواقف الجهادية، كما انها ادركت وخاصة اثناء الاحداث التي رافقت البيعة واتصلت ببيتها ان الإمام علي عليه السلام في خطر ويتعرض لتهديد مباشر وعلني بالقتل كما في قوله عليه السلام فيما بعد (فنظرت فاذا ليس لي معين الا اهل بيتي، فضننت بهم عن الموت واغفيت عن القذى)( ).
وكان لوجود الزهراء عليها السلام الى جانبه ناصراً وعوناً سبب هام في صرف النظر عن أمره اثناء مدة امتناعه عن البيعة، (فقد قيل له بايع، قال: ان لم افعل، قالوا: اذاً والله الذي لا إله الا هو نضرب عنقك، قال: اذاً تقتلون عبد الله وأخا رسوله، قال عمر: اما عبد الله فنعم، واما أخو رسوله فلا، وابو بكر ساكت لا يتكلم، فقال له عمر: الا تأمر فيه بأمرك فقال: لا اكرهه على شيء ما كانت فاطمة الى جنبه)( ).
ولقد كانت الزهراء عليها السلام مؤازرة للامام علي عليه السلام وتدخلت بنفسها لمنع الاساءة اليه، فقد روى الكليني عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام: لما كان من أمرهم ما كان، أخذت بتلابيب عمر فجذبته اليها، ثم قالت: اما والله يا ابن الخطاب لولا اني اكره ان يصيب البلاء من لا ذنب له لعلمت ساقسم على الله ثم اجده سريع الاستجابة.
بل ورد انها خرجت خلف الإمام علي عليه السلام وان الهاشميات خرجن معها لدفع الاذى عنه، مع حداثة العهد بمصيبة وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ففي رواية العياشي: فخرجت فاطمة عليها السلام فقالت: يا ابا بكر، اتريد ان ترملني من زوجي، والله لئن لم تكف عنه لأنشرن شعري، ولأشقن جيبي، ولآتين قبر أبي، ولأصيحن الى ربي فأخذت بيد الحسن والحسين وخرجت تريد قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي رواية فقال رجل من القوم ما تريد الى هذا، ثم أخذت بيد علي عليه السلام فانطلقت به.
ولابد ان هذا الموضوع جملة وتفصيلاً كان مصدر عناء للزهراء عليها السلام التي لم تعمر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم طويلاً، توالت عليها الاحزان والهموم بفقده بسرعة، عن المسعودي وحدث النوفلي في كتابه في الأخبار عن ابن عائشة عن ابيه عن حماد بن سلمة قال: (كان عروة بن الزبير يعذر أخاه – أي عبد الله بن الزبير – اذا جرى ذكر بني هاشم وحصره اياهم في الشعب وجمعه الحطب لتحريقهم، ويقول انما اراد بذلك ارهابهم ليدخلوا في طاعته كما ارهِب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لاحراقهم اذا هم أبوا البيعة فيما سلف).
وورد عن صحيحي مسلم والبخاري: (كانت وجوه الناس الى علي عليه السـلام وفاطمة باقية، وبعدما ماتت فاطمة عليها الســلام انصرفت وجوه الناس عنه، وخرج من بيته فبايع ابا بكر)( ).
والشطر الاول من الحديث صحيح ويدل على عظيم منزلة الزهراء عليها السلام بين الناس وفيه اقرار بخشيتها واجتناب ايذائها لما في ذلك من هياج عام وعواقب وخيمة، اما الشطر الأخير منه وهو انصراف وجوه الناس عنه بعد وفاتها عليها السلام فليس بتام، للفضائل العظمى والمناقب التي ينفرد بها أمير المؤمنين عليه السلام ويقر بها جميع المسلمين.
ومحاولة التقليل من شأن أمير المؤمنين عليه السلام لا تضر الا بالمسلمين فكيف يعــرضــون عن الإمام عليه السلام مع سابــقــتــه في الاســلام والآيــات القــرآنية التي تشهد له، وحــديث المنـزلــة وبيــعــة الغدير وغـيرها مع معرفــتــهم بعلمه الغــزيـر وحاجة الأمة له، نعم كان وجــود الزهراء عليها السلام الى جانبه شــداً لعضــده وثـقــلاً سـياسياً مهيبــاً، وبركة لعموم المســلمين، وفي الخبر (لم يبايــع ابا بكر احد من بني هاشم حتى ماتت فاطمة عليها السلام)( ).
لقد كان للزهراء عليها السلام رأي وقول ويمكن القول بانها كانت ركناً من اركان القيادة، (فبالاسناد عن زيد بن اسلم عن ابيه ان علياً رضي الله عنه والزبير كانا حين بويع لأبي بكر يدخلان على فاطمة فيشاورانها ويتراجعون في أمرهم، فبلغ ذلك عمر فدخل عليها عمر، فقال: يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما كان من الخلق أحد أحب الينا من أبيك، وما أحد أحب الينا بعده منك، وقد بلغني ان هؤلاء النفر يدخلون عليك ولان بلغني لافعلن ولافعلن…) الحديث( ).
وكان الزبير بن العوام يعد نفسه من بني هاشم، وامه صفية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم (وكان علي عليه السلام يقول: ما زال الزبير منا اهل البيت حتى نشأ بنوه فصرفوه عنا)( ).
خطبة الزهراء وسندها
تعتبر خطبة الزهراء عليها السلام وثيقة اسلامية خالدة واحدى ذخائر الفلسفة الاسلامية ودرة ثمينة من تراث آل محمد الذين لم يتركوا للأجيال الا العلم وروائع الفكر الانساني ونواميس النبوة واحكام الإمامة.
انها باب من ابواب الحكمة ومدرسة لتأديب أجيال اهل البيت ذكوراً واناثاً، وتلقيهم من خلالها وجوهاً عديدة من العلم والمعرفة والاحكام الفقهية والأخلاقية.
وهي تعكس جانباً مشرقاً من معالم العصــمة والمنزلة الرفيعة التي كانت تتمتـع بها الزهراء عليها الســلام، وفيها جواب كريم على التساؤل الذي قد يرد عن مؤهلات الزهراء عليها السلام العقلية والعملية والايمانية والجهادية وما اهلها للسيادة على نساء العالمين.
وفيها توكيد لمنزلة المرأة في الاسلام وما تمتلكه من القدرات في الاعلان عن رسوخ الإيمان في النفس والتعبير السليم عن الرأي والمعتقد وبيان الحجة، والدفاع عن النفس والمال والحق بأحسن صيغ الاحتجاج والاقناع المنطقي.
انها ينابيع الحكمة التي ابقاها اهل البيت لعموم المسلمين دروساً من اجل اكرامهم واجتناب غصب حقوقهم واشراقة من المعرفة الإلهية وموعظة تنجذب النفوس معها الى الهدى وتنهل من معين الصبر، وكان للخطبة اثر كبير في نفوس المسلمين ومنهم بعض الأمراء كعمر بن عبد العزيز وغيره من الخلفاء الذين ردوا فدكاً على ابن اء فاطمة، اذ ان الخطبة الشريفة مدرسة جامعة تصلح لاستنباط ابواب متفرعة من العلوم منها، فلا غرابة اذن ان يتعاهدها اهل البيت ويتوارث حفظها الابناء عن الآباء.
(وعن ابن طيفور قال ذكرت لأبي الحسين زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كلام فاطــمــة عليها الســلام عند منــع أبي بكر فدك، قلت: ان هؤلاء يزعمون انه مصنوع وانه من كلام أبي العيناء( )، فقال لي: رأيت مشــايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم ويعــلمونه ابن ــائهم، وقد حدثني أبي عن جدي يبلغ به فاطمة على هذه الحكاية، ورواه مشايخ الشــيعة وتدارسوه بينهم قبل ان يولد جد أبي العيـناء، وقد حدثني الحسن بن علوان عن عطيـة العوفي انه سمع عـبـد الله بن الحسن يذكره عن أبيه، ثم قال ابو الحسين: وكيف يذكرون هذا من كلام فاطمة فينكــرونــه وهم يروون من كلام عــائشـــة عند موت أبيها ما هو اعجب من كلام فاطــمة ويتحـقـقـونـه)( ).
وظاهر هذه الرواية ينفي الارسال في سند الخطبة الشــريفـة واطباق اهل ذلك الزمان عليها سواء بالتصريح او بالسكوت الذي يبتـنى اصلاً على عدم الانكار، بالاضافة الى ما قام به بنو أمية من تحريف للحقائق ومحاولة التعتيم على السيرة الكريمة للعترة الطاهرة، فعندما قامت الدولة العباسية على انقاض الدولة الامويـة (وفد عشرة من أمراء الشام على أبي العباس السفاح وحلفوا له بالله وبطلاق نسائهم وبإيمان البيعة بانهم لا يعلمون الى ان قتــل مروان أي عند سقوط الدولة الأموية ان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اهلاً ولا قرابة الا بني أمية).
وقال ابو جعفر الاسكافي وهو من شيوخ المعتزلة في بغداد: (ان معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي عليه السلام تقتضي الطعن فيه)، وقد رافق ذلك تمادي بعض أمراء الجور كالحجاج، وتقديم المجاهيل الذين يدينون بالولاء التام لأرباب نعمتهم، ولم يكن من جراء ذلك طمس الحقائق الناصعة عن مكارم أهل البيت ومناقبهم فحسب بل تعدى الى الاساءة الى مقام الزهراء عليها السلام جهلاً ورياء لبني امية، فمثلاً عندمـا اكره الحجاج بالسيف والسياط أسماء بن خارجة سيد بني فزارة وسعيد بن قيس الهمداني على تزويج ابن تيهما لرجــل من اتباعه اسمه عبد الله بن هانيء من بني اود من حي من قحطان، قال الرجل في تعــديــد مناقب قومه: منا نسوة نذرن ان قتــل الحسين بن علـي ان تنحر كل واحدة عشر قلائص ففـعلن، فقال الحجاج: مـنـقبة والله، وقال: وما منا رجل عرض عليه شتم أبي تراب ولعـنـه الا فعل، وزاد ابن يه حسناً وحسيناً وامهما فاطـمة، قال منقبة والله.
وقد استدل السهيلي بحديث (فاطمة بضعة مني فمن اغضبها اغضبني..) بان من سب فاطمة يكفر، وذلك انه سواء بين غضبها وغضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن اغضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكفر.
وأوان حضور الزهراء عليها السلام الى المسجد النبوي الشريف والقاء خطبتها كان بعد عشرة أيام من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
كما ذكر ابن أبي الحديد( ) عدة طرق لخطبة الزهراء عليها السلام، ومما يؤسف له انه تعمد ترك الأخبار الواردة في طرق الشيعة وانه أخذ (من افواه اهل الحديث وكتبهم لا من كتب الشيعة ورجالهم، لانا مشترطون على انفسنا ان لا نحفل بذلك)( ).
ومن تلك الطرق:
1- قال ابو بكر – والمراد به احمد بن عبد العزيز الجوهري – (حدثني احمد بن محمد بن يزيد عن عبد الله بن محمد بن سليمان عن ابيه عن عبد الله بن حسن بن الحسن: لما بلغ فاطمة عليها السلام اجماع أبي بكر على منعها فدك، لاثت خمارها واقبلت في لمة من حفــدتها ونسـاء قومها تطأ في ذيولها، ما تخرم من مشيتها مشية رســول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى دخلت على أبي بكر وقد حشر الناس من المهاجرين والأنصار..) الحديث.
2- قال ابو بكر: (حدثني محمد بن زكريا، قال حدثني جعفر بن محمد بن عمارة الكندي قال حدثني أبي عن الحسين بن صالح بن حي قال حدثني رجلان من بني هاشم عن زينب بنت علي بن أبي طالب عليه السلام..) الحديث، قال: وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن ابيه… الحديث.
3- قال ابو بكر (وحدثني عثمان بن عمران العجيفي عن نائل بن نجيج بن عمير بن شمر عن جابر الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام…) الحديث( ).
4- كما ورد في كتاب الاحتجاج المنسوب للطبرسي الخطبة كاملة مرســلة عن عبد الله بن الحسن باسناده عن آبائه عليهم السلام( ).
5- واعترف ابن أبي الحديد بكثرة طرق رواية الخطبة قائلاً: روى اكثر الرواة الذين لا يتهمون بتشيع ولاعصبية فيه من كلامها في تلك الحال، وبعد انصرافها عن مقام المنازعة والمطالبة ما يدل على ما ذكرناه من سخطها وغضبها، ثم قال: (حدثني محمد بن احمد الكاتب قال حدثنا احمد بن عبيد بن ناصح النحوي قال: حدثني الزيادي، قال حدثنا الشرقي بن القطامي عن محمد بن اسحق، قال حدثنا صالح بن كيسان عن عروة عن عائشة قالت، لما بلغ فاطمة اجماع أبي بكر على منعها فدك لاثت خمارها على رأسها..) الحديث( ).
وفيما يلي نص الخطبة الشريفة كما وردت في الاحتجاج مع الاشارة للفقرات غير الموجودة فيه وشرحنا للخطبة وبيان ما فيها من المعاني السامية والدلالات البليغة والمقاصد الشريفة ووجوه الحكمة ومفاهيم العصمة التي تتجلى في ثناياها.
والشك في نسبة الإحتجاج الى الطبرسي لا يضر في أصل الخطبة لإشتهار موضوعها ولإمكان التفكيك بين نسبة الكتاب وموضوعاته والنظر الى كل موضوع وخبر فيه على نحو مستقل بلحاظ السند والتواتر ووجوده في كتب اخرى ووروده بطرق متعددة.

لما أجمع أبو بكر على منع فاطمة عليها السلام فدك وبلغها ذلك(1).
(1) يقال اجمع على الأمر: أي عزم عليه واحكم النية على فعله وإتيانه، وفي الحديث: (من لم يجمع الصيام من الليل فلا صيام له)، واجمعت الرأي وعزمت عليه بمعنى واحد.
وابو بكر ابن أبي قحافة، عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القريشي، وأمه سلمى بنت صخر بن عامر ابن ة عم أبيه، ولد بعد الفيل بسنتين وستة اشهر أي قبل الهجرة النبوية الشريفة بخمسين سنة، وتوفي سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وهو اصغر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم اذ ان ولادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم المباركة كانت في عام الفيل.
وعند وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمير المؤمنين دائب في جهازه، ذهب ابو بكر وعمر بن الخطاب وابو عبيدة بن الجراح الى سقيفة بني ساعدة، وقيل ان الانصار مجتمعون كي يتولى هذا الأمر سعد بن عبادة، ودار كلام حينما وصل الثلاثة الى السقيفة، ثم قال ابو بكر: هذا عمر وهذا ابو عبيدة، فايهما شئتم فبايعوا، فقال عمر وابو عبيدة: لا والله لا نتولى هذا الأمر عليك، فبايعاه، وبايعه نفر من وجوه الأنصار، ولم يبايع سعد بن عبادة مع قول عمر لأبي بكر لا تدعه حتى يبايع – فكان سعد لا يصلي بصلاتهم، ولا يجمع معهم ويحج ولا يفيض معهم بافاضتهم، فلم يزل كذلك حتى مات ابو بكر.
(وخرج أمير المؤمنين عليه السلام بعد تجهيزه للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وقال لأبي بكر: افسدت علينا امورنا، ولم تستشر، ولم ترع لنا حقاً، فقال ابو بكر: بلى، ولكني خشـــــــــــيت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفتنة، ولم يبايعه أحد من بني هاشم حتى ماتت فاطمة عليها السلام).
بلغ ابا بكر عن أبي سفيان بن صخر بن حرب أمر فاحضره واقبل يصيح عليه وابو سفيان يتملقه ويتذلل له، واقبل ابو قحافة فسمع صياح أبي بكر، فقال لقائده على من يصيح ابن ي؟ فقال له: على أبي سفيان، فدنا من أبي بكر وقال له: اعلى أبي سفيان ترفع صوتك يا عتيق الله؟ وقد كان بالامس سيد قريش في الجاهلية لقد تعديت طورك، وجزت مقدارك، فتبسم ابو بكر ومن حضره من المهاجرين والأنصار، وقال له: يا أبت، ان الله قد رفع بالاسلام قوماً واذل به آخرين( ).
كذلك كانت خطبة الزهراء عليها السلام بحضور حشد من المهاجرين والأنصار وهي تعظهم وتذكرهم وتدعوهم بلطف الى تجديد الولاء وشحذ الهمم في سبيل الله، وطرحت مسألة فدك وحقها الشرعي والأخلاقي فيها عسى ان تجد من يناصرها.
يقال: منعته عن الشيء أي حجبته عنه وحلت دونه ودون التصرف به، والمنع خلاف الاعطاء.
ومن اسمائه تعالى (المانع) أي الذي يحوط اولياءه ويدفع عنهم، وهو المانع الذي يحجب فضله عمن يستحق المنع والحرمان، وفي التنزيل [ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ ] ( ) ( ).

لاثت خمارها على رأسها(2).
أي ان العبد هو الذي منع عن نفسه الزيادة من الخير والفضل الإلهي لعمومات قاعدة الإمتناع بالإختيار لا ينافي الإختيار وفدك تقدم موضوعها مفصلاً.
والبلوغ: الوصول والانتهاء وهو في المقام وصول الخبر الى مسامعها الشريفة وتحقق صحته، و تسمي العرب الخبر الخالي من التحقيق والبينة سمع، ويقال: اللهم سمُعٌ لا تبلغٌ.
وقد علمت الزهراء عليها السلام بقرار أبي بكر بأخذ فدك منها اما بواسطة أخبار الناس واحاديثهم، او عن طريق وكيلها في فدك الذي أمر باخلاء المكان وتركه.
(2) لاث العمامة على راسه يلوثها لوثاً: تعصب بها وأدارها على رأسه في شد وربط.
والخمار: المقنعة سميت به لانها تغطي الرأس، وكل شيء غطيته فقد خمرته، يقال اختمرت المرأة أي غطت رأسها، وفي التنزيل وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ .
وروي ان صدور النساء ونحورهن كانت تبدو مكشوفة لإسدالهن الخمور من ورائهن، فأمرنَ بالإسدال من جهة الصدور لتغطيتها وسترها، (وعن عائشة قالت: ما رأيت نساء خيراً من نساء الأنصار لما نزلت هذه الآية قامت كل واحدة منهن إلى مرطها المرحل فصدعت منه صدعة( ) فأختمرن فاصبحن كأن على رؤوسهن الغربان)( ).
واشتملت بجلبابها وأقبلَت في لُمةٍ من حفدتها وَنساءِ قومها(3)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والتفصيل هنا متعلق بجماعة النساء وإلا فان الزهراء عليها السلام وكما ورد في الروايات كانت أصلاً تختمر بالحجاب كاملاً وتتعاهده وتعتبر اسوة لتلك النسوة، وسيرتها الشريفة دعوة متقدمة لحثهن على الستر والحجاب، حتى إذا ما نزلت الآية فان المثال والنموذج موجود ومعروف وقريب، ولا غرابة في ذلك فان بيت النبوة امتاز بالاحكام الشرعية وفي بعض الاحيان من قبل نزول الأمر بها لتأديب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأهل البيت وتهيأتهم الإجمالية للاحكام الشرعية، قال تعالى وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا .
وتدل العبارة على ان الستر اولاً، وان الواجب الشرعي هو المقدم والحق هو التالي، وان الحجاب لا يفرط به في كل حال، انها مدرسة آل محمد في الأخلاق، ونهجهم الرسالي في ترسيخ احكام الشريعة في المجتمعات والنفوس بالإسوة والريادة والالتزام الامثل بالواجب منها والمندوب.
وتدل العبارة في ظاهرها على عزم الزهراء عليها السلام على المطالبة بفدك وثقتها بحقها واستنكارها للتجرأ على ملكيتها الخاصة، وغضبها وتألمها مما أصابها بعد المصيبة العظمى بوفاة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
(3) والاشتمال بالشيء: اتخاذه محيطاً للبدن ومغطياً له بشمول.
والجلباب: الملحفة وكل ما يستتر به من رداء وإزار وثوب واسع ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعباءة، وما تغطي به المرأة رأسها وصدرها وظهرها واعطافها مما ترتديه كجزء من الاستعداد للخروج من البيت تحشماً ووقاراً وستراً من الاجانب.
واقبلت أي جاءت وقدمت، والإقبال نقيض الإدبار.
قالت الخنساء.
ترتع ما غفلت حتى إذا ادّكرت

فانما هي إقبالُ وإدبارُ

واللمة: بضم اللام وتخفيف الميم: الجماعة من غير حصر في عدد كما يدل على ذلك حديث أمير المؤمنين عليه السلام: (ألا وان معاوية قاد لمة من الغواة)، أي جماعة تتصف بالغواية، وقيل ان اللمة ما بين الثلاثة الى العشرة.
واللمة فعلة من الملائمة أي الموافقة والتناسب، وفي الخبر: (ان شابة تزُوجت شيخا فقتلته، فقال عمر: أيها الناس لينكح الرجل لمته من النساء، ولتنكح المرأة لمتها من الرجال) أي تربها وسنها، وقد تكون اللمة في المقام ايضاً من الإلمام والحضرة والإحاطة، واللمة بهذا المعنى تكون بتشديد الميم.
وفي عدد من كتب اللغة يستشهد في بيان معنى هذه الكلمة بحديث فاطمة، قال ابن منظور: (وفي حديث فاطمة عليها السلام انها خرجت في لمة من نسائها تتوطأ ذيلها الى أبي بكر فعاتبته)( )، واستشهاد كتب اللغة بهذا الحديث يدل على التسالم على صحته او تواتره وشياعه، فقوله (فعاتبته) اقرار اجمالي بموضوع الخطبة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والحفدة – بالتحريك – الأعوان والخدم سموا بذلك لاسراعهم في الخدمة والطاعة واستعدادهم للانصياع والاستجابة، يقال: حفد البعير حفداً وحفداناً اذا اسرع، ومن حديث عمر وقد ذكر له عثمان للخلافة فقال: أخشى حفده، أي اسراعه في مرضاة اقاربه.
والنساء: اسم لجمع المرأة وهو جمع كثرة، والنسوة جمع قلة، ومعناه انهن أنس للرجال.
والقوم: الجماعة الذين يلتقون او يجتمعون في أمر ما.
والمقصود: الرجال دون النساء على ما ذهب الى ذلك نفر من محققي اللغة، ويمكن الاستدلال عليه بقوله تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ .
وسمي جماعة الرجال بالقوم لاشتراكهم في القيام بالاعمال الشاقة والمهمات العظيمة، وقوم الرجل اقرباؤه وعصبته، وقد يشمل من يمت له بنوع من الصلة والمتعلقين به من الاجانب توسعاً للمجاورة او لرابطة او لعلة معينة، ففي قوله تعالى يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ذكر ان حبيب بن اسرائيل النجار كان مقيماً بينهم وانه ليس منهم، وفيه قول آخر انه منهم وهو الارجح.
ومضمون الكلام ان الزهراء عليها السلام جاءت مستعدة للمناسبة وهي توليها عناية خاصة واهتماماً ظاهراً ذا وجوه اجتماعية وسياسية ودينية، فقد حرصت الزهراء عليها السلام على ان يكون
تطأ ذيولها(4).
الاجتماع مناســبة تاريخية تجسد ثبوت حق آل محمد وشرعية المطالبة، وليكن الحديث وثيقة خالدة تتناقلها الأجيال.
انها مبادرة ذكية لمنع التحريف وتشويه الحقائق وحث لنساء المهاجرين والأنصار لتحمل مسؤولياتهن بنصرة الزهراء عليها السلام، او على الاقل انصـافها وتفهم موقفها وصحة مطالبها، ودعوة للأســر والبيوتـات لمتابعة الأمر وحقائقه التأريخية
وفي الحادثة ايضاً بيان لجواز واهمية اطلاع النساء على الوقائع المهمة مما قد يخصهن او يتعلق بالشؤون العامة للمسلمين وبالسنن العقائدية في الشريعة، لاسيما وان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على النساء كما هو على الرجال لتوجه الخطاب التكليفي على نحو الاشتراك والعنوان الجامع للرجل والمرأة، نعم تنفرد المرأة بخصوصية وهي الاشتراك والتدخل ضمن الموازين الشرعية واحكام الحجاب.
(4) وطأ الشيْ يطؤه وطأ: داسه.
وذيل الثوب والإزار: ما جر منه اذا اسبل (وذيل المرأة لكل ثوب تلبسه اذا جرته على الارض من خلفها( ) قوله تطأ ذيولها: أي ان الزهراء عليها السلام كانت في مشيها تضع قدمها الشريف على أطراف ثيابها التي كانت تماس الارض بسبب طولها وسـترها لقدميها، وجمـع الذيول جاء رمزاً لكثــرة الثياب التي تلبسها او لملاحظة الاطراف الاربعة وجهات الثوب التي توطيْ.
قال الجوهري: الذيل واحد اذيال القميص وذيوله، وقد يكون الكلام كفاية عن تمام الستر ودليلاً على اتصال الحجاب حتى عند المشي والسير والحركة.
وكان العرب يطولون ثيابهم لتنجر أذيالها على الارض تبختراً وعنواناً للشــوكة، لذا قيل في تفسـير قوله تعالى وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ انه أمر بتقصير الثياب واجتناب تطويلها وجر الذيول ولكي تبقى الثياب نظــيفة طــاهــرة من النجاسة والاوساخ، وما يلحق بها من اسباب الجر على الارض والتلطخ بالتراب، ويمكن اعتبار هذا الوصف الكريم فرداً من مصاديق ووجوه تفسير الآية الكريمة وما يتعلق بعموم تطهير الثياب مما هو شرط في الصلاة وصحتها.
اما وطأ الزهراء عليها السلام لأطراف ثوبها او ردائها فكان عنواناً للستر وتمام الحجاب، ومعلماً لواقع الحزن بمصيبة وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي لم يمض عليها الا أيام معدودات، لذا يمكن القول بان النهي في المقام نهي تنزيهي يتعلق بالابتعاد عن الخبث، وانه لا يتعارض مع حرص المرأة واحتياطها في أبواب الستر والحجاب خاصة مع التفاتها المقارن والمناسب ساعة المشي لاحكام الطهارة وآدابها، هذا وقد ورد في رواية (تجر ادراعها بدل تطاْ اذيالها)، والادراع: جمع درع وهو للمرأة القميص.
ويدل الحديث على حرص الزهراء عليها السلام على الستر والوقار، فمع اجتماع الحزن والأسى بمصيبة فقد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والغضب لأخذ حقها ودخولها المسجد وقد فارقه الرســول الأكرم صــلى الله عليه وآله وسلم وغاب شخصه الكريم وتغيرت معالم المسجد بمفارقة الوحي والتنزيل، فأنها لم تنس الستر التام
ما تخرُم مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (5).
والخصــوصــية التي تنفرد بها ســيدة نســـاء العالمين، انها مـدرســة وعبرة للنساء بأن لا يتخلين عن الحجاب في أشد الأحوال وان يحـرصن على عدم الهتك للقيم الاسلامية المتعارفة.
(5) (ما) حرف نفي لا عمل له داخل على جملة فعلية.
والخرم- بضم الخاء وسكون الراء – النقص والفصم، وقيل أصل الخرم الثقب والشق، ويقال: ما خرمت منه شيئاً أي ما نقصت وما قطعت.
والمشي: السير على الاقدام يقال مشى يمشي مشياً، ومشية واحدة المشي.
لقد افادت الأخبار بان الزهراء عليها السلام كانت تشبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم خَلقاً وخُلقاً، وقد تقدم في باب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديث عائشة: فاقبلت فاطمة تمشي ما تخطي مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
هذا وقد ورد في حديث عن الإمام علي عليه السلام في وصف رســول الله صــلى الله عليه وآله وسلم قال: (لم يـكـن بالطــويــل الممغط ولا القصير المتردد – الى ان قال- اذا مشى تقلع كأنما يمشي في حَسَب)( )، والتقلع: المشي بقوة، والصبب الانحدار.
ان تعدد وجوه الشبه بين الزهراء عليها السلام والنبي صلى الله عليه وآله وسلم له مفاهيم قدسية عديدة منها انه مصداق لحديث البضعة، وهو جزء من فضله تعالى على المسلمين في وراثة سجايا وصفات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذريته وللتذكير به صلى الله عليه وآله وسلم وله دلالات عقائدية وفيه دعوة لإكرام الزهراء وابناءها والعناية بهم.

حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد (6).
(6)(حتى) لانتهاء الغاية المكانية.
والدخول خلاف الخروج، والدخول في الشيء: التوجه الى داخله وانتهاء الحركة اليه لدلالة (في) على الظرفية حقيقة، اما تعدي الدخول بحرف الجر (على) فيعني الانتهاء اليه في داخل المكان او الوعاء او الجوف الذي يضمه، والاستعلاء على مجرورها، وهو الغالب في استعمال (على) من بين معانيها الاربعة.
أي ان الحديث يدل على سمو مقامها واقتران العز والرفق مع مجيئها وظـهور دلالات الشموخ في موضوع دخولها، ولا غرابة في ذلك فليس من احد في المكان من الصحابة الأجلاء الا ولأبيها النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم فضل واحسان عليه.
وذكر الخليفة الأول باسمه في الرواية لم يكن بقصد الانتقاص من مقامه ولكنها طــريقة كانت متعــارفــة عند ذكر شخص غائب والاشــارة اليه، وربما كان فيها دلالات خاصـة تتعلق بنظرة الزهراء عليها السلام للخلافة، بالاضافة الى انه هو المقصود في موضوع المجيء وهو أخذ فدك من الزهراء عليها السلام ولمقامه يومئذ بين المسلمين.
والحشد: الجماعة، ويقال: احتشد الناس لفلان: اذا اجتمعوا له وتأهبوا مستعدين، وفي رواية: وقد حشد المهاجرين والأنصار، وما في المتن هو الأنسب الا ان يكون الحشد لها أو لأمر آخر فاستثمرته الزهراء عليها السلام للشهادة والتوثيق واحتمال النصرة من الحضور وبيان الحق في المطالبة ورجاء الانصاف والتأييد الجماعي او الفردي.
فنيطت دونها مُلاءة (7).
وعلى كل من الروايتين فان المسجد النبوي كان آنذاك يكتظ بكبار الصحابة وسائر المسلمين لأهمية أحداث تلك الأيام، وعظيم وقع مصيبة وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخبار ردة بعض القبائل.
(7) ناط الشيء ينوط نوطاً: علّقه وكل شيً يعلّق في غيره فهو نوط.
و(دون) تقصير عن الغاية، تكون ظرفاً، وتكون بمعنى عند، وبمعنى غير، وبمعنى قبل وقدام وهو المناسب في المقام.
والملاءة: الريطة والإزار والثوب اللين الرقيق، ومنه القول فلان لبس العباءة وترك الملاء، ومنه جللهم بملاءة، وورد في نسخة: فضرب بينهم بريطة بيضاء وقيل قبطية.
والمعنى ان الزهراء عليها السلام لما جاءت الى المسجد النبوي ضرب لها حجاب اجلالاً لقدرها واظهاراً للالتزام باحكام الشريعة في حضور الحجاب والستر عند المخاطبة بين المرأة والاجانب من الرجال، والواقعة درس للمسلمين ليتعلموا ونساؤهم الاحكام الشرعية في جانب من العلاقات الاجتماعية وآداب التعامل والمسألة، قال تعالى وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ.. .
انها سنة تؤكد ضرورة الالتزام بالحجاب حتى في ساعة الضيق والشدة وضياع الحق والنصيب، ولعل الحاجة الى الحجاب وترسيخ حضوره في المجتمع حينئذ أكثر من أي وقت آخر، لما فيه من عزم وقصد وثبات على مبادىء الاسلام ونواميسه الأخلاقية واظهار لتعاهد مفاهيم الشريعة.
فجلست ثُمّ انَّتْ اَنَّةً (8).
(8) الجلوس: القعود وحالة الانسان عند ملازمة المكان متربعاً او متوركاً او نحوه، ومنه جلسة الاستراحة والتشهد في الصلاة، وقال بعض اللغويين: (الجلوس هو الانتقال من سفل الى علو، والقعود هو الانتقال من علو الى اسفل)( )، ولا يصلح هذا القول ان يكون قاعدة كلية بدلالة شواهد كثيرة في اللغة منها ما ورد في المتن اعلاه وهي تدل على استعمال اللفظ اصالة وليس بالبدلية التي تفهم من قوله ( وقد تستعمل جلس بمعنى قعد)(2).
وجلوس الزهراء عليها السلام هنا يجسد ما لشخصها الكريم من العز والرفعة والهيبة وهو دليل على ابتعاد الغضب والانفعال عنها، اذ ان إختيار الجلوس دلالة على سكون النفس واستقرار الارادة، وان الأمر اكبر واوسع من ان ينحصر بمطالبة بحق معلوم او انتظار وانتزاع قرار بإعادة فدك، بل انها مناسبة لتوجيه رسالة عقائدية خالدة الى الامة الاسلامية، فحري بالأجيال ان تصغي اليها وتتدبر ما تتضمنه من الحكمة واسرار اليقين ومساهمة جهادية في ترسيخ دعائم الدين الحنيف.
و(ثم) حرف عطف يفيد الترتيب والتراخي.
وانَّ الرجل من الوجع يئن انيناً: صَوَت وسمع منه صوت واطئ يدل على الألم او الضجر او الحزن او الأسى، والانة في المقام لها مضامين عديدة ويستفاد من قرينة (اجهش القوم بالبكاء) انها كانت استحضاراً لذكرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومقام شخصه الكريم في المسجد، وما كان ينبعث من مقامه من اشعاعات ملكوتية وانوار ايمانية تضرب جذورها في مشارق الارض ومغاربها وتقذف الامانة على كاهل المؤمنين والإيمان في صدورهم.
أجهش القوم لها بالبكاء (9).
(9) جهش للبكاء ويجهش جهشاً واجهش: استعد له واستعبر، قال ابن منظور (وفي حديث المولد قال: فسابني فأجهشت بالبكاء، أراد فخنقني فتهيأت للبكاء)( ).
ولكن وظيفة الباء الظرفية هنا ولها مدلول خاص وهو التلبس بالبكاء وفعله، وتفسير (فتهيأت للبكاء) غير واف وقد لا يصلح تفسيراً، خاصة وان الجهش يرد في اللغة بمعنى الصوت وبذا يكون معنى العبارة ان اصواتهم ارتفعت بالبكاء.
فلقد ذكر كل فرد من الصحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باظهار الزهراء عليها السلام الحزن والأسى عليه، وجددوا بأدب ولطف وإخلاص المواساة للزهراء عليها السلام في فقد أبيها النبي الاكرم وخلو المسجد النبوي من شخصه الكريم ومقامه، لقد كان بكاؤهم إقرارا وبياناً لما كان يشعر به كل واحد منهم من فراغ عقائدي وروحي بمغادرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدنيا ومصيبة انقطاع الوحي واختلاف بعض الوجوه والاحوال.
وكان حضور الزهراء عليها السلام الى موضع المسجد النبوي مناسبة لإثارة الاحزان في قلوب الصحابة، وهو أمر متوقع حيث انهالت الدموع وجرت على الخدود بمجرد ان سمعوا انةَ بضعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال حسان بن ثابت في رثائه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم:
فابكي رسولَ الله يا عينُ عبرةً

ولا اعرفنك الدهر دمعُك يجمد

فارتج المجلس (10).
ومالك لا تبكين ذا النعمة التي

على النّاس منها سابغ يتغمّد

فجودي عليه بالدموع وأعولي

لفقد الذي لا مثلَه الدّهر يوجَدُ ( )

ولفظ (القوم) الذي في المتن يفيد الشمول لجميع من كان حاضراً في المسجد وعامتهم، أي انهم شاركوا الزهراء في مصيبتها وعلة انينها، وقد يتساءل المرء هل هناك حصة في بكائهم لمسألة فدك وحق الزهراء عليها السلام والتي تترشح من المعرفة السابقة للموضوع الذي جاء بالزهراء عليها السلام وأنتّ من أجله، او ان مجرد خروجها يدل على المصيبة والابتلاء، لعل الأمر ملفق منهما معاً، الأقوى ان موضوع الحزن والبكاء هو فقد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ومصيبة المسلمين واهل البيت خاصة بفقده.
(10) يقال: إرتّج البحر أي اضطرب وتلاطمت امواجه، والمعنى ان التجاء الناس الى البكاء أحدث زلزلة في مجلس الحاضرين خرجت به عن الهدوء والاستقرار، وتنبه الناس الى ما في مجىء الزهراء عليها السلام من العبر والدروس والاهمية فكانوا اذناً صاغية لما ستتكلم به وجاءت لتبلغه.
والمجلس – بكسر اللام- موضع الجلوس ومكان الاجتماع، وفي حديث عيسى: (يا روح الله لمن نجالس، فقال: من يذكركم الله رؤيته ويزيد في علمكم منطقه ويرغبكم في الآخرة عمله).
ولقد كان مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مدرسة الذكر ومنهل العلم ومدخلاً الى دار النعيم الخالد، وبقيت الأجيال المتعاقبة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من الامة تنهل مما نقله الصحابة واهل البيت من افاضات ذلك المجلس السامي والمنبر القدسي.
لقد قصدت الزهراء ذلك المجلس المهيب لتملأ جزءً من الفراغ الرهيب الذي خلفته وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلقد كان حضورها تذكيراً بالله عز وجل لانها بضعة المبعوث رحمة للعالمين، الموصوفة بالورع والتقوى والجهاد في سبيله، بالاضافة لما في كلامها من الموعظة والمعرفة والحكمة وصدق الإيمان وسلامة الجنان.
و(الفاء) في فارتج للترتيب المعنوي وهو ما كان المعطوف بها لاحقاً وواقعاً بعد المعطوف عليه، واستشهد النحاة له بقوله تعالى الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ .
وظاهر العبارة يفيد ان ارتجاج المجلس غير بكاء الحاضرين عندما سمعوا انَّةَ الزهراء عليها السلام، لقد ذكّرهم البكاء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبما يجب عليهم من الوظائف ازاء الاسلام، كما وان حضور الزهراء عليها السلام هيّج المشاعر وأجج الحماس لحقوق آل محمد وما تعرضـوا له من الاعراض في مسائل عديدة منها موضوع الخلافة والميراث والمنزلة السياسية والاجــتماعـيــة، فكان البكاء مناسبة لفهم موضوع قدوم الزهراء عليها السلام وعنوان التضامن معها باعتبار انها بضعة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ومواساتها في مصيبتها، ولابد ان ينعكس هذا الســلوك الجماعي المشترك في المجتمع الرسالي ذي العقيدة الايمانية الصادقة والتي لا زالت بعيدة عن التحريف وصيغ الوضع.

ثم أمهَلَت هُنيّةً حتى اذا سكن نشيج القوم وَهَدأت فَوَرَتُهُم (11)، إفتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه (12)
(11) أمهلته: أنظرته، والإسم منه المهلة.
والهنية: البرهة اليسيرة من الزمان وتقرأ ايضاً بالهمزة وهي الاكثر استعمالاً.
و(حتى) حرف جر لانتهاء الغاية.
والنشيج: الصوت مع ترجيع وبكاء، ومنه اقبل الشيخ ينتحب بنشيج، وفي حديث وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: فنشج الناس يبكون.
واصل الفور الغليان والاضطراب ثم استعير للسرعة والهيجان، ويقال: رجعت من فوري أي من قبل ان اسكن، والمعنى ان الزهراء عليها السلام عندما أحست بالوقع العظيم لحضورها والتفات الصحابة من المسلمين الى مجيء الزهراء عليها السلام المصحوب بالحزن والأسى امتنعت عن الكلام وتلك حالة تعكس جلالة قدرها وهيبة اتزانها حتى عند الشدائد وفي الساعة التي تستلزم الغضب.
ويمكن اعتباره انذاراً صــامتاً ينـبيء عن رسالة ذات اهمية تاريخية تتناسب والمقام والمناسبة، وبقدر ما كان هذا السكوت مهيـبــاً فانه مخيف لكل من يخـطــأ ويقصّر مع أهل البيت عليهم السلام عن عمد واصرار، خاصة مع تضامن القوم كافة معها بالبكاء وبذات السكون الذي اعقبه متدرجاً من غير تباطيء.
(12) الافتتاح بالشيء: الإبتداء به والإتيان به اولاً، والكلام هو الحروف المسموعة المنتظمة، ويراد منه في المقام خطبة الزهراء عليها السلام.

والصلاة على رسوله (13)
والحمد هو الثناء باللسان على الجميل بقصد التعظيم والتبجيل والاطراء الحسن، يقال يحمده حمداً ومحمداً ومحمدة وهو نقيض الذم. وفي الحديث: (الحمد رأس الشكر)، وبيان ذلك ان ذكر النعمة والاحسان باللسان وجه أساسي من وجوه الشكر واظهار علني صريح لمضمونه.
والثناء على الله: ذكره ذكراً حسناً جميلاً فيه تعظيم لمقام الربوبية واستحضار لفضله تعالى الدائم الجزيل.
(13) الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعاء له واقرار بنبوته وإيمان برسالته، وقد ورد النص بقرنها بذكره تعالى كما تلاحظ ذكر الشهادة بالرسالة في الأذان وغيره مقترناً بالشهادة بالتوحيد.
(بالاسناد عن عبيد الله الدّهقان قال: دخلت على أبي الحسن الرضا عليه السلام فقال لي: ما معنى قوله وَذَكَرَ اسم رَبِّهِ فَصَلَّى قلت: كلما ذكر اسم ربه قام فصلى، فقال لي: لقد كلف الله عز وجل هذا شططاً، قلت: جعلت فداك وكيف هو، فقال: كلما ذكر اسم ربه صلى على محمد وآل محمد)( ).
(وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وســلم يقول في صــحته وســلامـتــه: انما انزلت هذه الآيـــة في الصلاة عليّ بعد قبض الله لي إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ
فعاد القوم الى بكائهم (14)
يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَــا الَّذِينَ آمَنُوا صَــلُّوا عَــلَيْــهِ وَسَلِّمُوا تَــسْلِـيمًـا
)-( ))، وصلاة الله عز وجل على النبي رحمة وتزكية له، وصلاة الملائكة مدحهم له، وصلاة الناس دعاؤهم والتصديق والاقرار بفضله.
والفقرة من الخطبة تبين اهمية الصلاة على النبي وضرورة الالتفات اليها والحرص على ما فيها من الثواب، الى جانب ما تجسده من آداب اسلامية والتزام بعرى النبوة وميثاق الرسالة ومنهاج الهدى.
(14) (فعاد) الفاء سببية أي ان المعطوف بها متسبباً عن المعطوف عليه، ويقال عاد الى كذا وعاد له يعود عودة وعوداً: صار اليه ورجع نحوهُ.
لقد كان ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مناسبة تجددت فيها احزان الصحابة ولم يستطيعوا تمالك انفسهم بل تركوا لها حرية التعبير العلني عما يداخلها من الألم لفقد سيد الأنبياء والمرسلين، ومن الطبيعي ان استماع الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من لسان الزهراء عليها السلام يزيد في الاسى ومقدار الحزن، فكان هذا البكاء مواساة للزهراء عليها السلام ونوع تعاطف معها لما ألمَّ بِها من مصيبة فقد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما يعنيهِ من عظيم الفاجعة للأمة ولها شخصياً.
وهذا البكاء عنوان الولاء والعهد والبقاء على الإيمان والتصديق بما جاء به الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم مقترناً بالأسف والحسرة على فقد شخصه وانقطاع الوحي.

فلمّا أمسكـوا عادت في كـلامـهـا (15) وقالت: الحـمد لله على ما أنعم(16)
(15) (فلمّا) الفاء حرف عطف للتعقيب.
(لمّا) اسم شرط غير جازم مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية، وهو حرف وجود لوجود، وقال ابن السراج والفارسي وابن جني وآخرون غيرهم انها ظرف بمعنى (حين) لذلك تسمى لمّا الحينية.
وامسك عن الكلام: سكت وكفَّ عن مواصلتهِ.
والمعنى ان الزهراء عليها السلام امتنعت عن الكلام ولغة البيان عندما رأت استجابتهم العفوية والفورية لنداء فرع النبوة وصوت الحكمة والنزاهة والعفة وبقية معالم الرسالة واستقبالها بالبكاء والدموع وصوت الحزن والاسى.
لقد تركت لهم وبوقار فرصة التعبير عن مشاعرهم، ولعل في سكوتها المؤقت هذا قبولاً من حضرتها لهذهِ المشاعر وتفهماً لتلكَ التعازي الجماعية، وهذا لا يتعارض مع الغاية الاساسية من تريثها في الكلام عند بُكائهم التي هي اتمام التبليغ وايصال كلامها الشريف الى مسامع جميع الحضور ومن خلالهم الى أجيال الامة المتعاقبة.
(16) أعادت الزهراء عليها السلام الحمد والثناء على الله تعالى، لقد كانت حريصة على افتتاح الكلام بالحمد لله تعالى وذلك دأب اهل البيت عليهم السلام، وفيه تعليم للمسلمين في صيغ التخاطب والحديث فيما بينهم، فكان تكرارها للحمد والثناء عليه تعالى مدرسة عبادية وأخلاقية ينتفع منها عامة المسلمين وتوكيداً لمواظبة آل محمد على الشكر لله تعالى واستحضار نعمه وعظيم احسانه في كل زمان ومكان وعلى أي حال.
ان النطق بالحمد لله تقرير لاثبات الصانع واقــرار بنعمه وحث على السير المتصل في منازل الشكر ودروب الثناء، ودعوة لاجتناب ما ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نهى الله عنهُ عرفاناً للجميل واستحياءً وسؤالاً للمزيد من النعم والفـضــل الإلهي العظيم، (هذا وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه الســلام لما سئُل عن تفسير (الحمد لله) انه قال: هو ان الله عز وجل عرّف عباده بعضَ نِعــمــهِ عليهم جملاً إذ لا يقدرون على معرفة جميعها بالتفصيل لانها اكثر من ان تحصى او تعرف فقال: قولوا الحمد لله على ما أنعمَ علينا)( ).
انها آية في الانقطاع الى الله تعالى والتسليم لأمره وموعظة ودرس خالد، فعندما يسمع المسلمون الزهراء عليها السلام تكرر الحمد لله والثناء عليهِ وهي في اشد أيامها قساوةً وصعوبة اذ نكبت برحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى الرفيق الاعلى وما فيه من ألم الفراق وما اعقب وفاتهُ من الويلات عليها، يعلم الناس جمعياً إخلاص آل محمد العبودية لله عز وجل وصدق الايمان، وان تخليهم عن الدنيا سجية عقائدية راسخة متوارثة تنير دروب الهدى والجهاد للمسلمين، سواء كان باتباع اهل البيت والاقتداء بهم في نزع رداء الدنيا وعدم الطمع في زينتها، او بالتصدي للزيغ والمكر والحيلة باعتباره وجهاً من وجوه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والانعام- بكسر الهمزة – الاحسان ومصاديقه.
وذكر نعمه واحسانه تعالى في المناسبة تذكير برحمتهِ تعالى بارسال محمد صـــلى الله عليه وآله وسلم نبياً ونذيراً وهادياً الى
سواء السبيل، واشارة الى نعمة الاسلام ونزول القرآن على صدر النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وفي ذلك ايضاً تنبيه واشارة الى منزلة اهل البيت عليهم السلام.
وله الشكر على ما ألهم (17).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(روى العياشي في حديث طويل قال: سأل ابو عبد الله عليه السلام ابا حـنـيـفــة عن قـولهِ تعالى ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ فقال لهُ: ما النعيم عندك يا نعمان، قال: القوت من الطعام والماء البارد، فقال: لئن اوقفك يوم القيامة بين يديهِ حتى سألكَ عن كلِ أكلة أكلتها وشربة شربتها ليطول وقوفك بين يديهِ، قال: فما النعيم جُعِلتُ فِداك، قال: نحنُ اهل البيت النعيم الذي انعم الله بنا على العباد وبنا ائتلفوا بعد ان كانوا مختلفين، وبنا ألف الله بين قلوبهم وجعلهم اخواناً بعد ان كانوا اعداءً، وبنا هداهم الله للاسلام، وهو النعمة التي لا تنقطع والله سائلهم عن حق النعيم الذي أنعم الله عليهم وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعُترتهِ)( ).
ترى هل خطبة الزهراء جزء من تلك النعمة وفرد مبارك من مصاديقها؟ ان الاجابة بالايجاب أمر تُؤيدهُ شواهد التاريخ بالاضافة لما في الخطبة من عناوين الموعظة وضرورة الالتفات الى النعمة الحاضرة والمتجددة وهي نعمة الاسلام، ان التفكر في اهمية وبركات الاسلام في الدارين مدخلٌ كريم لمواصلة الجهاد في سبيل الحفاظ على شريعتهِ وتثبيت ما جاء بهِ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعدم التخلي عن مبادئهِ وسننه بعدَ مغادرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى الرفيق الاعلى.
(17) (ما) اسم موصول بمعنى الذي.
والشكر فعل يجسد تعظيم المنعم بسبب احسانهِ وتفضلهِ لذلِكَ فهو
أخص من الحمد الذي يأتي عن نعمة او بدونها، ونقيض الحمد ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الذم، ونقيض الشكر الكفران، وقد جمع الشاعر وجوه الشكر بقوله:
افادتكم النعماء مني ثلاثة

يدي ولساني والضمير المحجبا( )

جاء في بعض الخطبة بدل قولها عليها السلام على ما ألهم (بما ألهم).
لقد ارادت الزهراء عليها السلام ان تؤكد اهمية الشكر لله عز وجل على ما انعم به على المسلمين وعلى اهل البيت خاصة، وليشهد الحاضرون بانها لا زالت شاكرة لله عز وجل وانها لا تهتم الا بعبادته تعالى وطاعته وشكره ولا تسعى الا لرضاه سبحانه، كما ان الشكر لله عز وجل بعنوانه المستقل نعمة حاضرة تحتاج في بقائها الى فضل منه تعالى.
(روي ان داود عليه السلام قال: يا رب كيف اشكركَ وشكري لك لا يكون الا بانعامك عليَّ وهو ان توفقني لذلك الشكر، فقال: يا داود لما علمت عجزك عن شكري فقد شكرتني بحسب قدرتك وطاقتك) ان شكره تعالى سبيل للمزيد من فضله سبحانه وتعالى لما ورد في التنزيل لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ .
وثبت في الفلسفة بطلان التسلسل وهو عبارة عن توالي أمور بينها ارتباط وليس لها منتهى سواء كان لها ترتيب وضعي او طبيعي او انها مفتقرة لهما، ويعرف ايضاً بأنه ترتب علل ومعلولات بحيث يكون السابق علة في وجود اللاحق.
ولكن الشكر لله عز وجل يخرج بالتخصص من هذا القانون الكوني الثابت، فهو باب فتحه الله عز وجل رحمة لعباده وجعله مدخلاً الى رضوانه، ويدل على عدم تناهي الشكر قوله تعالى وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
وكم كان المسلمون محتاجين الى المزيد من رحمته وفضله ومدده ونصره لهم بعد وفاة نبيهم وتوالي الاسباب والحوادث التي تنذر بالخطر وتهدد بالافتتان.
ومن اسمائه تعالى الشاكر والشكور وهو الذي يتعاهد القليل من افعال عباده الصالحة ليضاعف لهم الاجر والثواب، ولتكون عوناً لهم في محو السيئات والحيلولة دون رجحانها في ميزان الاعمال رحمة منه تعالى واحساناً.
والالهام: ما يلقى في الروع، يقال الحمـد لله خيراً ألقمه إياه ولقنه وهداه الى إتيانه، والالهام شعبة من شعب الوحي والايحاء.
ان هذه الفقرة من الخطبة الشريفة مدخل كريم لبيان الموضوع وذلك بتقديم ذكره تعالى وتوكيد حقيقة الشكر، وان ما يمتلكه آل محمد من العلم والفصاحة هو من فضله تعالى وهي لغة في التوحيد ترى معالمها واضحة في مختلف جوانب سيرة آل محمد ومراحل حياتهم المباركة وسلسلة اعلامهم، ولكنها في المقام ذات
دلالات تاريخية عظيمة، فلقد كانت الزهراء عليها السلام تعمل على ترسيخ الصرح العقائدي الثابت الذي شيده النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي كلام الزهراء عليها السلام هذا اشارة الى تحديث الزهراء عليها السلام فقد تقدم انها كانت تسمى (المحدَّثة)، وفي أخبار اهل البيت والثناءُ بِما قَدَّمَ (18).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عليهم السلام انها تلقت مضامين مصحف فاطمة في تلك الفترة أي في الأيام التي اعقبت وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا الأمر يعطي موضوع خطبة الزهراء قدسية خاصة، ويدعو الى البحث عن الصلة بين الخطبة ومصحف فاطمة.
(18) الثناء – بالمد – الذكر الحسن والكلام الجميل، يقال: أثنيت عليه أي مدحته واطريته وذكرته بخصاله الحميدة، وقد يستعمل الثناء في القبيح ولكن استعماله في الذكر الجميل هو الاكثر استعمالاً وشيوعاً والمناسب في العرف.
وفي حديث الدعاء: (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)( ).
ان الثناء على الله عز وجل في افتتاح الخطبة اعتراف بان النعم جميعاً وتواليها من عنــده تـعــالى، وهو اقرار بالربوبية، كما انه اتصال للثورة على الالحاد والوثنية، ومرتبة في التوحيد والاعتقاد وبيان لضرورة احتـلال الشكر لمنزل متقدم في الـعبـادة، (كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام إنـه قال: ان قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الاحرار).
والتقديم: ما يأتي في الامام والأولوية، وهو نقيض التأخير ( وفي الدعاء: اللهم انت المقدِم وانت المؤخِر) ( ) أي أنت الذي تتفضل بتقديم من تشاء برحمتك وتوفيقك وترزقه اسباب الهداية، وأنت الذي تؤخر من تشاء بحرمانك له وخذلانه.
من عموم نٍعمٍ ابتدأها(19)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والمقصود من الكلمة في المقام هو ما سبق من احسانه تعالى وما توالى من نِعَمِهِ على عموم الناس وعلى المسلمين خاصة، والتذكير بها باب للشكر وسبيل لدوام النعم وتواليها.
انها مدرسة اهل البيت في مسالك التقوى تتجسد معالمها على لسان الزهراء عليها السلام وفي سيرتها المباركة في برهان عملي على الاتحاد النوراني والعصمة المشتركة التي جاءت بها آية التطهير لأهل الكساء.
(19) (مِن) حرف جر وتسمى البيانية لانها تبين مع مجرورها جنس المبهم الواقع قبلها ويجوز ان تكون تبعيضية، والعموم بمعنى العام ويعني الشمول والسعة.
النعم: جمع نعمة ولها مصاديق عديدة، ويمكن تقسيمها استقرائياً الى ثلاثة اقسام، النعم الظاهرة، والنعم الباطنة، والجامع لهما، ومن الأول المال والجاه والطيبات، ومن الثاني العلم والفطنة، ومن الثالث الإيمان وأداء العبادات.
والابتداء: الافتتاح والإتيان بالشيء اختراعاً وريادة، قال تعالى كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ، وقد ورد في الدعاء: (يا مبتدءً بالنعم قبل استحقاقها).
وورد في بعض نسخ الخطبة (اتبعها) بدل (ابتدءها).
ولغة الخطاب تظهر طبقة البلاغة العالية المقرونة بصدق الإيمان وتؤكد حقيقة صدورها من بيت الوحي والتنزيل، كما ان فيها اقتباساً وسبوغ آلاء أسداها(20)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من قوله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.
لذا جاء البيان بلغة الاجمال الذي تُشَمُ مِنهُ رائحة الاعتذار واعلان العجز عن العد والاحصاء والذكر التفصيلي.
(20) يقال: سبغ الثوب سبوغاً: اذا تم وكملَ، واسباغ النعمة: توسِعتها واتمامها، وفي دعاء كُميل: (يا سابغ النعم يا دافع النقم)، وفي الحديث: (اسبغوا الوضوء)( ) أي أأتوا به تاماً مستوفياً بالغاً مواضعه كلها.
وآلاءِ: جمع الى- بالفتح والقصر – هي النعمة، وقد وردت كلمة آلاء في اربعة وثلاثين موضعاً من القرآن منها واحد وثلاثون في سورة الرحمن.
وقيل ان الآلاء هي النعم الظاهرة، والنعماء هي النعم الباطنة، وفي الحديث: (تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله).
والإسداء: الإعطاء والمبادرة والاحسان واللطف ، وفي الحديث: (من أسدى اليكم معروفاً فكافئوه)( )، هذا وقد ورد في نسخة للخطبة (أنشأها) بدل (أسداها).
والفقرة اعلاه من الخطبة غاية في الشكر لما تتضمنه من ادب العبودية والتفكر باسباب الخلق، والتكوين وتجديد الاقرار بان ما يتمتع وَتَمامِ مِنَنٍ والاها (21).
به الناس من النعم كله من عند الله عز وجل، وانه تعالى هو الكريم الذي يرزق من غير حساب، ويعطي بشمول وبتمام وكمال وذاك أمر لا يقدر عليه الا هو تعالى.
(21) التمام: الكمال وانعدام النقص، وفي الدعاء: (اللهم رب هذه الدعوة التامة)، وفي وجوه تمامها قيل لانها ذكر لله وحث على عبادته وذلك هو الكمال لما يحمله من شرف المطلب وديمومة البقاء.
ومن اسمائه تعالى (المنان): وهو الذي ينعم ويعطي عظيم الهبات، والمنن: جمع منّة – بكسر الميم – وهي النعمة وفرد الاحسان، قال الزمخشري: (طعم الالآء أحلى من المن، وهو أمر من الالآء عند المن).
والجملة فيها نكتة بلاغية وأدبية، فالمن الأول يقصد به طعام حلو المذاق وهو الذي ورد ذكره في قوله تعالى وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، والمن الثاني يراد به اعتداد الانسان باحسانه الى غيره وذكره واستحضاره لبيان فضله على غيره وهو مذموم من العبد، اما الالآء فيراد بالاولى منها النعم والفضل الالهي على العبد، اما الثانية فيقصد بها الشجر المر.
والموالاة: المتابعة ومجيء الاشياء بعضها متعقباً لبعض، ومنها الموالاة في إتيان الوضوء أي التتابع في غسل ومسح اعضائه.
ان نعمه تعالى متتالية متصلة لا يستطيع الناس الاستغناء عنها.

جَمَّ عَنِ الإحصاءِ عَدَدَها (22)
ولعل في الكلام اشارة الى قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا لبيان نِعم الله الظاهرية والباطنية
والتذكير بالفرائض وخطبة يوم غدير خم عند رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة.
(22) الجمّ: الشيء الكثير يقال: جمّ الشيء جماً من باب ضرب كثر فهو جمّ، وفي التنزيل وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا .
ومن اسمائه تعالى (المحصي) وهو الذي يعلم اعداد الاشياء كلها مجتمعة ومتفرقة، لذا ورد في التنزيل وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ، والاحصاء: العد والحساب والاحاطة بالافراد، والعدد: مجموع الافراد.
والفقرة من الخطبة مقتبسة من قوله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وهي ثناء بلغة الاعتذار، والاقرار بالتقصير عن الاحاطة بالنعم والمنن التي تفضل الله عز وجل بها علينا مما لا يضبط عددها ولا يمكن الاحاطة والعلم بها او بتفصيلاتها.
انه نوع شكر لله عز وجل واظهار لتعاهد بضعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمضامين العبودية والإعتراف بنعمه تعالى، والشكر في الإصطلاح هو الإعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم بنية القصد والإجراء على اللسان او بدونه، لقد حرصت الزهراء على اظهار الثناء لمقام الربوبية على عظيم الإحــسان بلغة الخضــوع والخـــــشوع والتذلل
ونأى عن الجزاء اَمَدُها (23) ، وَتَفاوَتَ عَنِ الاَدراكَ اَبَدُها(24).
للباري عز وجل، لتساهم في توطين النفوس على تعظيم المنعم للمنن المتوالية على المسلمين.
(23) نأى عنه أي بَعُد واصــبح غير قـريب، قوله تعالى وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي يتباعدون ويعرضون.
والجزاء: اسم من جازاه اذا كافئه واعطاه العوض المناسب.
والأمد: المنتهى والغاية التي يكون اليها البلوغ، وفي الدعاء: (جعلت له امداً محدوداً أي منتهى اليه، وقد يتعلق بالابتداء وأوان القصد، كما في قول الحسن البصري عندما سأله الحجاج قائلاً: (ما امدك؟ قال: سنتان من خلافة عمر، أي انه ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب)( ).
والفقرة من الخطبة تعظيم لالآء الله عز وجل واتصال نعمه بحيث اصبح من الثابت العجز عن المكافئة بالشكر او بالفعل لما تفضل به سبحانه، فاكتفت الزهراء عليها السلام باعلان العجز والتقصير عن العوض ومسماه لبيان عظيم نعمه تعالى، وليعلم الناس ما عليه آل محمد من الخشية من الله عز وجل والبصيرة في الدين.
(24) التفاوت: البُعد ويأتي بمعنى الاضطراب والاختلاف، وتفاوت الأمران – بحركات الواو الثلاثة والضم اكثر – أي تباعدا واختلفا متفرقين.
والإدراك: اللحوق يقال: مشيت حتى ادركته أي لحقته.
والإدراك: اطلاع الانسان على الاشياء الخارجية بالحواس.
وَنَدَبَهُم لاِستِزادتَها بِالشُكرِ لاِتصالِها (25).
والأبد: الدهر ودوام مدته، وقال بعضهم: ويطلق الابد على القديم الازلي الذي لا نهـاية له من الطرف الاول والقديم الابدي الذي لا نهاية له من الطرف الآخر( ) وواجب الوجود غير الأبد، ومن صفاته تعالى الابدية أي لا نهاية لوجوده في المستقبل.
والفقرة هذه من الخطبة تتعلق بنعمه تعالى الظاهرة والباطنة وما منّ علينا به مما لا يستطيع الحس والمعرفة الانسانية ادراك ابعاده ووجــوهه وميادينه المتشعبة، أي ان ادراك الانسان أمر محدود يعجز عن الاحــاطة بنعمه تعالى وان سعى الانسان وبحث في ابواب العلم الضــروري او العلم النظري، فيكـون اعلان التقصير عن الاحاطة بنعمه ومننه تعالى سبيلاً مباركة لمضامين الشكر.
(25) ندبته الى الأمر: دعوته، ومنه المندوب في الشرع واصله المندوب اليه حذفت الصلة لوضوح المضمون.
والاستزادة: طلب الزيادة والسعي الى الاكثر، والضمير المتصل (ها) في لاستزادتها يعود للنعم والالآء والمنن التي انعم الله بها.
والاتصال: الترابط بالتتابع والتوالي بالتعاقب، وفي بعض نسخ الخطبة روي (لافضالها) بدل (لاتصالها).
والفقرة من الخطــبة اقتباس من قوله تعالى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ، وهي حث وترغيب بالشكر والحمد، وأخبـــار عن عظيم نفعه وكبير فوائده وتنبيه الى ضرورة التــزامه والحرص على المواظبة عليه، ذلك ان النفوس مجبولة على التطلع الى الزيادة والرغبة والطمع
وَاستَحَمَد اِلى الخلائِقِ بِاجزالِها (26)
والاكثار من الخـــــــــيرات، وهي دعوة لاتخاذ الشكر سبيلاً الى مضاعفة النعم وتعدد وجوهــــــها واللام في لإستزادتها للتعليل، وفي لإتصالها مرادفة (بعد) على الظاهر، كما في قوله تعالى [أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ] أي بعد غروبها، ومعنى الجملة من الخطبة أي انه تعالى حثهم واعانهم بقاعدة اللطف على رجاء زيادة النعم باداء الشكر والثناء له تعالى واستدامته بعد ان جعلها متواصلة دائمة على المسلمين.
(26) استحمد: دعاهم الى الحمد والشكر على وزن استفعل.
ومن اسمائه تعالى (الخالق) وهو الذي اوجد الاشياء وقدرها، والخلائق: جمع خليقة، والخليقة البهائم والخلق الناس وقيل هما بمعنى، (وقد روي عن الإمام علي عليه السلام انه سئل عن الخلق فقال عليه السلام: هو على ثلاثة أوجه فمنه خلق الاختراع لقوله تعالى [ الَّذِي خَلَقَ السَّــمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَــا فِي سِــتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ] وخلق الاستحـالة مثل قوله تعالى [ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ] [هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ] وخلق التقدير كقوله تعالى [ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ] والمراد التقدير المحض، والاجزال: من معاني الاكثار والتعظيم يقال: عطاء جزل وجزيل، واجزلت لهم في العطاء: أي اكثرت، والفقرة من الخطبة اقرار باتصال نعمه تعالى على الناس بكثرة طولية وعرضية تلح على الناس بوجوب الشكر وضرورته.
وَثَنى بِالنّدبِ اِلى اَمثالِها (27)، واشهد ان لا إله الا الله (28).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(27) الثني: – بالكسر والقصر – اعادة الأمر مرتين، ومنه التثنية للاثنين، والندب تقدم تعريفه وهو الدعوة الى الشيء.
والامثال: جمع مثل – بكسر الميم – وهو المشابه والنظير والمماثل.
والمعنى ان الله تعالى فتح باب الزيادة في النعم، ودعا الناس جميعاً الى الحصول على اضعاف ما تفضل به عليهم من المنّ ووجوه الاحسان بالشكر والتقوى، وولوج ابواب الدعاء والتضرع اليه وإتيان الصالحات.
وفي الكلام حث للمسلمين على التزام نهج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وترغيب لهم بالمحافظة على سنته، ودعوة لهم لمواصلة الجهاد والفتح والتصدي لمظاهر الزيغ والارتداد.
لقد كانت الزهراء عليها السلام واعية لعظيم مسؤوليتها، وقد اختارت هذه المناسبة لشحذ همم المسلمين وجمع صفوفهم باتجاه تحقيق المقاصد العقائدية الشريفة.
(28) الشهادة في مقام العلم والاقرار والتحمل والبيان.
والإله: المعبود، فعال بمعنى مفعول، كحساب بمعنى محسوب، ولفظ الجلالة (الله) علم مبارك للذات المقدس الواجب الوجود الموصوف بالكمالات كافة، يوصف لجميع الأسماء الحسنى وسائر افعاله المأخوذة من تلك الأسماء من غير عكس، فيقال الله القوي العزيز، ويقال غفر الله، يرحمك الله، وقيل انه غير مشتق من شيء وانما هو علَم.
وحكي عن سيبويه انه مشتق، واصله إله دخلت عليه الالف واللام فبقي الإله، ثم نقــلت حــركة الهمزة الى اللام وسقطت فبقي اسم الجلالة فاسكنت اللام الاولى وادغمت، وفخم تعظيماً لكنه ترقق مــــع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كسرة ما قبله)( ).
ومنهم من قال انه مشتق من الوله أي التحير، اذ ان العقول تحيرت وعجزت عن الاحاطة بكُنهِ عظمته وقدرته، او مشتق من ألهْت الى فلان أي فزعت اليه، إذ ان الخلائق تفزع الى الله عز وجل في حوائجها.
اما الخليل فقال: “انه اسم موضوع غير مشتق”.
والله واجب الوجود لذاته القديم المستغني عن الحادث الممكن، وهو المعبود الذي تتقرب اليه الخلائق بالعبادة والتسليم، وتألهه باقرار وخضوع وتعظيم، (عن الحسن بن راشد انه سأل ابا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عن معنى الله فقال: استوى على ما دق وجلّ).
وإسم الجلالة (الله) معروف ودائر على الالسن قبل نزول القرآن، تعرفه العرب أيام الجاهلية لبقايا الحنيفية وما تركه ابراهيم وهذه المعرفة عنوان البركة والرحمة منه تعالى باهل الارض، وتوطئة واعانة وبشارة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومما يؤكد معرفة العرب للخالق قوله تعالى وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وقوله تعالى فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا.. .
والفقرة من الخطبة اقرار بالوحدانية، ونفي الشريك عنه تعالى، وتوكيد وتصديق بما جاء عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أي انها اعلان وتجديد للإيمان واخبار على الثبات على مبادئ الشريعة ومواصلة الجهاد في سبيل كلمة التوحيد واعلاء راية الاسلام بالقول والفعل والتدبر والتفكر والتأمل.
وحده لا شريك له (29).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(29) بعد ان أقرت الزهراء عليها السلام واعترفت وجددت الشهادة بالوحدانية لله عز وجل وحصر العبادة به سبحانه، ونفي أي معبود سواه، قالت بامتناع الشريك ووجود افراده كمفهوم كلي لم يصح اتصافه بالوجود الخارجي ابداً، أي ان اجتماع الوجوب والامتناع في شيء واحد مستحيل اذ ان للوجود معنى واحداً ولا تمايز في العدم، وهما متناقضان فلا يجتمعان ولا يرتفعان معاً.
وكما ان واجب الوجود تعالى بالذات من غير حاجة الى غيره، كذلك فان امتناع شريك الباري بالذات أي انه مستحيل ذاتاً لا انه ممتنع بالغير كما في انعدام المعلول لعدم وجود علته، او الممتنع بالقياس الى غيره كما في عدم احد المتضايفين إذا قيس الى وجود الآخر.
ولقد اجمع المتكلمون والحكماء والفلاسفة الملّيون على سلب الشريك عنه تعالى وبذلك جاء الأنبياء ونطقت الكتب السماوية المنزلة.
واســتدل المتكـلمون بدليل التمانع أي ان وجود الشــريك يستلزم فساد النظام ووجود الكائنات وذلك لتنافي الارادتين في وقوع شيء او عدمه، او الترجيح بلا مرجح وعجز الآخر، وعجز الإله وعــدم نفاذ ارادته باطــل، وترجيح احدى الارادتين الإلهيتين على الأخرى ترجيح من غير مرجح وهو محال.
اما الحكماء فقالوا بان الاشتراك في وجوب الوجود يستلزم امكان الشريكين معاً لان التمايز بين الشريكين او الشركاء يدل على التركيب، والمركب ممكن لحاجته الى الاجزاء وما ركب منه، وواجب الوجود غير محتاج.
والفقرة من الخطبة ترسيخ وتثبيت للتوحيد في الارض وحرب على كلمة جُعِلَ الإخلاص تَأويلَها(30).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الردة وبقايا الشرك، واعلان بان بضعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على نهجه وما جاء به من احكام الشريعة، بل انها حاملة للوائه، وان حضورها هذا الى المسجد جهاد ودعوة الى الحق وحث للناس على تجديد الولاء لأهل البيت وانصافهم وضرورة الأخذ منهم وعدم الاعراض عنهم.
(30) خلص الشــيء خلوصاً: صار صــافـياً خـالياً من الشائبة والشركة.
والتأويل: صرف الكلام عن معناه الظاهري الى معنى أخفى منه، وارجاع الكلام عن وجهه الى مفهوم آخر غير ظاهر، والإخلاص هنا صدق السريرة وصفاء النية وقصد القربة في الاعمال وعدم ارادة غير وجهه تعالى، فالإخلاص باب لطرد الرياء وسبيل لنيل مرضاته تعالى وهو المصداق العملي للنطق بالشهادتين، بل ان الحقيقة الفعلية للإتيان بالشهادتين واعتبار التوحيد تكون بالالتزام باحكام عقيدة التوحيد والتصديق بما جاء به الأنبياء والمرسلون، ولذا تسمى كلمة التوحيد كلمة الإخلاص.
ولا غرابة ان ترى سورة [ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.. ] تسمى بتسميتين احــداهــما ســورة التوحيد والأخرى ســورة الإخلاص، وقيل
سميت بالإسم الأخير لانها خالصة في صفة الله تعالى وآية تشهد بتقديسه او انها سميت كذلك لان قراءتها اقرار بالتوحيد وإخلاص في العبودية.
والفقرة من الخطبة بيان مبارك فيه تعظيم لشعائر الله وتأديب للمسلمين وحث لهم على العمل الدؤوب في مرضاة الله عز وجل وضُمّن القلوبُ موصولها (31).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعدم التراخي في العمل او الاكتفاء بالقول والذكر، خاصة وان الفترة كانت ذات أخطار استثنائية طارئة اعقبت وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الأمر الذي يحتاج بالضرورة الى تظافر جهود المسلمين وتوظيفها في خدمة الدين واعلاء كلمة التوحيد وتثبيت ركائز الاسلام بالدفاع المخلص عنه.
(31) ضمنه ضماناً: كفله فهو ضامن، وضمنت المال: التزمت وتعهدت به.
قلب كل شيء: خالصه، والقلوب: جمع قلب، وهو اللحم الصنوبري الذي يقع في الجانب الايسر من الصدر، وهو أمير الجوارح ومنبع الروح والمركز المحوري للدم ودورته التي تتعلق بها الحياة، وقد ورد ذكر القلب بلغة المفرد والجمع في اكثر من مائة وثلاثين موضعاً من القرآن تظهر اجمالاً ما للقلب من وظائف عقائدية ذات اهمية حاسمة في مدارك الانسان وانماط سلوكه وطبائع وصيغ افعاله.
ويحتاج الأمر الى دراسة قرآنية وعلمية دقيقة تبين وظائف القلب وما يعنيه كلطيفة روحانية، ووجوه الالتقاء والافتراق بينه وبين الروح والنفس، ومنازل الترادف بينه وبين الفؤاد الذي لهُ معان متعددة احــدها انه هو القلب ومنها انه غشــاء القــلب، وتتعرض لاقوال المحقــقــين في المقام وقول بعـضــهم بانه برزخ بين الروح والنفـس، او النفس والبدن، بالاضافة الى ماهية الصلة بينه وبين العقل، وهل انه هو المخاطب والمطالب والعارف المدرك، ومدى احسـاس القلب والعنوان الاصطلاحي له.
وفي الحديث: (القلوب أربعة، قلب فيه نفاق وإيمان اذا ادرك الموت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صاحبه على نفاقه هلك وان ادركه على ايمانه نجا، وقلب منكوس وهو قلب المشرك، وقلب مطبوع وهو قلب المنافق، و قلب ازهر اجرد وهو قلب المؤمن فيه كهيئة السراج ان اعطاه الله شكر وان ابتلاه صبر).
والموصول: اسم مفعول من الوصل، يقال وصلني سلامك أي بلغني ونقل اليّ.
فيكون معنى هذه الفقرة من الدعاء ان الله عز وجل زرع كلمة التوحيد في شغاف القلوب ومداركها وجعلها مجبولة على تحمل امانة التوحيد والاقرار بالعبودية لله، لذا ورد في حديث الفروض على الجوارح: (واما ما فرض الله على القلب من الإيمان فالاقرار والمعرفة والعقد والرضا والتسليم).
وقد فسر الاقرار بالاقرار لله عز وجل بالوحدانية والتسليم ببعثة الأنبياء، وما ارسل الله من المرسلين وما جاء من عنده تعالى من الكتب المنزلة، اما المعرفة فهي التصور المطلق واذعان القلب والتصديق، والرضا والتسليم بان لا اله الا الله وحده لاشريك له وان محمداُ عبده ورسوله.
ولعل في الكلام اقتباساً من قوله تعالى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ، وان الله عز وجل أخذ الميثاق على الناس في عالم الذر واقروا له بالوحدانية، وان الاقرار بواجب الوجود تعالى من لوازم ذوات الارواح وحقائقها، وفي الخبر: (ان الارواح البشرية موجودة قبل الأبدان).

أنارَ في التَفكّر معقولَها(32).
(32) أنار ينير إنارة: أضاء، والنور كيفية ظاهرة بنفسها وبما تعكسه من اشعاع ومظهرة لغيرها، وقيل ان النور ما كان بالتبعية والاشتقاق والعرض، اما الضياء فهو بالذات والاصالة، ويمكن الاستدلال على ذلك بقولهِ تعالى هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا.. باعتبار ان القمر شأنهُ شأن الكواكب الأخرى في اكتساب نوره وضيائه من ضوء الشمس واشعتها، وقيل ان الضياء الوجه القوي من أوجه النور.
والتفكر: التأمل واعمال الفكر والتدبير والحساب والاستنباط والاستنتاج العقلي، وفي الحديث: (تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة)( ).
والمعقول: مصدر من قولك عقلت الشئ عقلاً ومعقولاً: أي حجزته ومنعته وحبسته، والعقل يردّ النفس عن الهوى وينهاها
عن المعصية والطيش والتهلكة، وفي الحديث: (اذا تم العقل نقص الكلام)، والاحاديث الواردة في فضل العقل واهميته كثيرة، وتشعبت عنها مباحث علمية وفلسفية ومعان مستنبطة كثيرة.
والفقرة من الخطبة الشريفة تؤكد ان الله عز وجل جعل التفكر والتأمل وانتقال النفس في المعقولات والمحسوسات وما في الافاق من الآيات سبيلاً الى الاقرار بكلمة التوحيد، واقام سبحانه الحجة على العباد بما جعل عندهم من ملكة التفكر والتدبر في الدلائل والبراهين.
ان تعقل كلمة التوحيد والتسليم بها نور يملأ القلوب وضياء ينير
المُمتَنِعُ مِنَ الأبصارِ رُؤيَتُهُ(33).
دروب الحياة الدنيا ومسالك الاعمال فيها، وهو مرقاة ضرورية حاسمة لبلوغ المقامات السامية في منازل الآخرة.
إنها عليها السلام تحث على اعمال الفكر وما يوصل الى ادراك حقيقة التوحيد بتدبر عظيم صنعه تعالى وبديع مخلوقاته.
ومن الحكماء من قسم العقل الى مراتب اربعة: وهي العقل بالملكة لادراك البديهيات من التصورات والتصديقات، والعقل بالقوة الى جميع الصور، والعقل بالفعل لادراك النظريات ولو بتوسط البديهيات، اما الرابع فهو العقل المستفاد من البديهيات والنظريات واستحضارها وادراكها وعقلها.
وهذه المراتب للعقل مجتمعة ومنفردة كلها توصل العبد الى التوحيد والاقرار بالشهادة، باعتبار انها قضية يقينية ومبنية على الاعتقاد المطابق للواقع والصدق الذي يأبى النقيض.
وقد ثبت ان التفكر والكسب والتدبر يؤدي جزماً الى اليقين، وما في الخطبة من الحكمة والبلاغة يؤكد عظيم مقام الزهراء عليها السلام وما كانت ترمي اليه من الموعظة والتذكرة.
(33) الممتنع مشتق من المنع أي الإباء بخلاف الاعطاء، والامتناع في الاصطلاح هو استحالة ثبوت المحمول لذات الموضوع كتعذر اجتماع النقيضين امتناعاً ذاتياً، لذا عبر عنه بان الامتناع ضرورة السلب، وقد يكون الممتنع بالغير.
وفي المقام هل ان امتناع رؤيته تعالى أمر ذاتي اصلي، ام عرضي يتعلق بموانع خارجية وعدم قدرة الناس في طبيعة خلقهم على الرؤية واعمالهم للآلة الباصرة، الأصح هو الأول.
ومن اسمائه (المانع) وهو الذي يحوط اولياءه وينصرهم، وقيل من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المنع وهو الحرمان أي انه يحرم ويمنع من يستحق المنع، والحقيقة ان الإسم جامع وشامل للمعنيين.
والابصار: جمع بصر وهو للإنسان حاسة الرؤية وقد يراد به العين.
والبصيرة: رؤية القلب ونوره وقد يترادفان في كل من المقامين.
ومن اسمائه تعالى (البصير) وهو الذي يرى الاشياء كلها ظاهرها وباطنها من غير آلة باصرة او جارحة، فهو تعالى عالم بالمدركات يسمع بما يبصر ويبصر بما يسمع، وقد ورد صفة البصير لله عز وجل في القرآن اثنتين واربعين مرة، تدل على علمه المطلق واحاطته بالخلائق جميعها وتقلبات احوالها وآجالها.
والرؤية: النظر وبصر العين ويتعدى الى مفعول واحد لانه من افعال الحواس وتنصب هيئة المرئي على الحال تقول: (رأيت الهلال كبيراً)، اما رؤية القلب فتأتي بمعنى العلم والظن، وتتعدى الى مفعولين فتقول: (رأيته عالماً).
والمقصود في المقام الرؤية البصرية، ومدرك البصر اعم مما للحواس الظاهرة الأخرى كالسمع والشم واللمس، لذلك ذكرت بالخصوص بقوله تعالى لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ.
والفقرة من الخطبة مدح وثناء وتعظيم لشأنه تعالى بالعجز عن رؤيته، وقد اجمعت الأمة بلا خلاف على ان الآية الكريمة اعلاه مدح الله عز وجل بها نفسه، وقد اختلف في ماهية العجز عن رؤيته تعالى على قولين:
الاول: هو استحالة ادراكه ورؤيته تعالى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الثاني: انه تعالى قادر على منع الابصار من رؤيته، أي انها تفتقر الى مستلزمات رؤيته.
والظاهر من كلمتها عليها السلام هو ترجيح القول الاول وهو المشهور.
ان نفي الجهة والأين والمكان عن واجب الوجود يعني بالضرورة استحالة رؤيته تعالى وعدم امكان الاشارة الى جهة معينة يكون فيها وجوده.
وقد روى مسروق عن عائشة انها قالت: (من حدثك ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى ربه فقد كذب لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ و وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ )( ) ، ولكن رأي جبرائيل في صورته مرتين).
وفي رواية أخرى ان مسروقاً لما قال لها: (هل رأى محمد صلى الله عليه وآله وسلم ربه؟ قالت: سبحان الله، لقد وقف شعري مما قلت، ثم قرأت الآية)، وروي قولها هذا عن الشعبي.
لقد أرادت الزهراء عليها السلام مدحهُ تعالى بهذه الصفة وتوكيد تلك الحقيقة في اذهان المسلمين، وهو تصدّ مبارك متقدم في زمانه لما قاله المجسمة والكرامية( ) فيما بعد الذين توهموا باعتقاد انه تعالى جسم وخالفوا عموم المسلمين الذين يقولون بتجرده.
وَمِنَ الألسُنِ صِفَتُهُ(34)، وَمِنَ الأوهامِ كَيفِيَّتُهُ(35).
(34) الألسن: جمع لسان وهو جارحة الكلام وآلة النطق، وهو يذكر ويؤنث، والتذكير فيه هو الغالب، وقد ورد في مواضع من القرآن بلغة المذكر. والصفة: النعت والحال، قال أمير المؤمنين عليه السلام: (ليس لصفته حد محدود ولا نعت موجود).
وفي خطبة لأمير المؤمنين وامام الموحدين قال: (أول الدين معرفته، وكمال معرفته – أي معرفة الله عز وجل- التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة انها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف انه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فـقــد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزاه، ومن جزاه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار اليه، ومن أشار اليه فقد حده، ومن حده فقد عده، ومن قال فيم فقد ضمنه، ومن قال علام فقد أخلى منه)( ).
والفقرة من الخطبة تنزيه لمقام الباري وبيان لعجز الناس عن وصف كنه عظمته وقدرته، فمهما اجتهدوا في الوصف فانه اعظم مما يقولون، ذلك ان العجز لا ينسب اليه ابداً.
(35) الأوهام: جمع وهم، وهو ما يقع في الخاطر يقال: وهمت الشيء اهمه وهماً أي وقع في خلدي وحلَ في ذهني، وقيل هو القوة الوهمية التي تدرك المعاني الجزئية وتأتي الأوهام بمعنى العقول.
والكيفية: حال الشيء وهيئته وصفته، وقد ترتقي الكيفية في رسوخ موضوعها عند الانسان فتسمى ملكة، وقد تكون الكيفية النفسانية حالاً ثم تصير ملكة لا تزول بسرعة، ان الله تعالى ازلي ممتنع عن حدوث الحوادث فيه، وقد ثبت في علم الكلام نفي التركيب عنه تعالى سواء كان التركيب العقلي ذا الجنس.
ابتدع الأشياء لا من شئ كان قبلها(36)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والفصل، او التركيب الخارجي الجسمي ذا المادة والصورة، اذ ان كل مركب يفتقر الى جزئه ويغايره وكل مفتقر ممكن، وليس له سبحانه جنس او فصل ونحو ذلك من الاجزاء الحسية او التي يمكن ان تجتمع في اوهام البشر.
وفي نفي الكيف عنه تعالى ورد في الحديث: (كيف اصف ربي بالكيف، والكيف مخلوق والله لا يوصف بخلقه)، وكذلك قوله عليه السلام: (كيف اصفه بكيف وهو الذي كيف الكيف حتى صار كيفاً، فعرف الكيف بما كيف لنا من الكيف).
ان كلام الزهراء عليها السلام لا ينفي الكيفية الخالقية عنه تعالى ولكنه ينفي الكيفية الخلقية ويمنع من التفكر في ذات الله، وهو تعظيم وتمجيد وثناء عليه تعالى وفيه تنزيه لمقام الربوبية، ويؤكد للناس جميعاً علم الزهراء عليها السلام وانها بضعة النبي خلقاً وخلقاً وعلماً وبلاغةً وايماناً.
(36) من اسمائه تعالى (البديع) وهو الذي خلق الناس ومجموع الخــلائــق من غير مثال ولا ســابــق يحــتــذى، وابتدع الاشـياء أي أحــدثها وأوجدها بكيفياتها، وانشأها بقدرته وعظيم سلطانه.
وفي قوله تعالى بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ روي بالاسناد عن سدير ان الإمام محمد الباقر عليه السلام قال: (ان الله ابتدع الاشياء كلها بعلمه على غير مثال كان قبله، فابتدع السماوات والارضين ولم يكن قبلهن سماوات ولا ارضون، اما تسمع لقوله تعالى وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ.
وَانشأها بِلا احتِذاءِ أمثِلَةٍ اَمثَلَها(37)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والفقرة من الخطبة تنزيه وتعظيم لله عز وجل وبيان لعظيم صنعه، وان كل الموجــودات بذواتها واعراضها وصفاتها هي من صــنعه تعالى وانبعثت وتكونـت بمشـيئته وارادته، وهي ايضاً بيان لعظيم ربوبيته، واستجابة جميع الاشياء لأمره، ودعوة للنظر في مخلوقاته تعالى وادراك كنه عظمته وسلطانه بالآيات الكونية وطبـيعة النظام الدقيق الذي يحكم حركة الاشياء.
(37) أنشأها: أي خلقها وابتدأها وأوجدها، والضمير متعلق بالاشياء والكلمة إختيار قرآني مبارك، فقد وردت في عدة آيات لتدل على ابتدائه تعالى لخلق الاشياء قال تعالى وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وقال تعالى هُوَ الَّذِي يُرِيكمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ وقال تعالى هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا .
و(بلا) الباء: حرف جر، و(لا): نافية مهملة لدخول حرف الجر عليها. والاحتذاء: الاقتداء والمحاكاة والمشابهة.
والامثلة: جمع مثال وهو الصورة وما يطابق الشيء، ان الله تعالى خلق الاشياء من غير صور لها موجودة من قبل لبيان عظيم قدرته وسعة سلطانه، ولتنبيه العقول الى اصل خلق الاشياء والتدبر في أسرار الحياة وارتكازها حدوثاً وبقاءً على أمره تعالى ومشيئته ورحمته.
كوّنها بِقدرَتِهِ(38) وَذَرأها بمشيئته من غير حاجة منه الى تكوينها(39).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(38) كوَنه: أحدثه وأوجده، والكون: الوجود، ومنه في وصفه تعالى: (كان بلا كينونة).
والقدرة مصدر من قولك قدرت على الشيء قدرة: قويت عليه وتمكنت منه, ومن اسمائه تعالى (القادر) و(القدير).
والفقرة من الخطبة دعوة الى الانقياد للمعبود عز وجل ولبيان ان
العالم حادث وموجود بقدرته، وتلك طريقة استدلالية في علم الكلام لاثبات وجود الصانع، فقد قالوا ان العالم لابد له من مُحدث بحكم كونه حادثاً، ومحدثه لم يكن محدثاً لان الاحداث يستلزم التسلسل والدور فلابد ان محدثه قديم، والقدم يستلزم الوجوب.
(39) ذرأها: خلقها ونشرها، والضمير (ها) عائد للاشياء، قال تعالى فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ أي تطيره وتفرقه.
والمشية مصدر شاء يشاء من باب قال وهي الارادة، وفي الحديث عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: (لا يكون شيء في الارض ولا في السماء الا بهذه الخصال سبع، بمشيئة، وارادة، وقدر، وقضاء، واذن، وكتاب، واجل) ( ).
وظاهر التعدد والاثنينية بين المشيئة والارادة، لذا قيل ان الفرق من حيث المتعلق، وان الاولى بالنسبة الى ماهية المعلول، والثانية تتعلق بوجوده، وبان المشيئة هي العزم الكلي المتعلق بالفعل، والارادة هي العزم الجزئي.
ولا فائدة له في تصويرها(40).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولا تغاير بين الذات والمشيئة الإلهية لإن صفاته تعالى عين ذاته، فهو يفعل ما يريد لا بمشيئة زائدة ولا بهمة وعزم عارض.
انه تعالى مستغن عن كل ما سواه، وكل شيء في الوجود محتاج اليه مستفيد منه، متعلق في وجوده كما في اصل حدوثه بأمره تعالى.
ومن اسمائه تعالى (الغني) وهو الذي لا يحتاج مطلقاً، وكل شيء محتاج اليه تعالى، والغنى المطلق له سبحانه ولا يشاركه فيه أحد.
والفقرة من الخطبة تنزيه لمقام الربوبية وبيان للنظام الكوني وصنعه بحكمته تعالى، ودرس ارشادي للمسلمين لاستثمار الحياة الدنيا بطاعته سبحانه وما فيه نجاتهم وفوزهم، انها توكيد لمسألة استغنائه تعالى عن اعمال العباد والتي لا يكون محتاجاً الى الصالحات منها الا العباد انفسهم، ولكي لا يمنَ بعضهم بما قدم في سبيله تعالى ولا يتطلع الى مراتب عالية في سلم الزعامة ونحوها بحجة ما قدمه وساهم فيه من الجهاد، وبيان فضله تعالى على المهاجرين والأنصار وغيرهم بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ومبشراً.
(40) الفائدة: ماحصلت عليه وما استفدته من علم او مال او نحوهما ويقال: وما فادت له فائدة، والتصوير: انشاء الصورة واحداث المثال والهيئة.
ومن اسمائه تعالى (المصور) وهو الذي صور جميع الموجودات واعطى بحكمته وبديع صنعه لكل شيء منها صورة وهيئة خاصة وشكلاً ذا خصوصية تتميز عن الانواع الأخرى، بل ان افراد الجنس الواحد يحمل كل منهم خواصاً وعوارض خارجة عن حقيقتها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبالنسبة لنا قد تكون الصور المعقولة انعكاساً من الصور المنتشرة في الافق كما في هيئة الكواكب وتضاريس الارض وعمارتها، التي تتضح بالرصد والحس، وقد يكون الأمر معكوساً فتتكون الصورة في الذهن ومراحل الخيال ثم تتجسد في الواقع والتطبيق العملي والميدان الخارجي كما في عزم المهندس على تخطيط دار وبنائها، اذ ان علمه فعلي وسبب في وجود المعلوم في الخارج ولكنه ليس سبباً موجباً كاملاً لحاجته الى مستلزمات العمل ومحل البناء، وعلة مادية وزمان خاص يستوعب الفعل ونحو ذلك.
اما بالنسبة للعوالم الكونية وما فيها من المخلوقات فقد ترتبت على ارادته الازليـة وعلمه الازلي التام والمطلق وكلماته التامات، فهو سبحانه تام الايجاد مثلما هو واجب الوجود، قال تعالى إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ .
انه تعالى لا يدرك الاشياء بالاشياء لان ذلك يلزم التركيب والحاجــة، والله تعالى منزه عــنه، فهو واجب الوجود غير مركب ولا محتاج كذلك، ووجودها العلمي قبل وجودها الخارجي لا يعتبر صفة زائدة على الذات او منفصلة عنها، وقد تحصّل في الفلسفة ان القول باثبات الصور في واجب الوجود قول فاسد.
ومن البديهي ان تلك الاشياء لم تكن موجودة في الازل بوجود اصيل لحقيقة كـونية ثابتة وهي عدم قدم الحوادث، كما ان التعلق بين ذات العالم والمعدوم الصرف غير ممكن لعدم ظهور المعدوم، فتعتبر ان تلك الصور متصلة بالذات المقدسة مرتسمة فيها من غير ان تكـون جــزءاً من الذات لانه تعالى ليس بمـركــب، لاسيما وان قدرته تعالى ازلية وتتعلق بكل الاشياء ابداعاً وتكويناً وليس شيء اقرب او اسهل عليه من شيء حتى تكون القدرة على بعض الاشياء دون بعضها، خلافاً لما قاله بعض رؤســاء المعتزلة كالنظّــام الذي ظن انه لا يقـدر على القبيح وبأنه لو كانت قدرته على القبيح ممكنة لكان وقوع القبيح ممكناً.
وحيث ان قدرته تعالى متساوية لجميع الاشياء ولاشتراكها جميعاً في الامكان فيكون تعلقها بالاشياء تعلقاً عاماً شاملاً دائماً وان لم يستوجب من ذلك ضرورة الوقوع او ترتبه في الكل، فلا يقع منها الا ما يشاء سبحانه وحيث يشاء من غير حاجة منه تعالى الى احداث الممكنات.
والفقرة من الخطبة توكيد لاثبات الصانع واستحضار الدليل المحسوس على عظمته، فهي أخبار بان العالم حادث وان صانعه والذي اوجده هو الله تعالى، وانه قادر مختار يمكنه الفعل والترك لذات الشيء الواحد، وانه تعالى غني عن الموجودات، وان كل شيء صادر عنه تعالى سواء كان بوسط او من غير وسط، وهذه المقدمة تبدو فيها معالم الموعظة والتذكير بعظمة الباري واجتناب الافتتان بالدنيا والآيات الكونية.
ان تلك الكلمات التي قالتها الزهراء عليها السلام جزء من الوظيفة الاساسية للرسالة المحمدية ذات الشعب المباركة المتفرعة والمسالك المركبة وابواب الجهاد المعقدة، وان كانت اهدافها وغاياتها سامية عظيمة تحتم وجوب نقل الناس من واقع ضلالة وقيم فكرية ملحدة وبناء اجتماعي مرتبك ومتداع الى قيم وعقائد وصروح أخلاقية وسياسية وروحية مرتكزة على الإيمان والاقرار بالعبودية لله عز وجل، انها دعوة لنظام اسلامي عام وشامل لذات الفرد والمجتمع وانماط السلوك وكذلك لكافة ميادين الحياة، وتكون فيه نجاة ورحمة وانقاذ حتى لاولئك الذين تصدوا للاسلام في باديء أمرهم ممن انحرفت عقولهم عن مسار العلم ومفردات البصيرة، وأثرت بهم العقائد الفاسدة التي أعقبت وقوف الانسان متحيراً – في فترات انقطاع النبوة – ازاء ما تحمله عناصر الطبيعة من اسرار النظام
اِلاّ تَبيناً لِحكمَتِهِ(41).
وحكمة الصنع، ولكنه لم يتجرد عن تصوره لقوة حيَة عظيمة وخالق يسير شؤون هذا الكون البديع قادر يصيبه بالخير او يلحق به الاذى.
ومن أخطر تلك العقائد الفاسدة اتجاه بعض الامم الى فكرة تعدد الآلهة وقيام بعض المجتمعات بتقديس بعض العناصر الاساسية في الكون، فكان القمر مثلاً من آلهة البابليين ويسمى عندهم (سن)، وقدّسه الهنود القدامى وسموه (رب الليل) وحكي انه ورد بهذا الإسم في اشعارهم.
وقيل ان اسمه عند العرب في الجاهلية (ود)، وكان تقديسهم للاوثان دليلاً على حالتهم الفكرية الرثة وواقعهم العام المؤلم، والحاجة البشرية العامة الى الرسالة السماوية.
لقد استثمرت الزهراء عليها السلام هذه الفرصة لتثبيت مفاهيم التوحيد في اذهان المسلمين، ومناسبة الخطبة تضفي طابع الضرورة لمثل هذا القول خاصة من ذات السمو والطهارة والسيادة على نساء العالمين وفرع النبوة، وفي أيام المصيبة بفقد الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم وتزلزل قلوب نفر من ابن اء القبائل.
(41) (الا) اداة اســتثناء، ولكثرة ورودها فيه ولصلاحيتها لاقسامه الثــلاث المتصـل والمنقــطـع والمــفـرغ، سميت أم أدوات الاستثناء.
والاستثناء في المقام منقطع، والذي يعني في ماهيته صيغة استدراك ومنع توهم قد يقع فيه السامع او القاريء فانك تستطيع ان تبدلها باداة الاستدراك (لكن).
وتبين الشيء: اذا ظهر وتجلى واصبح واضحاً بيناً، وقد فرق بين التبيان والبيان، وقيل ان الاول جعل الشيء مبيناً مع الحجة، والثاني جعل الشيء مبيناً بدون حجة.
وتنبيهاً على طاعته(42).
ومن اسمائه تعالى (الحكيم) على وزن فعيل بمعنى فاعل والله يحكم الاشياء ويتقنها ويضعها باحسن وضع واكمل حال، وتطلق الحكمة على العلم ومعرفة الاشياء وتفاصيل الامور.
ان ارتباط اجزاء النظام الكوني بعضها ببعض يؤكد علمه تعالى وحكمته المطلقة واحاطته بوجود الاشياء وتعاهدها بعد ايجادها البديع.
وفي الفقرة من الخطبة توكيد لاستغنائه تعالى عن المخلوقات جميعاً وبيان لعلة الخلق، بالاضافة لما فيها من المنافع العامة من ارتقاء النفس في سلم المعرفة الالهية واستعلائها على البدن وعدم انقيادها لحاجاته الغريزية والنزعة الجسمية، ولعل في ذلك مدخلاً كريماً للمناشدة وجذب النفوس للحق سواء كان بمعناه الخاص منه الذي يتعلق بموضوع الخطبة، او بمفهومه الإصطلاحي العام الذي يتعلق بتثبيت النفوس في مسالك الهداية ودروب الإيمان وتوجيهها في طرق الجهاد وترسيخ دعائم الدين الحنيف.
(42) نبهته على الشيء: اوقفته عليه ويقال انبهته من نومه ونبهته فانتبه، وقال بعض شراح الخطبة ان الفقرة اشارة الى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الناس نيام اذا ماتوا انتبهوا).
والمقام مختلف وهناك تغاير في زمان التنبيه وجوهره.
انه هنا عون على التكاليف وباب للانقياد له تعالى بالتدبر في مخلوقــاته ومشاهدة عظيم مصــنوعاته بالدلالة الالتزامية خارجاً وذهناً، لينتقل الذهن ومن غير توسط شيء آخر الى ضرورة عبادته تعالى، انها من بركات اهل البيت ومصداق للزوم اتباعهم والاقتداء بهم، فالزهراء عليها السلام تدعو الناس الى الالتزام بطاعته تعالى وعدم التفريط في دار التكليف ومزرعة الآخرة منعاً للحسرة والندم في دار الحساب.
وَإِظهاراً لِقُدرَتِهِ(43).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انها تريد من المسلمين الثبات والدوام على ما جاء به ابوها النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم، بالاسناد عن محمد بن مسلم عن الإمام محمد الباقر عليه السلام قال: (تكلموا فيما دون العرش ولا تكلموا فيما فوق العرش فان قوماً تكلموا في الله فتاهوا).
والفقرة من الخطبة حث على الالتفات والتدبر في جانب من اسرار الكون ووظائفه، وانه سخر للانسان ليتفكر في بديع الصنع ويهتدي بذلك الى اداء فرائضه، قال تعالى وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ .
ان الزهراء عليها السلام تلقي على المسلمين درساً وموعظة وتقول بان كل شيء في الكون آية تدعو وترشد الناس الى العبادة التي لا مناص منها.
(43) ان كل شيء من العالم – وهو كل موجود سوى الله تعالى – موجود بقدرته تعالى، وثبت في باب الوحدانية ان كل موجود سوى الله تعالى ممكن، وكل ممكن مستند الى الواجب اما ابتداءً وبالذات او بالواسطة، وعموم الامكان هذا كعلة يستلزم اطلاق صفة القدرة، فهو سبحانه قادر على كل شيء، وتجسدت تلك القدرة والعظمة بعناصر الكون، وما في السماوات والارض من العجائب والاسرار الدقيقة التي تتضح منها في كل جيل ومع كل تطور علمي معالم كثيرة مثيرة للدهشة وتدعو الانسان الى التسليم بعظيم قدرته.
فالفقرة من الخطبة ثناء وتمجيد للباري عز وجل، وتوجيه لنشاطات وتعبداً لبريته(44).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الناس الفكرية بان تكون منحصرة اصلاً في صفات الباري كمدخل الى الانشغال السليم في فروع العبادة وشعبها، والابتعاد عن زخارف الدنيا وما فيها من الافتتان المتصل.
(44) التعبد: التنسك والمواظبة على العبادة لذا يقال للدائم على العبادة العابد والمتعبد، والعبادة في اللغة هي الخضوع والتذلل، وهي بحسب الاصطلاح إتيان المامور به طاعة واستجابة وبقصد القربة، والفاعل عابد والجمع عُبَاد، ويمكن تقسيم العبودية من حيث متعلق الاداء الى وجوه ثلاثة.
الاول: ما يجب على الابدان كالصلاة والصوم والعمل بالفروع الشرعية الأخرى.
الثاني: ما يجب على النفوس في باب العقيدة والفكر والمباديء السليمة ونحو ذلك من العلوم الدينية واخضاع السلوك والأخلاق والصفات النفسية لاحكام الشريعة.
الثالث: ما يجب من انماط السلوك والمعاملة في ابواب التجارة والزراعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واداء الامانة والتزام الصدق ونبذ القبائح.
وقد ورد في الخبر عن الصادق عليه السلام: (ان حقيقة العبودية ثلاثة اشياء: ان لا يرى العبد من نفسه فيما خـوله الله ملكاً لأن العــبد لا يكون له ملكاً بل يرى المال مال الله يضــعه حيث أمره الله، وان لا يدبر العبد لنفســه تدبيراً وجعله اشتغاله فيما أمره الله تعالى ونهى عنه، ولا يدع ايامه باطلاً وهذا اول درجات المتقين) ان الإقرار بالربوبية ورياضة النفس على مفاهيم العبودية سبيل الإرتقاء في ميادين العلم والمنازل ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإجتماعية ونيل درجات العز وحسن العاقبة.
واذا اكرم الله العبد بهذه الخصال الثلاث هانت عليه الدنيا ومصائبها ولا يطلبها تفاخراً وتكاثراً، ولا يبغي ما عند الناس عزاً وعلواً ولا يدع أيامه باطلة فهذه اول درجات المتقين.
والبرية: الخلق والخليقة، ومنه ما ورد في قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ، ومن اسمائه تعالى (الباري) ويمكن القول في معناه وتفسيره انه تعالى خلق الخلائق وابتدعها من غير مثال سابق، وقد ينحصر ورود هذا العنوان بخلق الحيوان وذي النفس فيقال: (برء الله النسمة وخلق السماوات والارض).
والفقرة من الخطبة تؤكد تسخير الكائنات لمنفعة الانسان، وبيان انها موظفة في طريق محور افعاله في الحياة الدنيا وهو التزام عبادته تعالى والاستعانة بالتفكر في آياته وحججه، واتباع البرهان كسبيل للوصول الى الحقيقة وواقع العبودية للخالق عز وجل، لذا عرف البرهان بانه قياس مؤلف من يقينيات ينتج يقيناً بالذات ضرورة.
ومن القواعد البديهية التي يستدل بها عقلياً على واجب الوجود وخلقه لجميع المخلوقات هي (استحالة وجود الممكن بلا علة)، والرجوع الى البديهيات والوصول الى منازل اليقين باعمال الفكر والنظر والاستنباط العلمي خاصة عند غياب القياس عن العقل وذلك من اهم ميادين البرهان والحاجة الى الرجوع اليه، ولتكون النتيجة يقيناً ورحمة وحجة على الناس، ودعوة للاجتهاد في العبادة واستحقاق مقام الربوبية لها وإختياره في مخلوقاته الدال على علمه تعالى.
واِعزازاً لدعوته(45).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(45) يقال: اعزه الله اعزازاً أي اكرمه وشد عضده وجعله مهاباً غير ذليل، ويقال عزَ الشيء أي اصبح قليل الوجود ونادراً وهذا المعنى اجنبي عن المقام.
ومن اسمائه تعالى (العزيز) و (المعز) فهو القوي الذي لا يغلب وهو الذي يهب العز لمن يشاء.
والدعوة مصدر دعا يدعو دعاء ودعوة، وتأتي عنواناً لمضمون الدعاء والمسألة، وفي الدعاء: (اللهم رب هذه الدعوة التامة)، أي الخالية من النقص المملوءة بالنفع والبركة، وهي كلمة التوحيد ومباديء الاسلام والانقياد لمقام الربوبية وبعث الأنبياء وارسال المرسلين وانزال الكتب السماوية واسباب هداية الناس ومنها بديع صنعه تعالى وعظيم قدرته.
والفقرة من الخطبة بيان لجانب من العلة الغائية التي بسببها تفضل سبحانه بهذه المخلوقات والآيات الكونية لتكون تاييداً محسوساً ودليلاً ملموساً على صدق انبيائه وضرورة دروب الهداية، وهي ايضاً ارشاد للعقول بعظيم نعمته واحسانه سبحانه
بتهيئة مستلزمات الإيمان واسبابه وظهورها جلية للاذهان وفي كل وقت وزمان.
كما يمكن اعتبار هذه الكلمات مرحلة متطورة في مخاطبة العقول بوحي من فلسفة التنزيل واسرار التاويل.
انها ارتقاء في عالم الملكوت خاصة عند النظر اليها من خلال طبيعة تلك الأيام وما فيها من الوقائع والاحداث السريعة المتتالية وبما تتضمنه من الارباك ومظاهر العزم والقوة او حالات التفكك والتردد.

ثم جعل الثواب على طاعته(46) ووضع العقاب على معصيته(47).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن خلال جهة الصدور فهي ثمرة كريمة من شجرة النبوة واشعاع عقائدي من فرعها السابغ ينفذ الى القلوب وتتفاعل انواره وصداه مع التأريخ فتنجذب لمضامينها النفوس المؤهلة للصلاح واستقبال الحكمة.
(46) ثمَ: حرف عطف يفيد التشريك والترتيب والتراخي.
والثواب: الجزاء على الاعمال ويكون في الخير والشر واستعماله في الخير اكثر وعليه العرف، لذا اصبح في مصطلح علم الكلام النفع المستحق بالطاعة المقارن للتعظيم والاجلال.
ويأتي استحقاق الثواب عنواناً لفعل الطاعة واخضاع انماط السلوك للاوامر الالهية واحكام الشريعة وما في ذلك من المشقة التي يختارها العبد سعياً لمرضاته تعالى.
والفقرة من الخطبة التفات الى موضوع الاعمال وانتقال الى احوال الناس ومضامين التكليف وعواقب الافعال، وبيان لما اقيم على الناس من الحجج والبراهين وما هيئ وسخر من مستلزمات الهدى وسبل الارشاد.
انها دعوة لالتزام الطاعة وحث على الصالحات والمواظبة على إتيانها طمعاً ورغبة بعظيم الثواب وحسن الجزاء وكريم العطاء، وبذلك تساهم الزهراء عليها السلام في تثبيت الإيمان في قلوب الصحابة ودوام تقيد المسلمين باحكام الشريعة الغراء، وتعظيم شعائر الله بالعمل الدؤوب في مرضاة الله عز وجل رجاء ثوابه ونيل المراتب الكريمة في منازل نعيم الآخرة.
(47) العقاب: العقوبة وجزاء السوء والشر، وهو يقابل الثواب.
والمعصية مصدر من عصى يعصي عصياناً، وهي مخالفة الأمر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وتجاوزه خلاف الطاعة، ويدخل ضمن المعصية فعل القبيح، اما الاخلال بالواجب فقد اختلف فيه كسبب لاستحقاق العقاب، فقال جماعة: (بأنه ليس فعلاً للقبيح ولا ضد الواجب وبذلك لا يتعلق به ذم ولا عقاب).
وقال آخرون باشتماله على مستلزمات العقاب، واستدلوا تارة بالعقل وباستحضار قاعدة اللطف في المقام، وتارة بالادلة السمعية والاحاديث الواردة ومضامين التفسير.
ويحتاج الأمر الى التفصيل الذي تحدد ابعاده احكام الشريعة، فاذا نظرت الى موارد الاخلال في الصلاة مثلاً ترى ان بعض الخلل يكون مبطلاً سواء حدث سهواً او عمداً كما في اركان الصلاة كالركوع، وبعضها يكون مبطلاً للصلاة في صورة العمد دون السهو والنسيان كما في الاجزاء غير الركنية كالقراءة.
ويمكن الفرز بين العقاب والذم، اذ ان العقاب جزاء فعلي، والذم لوم واستهجان وعتاب خلاف المدح واللوم أدنى وأقل مرتبة ويتعلق باللسان، اما العقاب فهو أعم، والمقام في الآخرة اما ان يكون ثواباً ومقاماً كريماً في الجنة او عقاباً بالنار.
والفقرة من الخطبة الشريفة انذار وتحذير من المعصية، وتذكير ببطش الجبار وغضبه وسخطه، وحث للناس على اجتناب دروب المعصية.
ترى هل في الكلام اشارة ومقدمة الى موضوع الخطبة ومسألتها في فدك بالتحذير من المخالفة الشرعية بخصوص ما لها عليها السلام من الحق، الظاهر انها تتكلم بلغة العموم والاطلاق، انها في مقام الوعظ والتذكرة والارشاد تأدية لوظائف بيت النبوة وتوكيداً لرسوخ الاسلام ومبادئه.
ذِيادَةً لِعبادهِ عَن نقمته(48) وحياشة لهم الى جنته(49).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(48) الذيادة: المنع والكف والذب عن الشيء، وفي وصف الائمة ورد في الحديث: (القادة الهداة والذادة الحماة).
والنقمة: الأخذ بالعقوبة والبطش جزاءً، ومن اسمائه تعالى (المنتقم) وهو القادر على عقوبة من يشاء.
وقد يسأل سائل فيقول ان العقاب الذي ورد في الفقرة السابقة هو ايضاً انتقام وعنوان لنزول النقمة، ولكن لا تعارض ولا تزاحم بين الفقرتين، اذ ان الجعل في الاصطلاح صيغة ثمرتها تحصيل المنفعة، فقد يتعلق القصد بما جاء في الكتب السماوية المنزلة وبشر به الأنبياء من الثواب وانذروا به من العقاب، لان في بيانه رادعاً لهم وسبباً يحول بينهم وبين التعرض للعقاب، ولذلك ثبت في علم الكلام حسن التكليف لانه يتضمن مصلحة ومنفعة تكون قريبة المنال تتعلق بالمكلف نفسه ببعثه الى الثواب والنعم العظيمة الدائمة، وقد ذكر في تقرير قاعدة اللطف وبيان ما في العقاب من لطف ان العبد اذا عرف ما ينتظره من العقوبة عند الاقدام على المعصية فانه يجتنبها ويحرص على إتيان خلافها.
(49) الحياشة: مصدر من حشته أي جمعته ووجهته الى جهة مقصودة ومكان محدد، ومنه حشت الصيد: اذا جئته من حواليه لتصرفه الى الحبالة وموضع الصيد.
والجنة – بالفتح – البستان من النخل والشجر، واصلها الستر لما في تكاثفها وتداخل اغصانها من الستر والعز، والجنة في الاصطلاح هي مقام الصالحين في الآخرة والمنازل البهيجة والنعيم الدائم الذي اعده الله عز وجل للمتقين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واختلف في الجنة هل هي مخلوقة ام لا، والاكثر على القول الاول، وهو الأقوى والوارد في روايات اهل البيت عليهم السلام (ففي حديث أبي الصــلت انه قال للامــام علي بن موسى الرضــا عليه السلام: (يا ابن رســول الله أخبرني عن الجنة والنار أهما اليوم مخلوقتان؟ قال عليه السلام: نعم، وان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد دخل الجنة ورأى النار لما عرج به الى السماء، فقلت له: ان قوماً يقولون انهما اليوم مقدرتان غير مخلوقتين، فقال عليه السلام: ما اولئك منا ولا نحن منهم، من انكر خلق الجنة والنار فقد كذّب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكذّبنا وليس من ولايتنا على شيء ويخلد في نار جهنم)( ).
كما ذكرالخطيب البغدادي بسنده عن ابن عباس قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ليلة عُرج بي الى السماء رأيت على باب الجنة مكتوباً لاإله الا الله، محمــد رســـول الله، علي حبيب الله، والحسن والحسين صفوة الله، فاطمة خيرة الله، على باغضيهم لعنة الله)( ).
ولا بــأس بالوقــوف عنــد هــذا الحــديث لما فـيــه من معــان تتعلق بمناســبة الخطبة، فالزهراء عليها السلام التي تحث الناس على التســـابق والســعي الى الجــنــة، وتبين للناس فضــله تعالى في هدايتهم الى مسـالك النعيم ومنازل الكرامة والخلود في الآخرة هي سبيل الى تلك الجنــة وذلك بمحبتها وعدم اغضـابها. هذا بالاضافة الى الاقتداء بسنتها التي كانت بمجموعها طاعة لله ورسوله والتفاني في خدمة الشريعة ويتجلى في سيرتها إخلاص العبودية.
لقد عرفت الزهراء عليها السلام ما لها من المقام المحمود عبر الآيات وأشهد اَنّ محمداً عبُدهُ ورسولُهُ(50).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القرآنية النازلة بحقها، وما أخبرها به الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم وما قاله بحقها، ولكنها ارادت الجهاد في باب انقاذ الامة وهداية النفوس وتذكيرهم بالحساب وعواقب الامور وضرورة الاستعداد للآخرة، وبينت بان الله عز وجل غني عن العالمين وانه ليس بمحتاج لان الاحتياج يلازم الامكان والله واجب الوجود.
وورد في الخبر: (ان الجنات ثمانية: وهي جنة الفردوس، وجنة النعيم، وجنة عدن، والجنة العالية، وجنة دار السلام، وجنة دار الخلد، وجنة المأوى، وجنة دار المقام).
(50) الشهادة هنا العلم والاقرار والاعتراف والبيان بان رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حق وصدق، ومن اسمائه تعالى (الشهيد) وهو الذي يعلم كل شيء، وجميع الاشياء حاضرة عنده.
ومحمد اسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو من أبرز واهم اسمائه وقد ورد ذكره في القرآن اربع مرات( ).
كما انه يرد في الأذان الذي يردد في اصـقاع الارض خمس مرات كل يوم، وهو مشتق من الحمد والتضعيف للمبالغة، ولم يكن هذا الإسم متعــارفـاً قبل ذلك، لذا جاء في الأخبار: (ان الله عز وجل ألهم أهله تسميته بهذا الإسم لما يحمد من افعاله ولكثرة خصــاله الحميدة، ولما فتحــه من باب الحمــد لله عز وجل والثناء عليه من عموم المسلمين)، فبالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ترسخ الحمد لله في الارض وثبت من خلال الواقع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فالمسلمون هم حملة لواء الحمد ودوامه في الارض، والحمد باب لاتصال نعم الله ووجوهها الظاهرة والباطنة وجسر يرسخ في النفس الانسانية روح العبودية والخضوع لله عز وجل، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم رائد هذه الهداية، وقائد الأمم في مسالك التوفيق والرشاد، وذكر ابن الاعرابي: (ان لله تعالى ألف إسم، وللنبي ألف إسم، ومن احســنها محـمــد ومحمود واحمد)، وكـــذلــك زاد في مجمع البحــرين اسماً واحــداً لله عز وجل( )
ولعله للتمييز وتعظيم مقام الربوبية، ولكن ابن الاعرابي لم يرفع القول او يبين مدركه.
ومحمد اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الارض، وإسمه في السماء أحمد وهو اسمه في الانجيل لقوله تعالى وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ، وقيل ان اسمه في الانجيل فارقليطا أي الفارق بين الحق والباطل.
والهاء في عبده: ضمير عائد الى اسم الجلالة.
والعبد: خلاف الحر، ويعني تمام الطــاعــة وطــبيعـي الانقياد وغاية الخضوع والتذلل والتسليم المطلق، فعبودية الناس وانقيادهم لا يصلح الا لله عز وجل إلهاً وســيداً وربــاً، كذلك فان العـبــودية منزلة ومـقــام رفيع لا ينال الا بالمجــاهـدة النفسية وسلوك دروب العبادة والتنســك، وقيل انها أعــلى مرتبــة من الرســـالة والنبــوة، واستدل على ذلك بتقدمهــا على الرسالــة في التشهد والشــــــــهادة، وورودها صــفـة للنــبي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صلى الله عليه وآله وســلم في آية الاســـراء بقوله تعـالى سُــبْــحَـــانَ الَّذِي أَسْــرَى بِـعَـــبْـــدِهِ لَــيْــــــلاً مِنْ الْـمَــسْـــــجِـــدِ الْــحَـــرَامِ إِلَى الْـمَـــسْـــجِــدِ الْأَقْــصَــى .
ولكن النبوة والرسالة أرقى منازل البشر ووظيفة سماوية سامية ليس بمقدور كل انسان الوصول اليها وان اجتهد غاية الاجتهاد في العبادة ووجوهها.
وصحيح ان ورود الاسراء بصفة العبودية بيان لاهميتها وسمو مقامها ولكنه لا يعني بالضرورة تفضيلها على مرتبة النبوة، فلقد كان الاسراء مرتبة متقدمة من مراتب النبوة، (وقد روي ان ادريس أول الأنبياء من ولد آدم عرج به الى السماء ورفع الله ابراهيم من على صخرة بيت المقدس قال تعالى [ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ ])( ).
ويمكن النظر الى ورود العــبــوديــة في آيــة الاسراء من خلال ســعة رحمــتــه تعالى وعظيم منَه وفضله سبحانه فانه يعطي الكثير بالقليل، والآية بشـــارة لارتقاء العلم وولوج الانسان لعالم الســــماوات كما يشـــاهــد في هـذا الزمان من قيام الانســان برحلات في عالم الفضاء أخذت بالازدياد والسعة والتطور.
ومن باب الدراسة المقارنة فان النبوة وردت في مضامين ومفاهيم تدل على غاية العز وعظيم الافتخار وسمو الرفعة (وروي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: اتخذني الله عبداً قبل ان يتخذني نبياً).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والرسول فعول بمعنى المبعوث الى الخير وفي أمر، وقد فرق بين النبي والرسول لما بينهما من العموم والخصوص المطلق، فكل رسول هو نبي ولا عكس، وقد ورد في الحديث (ان عدد الأنبياء مائة واربعة وعشرون الفاً، وعن طريق آخر مائة وخمسة وعشرون الفاً، اما المرسلون منهم فهم ثلاثمائة وثلاثة عشر).
وروي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام انه قال: (الأنبياء والمرسلون على اربع طبقات، فنبي منبأ في نفسه لا يعدو غيرها، ونبي يرى في المنام ويسمع الصوت ولا يعاينه في اليقظة ولم يبعث الى احد وعليه إمام مثل ما كان ابراهيم عليه السلام على لوط، ونبي يرى في المنام ويسمع الصوت ويعاين الملك وقد أرسل الى طـائفة قلوا او كثروا كيونس عليه السلام، قال تعالى وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ وقال يزيدون ثلاثين الفاً، وعليه إمام، والذي يرى في منامه ويسمع الصوت ويعاين في اليقظة وهو إمام مثل أولي العزم، وقد كان ابراهيم عليه السلام نبياً وليس بإمام، قال تعالى قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ أي من عبد صنماً او وثناً( ) لا يكون إماماً).
وقيل بأن الرسول هو الذي يخبر عن الله بغير واسطة بشر وله شريعة مبتدأة ويعاين الملك ويسمعه، اما النبي فانه يتلقى الفيض الالهي بالواسطة، ومع اشتراك الأنبياء والمرسلين بعظيم المنزلة وسمو الرفعة والاختصاص بالاكرام بالوحي والنبوة فأن التفضيل في الخصوصيات غير
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معدوم، قال تعالى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ.. .
ولعل التفضيل يتعلق باتصال الجهاد وسعة دائرته وشموله للنفس والقريب والبعيد كما في منازل أولي العزم من الرسل وهم خمسة نوح، وابراهيم، وموسى، وعيسى، عليهم السلام والنبي الاعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي حاز على الدرجة الرفيعة ونال الوسيلة في مقامات القرب، والمثل الاعلى الذي أبى الله الا ان ينادي بإسمه خمس مرات في اليوم بعد ذكر اسم الجلالة وشهادة التوحيد.
انها النعمة الكبرى التي تريد الزهراء عليها السلام توكيدها وتجديد العهد بها، وبيان المعاني التي تجسدها والمضامين التي تضفيها على تلك المناسبة وما تهدي اليه من ضرورة النظر لمقام النبوة بالاجلال والاكرام، والتدبر بأسباب تعاهد مبادئها والالتزام باحكامها اقراراً بالمن الآلهي، إذ ان بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين وفضل من الله عز وجل على الناس والمسلمين خاصة ولمعشر الصحابة منهم النصيب الوافر، مما يملي عليهم جميعاً المواظبة في اعلاء كلمة التوحيد والمحافظة على راية الاسلام شامخة وتجديد الولاء لفرع النبوة.
ان خروج الزهراء عليها السلام واعلانها امام الملأ ووجوه الصحابة للشهادتين، توكيد على رسوخ الاسلام وديمومة بقائه وعون على دفع الاضرار التي تجلبها معها أخبار الردة في بعض الجهات، بل هي حث على الاتحاد والتآزر للقضاء على وجوه الردة العلنية، باعتباره من أولويات وظائف المسلمين العقائدية والجهادية في تلك الأيام الحاسمة من تاريخ الاسلام وعموم البشر.
اِختارَهُ وانتَجَبَهُ قَبلَ اَن اَرسلَهُ(51).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ان سماع المسلمين وكبار الصحابة من المهاجرين والأنصار للشهادتين بصوت فرع النبوة، وبضعة النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم وفي المسجد النبوي وبعد مغادرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى الرفيق الاعلى، لابد ان يأخذ بشغاف القلوب ومجامعها ويثير في النفوس ذكريات الوحي وساعات التنزيل وبركات أيام النبوة وآيات الاعجاز وانوار الرسالة وشخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي ملأت كلماته الجوانح وحفظتها الصدور، ووثَقت معالم المدينة آثاره الشريفة ووجوه السنة الشريفة القولية والفعلية والتقريرية.
ولقد شهد هذا الصرح الخالد من البناء الديني والسياسي والاجتماعي والأخلاقي باعجاز الرسالة وكان دليلاً واقعياً لاثبات صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبرهاناً عملياً خالداً على رسالته واخلاصه في العبودية، وستبقى دراستها باباً للإيمان وسبيلاً للهدى، كما وان التدبر في تفاصيل الدعوة والمراحل السريعة لارتقائها وانشراح النفوس لقبولها مدخل كريم لقبول الامم الأخرى للاسلام خاصة عند النظر اليها بعين الانصاف والموضوعية.
(51) الإختيار: خلاف الاضطرار وهو من الخير، وفي المقام يعني الاصطفاء والانتقاء ومنه: محمد صلى الله عليه وآله وسلم خيرتك من خلقك.
وانتجبه: استخلصه، والمنتجب الفاضل المختار.
وقبل: اسم يستعمل ظرفاً اذا اضيف، ولا يصلح مبتدأ او فاعلاً، وضده بعد، وقيل تعني السبق والتقدم.

وَسَمّاهُ قَبلَ اَن اجتَبَلَهُ(52).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والفقرة من الخطبة الشريفة تشير الى اكرامه تعالى لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في زمان ما قبل الرسالة وان التشريف العظيم بالبعثة والرسالة جاء لاحقاً ومتعقباً لاصل الإختيار، وللعناية الالهية الخاصة في تأديبه صلى الله عليه وآله وسلم واصطفائه ومن قبل خلق آدم عليه السلام، انها بيان لعظيم منزلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومقامه لدى العرش وتوكيد على ان البعثة النبوية جاءت بعد التأهيل والتوفيق في الابتلاء والإختبار.
(52) الجبلة: – بفتح الجيم وكسرها – الخلقة والطبع، وجبلة الشيء: طبيعته واصله وما بني عليه، وفي حديث الدعاء: (اسألك من خيرها وخير ما جُبلت عليه)( ).
لقد تفضل الله عز وجل بتسمية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من قبل ان يخلق ويولد، وفي العبارة اشارة وأخبار بان الله هو الذي ألهم اهل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان يسموه محمداً، ولما سئل جده عبد المطلب لما سمى النبي في اليوم السابع لولادته لم سميت ابن ك محمداً وليس من أسماء آبائك ولا قومك؟ فقال: رجوت ان يحمد في السماء والارض.
وهل ان الفقرة هذه من الخطبة الشريفة تدل على ان الإسم غير المسمى، ومع قولنا بان الإسم غير المسمى الا انه لا يمكن الاستدلال بهذه الفقرة على ذلك لامكان القول بان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان موجوداً في عالم الذر حيث التشريف بالتفضـــيل والامتياز واســتحقاق الاكرام الا بلحاظ ان اطلاق التسمية على المسمى تفيد التعدد،
واصطفاه قبل اَن ابتعثه(53)، اِذِ الخَلائِقُ بِالغَيبِ مَكنونَةً(54).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ان تسمية النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قبله تعالى فخر لكل مسلم وباب عز لأهل البيت ومناسبة لمعرفة المقام المحمود الذي خص به نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
لقد كان كلام الزهراء عليها السلام هذا تعظيماً لشعائر الله ببيان منزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتفرده بالاكرام الدائم ليلتفت الناس الى عظمة الدعوة وعز الاسلام واهمية الرسالة وضرورة نصرة الحق والثبات على مباديء الشريعة التي جاء بها النبي الاكرم.
(53) من أسماءالنبي صلى الله عليه وآله وسلم (المصطفى) ومنه محمد صفوة الله من خلقه، أي ان الله عز وجل اصطفاه واختاره للرسالة وأعده لها خالياً من العيب ومنزهاً عن النقص، لم يسجد لصنم ولم يشرك بالله طرفة عين الى ان بعثه الله بالرسالة وحمَّله الامانة العظمى واوحى اليه آيات التنزيل وسور القرآن الكريم، وبعثه لإمامة الأمم في دروب الهداية والإيمان وباتجاه مسالك الخلود في دار النعيم.
(54) اذ: اسم مبني، يدل على الماضي من الزمان.
والخلائق: جمع خليقة وهم الناس والبهائم من الخلق وهو الاختراع والايجاد والتكوين.
والغيب يطلق على ما غاب عن الانسان وستر وخفي عن بصره وادراكه (عن الإمام محمد الباقر عليه السلام قال: ان الله تعالى عالم بما غاب عن خلقه فيما يقدر من شيء ويقضيه في علمه قبل ان يخلقه وقبل ان يقضيه الى الملائكة فذلك علم موقوف عنده، اليه فيه المشية فيقضيه اذا اراد ويبـــدو له فيه فلا يمضيه، وامــا العلم الذي يـــقدره الله

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعالى ويمضيه ويقضيه فهذا العلم انتهى الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم الينا)( ).
مكنونة: أي مستورة ومصانة ومحجوبة.
والفقرة من الخطبة الشريفة تشير الى ان الموجودات وجدت بمشيئته وارادته تعالى، وان الخلق مر بمرحلة سابقة للدنيا كانوا فيها في عالم الذر، ففي قوله تعالى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ، بيان وتوكيد لسبق عالم الذر على عالم خلق الانسان الخارجي الذي بدأ ببعث الروح في آدم عليه السلام، وقد ورد في خبر سفيان الثوري عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام: (ان الله تبارك وتعالى خلق نور محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل ان يخلق السماوات والأرض والعرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار، وقبل ان يخلق آدم ونوحاً..) الحديث.
وعن أنس بن مالك، عن معاذ بن جبل: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الله خلقني وعليا وفاطمة والحسن والحسين من قبل أن يخلق الدنيا بسبعة آلاف عام، قلت: فأين كنتم يا رسول الله؟ قال: قدامالعرش، نسبح الله ونحمده ونقدســه ونمجده، قلت: على أي مثال؟
قال: أشباح نور، حتى إذا أراد الله عز وجل أن يخلق صورنا صيرنا عمود نور، ثم قذفنا في صلب آدم، ثم أخرجنا إلى
وبستر الأهاويل مصونة وبنهاية العدم مقرونة(55).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اصلاب الآباء وأرحام الامهات، ولا يصيبنا نجس الشرك، ولا سفاح الكفر، يسعد بنا قوم ويشقى بنا آخرون، فلما صيرنا إلى صلب عبد المطلب أخرج ذلك النور فشقه نصفين، فجعل نصفه في عبد الله، ونصفه في أبي طالب، ثم أخرج الذي لي إلى آمنة، والنصف الذي الى علي إلى فاطمة بنت أسد، فأخرجتني آمنة، وأخرجت فاطمة عليا، ثم أعاد عز وجل العمود إلي فخرجت مني فاطمة، ثم أعاد عز وجل العمود إلى علي فخرج منه الحسن والحسين – يعني من النصفين جميعا – فما كان من نور علي فصار في ولد الحسن، وما كان من نوري صار في ولد الحسين، فهو ينتقل في الائمة من ولده إلى يوم القيامة)( ).
لقد أكرم الله عز وجل رسوله الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنه كان أول من أجاب دعوته في التوحيد والإخلاص له في العبودية عندما أخذ الميثاق من النبيين، فتفضـل سبحانه وجعل الأنبياء السابقين يبشـرون به ويدعون للإيمان برسالته، وفي هذا التشــريف للنبي صلى الله عليه وآله وسـلم ولأهل البيت عليهم السلام تتجلى فيه آيات الســمو والرفعة للمســلمين لتدعــوهــم الى ضــرورة الانقيــاد التــام لما جاء به من عند الله عز وجل.
(55) الأهاويل: جمع هول وهو الأمر المفزع العظيم.
وصان الشيء صوناً وصيانة: حفظه وتعاهده بعيداً عن الضرر والتلف.
ونهاية العدم: اقصى منازله وابعدها عن الادراك.
عِلماً مِنَ الله تَعالى بِمائِل الاُمورِ(56).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقرنت الشيء بالشيء: وصلته.
والفقرة من الخطبة بيان عن حالة العدم والابتعاد التام عن عناوين الوجود وما كان يحيط المخلوقات من الستر والظلمة المفزعة، وفي تلك المرحلة التي لم تستبن فيها الماهيات والذوات اختار الله عز وجل محمداً صلى الله عليه وآله وسلم خاتماً للنبيين وسيداً للكائنات وإماماً للأمم ورائداً لصلاح الانسانية، وهل المقصود من كلامها عليها السلام هو ان ذلك كان في علم الله، او انها تقصد عالم الذر.
الظاهر انها عليها السلام تقصد الأمرين معاً لعدم التعارض بينهما وكأنهما من العام والخاص، اذ ان الاول مسلم به وبديهي، والثاني يدل على الإختيار والموجود الذي يتوجه اليه القصد، وللتوكيد على ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم شُرِف بهذا المقام الرفيع من بين الناس وخُصَ بهذا الاكرام من قبل وجود الانسان على الارض وعمارته لها، وهذا التقدم في أوان التفضيل دليل على الحتمية والثبات والدوام في استمرار هذا التفضيل والاكرام.
ان كلامها عليها السلام هذا اخبار عن فشل كل محاولة للتقليل من شأن بيت النبوة ومهبط الرسالة، واندحار كل فعل فردي او جماعي للردة والفتور والتردد في قبول مباديء الاســلام ونسخه
للشرائع الأخرى، انها كلمات تضيء للأجيال دروب الهدى، وحكمة تجسد ثبات الزهراء في ميدان المسؤولية التاريخية وتحمل اعباء الزعامة بما ورثته من اعبائها.
(56) المائل: فاعل من مال يميل ميلاً: أي انحرف وحاد وترك الاستقامة وورد في بعض نسخ الخطبة الشريفة (بمئال الامور) أي ما ترجع اليه
وَاِحاطَةً بِحَوادثِ الدّهورِ(57).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعواقبها ولعله الانسب في المقام خاصة مع سعة رحمته تعالى.
والامور: جمع أمر وهو الشيء والشأن والفعل والحـادثة وهو هنا اسم، وقد يأتي لفظ الأمر مصدراً فيكون معناه الطلب الصادر من العالي الى الداني ويفيد الوجوب وصيغته (افعل) او نحوه.
(57) من اسمائه تعالى المحيط وهو الذي احاط علمه بكل شيء وصان الاشــياء وحفظهـا وفي التنزيل أَلاَ إِنَّهُ بِكُــلِّ شَـيْءٍ مُحِـيـطٌ فالله عز وجل خلق الاشياء كلها ثم تعاهدها وتولاها بعنايته، وفي الدعاء: واجعلني في حياطتك.
والحوادث: جمع حادثة وهي الواقعة سميت بذلك لحدوثها بعد ان لم تكن.
والدهور: جمع دهر وهو الزمان، ولعل بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً، فكل دهر هو زمان وليس كل زمان هو دهر، فيقال زمان الحر وزمان الرطب أي ان الزمان قد يقصد به بضعة شهور.
ان ما يحدث من الوقائع والاحوال كلها بعلم الله عز وجل ومن حكمته تعالى ان اختار النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم واصطفاه على الخليقة وجعله سيد ولد آدم، ليسود الصلاح ويتجه الناس نحو ابواب الهداية واســباب الفــوز بالجنة، لقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة مهداة قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ .
والفقرة من الخطبة ارشاد لمسالك الإيمان وبيان للشرف العظيم الذي
ومعرفة بمواقع الامور(58) ابتعثه الله إِتماماً لأمره(59).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ناله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمنزلة السامية التي تبوءها المسلمون بين الأمم وتنبــيه لوظيفتهم في ديمومة عقيدة التوحيــد وتعظيم شعائر الله ومحــاربة الضلالة والكفر والفســوق.
(58) المعرفة: العلم والاحاطة بالجزئيات، وبالنسبة للانسان تأتي المعرفة بمعنى العلم بالشيء بأحد الحواس الخمسة.
والمواقع: جمع موقع وهو محل الشيء ووقوعه.
والفقرة من الخطبة الشريفة تؤكد بان الله احاط بكل شيء علماً، وان احسن باب لاصلاح النفوس واحوال الناس وعواقب امورهم هو إختيار محمد صلى الله عليه وآله وسلم للنبوة والرسالة، فكان سبيل الهداية وحامل لواء التوحيد والداعية الى الله باذنه والاسوة الحسنة المباركة لكل أمم الارض ومعاشر الموحدين.
(59) لقد خلق الله الموجودات بمشيئته وارادته لحكمة إلهية، قال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ، فكانت المعرفة ووجوه العبادة ونيل الدرجات في الجنة الوظائف الاساسية للانســان مدة حياته وساعات إختباره، فجعل الله النبي محمــداً صــلى الله عليه وآله وسلم عــوناً لاهــل الارض لتأدية ما يجب عليهم وما فيه منفعتهــم ومصلحتهم، وحجةً على اولئك الذين أبوا الا الانحراف والميل عن جادة الصواب والصراط المستقيم، وفي قوله تعالى أَتَى أَمْرُ اللَّهِ ان أمر الله القيامة.

وَعَزيمةً عَلى إِمضاءِ حُكمِهِ(60).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(60) يقال: عزمت عزماً وعزيمة: اذا اردت الفعل وقطعت عليه، وعزائم الله موجباته والأمر المحتوم الذي لاريب فيه، وفي الحديث: (شهادة ان لا إله الا الله عزيمة الإيمان) أي واجبه الذي لابد من الثبات عليه، (وفي قوله تعالى وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ورد عن الإمام محمد الباقر عليه السلام انه قال: عهد الله اليه في محمد صلى الله عليه وآله وسلم والائمة عليهم السلام من بعده فترك ولم يكن له عزم انهم هكذا)، وفي الحديث: (ارسله على فترة من الرسل واعتزام من الفتن)، وامضيت الأمر: أنفذته وأجريته.
لقد كانت رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ركناً من حكمه تعالى في الخلق وعقائدهم، فهو الهادي والدليل والمُبَلِغ الى الناس، والخصيم والحجة على الجاحدين والكافرين، وهو الصراط المستقيم الذي ينجو من اهتدى بشريعته.
وفي الفقرتين من الخطبة الشريفة بيان وتوكيد بأن بعثته صلى الله عليه وآله وسلم كانت أمراً حتماً ومشيئة نافذة وارادة مولوية لازمة، وان التسليم بنبوته ضرورة من ضرورات الدين وسبيل الى الفوز بالدارين، وان الجهاد لنشر راية الاسلام هو الواجب العبادي، والفتح أمر حتمي والنصر قرين له، ان الزهراء عليها السلام تشحذ همم الصـحابة وتثبت قلوبهم على الإيمان وتخبرهم بأن تصــديق النبــوة بتجـديد الولاء للرسول
وَاِنفاذاً لِمقاديرِ حَتمِهِ(61).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم الذي لم يتوان لحظة واحدة عن بناء صرح الاسلام وتبليغ احكام الرسالة وترسيخ دعائم الشريعة واحكامها.
(61) الإنفاذ: الإمضاء والاجراء والتحقيق الفعلي.
والتقدير: تقدير الشيء من طوله وعرضه ونحوه، وورد في الحديث: (التقدير واقع على القضاء بالامضاء).
وحتم الله الأمر: أوجبه، والحتم: احكام الأمر وايجاب القضاء.
لقد اراد الله عز وجل للناس الهداية برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي بذل الوسع في الدعوة لله عز وجل وعمل مخلصاً على انقاذ الناس من الكفر والمعاصي باجتنابهما، لقد دعــا الناس لاعتنــاق الاســلام طـوعــاً او كـرهــاً، وجاءهم
بالحكمة والموعظة الحسنة وبالسيف ايضاً عند الحاجة اليه، وفي ذلك كل الخير لهم ولابنائهم من بعدهم.
لقد استثمر صلى الله عليه وآله وسلم كل مستلزمات التوفيق وتحمل في سبيل الهداية والإيمان اشد صنوف الأذى حتى قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما اوذي نبي قط مثلما اوذيت)، كما واجه اصحابه المنتجبون وانصاره شتى اساليب التعذيب والقهر الاجتماعى والتعسف النفسي، ولاقى بعضهم الموت في التعذيب لثباته على الإيمان وعدم تخليه عن مباديء الاسلام وعقيدة التوحيد لتكون العاقبة الحرية، والثمرة الهداية، والجزاء الجنة، كل ذلك بفضله تعالى ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
فَرأى الاُمم فِرَقاً في اَديانِها(62).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وانت ترى في هذا الزمان ملايين المسلمين في مشارق الارض ومغاربها يتنعمون باصول دينهم وفروعه وتجمعهم الشهادتان، وكلما ارادت جهة التفريق بينهم لا يلبثون ان يلتقوا برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشعبها فتزول الضغائن وتتوجه الطاقات في سبل مرضاته تعالى كجزء من حكمته تعالى في البعثة النبوية المباركة، الأمر الذي سعت اليه الزهراء عليها السلام، وجاهدت لديمومة وجوده حقيقة عقائدية بين اهل الارض.
لقد اشارت الزهراء عليها السلام الى ذلك بلغة الاجمال من دون اخلال بالمعنى، وببيان يدرك مفاهيمه السامع فيجدد العزم على مواصلة الجهاد وفق النهج الذي ادبهم عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن غير ملل ولا كلل ولا تعب لمواصلة بناء الصرح الخالد لمباديء الاسلام ولتعبيد الطريق للأجيال ليسلكوا الدروب التي تؤدي بهم الى الجنة والخلود في النعيم.
(وفي قوله تعالى يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام انه قال لاصحابه: الا تحمدون الله تعالى اذا كان يوم القيامة فدعا كل قوم الى من يتولونه، وفزعنا الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفزعتم الينا، اين ترون يذهب بكم؟ الى الجنة ورب الكعبة قالها ثلاثاً)( ).
(62) الأمم: جمع أمة وهو لفظ مفرد يفيد معنى الجماعة المتحدة، وكل جماعة يجمعهم أمر واحد تسمى أمة، وامــة كـل نبي اتبــاعه وان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانوا في زمان غير زمانه، وتأتي الأمة بمعنى الشعب.
والمقصود في المقام هو اهل الارض على اختلاف اجناسهم وانتمائاتهم القبلية والبلدية ونحوها، وفي التنزيل وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً
وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا
، وورد في تفسير الآية الكريمة انهم كانوا على مذهب واحد وعلى الفطرة قبل نوح، ثم تفرقوا واختلفوا في العقيدة والافكار فبعث الله عز وجل النبيين.
لقد بُعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والناس في اختلاف عقائدي كبير ساهم في هدم القيم وتناحر الشعوب والأمم وبعض منها يقاتل على الوثنية وبعض على الشرك، فكانت انـوار الرســالة المحــمــدية الدرع الامــين الذي حفظ للأمم وجودها وحال دون ضياع كثير من الناس في هاوية الضلالة.
ان هذه الفقرة من الخطبة تجسد الأهمية والأبعاد العالمية لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكيف انها غيّرت والى الابد مجرى التاريخ، بعد ان كان الناس على شفا حفرة جارف يهدد بالانهيار والبلاء المركب، والله ذو الفضل العظيم انقذ الناس بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي كلامها عليها السلام اشارة الى عالمية الاسلام وضرورة عدم الوقوف عند حدود الفتح في أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وان الواجب يحتم على الصحابة ومن تابعهم اتمام الفتوحات واستمرار الغزوات ليكونوا حقاً جنود الله الذين يهتدي بهم الناس.

عَكفاً عَلى نيرانِها(63).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(63) العكف: الحبس واللبث المتطاول.
وهذه الفقرة من الخطبة واللتان بعدها بيان وتفصيل لأحوال الأمم في اختلافها وتفرقها، ومشارب كل منها، فطائفة منهم وهم المجوس حبسوا انفسهم على عبادة النار ورأوها جرماً مضيئاً نورانياً وتوجهوا اليها من دون الله عز وجل فضلوا واضلوا.
ولا عبرة فيما أورده بعضهم من التعليل وانها مظهرة لنور الله عز وجل ومظهر قريب لبعض آثاره، ثم تفشى الوهم وغلب الجهل على النفوس فاتخذوها إلهاً وواسطة وغفلوا عن آيات الله عز وجل خالق الكائنات جميعاً ووجوب عبادته.
(وحاول بعضهم ان يستشهد بما روي عن المعصوم عليه السلام لما سئل عن وجه الله كيف هو، واين هو، وما هو، فأمر عليه السلام بنار فأوقدت واشتعلت، فقال عليه السلام للسائل: اين وجه هذه الشعلة، قال السائل: كل طرف منها وجه لها، فقال عليه السلام: فكذلك الله تعالى فكل شيء وجه له تعالى، واينما تولوا فثم وجه الله)، ان ظنهم بان هذا التمثيل يؤكد حقيقة قرب النار من دون الاشياء اليه تعالى وهم، وترجيح بلا مرجح، اذ ان المثال منحصر في بيان التعدد الكثير الواسع للوجوه ذات الشيء، وجيء به لتقريب الحجة الى الاذهان، ومخاطبة للناس على قدر عقولهم وبالواقع الذي يحسونه ويدركون مواضيعه تفصيلاً واجمالاً.
وقيل ان المجوس عظموا النار لانها جوهر شريف علوي وانها لم تحرق ابراهيم الخليل عليه السلام، وان التعظيم ينجيهم في المعاد من عذاب النار، وانها قبلة لهم ووسيلة، ولكن الكبرى الكلية تحتاج الى
عابِدَةً لاِوثانِها(64).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اثبات ودليل، لقد قدّس المجوس النار وزعمت بعض فرقهم ان ما في العالم من خير فمن النار وانها علوية نورانية لطيفة لا وجود الا لها.
لقد انتشرت المجوسية في بلاد فارس والهند وشطر من الصين، اذ ان اليهودية والنصرانية كانت في بلاد الروم، واثر ذلك الانتشار على المجتمعات وعرضها للانتقام الإلهي ولكنه تعالى بعث محمداً رحمة وهادياً لهذه الامم.
(64) الاوثان: جمع وثن وهو الصنم المصنوع من الخشب او الحجر او الفضة ونحو ذلك، وفرق بعضهم بين الوثن والصنم، فالوثن ما له جثة على صورة الآدمي او غيره يعمل وينصب للعبادة، والصنم صورة بلا جثة، وقيل انهما بمعنىً واحد.
ولقد كانت عبادة الاوثان منتشرة بين عرب الجزيرة، ومن اهم اسبابها انهم يقدســون اشـــخاصاً وزعماء لهم فلما ماتوا صنعوا لهم تماثيل واصــناماً وعكــفوا عليها تكــريماً وتقديساً واجلالاً، ثم اتجهوا صــوب التعـدد الفرعـي لها فاوجــدوا نموذجــاً مصــغراً لها في كل بيت من بيوتهم تعلقــاً وتخفيفاً عن انفسهم من عناء زيــارتــها، ثم لم يلبثــوا حتــى اتخــذوا منها آلهةً مســتقلة واعرضوا بســببها عن عبــادة الله الذي خـلقــهم وتـركـوا الحنيفيــة، وبذلك كـفــروا وجحدوا واضــلــوا كـثــيراً من الناس وحــرمــوهم من الثواب وعرضوهم وانفسهم للعقاب.
فكانت بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم انقاذاً لهم من الضلالة ونجاة من الهلاك ورحمة مهداة، وقيل ان بعض من اولئك كانوا يحزنون لموت ذويهم فتمثل لهم الشيطان وقال لهم: (صوروا موتاكم وضعوا صورهم في بيوتكم فاذا اشتقتم لهم فزوروهم في بيوتكم ففعلوا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولما جاء ابن اؤهم وقد رأوا تقديس آبائهم لتلك الصور واشخاصها فظنوا انهم كانوا يعبدون تلك الصور وانها صور الآلهة، وسرى هذا الوهم والضلالة فتراهم يأبون قبول دعوة التوحيد بجحود واصرار [ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ ])( ).
ولم ينحصر الجهاد ضد عبادة الاصنام في مكة ويوم فتحها المبارك بل شمل مناطق أخرى من الجزيرة، وارسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعض السرايا خصيصاً لكسر بعض الاوثان.
لقد ارادت الزهراء عليها السلام التوكيد على ما أداه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عمل عظيم في هدم قيم وعقائد سائدة تحمل عناوين الشرك والضلالة والكفر في مجتمعات كبيرة وعديدة ومنتشرة في الارض، وان الذي وفقه الله عز وجل لادائه لم تستطع أمة كاملة انجازه، كما ان وظيفة اصحابه من بعده اتباع نهجه المبارك وتثبيت مباديء الاسلام، لقد بُني صرح خالد للاسلام وعليهم المحافظة عليه وتعاهده بالنفس والمال ووجوه الصبر والجهاد.
ان البشرية اليوم وغداً مدانة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالفضل والرأفة، وما قادهم اليه من سبل الفلاح والحياة الكريمة التي تتأطرها نعمة التوحيد، الأمر الذي يملي على الناس اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نهجه المبارك ومبادئه السامية في ابواب اصول الدين، والعبادة، والأخلاق والاجتماع وغير ذلك من وجوه الشريعة السماوية الخالدة.
مُنكِرةً لله مَعَ عرفانها(65)، فَأنارَ الله بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ظُلمَها(66).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(65) الانكار: الجحود وعدم الالتزام بالتصديق.
والمعرفة: الادراك والاحاطة العلمية، ويقال عرفت الشيء عرفــاناً: اذا علمته بإحــدى الحواس الخمســة، ويقال: عرفت الله ولا يقـال علمته لتعلق المعــرفــة بادراك الجزئي والبسيط المجرد عن الادراك بالحواس، أي ان المشركين كانوا بفطرتهم يعرفون الله وانهم ادركوا بالحجة والبرهان والآيات الكثيرة وجود الصانع وضرورة عبادته وشكره ولكنهم جحدوا وانكروا وَلَئِنْ سَــأَلْــتَـهُمْ مَنْ خَــلَـقَ السَّـــمَــوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَـــخَّـرَ الشَّـمْسَ وَالْقَمَرَلَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّا يُؤْفَكُونَ .
ان ذكرها عليها السلام لعظيم ما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جهاد الكافرين والمشركين واستئصاله لبؤر الضلالة لم يمنعها من الاقرار بان الناس جميعاً يعرفون الوحدانية ويدركون الربوبية، وفي ذلك تنزيه للباري عز وجل وتوكيد للحجة على الكافرين، مع ان انه ليس مخلاً بعظمة وبهاء ما قام به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من اصلاح النفوس وتقويم اعوجاجها واجبارها على التخلي عن الشرك ونزع رداء الضلالة.
(66) الظُلم: جمع ظلمة، و(ها) في ظلمها ضمير عائد الى تلك الأمم التائهة المتفرقة في وجوه الضلالة والجحود، وانارة ظلمة الضلالة تكون بالهداية اذ ان المعرفة تبدد الجهل، والاستبصار العقائدي يطرد العمى وما على القلوب من أكنة.
والإيمان يطرد الكفر وشعبه، واحكام الشريعة تجعل الناس تسلك جادة الصواب وتهتدي الى الصراط المستقيم، قال تعالى أَوَمَنْ
وكَشَفَ عَنِ القُلُوبِ بَهَمَها(67).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا
.
وقد يقول قائل ان ظلم الجهالة والضلالة لم ترتفع من الارض تماماً، نعم ليس المقصود هنا انعدام الضال او الكافر بين اهل الارض، بل المقـصـــود تشــتت جمـاعـات تلك الفـرق وغـــزو مجتمعاتها بالدلائل والآيات والبراهين وتفرقها واصابتها بالوهن وقلة الشأن، والحال ان الاسلام لا زال يوجه الضربات الفكرية والسياسية والعقائدية لما تبقى من تلك الجماعات والأمم وحتى خروج المهدي الذي هو امتداد لنور محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفي أيامه يتم انجاز ما يصبو اليه المؤمنون من السيادة المطلقة لشريعة الاسلام واحكامه والعدل وإماتة البدعة وغياب الظلم.
لقد كانت بعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم الفاصل للصراع بين الإيمان والكفر على الارض، وبدأت عندها آيات النصر لاهل الإيمان وتراجعت والى الابد قوى الغي والكفر خاسئة مدحورة.
(67) الضمير (ها): في بهمها عائد الى القلوب، وقيل بجواز عائديته الى الامم مطابقة مع الضمير في ظلمها ولكل منها معنى، ولكن الاول اقرب.
والبُهم: جمع بُهمة كغرف وغرفة، وتعني مشكلات الامور وما يستعصي على الحل ويتعذر بيانه، وفي حديث الإمام على عليه السلام: (كان اذا نزل به احدى المبهمات كشفها).
وَجَلى عَنِ الاَبصارِ غَمَمَها(68).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ان استعراض السنة النبوية الشريفة يؤكد بجلاء صدق الزهراء عليها السلام، فقد اظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالبيان والتفصيل علوم التوحيد ومختلف مباديء المعرفة وازاح عن النفوس الشك وما يعتريها من الوهم واللبس، ووضع القواعد الاساسية لعلم الاجتماع والنفس والاقتصاد النافع والقائم على مبادىء الشريعة الاسلامية.
وجــاء القرآن بكــل ما يحتــاج اليه الناس في حياتهم اليومية، ولقد كانت اجاباته لليهود في تساؤلاتهم وترددهم ومسائلهم المعقدة مدرسة للأجيال وكشفاً للحـقــائق وســبباً في اسـلام اعــــداد غـفــيرة منهــم، ومنـعــاً من التمـــادي في الغــي والعـنــاد، وحصانة للمسلمين وواقية عقائدية من النفاق واضراره.
انها مناســبة للفـخـــر والاعتزاز برسالة النــبي ارادت الزهراء عليها السلام ازاحـــة التردد عن النفوس وكشــف الاشكالات التي أدت اليها وفـــاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما اعـقبــهـا من الاحــداث ولزوم اظهار الإكرام لأهل البيت عليهم السلام ونبذ الفرقة.
فجاءت كلماتها هذه ضياءً مباركاً ينير الدرب الذي عبّدَه للمسلمين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليستمروا في حمل راية التوحيد والالتفات الى جهة الحقيقة وموضع الحق واهله.
(68) الجلاء: الكشف والظهور، قال تعالى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى والغمم: جمع غمة وتعني الابهام والالتباس الذي يسبب الضيق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والتيه، وفي التنزيل ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً .
ان العكوف على الاوثان والابتعاد عن الحنيفية واحكامها لابد وان يجعل على العيون حجباً تحول دون رؤية الحقيقة والبصيرة في امـور الحياة، قال تعالى وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ .
ولقد كشف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشريعة الاسلام الغشاوة عن عيون أمم كثيرة وفرق منتشرة في ربوع الارض، وجعلهم يختارون الاسلام عقيدة تنير لهم الدرب وتشع احكامها في اركان البدن وتنفذ في شغاف القلوب، وفي الحديث: (القرآن جلاء القلب).
وكتب السيرة والتأريخ ووقائع أيام الفتح تظهر كيف ان دخول الناس في الاسلام جعل السعادة تغمرهم وازاح الكدر عن بصائرهم ومداركهم المعنوية، وصاروا موقنين بمعرفتهم لطرق الصلاح وسبل الهداية وباتوا مطمئنين على سلامتهم في عالم ما بعد الموت واصبحوا يعرفون كيفية الفوز بالنعيم الخالد.
وهذه الفقرات المتتالية من الخطبة تتعلق ببيان النتائج العظيمة والانقلاب الايجابي الذي حصل لتلك الأمم والمجتمعات برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجهاده المتواصل وتضحيته وأهل بيته في سبيل الله، ولكي لا يدعي أحد من بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم الفخر والتسبيب في صلاح تلك الامم، أي ان كلامها عليها السلام يتضمن قطع الطريق على كل محاولة لبخس النبوة حقها، ولمنع الآخرين من الأمراء والمصلحين الذين يأتون في الأزمان اللاحقة من ادعاء الانجاز وتحقيق النصر التأريخي او نسبته اليهم.
وَقامَ في النّاس بِالهدايَة فَاَنَقَذَهُم مِنَ الغَوايَةِ(69).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(69) الإنقاذ: الإنجاء والتخليص، وفي الدعاء: (يا منقذ الغرقى).
والغواية – بفتح الغين – الضلالة والانهماك في الباطل والانحراف عن جادة الحق والصواب، قال تعالى فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا .
لقد تحمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسؤولية هداية الناس الى الاسلام والأخذ بأيديهم الى ربوع الإيمان، ولم يتوان ولم ينكل في عمله الشاق الدؤوب وعانى في سبيل نجاة الناس من الضلالة وهدايتهم الى سبل الرشاد شتى صنوف الاذى والبلاء، حتى تم له بتوفيق من الله عز وجل انقاذ تلك الأمم من هاوية الردى وخلصهم من الاوثان والاصنام بكسرها وتهشيمها وازاحة سلطانها من على قلوبهم ليبدأوا مرحلة الهداية ويسيروا في مسالك الرشاد والصلاح.
وفي الفقرة هذه من الخطبة الشريفة بيان واقرار وتوكيد على ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخلص في الدعوة الى الله وأدى الرسالة بالتبليغ والجهاد الواقعي لتثبيت اركان الدين في المجتمعات ولم يدخر جهداً في تثبيت دعائم الاسلام وبيان احكامه التفصيلية، قال تعالى اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا.. .

وَبصّرَهُم مِنَ العَمايَةِ(70).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(70) التبصير: ايجاد الرؤية الحسية والقلبية، فالبصر العين وحاسة الرؤية، والبصيرة ملكة ذاتية ونور في القلب تدرك بها الاشياء على ما هي.
والعَماية: – بفتح العين- الضلالة والغواية جاءت من باب الاستعارة اذ ان العمى لا يقع الا على العينين معاً.
لقد جـاء النــبي الاكــرم صـلى الله عليه وآله وســلم بالهــدى وبما ازال عن الناس اللبس واظهر ما كان خــافيــاً بحقيقـتـه، وجعل الناس يدركون طـبيعــة الاوثـــان وانها لا تنفع ولا تضر وان الابتعــاد عن عقيــدة التوحيــد خســـران في الدنيـا وعذاب في الآخـــرة، وأخذ الناس يتنعمون بالاسلام باقبالهم على اعتنـاقه افواجاً وقبائل وجمـاعات، لقد ورد في الفلسفة: (ان في كل حـركة تجــدد شــيء، وشيء به التجدد، وشيء متجدد).
ولقد غيَر الاسلام معالم المجتمعات واتجاهات حركتها وجعلها تتجه وبحركة سريعة صوب الهداية وبما يدل على زوال الغشاوة عن البصائر والابصار، الأمر الذي يعد انعطافاً في المبادىء لتترسخ قيم واحكام الاسلام، ويبقى الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم إماماً للمتقين وزعيماً للأمم وقائداً خالداً للأجيال في تفاصيل حياتهم اليومية التي تتخذ من احكام الشريعة نظاماً دائماً ودليلاً صالحاً لكل زمان.
والفقرة من الخطبة وثيقة تاريخية تتعلق بأمرين:
الاول: الوظيفة السامية الفريدة التي اختص بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تغيير واقع المجتمعات وجعل الصلاح هو الســمة العــامــة الســائدة فيها، والتــوفيــق والمــدد الالهي الذي حباه الله به.
وَهَداهُم الى الدينِ القَويمِ(71).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الثاني: ما انعم الله عز وجل به عليهم بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هادياً ومنقذاً، فلقد كان غالبية المهاجرين والأنصار ممن عبد الاوثان واتخذ الضلالة منهجاً والجهالة مسلكاً، فانقذهم الله بأبيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأعزهم ورفع شأنهم بالاسلام.
وهل ان في ذلك تذكيراً بضرورة اكرام الزهراء عليها السلام والاستماع الى مسألتها في فدك؟ هذا وامثاله تجد جوابه في القرآن قال تعالى قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى .
(71) من اسمــائه تعــالى (الهــادي) قال تعــالى إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى وقد هداه يهديه هدى وهداية: بصَّره سبيل الرشاد وقاده باتجاه الصواب، والهدى مذكر وبعض بني أسد يؤنثه وهو ضد الضلال، ويأتي الهدى بمعنى الدلالة والدعوة والبينة وتفرد الله عز وجل بالهدى الذي يفيد معنى التوفيق.
وقد فرق بعضهم بين الهداية التي تفيد معنى الدلالة الموصلة الى المطلوب تلك التي تتعدى بنفسها الى المفعول الثاني، وبين التي تفيد معنى ما يُوصل وهي التي تتعدى باللام او الى والاستبصار بطريقة، والاول يؤدي الى الغاية بخلاف الثاني، والحق ان الهداية عنوان شامل للأمرين خاصة عندما يتعلق الأمر بسعة رحمته تعالى.

ودعاهم الى الصراط المستقيم(72).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والدين: وضع إلهي لنظام حياة الناس يشمل الاصول والفروع، والقويم: الذي لا عوج له.
لقد تفضل الله عز وجل وبعث الأنبياء وانزل الكتب السماوية لهداية الناس، ولكن اكثر الناس اختاروا الضلالة، وظهر ذلك واضحاً في فترة انقطاع النبوة، حتى صدع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة الخاتمة لعهد النبوة فبلغ من المراتب والفوز والانجاز ما لم يحققه من سبقه من الأنبياء، وحصلت لأمته من اسباب الهداية والرشاد ما تغبطهم عليه الأمم الأخرى بتوفيق من الله تعالى ورحمة مدخرة لهذه الامة، وكان المقام المحمود للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فضَلاً وآية وجزاءً.
لقد ارادت الزهراء عليها السلام ان تجدد تذكير المسلمين بفضله تعالى بالاسلام وشريعته المتكاملة وافضليتهم على اتباع الأنبياء الآخرين، الأمر الذي يستلزم العمل الدؤوب للمحافظة على الافضلية بمواصلة الجهاد واستحضار سنة النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم واتباعها والاقتداء بها باعتبارها السيرة الامثل والطريق الموصل الى النجاة والفوز.
(72) الصراط: الطريق، وقيل ان اصله بالسين من السرط وهو اللقم ولذلك يسمى لقماً كأن سالكاً يبتلعه عندما يطويه او يبتلع سالكه، وانه يؤدي بمن يسلكه الى مقصده وغايته.
والمستقيم: المستوي والمعتدل وتأتي الاستقامة بمعنى التزام الطاعة، وفي الحديث: (قل آمنت بالله ثم استقم).
وفي معنى الصراط المستقيم ذكرت وجوه ومصاديق مهمة منها ما يتعلق بالمقام:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- كتاب الله، روي عن ابن أبي حاتم بالاسناد عن الحارث الأعور عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الصراط المستقيم كتاب الله)( ).
2- انه الاسلام، وهو المروي عن جابر وابن عباس( ).
3- دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره، وهو المروي عن محمد ابن أمير المؤمنين( ).
4- نهج الأنبياء والمرسلين الذين حملوا لواء التوحيد ودعا كل منهم قومه واهل بيته الى الإيمان وسبل الهداية.
5- انه الطريق الحق.
6- ورد الصراط بمعنى العبادة والاقرار بالربوبية لله عز وجل، ففي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التنزيل إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ .
لقد جعل الله الحياة الدنيــا مناســبة للعمل وإختباراً وامتحاناً لبني آدم اذ يحــدد نــوع المقام في الآخــرة بالســيرة في الحياة الدنيا، لذلك فلا غرابة ان يوصف الصراط الأخروي بوصف متبـايــن في طـبيعــتـه (فقد روي عن ســعدان بن مسلم قال: ســألت الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن الصراط، فقال: هو أدق من الشــعر الواحــد من الســيف، فمنهم من يمر عليه مثــل البرق، ومنهــم مــن يمــر عليه مثل الفــرس، ومنهــم مــن يمــر عليه مــاشـــياً، ومنهــم من يمـــر عليه حــبـــواً، ومنهــم مـن يمــر عليه متــعــلقــاً فــتــأخذ الــنــار منــه شــيئاً وتترك منه شيئاً)( ).
ويمكن القول – والعلم عند الله – ان هناك ملازمة بين عمل الانسان في الدنيا ونوع الصراط الذي يؤمر بعبوره في الآخرة وكذلك سرعته في اجتيازه وانه من الكلي المشكك الذي له صيغ متباينة سعة وضيقاً وطولاً وقصراً، وان الالتزام باحكام الشريعة واداء الفرائض واجتناب ما نهى عنه الله ورسوله يجعل العبد يتخطى هذه العقبة بيسر وسهولة، وبذلك تتجلى المنزلة العظيمة، والعمل الخلاق والصبر وروح الجهاد وارادة التوكل وعزيمة الإيمان التي اتصفت بها سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى أخذ بأيدي المسلمين في منازل الهداية والسبل المؤدية الى مرضاته تعالى.
لقد تفضلت الزهراء عليها السلام ببيان الوظيفة المباركة التي أداها بإخلاص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، واشارت الى التنعم
ثُمَّ قَبَضَهُ الله اِليهِ(73) قَبضَ رَأفَةٍ وَإختيار وَرَغبَةٍ وَايثارٍ(74).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العام لمعاشر المسلمين بدوامها.
لذا يمكن القول انها أرادت هنا الثبات على الدين في مستقبـل الأيام وليكون الإيمان مستقراً في القلوب وليس مستودعاً ولا يتزلزل عن مواقعه بسبب مصيبة وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وقريب من هذا التفسير الذي نذهب اليه في بيان مضامين هذه الفقرة من كلمة الزهراء عليها السلام (ما ورد عن الإمام علي عليه السلام في قوله تعالى [ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ] قال: أدم لنا توفيقك الذي به أطعناك فيما مضى من أيامنا حتى نطيعك كذلك في مستقبل أعمارنا)( ).
(73) من اسمائه تعالى (القابض) فهو الذي يقبض أرواح الخلائق عند الممات، وقبضت الشيء قبضاً: أخذته، ومنه القول قبضه الله أي أماته، وجعل روحه تغادر جسده فتنقطع والى الابد صلته بالدنيا.
لقد ذكرت الزهراء عليها السلام وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالفاظ تنم عن حكمة وايمان، فهي لم تذكر لفظ الموت ومشتقاته، واكتفت بذكر القبض باعتباره عنواناً شاملاً في المقام، وللتأكيد على حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد موته واكرام الله عز وجل له بهذا الانتقال المحتوم، وللدلالة على رضا الله عز وجل على نبيه وما قام به من التبليغ والدعوة والجهاد المتصل في سبيله تعالى.
(74) من اسمائه تعالى (الرؤوف) وهو الرحيم بالخلائق يعطي ابتداءً ومن غير استحقاق، وألطافه على العباد متصلة ومتكررة، والرأفة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أرق من الرحمة، وفي لسان العرب (الرأفة أرق من الرحمة ولا تكاد تقع في الكراهة، والرحمة قد تقع في الكراهة مع المصلحة)( ).
والإختيار: إرادة ما هو خير وهو الاصطفاء والانتقاء.
وقد ورد ذكر (الرؤوف) صفة لله تعالى احدى عشرة مرة في القرآن تتجلى فيها مضامين الرحمة والعفو.
والرغبة: مصدر من رغبت في الشيء: اذا اردت شيئاً وطلبته بحرص، وفي الدعاء: (اليك يرغب الراغبون).
والايثــار: التفضــيل والتقديم، قال تعالى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا.
والفقرة من الخطبة لوحة تفصيلية مشرقة تجسد الطبيعة المشرفة لوفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكيف انها تمت بلطف منه تعالى وبإختيار للقاء، أي ان موته صلى الله عليه وآله وسلم وقبض روحه عنوان اكرام له وباب رحمة لما أعد له من الثواب العظيم.
والكلام مواساة ولغة في الصبر والرضا والشكر لله عز وجل على ما تفضــل به على الأمــة باكـرام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته وبعد موته، قال تعالى وَلَلآخِرَةَ خَيْرٍ لَكَ مِنْ الْأُولَى (وفي الآية ورد عن ابن عباس: ان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة ألف ألف قصر من اللؤلؤ ترابه من المسك، وفي كل قصر ما ينبغي له من الازواج والخدم وما يشتهي على أتم وصف)( ).

فَمُحّمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم في راحَةٍ عَن تَعَبِ هذِهِ الدّارِ(75).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(75) الراحة: الاستراحة وانعدام المشقة والجهد، وفي الدعاء: (اسألك الروح والراحة عند الموت).
والتعب مصدر، يقال تعب فلان يتعب تعباً اذا بذل جهداً كبيراً اعياه او عانى من المشقة.
والدار: المنزل المسكون، وقيل سميت داراً لدوران الجدران حــول بيوتها، واطلق اسم الدار على الدنيا وقيل ان للدنيا حائطاً محيطـاً لما فيها من البيوت، وربما كانت التسمية بسبب كونها مسكناً للناس مدة حياتهم وأيام التكليف، وقد تضاف الدار الى الآخرة اضافة بيانية، والمقصود في المقام هي الدار الدنيا.
والفقرة من الخطبة بيان لما في الموت من سعادة وراحة وثواب ومقام كريم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند الله عز وجل.
انها حث لاصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم على بذل الوسع، والإخلاص والتفاني في خدمة الشريعة والجهاد، وتعظيم شعائر الله للفوز بلقائه تعالى ومغادرة الدنيا الى الراحة والسعادة واجتياز امتحان الدنيا وما فيها من البلاء بتوفيق، وثقة بحسن المآب، ورضا بأمره تعالى وتسليم لحكمه وقضائه، كما تدل هذه الكلمات على زهد الزهراء عليها السلام في الدنيا، والتصريح بما فيها من العناء والكلل والتعب والمشقة وان الدار الآخرة بالنسبة للمؤمنين خالية من التعب والعناء.
وورد في نسخة للخطبة الشريفة (بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم في راحة عن تعب)، وفي بعض النسخ (محمد في راحة عن تعب هذه الدار)
مَوضوعاً عَنهُ اَعباَء الاوزارِ(76) محفوفاً بالملائكة الأبرار(77).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي من غير الفاء والباء.
(76) الموضوع: مصدر يقال: وضعت الديْن عنه أي اسقطته.
العبأ: الحمل الثقيل.
والأوزار: جمع وزر وهو ما يحمله الانسان من الاثقال، وقد يأتي بمعنى الاثم وتبعات الذنب، قال تعالى وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ .
والفقرة من الخطبة الشريفة بيان لما في انتقال روح النبي بعد موته الى عالم الملكوت من رحمة وتخفيف واكرام واسقاط للتكاليف الشاقة وراحة من الجهاد المتصل ونهاية لما كان يواجهه من الأذى والكيد.
انها موعظة وارشاد للأمة بان ما بعد الموت هو خير للمؤمن من حيث سقوط التكليف وانتهاء مرحلة الامتحان الملازمة للحياة على سطح الارض ومخالطة ما فيها من الافتتان، وبشارة واخبار عن عظيم مقام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الآخرة، وهل فيها حث على الجهاد؟ نعم فهي دعوة لاستثمار الحياة الدنيا باعتبارها مزرعة للآخرة.
(77) المحفوف: مفعول من حف به اذا طيف به يقال حفوا بالشيء أي اطافوا به، وفي التنزيل وَتَرَى الْمَلاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ.
ورضوان الرّبِّ الغفار(78).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والابرار: جمع بَر – بفتح الباء – وهو العابد المطيع لله المستجيب لأمره، والملائكة من الابرار لخلو صحائفهم من الذنوب وطهارتهم من الآثام، وفي نسخة للخطبة الشريفة (قد حف بالملائكة الابرار).
والفقرة من الخطبة الشريفة أخبار عما يتنعم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد موته وعظيم منزلته عند الباري عز وجل، وحفاوة ملائكة الله المكرمين به اكباراً واجلالاً وثناءً لادائه لاعظم مسؤولية شرعية في تاريخ الارض وعمارتها، وقد يكون شطر من الاكرام بما يصعد يومياً من اعمال المسلمين العبادية.
انها بشارة وحسن مواساة وتوكيد على ضرورة الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعاهد الرسالة ورجاء الثواب وزرع الامل فيما بعد الموت من معالم الاكرام لاهـل الإيمان، وبيـان عن صحبة كريمة في الآخرة خالية من الاذى والكيد والمكر والحسد.
(78) الرضوان – بكسر الراء – بمعنى الرضا، ورضوان الله ثوابه، وقيل هو المدح على الطهارة والثناء قال تعالى يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ .
والرب هو الله عز وجل، فهو رب كل شيء ومالك الاشياء جميعاً وهو مدبر الامور ومصلحها، وفي اللغة رب الشيء: سيده ومالكه وصاحبه ومصلحه ومدبره ومربيه والقيّم والمنعم عليه، ولا يأتي الرب بالتعريف والاطلاق الا لله عز وجل، نعم قد يأتي هذا الإسم مع الاضافة لغير الله فيكون مقيداً كـ(رب الدار) و(رب الناقة).
ومجاورة الملك الجبار(79).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولإسم الرب قدسـية خاصة باعتباره من امهات الأسماء المقدسة، وفيه خصـوصية وشأن في نشأة الخلائق وترتيب عالم التكوين وتنظيم شؤون الموجودات وتعاهدها بالتدبير الاكمل والنظام الامثل.
ومن اسمائه تعالى (الغفار) وقيل معناه الساتر لذنوب عباده، ولكنه في الحقيقة اعم من ذلك فهو الذي يمحو الذنوب ويمن على المسيئين بالصفح والتجاوز عن خطيئاتهم تفضلاً منه تعالى، (وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: وانا استغفر الله سبعين استغفارة).
ولا يعني هذا عن حاجة من ذنب ونحوه فهو المعصوم من الذنوب صغائرها وكبائرها بل هو درس لتأديب الأمة وتعليمها على المواظبة على الاستغفار الذي يعتبر بصرف طبيعته خضوعاً وعبادة واقراراً بالربوبية.
والفقرة من الخطبة الشريفة معطوفة على التي سبقتها لتوكيد عظيم الاكرام الذي ناله النبي الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم والفوز الذي استحقه بما عمله في مرضاة الله وطاعته وتبليغ رسالته وما تضمنته من الاحكام والسنن وحسن التدبير في صلاح الأمة وهدايتها.
(79) المجاورة: القرب في السكن، ومن اسمائه تعالى (الملك) و (الجبار)، والملك هو القادر على والتصرف والتدبير والسياسة في حدود مملكته وسلطانها، والملك يوم القيامة خالص لله عز وجل فليس لأحد يومئذ نوع ملكية اعتبارية او مجازية، حيث تنعدم هناك عروش ملوك الارض وينفرد الباري بالسلطان والعظمة والجبروت، وهو الجبار أي المتكبر وانه تعالى قهر عباده على قبول التكاليف الشرعية، ومجاورته تعالى كناية عن النزول في ظل رحمته وكنفه والكون في حفظه وثوابه واتصال احسانه والزلفى لديه.
صلى الله على أبي، نَبِيِّهِ(80).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والفقرات الثلاثة من الخطبة الشريفة تظهر حال ومقام النبي صلى الله عليه وسلم بعد الموت، وفيها تفصيل كريم لآيات الاكرام وترغيب للمؤمنين في الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والالتزام بسنته والمنهاج الذي وضعه للمسلمين في مسار حياتهم.
وهل في كلامها عليها السلام هذا اشارة او تلميح الى رضاها واســتعدادها للانتقــال الى جـوار النبي صلى الله عليه وآله وسلم خـاصـة مع قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (انك أول اهل بيتي لحــوقـاً بي)، الأقوى عدم وجود تلميح مباشر وقصـد ضـمـني واضــح فيـه، نعم انه يؤكــد رغبــة الزهراء عليها الســلام بلقــاء الله عز وجـل وتلك الرغبـة مقـترنــة بإيمان الزهراء عليها السلام وملازمة لما تمتلكه من اليقين منذ نعومة اظفارها.
والفقرات من الخطبة تنبيء بان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حي عند ربه وانه فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ .
(80) الصلاة من الله رحمة وتزكية وعنوان نزول البركة واظهار الشرف والتكريم، ورد بالاسناد عن ابن أبي حمزة قال: (سألت ابا عبد الله – الإمام جعفر الصادق – عليه السلام عن قول الله عز وجل إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا فقال: الصلاة من الله عز وجل رحمة، ومن الملائكة تزكية،
وأمينه على وحيه(81).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن الناس دعاء، واما قوله تعالى [وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا] فانه يعني التسليم له فيما ورد عنه..) الحديث( ).
والصلاة على النبي وخاصة بعد وفاته صلة وارتباط وتعلق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم واعتراف برسالته وعظيم منزلته، لذلك ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام انه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في صحته وسلامته: انما انزلت هذه الآية في الصلاة عليّ بعد قبض الله لي [ إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ])( )( ).
لقد ذكرت الزهراء عليها السلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصلة الأبوة لبيان شدة حبها له، للفت الانظار الى قربها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانفرادها بتلك المنزلة، ودرجة القرب وما تعنيه من جلالة القدر للزهراء عليها السلام وصدق القول والكمالات النفسية والايمانية، قال تعالى ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ لتكون هذه الصلاة مقدمة كريمة لبيان المقال، وتوطئة لما في الخطبة من مسائل ومنها موضوع فدك وفيها اعانة كريمة للسامعين على الفهم المنصف واجتناب الاصرار على ايذاء الزهراء عليها السلام او التردد في قبول قولها.
(81) الأمين: المؤتمن الذي يوضع عنده الشيء فيحفظه ويصونه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويعيده ويسمى هذا الفعل ابتداء واستدامة الامانة، ومنه محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمين الله على رسالاته.
والوحي: اسم جامع لمفاهيم الاشارة والكتابة والرسالة والالهام والكلام الخفي ونحوه مما يلقى الى الغير، والوحي في الاصطلاح هو ما يتلقاه الأنبياء من عند الله عز وجل من الاحكام التشريعية والتكوينية.
وفي الفقرة من الخطبة الشريفة وجهان: الاول التوكيد على أمانة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانها صفة ملازمة له، وتلك حقيقة اعترف بها جميع من عرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشخصه الكريم بما في ذلك اعداء الاسلام من قريش واقطاب الوثنية، والأمانة احدى مستلزمات النبوة ومما يستدل بها على صدق النبوة وعلى العصمة قبل النبوة واثنائها، وان ثبوتها كصفة دائمة لشخص النبي باب لتصديقه في الرسالة، وانعدامها عنده في آن ما قد يكون باباً لتردد الناس في قبول ما يؤمر به مما أودع عنده وأمر بتبليغه.
اما الوجه الثاني فهو ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلّغ جميع ما أوحي اليه من ربه وفي ذلك تصدٍ ومنع للوهم بان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتم شيئاً من الوحي، وبغض النظر عن سبب وجهة صدور هذا الوهم.
لقد كان الله عاصماً له من الناس ومن كتم أي آية قال تعالى يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّــكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَـلْ فَمَا بَلَّــغْــتَ رِسَــــالَـتَــهُ وَاللَّهُ يَعْصِــمُــكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ .

وصفيه وخيرته من الخلق وَرَضيّهِ(82)والسلام عليه ورحمة الله وبركاته(83).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(82) صفوالشيء: خالصه وخياره وجيده وأحسنه.
والخيرة – بكسر الخاء وفتح الياء -: المختار المنتخب ومنه: (ومحمد خيرتك من خلقك).
والرضي نظير الصفي بمعنى المرتضى، والنبي رضا الله في أرضه والمؤهل للنبوة، لقد حاز رضا الله عز وجل بما بذله مخلصاً في اداء الرسالة وحمل الامانة والارتقاء في منازل العبودية الحقيقية والصادقة، وفي الاحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ.. الآية قال عليه السلام: لهذه الآية ظاهر وباطن، الظاهر قوله [صَلُّوا عَلَيْهِ] والباطن قوله [ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا] أي سلموا لمن وصاه واستخلفه عليكم فضله، وما عهد به اليه تسليماً وهذا مما أخبرتك لا يعلم تأويله الا الله، ومن لطف حسّه وصفا ذهنه وصح تمييزه)( ).
(83) من اسمائه تعالى (السلام) فهو الذي يسلم أولياءه ويحفظهم وينجّيهم، لذا قال بعضهم بان السلام عليكم معناه اسم الله عليكم أي انكم في حفظه كما يقال: (الله معك).
ولكن السلام في الحقيقة تحية ودعاء بالسلامة والأمن من عذاب الدنيا والآخرة، وفي الدعاء: (اللهم أنت السلام ومنك السلام)، والسلام تحية الملائكة وعندما جاء الاسلام أبدل التحية بالسلام الذي هو ايضاً تحية أهل الجنة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والرحمة: من عند الله عطفه وبره ورزقه وهباته المتصلة عن استحقاق او غير استحقاق قال تعالى إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ .
والبركة: الزيادة والنماء، وبركته تعالى: زيادة نعمته واتصال فضله وجعل الخير فيما عنده، وفي الدعاء: (وبارك على محمد)، أي أدم له ما أعطيته من عظيم المنزلة وزد في سلطان الاسلام وعز شرائعه.
لقد وردت الأحاديث بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند ذكره، وكما اختلف في وجوبها في الصلاة اذ قال به اكثر الإمامية واحمد والشافعي، وقال ابو حنيفة ومالك بعدمه، واختلف في وجوبها عند تكرر ذكره، فقيل بوجوبها في العمر مرة وذهب الى هذا القول الكرخي.
وقيل بوجوبها كلما ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذهب الى هذا القول ابن بابويه والزمخشري وجماعة، روي بالاسناد عن أبي بصير عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام انه قال: (اذا ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاكثروا الصلاة عليه، فانه من صلى على النبي صلاة واحدة صلى الله عليه ألف صلاة
في ألف صف من الملائكة، ولم يبق شيء مما خلق الله الا صلى على العبد لصلاة الله وصلاة ملائكته فمن لم يرغب في هذا فهو جاهل مغرور وقد برىء الله منه ورسوله وأهل بيته)( ).
ان الصلاة على محمد وآل محمد باب لرفع الدعاء وقبوله ونزول الاستجابة، وورد النص بالاسناد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام
وقالت أنتم عباد الله نصبُ أمره ونهيه(84)، وَحَمَلَةُّ دينِهِ وَوَحيِهِ(85).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: صلواتكم عليّ إجابة لدعائكم وزكاة لاعمالكم)( ).
لقد ختمت الزهراء فصل الحمد والثناء عليه تعالى بالصلاة على النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم أدباً وحكمة وايماناً وتعليماً للأمة في ضرورة الصلاة على النبي عند ذكره كجزء من إجلاله والوفاء له والتصديق بما جاء به من عند ربه، والتسليم بجريان الفيوض الإلهية في الصلاة عليه التي كانت مقدمة طيبة مباركة للانتقال في الخطاب الى اهل المجلس.
(84) أنتم: مبتدأ، وعباد الله: منادى اصله يا عباد الله حذف حرف النداء تنبيهاً لاهمية الأمر، والنصب – بالفتح – الإقامة والإعداد للغرض، وفي الدعاء: (لا تجعلني لنقمتك نصباً).
لقد التفتت الزهراء الى الصحابة من اهل المسجد ووجهت لهم الخطاب بلغة الاكرام والتعظيم الذي يستحقونه بالتصدي للالتزام بأوامره تعالى ودوامهم على اجتناب نواهيه، انه مدح وثناء بلسان الحث على عدم الخروج على شريعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونهجه وسنته الشريفة.
(85) الفقرة من الخطبة الشريفة خطاب للصحابة والمسلمين الحاملين للواء التوحيد والذين التزموا بالتكاليف الشرعية الاصولية منها والفرعية، وتذكير لهم بمسؤولياتهم التأريخية والأمانة التي ألقيت على عواتقهم خاصة بعد المصيبة بفقد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم،
وَامناءُ الله على انفسِكُمِ(86).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فلقد كان الوحي ينزل عليه فيهدي المسلمين الى سبل الصلاح والفلاح، اما بعد انقطاع الوحي فعليهم تلمس احكام الرسالة والاقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم واداء الفرائض المنصوصة بالوحي، لقد اشارت عليها السلام بهذه الكلمات الى مضامين سامية ومن أهمها ان عليكم الجد والاجتهاد في تثبيت دعائم الاسلام وحفظ الرسالة وتعاهد احكام الشريعة وبذل الوسع في العمل والجهاد ومواصلة توسيع رقعة الاسلام.
(86) الأمناء: جمع أمين وهو الحافظ للشيء الذي عنده والذي يسمى الأمانة او الوديعة، قال تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً .
وحكي عن الزجاج: (ان كل من خان الأمانة فقد حملها، وكل من أثم فقد حمل الإثم)، ولكن حمل الأمانة غير خيانتها، فالحمل استعداد وتصد، ولكن الخيانة أمر منفصل متعقب للحمل من غير توفيق بادائه، بل وتقصير متعمد في وظيفة الحمل، وخيانة الأمانة خلاف حفظها وصيانتها.
لقد أكدت الزهراء عليها السلام على الرقيب الذاتي عند المسلم لضبط معالم دينه وضرورة تحكيم العقل في السيطرة على الغريزة الشهوية والغضبية.

وبلغائه الى الامم(87) زَعيمُ حَقٍّ لَهُ فيكم، وعهدٌ قّدمه إليكم وبقية استخلفها عليكم كتاب الله الناطق والقرآن الصادق والضياء اللامع(88).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ان كلمتها دعوة لالتزام تقوى الله، وتهذيب النفس بحسن الانقياد لاوامره تعالى وعدم تعريض النفوس للتهلكة واتباع الهوى.
(87) والبلغاء جمع بليغ وهو فعيل بمعنى فاعل وهو الذي يقوم بايصال الرسالة او الخبر وشبهه، والأمم: جمع أمة وهي كل جماعة يجمعهم أمر واحد او دعوة واحدة او زمان واحد او مكان او أصل واحد.
انها بيان صريح لعظيم مسؤولية الصحابة والذين ادركوا زمان النبوة وأخذوا القرآن من منازل الوحي خاصة وان القرآن الكريم انزل لتثبيت الاحكام الشرعية لجميع الامم والشعوب، ومن ذلك قول الصادق عليه السلام: (ان القرآن نزل بلغة اياك اعني واسمعي يا جارة)، وان الصحابة يجب ان يهبوا وينهضوا لتبليغ الشعوب الرسالة الاسلامية.
وفي يوم الغدير قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خطبته بالولاية لأمير المؤمنين عليه السلام: (ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب).
(88) الزعيم: الكفيل والضامن، وفي التنزيل وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ .
والحق: الثبوت والصدق ومطابقة الواقع وهو خلاف الباطل.
والعهد: الوصية والميثاق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والبقية: الخلف والأثر الظاهر، وفي التنزيل إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَــارُونَ، وفيه ايضــاً بَقِــيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ، وورد في السلام على الإمام المهدي عند خروجه: (السلام عليك يا بقية الله).
واستخلفها عليكم: أي جعلها خليفة ونائباً عنه لما في القرآن من بيان للحلال والحرام.
وكتاب الله الناطق هو القرآن لوضوح الاحكام فيه ونطقه بالاحكام الشرعية، وقد يقال ان المقصود بالقرآن الناطق الإمام عليه السلام لما ورد عن أمير المؤمنين في واقعة صفين حين رفع اهل الشام المصاحف، وان الواو في (والقرآن) واو استئنافية، ولكن الواو عاطفة، والمراد بكتاب الله هو القرآن وهو الكتاب المبين الذي بين الدفتين ونزل به الروح الأمين على صدر نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلسان عربي مبين ليكون إماماً للمسلمين عبر الأجيال والقرون.
والضياء: من أسماءالقرآن ايضاً.
واللامع: الذي يبعث الضياء ويعكسه.
لقد انتقلت الزهـراء عليها الســلام في كلامها الى البيان والتفصيل فيما يخص نــوع المســؤولية العـظـيــمة التي ألقــيت على كواهل الصــحابة خاصة والمســلمين عموماً، وطــبيعة الوظــيفــة التي عليهم اداؤها وبصــورة تفـيــد الحصــر الى جــانب الوضــوح، وتلك لغة في التعليم والنصح والتوجيه مباركة ونافعة خاصة وانها تؤكد على شرف الرسالة
بَيّنَةٌ بَصائِرُهُ، مُنكشِفَةٌ سَرائِرُهُ، مُتَجلِيَةً ظواهِرُهُ(89).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وسلامة الطريق وثواب الاعمال والاكرام لهم وكذلك للرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم لعظيم ما استودع المسلمين من الأمانة، فكانت سبيلاً للهداية وطريقاً للرشاد وباباً للصلاح فبالقرآن اصبح الزيغ ممنوعاً والشرك مطروداً والشك مغادراً.
ان في هذه الكلمات من الخطبة الشريفة مدحاً وثناء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكتاب الله العزيز وتنبيهاً على شرف المسؤولية وأهميتها.
(89) بيّنة: ظاهرة واضحة.
والبصائر: جمع بصيرة وهي نور القلب كما ان البصر نور العين، والبصائر في المقام الحجج والادلة والبراهين وفي التنزيل هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ .
والسرائر: جمع سريرة وهي الملكة الباطنية وما خفي من الامور.
والتجلي: الوضوح والظهور من غير اخفاء.
والفقرة من الخطبة تعظيم لشأن القرآن وتوكيد لظهور معانيه وما فيه من المقاصد والمعارف اليقينية، واشارة لامكانية الوصول الى مطالبه الدقيقة وتفصيلات ما جاء به من الاحكام، كما وان التأويل الذي نحتاجه في شطر من الآيات أمر غير متعذر.
روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام انه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: القرآن هدى من الضلالة، وتبيان
مُغتبطَةٌ بِهِ اَشياعُهُ قائِداً اِلى الرِّضوانِ اِتباعُهُ مُؤدٍ اِلى النَجاةِ استِماعُهُ(90).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من العمى، واستقامة من العثرة، ونور من الظلمة، وضياء من الاحداث، وعصمة من الهلكة، ورشد من الغواية، وبيان من الفتن، وبلاغ من الدنيا والآخرة، وفيه كمال دينكم، وما عدل احد عن القرآن الا الى النار).
وهل في الكلام توكيد لحجبة ظواهر القرآن وضرورة الرجوع اليها باعتبارها عنوان الرجوع الى الكتاب الذي تشير اليه الروايات في باب التأويل والتفسير، الجواب: نعم خاصة وان للقرآن ظواهر يمكن العمل بها بعد الدراسة والبحث عن القرائن المتصلة والمنفصلة من الكتاب العزيز نفسه، باعتبار ان القرآن يفسر بعضه بعضاً ويفسر بالسنة النبوية الشريفة لانها بيان وتفسير للقرآن.
انها دعوة للتعبد بظواهر القرآن التي يفقه ما تعنيه كل من عنده معرفة باللغة العربية وصيغها، لقد أرادت الزهراء عليها السلام توحيد الأمة في هذا الباب وان لا ينشغل المسلمون بالخلافات العقائدية في باب تأويل الآيات وطـبيعة الاحكام، وما في تلك الخلافات من
آثار سلبية على واقــع الأمــة وقياداتها، خاصــة وان الوقت يحتاج الى اقصى درجات الوحدة والاتحاد لدرء الأخطار الخارجية التي تهدد البناء السياسي للاسلام، وللقضاء على أخطر ما واجه الاسلام من الداخل وهو تيار الردة القبلي المسلح.
(90) الغبطة:حسن الحال وفرح وسرورممتزج بتمني اصابةماعند الغيرمن نعمة وبدون ارادة زوالها عنه، وفي الحديث: (المؤمن يغبط ولا
يحسد).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والاشياع: جمع شيعة وهم الاتباع والأنصار، وقيل ان الشيع هو الجمع، ويجمع على الاشياع.
والقائد: اسم فاعل وهو الزعيم الرائد الذي يسبق اتباعه الى المطلوب، وفي الحديث: (المجتهدون قواد أهل الجنة)، وقيل ان الاجتهاد هنا في القرآن.
والمؤدي: اسم فاعل من أدى الأمانة تأدية أي ردها واعادها.
والنجاة: الخلاص من الضرر والهلاك.
والاستماع: السمع الإختياري دون الاتفاقي غير المقصود.
لقد جاءت هذه الكلمات بياناً للمنافع العظيمة في اتباع القرآن والاهتداء بنوره في دعوة مخلصة لاستظهار آياته واحلال حلاله واجتناب ما نهى عنه، وفيه احالة على القرآن في معالجة أحوال المسلمين والمشاكل التي برزت الى الساحة بعد مصيبتهم بفقد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
(روي عن الإمام جعفر الصادق عن آبائه عليهم السلام ان رسول الله صـلى الله عليه وآله وســلم قال: يا أيها الناس انكم في دار هــدنة وانتم على ظهر سـفر والسير بكم سريع، وقد رأيتم الليــل والنهــار والشمس والقمر يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويإتيان بكل موعود فاعدوا الجهاز لبعد المجاز.
قال: فقام المقداد بن الأسود فقال: يا رسول الله وما دار الهدنة؟ فقال: دار بلاغ وانقطاع فاذا إلتبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فانه شافع مشفع، وما حل مصدق، ومن جعله أمامه قادة الى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه الى النار، وهو الدليل يدل على كل خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان، وهو الفصل ليس بالهزل،
به تنالُ حجج الله المنورَةَ(91) وَعَزائِمُهُ المُفَسّرَةُ(92).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وله ظهر وبطن، فظاهره حكم وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق، له تخوم وعلى تخومه تخوم، لا تحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة ودليل على المعرفة).
انها دعوة للانصات والاستماع للقرآن وحث على تلمس سبل الخلاص باللجوء الى القرآن وآياته وان مجرد الاستماع لا يخلو من الفوائد العظيمة.
(91) يقال نال الشيء يناله نولاً: اصابه وادركه.
والحجج: جمع حجة وهي الدليل والبرهان قال تعالى قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ .
انها دلالة على طريق الهدى ففي القرآن الأدلة الناطقة بالوحدانية والآيات التي تنبعث منها انوار المعرفة واحكام الشريعة وبما يرسخ اليقين في النفس، وهل في الفقرة من الخطبة اشارة الى الائمة من آل محمد باعتبارهم حجج الله الذين يأخذ المسلمون منهم، وعنهم في الاحكام يصدرون، وهم الذين ينيرون للناس طرق الهداية وسبل الرشاد، ليس من مانع من هذا الفهم سواء كان مباشرة أم بالواسطة، من غير ان يحول دون كون القرآن هو المقصود في المقام لما بينهما من الملازمة كما يدل على ذلك حديث الثقلين وغيره.
(92) العزائم: جمع عزيمة وهي ارادة الفعل والقطع على إتيانه والاجتهاد فيه، وفي الحديث: (عرفت الله بفسخ العزائم وحل العقود)، أي ربما أعزم على أمر أرى امكانية حدوثه ولكن وقوعه يتعذر من غير
وَمَحارِمُهُ المُخُدَّرَةُ (93).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سبب موجب.
والتفسير: البيان والكشف، وعلم التفسير يبحث في آيات القرآن من حيث الدلالة والاعجاز ومطلق المعاني وهو آلة لكشف المراد والاستدلال اللغوي والعلمي.
لقد جعل الله القرآن بياناً للمقاصد الشرعية وسبيلاً سالكاً للذين يبتغون مرضاته تعالى بإتيان أوامره واجتناب نواهيه، وفي الحديث: (ان الله يحب ان تؤتى رخصه كما يحب ان تؤتى عزائمه).
لقد أرادت الزهراء عليها السلام اللجوء الجماعي الى القرآن باعتبار انه يتضمن الفرائض والواجبات والسنن التي أمر الله عز وجل بها، وجاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمثلاً ورد في الحديث: (ان الزكاة عزمة من عزمات الله).
وفي الوقت الذي تعتبر فيه هذه الفقرة من الخطبة دعوة ملحة للرجـوع الى القرآن في المناســك ووجــوه العبادة، فانها ايضاً تصدٍ متقدم في زمانه لكل قول بوجود اختلاف في القرآن او احكامه.
(93) المحارم: جمع محرم، وهو الممنوع شرعاً.
والمخدّرة: المستورة والتي في حرز، وقيل: (خدرت الشئ خدراً) من باب علم أي تحرزته وخفت منه.
من المعلوم ان القرآن يتضمن النواهي الإلهية وما يحرم انتهاكه وإتيانه، وأوجب الله النار عقوبة ومثوىً لمن تجرأ على ارتكابها، ولا مانع من التوكيد والتذكير على الأمر ولاسباب عديدة منها قرب أيام نزول القرآن ومعرفة الناس به ولمنع النسيان بمفهومه السلبي من الإستحواذ
وَبيناتُهُ الجاليَةُ(94)، وَبراهينُهُ الكافِيَةُ(95).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على الإنسان وذاكرته، والحاجة الى التنبيه المستمر لتفاصيل احكامه وضرورة الالتزام بها، اذ ان اجتناب النواهي والفواحش باب لرسوخ الإيمان وسبيل الى ترسيخ النفس في مرضاة الله بعد تجريدها من حب الشهوات والميل الى الباطل.
ان هذه الفقرات من الخطبة من جوامع الكـلم، ففي الوقــت الذي تُحـذر فيه من المحارم تهدي الى التوقي منها بالقــرآن لما فيه من بيان وكشف لها ولأنه حرز وامان وواقية وسلاح وسلام.
(94) البينات: جمع بينة وهي الدلالة الواضحة قال تعالى وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ .
والجالية: الظاهرة المنكشفة.
لقد كانت آيات القرآن ضياءً ينير دروب السالكين اجتمع فيها البيان والتبيان والبرهان الواضح والدليل الكاشف رحمة منه تعالى في هداية الامة وصلاحها، فأشارت الزهراء عليها السلام لذلك بالفخر والاعتزاز ولسان الثناء والشكر وبما يتضمن التوصية والموعظة لعموم المسلمين بأخذ الاحكام الشرعية من القرآن.
(95) البراهين: جمع برهان وهو الحجة والبيان.
والكافية التي يستغنى بها عن غيرها، وقد قال بعض شراح الخطبة الشريفة ان الفقرة اعلاه ناظرة الى المحارم او الى العزائم معها، والحقيقة انها عنوان مستقل يشمل ايضاً في مدلولاته علل الشرائع وادلة الاحكام، وفي رواية ابن أبي طاهر: (وبيناته الجالية وجمله الكافية).
وَفَضائِلُهُ المَندوبَةُ (96)، وَرُخَصُهُ المَوهوبَةُ(97).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي القرآن آيات تتعلق بخلقه تعالى للكون وان الموجودات مستمرة في الوجود بمشيئته وانه تعالى سخرها لخدمة الانسان كي يقوم بعبادته وطاعته.
(96) الفضائل: جمع فضيلة وهي الدرجة الرفيعة والملكات الحسنة المـمدوحــة خلاف النقيصة، ويقال ندبته الى الأمر ندباً: دعوته، والمندوبــات في الاصطلاح هي الامور التي ندب الله الخلق اليها ودعاهم اليها من غير الزام مع جواز الترك.
والفقرة من الخطبة الشـريفة بيان لادراك الخصال الحميدة والفعال الكريمة باللجوء الى القرآن دستوراً للاعمال ومنهجاً مباركاً لإتيان الفضائل والاحسان والارتقاء في عالم الفضيلة والصلاح.
لقد ارادت الزهراء عليها السلام التوكيد على حقيقة مهمة وهي ان القرآن لا يتضمن الأوامر والنواهي الإلهية فقط بل انه مدرسة جامعة لجميع مراتب السلوك الحسن ومنازل الكمال، وفي ذلك ترغيب بالقرآن وحث أكيد على الانقطاع اليه في مسالك الاعمال ومداركها.
(97) الرخص: جمع رخصة – بضم الراء – وهي التسهيل والتيسير وباب التخفيف.
والموهبة: العطية الممنوحة من غير عوض ولا غرض، ومن اسمائه تعالى (الوهاب) و (الواهب) فهو الذي يهب العطايا العظيمة من غير حاجة ولا عوض.
والفقرة من الخطبة الشريفة ثناء على القرآن وبيان لما فيه من الرحمة ابواب التخفيف واسباب التسهيل في احكام الشريعة كموارد نفي الحرج ومنع الضرر وغير ذلك من وجوه السعة وعدم التضييق، وهي ايضاً
وشرائعه المكتوبة(98)، فَجَعَلَ اللهُ الإيمان تَطهيراً لَكُم مِنَ الشِركِ(99).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دعوة للانتفاع من تلك الرخص واجتناب التشديد على النفس.
انها درس في صبغة اليسر التي تبدو ظاهرة في احكام الشريعة وفروعها التفصيلية وفي ذلك ترغيب في القرآن وقراءته بلسان الوعظ والنصح والارشاد.
(98) الشرائع: جمع شريعة وهي احكام الدين ومنهاج الملة وسنن العقيدة قال تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا .
والكتابة: التدوين باعتبارها صناعة يحفظ بها الانسان آثاره وتتوارث بها الأجيال سنن الشرائع واحكامها التفصيلية، وتأتي الكتابة بمعنى القضاء كما في قول القائل كتب القاضي في النفقة أي قضى بها، وتأتي بمعنى الوجوب والالزام، والمعاني اعلاه موجودة في القرآن، ووجود الآيات الجامعة التي تستنبط منها الاحكام التفصيلية والشرعية التكليفية وهي الوجوب والحرمة والاستحباب والاباحة والكراهة يدل على كمال الشريعة الاسلامية.
(99)الإيمان اعتقاد بالجنان مقترن باداء العبادات وعناوين التسليم والانقياد ويؤطرها وهو متأخر عن الاسلام زماناً وحدوثاً وبينهما عموم وخصوص مطلق، فكل مؤمن هو مسلم وليس كل مسلم مؤمناً، (وبالاسناد عن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الإيمان معرفة بالقلب واقرار باللسان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعمل بالاركان)( )
قال ابو الصلت: لو قريء هذا الاسناد على مجنون لبرأ.
ان الإيمان عمل إرادي وان كان موضعه القلب والاركان ويجري على اللسـان، وورد عن الإمام الصادق عليه السلام انه قال: (ان الإيمـان عمــل كــله وان قول لا إله الا الله ايضــاً من العمل).
والشرك هو الكفر واتخاذ شريك مع الله عز وجل في الإلوهية او في العبادة قال تعالى إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ .
انتقلت الزهراء عليها السلام في كلامها الى الواقع الفكري والحياة الدينية والحالة النفسية والقيم الروحية التي ترسخت في المجتمع عامة ونفوس المسلمين خاصة بنزول القرآن وما فيه من آيات الهداية والرشاد والتذكرة وقصص الموعظة الحسنة وبيان الاحكام الشرعية.
وان قلت هل من صلة بين القرآن والايمان، قلتُ: نعم، ولذلك أشارت الزهراء عليها السلام في هذه الالتفاتة، فالقرآن أداة الإيمان وهو علة مادية وصورية لوجوده واللتان يعبر عنهما بالقول (وما فيه الوجود) و (وما به الوجود).
لقد أكدت الزهراء عليها السلام على عظيم فضله تعالى على المسلمين بالإيمان باعتباره باب النجاة من الشرك وسبب الخلاص من الكفر، فبتحصيل المعرفة وإتيان العبادة وملازمة الخشوع والخضوع يتحقق الإيمان وتتنحى عن العبد أدناس الشرك ويكون فاعلاً مؤثراً في المجتمع لدفع أرجاس الوثنية وطرد رين الشك وأوهام الضلالة.

والصَّلاةَ تَنزيهاً لَكُم عَنِ الكِبرِ(100).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(100) الصلاة عمل عبادي وفرض دائم يتكرر كل يوم خمس مرات، أوجبه الله على المسلمين باركان مخصوصة كالقيام والركوع والسجود واختلف في اصلها في اللغة قيل انه الدعاء فسمّيت ببعض اجزائها، وقيل اصلها التعظيم سميت الصلاة المخصوصة صلاة لما فيها من تعظيم للباري عز وجل وتقديس لمقام الربوبية، وذكرت وجوه أخرى لسبب التسمية.
والكبر: اسم من التكبر وهو الشعور الذاتي بالعظمة ويعتبر من الأخلاق المذمومة والمباني الفاسدة التي تحول دون الرؤية الواقعية للأشياء، وقيل ان من علاجه معرفة الانسان لبدايات خلقه وانه خلق من نطفة وان آخره جيفة قذرة، وهو ما بين ذلك يحمل عذرة، وان آخره الموت والحساب ينتظره مترصداً، وفي الحديث: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الكبر)، وحُمل على الجحود والشرك ولكنه اعم منهما، فقد ورد في الحديث القدسي: (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري).
هذا وقد ورد في الحديث النبوي بيان وتفصيل للكبر ففي وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر: (يا ابا ذر من مات وفي قلبه مثقال ذرة من الكبر لم يجد رائحة الجنة الا ان يتوب قبل ذلك، فقال رجل يا رسول الله اني ليعجبني الجمال حتى وددت انّ علاقة سوطي وشراك نعلي حسن فهل يرهب عليّ ذلك، قال صلى الله عليه وآله وسلم: وكيف تجد قلبك؟ قال: اجده عارفاً بالحق مطمئناً اليه، قال: ليس ذلك بالكبر ولكن الكبر ان تترك الحق وتتجاوزه الى غيره، وتنظر الى الناس ولا ترى ان احداً عرضه كعرضك ولادمه كدمك).
لقد كانت الصلاة عنوان التــــحدي العقائـدي للقبـــائل العربية في
وَالزكاة تزكيةً للِنفسِ وَنمِاءً في الرِزقِ(101).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واقعها وتركيباتها الاجتماعية المبنية على الأنفة والاستقلال ذي صبغة العز والإباء، فكانوا يأنفون من السجود وينفرون من الركوع لما فيهما من الذل والخضوع، ويستهجنون رفع العقيرة الذي يتطلبه السجود.
(روي انه لما جاء وفد ثقيف الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم سنة تسع من الهجرة رجوا منه اعفاءهم من أمرين:
1- كسر اوثانهم بأيديهم.
2- تأدية الصلاة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اما كسر أوثانكم بإيديـكــم فســنعفيكم منه، واما الصــلاة فلا خير في دين لا صــلاة فيه، فقالوا: يا محمد، اما هذه فسنؤتيكها وان كانت دناءة).
لقد كانت فريضة الصلاة امتحاناً صعباً تمكن العرب والمسلمون عامة من اجتيازه بسهولة راجعة في الاصل الى فضله تعالى ليتجردوا من نزعة الكبرياء ازاء ذل العبودية وفي مقام الخضوع والمسكنة.
لقد ارادت الزهراء عليها السلام بيان فضله تعالى في فريضة الصلاة، وهل في الكلام توكيد على ضرورة الالتزام بها، الجواب: نعم ولعلها تقصد غايات أخرى منها ضرورة التقيد باحكام الشريعة وانصاف اهل الحق واجتناب الظلم تكبراً وطغياناً.
(101) الزكاة: مصدر زكى واصلها النماء والزيادة، والتزكية: التطهير والنزاهة من الصفات الذميمة الناشئة من حب الدنيا وزخرفها قال تعالى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَاأي فاز وربح من طهّر نفسه بالصدقة واداء الزكاة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ونما الشيء ينمو نماءً ونمواً: زاد وكثر، والرزق في اللغة: العطاء والنصيب وما ينتفع به الانسان او الحيوان، والمعتزلة لا ترى الحرام من الرزق ولكن الاشاعرة لا تعتبر الإباحة في طريق الحصول عليه واستدلوا بجواب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمر بن قرة الذي قال: (يا رسول الله، ان الله كتب عليّ الشقوة فلا أراني أرزق الا من دفي بكفي أتأذن لي في الغناء، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد كلام: يا عدو الله ان الله قد رزقك طيباً فاخترت ما حّرم الله عليك من رزقه مكان ما احلّ الله لك من حلاله).
وطعن المعتزلة في الحديث من حيث السند والدلالة وقالوا ان اطــلاق عنوان الــرزق على الحــرام من بــاب المشـاكلة، كما انهم تمســكــوا بقول النبي صــلى الله عليه وآله وســلم: (ان الله تعــالى قسّـــم الارزاق بين خـلقــه حـلالاً ولم يقـســمها حــرامــاً).
والرزق قسمان منه ما يخص الابدان كالأقوات ويسمى ظاهراً، ومنه ما يتعلق بالقلوب كالمعارف والعلوم ومكارم الأخلاق ويسمى باطناً.
ولقد ذكرت الزكاة في مواضع عديدة من القرآن الكريم منها تسع وعشرون مرة مقترنة بالصلاة واقامتها.
كما وردت روايات كثيرة ونصوص متواترة لدى جميع فرق المسلمين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تفيد رجحان الزكاة والحث عليها.
والعقل يحكم بفائدة الزكاة لما فيها من اعانة الفقراء وصلاح المجتمع وانتظام الحياة بالرأفة وتدارك النقص وطرد الفقر وقضاء الحاجة، وما في ذلك من التوجه الأخلاقي السليم والوظائف الاساسية لحفظ النظام ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والدماء والاعراض.
والزكاة تطهير للنفس من دنس الحرام ومن حب الدنيا، والآثام التي قد تنجم من اختلاف طرق جمع الاموال ونفاذ الشيطان في مقدمات البيع والشراء ونحوه.
قال تعالى خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ .
ومما هو معروف في الفقه ان وجوب الزكاة من ضروريات الدين وان انكارها مع العلم بها يعتبر وجهاً من وجوه الكفر وكذا منعها جحوداً واستحلالاً، وفي وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم للامام علي عليه السلام التي وردت بالاسناد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن آبائه: (يا علي كَفَر بالله العظيم من هذه الأمة عشرة، وعد منهم مانع الزكاة ثم قال: يا علي ثمانية لا يقبل الله منهم الصلاة، وعدّ منهم مانـع الزكاة ثم قال: يا علي
من منع قيراطاً من زكاة ماله فليس بمؤمن ولا بمسلم ولا كرامة، يا علي تارك الزكاة يسأل الله الرجعة الى الدنيا وذلك قوله عز وجل [ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ.. ])( )( ).
وفي الفقرة من الخطبة الشريفة مضامين سامية في التقوى وحسن التوكل، وهي حجة وبرهان وبيان آية لما فيها من الاعلان لموضوع الزكاة واخراج مقدارها من المال الشخصي من الزيادة والكثرة، فكيف يكون
والصيام تثبيتاً للاخلاص(102).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذلك ويتحقق واقعاً لولا البركة التي يجعلها الله عز وجل فيما يزكّي من المال لصيرورته طاهراً نقياً خالياً من الخبث بفضيلة الانقياد لاوامره تعالى في الزكاة.
لقد رغبّت عليها السلام المسلمين في المبادرة لإخراج الزكاة وقالت بأنها تطهير للنفوس وابتعاد عن الشح والبخل، ونحو ذلك من الأخلاق المذمومة التي اراد الله عز وجل تنقية المجتمعات الاسلامية من أمراضها، خاصة وان منافع دفع الزكاة لا تتعلق بالذي يؤديها فحسب بل تتعداه الى المستحق لأنها تزرع الرضا والثقة والأمل في نفسه وتسد حاجته الآنية.
وهي دعوة الى الرأفة والإلفة والمودة بين المسلمين وقوة لهم في مواجـهـة اعدائهم وســبيل الى التخلي عن وجـوه الطمع الذي يقود الى التعدي على حقوق الآخــرين، لذلك ترى الزهراء عليها الســلام تقدم في الذكـر تزكيــة النفس على النماء في الرزق لما فيها من معاني رسوخ الإيمان والتسليم بالحقوق والقناعة بالمقسوم.
(102) الصيام في اللغة مطلق الامساك، ومنه الامتناع عن الاكل والشرب ويستعمل في غير الانسان ايضاً، قال ابو عبيدة: (كلّ ممسك عن طعام او كلام او سير فهو صائم)، وقال ابو دريد: (كل شيء تمكث حركته فقد صام).
والصيام في الشــريعة والاصطلاح عبادة تتضمن الإمساك بنية عن الاكل والشـرب في أيام معينة، ومن طلوع الفجر الصادق الى دخــول الليل لقوله تعالى وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ
والحج تشييداً للدين(103).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ..
.
والإخلاص: هو صدق التوجه في العبادة وايقاع الطاعة بنية القربة وصفاء العمل وخلوه من الرياء، وقد ورد ان المخلص من العباد لا يسأل الناس شيئاً حتى يجد، واذا وجد رضي، واذا بقي عنده شيء اعطاه في الله، وفي بيان وتفسير تسمية سورة الإخلاص، قيل انها سميت بذلك لان قارئها قد أخلص التوحيد لله تعالى.
لقد كان تشريع الصوم في السنة الثانية للهجرة النبوية المباركة، وفي تلك السنة كان ايضاً تشريع الزكاة وفي ذلك دلالات عقائدية تعكس حالة الارتقاء التي بلغها الواقع الاسلامي في الانقياد لاحكام الشريعة والتوجه العام والصادق في جهاد النفس والامتثال للأوامر الإلهية.
لقد انعم الله عز وجل على المسلمين اذا فرض عليهم الصيام وجعلهم الأمة التي تتعاهد هذه الفريضة حتى يوم القيامة، وليستحقوا ما اعد الله للصائمين من الثواب العظيم والاجر الجزيل لما في الصيام من إخلاص في العبودية، لذلك ورد في الحديث القدسي (الصوم لي وانا اجزي عليه)، أي ان الله عز وجل هو الذي يجزي ويثيب على الصوم ولا يكل ثوابه كماً وكيفاً وزماناً الى ملك مقرب او نبي مرسل تشريفاً لمنازل الصائمين، ولان الصوم عبادة بدنية وروحية خالصة لله عز وجل خالية من الرياء وما يفرزه من الأثر السلبي في العبادات ومقدار ثوابها.
(103) الحج في اللغة: القصد والسعي، وفي الاصطلاح الشرعي قصد البيت الحرام بوقت معيـــن ومحدد في كل سنة قمـــــــرية، وافعــال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومناسك مخصوصة، لقد كان الحج والطواف حول البيت العتيق سنة معروفة عند الملائكة قبل ان يخلق آدم، لما ورد في صحيحة (معاوية بن عمار عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: لما افاض آدم من منى تلقته الملائكة، فقالت (يا آدم بُرَّحجك فإنا قد حججنا هذا البيت قبل ان تحجه بألفي عام)( )، أي انهم بشروه بقبول حجه ولقد دأب الأنبياء والمرسلون على حج البيت الحرام فقد ورد عن الإمام أبي الحسن عليه السلام انه قال: (ان سفينة نوح كانت مأمورة طافت بالبيت حتى غرقت الارض ثم أتت منى في أيامها).
وبناء ابراهيم واسماعيل عليهما السلام للبيت الحرام أمر خلده القرآن بثناء، كما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام انه قال: (حج موسى بن عمران ومعه سبعون نبياً من بني اسرائيل خطم
ابلهم من ليف، يلبون وتجيبهم الجبال، وعلى موسى عبائتان قطوانيتان يقول: لبيك عبدك وابن عبدك)( ) ونحوها من الروايات والأخبار عند كل المسلمين وفي كتبهم والتي تدل على اهمية الحج في تعظيم شعائر الله وبناء صرح الدين والالتزام باحكام الشريعة.
وشاد البيت يشيده شيداً: بناه ورفع أركانه، وورد في بعض الروايات (تسلية للدين) وفسر بالتفرغ للدين ببذل المال وتحمل المشاق، وقيل باحتمال ورودها سهواً او خطأ ويعني في الاصل التسنية أي الرفع، وبه وردت بعض النسخ.
وفي فريضة الحج وادائها بناء لصرح الاسلام وتعاهد لسننه، وهي وفود الى الله وتشرف بضيافة بيته الحرام، وتأدية لمناسك معنوية وشعائر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عقائدية ونزع لرداء الدنيا، وتلبس بسفر روحي زاخر بالإيمان يؤكد صدق العبودية في ساعة انقطاع الى الله عز وجل.
انه اجتماع ديني تلتقي فيه القلوب بطاعة الله والامتثال الواعي لاوامره وعزم على إتيان الواجبات الشرعية ببذل الاموال وتحمل المشــاق البدنية، وفي مناسك الحج آداب خاصــة تساهم في تهذيب النفوس وصلاح المجتمعات وفي أيامه استحضار ليوم الحشر الأكبر، لذلك سمي الحج بالحشر الاصغر ففيه تذكرة بالوقوف بين يدي الجبار، وحتى لباس الحج والإحرام والتلبية فيها من الموعظة والدروس التي تبعث على التقوى والاستعداد للآخرة.
لقد تفضلت الزهراء عليها السلام ببيان منافع الحج تعظيماً لشعائر الله وحث للمسلمين على تعاهده والمواظبة عليه كل سنة، وأكدت في هذه الفقرة من الخطبة على اهمية الحج في بناء الاسلام باعتباره ركناً من اركان الدين وواجباً على كل مكلف استجمع شرائطه بان يحج حجة الاسلام، وبه وردت نصوص مستفيضة وعليه اجماع المسلمين، وذهب المشهور الى القول بكفر منكره باعتبار ما لانكار الضروري من موضوعية في الكفر وثبوته.
لقد كان في الفقرة والخطبة الشريفة دعوة للشكر على تفضله تعالى بتشريع فريضة الحج والتوثيق العام لهذا الاجتماع العقائدي العظيم، ويمكن اعتباره في هذا الزمان اكبر اجتماع فكري وروحي وسياسي عالمي تلتقي فيه افواج المسلمين من كل مكان لتتعانق قلوبهم في محبته تعالى، وتتوحد كلمتهم في العبودية للباري عز وجل، ويشتركون جميعاً في اعطاء وعطاء المواثيق على إخلاص التوبة وصدق النية، والرجوع الى بلدانهم بنسائم الإيمان واحكامه مقترنة بصفاء تبدو معالمه على الجوارح وفي الافعال ويساهم في تثبيت دعائم الدين.
والعدل تنسيقاً للقلوب(104).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(104) (العدل) من اسمائه تعالى، وهو الذي لا يميل ولا يجور وليس عنده هوى يتبع، والعدل: الانصاف في الحكم والاعتدال والاستقامة في امور الدين والدنيا وهو خلاف الجور.
والتنسيق: التنظيم، وورد في بعض النسخ للخطبة الشريفة (مسكاً بقلوب) أي منعها من الانحراف.
والقلوب: جمع قلب وهو اللحم الصنوبري وموضعه الجانب الايسر من الصدر، وللقلب معنى آخر وهو لطيفة روحانية بها يكون ادراك الانسان ومعرفته.
ولعل المراد في المقام العدل في الحكم وعدم الجور، انه تعالى ارسل الأنبياء والرسل بالشرائع والكتب السماوية المنزلة، وهي تؤكد وتحث على العدل وإتيان الفعل الحسن واجتناب القبيح ومنه الظلم والجور، ولقد وعد سبحانه على الفعل الحسن الثواب وحسن الجزاء، بالاضافة لما فيه من مدح عاجل، وتخويف من اتيان القبيح ووعيد بالعقاب والعذاب على ارتكاب الفواحش والذنوب الى جانب ما فيها من الذم واللوم في العاجل.
ان العدل مصدر اشعاع يبعث الود والرحمة التي تنفذ الى القلوب وتظهر على الأفعال ويساهم في تآلف النفوس وتفشي المحبة بينها، وفي العهد الذي كتبه أمير المؤمنين لمالك الأشتر النخعي لما ولاه على مصر واعمالها، والذي يعتبر وثيقة سياسية تاريخية تصلح ان تكون مدرسة جامعة في باب الحكم وكيان الدول ورد ذكر للعدل وآثاره النفسية والاجتماعية قال عليه السلام: (وانّ افضل قُرّة عين الــولاة استقامة العدل في البلاد وظهور مودّة الرعية، وانّه لا تظهر مودّتهم الا بسلامة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صدورهم)( ).
لقد أكدت الزهراء عليها السلام على ان الله عز وجل هو الذي تفضل بالعدل قانوناً عاماً للتعامل والحكومة بين أهل الارض، وفي الـتــنــزيـل إِنَّ اللَّهَ يَــأْمُــرُ بِالْــعَــدْلِ وَالإِحْــسَـــانِ وَإِيــتَـــاءِ ذِي
الْقُرْبَى
، وفي الفقرة من الخطبة الشريفة حث على التزام العدل في الحكم واجتناب الباطل والقبيح، ولعل فيها ايضاً اخباراً عن ان مودة اهل البيت التي أمر الله بها لقوله تعالى قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى بالحق والانصاف عامة، واعطاء اهل البيت حقــوقهــم وما خصــهم الله به ورسوله من الكرامة والهبات كما في موضوع الخمس الذي جعله الله عز وجل تنزيهاً لهم عن الصدقات وما فيها من اوساخ الاموال.
ولا يعني هذا المعنى الخاص انها عليها السلام لا تعني المفهوم العام للعدل بل هو المقصود في الأصل وله الأولوية لما فيه من صلاح النفوس ودفع الانهيار عن الانظمة السياسية والاجتماعية، فالزهراء عليها السلام مهتمة بمستلزمات المحافظة على الكيانات الأساسية لصرح الاسلام وبناءه، لذا تراها هنا تبين ان العدل نعمة اوجدها الله عز وجل في المجتمعات الاسلامية بما انزل في القرآن الكريم وبما بعث به رسوله الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وتحث على التعاون والتآلف على صيانة العدل والذب عنه وابراز مصاديقه
وَطاعَتنا نِظاماً لِلمِلة(105).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الواقعية ضمن التوكيد ببقائه حقيقة ثابتة كفضل منه تعالى على عموم المسلمين.
وقال احد الاعلام من شراح الصحيفة ان المراد بالعدل هنا في المعـنــى هو المــيـــل الى أئــمــة الهدى الموجب لانتـظـام القـلوب
واعتدالها في الاعتقاد، ولكنه خلاف الظاهر، والقرائن لا تساعد عليه بدليل الفقرات التالية، والتوكيد على ضرورة العدل والاشارة اليه بالشكر والامتنان للباري عز وجل أمر له اهمية خاصة في المناسبة والمقام.
(105) الطاعة: الاذعان والانقياد وملازمة الاستجابة للأمر والاجتناب للنهي، والضمير (نا) عائد لاهل البيت عليهم السلام.
والملة: الدين والشريعة (وفي الحديث: فرض الله الطاعة نظاماً للملة)( ).
والفقرة من الخطبة الشريفة ذات مدلولات خاصة لشرف القائل ولخصوصيات المقام وطبيعة الاحوال السائدة في درجات الزعامة ومستويات القيادة بعد المصيبة بوفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
انها بيان لوظائف المسلمين وفق ما حدده حديث الثقلين الذي ورد متواتراً في طرق المسلمين المختلفة.
لقد كانت هذه الكلمات وثيقة اسلامية خالدة تجسد ركيزة اساسية من ركائز الدين والشريعة، فاذا كانت طاعة اهل البيت نظاماً ودواماً للدين فان مخالفتهم والاعراض عنهم وعن سيرتهم اضعاف لأسس الشريعة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والفقرة من الخطبة الشريفة انتقال من الحمد والثناء والشكر لله المقــرون بالموعظة الى الوظائف الشرعيـة للمســلمين ازاء أوامر اهل البيت واقوالهم، والواجب الديني الذي يحتم اتباع سننهم واتخاذ طاعتهم سيرة ثابتة لعموم المسلمين.
ولعل في الكلام اشارة الى قوله تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ وفي الآية ورد في الكافي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: (نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين عليهم السلام فقال: ان الناس يقولون ما له لم يسم علياً واهل بيته في كتابه فقال: فقولوا لهم نزلت الصلاة ولم يسم الله لهم ثلاثاً ولا اربعاً حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسّر ذلك لهم، ونزلت عليه الزكاة ولم يسّم لهم من كل اربعين درهماً درهم حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي فسّر ذلك لهم، ونزل الحج فلم يقل لهم طوفوا اسبوعاً حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي فسّر ذلك لهم، ونزلت [ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ] ونزلت في علي والحسن والحسين عليهم السلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في علي: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، وقال: أوصيكم بكتاب الله واهل بيتي فاني سألت الله ان لا يفرق بينهما حتى يوردهما عليّ الحوض فاعطاني ذلك، وقال: لا تعلموهم فانهم اعلم منكم، وقال: انهم لن يخرجوكم من باب هدىً ولم يدخلوكم في باب ضلالة، فلو سكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبين من اهل بيتـه لادعــاهـا آل فلان وآل فــلان، ولكن الله
واِمامَتَنا اَماناً مِنَ الفِرقَةِ(106).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انزل في كتابه تصديقاً لنبيه إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا، فكان علي والحسن والحسين وفاطمة فأدخلهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت الكساء في بيت أم سلمة، ثم قال: اللهم ان لكل نبي اهلاً وثقلاً وهؤلاء أهل بيتي وثقلي، فقالت أم سلمة: ألست من أهلك، فقال: انك على خير ولكن هؤلاء اهل بيتي وثقلي)- الحديث( ).
وهل هناك ارتباط بين العصمة وبين الطاعة بمعنى ان الذي يكون مطاعاً تجب فيه العصمة، والجواب بالايجاب ظاهر لاستحالة ان يأمر الله عز وجل بالطاعة المطلقة لمن هو معرض للخطأ والابتلاء بالزلل، كما ان الأمر الالهي بطاعتهم عليهم السلام ينفي عنهم المعصية وجوازها، اذ ان وقوعها يجعل الأهلية للإمامة والأمرة منفية واللازم باطل فكذلك الملزوم.
(106) الإمامة في المقام هي الرئاسة العامة على جميع الناس، والطاعة المفروضة عليهم في الدين والدنيا.
والفرقة – بضم الفاء -: الانشطار والانقسام وامارات الاختلاف (قال الازهري: الفُرقة اسم يوضع موضع المصدر الحقيقي من الافتراق)( ).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والإمامة لطف ففي طاعة الإمام المنصوص عليه هداية ورشاد وانتصاف للمظلوم من الظالم، بل ومنع للظلم اصلاً لشيوع الصلاح والابتعاد عن الغواية.
ولغة الاطلاق وصيغة الجمع في الإمامة جاءت لبيان فصلها عن ولاية القضاة، والنواب ونحوهم، هذا وقد اورد ابن جمهور الاحسائي في كتابه غوالي اللاليء عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام انه قال: (الناصبي شر من اليهودي، قيل وكيف ذلك يا ابن رسول الله، فقال ان اليهودي منع لطف النبوة وهو خاص، والناصبي منع لطف الإمامة وهو عام).
واختلفت فرق المسلمين في الإمامة ووجوبها، فالاشاعرة والمعتزلة وان أقروا بوجوبها على الخلق فانهم اختلفوا في متعلق مدركها، فقالت الاشاعرة انه سمعي وقالت المعتزلة انه واجب عقلي، اما الخوارج فقالوا انها ليست بواجبة مطلقاً، وقالت الإمامية بانها واجب عقلي لانها لطف وكل لطف هو فضل دائم منه تعالى فالإمامة واجب.
وقيل بوجوب الإمامة على الخلق ليدفعوا الضرر عن انفسهم، ومع الاقرار بوجوب دفع الضرر الا ان تفويض إختيار الإمامة الى الخلق باب للاختلاف والفرقة واستحداث اضرار جديدة، لذلك اكدت الزهراء عليها السلام على حسم تلك المسألة بتفضله تعالى على الأمة بإختيار اهل البيت للامامة والنص عليهم على نحو التعيين من عنده تعالى وليس التخيير، واعدادهم لهذا المنصب والمسؤولية السماوية بتنزيههم من الادناس.
وآية التطهير شاهـــدة على ذلك بالاضـــافة الى الادلة الأخـــرى، وفي حديث خزيمة بن ثابت ذي الشـــهادتين مع أبي بـــكر: (اشهد بالله انـــي سمـــعت رســـول الله صلـــى الله عليه وآلـــه وسلـــم يقـــول: اهـــل بيـــتي
والجهادَ عِزّاً للاسلام(107).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يفرقون بين الحق والباطل وهم الائمة الذين يقتدى بهم).
لقد أخذت الخطبة الشريفة تجسد ابعاداً سياسية كبيرة وذات مدلولات لها اهمية خاصة تتعلق بأمور الخلافة والزعامة واتجاهات الولاء وكيفية الإختبار في الاتباع وضرورة الرجوع الى اهل البيت عليهم السلام، ولقد أكدت الزهراء عليها السلام على حقيقة ثابتة وهي انفراد أهل البيت عليهم السلام بحق الإمامة.
(107) الجهاد: مصدر من قولك جاهد فلان يجاهد مجاهدة وجهاداً، ومعناه بذل الطاقة والجهد، وهو في الاصطلاح مقاتلة الكفار ابتغاء مرضاة الله، وإتيان اعمال الطاعة مع تحمل المشاق البدنية وغيرها ومحاربة اعداء الله ورسوله، وصلة الى ثوابه تعالى وبذل المال والنفس لاعلاء كلمة الاسلام واقامة شعائره وترسيخ الإيمان في الارض.
وفي الخبر: (افضل الجهاد جهاد النفس)، أي صيانتها من الرذائل وقهرها على إتيان الصالحات وبعثها على اداء الفرائض والواجبات والاستمرار في اصلاحها ومنعها من الانحراف، وهل ان المقصود في الكلام المعنيان خاصة مع انعدام المانع عن الشمول؟ والجواب: ان المقصود هو المعنى الاول وهو جهاد الكفار ومحاربتهم بالمعنى الأخص الذي له شروط واحكام خاصة، وايضاً بالمعنى الأعم الذي يدخل فيه الدفاع عن الاسلام والمسلمين والمال والنفس والعرض، والتصدي المسلح لمن يخشى منه على بيضة الاسلام.
والعز: المنعة والقوة خلاف الذل، يقال: عز فلان يعز عزاً وعزة وعزازة أي صار عزيزاً قوياً.
ومن اسمائه تعالى (العزيز) وهو الغالب الذي لا يغلب، ومن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اسمائه تعالى (المعز) فهو الذي يهب العزة والقوة لمن يشاء.
لقد انعم الله عز وجل على المسلمين اذ فتح لهم باب الجهاد وجعله مدخلاً للعز وسبيلاً الى المنعة، فمن خلاله تتسع رقعة الاسلام وتدخل جيوشه الامصار بألوية خفاقة تحمل معها مفاتيح الهداية ومناسك الرشاد، وبه يقذف الله الرعب في قلوب الكافرين والمشركين والمنافقين ويجعلهم يجتنبون الاساءة للاسلام او التعرض لمبادئه ولعموم المسلمين.
لقد جاءت آيات قرآنية عديدة بالجهاد ووجـوبه منها قوله تعالى قَاتِــلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُــونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَـــوْمِ الآخِــرِ وقوله تعالى فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، وقوله تعالى وَقَــاتِــلُــوا فِي سَــبِيـلِ اللَّهِ وَاعْــــلَــمُــوا أَنَّ اللَّهَ سَــمِيعٌ عَلِيمٌ ، اما من السنة فالسيرة القطعية تؤكد أولوية الجهاد في السنة النبوية، وتتضمن كتب المغازي تأريخاً مشرقاً وزاهراً للجهاد الاسلامي المتصل طيلة أيام النبي خاصة بعد الهجرة النبوية المباركة الى المدينة المنورة.
كذلك ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: (الخير كله في السيف وتحت ظل السيف، ولا يقيم الناس الا السيف، والسيوف مقاليد الجنة والنار)( ).
نعم جعل الاسلام السيف وسيلة وعلاجاً أخيراً مع الكافرين بعد التبليغ والإنذار وإقامة الحجة والبينات، كما ان المراد من الحديث أعم من الهجوم فيشمل الدفاع وإلقاء الخوف والفزع في نفس العدو.
وَالصّبُر مَعونَةً عَلى استيجابِ الأجرِ(108).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي خبر أبي حفص الكلبي عن الصادق عليه السلام: (ان الله عز وجل بعث رسوله بالاسلام الى الناس عشر سنين، فأبوا ان يقبلوا حتى أمره بالقتال، فالخير في السيف وتحت السيف، والأمر يعود كما بدأ).
وفي صحيحة ابن خالد عن الإمام الباقر عليه السلام: (الا أخبرك بالاسلام اصله وفروعه، وذروة سنامه، قلت: بلى جعلت فداك، قال عليه السلام: اما اصله فالصلاة وفرعه الزكاة وذروة سنامه الجهاد).
وفي خبر حيدرة عن الصادق عليه السلام: (الجهاد أفضل الأشياء بعد الفرائض)، والجهاد واجب كفائي بمعنى انه يجب على الجميع الى ان يقوم به من تتحقق به الكفاية والفرض فيسقط عن الباقين.
والفقرة من الخطبة بيان لاهمية الجهاد في مبادئ واحكام الاسلام وطبيعة وجوده وأسرار دوامه، وهي حث على الجهاد وتوكيد لضرورته في مواجهة الكفر والضلالة وبغي الاعداء.
انها تصد حكيم وفي الوقت المناسب لكل دعوة تحمل مضامين التراخي والتكاسل في باب الجهاد، كما انها دليل على الاهمية الكبيرة التي يوليها اهل البيت عليهم السلام للجهاد وتعاهد ما للاسلام والمسلمين من منعة وقوة وهيبة.
(108) الصبر: حبس النفس عن الجزع، وفي الاصطلاح حبس النفس على المكروه امتثالاً لأمره تعالى وتحمل النتائج الجانبية والاذى في جنب الله، وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: (الإيمان شطران، شطر صبر وشطر شكر)، وفي قوله تــعالى [ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ]( ).
ورد عن الإمام محمد الباقر عليه السلام انه قال: (اصبروا على المصائب، وصابروا على عدوكم، ورابطوا عدوكم).
والصبر من افضل الاعمال وباب للثواب العظيم، وورد عن الإمام الصادق عليه السلام: (نحن صبر وشيعتنا اصبر منا، وذلك انا صبرنا على ما نعلم وصبروا على ما لا يعلمون) وافعل التفضيل هنا لا يدل على الاطلاق ولا يعني العموم، بل يختص بمتعلق هذه الحصة من موارد الصبر لان الائمة عليهم السلام يعلمون ما عليهم ويرون عواقب الافعال وهم مسددون من حيث الفعل وما يؤمرون به، ان سلاح العصمة والتحديث يرقى بهم الى منازل اليقين والتسليم وما يتعدى درجات الصبر بخصوص معرفة عواقب الامور.
والمعونة: الاعانة والمساعدة.
وقد يرد الصبر بمعنى الصوم كما ورد بالاسناد عن ابن أبي عمير عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (الصبر: الصيام، وقال: اذا نزلت بالرجل النازلة الشديدة فليصم فان الله عز وجل يقول وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ يعني الصيام).
والاستجابة: الاستحقاق واللزوم والثبوت، وفرق بين الايجاب والوجوب، فالاول معناه التاثير، والثاني معناه حصول الاثر يقال: اوجب الله علينا شيئاً فوجب، وفي الــــدعاء: (اللهـــــم اني اسألك موجبات رحمتك).
والأمر بالمعروف مصلحةً للعامة(109).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والاجر: جزاء العمل والثواب.والفقرة من الخطبة من جوامع الكلم وذات دلالات ظاهرة في المقام، وفيها اشارة لأيام الصبر وتحمل انتزاع حقها من يدها، وبيان منافع تحمله وحبس النفس عن الجزع، انها توكيد على روح الإيمان وان في الصبر على فقد فدك اجراً وثواباً عظيماً، وان المؤمن الصالح لا يخسر في الدارين ابداً، فلا يفقد شيئاً في الدنيــا الا وأخلف له عنه بالصبر مواسياً ومخـفــفاً ومبشــراً بالثواب الدائم، فمتى ما ادرك العبد ان عوض المتاع الزائل نعيم خالد غمرته سعادة تستمر في السريان في اركانه وجوانحه لتزاحم حســرة الخسران ومرارة ضياع المِتاع وتطردهما.
(109)قال تعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورد في الآية عن الإمام الصادق عليه السلام: (يعني الأمة التي اوجبت لها دعوة ابراهيم عليه السلام، فهم الأمة التي بعث الله فيها ومنها واليها، وهم الأمة الوسطى وهم خير امة أخرجت للناس).
والمعروف اسم جامع لكل مضامين الخير والاحسان وابواب طاعة الله وسبل مرضاته في ميدان المجتمع وما ندب اليه الشرع، وهو ضد المنكر.
والعامة: كافة الناس وعمومتهم ويعني مختلف الناس على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم.
لقد انعم الله عز وجل على الناس جميعاً اذ أمر المسلمين بالفرائض
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وحثهم على الأمر بالمعروف وقيامهم بالدعوة الى الصلاح والرشاد والهداية، والانسان بفطرته كائن اجتماعي يقوم بالتاثير ويتاثر بالاسباب الخارجية، فجعل الله تلك الخصلة العامة عند الناس والمتعلقة بعالم التكوين باباً للرحمة وسبيلاً الى مسالك الإيمان ومدخلاً الى الجنة سواء للداعي والأمر بالمعروف او المستجيب.
والفقرة من الخطبة دعوة للمسلمين جميعاً وللصحابة واهل التقوى خاصة بضرورة الالتزام الجدي بوظيفة الأمر بالمعروف لما فيها من منافع عظيمة على عموم المسلمين والناس كلهم، وفيها ايضاً تفسير لجانب من اسباب حضور الزهراء عليها السلام الى المسجد النبوي وتفضلها بهذه الخطبة لانها وثيقة خالدة من ابرز وثائق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
لقد وردت أخبار عديدة عن ائمة اهل البيت تؤكد ما في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من تعظيم لشعائر الله واقامة للفرائض ومحافظة على السنن الاسلامية وحلية المكاسب، ودوام البركات، ونبذ للظلم، وتقييد وتضييق لابعاده.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في باب الواجبات واجب، ولكنه كفائي أي ان قيام البعض به يسقط وجوبه عن الآخرين، اما اذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستحباً فان الأمر به يكون مستحباً، ويبتني الأمر بالمعروف على وظيفتين احداهما الانتهاء، والأخرى النهي، لذا ذهب بعضهم الى اشتراط العدالة فيه لقوله تعالى لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ ولقوله تعالى أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ .
وَبر الوالدين وِقايَةً مِنَ السّخَطِ(110).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولقد كانت الزهراء عليها السلام المؤهلة باجماع الأمة لمثل هذه الوظيفة لرداء العصمة الذي ألبسها الله عز وجل إياه، ولانها فرع النبوة بالاضافة لما اشتهرت به من العبادة والصلاح والتقوى، لقد كان فعلها وسيرتها أمراً بالمعروف ودعوة للأمة تحمل مضامين الصدق والشفقة والتلطف والتفقه والعلم.
(110) البر – بالكسر- الاحسان والصدق، والاتساع في المعروف، والزيادة في فعل الخير وابواب العناية بالآخرين.
والوقاية: الحفظ واسباب الاجتناب يقال: وقاه الله وقاية – بكسر الواو -: حفظه.
والسخط: الغضب وعدم الرضا واذا اسند الى الله عز وجل فالمراد به عقابه بعد فعل العبد للمعصية.
لقد ورد عن الإمام الرضا عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: (ان الله بعثني بالرحمة لا بالعقوق).
لذلك فان موضع بر الوالدين وطاعتهما في الشريعة الاسلامية ذو اهمية خاصة وتبتنى عليه مسائل عديدة وله احكام دقيقة كما ورد في قوله تعالى إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا .
وورد في الآية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام انه قال: (لو علم الله شيئاً أدنى من أف لنهى عنه وهو أدنى العقوق)، وذيل الحديث يفيد ان للعقوق مراتب يتعلق بها العقاب ونوعه، ولابد في المفهوم ان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للبر مراتب يتعلق بها الثواب وتكون واقية وحرزاً من السخط الإلهي.
ومن المناسب ان يتصدى بعض العلماء الى موضوع (بر الوالدين في القرآن والسنة) فانه مدرسة في الأخلاق الحميدة ومدخل لصلاح الامة والمجتمعات، (سئل الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن الاحسان في قوله تعالى وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا فقال: ان تحسن صحبتهما وان لا تكلفهما ان يسألاك شيئاً وان كانا مستغنين، أليس الله يقول [ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ])( – ).
وهل يختص البر بالوالدين بصحبة الابن لهما في الحياة او انه يشمل ما بعد موتهمــا، الجواب: هو تعدي وظائـــف برهـمـا الى زمان ما بعد موتهما فضلاً منه تعالى على المسلمين لزيادة الاجر والثواب ونيل الحسنات، وفرصة لتدارك التقصير في هذا الباب، ورحمة للوالدين لما ينالهما من عمل الابن وصلاحه ودعائه لهما بالمغفرة وسؤال محو الذنوب.
وورد عن الإمام محمد الباقر عليه السلام انه قال: (ان العبد ليكون باراً بوالديه في حياتهما ثم يموتان، فلا يقضي عنهما ديونهما، ولا يستغفر لهما، فيكتبه الله عاقاً، وانه ليكون عاقاً لهما في حياتهما غير بار لهما، فاذا ماتا قضى دينهما واستغفر لهما فيكتبه الله باراً)( ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا بالنسبة للابن وما يأتيه من النفع نتيجة تدارك تقصيره الفعلي مع والديه، ترى هل يلحق الوالدين نفع ومغفرة من عمله واستغفاره لهما بعد وفاتهما؟ نعم للنصوص الكثيرة الواردة في المقام ومنها حديث الانقطاع – والتسمية من عندنا – الوارد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: (اذا مات المؤمن انقطع عمله الا من ثلاث: صدقة جارية او علم ينتفع به او ولد صالح يدعو له).
هذا بالاضافة الى ما لموضوع القضاء عن الميت من العبادات في حياته من خصوصية واهمية في حياة المسلمين، بالاضافة الى منافعها الأخروية التي تتجسد في التخفيف عن كواهل اولئك الذين قضي عنهم، والمساهمة في تخليصهم من اوزار التقصير، وهو عمل مبارك ولبنة في بناء مجتمع بار محافظ على الأخلاق ومؤمن بيوم الحساب ومبتعد عن الجفاء.
وقال الشافعي بان ثواب القراءة لا يلحق الاموات، واستدل بقوله تعالى وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى ، وورد عن ابن عباس: (ان الآية منسوخة بقوله تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ )( )).
وقال عكرمة: (كان هذا الحكم في قوم ابراهيم وموسى عليهما السلام واما هذه الأمة للانسان منها سعي غيره)، ويدل عليه حديث سعد بن عبادة: (هل لامي اذا تطوعت عنها؟ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: نعم).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ان الولد الصالح هو في الواقع من سعي الانسان في الدنيا وفرع منه وقد ورد (عن الفضل بن أبي قرة عن الإمام الصادق عليه السلام انه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مرّ عيسى بن مريم بقبر يعذب صاحبه، ثم مرّ به من قابل فاذا هو لا يعذب، فقال: يا ربّ مررت بهذا القبر عام أول وهو يعذب، ومررت به العام فاذا هو ليس يعذب، فاوحى الله اليه انه ادرك له ولد صالح فاصلح طريقاً وآوى يتيماً، فلهذا غفرت له بما عمل ابن ه، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ميراث الله عز وجل من عبده المؤمن ولد يعبده من بعده)( ).
وهل ينحصر بر الوالدين بالمسلمين من الآباء؟ أم يتعدى الى غيرهم ويتعلق بصفة الابوة مطلقاً، الارجح هو الأخير للغايات الحميدة لوجوه الاحسان والبر مع الالتزام بعدم معصية الخالق، (عن زكريا بن ابراهيم في حديث انه قال لأبي عبد الله الصادق عليه السلام: اني كنت نصرانياً فأسلمت وان أبي وأمي على النصرانية وأهل بيتي، وأمي مكفوفة البصر فأكون معهم وآكل من آنيتهم، قال: يأكلون لحم الخنزير ؟ فقلت: لا ولا يمسونه، فقال: لا بأس فانظر أمك فبرها، فاذا ماتت فلا تكلها الى غيرك، ثم ذكر انه زاد في برها على ما كان يفعل وهو نصراني فسألته فأخبرها ان الإمام الصادق أمره فأسلمت)( ).
ان مسألة البر بالوالدين ومنافعها مدرسة اسلامية تجسد مكارم الأخلاق وحسن الأدب، (وفي الصحيفة السجادية دعاء الإمام زين العابدين لأبويه يتضمن ما يجب عليه ازاءهما بصيغة الدعاء ورجاء التوفيق لادائه)( ).
وَصِلَةَ الأرحامِ مِنماةً لِلعَدَدِ(111).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والفقرة من الخطبة الشريفة أمر بالمعروف وحث على الصلاح والرشاد وبر الوالدين طاعة لله عز وجل، وفيها دليل على إخلاص ووفاء الزهراء عليها السلام للنبوة، وان خروجها هذا انما هو بر بالوالدين واتصال لأنوار الرسالة وتثبيت لما جاء به النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
(111) الصلة في المقام: الإحسان ووجوه البر.
والأرحام: جمع رحم وهو القرابة وعنوان الالتقاء في النسب.
والمنماة: سبب النمو وآلة الزيادة واداة البركة، والعدد هنا يعطي مفهوم الكثرة والتعدد وهو من جوامع الكلم أي ان صلة الرحم تزيد في الاعمار وعدد سنيها باعتبار انها منسأة في الاجل، وتزيد في القوة لروح الإلفة والجماعة بين الاقارب، وتكون سبباً في النماء والبركة في المال، وهي باب قريب المنال لزيادة الحسنات وإتيان الصالحات وطرد البلاء.
وفي نهج البلاغة عن الإمام علي عليه السلام قال: (ألا لا يعدلن أحدكم عن القرابة يرى بها الخصاصة ان يسدّها بالذي لا يزيده ان امسكه ولا ينقصه ان اهلكه، ومن يقبض عن عشيرته فانما يقبض منه عنهم يد واحدة ويقبض منهم عنه أيد كثيرة).
والفقرة من الخطبة بيان لفضله تعالى في الثواب العظيم الذي جعله للصلة والاحسان لذي القربى بالافاضة العاجلة في الدنيا ايضاً، انها مدرسة اسلامية ساعدت على بناء المجتمع وفق أسس عقائدية ترسخ الصلاح وتهدي الى الرشاد والتراحم ونشر المودة.
وهي موعظة من الزهراء عليها السلام ونصح للمسلمين، ولعل فيها اشارة الى ضرورة صلة رحمها واعطائها حقها لانها بضعة النبي صلى
وَالقِصاصَ حَقناً لِلدِماءِ(112).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الله عليه وآله وسلم، ولأن قريش ورجالها الذين جلسوا في الخلافة من اقاربها، فابو بكر وعمر بن الخطاب يلتقيان مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجد السادس وهو مرة بن كعب وهذا عنوان استحقاق اضافي.
أي ان احكام صلة الرحم تملي إكرام الزهراء عليها السلام واعطاءها نحلتها لان موضوعها في الاصل صلة الرحم كما تقدم في تفسير آية القربى( )، وكذا الفرع أي ابقاء فدك بيدها او اعادتها اليها خاصة مع كثرة العطايا.
وهل يمكن حمل الكلام على صلة أرحام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقراباته، الظاهر بخلافه وان كانت فقرات أخرى تدل عليه.
(112) القصاص – بكسر القاف -: القود والاستيفاء والمجازاة في باب الجناية من قتل او جرح او قطع او ضرب ونحوه.
والحقن: الحفظ وحقنت دمه خلاف هدرته.
يعتبر القصاص نظاماً اسلامياً في ميدان الحكم والقضاء وحل المنازعات وله احكام خاصة في الفقه، فيقتص من القاتل بقتله فكيف يكون حفظاً للدماء؟ يكون كذلك لما فيه من الردع عن الإقدام على قتل النفس التي حرم الله ومنع الاعتداء مطلقاً، ومنه قيام ولي المقتول بالإسراف في القتل او قتل غير القاتل، كما يجري هذا واقعاً وفق الاعراف العشائرية وخلافاً للاحكام الاسلامية العادلة.

وَالوَفاءَ بِالنَذرِ تَعريضاً لِلمَغفِرَةِ(113).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجاءت الألف واللام في القصاص للجنس بشطريه أي الاستغراق والكمال، أي تلك التي تســتغرق جمــيع افراد الجنس وتخلفها (كل) حقيقة، والتي تستوعب جميع خصائص الافراد.
أي ان الفقرة من الخطبة تتعلق بكل وجوه القصاص ولم تنحصر في القتل وقصاصه، قال تعالى وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ
انها توكيد لاهتمام أهل البيت عليهم السـلام بالحياة النوعية وحفظ افراد المجتمع ودرء الآفات المهلكة عنهم وتوفير الأمن لهم بأحكام الشريعة الاسلامية، لذا (ورد في الاحتجاج عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام في قوله تعالى وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لكم يا أمة محمد في القصاص حياة، لأن من هَمّ بالقتل فعرف انه يقتص منه فكفّ لذلك عن القتل كان حياة للذي همّ بقتله، وحياة للجاني الذي أراد ان يقتل، وحياة لغيرهما من الناس اذا علموا ان القصاص واجب لا يجترءون على القتل مخافة القصاص..) الحديث( ).
(113) الوفاء: الاداء التزاماً وهو ضد الغدر.
والنذر لغة الوعد، وفي الاصطلاح الشرعي التزام المكلف بفعل او ترك، تقرباً الى الله تعالى ولا ينعقد بالنية بل لابد من صيغة كمبرز خارجي كما ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: (اذا لم يقل لَّله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عليّ فليس بشيء)( ).
والتعريض: الاظهار والابراز يقال: (عرضت له الشيء تعريضاً) أي اظهرته له وجعلته في متناوله، وقد يعلق النذر على أمره فيسمى نذر بر او نذر المجازات، وجاءت لغة الجمع هنا لما فيه من وجوه الشكر للنعم الدنيوية والأخروية، كأن يقول ان رُزقت داراً، او وُفقت لحج بيت الله الحرام فلله عليّ كذا، وقد يكون رجاءً لدفع بلاء او صرف أذى، كأن يقول ان شفى الله والدي من هذا المرض فلله عليّ كذا.
وقد يكون النذر نذر زجر لمنع النفس من ارتكاب الحرام او المكروه، ومن النذر ما يكون تبرعاً ويأتي مطلقاً من غير تعليق على شيء وفيه قولان والمشهور انعقاده، واستدل عليه بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (من نذر ان يطع الله فليطعه).
والفقرة من الخطبة الشريفة تبين بجلاء المنافع الأخروية للنذر والوفاء به، فبالاضافة الى منافعه في تيسير الحاجات وتحقيق الرغائب فان الالتزام بأداء ما تضمنه من العهد والوعد الإختياري اقرار بالعبودية وصدق وإخلاص في الطاعة لمقام الربوبية واعتراف بأن الاشياء جميعاً مستجيبة لله تعالى، ومقاليد الأمور بيده سبحانه، وانه تعالى شاكر عليم يعطي الكثير على فعل القليل، فيشكر للعبد وفاءه بالنذر بغفران ذنوبه ومحو سيئاته.
انها حث على الالتزام بالنذر والوفاء بمضمونه وما فيه من العهد الطوعي، وأهل البيت عليهم السلام رواد هذا الباب وسادته، ومضامين واسباب نزول سورة الدهر تخلد فعلهم الجهادي في الوفاء بالنذر، وفيها حث للمسلمين عامة على الاقتداء بهم وبيان لعظيم منزلتهم عند الله عز وجل.
وتوفية المكائيل والموازين تغييراً للبخس(114).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انها شهادة قرآنية عملية حاضرة تفيد ان الزهراء عليها السلام تقول ما تفعل ولا ترشد الأمة الى صلاح الا وقد بادرت وأهل البيت اليه وأتوه من احسن ابوابه.
وفي الوقت الذي تعتبر فيه هذه الفقرة من الخطبة دعوة الى الأمة للمبادرة الى مسالك المغفرة والسعي الجاد لها بوجوه العبادة وسبل القربة والهداية، فانها ايضاً هداية الى باب مبارك من ابواب قضاء الحاجات ودعوة الى استثماره بحكمة وتعاهده بالوفاء لدوام حضوره نعمة ورحمة قريبة من المؤمنين.
كما انها ضوء رسالي يظهر مدى شفقة الزهراء عليها السلام على المسلمين عامة وحرصها على النصح لهم، فمع عظيم مصيبتها بفقد أبيها النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم تخرج لتحثهم على التقوى وتدعوهم الى سبل المغفرة ومرضاة الله عز وجل.
(114) استوفيت الكيل: أخذته تماماً وافياً قال تعالى وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ، والمكائيل: جمع المكيال وهو الآلة التي يُكال فيها ويحقق بواسطتها مقدار المكيل من طعام ونحوه.
والموازين: جمع الميزان، وهو آلة الوزن والمقدار، (وروي ان جبرئيل هو الذي نزل بالميزان في عهد نوح عليه السلام فدفعه اليه وقال: مر قومك يزنوا به)، وقيل ان الكيل أقدم وانه موجود من عهد آدم.

والنهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرجس(115).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والبخس: النقص وفي التنزيل وَلاَ تبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ .
لقد أنعم الله عز وجل على الناس بالاسلام ديناً متكاملاً ونظاماً مثالياً يجسد معالم الهداية والصلاح بالقضاء على انماط السلوك الخاطئة والضارة بما في ذلك التطفيف والتنقيص في الكيل والوزن وباساليب الخيانة والظلم، وعن ابن عباس: (كان اهل المدينة، من أخبث الناس كيلاً الى ان انزل الله تعالى وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ فاحسنوا الكيل).
وفي باب ما يكره في التجارة: التعرض للكيل والوزن من غير معرفة بهما، فتشرع الكراهة تحفظاً عن النقص والبخس ومنعاً للوقوع في الحرام وجلب النقمة، (ولما روي عن الحناط عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: قلت له: رجل من نيته الوفاء وهو اذا كال لم يحسن ان يكيل، قال عليه السلام: ما يقول الذين حوله؟ قلت: يقولون لا يوفي، قال عليه السلام: هذا لا ينبغي له ان يكيل).
والفقرة من الخطبة الشريفة استحضار لفضله تعالى بسيادة الانصاف ونواميس العدل في الحياة اليومية لاهل الاسلام، وبيان للمنافع الاجتماعية لرسالة النبي الاكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وحث على ضرورة الالتزام بتلك الاحكام والضوابط، وفيها اشارة الى ما في بخس الناس حقوقهم من التعدي والبغض والكراهة والمخالفة لشريعة الاسلام، وفيها تحذير وانذار من عدم بخسها عليها السلام حقها.
(115) النهي لغة: المنع والزجر وهو خلاف الأمر، أي انه عبارة عن طلب العالي من الأدنى منه ترك فعل او ردعه عنه، لذا ذكر في علم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الاصول ان مادة النهي ظاهرة في التحريم، ولكنه لا على سبيل القاعدة الكلية خاصة مع أخذ القرائن بنظر الاعتبار.
وبخلاف القول (لا تشرب الخمر) التي هي من صيغ النهي والزجر، اعتبر نفر من الاصوليين صيغة (اترك شرب الخمر) من صيغ الأمر كما فيه الدلالة المطابقية للأمر وانه انما يدل على النهي بالدلالة الالتزامية، وربما كان النزاع لفظياً.
كما ان هناك اختلافاً يبرز احياناً بين الصيغتين، فجملة (اترك) ربما تعني عدم الاستمرار بشرب الخمر والكف عنه، بخلاف (لا تشرب الخمر) التي قد تأتي نهياً ابتدائياً وهي الانسب فيه غالباً، وقد تتعلق المسألة بماهية الموضوع، فربما كانت صيغة (اترك) أمراً وجودياً لما فيها من فعل الترك والكف عن الفعل، بخلاف الصيغة الأخرى التي قد تكون أمراً عدمياً محضاً.
والخمر معروف وهو الشراب المسكر الذي يفقد شاربه السيطرة على عقله وجوارحه، واصل التخمير التغطية، وبسند صحيح عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام قال: (ان الله لم يحرم الخمر لإسمها ولكن حرمها لعاقبتها)، فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر، ويجب الحدّ على من تناول المسكر وعليه الاجماع والنص وحدّه ثمانون جلدة.
والتنزيه: الابتعاد عن النواقص، وفي الحديث: (الإيمان نزهة) أي ابتعاد عن المعاصي وفيه راحة واطمئنان.
والرجس لغة القذر، ويأتي بمعنى العمل القبيح والإثم والعذاب والعقاب واللعنة.
ان معاناة المجتمعات المتحضرة ذات الانظمة الاجتماعية المتسامحة، تزداد باتصال، وأخذت المؤسسات العالمية والوطنية في باب الاجتماع والاقتصاد والأخلاق وغيرها تدرك الاضرار الفادحة من تعاطي الخمور
واجتناب القذف حجاباً عن اللعنة(116).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واطراد معدلاته طولاً وعرضاً، وتحاول دون جدوى معالجة المشاكل الخطيرة المستحدثة الناجمة عن تعاطي الخمر وما شابهه.
وهذه مناسبة لاستحضار الآية والفضل الإلهي على المسلمين بتحريم الخمر، ومدى قوة الرسالة اذ واجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المعتقدات الفاسدة والاهواء والرغبات المحرمة، ليأخذ بأيدي الناس نحو الصلاح وبناء المجتمع السليم من الأمراض الفكرية والنفسية والبدنية وليكون ذلك مقدمة عقلية للهداية والتوفيق وسبيلاً الى الجنة والسعادة الأبدية.
لقد أرادت الزهراء عليها السلام ان تؤكد هذه الحقيقة التأريخية وتدعو المسلمين الى البقاء بعيداً عن الموبقات والاعمال القبيحة، كما ان الفقرة من الخطبة اعلان وتوكيد لبقاء نواميس الشريعة متجددة من غير تحريف او تغيير، وهي صرخة ضد الردة في باب الأخلاق.
(116) الاجتناب: الابتعاد والتنحي والاحتراز.
والقذف لغة الرمي، وفي الاصطلاح الرمي والإتهام بالفاحشة، ويعتبر القذف من الكبائر، وهي سبعة: الشرك بالله عز وجل، والسحر، وقتل النفس المحــرمــة، واكل الربا، واكل مال اليتيم،
والتولي عن الزحف، وقذف المحصنات.
ويعتبر في القاذف البلوغ والعقل والإختيار والقصد باعتبار انها من الشرائط العامة للتكليف، بالاضافة للادلة الخاصة في المقام، والحجاب: الحاجز وفي الحديث: (حجبت الجنة بالمكاره، والنار بالشهوات)، واللعن: الطرد والابعاد، وفي الاصطلاح الطرد عن الرحمة.

وترك السرقة إيجاباً للعفة(117).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والفقرة من الخطبة( ) دلالة على الرقي الاجتماعي والأخلاقي الذي يتجلى في مبادئ الاسلام، وبيان لما فيها من إكرام للافراد والحقوق الشــخصـية وصــيانــة الاعراض والكــرامــة بما جعل على القاذف من الحدّ وهو ثمانون جلدة والتشهير بالقاذف ورد شهادته.
ومنها ايضاً نوع تنافر بين القذف ورجاء الرحمة، فمن اراد القرب من الرحمة عليه الابتعاد عن رمي الآخرين بالفاحشة، لذا فان الزهراء عليها السلام أرادت حث المسلمين على الابتعاد عن القذف وتنزيه ألسنتهم واسماعهم عن اتهام الأبرياء وصولاً الى صلاح المجتمعات واعزاز المسلمين.
(117) المجانبة ضد المخالطة، يقال اجتنبت الشئ وتجنبته واجتنبته أي اعتزلته واعرضت عنه.
والسرقة: الأخذ خلسة من شئ مستتر وبغير حق، ولو أخذ من غير حرز فهو اختلاس، ولو أخذه جهرة فهو استلاب ولو أخذه قهراً وعنوة فهو غصب، والحرز هو المحل الذي لا يحق لغير صاحبه الدخول او التصرف فيه إلا بإذنه.
لذا ورد في موثقة السكوني عن أمير المؤمنين عليه السلام (لا يقطع إلا من نقب بيتاً او كسر قفلاً).
والعفاف – بفتح العين – كف النفس عن المحرمات والتنزه عن القبائح، وفي الحديث: (افضل العبادة العفاف).
والسرقة صفة مذمومة ومعروفة عند الأمم وفي الملل ويؤثر ازديادها سلباً على استقرار المجتمع وسعادة الأفراد لما يسببه من خلل وغياب
وحرم الله الشرك اخلاصاً له بالربوبية(118).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للأمان ونقص في الاموال والممتلكات، بالإضافة الى تفشي موارد الحرام، وقد كان اجتناب السرقة شرطاً في بيعة النساء بقوله تعالى يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ .
وفي ســــورة المائــدة وهي آخــر ســور القـرآن نــزولاً، قال تعالى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاًمِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .
وتثبت السرقة بالبينة الشرعية أي بشهادة عدلين او بإقرار السارق مرتين، فان أقر مرة واحدة فلا قطع وان ضمن المال، ويثبت حدّ القطع بسرقة ما قيمته ربع دينار او أكثر، والدينار مثقال ذهب عيار ثمان عشرة حبة، وبه قال الشافعي والاوزاعي، وقال أبو حنيفة بانه يقطع بعشرة دراهم فصاعداً، وانما تذكر الحد كعقوبة رادعة وسبيل لصلاح المجتمع وتنزه الافراد عامة عن ارتكاب المحرمات والاعتداء على حقوق واموال المسلمين، وكيف ان الاسلام جعل العقوبة الدنيوية باباً للهداية والرشاد.
ولقد كان بيت النبوة النموذج الأمثل في موضوع الأمانة، والمطالبة بفدك جزء من هذه الأمانة لعدم جواز التفريط بالمال وهدية رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم والمقاصد النبوية منها.
(118) اصل التحريم: المنع والزجر، والتحريم في الاصطلاح مفهوم اسمي تدل عليه صيغة النهي وهي ظاهرة فيه كما تدل صيغة افعل على الأمر، وتحتم احكام العبودية ووجوب طاعة الله عز وجل الى اجتناب
والتنزه عن أكل أموال الأيتام والاستيثار بفيئهم اجارة من الظلم(119).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما نهى عنه عز وجل حسب احكام القرآن وما جاءت به السنة النبوية، ومن اهم مصاديق التحريم هو الشرك بالله عز وجل، قال تعالى إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا .
والفقرة من الخطبة الشربفة تبين ما في تحريم اتخاذ الشريك من المنافع العظيمة للعباد، فباخلاصهم في العبودية وانقطاعهم الى مقام الربوبية بالخشوع والخضوع والطاعة ينالون السعادة في الدارين، وبعكس ذلك أي بالشرك والرياء ونحوه كالضمائم الدنيوية في باب العبادات يأتي الندم والخيبة والخسران إذ لا واسطة بين التوحيد والشرك.
كما تؤكد الخطبة إخلاص الزهراء عليها السلام في عبوديتها وصدق إيمانها وهي تدعو المسلمين بلسان الإسوة والريادة، وفيه غاية التاثير وتمام النفع ودليل على ما في حضور الزهراء من البركة والاهمية.
(119) الأيتام: جمع يتيم، وهو الذي فقد أباه، وتنحصر صفة اليتم فيما دون البلوغ، فاذا بلغ زال عنه اليتم، ويتحقق البلوغ بخروج المني او انبات الشعر الخشن على العانة او بلوغ الصبي خمس عشرة سنة، والانثى تسع سنوات.
قال تعالى وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ، وفي الآية أمر ونهيان ووعيد تعتبر وجوها من وجوه الصلاح والرشاد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والاستئثار: الانفراد بالشئ.
والفيئ: اصله الرجوع، وفي الاصطلاح ما اقتناه المسلمون من اموال الكفار من غير قتال، وفي المقام يشمل ميراث الأيتام ايضاً بما في ذلك الفيئ الوارد اليهم من سهام آبائهم.
وجملة الاستئثار بفيئهم معطوفة على جملة أكل اموال اليتامى، ومن اسمائه تعالى (المجير ) وفي التنزيل قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ .
الاجارة : اللجوء، وطلب الحماية والأمان.
والظلم: التعدي، وفي الحديث: (ان الظلم ثلاثة: ظلم لا يُغفر، وظلم لا يُترك، وظلم مغفور لا يطلب، فاما الظلم الذي لا يُغفر فالشرك بالله تعالى، واما الظلم الذي يُغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات، واما الظلم الذي لا يُترك فظلم العباد بعضهم لبعض).
والفقرة من الخطبة ( ) تؤكد وتلفت الانظار الى التشريعات الاسلامية ذات الاصول السماوية فيما يتعلق بحماية حقوق الأيتام باعتبارهم فئة ضعيفة عاجزة عن الدفاع الذاتي لحفظ اموالها ومطلق مصالحها.
كما تظهر الارتقاء الأخلاقي والاجتماعي في النواميس الاسلامية وصيغ الردع العقائدي، وفيها تحذير وانذار من غصب حق الزهراء عليها السلام.
ورد في الفقيه باسناده عن أبي بصير قال: (قلت لأبي جعفر عليه السلام: ما أيسر ما يدخل العبد النار؟ قال: من أكل من مال اليتيم درهماً، ونحن اليتيم).
والعدل في الأحكام ايناساً للرعية (120).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(120) من اسمائه تعالى (العدل) أي ذو العدل، باعتبار ان العدل مصدر اقيم مقام الاسم، وهو الذي لا يجور ولا يظلم مثقال ذرة ولا يجور في حكم وليس عنده هوى يميل به، والعدل لغة التسوية بين الشيئين وهو خلاف الجور، وعند المتكلمين العلوم التي تبحث في تنزيه واجب الوجود.
والاحكام: جمع حكم وهو مصداق القضاء وصيغ فصل الخصومة وحل المنازعات وهو من اشرف الاعمال وافضلها، وفي التنزيل رب هب لي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ، قيل ان المراد به الحكم بين الناس بالحق، وفي قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اقضاكم علي)، دلالة على اهمية القضاء.
والايناس: الاحساس بالشئ مع الاطمئنان اليه خلاف الاستيحاش.
والرعية: عامة الناس، ومتعلق هذه الصفة انهم موضوع انفاذ الاحكام الشرعية في مقابل الوالي او الحاكم، وفي حديث الائمة عليهم السلام: (واسترعاكم أمر خلقه) أي جعلكم ولاة وحكاماً على الناس وهم الرعية.
وفي الحديث: (الانصاف نصف الدين)، لقد جعل الله عز وجل العقل عند الإنسان رسولاً دائماً وملكة التغيير وآلة للانصاف، واليه يتوجه الخطاب بالشريعة واحكامها ومنها العدل، وعدم بخس الناس اشياءهم ونحوه من الصالحات مما فيه رحمة وسكينة واطمئنان.
ولعل في هذه الفقرة من الخطبة الشريفة ( ) تنبيهاً الى ضرورة انصاف
فاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ (121).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الزهراء عليها السلام واعطاءها حقها واجتناب ظلمها وايذاءها، ويمكن تأسيس قاعدة كلية في خطبة الزهراء عليها السلام وهي (ان الكلام له معـنيـان، عام يدل عليه ظاهر الكلام، وخاص يدل عليه بالدلالة التضمنية ويتعلق بما لها من حق).
(121) التقوى احدى ركائز البناء العقائدي و الأخلاقي للاسلام ملة ونظاماً ومجتمعاً، وهي آلة الفوز وسبيل السعادة الأخروية لما تعنيه من الاحتراز عن الوقوع في معصية الله وما يوجب غضبه واليم عقابه.
لذا ورد في المحاسن وتفسير العياشي عن أبي بصير انه قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُو ا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، قال: يُطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر)، وعنه عليه الســلام: ان الآية منســوخــة بقوله تعالى فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ .
انه بيان لمراتب التقوى ومنازل المتقين حسب درجة الإيمان والورع من غير تعارض بين الآيتين، فقد تكون استطاعة أخص الخواص اتقاء الله حق تقاته، لذا ورد في تفسير البرهان عن ابن شهر آشوب عن تفسير وكيع عن عبد خير قال: (سألت علي بن أبي طالب عليه السلام عن قوله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ]،
وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (122).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال: والله ما عمل بها غير بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، نحن ذكرناه فلا ننساه، ونحن شكرناه فلن نكفره، ونحن اطعناه فلم نعصه، فلما نزلت هذه الآية قال الصحابة لا نطيق ذلك فانزل الله [ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ]، قال وكيع: ما اطقتم…) الحديث .
ان لصدور الموعظة من الزهراء عليها السلام اهمية خاصة وتاثيراً على النفوس، فهي رمز التقوى ورائدة الصلاح والإخلاص في العبودية، لم تعص الله عز وجل طرفة عين، ولقد تفضل الله سبحانه باكرامها بالطهارة وطرد الرجس عنها.
ان صوتها هذا احياء لدعوة النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم وجهاده في صلاح النفوس والارتقاء بالمجتمعات الاسلامية الى منازل الكمالات الانسانية، لذا يمكن القول بان وقوف الزهراء عليها السلام في المسجد النبوي الشريف ونصحها للصحابة ووعظهم ودعوتهم الى تقوى الله له مدلولات عقائدية متعددة ومتشعبة وتتعلق في جانب منها بحمل راية الاسلام ونشر مبادئه في عموم الارض.
(122) جاء إختيار الآية الثانية بعد المائة من سورة آل عمران في المقام مناسباً، ويتضمن مقاصد عقائدية تتعلق بحالة الناس بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآثار ردة بعض القبائل، فمن اهم اسباب القضاء على الردة ثبات المهاجرين والأنصار على الاسلام باعتبارهم قادة المسلمين ومحور انطلاق الفكر الاسلامي وآلة التصدي للانحراف والعصيان.
وتظهر هذه الفقرة من الخطبة الشريفة التفات الزهراء عليها السلام الى الاهمية الخاصة لبقاء الصحابة ملتزمين باحكام الاسلام وفي هذه
وأطيعوا الله فيما أمركم ونهاكم عنه(123)، فانه إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفترة بالذات، الفترة التي اعقبت وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ … .
انها تصد ومنع للارتداد وحاجز عن تسرب الشك الى النفوس، وعون على الأخذ بأيديهم الى ميادين الجهاد.
(123) الفقرة من الدعاء موعظة وتذكرة وحث للمسلمين على التزام طاعة الله وإتيان الفرائض والمسارعة في الخيرات، وتنبيه لهم بوجوب اجتناب ما نهى الله عز وجل عنه من الفواحش والمعاصي.
لقد اتخذ اهل البيت عليهم السلام سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة دائمة وعملاً يومياً متصلاً ليأخذوا بأيدي الناس في مسالك الصلاح والنجاة والفوز في الدارين.
(124) هذه هي الآية الثامنة والعشرون من سورة فاطر، ذكرتها الزهراء عليها السلام لتؤكد اهمية العلم وتدعو للارتقاء الى مستوى العلماء والتفقه في الدين لتتحقق معه الخشية منه تعالى بمعرفته سبحانه، والعلم بعظيم قدرته وواسع سلطانه وحتمية الرجوع اليه، وعن الإمام الصادق عليه السلام في الآية: (يعني العلماء من صدق قوله فعله، ومن لم يصدق قوله فعله فليس بعالم).
وتؤكد هذه الفقرة وما تقدمها عظيم منزلة الزهراء في البناء الاسلامي وجهادها في نصرة الدين الحنيف بعد وفاة النبي صلى الله عليه
ثم قالت أيها الناس إعلموا إني فاطمة وأبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (125).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وآله وسلم وعدم تسرب الوهن او الضعف الى اركانها فقد واصلت طريق الجهاد ومن مقام الزعامة.
وفيها دلالة على احاطة الزهراء عليها السلام بالمشكلات التي تواجه الاسلام وسبل معالجتها والتصدي لأمراض النفس الانسانية وقاية وعلاجاً، انها تثبيت للمواعظ بلسان العصمة ورداء المسؤولية العامة.
(125) يا: اداة نداء، وأيها: (اي) منادى مبني على الضم في محل نصب وهو اسم مبهم يقع على اجناس عديدة، و(ها) للتنبيه، ويقول نفر من النحويين انها زائدة.
والناس: صفة لأي مرفوع.
توجهت الزهراء عليها السلام الى المجلس مخاطبة لهم بلغة العموم والاطلاق ومن مقام العز والوقار لتؤكد هويتها الكريمة، ترى لماذا هذا التوكيد مع علم الناس بشخصها الكريم.
لقد نزّلت العالِم بحضورها منزلة الجاهل به ليشترك الجميع في سماع المسألة والموضوع والحجة، ولكي لا يحدث خلل في الغرض، ومن عادة العرب والخطباء التعريف بالنفس وهو نوع عز وفخر وثقة بالذات، وفيه تنبيه ومقدمة للبلاغ.
لقد أرادت عليها السلام الحيلولة دون الانكار والتردد، ولتبين شرف مسألتها.
وقولها عليها السلام (إني فاطمة) أي إني بضعة النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم، واني خامسة اهل الكساء الذين نزلت فيهم آية التطهير، واني سيدة النساء.
انها لغة في توكيد عظيم منزلتها ورفعة مقامها عليها السلام ومناسبة للاحتجاج، (وأبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم) بيان لشرف النسب
أقول عوداً وبدءاً (126).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وتوكيد لعظيم منزلتها وحقها على الناس وما فرض الله عز وجل لها من المودة، وما يجب على الناس ازاءها من واجبات شرعية وأخلاقية من الإكرام والتصديق واجتناب ظلمها او الاساءة اليها.
وفي الكلام اشارة ودعوة الى نصرتها واعانتها وسماع موعظتها واقتفاء اثرها وهديها، وما تمتاز به من دون النساء بانفرادها بالبنوة لخاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم.
والتعميم بالخطاب بقولها عليها السلام (ايها الناس) له مدلولات سياسية وعقائدية تتعدى الوعاء الزمانى والمكانى للخطبة الشريفة واسبابها الظاهرية المباشرة، وليس من دليل يرجح ان الألف واللام فيه للعهد، ولعل فى حرص ذرارى اهل بيت النبوة على حفظ ودراسة هذه الخطبة الشريفة وصيانتها وتركها ميراثاً للابناء دلالة التزامية على جنسية الألف واللام.
فالخطبة الشريفة رسالة للأجيال الاسلامية المتعاقبة فى محبة الزهراء وانصافها والاقتداء بسيرتها واستلهام الدروس والعبر من جهادها وصبرها فى ذات الله.
(126) العود مصدر عاد يعود عوداً، والبدء مصدر بمعنى ابتدأت، عوداً وبدءاً أي اولاً وآخراً.
وفي رواية ابن أبي الحديد وغيره (اقول عوداً على بدء).
وفي حديث الإمام الباقر عليه السلام: (فرجعت عودي على بدأي الى منزلي) أي عدت خالياً كما غدوت.
تكلمت الزهراء عليها السلام بثقة وأكدت انها على بينة من أمرها مطمئنة الى حقها وثبوته.
ولا أقول ما أقول غلطاً (127)، ولا أفعل ما أفعل شططاً (128).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انها تطرد الشك من النفوس وتعلن ان لا تردد في موقفها المبدئي وتثبت حضورها السياسي بعيداً عما ارتكز في اذهان الرجال من النظر الى المرأة باستخفاف او استضعاف.
(127) الغلط: الخطأ، وعدم ادراك وجه الصواب.
أكدت الزهراء عليها السلام في هذه الفقرة من الخطبة الشريفة سلامة منطقها ووجه الصواب في كلامها وشرف الغاية التي من اجلها جاءت لتعظ القوم وتذكرهم.
وفي الكلام دعوة الى الإصغاء لكلامها والانتفاع مما فيه من الحكمة وابواب المعرفة الإلهية، كما انها تقطع الطريق على سوء التأويل او التفريط بهذه الموعظة واهمية مناسبة حضورها للمسجد النبوي الشريف.
لقد ادرك رجال السياسة وزعماء الامم في هذه الازمان اهمية الخطب السياسية وإلقاء الكلمات في اماكن اجتماع الناس وحشرهم او بالمناسبات الخاصة والعامة.
كما انتفع قادة الاسلام مما شرّع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استثمار المنبر استثماراً مباركاً فبقيت منافعه ظاهرة للأجيال، وكانت الزهراء رائدة هذا الباب، بالاضافة الى اهمية لحاظ منزلتها السامية واحوال المرأة آنذاك.
وبخطبتها الشريفة موضوعاً ومحمولاً فتحت الزهراء عليها السلام للمؤمنات طريقاً مباركاً فى نصرة الحق والسعي في ميادين الجهاد.
(128) الشطط: الجور والانحراف عن الحق والانصاف، ومجاوزة الحد.
وفي الكشف ولا اقول ذلك سرفاً ولا شططاً.
والفقرة من الخطبة الشريفة بيان وتوكيد لرداء العصمة الذي انعم الله عز وجل به على الزهراء عليها السلام واخبار عن ظهوره في اعمال
لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (129).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الزهراء واقوالها.
انها دعوة للاقتداء بالزهراء عليها السلام ودعوة للناس كي ينهلوا من سيرتها الكريمة وافعالها الحميدة.
لقد تفضلت الزهراء عليها السلام بمخاطبة الصحابة مباشرة، ومن خلالهم كانت توجه كلامها الى الامة وأجيالها المتعاقبة ليعلم الجميع منازل الرفعة التي يستحقها أهل البيت وما لهم من احسان على الناس في الالتزام بسنن التقوى.
(129) هذه هي الآية الثامنة والعشرون بعد المائة من سورة التوبة، ومن أسماء الله عز وجل (العزيز) وهو الشديد الغالب القاهر الذي لا يمتنع عليه شيء.
واصل العنت: المشقة والصعوبة، ويأتي بمعنى الهلاك والإثم والخطأ والوقوع في أمر عسير وشاق.
والرسول في الآية الكريمة هو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والضمير في (انفسكم) يحتمل وجوهاً:
(1) انه من بني آدم وليس من نوع آخر من المخلوقات كالملائكة مثلاً.
(2) انه من العرب باعتبار ان المخاطبين بالآية اوان النزول هم العرب.
(3) انه ولد من نكاح كنكاح الاسلام، و لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية، وهو المروي عن الصادق عليه السلام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(4) انه من المسلمين ، باعتبار ان الخطاب موجه الى المسلمين من أدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن لم يدركه من أجيالهم المتعاقبة.
(5) ان ولادته ومنشأه عندكم وبين ظهرانيكم، وفي بعثته نوع اكرام لكم اذ لم يأتكم رسول من غيركم.
(6) انه من بينكم تعرفون احواله وما يتصف به من الصدق والامانة.
والارجح هو الاحتمال الثالث والرابع، لما اختاره من حمل الآية القرآنية على المعنى الاعم وصيغة الشمول إلا مع وجود القرينة المقيدة، بالإضافة الى النصوص الواردة بعرض اعمال المسلمين على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى بعد وفاته، فكأن في الآية تحذيراً من اطلاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ايذاء الزهراء عليها السلام والسعي في ظلمها، ويجوز في باب الحجة والاحتجاج ان يشمل الوجه الثاني.
(وقد ورد في قراءة فاطمة عليها السلام انفسكم – بفتح الفاء – وبها قرأ ابن عباس وابن علية وابن الحيصن والزهري، وقال الطبرسي: (وقيل انها قراءة فاطمة عليها السلام)( )، أي من خياركم واشرفكم واجودكم واحسنكم.
وورود قراءة خاصة للزهراء عليها السلام يدل على عظيم منزلتها وما لها من الشان الرفيع في الإحاطة بعلوم القرآن وتعاهدها له.وفي الآية الكريمة إكرام خاص للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وللمسلمين، فلم يجمع الله عز وجل لنبي إسمين من اسمائه إلا خاتم النبيين
فان تعزوه وتعرفوه تجدوه أبي دون نسائكم(130).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صلى الله عليه وآله وسلم ولو مع الفارق، وفي هذه الآية التي جاء ذكره فيها بلغة التبعيض والنسبة لعموم المسلمين ليشملهم الإكرام ايضــاً، بلغــة الحث والوعد والوعيــد، والانــذار من الذنوب وترك الإيمان او الإعراض عنه وفي قول انه رؤوف باقربائه رحيم بأوليائه.
لقد ارادت الزهراء عليه السلام بتلاوة هذه الآية الكريمة اثناء الخطبة التوكيد على استحضار القرآن حجة وبرهاناً، بالإضافة الى التحذير من إيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته.
انها دعوة للصحابة بتعاهد الإيمان والالتزام بالطاعة واجتناب العنت، واعطاء اهل البيت حقهم وعدم سلب الزهراء ما في يدها( ).
(130) فان تعزوه: أي تنسبوه، وفي الحديث: (من لم يتعز بعزاء الاسلام فليس منا) أي من لم يدع بدعوى الاسلام حتى يقولوا يا للمسلمين، او ان المقصود الانتماء الى الاسلام وجماعة المسلمين دون الانتماءات ذات الصبغة الجاهلية، والتعزية في المصيبة قول (انا لله وانا اليه راجعون)، لتوكيد المعاد وما في استحضاره من التبصرة والمواساة واسباب الصبر.
والفقرة من الخطبة الشريفة بيان لما تمتاز به الزهراء عليها السلام من بين النساء من جهة النسب الشريف وانفرادها بالانتماء الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من دون المسلمات جميعاً، وما فيه من مدلولات الاختصاص بمضامين كريمة في ابواب الفخر والمجد والشرف وفي باب المسؤولية الرسالية والتصدي لتحملها.
وأخا ابن عمي دون رجالكم (131).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انها تلفت الانظار الى عظيم مقامها وبركة وجودها بين ظهرانيهم وتحث على عدم التفريط بهذا الحضور وما يصدر عن شخصها الكريم من وجوه الحكمة والموعظة.
وهذه الفقرة من الخطبة وثيقة تأريخية تؤكد للأجيال ان الزهراء عليها السلام تتصف بمزايا كريمة لا توجد عند باقي النساء، وان الاتصال بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالبنوة اشرف من الاتصال معه بالسبب كالزواج ونحوه وهذا أمر معروف عند الأمم والملل.
وجواب أبي بكر وكلامه بعد خطبتها يؤكد ذلك واعتباره من المسلّمات.
(131) دون: تأتي على عدة وجوه: فتكون ظرفاً وبمعنى عند، وبمعنى قدام، وغير وهو المراد في المقام.
وقولها عليها السلام (وأخا ابن عمي): أي ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخو علي عليه السلام.
والفقرة من الخطبة الشريفة اشارة الى موضوع المؤاخاة، فقد قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمؤاخاة بين المهاجرين الذين تركوا الأهل والأحبة ونزلوا المدينة، وبين الأنصار.
وفي تلك المؤاخاة مبادئ عقائدية وأخلاقية واجتماعية فكان فيها عز للاسلام، ومؤازرة وتآلف وود بين المسلمين وليشد بعضهم إزر بعض ولتطرد الوحشة والامارات السلبية لمفارقة الأحبة، وبقيت بركات وآثار تلك المؤاخاة الايجابية الى ما بعد الفتوحات الاسلامية، ونزول قوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ.. ، وآية الارحام في الميراث وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ
.
فسلمان الفارسي يسافر من العراق الى الشام لزيارة أبي الدرداء للمؤاخاة التي جعلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهما.
وبلال الحبشي مؤذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي خرج الى الشام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، سأله عمر الى من تجعل ديوانك يا بلال؟ قال: مع أبي رويحة، لا أفارقه أبداً للاخوة التي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عقد بيني وبينه، فضم اليه.
وابو رويحة هو عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي ولذا ضم ديوان الحبشة الى خثعم لأخوة بلال لهم، وأوصى حمزة بن عبد المطلب يوم أحد ان حدث به حادث الموت الى زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم للأخوة التي جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينهما مع كبير منزلة حمزة فى بني هاشم.
ولقد آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أبي بكر بن أبي قحافة وخارجة بن زهير من الخزرج، كما آخى بين عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك، وبين عثمان بن عفان وأوس بن ثابت، اخي بني النجار، وهكذا في جماعة من الصحابة.
ولم يبق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بينهم بلا أخ وهو سيد المرسلين وخاتم النبيين، بل انه أول من اختار وبدأ بنفسه وقال لاصحابه كما في رواية ابن اسحاق: (تآخوا في الله أخوين أخوين، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: هذا أخي)( )، ومثله في مسند احمد عن حذيفة ابن اليماني.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفيه ايضاً عن زيد بن أبي أوفى قال: (لما آخا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين اصحابه قال علي: يا رسول الله آخيت بين اصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد، فقال: والذي بعثني بالحق نبياً ما اخترتك الا لنفسي فأنت مني بمنزلة هارون من موســى إلا انه لا نبي بعدي، وانت أخــي ووارثـي، وانت معي في قصري في الجنة مع ابن تي فاطمة، وانت أخي ورفيقي ثم تلا: إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ المتحابون في الله ينظر بعضهم الى بعض).
لقد اعتز الصحابة بتلك المؤاخاة وجسدوا مصاديقها خارجاً لما فيها من الاسرار والحكمة والعهد والميثاق ونحن بحاجة الى استلهام الدروس والعبر مما في هذه المؤاخاة من المضامين القدسية والمعارف الإلهية والمقاصد السامية في ابواب الإجتماع والأخلاق والتأريخ والعقيدة والسياسة، ومن حق اهل البيت عليهم السلام ان يفتخروا بمؤاخاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي لما فيها من الدلالات والدروس والحكمة.
انها مناسبة كريمة لبيان عظيم منزلة أمير المؤمنين ومعرفة ما لأهل البيت من حق المودة والإكرام والإقتداء بهم، وانه لا يقاس بهم أحد، كما في خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام قال: (لا يقاس بآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الأمة أحد، ولا يُسوّى بهم من جرت نعمتهم عليهم ابداً، هم اساس الدين وعماد المتقين، اليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة)( ).
ولنعم المعزى اليه صلى الله عليه وآله وسلم فبلغ صادعاً بالنذارة(132).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يختار لاخُوته أحداً من الأنصار وفق صيغ اعتبارات موضوع التآخي هذا، بالاضافة الى اهمية لحاظ ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يختار إلا بأمره تعالى وبإذنه ووحيه سبحانه، وهذا الأمر لا يمنع من الرجوع الى ما قبل أوان الهجرة من مكة الى أيام الدعوة الاولى.
ولعل في هذه الفقرة من الخطبة اشارة الى حق أمير المؤمنين عليه السلام في الخلافة؟ وان يبدو المقام متعلقاً بالافضلية وانفراده عليه السلام بهذا التكريم استحقاقاً وليكون شهادة وحجة وسبيلاً للهداية والمعرفة.
وهذا القول لا يعني وبالحمل الشائع الصناعي الذي ملاكه الاتحاد وجوداً والتغاير مفهوماً الاتفاق مع قول ابن أبي الحديد المعتزلي في قوله: (انه عليه السلام كان أولى بالأمر وأحق لا على وجه النص بل على وجه الأفضلية، فانه افضل البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأحق بالخلافة من جميع المسلمين لكنه ترك حقه لما علمه من المصلحة، وما تفرس فيه هو والمسلمون من اضطراب الاسلام وانتشار الكلمة لحسد العرب له وضغنهم عليه)( ).
(132) يقال صدعت الشيء أي بينته واظهرته، وفي التنزيل فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ أي بلغ ما انزل اليك بإبانة ظاهرة عامة متجلية للجميع من غير خوف او تردد، وصادع اسم فاعل بمعنى الإبانة والإظهار.
مائلاً عن درجة المشركين (133).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والنذارة بالكسر من الانذار وهو الإعلام المقرون بالتخويف.
وفي هذه الفقرة من الخطبة الشريفة اظهرت الزهراء عليها السلام اعتزازها وافتخارها بالإنتساب الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك الإنتساب الذي بقيت الأجيال المتعاقبة من اولاد الزهراء عليها السلام تفتخر به وتتسامى به.
وفيها اشارة الى ان هذا الإنتساب يملي وظائف عقائدية وأخلاقية وادبية تتناسب وشرف الانتماء اليه.
وفيها شهادة وثناء على الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم من مقام الإيمان، وردع لمن كان في قلبه مرض ويحاول ان ينال من الاسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وفيها تنبيه الى ان الحجة اقيمت على الناس بعد التبليغ واداء احكام الرسالة كاملة قال تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا .
(133) يقال مال عنه ميلاً أي اعرض وابتعد عنه، واذا تعدى مال بعلى يكون المعنى شدّ عليه ولكن الفقرة التالية تتضمن ذات المعنى.
والدرجة: المنزلة والمذهب، وعن بعض النسخ مدركة بدل قولها عليها السلام مدرجة أي درجة الإنحطاط.
وفي بعض النسخ للخطبة الشريفة (ناكباً عن سنن المشركين).
وفي رواية ابن أبي طاهر (مائلاً عن مدرجة).

ضارباً ثبجهم (134)، آخذاً باكظامهم (135).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والفقــرتــان من الخطبــة الشريفة اقتباس واشارة الى قوله تعالى فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ ، لبيان اداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم للامانة السماوية بأتم صيغ الجهاد وانه لم تأخذه في الله لومة لائم وقد اعرض عن المشركين والكفار ومنهم اقرباؤه من قريش.
(134) الثبج: معظم الشيء ومعاليه.
والفقرة من الخطبة بيان وتوكيد لجهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تحدي قريش ومحاربة المشركين، انها تذكير واستحضار لمحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمشركين وقتله لرؤوسهم وكبرائهم، وعلى سبيل المثال لا الحصر كان عدد قتلى المشركين في معركة بدر سبعين رجلاً، ومثلهم الاسرى، و به قال ابن عباس ، منهم ابو جهل والنضر بن الحارث وحنظلة بن أبي سفيان بن حرب، وعتبة بن ربيعة بن عبد شمس وغيرهم ممن كانت لهم السطوة والنفوذ والشان في قريش والقبائل العربية الأخرى.
(135) الكظم – بالتحريك – مخرج النفس من الحلق، وفي الخبر: (له التوبة ما لم يؤخذ بكظمه) أي ساعة خروج روحه وانقطاع نفسه.
وآخذاً باكظامهم: أي لم يبق لاكثرهم خبر ولا اثر، لقد كانت قريش من اعز القبائل العربية وتتولى شطراً كبيراً من التجارة في الجــزيرة العربية وما يحتاج اليه اهل الشام والهند مما
داعياً الى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة (136).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ينتج فيها، وبيدهم سدانة البيت الحرام وهم أهله واصحاب الفصل في مكة وما حواليها، فكان لمحـاربتهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومواجهتهم للإسلام اثر كبير على القبائل والأفراد لولا العناية الإلهية.
ولم يتخذ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منهم موقفاً محايداً او يطلب منهم الإعتزال، بل انه بدأ بهم انذاراً وتحذيراً وترغيباً بالإسلام بصيغ الدعوة المتعددة المتدرجة نحو آلة السيف، فكانوا امام أمرين لا ثالث لهما اما الدخول في الاسلام، او تعريض انفسهم للهلاك لأنهم من عبدة الأوثان.
والفقرة من الخطبة الشريفة تبين جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم للكفار والنصر العظيم الذي ناله، وما لحق بالكفار والمشركين من الهزيمة والخسران.
انها بيان لصــفحــات اليســر في مواطــن الجهاد عقـيــب وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الذي انجزه صلى الله عليه وآله وســلم في مياديـن الفتح وترســــخـت بفضــلــه تعالى دعــائم الدين، وفيها دعوة للصحابة لمواصلة الجهاد وعدم القنوط او الفتور.
(136) الفقرة من الخطبة الشريفة اقتباس من قوله تعالى ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ .. ، وفسرت الحكمة في المقام بالقرآن لما فيه من الحث على الصالحات والنهي عن القبيح
يكسر الأصنام (137).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والمنكر، وهو صحيح بلحاظ اعتبار القرآن تبياناً كل شيء.
والموعظة الحسنة الدعوة بلغة الترغيب والـصدق والـبرهان والنصيحة ولين الجانب وفي الحديث: (أمرنا معاشر الأنبياء ان نكلم الناس على قدر عقولهم). وعن ابن عباس: (ان الحكمة هي النبوة، والموعظة الحسنة مواعظ القرآن).
لقد جاهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الدعوة الى دين الله بالحكمة والآيات والحجج والبراهين كما كانت الدعوة بالسيف، وسعى بجدٍ متواصل الى صرف الناس عن الشرك والضلالة وفعل المنكر، وقد مدحه الله عز وجل بما ورد في التنزيل وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ .
(137) الاصنام: جمع صنم، وهو ما كان يُعبد من دون الله مما كانت له صورة من حجر او صفر، ومثله الوثن، وقيل ان الوثن ما لا يكون له صورة، وقد تقدم الكلام فيه.
لقد كانت ظاهرة الاصنام وعبادتها والتقرب والتوسل بها منتشرة في الجزيرة العربية، وهو نوع شرك وجهل، وكانت تحتل مكانة وشأناً في حياة العرب الفكرية والسياسية والاجتماعية، بل ولها منزلة في نفوسهم خاصة وان بعض القبائل اتخذت لها صنماً خاصاً تعرف به، مما اصبح من العسير ان يقوم شخص او جماعة على فرض وجود تلك الجماعة بإزالة هذه المظاهر التـــــي تترسخ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالتوارث وتعاقب السنين قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا.
وان من اهم وظائف النبوة القضاء على معالم الشرك ومفاهيمه ومدلولاته الالتزامية والتضمنية، وفيه انتقال وتغيير جذري باتجاه الرشاد والصلاح والفلاح ولكن تلك الاعباء تحتاج الى جهاد متصل واستعداد للتضحية وقوة وأهلية للزعامة وقدرة على التغيير.
وقد قام الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم بمسؤوليات الرسالة احسن قيام فزالت عبادة الاصنام دفعة واحدة بفضله تعالى بعد ان تفشت قيمها ووصلت اشخاصها الى البيت الحرام.
عن ابن عباس قال: (دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة يوم الفتح على راحلته، فطاف عليها وحول البيت اصنام مشدودة بالرصاص، فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يشير بقضيب في يده الى الاصنام ويقول: جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقاً، فما أشار الى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا اشار الى قفاه إلا وقع لوجهه حتى ما يبقى منها صنم إلا وقع)، فقال تميم بن أسد الخزاعي:
وفي الاصنام مُعتبر ويلكم

لمن يرجو الثواب او العقابا ( )

وينكث الهام(138) حتى انهزم الجمع وولوا الدبر (139).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(138) النكث: النقض، والهام: جمع هامة وهي الراس.
والفقرة من الخطبة الشريفة اعلان وتذكير بما فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمشركين من قطع الرؤوس واجتثاث الكفر في مكة والمدينة وما حولهما.
وفيها اشارة وإيحاء الى الصحابة بان خطر المشركين قد زال عنكم، وان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يغادر الى الرفيق الاعلى إلا وقد مهّد لكم الامور وسهل لكم نشر احكام الدين، والتنعم باداء الفرائض من غير خوف من عدو ذي شوكة.
لقد انتقل الاسلام في أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم المباركة من الغربة الى الظهور والحكم، ومن الضعف الى القوة، ومن تعرضه والمسلمين الى الاضطهاد والافتراء الى السيادة والعز والظفر.
(139) يقال انهزم الجيش: أي انكسر ولاذ افراده بالفرار.
والجمع: اسم لجماعة الناس، وقد يأتي مصدراً، والدبر خلاف القبل وهو هنا بمعنى الهزيمة.
والفقرة من الخطبة الشريفة اقتباس من قوله تعالى أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ .
لقد جاهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكفار حتى هزمهم في بدر وحنين وغيرهما وانحسر حضورهم السياسي وانهدم كيانهم العقائدي والاجتماعي ودخل الناس الاسلام افواجاً وجماعات.
حتى يفرى الليل عن صبحه واسفر الحق عن محضه(140).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(140) التفري من الفري وهو في الاصل القطع.
والإسفار: الانكشاف يقال: اسفر الصبح اذا انكشف واضاء.
والمحض: الخالص الذي لم يخالطه شيء وفي الحديث (امحض أخاك المودة).
والفقرة من الخطبة الشريفة تشير الى انتهاء عصر الجاهلية والوثنية البغيضة بفجر الاسلام وبالجهاد اليومي الدؤوب للنبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم، والى رسوخ الاسلام وتثبيت النبي صــلى الله عليه وآله وســلم لاركانه، (فعند نـزول سورة النصر [ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ] قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نعيت إليّ نفسي، فجاء الى مسجد الخيف وجمع الناس ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: نصر الله امرء سمع مقالتي فوعاها وبلّغها من لم يسمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه الى من هو افقه منه، ثلاث لا يغل عليها قلب امرء مسلم، إخلاص العمل لله، والنصيحة لائمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فان دعوتهم محيطة من ورائهم – ايها الناس اني تاركٌ فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانه قد نباني اللطيف الخبير انهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض كاصبعيّ هاتين – وجمع بين سبابتيه – وإلا كهاتين – وجمع بين سبابته والوسطى – فتفضل هذه على هذه)( ).

ونطق زعيم الدين(141)، وخرست شقاشق الشيطان(142).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(141) الزعيم: السيد والضمين والكفيل، جاء هنا استعارة وعنواناً لسيادة سنن الاسلام.
لقد بلّغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ربه وجاهد بنفسه واهل بيته واصحابه حتـــى علت راية الاســـــلام وســـادت احكامه الجزيرة وما حولها، واصبحت احكام الشريعة الاسلامية هي الاساس والمرجع في المعاملات بعد تسليم الناس بالشهادتين وادائهم الفرائض.
(142) الشقاشق: جمع شقشقة بالكسر، التي يخرجها الجمل العربي من جوفه ينفخ فيها اذا هاج فتظهر من شدقه، ومنه سُميت احدى خطب الإمام علي عليه السلام بالشقشقية لقوله في خاتمتها تعقيباً واستعارة: (تلك شقشقة هدرت ثم قرت).
والشيطان: كل عات متمرد من الجن والإنس واصله من الشطن وهو البعد، أي انه بنعت التشيطن ابتعد عن الصلاح وعن رحمة الله، لقد كانت قيم التخلف ومعالم الرذيلة والفجور والوثنية هي المنتشرة قبل الاسلام من غير رادع او ناهي ذاتي او خارجي، عقائدي او اجتماعي.
وكانت مظاهر الفسوق تتفشى بين الناس واصبحوا يألفون افرادها مما ينذر بالمخاطر الجسيمة وسوء العاقبة الجماعي، فجاء الاسلام ليشرق على النفوس ويعرض عليها الهداية والإيمان، وواجهته قوى الضلالة واعوان الشيطان ومن تغذى بأخلاق الوثنية وحمل سمات الجهالة، فحاربوا الاسلام في أيامه الاولى وآذوا النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم واجتمعوا على وأد
وطاح وشيظ النفاق(143). وانحلت عقد الكفر والشقاق(144).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الاسلام حتى انهم اتفقوا على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشرعوا بمحاولة التنفيذ، لولا العناية الإلهية بخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة ليلتها بأمر منه تعالى، ومبيت علي عليه السلام في فراشه تورية وتصدياً وتحدياً واستثماراً للوقت حتى يبتعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن منطقة الخطر، ولكي لا تطاله أيدي مردة العرب واعوان الشيطان.
ولم يقفوا عند هذا الحد بل تجاوزوا قدرهم وجاءوا لمحاربة الاســلام في المدينــة لما اغاظــهم من اتساع ســلطانه واقبال الناس عليه، فسار لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقاتلهم في بدر وهزمهم بآية منه تعالى وبمدد من الملائكة، قال تعالى إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ .
(143) يقال طاح يطوح ويطيح اذا هلك وسقط.
والوشيظ: الرذال والسفلة من الناس.
والنفاق اصله من النفق وهو السرب في الارض ، وفي الاصطلاح الاستتار بالاسلام واظهار ما يدل على الإيمان مع اخفاء الكفر والميل اليه.
(144) انحلت العقدة أي انفتحت، والشقاق المخالفة وكانه في شق غير الشق الانسب ، وفي الحديث: (اعوذ بك من الشقاق والنفاق).
وفهتم بكلمة الإخلاص (145).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لقد انعم الله عز وجل على اهل الارض برسوله الكريم هادياً ومنذراً ومبشراً، جاهد الكفار والمنافقين وقضى على رؤوس الضلالة واهل الحل والعقد من الكفار لتبقى كلمة التوحيد هي العليا.
لقد انهارت بشمس الإسلام منتديات الضلالة وتفرقت واضمحلت رايات الكفر والجحود التي كانت سائدة قبل الاسلام وتلك التي واجهته في سنيه الاولى وأيام نشأته، وتهاوى صرح الكفر بالجهاد المتصل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهو لم يركن اليهم ولم تأخذه فيهم لومة لائم، ولم يتركهم في حال يستطيعون معها محاولة وأد الاسلام او محاربته.
(145) كلمة الإخــلاص هي عقيدة التوحـيد وفي تسمية [ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ] بسورة الإخلاص قيل لان اللافظ بها قد أخلص التوحيد لله تعالى.
وتتضمن الفقرة من الدعاء مدحاً للصحابة من المهاجرين والأنصار الذين بادروا الى النطق بالشهادتين والتسليم للنبوة والإنقياد لاحكام الرسالة وساروا في سرايا الجهاد، وجاءت للتذكير وإقامة الحجة وتجديد الولاء للاسلام، او للأمرين معاً، وفيها اشارة للتسبيب في الجمع والتوجيه المباشر من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو الواسطة لنيل الثواب في الجهاد وهذا ليس من المن بل لبيان فضله تعالى ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

في نفر من البيض الخماص (146).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(146) النفر: الجماعة، وقد حده بعضهم بالعدد من ثلاثة الى عشرة، وقيل الى سبعة، ولا يقال نفر فيما زاد على العشرة، وانه يتعلق بالعاقل، ولكن ذكر النفر في الحديث للرجال لا يعني حصره بالعاقل انما يعم غيره كما في الفقرة اعلاه، وتدل على ان النفر يشمل ما زاد على العشرة، لان سرايا المسلمين كانت بأعداد من الخيول غير قليلة، الا ان يكون المقصود قلة خيول المسلمين في معارك الاسلام الاولى.
البيض: جمع أبيض، وهو افضل لون عند العرب ورمز الفضل، والمقصود هنا صفة الخيل التي يركبها المسلمون لاغراض الجهاد والغزو والفتح.
والخماص: جمع خميص وهو الضامر البطن، وفي المقام رمز لكثرة الجري والركوب.
لقد اتعب المسلمون الاوائل انفسهم وخيولهم في الجهاد المتواصل في سبيل الله، لم يهنوا ولم يكلوا، نذروا انفسهم واموالهم في الدعوة الى الاسلام.
انها لغة في الانصاف والاكرام اتقن اهل البيت عليهم السلام اداءها وتعليم الناس اصولها، اثنت الزهراء عليها السلام عليهم لجهادهم ونصيحتهم في دين الله عز وجل من دون ان تنسى الإشارة ذات طابع الحجة الى فضل الله ورسوله عليهم في اتخاذ الجهاد سبيلاً الى الصلاح والفلاح في الدارين.

وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ مُذقة الشارب ونُهزة الطامع(148).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(147) الفقرة من الخطبة اقتباس من قوله تعالى وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ، وشفا الشيء جرفه وحافته.
والحفرة – بضم الحاء وسكون الفاء – البقعة الصغيرة في الارض المنزوع عنها ترابها.
لقد كان العرب اهل جاهلية ويتخذ شطر منهم من الاصنام آلهة مما يسوقهم الى النار عاقبة وعقاباً أخروياً، فجاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسولاً من عند الله وهادياً الى الصراط القويم، وكانت به نجاتهم، وباتباعه رشادهم وهدايتهم بعد ان كاد الكفر يطبق على الجزيرة وتستعصي معالجة احوالهم واصلاح اذهانهم الا ان يشاء الله، مما يعني ان بعثته صلى الله عليه وآله وسلم كانت حاجة وضرورة من جهة الأمان والمكان.
وفي الآية اعلاه ورد في الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام: (وكنتم على شفا حفرة من النار فانقذكم منها بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم).
(148) المُذقة – بضم الميم او فتحها – الشربة من اللبن الممزوج بالماء، وفي الحديث: (وما هي إلا كمذقة الشارب) – والضمير عائد الى الدنيا.
وقبسة العجلان، وموطئ الاقدام(149).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والنهزة – بالضم – الفرصة التي تكون صالحة زماناً او مكاناً للاغتنام والنفع والمبادرة بما فيه الفائدة.
من مظاهر الجاهلية ونتائجها ان تفرقت العرب الى قبائل يغزو بعضها بعضاً في مجتمع تسوده البغضاء والاحقاد والتفاخر بغير الحق، مما جعلهم مطمعاً قريباً ومنالاً سهلاً لاعدائهم خاصة الدولة الرومانية في الغرب والدولة الفارسية فيما جاورهم من جهة الشرق، وعانوا احياناً الجور والتبعية والانصياع والانقياد للغير الذي سخّرهم أحياناً لاغراضه ومصالحه، فجاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة من عند الله عز وجل فاصبح العرب اعزة بالاسلام، لا يستطيع الاعداء النيل منهم بل أخذ ملوك الروم وفارس يخشون الاسلام والمسلمين ويخافونهم على عروشهم.
انها تذكير بعظيم المنافع الدنيوية والأخروية للبعثة النبوية المباركة ودراسة مقارنة لاحوال العرب قبل الاسلام وبعده، وانهم كانوا مهددين بالتشتت ودوام الفرقة وتعدد وجوه الولاء لاعدائهم لولا ان انعم الله عليهم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم مبشراً وهادياً وزعيماً وقائداً في مسالك الإيمان والعز والتوفيق.
ترى ما هو حال وشأن اللغة العربية ذاتها في هذا الزمان لولا الاسلام ونزول القرآن عربياً، فلقد حفظها وتعاهدها وخلدها القرآن والمسلمون( ).
(149) القبسة – بالضم – الشعلة من النار تؤخذ من معظمها
تشربون الطرق، وتقتاتون القد(150) أذلة خاسئين تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم(151).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويقال اقتبس منه علماً أي استفاد.
وطئه يطئه وطأ: داسه.
والفقرة من الخطبة تذكير بحال العرب قبل الاسلام ومظاهر الضعف والتفكك التي كانت تحيط بمجتمعاتهم وما أدت اليه من تجرأ اعدائهم عليهم واستضعافهم.
(150) الطَـرَق – بفتحـتـين – المستنقع، والمخـاضــة التي تبول فيها الابل.
والقد – كفلس – جلد السخلة، وذكر الطرق والقد في المقام من باب المثال وليس الحصر.
والفقرة من الخطبة بيان للحالة المعاشية البائسة، والمستوى الاقتصادي المتردي للعرب عامة والصحابة منهم وما كانوا يعانونه من الفقر والعوز والجوع، وتوكيد وتذكير بالنعم التي توالت عليهم بالاسلام وما فيه من الفتوحات والغنائم، انها مناسبة لشكره تعالى وتجسيد للثناء بالسعي لتعاهد تلك النعم بالمحافظة على شعائر الاسلام ومجازاة النبوة بإكرام اهل البيت عليهم السلام والاقتداء بهم قال تعالى قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى .
(151) الذل: الانقياد والهوان.
فانقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد اللتيا والتي(152).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوخاسئون: جمع خاسئ وهو الصاغر المفتقر الى القدرة على الخروج من منازل الاندحار، ويتخطف أي يستلب.
والفقرة من الخطبة بيان لحالتهم السياسية وما كانوا يعيشونه من الذل والضعف والفرقة والخوف من الآخرين والرضوخ لاوامرهم او طلباتهم، والتهديد المستمر من قبل اعدائهم الذين يحيطون بهم قبل ان يبعث الله عز وجل محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نبياً ورسولاً، وتقوى شوكة الاسلام.
انها مقارنة تأريخية وسياسية واجتماعية وفق منهج العلوم التأريخية وتفسير الحقائق وتعليلها للوصول الى النتيجة وهي أثر الاسلام الايجابي وما احدثه في حياتهم من انقلاب ومنافع مركبة ومتصلة، وتذكيرهم باسباب نشوء مظاهر العز والرفعة عندهم وسبل دوامها.
(152) اللتيا والتي اسمان من أسماءالدواهي، واللتيا – بالفتح والتشديد – – تصغير التي – وتذكران مثلاً وكناية عن الشدائد المتعاقبة، وأصل المثل أن رجلاً تزوج امرأة قصيرة اسمها اللتيا فعانى منها ولاقى منها شــدة فطلقها، ثم تـزوج امرأة طويلة اسمها التي فقاسى منها شدة اكثر فطلقها وقال بعد اللتيا والتي لا اتزوج ابداً فذهبت مثلاً.
وتبين هذه الفقرة من الخطبة الشريفة فضله تعالى على المسلمين بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والخطاب وان كان موجهاً للصحابة وهم من العرب الا القليل منهم كسلمان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وبلال ولا يعني هذا حصر الانقاذ بهم بل جاء للمثال والمناسبة والغالب، ولا مانع من النظر الى الخطاب من حيث الجهة الموجه اليها الخطاب بالمعنى الاعم لقابليته للانحلال والتعدد فيكون المقصود المسلمين ، قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
وانقاذهم هنا يتصور على شعبتين، الاولى تقهقر وضعف عدوهم ومن كان يخيفهم ويذلهم، والثانية بلوغهم منازل العز والرفاه والعيش الرغيد وصيرورتهم قادة وسادة الشعوب،
لقد تفاخروا على غيرهم من الامم بالنبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم, بل ان العرب انفسهم تفاخروا فيما بينهم، وبعضهم على بعض بالقرب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم نسباً وصحبة وسبباً.
ويلاحظ في هذه العبارة من الخطبة أدب العبودية الذي يحسنه أهل بيت النبوة، وعدم النطق بعبارات المن والأذى حتى عند الحديث عن احسانهم للعرب وللمسلمين، فلقد نسبت الزهراء عليها السلام الانقاذ الى الله عز وجل، وهو الحق، وانهم بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تخلصوا من شر اعدائهم الاقوياء واصبحوا ذوي سيادة وتحملوا المسؤوليات العظام.
الحمد لله الذي أنزل القرآن تبياناً لكل شئ وجعل سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت مرآة لآياته ، ودعى النبي الناس للإقتداء بأهل البيت كما في حديث الثقلين.
وأخرج أحمد بن حنبل عن زيد بن ثابت قال : إني تارك فيكم خليفتين ، كتاب الله عز وجل حبل ممدود ما بين السماء والأرض ، وعترتي أهل بيتي ، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض( ).
ويدل لفظ الخليفة على ان المراد هم العترة وليس السنة وتحكي سيرة الزهراء خلق القرآن في صيرها وحلها وزهدها وعبادتها وكانت أمة في المعارف الإنسانية وكانت بذاتها حرباً على الوأد ، ودعوة للناس لإكرام المرأة وقد أزرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم من صغرها .
وتدخل زمان العولمة باكرام الزهراء وأمهات المؤمنين والتعلم من سيرتها وجاءت النصوص باستحباب قراءة المرأة لسورة النور لما فيها من الزواجر .
وعن الإمام الرضا عليه السلام قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لما عرج بي إلى السماء أخذ بيدي جبرئيل عليه السلام فادخلني الجنة فناولني من رطبها فأكلته فتحول ذلك نطفة في صلبي فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة ففاطمة حورية انسية فكلما اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رائحة ابنتي فاطمة ، وفي رواية جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن جبرئيل ناوله تفاحة لتصاحب فاطمة البركة في الدنيا وتكون شفيعة لأوليائها واحبابها من المسلمين والمسلمات في الآخرة .
وكذا بالنسبة لوفاة الإمام الرضا عليه السلام على أقوال متعددة بعد الإتفاق أنه توفي مسموماً في سنة مائتين وثلاثة ، وعمره الشريف خمس وخمسون سنة ، اختلف في يوم وفاته على أقوال منها الرابع عشر من شهر صفر ، السابع عشر من شهر صفر ، اليوم الأخير من شهر صفر ، اليوم الثالث والعشرون من شهر ذي القعدة.
الأولى : وفاة الزهراء في الثامن من شهر ربيع الثاني وهو الشهر الذي نحن فيه الأن وهذا واليوم هو الرابع منه سنة أربعمائة بعد الألف للهجرة النبوية وأنها بقيت بعد انتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى الرفيق الأعلى أربعين يوماً كما في ذخائر العقيدة ص52 وكشف الغمة ، وفي البحار عن ابن عباس 43/7 وكتاب سليم بن قيس ، وفي مروج الذهب للمسعودي .
الثاني : في الثالث عشر من شهر جمادي الأولى وأنها بقيت بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم خمسة وسبعين يوماً ، كما في رواية الكافي 1/228 صحيحة السند والإختصاص ص183 والخرائج 526 عن الصادق عليه السلام .
الثالثة : في الثالث من شهر جمادي الثاني برواية عن الإمام الباقر أنه عاشت بعد أبيها تسعين يوماً ثلاثة أشهر أي أن الزهراء بقيت بعد أبيها تسعين يوماً ، واختاره الطبري في دلائل الإمامة ص46 ، والسيد ابن طاووس والشيخ المفيد ، في مسار الشيعة ص54 ، والشيخ الطوسي في مصباح المتهجد ص793.
ويذكرون أن أحد العلماء أراد أن يحقق في تعيين يوم شهادتها عليها السلام فجاءته في الرؤيا وقالت له : وما يضر أن يذكرني شيعتي في السنة عشر مرات .
وهذه الرؤيا في حال ثبوتها حجة على صاحبها ، إنما تكون الرؤيا حجة عامة إذا كانت رؤيا نبي وبملاك النبوة كما في قوله تعالى قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ.
الأن أيام السرعة وزمان العولمة ، وحاجة الناس للعمل والكسب مع تقارب البلدان وكثرة الفضائيات فلابد من تعيين يوم مخصوص للوفاة كل إمام والمختار إلى أن يخرج الإمام المهدي عليه السلام فيملأها عدلاً وقسطاً ويبين لنا التواريخ الصحيحة والمختار أن وفاة الزهراء هو الثالث عشر من شهر جمادي الأولى .

الحمد لله رب العالمين
15/12/1425هـ

ختلف هل هي أفضل أم مريم عليها السلام ، وقال عدد من العلماء : أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , وهي أفضل نساء العالمين منهم السيوطي والسهيلي .
وقال السبكي حين سئل قال : الذي نختاره أن فاطمة بنت محمد أفضل .
وسئل ابن داود فقال : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : فاطمة بضعة مني ولا أعدل ببضعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ).
وعن(المِسْوَر -هو ابن مَخْرَمَة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فاطمة بَضْعَةٌ مني، يَقْبِضُني ما يقبضها، ويَبْسُطني ما يبسطها وإن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري) ( ).
أبو لبابة حينما ربط نفسه في سارية في المسجد النبوي وحلف أن لا يحله إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وقال الآلوسي صاحب تفسير روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني أن فاطمة البتول أفضل النساء المتقدمات والمتأخرات.

الموضوع الصفحة
المقدمة 3
الإسم المبارك 5
فاطمة مهاجرة 9
مسند فاطمة 13
صلاة فاطمة 21
منتهى الفخار 23
وفاء وإكرام 28
فدك 32
في رحاب فدك 39
الإمام علي وفدك 46
الزهراء والسقيفة 49
خطبة الزهراء وسندها 55
رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد
4754 لسنة 2024